Полный текст (367 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
فالتفصيل في الأبيات الثلاثة كأنه شيء واحد، لأن كل واحد منهم يشبه لمعان السيوف في الغبار بالكواكب في الليل، إلا أنك تجد لبيت بشار من الفضل ومن كرم الموقع ولطف التأثير ما لا يمكن إنكاره.
وذلك لأنه راعى ما لم يراعة غيره، وهو: جعل الكواكب "تتهاوى" فأتم التشبيه، وعبر عن هيئة السيوف وقد سلت من الأغماد وهى تعلو وترسب، وتجيء وتذهب، ولم يقتصر على أن يريك لمعانها في أثناء العجاجة، كما فعل الآخران.
وكان لهذه الزيادة التي زادها حظ من الدقة التي تجعلها في حكم تفصيل بعد تفصيل.
وذلك لأن إفادة هيئة السيوف في حركاتها - إنما أتت في جملة لا تفصيل فيها، إلا أن حقيقة تلك الهيئة لا تقوم في النفوس إلا بالنظر إلى أكثر من جهة واحدة، لأن لها في حال احتدام الحرب واختلاف الأيدي بها في الضرب اضطرابا شديداً وحركات سريعة، ثم إن لتلك الهيئة جهات مختلفة وأحوالا تنقسم بين الاعوجاج والاستقامة والارتفاع والانخفاض، وإن السيوف باختلاف هذه الأمور تتلاقى وتتداخل ويقع بعضها في بعض، ويصدم بعضها بعضاً، ثم إن أشكال السيوف مستطيلة، وقد نظم هذه الدقائق كلها في نفسه ثم أحضرها لك بلفظة واحدة ونبه عليها بأحسن التنبيه، وكمله بكلمة واحدة هي: "تهاوى" لأن الكواكب إذا تهاوت اختلفت جهات حركاتها وكان لها في تهاويها تواقع وتداخل، ثم إنه بالتهاوي تستطيل أشكالها، فأما إذا لم تزل عن أماكنها فهي على صورة الاستدارة.
ومن أبلغ الاستقصاء وعجيبه قول عبد الله بن المعتز:
كأنا وضوء الصبح يستعجل الدُجى ... نطيرُ غراباً ذا قوادم جونَّ
فقد شبه ظلام الليل حين يظهر فيه الصبح بأشخاص الغربان، ثم شرط أن تكون قوادم ريشها بيضاً، لأن تلك الفروق من الظلمة تقع في حواشيها من حيث يلي معظم الصبح وعموده لمع نور يتخيل منها في العين، كشكل قوادم إذا كانت بيضاء وتمام التدقيق في هذا التشبيه في شيء آخر، وهو أنه جعل ضوء الصبح لقوة ظهوره
стр. 317
ودفعة لظلام الليل كأنه يحفز الدجى ويستعجلها، ولا يرضى منها بأن تتمثل في حركتها، ثم لما بدأ بذلك أولاً اعتبره في التشبيه آخراً، فقال: (نطير غراباً)، ولم يقل: (غراب يطير) مثلاً -، وذلك لأن الغراب، وكل طائر إذا كان واقفة هادئاً في مكان فأزعج وأخيف وأطير منه، أو كان في حبس في يد أو قفص فأرسل كان ذلك محالة - أسرع لطيرانه، أعجل وأمد له وأبعد لأمده، فإن تلك الفزعة التي تعرض له من تنفيره، أو الفرحة التي تدركه وتحدث فيه من خلاصه وانفلاته مما دعاه إلى أن يستمر حتى يغيب عن الأفق ويصير إلى حيث لا تراه العيون، وليس كذلك إذا طار عن اختيار؛ لأنه يجوز - حينئذ - أن يطير إلى مكان قريب من مكانه الأول وألا يسرع في طيرانه، بل يمشي على هيئته ويتحرك حركة غر المستعجل.
ألوان التصرف في القريب المبتذل بما يجعله بعيداً غريباً:
قد يتصرف الحاذق بصنعة البيان في التشبيه القريب المبتذل بما يجعله بعيداً غريباً، لا ترتقي إليه مدارك العامة، ولذلك طرق منها:
١ - التشبيه الضمني ، وذلك كما في قول أبى الطيب المتنبي مادحاً:
لم تلق هذا الوجه شمس نهارنا ... إلا بوجه ليس فيه حياءُ
فقد أراد الشاعر أن يشبه الممدوح بالشمس في الإشراق، وهذا تنبيه قريب مبتذل يستوي في إدراكه الخاصة والعامة، ولكن ادعاء الشاعر أن الشمس إنسان يحس ويشعر ويستحى، وكان عليها وقد رأت وجه الممدوح أن تتوارى خجلاً منه لأنه فوقها في الحسن والإشراق هو الذي رفع من قدر هذا التشبيه من القرب والابتذال إلى البعد والغرابة.
٢ - ومن ألوان التصرف في التشبيه القريب المبتذل حتى يصير بعيداً غريباً: التشبيه المشروط وهو المقيد بشرط، والشرط أما أن يكون في المشبه، وإما أن يكون في المشبه به، وإما أن يكون فيهما معاً.
فمن تقييد المشبه قول الشاعر:
يكاد يحكيك صوب الغيث منسكبا ... لو كان طلق المحيا يمطر الذهبا
والبدر لو لم يغيب والشمس لو نطقت ... والليث لو لم يصد والبحر لو عذباً
стр. 318
فالمشبه هو الممدوح، وقد شبه به كل من: صوب الغيث، والبدر والشمس والليث، والبحر، وقرن كلاً منها بقيد لولاه لتم التشبيه.
ومن تقييد المشبه به قول رشيد الدين:
عزماته مثل النجوم ثواقباً ... ... لو لم يكن للثاقبات أفول
فقد شبه عزمات الممدوح بالنجوم، ولكنه قيدها بعدم الأفول.
ومن تقييدهما معاً، قولك: "ليلى إذا ابتسمت كالشمس إذا أشرقت" وقول أمير الشعراء:
ويقائق النسرين في أغصانها ... كالدر ركب في صدور رماح
فقد شبه يقائق النسرين - وهو ورد عطري قوى الرائحة - بالدر، وهو تشبيه قريب مبتذل ولكن تقييد ورود النسرين بكونها في أغصانها، وتقييد الدر بكونه مركباً في صدور رماح أخرجه عن قربه وابتذاله إلى بعده وغرابته.
٣ - تشبيه التفضيل: وهو أن تشبه شيئاً بشيء، ثم ترجع فتفضل المشبه على المشبه به.
كما في قول الشاعر:
حسبت جماله بدراً منيراً ... ... وأين البدر من ذاك الجمال!
ومنة تشبيه التشكيك، كما في قول الشاعر:
بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاى منكن أم ليلى من البشر؟
ومن روائع التصرف في التشبيه القريب المبتذل قول الشاعر:
في طلعة البدر شيء من محاسنها ... وللقضيب نصيب من ثنيها
ثالثا: أداة التشبيه
الأداة: لفظ يدل على معنى التشبيه، كالكاف في قوله تعالى: (وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآَتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ) [الرحمن: ٢٤] وكما في قول أبى الطيب:
هذا الذي أبصرت منه حاضراً ... مثل الذي أبصرت منه غائباً
كالبدر من حيث التفت رأيته ... يهدى إلى عينيك نوراً ثاقباً
стр. 319
كالبحر يقذف للقريب جواهراً ... جواداً ويبعث للبعيد سحائباً
كالشمس في كبد السماء وضوؤها ... تغشي البلاد مشارقاً ومغاربا
وكذلك كل لفظ يدل على المماثلة حرفاً كان أو اسماً، أو فعلاً، كلفظ "كأن" حرفاً، كما في قول المتنبي:
وقفت وما في الموت شك لواقف ... كأنك في جفن الردىَّ وهو نائمُ
وكلفظ "مثل" اسماً، كما في قوله:
كذا فليسر من طلب الأعادى ... ومثل سُراك فليكن الطلاب
وكذلك الفعل الدال على معنى التشبيه ماضياً كان أو مضارعاً، كماثل يماثل، وشابه يشابه، وحاكي يحاكى.
وكذلك الوصف المشتق المفيد لهذا المعنى: كمماثل، ومشابه، ومحاك، ومن الأدوات - أيضاً -: سيان، وسواء.
والتشبيه باعتبار الأداة ينقسم إلى قسمين: مرسل، ومؤكد:
فالمرسل: هو ما ذكرت فيه أداة التشبيه لفظاً أو تقديراً، فمثال الأول قول المتنبي:
ومن في كفة منهم قناة ... كمن في كفه منهم خضابُ
ومثال الثاني قولك: "صوته صوت البلبل" و "نفحه نفح المسك" و "وشيه وشي الطاووس"إذا قدرت على معنى الكاف.
وإنما سمي هذا القسم مرسلاً، لأنه أرسل عن التأكيد، أي: خلا منه.
والمؤكد: هو ما تركت فيد أداة التشبيه لفظاً وتقديراً، أي ترك التصريح بها، كقولك:
"محمد بحر" و "خالد أسد" و "ليلى بدر".
وكقول أبى الطيب المتنبي:
إنما بدرُ عمر سحابٌ ... هطلٌ فيه ثواب وعقابُ
стр. 320
إنما بدر رزايا وعطايا ... ... ومنايا وطعان وضراب
ومن التشبيه المؤكد: ما أضيف فيه المشبه به إلى المشبه، بعد حذف الأداة، وتقديم المشبه به على المشبه، كقولك: "لبس محمد رداء العافية".
وكقول التنوخي:
أقحوان معانق لشقيق ... ... كثغور تعص ورد الخدود
أي: تعض الخدود الشبيهة بالورد.
ومنه قول الشاعر:
والريح تعبث بالغصون وقد جرى ... ذهب الأصيل على لجين الماء
أي: على الماء التشبيه باللجين، أي الفضة.
رابعًا: أغراض التشبيه
الغرض من التشبيه: هو الدافع الذي حدا بالمبين أن يعقد شبهًا بين أمرين وهو في الأعم الأغلب عائد إلى المشبه لأنه:
١ - إما أن يكون الغرض هو: بيان المشبه أمر ممكن ، وهذا إذا كان أمرًا غريبًا، يمكن أن يخالف فيه ويدعي امتناعه، كما في قول أبى الطيب المتنبي:
رأيتك في الذين أرى ملوكًا ... كأنك مستقيم في محال
فإن تقق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال
وذلك لأن المتنبي لما ادعى أن الممدوح قد فاق الناس حتى صار أصلًا برأسه وجنسًا منفردًا بنفسه وكان هذا كالأمر الممتنع فقد احتج لدعواه تلك بأن شبه هذه الحال بحال المسك وهو من الدماء ومع هذا فإنه لا يعد منها لما فيه من صفات لا توجد فيها، هذا تشبيه ضمني ومكني عنه.
٢ - وإما أن يكون الغرض هو بيان حال المشبه ، كما في تشبيه ثوب آخر في السواد.
ومما جاء لبيان حال المشبه قول الشاعر:
стр. 321
كأن سهيلًا والنجوم وراءه ... صفوف صلاة قام فيها إمامها
وذلك لأنه لما كانت هيئة المصلين الذين يقفون صفوفًا يتقدمهم إمام معروفة دون هيئة سهيل مع النجوم، كان ذلك دافعًا للشاعر أن يعقد شبهًا بين هاتين الهيئتين.
٣ - وإما أن يكون الغرض هو: بيان مقدار حال المشبه في القوة والضعف، والزيادة والنقصان ، كما في تشبيه الثوب الأسود بالغراب في شدة السواد، وكما في قول الحسن بن وهب:
مداد مثل خافية الغراب ... وأقلام كمرهفة حداد
وعليه قول الشاعر:
فأصبحت من ليلى الغداة كقابض ... على الماء خانته فروج الأصابع
يقول: إنه قد بلغ في بوار سعيه- في الوصول إليها والتمتع بها- أقصى الغايات، حتى إنه لم يحظ منها بما قل، ولا بما كثر.
٤ - وإما إن يكون الغرض هو: تقرير حال المشبه في نفس السامع وتقوية شأنه ، كما في تشبيه من لا يحصل من سعيه على طائل بمن يرقم على الماء وذلك لأنك تجد في هذا من تقرير عدم الفائدة ما لا تجده في غيره، وذلك لما علمت من أن الفكر بالحسيات أتم منه بالعقليات، لتقديم الحسيات، وفرط إلف النفس لها.
ومنه قول الله تعالى: (وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّة) [الأعراف: ١٧١].
وهذه الأغراض الأربعة تقتضي أن يكون وجه الشبه في المشبه به أتم، وهو به أشهر، ولهذا ضعف قول البحتري:
على باب قنسربن والليل لاطخ ... جوانبه من ظلمه بمداد
فإنه رب مداد فاقد اللون، والليل بالسواد وشدته أحق وأحرى، ولهذا قال ابن الرومي:
حبر أبى حفص لعاب الليل ... يسيل للإخوان أي سيل
стр. 322
فبالغ في وصف الحبر بالسواد حين شبهه بالليل.
على أنه قد يكون المشبه أتم من المشبه به في وجه الشبه، كما في قوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ) [النور: ٣٥].
ومن ذلك ما ورد من أن أبا تمام قال في أحمد بن المعتصم:
إقدام عمرو في سماحة حاتم ... ... في حلم أحنف في ذكاء إياس
فأخذ عليه أن الأمير أكبر من أن يشبه في ذلك بالثلاثة، فقال:
لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلًا شرودًا في الندى وإلباس
فالله قد ضرب الأقل لنوره ... ... مثلًا من المشكاة والنبراس
٥ - وإما أن يكون الغرض هو: تزيين المشبه في عين السامع ، وذلك كما في تشبيه وجه أسود بمقلة الظبى، وكما في قول الشاعر:
سوداء واضحة الجبين ... ... كمقلة الظبى الغرير
فالوجه الأسود لا يستحسن في مرأى العين، ولكن يرغب السامع فيه فقد شبهه الشاعر بمقلة الظبي في حسن سوادها واستدارته تزيينًا له.
ومنه قول الشاعر:
تفارق شيب في الشاب لوامع ... ... وما حسن ليل ليس فيه نجوم؟ !
فقد شبه الشاعر هيئة ظهور بياض الشيب لامعًا بين سواد الشباب بهيئة ظهور نجوم تتلألأ في دجى الليل، ووجه الشبه هو هيئة اختلاط شيء ناصع البياض بآخر حالك السواد، وبذلك فإنه قد حسن ما أجمع الناس على قبحه بإيراده في صورة نجوم تتألق في دجى الليل.
٦ - وإما أن يكون الغرض هو: تقبيح المشبه في عين السامع ، كما في تشبيه وجه مجدور بسلحة جامدة قد نقرتها الديكة، وكما في قول الشاعر:
وإذا أشار محدثًا فكأنه ... ... قرد يقهقه أو عجوز تلطم
فقد شبه الشاعر هيئة إنسان مكروه وهو يشير محدثًا بهيئة قرد يقهقه أو عجوز تلطم خديها بشاعة المنظر وقبحه تقبيحًا له في نظر المخاطب.
стр. 323
ومنه قول الشاعر:
والورد في شط الخليج كأنه ... ... رمد ألم بمقلة زرقاء
فقد شبه هيئة الورد، وقد تدلى على شط الخليج بهيئة رمد أصاب عينًا زرقاء
فقد أوقع الشاعر في وهم السامع بهذا التشبيه أن الورد- وهو ما أجمع الناس على حسنه وجماله- قبيح قبح الرمد.
وإلى الغرضين السابقين أشار ابن الرومي بقوله:
تقول: هذا مجاج النحل تمدحه ... وإن تعب قلت: ذا قيء الزنابير
٧ - وإما أن يكون الغرض: "استطراف المشبه " كما في تشبيه فحم فيه جمر موقد، ببحر من المسك موجه الذهب، لإبرازه في صورة الممتنع عادة.
وقد يعود الغرض من التشبيه إلى المشبه، وذلك ضربان:
أحدهما: إبهام أن المشبه به أتم من المشبه في وجه الشبه، وذلك في التشبيه المقلوب الذي يجعل فيه الناقص مشبهًا به قصدًا إلى إدعاء أنه أكمل في وجه الشبه، كما في قول محمد بن وهب الحميري:
وبدا الصباح كأن غرته ... ... وجه الخليفة حين يمتدح
والغرة: بياض في وجه الفرس، واستعارها الشاعر لبياض الصبح، فأوهم بذلك أن وجه الخليفة أتم من الصباح في الوضوح والضياء، ثم استمر ذلك الإبهام فشبه غرة الصباح بوجه الخليفة حين يمتدح.
والثاني: بيان الاهتمام بالمشبه به، وذلك كتشبيه الجائع وجهًا كالبدر في الإشراق والاستدارة بالرغيف، ويسمى التشبيه المشتمل على هذا النوع من الغرض: إظهار المطلوب.
هذا إذا كان المراد هو إلحاق الناقص في وجه الشبه بالزائد فيه حقيقة أو إدعاء.
أما إذا أريد الجمع بين شيئين في أمر من الأمور من غير أن يقصد كون أحدهما ناقصًا والآخر زائدًا فالأحسن أن يترك التشبيه إلى الحكم بالتشابه ويكون كل من
стр. 324
التشبيهين مشبهًا به، احترازًا عن ترجيح أحد المتساويين في وجه الشبه، كما فعل إبو إسحاق الصبائي في قوله:
تشابه دمعي إذ جرى ومدامتي ... فمن مثل ما في الكأس عيني تسكب
فوالله ما أدرى أبالخمر أسلبت ... جفوني أم من عبرتي كنت أشرب؟
فأنت ترى أن الشاعر في هذين البيتين لما اعتقد التساوي بين الدمع والخمر ترك التشبيه مؤثرًا التشابه.
وكقول الشاعر:
رق الزجاج وراقت الخمر ... ... فتشابها فتشاكل الأمر
فكأنما خمر ولا قدح ... ... وكأنما قدح ولا خمرًا
стр. 325
تمرينات
على التشبيه
١ - بين فيما يأتي طرفي التشبيه وحاليهما ونوع التشبيه باعتبارهما:
(أ) خود كأن بنانها ... ... في خضرة النقش المزرد
سمك من البلور في ... ... شبك تكون من زبرجد
(ب) يهز الجيش حولك جانبيه ... كما نفضت جناحيها العقاب
(ج) وما المال والأهلون إلا ودائع ... ولابد يومًا أن ترد الودائع
(د) إني وتزييني بمدحي معشرًا ... كمعلق درًا على خنزير
(هـ) وإذا أشار محدثًا فكأنه ... ... قرد يقهقه أو عجوز تلطم
(و) وإذا الدولة استكفت به في مهمة ... كفاها فكان السيف والكف والقلبا
٢ - بين أركان التشبيه فيما يأتي:
(أ) أنا كالماء إن رضيت صفاء ... وإذا ما سخطت كنت لهيبا
(ب) أنت نجم في رفعة وضياء ... تجتليك العيون شرقًا وغربًا
(ج) قال أبو الطيب- وقد اعتزم سيف الدولة سفرًا:
أين أزمعت أبهذا الهمام؟ ... ... نحن نبت الربا وأنت الغمام
(د) قال ابن المعتز:
وكأن الشمس المنيرة دينا ... ... رحلته حدائد الضراب
(هـ) وقال ابن الرومي في صوت مغن:
فكأن لذة صوته ودبيبها ... ... سنة تمشي في مفاصل تعس
(و) وقال المرقش
النثر مسك والوجوه دنا ... ... نير وأطراف الأكف عنم
стр. 326
(ز) أنت كالبحر في السماحة والشمـ ... س علوًا والبدر في الإشراق
(ح) العمر مثل الضيف أو ... ... كالطيف ليس له إقامة
(ط) قال أعربي في وصف رجل: "كأن له لعم لا يخالطه جهل، وصدق لا يشوبه كذب، وكان في الجود كأنه الوبل عند المحل".
(ي) وقال آخر: "جاءوا على خيل كأن أعناقها في الشهرة أعلام، وآذانها في الدقة أطراف أقلام، وفرسانها في الجرأة أسود آجام".
٣ - بين طرفي التشبيه، ووجهه، ونوعه باعتبار الأداة، والغرض منه فيما يأتي:
(أ) قال البحتري- مادحًا-:
ذهبت حدة الشتاء ووافانا ... ... شبيهًا بك الربيع الجديد
ودنا العيد وهو للناس حتى ... ... يتقصى وأنت للعبد عيد
(ب) قال المتنبي:
إن السيوف مع الذين قلوبهم ... كقلوبهن إذا التقى الجمعان
تلقى الحسام على جراءه حده ... مثل الجبان بكف كل جبان
(جـ) قال صاحب كليلة ودمنة: "الرجل ذو المروءة يكرم على غير مال، كالأسد يهاب وإن كان رابضًا"
(د) قال الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ).
(هـ) وقال الله تعالى: (وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآَتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ).
(و) وفال الله تعالى: (فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ)
(ز) وقال السري الرفاء في وصف شمعة:
стр. 327
مفتولة مجدولة ... ... تحكى لنا قد الأسل
كأنها عمر الفتى ... ... والنار فيها كالأجل
٤ - بين الغرض من كل تشبيه فيما يأتي:
(أ) مما ينسب إلى عنترة:
وأنا ابن سواد الجبين كأنها ... ... ذئب ترعرع في نواحي المنزل
الساق منها مثل ساق نعامة ... والشعر منها مثل حب الفلفل
(ب) وقال السري الرفاء:
لي منزل كوجار الضب أنزله ... ضنك تقارب قطراه فقد ضاقا
أراه قالب جسمي حين أدخله ... فما أمد به رجلًا ولا ساقا
(ج) وقال الشريف الرضي:
أحبك يالون الشباب لأنني ... ... رأيتكما في القلب والعين توأما
سكنت سواد القلب إذ كنت شبهه ... فلم أدر من عز- من القلب منكما؟
(د) وقال آخر:
فأصبحت من ليلى الغداة كقابض ... على الماء خانته فروج الأصابع
(هـ) وقال البحتري:
دنوت تواضعًا وعلوت مجدًا ... ... فشأناك انخفاض وارتفاع
كذاك الشمس تبعد أن تسامى ... ويدنو الضوء منها والشعاع
(و) وقال المعرى في المشيب والشباب:
خبريني: ماذا كرهت من الشيب ... فلا علم لي بذنب المشيب
أضياء النهار، أم وضح اللؤلؤ ... أم كونه كثغر الحبيب؟
واذكري لي فضل الشباب وما ... يجمع من منظر يروق وطيب
غدره بالخليل أم حبه ... ... للغي أم أنه كعيش الأديب
стр. 328
الحقيقة والمجاز اللغويان
الحقيقة في اللغة: وصف على ورزن "فعيل" بمعنى فاعل، من حق الشيء إذا ثبت، فهو حقيق أي: ثابت، أو بمعنى مفعول، من حققت الشيء، إذا أثبته، فهو حقيق، أي: مثبت.
وفي اصطلاح البلاغيين: هي: الكلمة المستعملة فيما وضعت له في اصطلاح التخاطب.
فكلمة "الأسد" إذا استعملت في الحيوان المفترس فهي حقيقة لغوية لأنها استعملت فيما وضعت له، و"الصلاة" إذا استعملت في عرف الشرع في الأركان المخصوصة فهي حقيقة لاستعمالها فيما وضعت له في اصطلاح أهل الشرع و"الصلاة"- أيضًا- إذا استعملت في عرف اللغة، في الدعاء فهي حقيقة لاستعمالها فيما وضعت له في اصطلاح أهل اللغة.
والمجاز في اللغة: مصدر ميمي بمعنى الجواز والتعدية، من جاز لمكان يجوزه، إذا تعداه، أو بمعنى مكان الجوار والتعدية؛ من قولهم: جعلت هذا مجازًا إلى حاجتي، أي: طريقًا لها.
وفي اصطلاح البلاغيين: هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له في اصطلاح التخاطب لعلاقة بين المعنى الأول والثاني، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأول.
المجاز المفرد: هو الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له في اصطلاح التخاطب لعلاقة بين المعنى الأول والثاني، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأول.
والعلاقة: هي المناسبة بين المعنى الأصلي الموضوع له اللفظ، والمعنى المستعمل فيه.
والقرينة: هي الأمر الذي يجعله المتكلم دليلًا على أنه أراد باللفظ غير المعنى الموضوع له.
وذلك كلفظ "أسد" المستعمل في الرجل الشجاع في قولك: "سلمت على أسد" وكلفظ
стр. 329
"الصلاة" المستعمل عند أهل الشرع في الدعاء، فكل لفظ من تلك الألفاظ مجاز مفرد، لأنه كلمة مستعملة في غير المعنى الموضوعة له في اصطلاح التخاطب والعلاقة في المثال الأول هي: متشابهة الرجل للأسد في الشجاعة، وفي المثال الثاني هو: أن الغيث سبب في النبات، وفي المثال الثالث: الكلية والجزئية لأن الصلاة كل والدعاء جزء منها.
أما القرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقي للفظ فهو قولك في المثال الأول: "سلمت" لأن التسليم لا يكون على الأسد الحقيقي، وفي الثاني: "رعت"، لأن الغيث لا يرعى وإنما يرعى النبات، وفي الثالث: الحالية، وهي كون المستعمل للفظ الصلاة من أهل الشرع.
تقسيم المجاز المفرد
ينقسم المجاز المفرد باعتبار العلاقة- وهي المناسبة الخاصة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي- إلى قسمين:
مجاز مرسل، واستعارة، وذلك لأن العلاقة بين المعنيين إذا كانت المشابهة، كان اللفظ استعارة، وإذا كان غير المشابهة، كان اللفظ مجازًا مرسلًا، أي غير مقيد بعلاقة واحدة.
المجاز المرسل
والمجاز المرسل: هي الكلمة المستعملة في غير ما وضع له لعلاقة غير المشابهة، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي.
وللمجاز المرسل علاقات كثيرة لا يمكن تحديدها، لأنها تنبع من ذوق الأديب واعتباراته، وأشهر هذه العلاقات ما يلي:
١ - السببية: وذلك كاليد، إذا استعملت في النعمة، بشرط أن يكون في الكلام إشارة إلى المنعم بها، كقولك: "لفلان على يد لا أنكرها"، أي نعمة، وكقول أبي الطبيب المتنبي:
стр. 330
له أباد على سابغة ... أعد منها ولا أعددها
يقول: إن للممدوح على نعمًا سابغة، يعد وجودي منها، ولا استطيع حصرها، إذ ليس المقصود بالأيادي معناها الحقيقي، لأن قوله "سابغة" قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي، لأن الأيادي الحقيقية لا توصف بالشمول، ولكن المقصود بها هنا هو النعم، فلفظ "أياد" مجاز مرسل علاقته السببية، لأن الأيادي سبب في النعم.
٢ - المسببية: كما إذا استعملت النبات في الغيث، فقلت: "أمطرت السماء نباتًا"، فليس المراد بالنبات هنا معناه الحقيقي، لأن "أمطرت" قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي، إذ النبات لا ينزل مطرًا، ولكن المراد به هنا هو: "الغيث" فالنبات هنا مجاز مرسل علاقته المسببية لأن النبات مسبب عن الغيث.
ومنه قول الله تعالى: (وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا) [غافر: ١٣] فقد عبر عن الماء بالرزق على سبيل المجاز المرسل، لعلاقته المسببية، لأن الرزق مسبب عن الماء، والقرينة هنا قول الله تعالى: (يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ) لأن الرزق ينزل بذاته من السماء.
٣ - اللازمية: كما في قولك: "بزغ الضوء" لأن البزوغ وصف للشمس لا للضوء، فالضوء مجاز مرسل يراد به الشمس، وعلاقته اللازمية، لأن الضوء لازم للشمس، إذ يلزم من وجود الشمس وجود الضوء.
٤ - الملزومية: وذلك كما إذا استعملت الملزوم وأردت اللازم، كما إذا قلت: "ملأت الشمس الحجرة" تقصد: ملأ الضوء والحجرة، فليس المراد بالشمس معناها الحقيقي الذي هو: الجرم المعروف، بقرينة قولك: "ملأت" لأن الشمس معناها الحقيقي لا تدخل الحجرة، ولكن المراد بها هو: "الضوء" فلفظ الشمس إذن مجاز مرسل علاقته الملزومية، لأن المعنى الحقيقي للشمس ملزوم للضوء.
٥ - الجزئية: وذلك كما في قول الله تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) [النساء: ٩٢] فليس المقصود بالرقبة هنا هو الجزء الخاص بها فحسب، بقرينة قوله: (فَتَحْرِير) لأن التحرير إنما يكون للذات كلها، وليس لجزء منها، فالمقصود هنا هو: الذات كلها فالرقبة هنا مجاز مرسل علاقته الجزئية، لأن الرقبة جزء من العبد.
стр. 331
ومنه قول معن بن أوس المزني في ابن أخته:
أعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد ساعده رماني
وكم علمته نظم القوافي ... فلما قال قافية هجاني
فقد عبر بالقافية، بقرينة قوله: "قال" لأن المعنى: نظم، والنظم إنما يكون للقصيدة، فلفظ "قافية" مجاز مرسل علاقته الجزئية، لأن القافية جزء من القصيدة.
ومنه قول حافظ إبراهيم وهو يبايع أحمد شوقي على إمارة الشعر:
أمير القوافي اليوم جئت مبايعًا ... وهذى وفود الشرق قد بايعت معي
٦ - الكلية: وذلك كما في قوله تعالى: (وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ) [نوح: ٧] فليس المقصود من الأصابع معناها الحقيقي بقرينة استحالة إدخال الإصبع كلها في الإذن؛ ولكن المقصود هنا هو: "الأنامل" التي هي أطراف الأصابع، فالأصابع مجاز مرسل علاقته الكلية.
٧ - الحالية: كما إذا استعملت الحال وأردت المحل كما في قوله تعالى: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ) [المطففين: ٣٢] وإذا ليس المقصود بالنعيم معناه الحقيقي وهو المتعة بقرينة الظرفية لأنه لا معنى لأن يحل الإنسان في معنى من المعاني، ولكن المراد هو مكان النعيم، وهو "الجنة"، فإطلاق اسم النعيم على محله مجاز مرسل علاقته الحالية لأن النعيم حال في الجنة.
ومنه قول الشاعر:
ألما على معن وقولاً لغيره ... سقتك الغوادي مربعا بعد مربع
إذ المعنى: ألما على قبر معن، أي: إنزالاً به، فقد أطلق اللفظ وأراد المحل بقرينة قوله: "ألما" لأنه لا معنى لأن يحل إنسان آخر بآخر، فلفظ "معن" مجاز مرسل علاقته الحالية، لأنه حال في القبر.
٨ - المحلية: وذلك كما في قوله تعالى: (فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ)
стр. 332
لاستحالة دعاء المكان، ولكن المراد هنا: أهل النادي، أي: أنصاره وعشيرته، فلفظ (نَادِيَهُ) مجاز مرسل علاقته المحلية، لأن النادي محل لأهله، ومنه قوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) [يوسف: ٨٢] أي: أهلها، فلفظ القرية مجاز مرسل علاقته المحلية، لأن القرية محل لأهلها، والقرينة هي: استحالة سؤال القرية نفسها.
٩ - الآلية: وذلك كما في قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ) [إبراهيم: ٤] أي: بلغة قومه، فليس المراد باللسان هنا: معناه الحقيقي وهو الجارحة المعروفة، بقرينة استحالة ذلك، وإنما المراد هنا هو: اللغة، ففي "اللسان" مجاز مرسل علاقته الآلية، لأن اللسان آله اللغة.
١٠ - اعتبار ما كان: وذلك كقوله تعالى: (وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا) [النساء: ٢] فليس المراد اليتامى المعنى الحقيقي، بقرينة الأمر بدفع الأموال إليهم، وتمكنيهم منها بالتصرف فيها، وذلك لا يكون إلا بعد البلوغ حتى يحسنوا التصرف فيما يدفع إليهم من أموال آبائهم، فالمراد باليتامى: البالغون منهم، فإطلاق اليتامى على البالغين الراشدين مجاز مرسل علاقته: اعتبار ما كان.
١١ - اعتبار ما يكون: وذلك كما في قوله تعالى: (إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا) [يوسف: ٣٦] فليس المراد من الخمر معناه الحقيقي، بقرينة قوله: (أَعْصِرُ)، لأن الخمر عصير، والعصير لا يعصر، ولكنه يريد عنبًا يئول عصيره إلى خمر، فلفظ "الخمر" مجاز مرسل علاقته: اعتبار ما يكون، أي ما يئول إليه.
١٢ - المجاورة: كما في قول الشاعر:
فشككت بالرمح الأصم ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم
يريد: شككت بالرمح جسمه، أي: طعنته، فليس المراد من الثياب معناها الحقيقي بقرينه قوله: "شككت" لأن المراد بالشك هنا: الطعن، وهو إنما يكون في الأجسام لا في الثياب، فالثياب إذن مجاز مرسل علاقته المجاورة التامة.
١٣ - التقييد والإطلاق: وذلك كما في إطلاق "المرسن" على أنف الإنسان، لأن المرسن في الأصل أنف الحيوان، لأن موضع الرسن منه، ثم أطلق عن قيده وأريد منه مطلق الأنف، فصح إطلاقه على أنف الإنسان باعتباره أحد أفراد هذا المطلق، فهو مجاز مرسل علاقته التقييد والإطلاق.
стр. 333
تمرينات ...
على المجاز المرسل
١ - بين المجاز المرسل وعلاقته في كل مما يأتي:
(أ) قال الشاعر:
وما من يد إلا يد الله فوقها ... ولا ظالم إلا سيبلى بأظلم
(ب) وقال أبو الطيب المتبنى في هجاء كافور:
إني نزلت بكذابين ضيفهم ... عن القرى وعن الترحال محدود
(ج) وقال آخر:
لا أركب البحر إني ... ... أخاف منه المعاطب
طين أنا وهو ماء ... ... والطين في الماء ذائب
(د) وقال السموأل:
تسيل على حد السيوف نفوسنا ... وليس على غير السيوف تسيل
(هـ) وقال آخر:
رأيتك محض الحلم في محض قدرة ... ولو شئت كان الحلم منك المهندا
٢ - بين المجاز المرسلـ ووضح علاقته في كل مما يأتي:
(أ) بلادي وإن جارت على عزيزة ... وأهلي وإن ضنوا على كرام
(ب) تبيت بمنجاة من اللوم عرضها ... إذا ما بيوت بالملامة حلت
(ج) أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم
(د) فهمت الكتاب أبر الكتب ... فنعما لأمر أمير العرب
(هـ) وكنت إذا كف أتتك عديمة ... ترجى نوالا من سحابك بلت
стр. 334
٣ - بين كل مجاز مرسل، وعلاقته في كل مما يأتي:
(أ) قال الله تعالى: (يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ).
(ب) وقال تعالى: (وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ).
(ج) قال الله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ).
(د) قال الله تعالى: (فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ).
(هـ) أذل فلان ناصية فلان.
(و) لا تجالسوا السفهاء على الحمق "أي على الخمر".
(ز) سقت الدلو على الأرض.
(ح) رعت الماشية الغيث.
(ط) وقال أعرابي لآخر: هل لك بيت؟ "أي زوج".
(ي) الإسلام يحث على تحرير الرقاب.
(ك) لا تكن أذنا تتقبل كل وشاية.
(ل) سرق اللص المنزل.
٤ - بين المجاز المرسل وعلاقته في كل مما يأتي:
(أ) قال الله تعالى: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ).
(ب) وقال الله تعالى- على لسان نوح ﵇ (إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا).
(ج) وقال تعالى: (وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ).
وقال الشاعر:
كما بعثنا الجيش جرا ... را وأرسلنا العيونا
(هـ) وقال أمير الشعراء:
وللأوطان في دم كل حر ... يد سلفت ودين مستحق
(و) وقال الله تعالى: (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ).
(ز) قال الله تعالى: (إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا).
стр. 335
الاستعارة
الاستعارة في اللغة: طلب العارية، والعارية: ما يتداولوه بينهم، فالاستعارة إذن مأخوذة من نحو قولهم: استعرت الشيء استعارة.
فإذا ما استعرت كتابًا من صديق- مثلاً- فأنت مستعير، والصديق مستعار منه، والكتاب: مستعار، وهذه العملية تسمى: استعارة.
فإذا ما أخذت لفظًا موضوعًا في اللغة لشيء ووضعته لشيء آخر كنت قد استعرت ذلك اللفظ، غير أن الاستعارة لا تأتي إلا بعد المبالغة في التشبيه وتناسيه.
وتوضيح ذلك: أنك إذا أردت أن تصف خالدًا بالشجاعة فتشبهه بالأسد في شجاعته، وقلت: خالد كالأسد في الشجاعة، فقد جعلته يشبه الأسد في الشجاعة، ولكن الأسد لازال أشجع منه، لأنه يشترط في التشبيه أن يكون المشبه به أقوى من المشبه في وجه الشبه.
فإذا ما بالغت أكثر قلت: "خالد كالأسد" وإنما كانت هذه الصورة أقوى من سابقتها لأنك جعلته يشبه الأسد، دون أن تحدد ما يشبهه فيه، ولكن هذه الصورة- أيضاً- يفهم منها أن الأسد مازال أشجع- لما علمت من شروط التشبيه.
فإذا ما أردت أن تبلغ نهاية المبالغة في التشبيه قلت: "خالد أسد".
وهذه الصورة هي التي سماها البلاغيون: التشبيه البليغ، لأن فيها دعوى اتحاد المشبه والمشبه به، فقد ادعيت في قولك "خالد أسد" أن خالد هو نفس الأسد بأظفاره وليده، ولكن غيرها من صور التشبيه ليس بهذه المثابة لأنها أكثر الصور الثلاثية اختصاراً وأشدها إيجازاً.
ولكنك إذا زدت على تلك الدرجة القصوى من المبالغة في التشبيه درجة أخرى، بأن ادعيت أن كون خالد أسدًا أمر مسلم به، فتناسيت هذا التشبيه لأنه في- رأيك- أقل مما يجب له، وحذفت المشبه وهو "خالد" وأخذت له لفظ "الأسد"
стр. 336
وتحدثت عنه على أنه الأسد بعينه، فقد دخلت في الاستعارة، كأن تقول: "سلمت على أسد" تريد" خالدًا- مثلاً.
وقد تذكر المشبه وتحذف المشبه به ولكنك تبقى شيئًا من لوازمه، كأن تقول: "أظفار المنية نشبت بفلان" تريد أن تبالغ في تشبيه المنية بالأسد، فتحذفه وتبقى لوازمه، وهي الأظفار والنشوب.
فالاستعارة: تشبيه حذف أحد طرفيه، وإن شئت قلت ما قاله الخطيب: الاستعارة: "مجاز علاقته المشابهة".
وقد علمت أنه يشترط في المجاز أن تكون هناك قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي للفظ.
فالاستعارة في اصطلاح البلاغين هي: "اللفظ المستعمل في غير المعنى الذي وضع له لعلاقة المشابهة، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي".
وذلك كما في قول زهير:
لدى أسد شاكي السلاح مقذف ... له ليد أظفاره لم تقلم
يقول: أنا عند أسد، أي رجل شجاع مقدام، فشبهه بالأسد، ثم استعار له لفظ الأسد.
وكقول أبى الطيب المتبني- وقد قابله الممدوح وعانقه:
ولم أر قبلي من مشى البحر نحوه ... ولا رجلاً قامت تعانقه الأسد
فقد شبه الممدوح بالبحر في الكرم وبالأسد في الشجاعة، ثم استعار لفظيهما.
وطريقة إجراء الاستعارة أن تقول: شبه الرجل الشجاع بالأسد في الجرأة والإقدام، ثم تنوسى التشبيه، وأدعى أن المشبه فرد من أفراد المشبه به وداخل في جنسه، ثم استعير لفظ المشبه به وهو: "الأسد" للمشبه، وأطلق عليه باعتباره أحد أفراد الأسد، ومثل هذا يقال في كل استعاره.
стр. 337
وأركان الاستعارة- كما رأيت من تعريفها- ثلاثة هي:
(أ) المستعار منه: وهو ذات المشبه به "كالحيوان المفترس" في المثال السابق، لأن اللفظ الموضوع له وهو "أسد" أخذ منه وأعطى لغيره، كالإنسان يستعار ثوبه لغيره.
(ب) والمستعار له، وهو: ذات المشبه، "كالرجل الجريء"، لأن اللفظ الذي هو لغيره أعطى له كالإنسان يستعار له الثوب من غيره.
(جـ) المستعار كلفظ: "أسد" لأنه أخذ من صاحبه واستعير لغيره، كالثوب المستعار من صاحبه للابسه.
كيف كانت الاستعارة مجازًا لغويًا:
جمهور البلاغين على أن الاستعارة مجاز لغوي أي أنها اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة، فالتصرف فيها إنما هو في نقل اللفظ من معناه الموضوع له في اللغة إلى معنى غيره.
والدليل على ذلك: أن اللفظ المستعار موضوع في اللغة للمشبه به لا للمشبه ولا لمعنى أعم منهما.
وبيان ذلك: أن لفظ "أسد"- مثلاً- في قولك: "رأيت أسدًا على فرس" موضوع في اللغة للحيوان المفترس، وليس موضوعًا للرجل الشجاع، ولا لمعنى أعم منه، كالحيوان الجريء، رجلًا كان أو أسدًا، لأنه لو كان موضوعًا لمطلق حيوان جريء، كان إطلاقه على كل منهما حقيقة، باعتبارهما من أفراد هذا المطلق، وليس الواقع كذلك، وإذا ثبت أنه لم يوضع لواحد منهما نقلًا عن أئمة اللغة ثبت أن استعماله في المشبه إطلاق اللفظ على غير ما وضع له، وهذا هو معنى المجاز اللغوي.
الاستعارة تغاير الكذب
والاستعارة تغاير الكذب من ناحيتين:
الأولى: أن الاستعارة مبنية على التأويل، ومعنى التأويل هنا هو: إدعاء دخول المشبه في جنس المشبه به، وجعله أحد أفراده، فيقرر أن الأسد- مثلًا- في مثل
стр. 338
قولنا: "على المنبر أسد" موضوع لفردين، متعارف، وهو الحيوان المفترس، وغير متعارف، وهو الرجل الجريء، ولكن الكذب لا تأويل فيه، لأن الكاذب يتعمد الكذب، ومن يتعمد الكذب لا يتأول في كلامه.
الثانية: أن الاستعارة فيها قرينة مانعة من إرادة المعنى الظاهر من اللفظ، أما الكذب فلا قرينة فيه تمنع من إرادة المعنى الظاهر من اللفظ، بل إن الكاذب ليبذل قصارى جهده في ترويج ظاهره وإظهار صحة ما يقول.
هذا وينبغي أن تكون على ذكر من أن المشبه بع- في الاستعارة- وهو المستعار منه- يجب أن يكون أمرًا كليًا آخر، حتى يكون له أفراد تستطيع أن تدعى دخول المشبه في جنسها، ولهذا فإنه لا تصح الاستعارة في علم الشخص؛ لأن معناه جزئي، لتشخصيه وتعينه في الخارج، لأن تصوره يمنع وقوع الاشتراك فيه، فلفظ: "محمد"- مثلًا لا يصح جعله استعارة لشخص آخر بينه وبين محمد مشابهة في شيء، لأن الاستعارة تقتضي ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به باعتباره أحد أفراده- كما أسلفنا- وهذا يقتضي عموم المشبه به، و"محمد" المذكور لا عموم فيه، لأنه لا يحتمل غير معناه الذي وضع له، ولكنه إذا عرف بوصف واشتهر به "كحاتم"- مثلًا- إذ هو علم على الطائي المشهور بالجود، فقد ذاع صيته حتى صار إذا أطلق لفظ "حاتم" فهم منه معنى "الجود"؛ إذا عرف علم الشخص بوصف واشتهر به حتى صار أمرًا كليًا كحاتم صحت الاستعارة فيه ومثل حاتم "مادر" الذي اشتهر بالبخل، و"قس" الذي اشتهر بالفصاحة، و"باقل" الذي اشتهر بالعي.
قرينة الاستعارة
القرينة- كما عرفت- هي: الأمر الذي يجعله المتكلم دليلًا على أنه أراد باللفظ غير معناه الحقيقي، وهي نوعان: لفظية، وغير لفظية.
فاللفظية: هي لفظ يلائم المشبه به، يذكر في الكلام ليصرفه عن إرادة معناه الأصلي، مثال ذلك قولك: "سلمت على بحر" تريد: عالمًا جليلًا، فلفظ "بحر"
стр. 339
مستعار لهذا العالم وقرينة الاستعارة لفظ "سلمت"، لأن التسليم لا يكون على البحر الحقيقي.
وغير اللفظية: هي الأمر الخارج عن اللفظ، الذي يصرف الكلام عن إرادة معناه الحقيقي، وذلك كدلالة الحال، أو استحالة المعنى.
فمثال ما قرينته دلاله الحال قولك: "أقبل الأسد" والسامع يرى رجلًا جريئًا مقبلًا، فالأسد مستعار للرجل الجريء، وقرينة الاستعارة: دلالة الحال.
ومثال ما قرينته الاستحالة: قول الله تعالى: (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ) [الحاقة: ١١] فقد شبه كثرة الماء بالطغيان بجامع مجاوزة الحد في كل، ثم استعير للكثرة، واشتق منه "طغى" بمعنى كثر على سبيل الاستعارة التبعية، والقرينة هي: استحالة الطغيان بمعناه الحقيقي من الماء، إذ هو من شأن الإنسان.
وتتنوع القرينة- أيضًا- إلى أمرين:
الأول: أن تكون أمرًا واحدًا، لا تعدد فيه- كما في الأمثلة السابقة.
الثاني: أن تكون أكثر من أمر واحد، يكون كل منها كافيًا في الدلالة على الاستعارة، كقول الشاعر:
فإن تعافوا العدل والإيمانا ... ... فإن في أيماننا نيرانا
يقول: إن كرهتم الإنصاف وأبيتم إقرار الأمور في نصابها وامتنعتم عن التصديق بما جاء به النبي ﷺ قهرناكم بما في أيدينا من سيوف تلمع كشعل النيران، فقد استعر لفظ "النيران" للسيوف، والقرينة على أن المراد بالنيران السيوف هي: كل من العدل، والإيمان، باعتبار تعلق تعافوا بهما، لأن الذي يدعو إلى الإيمان والعدل آخذ بالشريعة، وهي إنما تحمل على الطاعة بحد السيف لا بالإحراق.
وقد تكون القرينة معاني مرتبطًا بعضها ببعض، بحيث تتكون القرينة من مجموعها، كما في قول البحتري:
وصاعقة من نصله تنكفى بها ... على أرؤس الأقران خمس سحائب
стр. 340
شبه أنامل الممدوح بالسحائب في عموم النفع، ثم استعار لفظ "السحائب" لأنامل يده، وجعل القرينة عن الاستعارة مجموع أشياء، فذكر أن هناك "صاعقة" وأنها ساقطة من حد سيفه، وأنها منقلبة على أرؤس الأقران، وأنها خمس بمقدار أصابع اليد، فدل ذلك على أنه أراد من "السحائب" أنامل الممدوح، لما بينها وبين السحائب من عموم النفع والعطاء.
تقسيم الاستعارة
باعتبار الطرفين والجامع
تنقسم الاستعارة بهذا الاعتبار إلى ستة أقسام التالية:
الأول: ما استعير فيه محسوس لمحسوس، والجامع حسي ، كما في قول الله تعالى ﴿وتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩] فالمستعار منه هو: حركة الماء على الوجه المخصوص، والمستعار هو الحركة والاختلاط الناشئان عن الحيرة والارتباك، والجامع بينهما: ما يشاهد في كل من الحركة الشديدة والاضطراب، والجميع حسي، ومنه قول أبي الطيب المتنبئ:
رميتهم ببحر من حديد ... له في البر خلفهم عباب
فقد جعل جيشه بحراً من حديد، لكثرة لابسي الحديد فيه، وجعلهم يموجون خلفهم في سيرهم كموج البحر، وهو عبابه، فالمستعار منه أولاً في البيت هو: بحر من الحديد، والمستعار له: الجنود وهم لابسو الحديد، والجامع هو: ما يشاهد في كل من الحركة والاضطراب، وجميع ذلك حسي، ثم استعار ثانياً: العباب -وهو الموج -الحركة الجيش بجامع ما يوجد في كل من الحركة ولاضطراب، وكل ذلك حسي -أيضاً.
الثاني: ما استعير فيه محسوس لمحسوس، والجامع عقلي ، كما في قوله تعالى ﴿وآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإذَا هُم مُّظْلِمُونَ﴾ [يس: ٣٧] فالمستعار منه: كشط الجلد وسلخه من الشاة ونحوها، والمستعار له: إزالة ضوء النهار وانتزاعه من مكان الليل، وكلاهما حي، والجامع بينهما عقلي وهو: ترتب أمر على آخر في كل منهما، ففي المستعار: ترتب ظهور اللحم على كشط الجلد وسلخه، وفي المستعار له: ترتب ظهور ظلمة الليل على محو ضوء النهار وإزالته، ومنه قول أبي الطيب المتنبئ:
стр. 341
فإن بك سيف دولة غير قيس ... فمنه جلود قيس والثياب
وتحت ربابه نبتوا وأثوا ... وفي أيامه كثروا وطابوا
فهو يقول: إن كان سيف الدولة لغير دولتهم فهو ولي نعمتهم، لأن جلودهم نبتت من إنعامه واكتست من خلعه عليهم، فقد نشئوا وتربوا في نعمته وإحسانه كالنبت لأنه يأتلف وينبت بالسحاب، والشاهد هنا: استعارته النبات لمن أحسن إليهم سيف الدولة، وكلاهما حسي، ولكن الجامع هنا عقلي، وهو: احتياج كل منهما إلى ما ينميه ويقويه.
الثالث: ما استعير فيه محسوس لمحسوس، والجامع مختلف، بأن يكون بعضه حياً، وبعضه عقلياً ، كما في قولك "رأيت بدراً يتحدث" وأنت تريد إنساناً كالبدر في حسن الطلعة، ونباهة الشأن، فالأول: حسي، والثاني: عقلي - كما ترى -.
الرابع: ما استعير فيه معقول لمعقول ، كما في قوله تعالى - حكاية عن قول الكفار يوم القيامة: (يَا ويْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا) [يس: ٥٢]؟ فالمستعار منه هو "الرقاد" أي النوم على اعتبار أن المرقد مصدر ميمي، والمستعار له "الموت" وكلاهما: "عقلي"، والجامع بينهما: عدم ظهور الأفعال الاختيارية - وهو عقلي كذلك-. ...
الخامس: ما استعير فيه محسوس لمعقول ، كما في قوله تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ) [الحجر: ٩٤] أي: بلغ الأمة الأحكام التي أمرت بتبليغها لهم تبليغاً واضحاً لا لبس فيه ولا غموض، فالمستعار منه كسر الزجاجة ونحوهما مما لا يلتئم بعد الكسر، وهو حسي، والمستعار له: تبليغ الرسالة للمرسل إليهم وهو أمر عقلي، والجامع بينهما: هو: التأثير في الشيء، بحيث لا يعود إلى ما كان عليه وهو: أمر عقلي، والمعنى: أبن الأمر إبانة لا يعود معها إلى الخفاء، كما أن كسر الزجاجة لا تعود معه إلى الالتئام.
السادس: ما استعير فيه معقول لمحسوس ، كما في قوله تعالى (إنَّا لَمَّا طَغَا المَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الجَارِيَةِ) [الحاقة: ١١] أي: لما كثر الماء، فالمستعار منه هو: التكبر والتعالي - وهو عقلي - والمستعار له: كثرة الماء - وهو حسي - والجامع بينهما: هو الخروج عن حد الاعتدال - وهو عقلي -.
стр. 342
تقسيم الاستعارة باعتبار
ذكر أحد الطرفين
تنقسم الاستعارة بهذا الاعتبار إلى قسمين: تصريحية، ومكنية.
وذلك لأن المذكور من الطرفين إن كان لفظ المشبه به كانت الاستعارة تصريحية، وإن كان المشبه دون المشبه به كانت الاستعارة مكنية.
فالاستعارة التصريحية هي: "اللفظ المشبه به المستعار للمشبه المحذوف" كما في قولك: "رأيت أسداً يتمطى صهوة جواده" تريد: رجلاً شجاعاً، فلفظ "أسد" هو لفظ المشبه به المستعار للمشبه.
وإنما سميت هذه الاستعارة: تصريحية، للتصريح فيها بما يلفظ المشبه به - كما رأيت - وللاستعارة التصريحية تقسيمان باعتبارين:
أولهما: تقسيم باعتبار "لفظ المشبه به".
والأخر: تقسيم "باعتبار الملائم".
١ - تقسيم التصريحية باعتبار
(لفظ المشبه به)
والاستعارة التصريحية بهذا الاعتبار تنقسم إلى قسمين: أصلية وتبعية.
فالأصلية هي: ما كان اللفظ المستعار فيها اسم جنس غير مشتق، سواء أكان اسم عين "كالأسد" أو اسم معنى "كالضرب" و"القتل" كقولك: "رأيت أسداً يداعب أقرانه" تريد: رجلاً شجاعاً.
وإجراء الاستعارة فيه أن تقول: شبه الرجل الشجاع بالأسد بجامع الجرأة في كل منهما، ثم تنوسى التشبيه، وادعى أن الرجل الشجاع فرد من أفراد الأسد وداخل في جنسه، ثم استعير اسم المشبه به للمشبه استعارة أصلية، لأن اللفظ المستعار وهو "أسد" اسم جنس، إذ هو يصدق على كل فرد من أفراد هذا الحيوان المفترس وكقولك: "آلمني قتل زيد أخاه" تقصد إذلاله إياه، وتقول في إجرائها:
стр. 343
شبهنا الإذلال بالقتل، بجامع شدة الآلم في كل منهما، ثم تنوسى التشبيه، وادعى أن المشبه وهو: الإذلال، داخل في جنس المشبه به وهو: القتل، وفرد من أفراده، ثم استعرنا لفظ المشبه به وهو: القتل للمشبه وهو: الإذلال، على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية، لأن اللفظ المستعار هو: اسم جنس.
وقد يتأول في اسم العلم المشهور بوصف، فيستعار اسم جنس تأويلاً، كما في قولك: "رأيت اليوم حاتماً" تقصد: رجلاً كريماً، فلفظ "حاتم" علم على ذات معروفة، ولكن تزول فيه، فجعل اسم جنس موضوعاً لمطلق ذات متصفة بالجود، ومن هنا صح جعله استعارة لكل جواد، بادعاء دخوله في جنس حاتم واعتباره فرداً من أفراد.
وإجراء الاستعارة فيه أن تقول: شبه فلان بالرجل الكريم، بجامع الجود في كل منهما، ثم تنوسى التشبيه، وادعى أن المشبه أحد أفراد حاتم باعتباره مفهومه الكلي التأويلي، ثم استعير اسم المشبه به للمشبه استعارة تصريحية أصلية، لأن اللفظ المستعار، وهو: "حاتم" اسم جنس تأويلاً، والتبعية هي: ما كان اللفظ فيها: فعلاً، أو اسماً مشتقاً، أو حرفاً.
١ - أما الاستعارة في الفعل: فهي إما أن تكون في الفعل باعتبار مادته، وإما أن تكون باعتبار صيغته.
(أ) فمثال الاستعارة في الفعل باعتبار مادته: قول الله تعالى: (يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) [الروم: ٥٠]، فقد شبه تزيين الأرض بالنبات بالإحياء في الحسن والنفع، ثم استعير الإحياء للتزيين، فصار الإحياء بمعنى التزيين، ثم اشتق من الإحياء بهذا المعنى "يحيى" بمعنى: يزين، على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
ومنه قول أبي الطيب المتنبئ:
وتحيي له المال الصوارم والقنا ... ويقتل ما تحيي التبسم والجدا
فقد شبه جمع المال بالصوارم والقنا بالإحياء، بجامع عموم النفع في كل؛ ثم تنوسى التشبيه وادعى أن المشبه - وهو جمع المال - فرد من أفراد المشبه به - وهو
стр. 344
الإحياء - وداخل في جنسه، ثم استعير الإحياء لجمع المال بالصوارم والقنا، ثم اشتق منه: تحيي، بمعنى: تجمع له المال، على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
(أ) ومثالها في الفعل باعتبار صيغته قول الله تعالى: (ونَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الجَنَّةِ) [الأعراف: ٥٠] لم يقل: وينادي، مع أن النداء سيكون في الدار الأخرة، ولكنه عبر بصيغة الماضي تجوزا.
وإجراء الاستعارة فيه أن يقال: شبه النداء في المستقبل بالنداء في الماضي كما في قوله تعالى - حكاية لقول إبراهيم ﵇ لابنه إسماعيل -: (إنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ) [الصافات: ١,٢] لم يقل: "إني رأيت في المنام" مع أن الرؤية قد وقعت في الماضي، لكنه عبر عن الماضي بصورة المضارع تجوزاً.
وإجراء الاستعارات فيه أن تقول: شبهت الرؤية في الماضي بالرؤية في الحال، لاستحضار الصورة العجيبة، وهي صورة ذبح إبراهيم ﵇ لابنه، ثم استعير لفظ الرؤية في الحال، للرؤية في الماضي، فصارت الرؤية الحالية، بمعنى الرؤية الماضية، ثم اشتق من الرؤية بهذا المعنى: "أرى" بمعنى "رأيت" على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
٢ - وأما الاستعارة في المشتق: فمثالها على اسم الفاعل قولك: "جليل أعمالك ناطق بكمالك" أي: دال عليه، ففي "ناطق" استعارة تبعية، وإجراؤها أن يقال: شبهت الدلالة بالنطق في الكشف عن الغرض في كل، ثم استعير "النطق" "للدلالة" ثم اشتق من النطق بهذا المعنى: ناطق بمعنى دال على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
ومثالها في اسم المفعول قولك: "رفع مقتولك أمره إلى الحاكم" أي: مضروبك ضرباً شديداً وطريقة إجرائها: أن تقول: شبه الضرب الأليم بالقتل في قسوة الألم، ثم استعير القتل بمعنى: الضرب الشديد، ثم اشتق من القتل بهذا المعنى: "مقتول" بمعنى: مضروب ضرباً شديداً، على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
стр. 345
ومثالها في الصفة المشبهة قول الشاعر:
ولئن نطقت بشكر برك مفصحاً ... فلسان حالي بالشكاية انطق
أي أدل: فشبه الدلالة بالنطق، ثم اشتق من النطق بمعنى الدلالة: "انطق" بمعنى "أدل"، على سبيل الاستعارة التصريحية.
ومثالها في أسمى الزمان والمكان قولك: "هذا مقتل فلان" مشيراً إلى زمان ضربه ضرباً شديداً أو إلى مكانه، فتشبه الضرب الشديد بالقتل، ثم تشتق من القتل بمعنى الضرب الشديد "مقتل" اسم زمان أو مكان، على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
ومثالها في الحرف قول الله تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًا وحَزَنًا) [القصص: ٨] فلام العلة: موضوعة لترتب ما بعدها على ما قبلها ترتب العلة على المعلول، وعلى هذا، فاللام في قوله تعالى: "ليكون" مستعملة في غير ما وضعت له، لأن ما بعدها - وإن كان مترتباً على ما قبلها - ليس علة باعثة عليه، لأن آل فرعون لم يلتقطوا موسى ﵇ ليكون لهم عدواً وحزناً، وإنما ألتقطوه ليكون لهم حبيباً وسروراً، ولكن لما كانت النتيجة المترتبة على الالتقاط هي العدوان والحزن لا المحبة والسرور شبه العداوة والحزن المترتبان على الالتقاط في الواقع بالمحبة والسرور اللذين كان ينبغي أن يترتبا عليه، ثم استعملت فيه اللام تجوزاً.
وطريقة إجراء الاستعارة فيه أن تقول: شبه مطلق ترتب علة واقعية "كالعداوة والحزن" على الالتقاط، بمطلق ترتب علة غائية "كالمحبة والسرور" بجامع مطلق ترتب على شيء على شيء فسرى التشبيه من هذين الكليين إلى جزئياتهما، ثم استعير بناءً على هذا التشبيه الحاصل بالسراية اللام الموضوعة لجزء من جزئيات المشبه به لجزء من جزئيات المشبه، على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
(قرينة الاستعارة التبعية)
ترجع قرينة الاستعارة التبعية - في الفعل والمشتقات - غالباً إلى ما يأتي:
أولاً: الفاعل: وذلك بأن يكون إسناد الفعل إليه غير صحيح، فيدل ذلك على أن المراد بالفعل معنى يناسب الفاعل، كما في قوله تعالى (إنَّا لَمَّا طَغَا المَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الجَارِيَةِ) [الحاقة: ١١]
стр. 346
إذا الطغيان بمعناه الحقيقي يستحيل صدوره من الماء، فدل ذلك على أن المراد بالطغيان ما يصح إسناده إلى الماء، وهو الكثرة التي جاوزت الحد.
ومنه قول الشاعر يصف البحر وهو مزدان في فصل الربيع:
تبسم البحر من بعد العبوس فهل ... للبحر - أيضاً - مسرات وأحزان؟ !
فالتبسم بمعناه الحقيقي يستحيل صدوره من البحر، وذلك دليل على أن المراد بالتبسم هنا ما يصح إسناده إلى البحر، وهو ما يكون على شاطئه من زينة في فصل الصيف.
ثانياً: نائب الفاعل: وذلك بأن يكون إسناد الفعل إليه غير صحيح، فيدل ذلك على أن المراد بالفعل معنى يناسب نائب الفاعل، كما في قوله تعالى (وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والْمَسْكَنَةُ) [البقرة: ٦١] فالضرب - وهو نصب شيء - من شأن الخيام، لا من شأن الذلة والمسكنة؛ لأنهما أمران معنويان، فدل ذلك على أن المراد بالضرب معنى يناسبهما، وهو الحكم، ويكون المعنى - حينئذ-: حكم عليهم بالذلة والمسكنة.
ثالثاً: المفعول: وذلك بأن يكون تسلط الفعل أو ما يشتق منه على المفعول غير صحيح، فيدل ذلك على أن المراد بهما معنى يناسب المفعول، كما في قوله عبد الله بن المعتز:
جمع الحق لنا في إمام ... قتل البخل وأحيا السماحا
فالقتل والإحياء لا يقعان إلا على ذى روح، والبخل والسماح ليسا من ذوي الأرواح، وهذا دليل على أن المراد بالقتل معنى يناسب البخل، وهو الإزالة، كما أن المراد بالإحياء معنى يناسب الجود وهو الإكثار، وقد تكون القرينة في المفعول الثاني كما في قول القطامي:
نقريهمو لهذميات نقد بها ... ما كان خلط عليهم كل زراد
فقوله: نقريهمو لهذميات: استعارة تبعية، قرينتهما لهذميات، وهو المفعول الثاني لنقرى، لأن القرى هو: ما يقدم للضعيف من طعام، فلا يجوز إيقاعه على
стр. 347
اللهذميات بمعنى الطعنات، فدل ذلك على أن المراد بالقرى: معنى يناسب هذه الطعنات، وهو تقديمها إلى الأعداء عند اللقاء.
وقد تكون القرينة في المفعولين معاً، كما في قول الحريري:
وأقرى المسامع إما نطقت ... بياناً يقود الحرون الشموسا
والشاهد هنا قوله: "وأقرى المسامع بياناً" فأقرى: استعارة تبعية في الفعل؛ وقرينتهما: تعلق القرى بكل من: المسامع والبيان، وذلك دليل على أن المراد بالقرى: معنى يناسبهما، وهو: التقديم.
رابعاً: المجرور: وذلك بأن يكون تعلق الفعل بالمجرور غير مناسب، فيدل ذلك على أن المراد به معنى يناسب ذلك المجرور، كما ترى في قوله تعالى (فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [آل عمران: ٢١] وذلك لأن التبشير هو: إخبار بما يسر تعلقه بالعذاب، وذلك دليل على أن المراد بالتبشير معنى يناسب العذاب وهو الإنذار، أي: الإخبار بما يحزن ففي قوله تعالى "فبشرهم" استعارة تبعية قرينتها: مجرور الحرف.
٢ - تقسيم التصريحية باعتبار الملائم
للاستعارة التصريحية باعتبار ذكر الملائم لأحد الطرفين أو عدم ذكره أقسام ثلاثة هي: المرشحة، والمجردة، والمطلقة.
فأما المرشحة فهي: ما ذكر معها ما يلائم المستعار منه، أي المشبه به، سواء أكان الملائم صفة نحوية كما في قولك: "سلمت على أسد حاد الأنياب متنفش اللبدة: فقد استعرت هنا الأسد للرجل الجريء، ثم وصفت المستعار منه، بما يلائمه من حدة الأنياب، وانتفاش اللبدة، ترشيحاً للاستعارة، أو كان الملائم صفة معنوية، كما في قول الشاعر:
ينازعني ردائي عبد عمرو ... ... رويدك يا أخا عمرو بن بكر
لي الشطر الذي ملكت يميني ... ودونك فاعتجر منه بشطر
فقد استعار الرداء للسيف، ثم وصف الرداء - وهو المستعار منه - بما يلائمه من الاعتجار، وهو: لف الرأس بنحو ثوب ترشيحاً للاستعارة.
стр. 348
أو كان الملائم تقريباً، كما في قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ) [البقرة: ١٦] فقد استعير الاشتراء "للاختيار" واشتق منه "اشتروا" بمعنى: اختاروا، ثم فرع عليه بما يلائم المستعار منه، وهو: نفي الربح والتجارة ترشيحاً للاستعارة.
وأما المجردة فهي: "ما ذكر معها ما يلائم المستعار له" سواء أكان الملائم صفة نحوية، كما في قول البحتري:
يؤدون الشحية من بعيد ... إلى قمر من الإبوان باد
فقد استعار القمر للإنسان الجميل، ثم وصف المستعار له بما يلائمه من كونه مطلاً من الإيوان تجريداً للاستعارة، وقرينتها قوله: "يؤدون التحية من بعيد".
أو كان الملائم صفة معنوية، كما في قول كثير عزة:
خمر الرداء إذا تبسم ضاحكاً ... غلقت لضحكته رقاب المال
أي: هو كثير العطاء واسع الجود، فإذا ما تبسم لطالبي معروفه تمكنت من أيديهم رقاب أمواله وتعذر انفكاكها، كالرهن الحبيس في يد المرتهن وقد عجز الراهن عن استرداده.
وقد استعار الشاعر الرداء لسلعطاء بعد أن شبه العطاء به في الوقاية والحفظ، فالمال يصون العرض والرداء يصون السوأة، ثم وصف الرداء "بالغمر" الملائم للمستعار له وهو العطاء تجريداً للاستعارة، وقرينتها: بقية البيت من تبسم الممدوح، وحبس رقاب أمواله في أيدي طالبي معروفه، أو كان الملائم تفريعاً: كما في قولك: "رأيت غضنفرا في حومة الوغى، فلجأت إلى ظل رمحه" فقد استعير "الغضنفر" للرجل الجريء، والقرينة هي: "في حومة الوغى" ثم فرع عليه بما يلائم المستعار له وهو اللجوء إلى ظل رمحه.
وإنما سميت هذه الاستعارة مجدرة لأنها تجردت عما يقوى فيها دعوى اتحاد المشبه بالمشبه به.
стр. 349
وقد اجتمع الترشيح والتجريد في قول زهير:
لدي أسد شاكي السلاح مقذف ... له البد أظفاره لم تلقم
فقد استعار "الأسد" للرجل الجريء، وقوله "لدي أسد" قرينة الاستعارة، أما قوله: "شاكي السلاح" فهو: تجريد، لملاءمته للمستعار له، وأما قوله: "له البد" وقوله "أظفاره لم تقلم" فترشيح ملائمتها للمستعار منه.
وأما المطلقة فهي: ما لم يذكر معها ما يلائم شيئاً من ملائمات الطرفين، كما في قولك: "رأيت بحراً يشرح القرآن الكريم" تريد: عالماً واسع العلم، فقد استعرت "البحر" للعالم وقولك: "يشرح القرآن الكريم" قرينة للاستعارة، وإنما سميت مطلقة لأنها أطلقت عن التقييد بما يلائم أحد الطرفين.
وقد اعتبر البلاغيون ما اجتمع في الترشيح والتجريد من قبيل الاستعارة المطلقة، لأن الترشيح والتجريد إذا اجتمعا تعارضا، فتساقطا، فكأنك لم ترشح ولم تجرد.
أي الاستعارات الثلاث أبلغ ؟
لما كان مبنى الاستعارة على تناسي التشبيه وادعاء أن المشبه هو عين المشبه به، وكان الترشيح إمعاناً في هذا التناسي، وغلوا في دعوى هذا الاتحاد، حتى كأن ليس هناك استعارة، بل ولا تشبيه كانت الاستعارة المرشحة أبلغ الاستعارات الثلاثة.
ولما كانت المطلقة خالية مما يقوي تناسي التشبيه ويدعم دعوى الاتحاد، وليس فيها - أيضاً - ما ينافيها كانت خليقة بأن تكون في المرتبة الوسطى بين الاستعارتين المرشحة والمجردة، وعلى هذا فالاستعارة المجردة تجيء في المرتبة الدنيا من هذه الاستعارات الثلاث لأنها قد اشتملت على ما يلائم المشبه، وهو ما يتعارض مع ما تقتضيه الاستعارة من تناسي التشبيه ودعوى الاتحاد.
الاستعارة المكنية:
عرفت - مما أسلفنا لك - أن الاستعارة تنقسم باعتبار ذكر أحد طرفيها إلى تصريحية ومكنية، وقد عرفت الاستعارة التصريحية، فإليك الحديث عن الاستعارة المكنية
стр. 350
تعريفها: هي عند جمهور البلاغيين: "لفظ المشبه به المستعار في النفس للمشبه، والذي قد حذف ودل عليه بإثبات شيء من لوازمه وخواصه"، كما في قول أبي ذؤيب الهذلي:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع
أي: إذا جاء الأجل فلا راد لقضاء الله، ولن تجدي التمائم والرقي في دفعه فقد شبه المنية بالسبع في اغتيال النفوس من غير تمييز بين نافع وضار، ثم استعار في نفسه لفظ السبع للمنية بعد تناسي التشبيه وادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به، ثم قدر حذفه، دالا عليه يذكر بعض خواصه.
وكقول الشاعر:
ولئن نطقت بشكر برك مفصحاً ... فلسان حالي بالشكاية أنطق
أي: إذا نطقت بلساني مفصحا عن شكر برك، فلسان حالي أنطق بالشكاية منك، لأن ضررك أكثر من نفعك.
فقد شبه حاله بإنسان متكلم، في الدلالة على المقصود، ثم استعار الإنسان للحال، ثم حذفه ودل عليه بإثبات لازمه وهو اللسان، وأثبت للحال على سبيل الاستعارة المكنية.
وكقول محمود غنيم في قصيدته "على سطح القمر":
مضي عهد البخار فبات يبكي ... على أطلال دولته البخار
فقد شبه البخار بملك مخلوع، ثم استعاره للبخار، ثم حذفه ودل عليه بإثبات لازمه وهو البكاء على أطلال دولته، وأثبت للبخار على سبيل الاستعارة المكنية.
ففي الأمثلة الثلاثة السابقة: حذف لفظ المشبه به، وكني عنه بذكر لازمه ثم أثبت هذا اللازم للمشبه المذكور، وما كان كذلك فهو استعارة مكنية، فالمذكور دائماً في المكنية من الطرفين هو: المشبه، والدليل على التشبيه هو إثبات اللازم للمشبه.
стр. 351
وإنما سميت هذه الاستعارة مكنية: لأنه لم يصرح فيها بالمشبه به، وإنما كنى عنه بذكر لازمه.
قرينتها: قرينة الاستعارة المكنية هي: "إثبات لازم المشبه به المحذوف للمشبه المذكور" وذلك كإثبات الأظفار للمنية في بيت أبي ذؤيب، فهذا الإثبات دليل على أن الكلام استعارة بالكناية، وهو عند البلاغيين يسمى: "استعارة تخييليه".
أما أنه استعارة: فلأن اللازم المذكور - وهو الأمر المختص بالمشبه به- استعير للمشبه واستعمل معه.
وأما أن هذه الاستعارة تخبيليه: فلأن ذلك اللازم لما نقل استعمل مع المشبه خيل للسامع أن المشبه من جنس المشبه به.
ومن هنا يتبين لك أمران:
أولهما: أن قرينة الاستعارة المكنية استعارة "تخبيليه" دائما، لأنها إثبات لازم المشبه به للمشبه، وأنهما متلازمان، فلا توجد إحداهما بدون الأخرى.
والأخر: هو أن طرفي الاستعارة التخيلية مستعملان في معنييهما الحقيقيين فالأظفار والمنية في بيت أبي ذؤيب - مثلاً- كل منهما مستعمل في المعني الموضوع له، والتجوز إنما هو في إثبات الأظفار للمنية.
стр. 352
المجاز المركب
هو اللفظ المركب المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة بين المعنى الحقيقي والمعني المجازي، مع قرينة مانعة من إرادة المعني الحقيقي.
وهو باعتبار علاقته يتنوع إلى نوعين، لأن العلاقة إما أن تكون المشابهة، وإما أن تكون غيرها، فإن كانت العلاقة هي المشابهة كان المجاز المركب مجازاً مرسلا.
(أ) فأما الاستعارة التمثيلية: فهي اللفظ المركب المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة.
وقد أسلفنا لك القول في التشبيهات المركبة، أي في الهيئات المنتزعة من أمور متعددة ويمكنك أن تستعير فيها لفظ المشبه به للمشبه " كما في قولهم لمن تردد في فعل شيء وتركه: "أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى".
فإذا ما عدنا بهذا التركيب المجازي إلى حقيقته قلنا: إن المعني: أراك متحيراً في أمرك متردداً.
وإذا ما أجرينا الاستعارة فيه قلنا: شبهت هيئة المتردد في أمره بين الإقدام والإحجام بهيئة رجل قام ليذهب إلى جهة فتارة يعقد النية على الذهاب فيقدم رجلاً، وتارة يعدل فيؤخر أخرى، والجامع: هي الهيئة الحاصلة من إقدام تارة، وإحجام أخرى، ثم استعير لفظ المركب الموضوع للمشبه به للمشبه على سبيل الاستعارة التمثيلية، والقرينة حالية.
وسميت الاستعارة في المركب تمثيلية لجريان التشبيه فيه بين الهيئات المركبة كما رأيت-.
على أن الاستعارة التمثيلية إذا شاع استعمالها، فإنها تسمى: "مثلا"، ولهذا فإن الأمثال السائرة كلها من قبيل الاستعارة التمثيلية.
والمثل يراعي فيه المعنى الذي ورد فيه أولاً، ولهذا فإنك تخاطب به المفرد والمثنى والجمع مذكراً كان أو مؤنثاً، دون أن تغير عبارته التي ورد بها، كما في قولهم: "الصيف ضيعت اللبن" بكسر تاء الفاعل، لأنه ورد في امرأة، ولكنه لما شاع استعماله
стр. 353
أصبح مثلا يضرب لمن طلب شيئاً يعد أن فرط فيه وضيعه، ففاتت فرصته.
وأصل هذا المثل: أن امرأة شابة تدعى "دسوس" بنت لقيط بن زرارة، كانت تحت شيخ يدعى "عمرو بن عويس" وكان طاعناً في السن ذا ثروة، فزهدت فيه وكرهت معاشرته لضعفه وكبره، ورجته أن يتركها قلبي طلبها، وكان ذلك زمن الصيف، ثم تزوجت من بعده من شاب فقير يدعى: "عمرو بن معبد بن زرارة" ثم احتاجت إلى اللبن زمن الشتاء، فجاءت إلى زوجها الأول تطلب منه لبناً، فلم يحبها إلى طلبها، وقال لها: "الصيف ضيعت اللبن" فذهبت مثلاً.
فإذا ما أردنا إجراء الاستعارة فيه قلنا: شبهت هيئة من فرط في شيء في وقت إمكان تحصيله ثم طلبه في وقت يتعذر الحصول عليه فيه، بهيئة امرأة تركت زوجها صاحب اللبن الوفير، ثم أتت إليه بعد فراقها له تطلب منه اللبن، والجامع: هو الهيئة الحاصلة من التفريط في الشيء في وقت إمكانية، ثم طلبه وقت تعذره ثم استعير اللفظ المركب الموضوع للمشبه به للمشبه على سبيل الاستعارة التمثيلية.
(ب) وأما المجاز المركب المرسل: فهو اللفظ المركب المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة غير المشابهة، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي.
ومثال ذلك: الجملة الخبرية المستعملة في الإنشاء لأغراض لم يوضع لها الخبر، وذلك كإظهار التحسر، أو الضعف، أو السرور، أو الشماتة أو نحو ذلك.
فمثال استعمال الخبر في الإنشاء لغرض التحسر قول الشاعر، متحسراً على ذهاب شبابه:
ذهب الصبا وتولت الأيام ... فعلى الصبا وعلى الزمان سلام!
فقد استعمل الخبر في إنشاء التحسر والتحزين على فوات الشباب وذهاب أيامه العذاب، والعلاقة فيه هي اللزوم، إذ يلزم من الإخبار بذهاب الصبا وتولى أيامه الباسمة التحسر والأسى على فواته، بقرينة قوله: "فعلى الصبا وعلى الزمان سلام".
ومنه قول محمود غنيم، يتحسر على ذهاب شبابه:
مشيت على الأرض الهوني كأنما ... أبي لي وقاري أن يراني عادياً
стр. 354
وما بي - لعمرى - من وقار، وإنما ... هو العجز لولاه سبقت خياليا ...
وعززت ساقي اللتين تراخياً ... بثالثة لم تجر فيها دمائياً! ! ...
فلفظ الأبيات الثلاثة خبر، ولكنه أراد إنشاء التحسر على ذهاب الشباب.
متى تحسن الاستعارة ؟
يرى البلاغيون أن من شروط حسن الاستعارة ما يلي:
أولاً: رعاية جهات حسن التشبيه، أي مراعاة أسباب حسنه لأنها مبنية عليه، فتحسن بحسنه، وتقبح بقبحه.
فمن جهات حسن التشبيه: أن يكون وافياً بالغرض منه، وأن يكون وجه الشبه فيه غير مبتذل، فإذا أردت- مثلاً- تزيين المشبه، كوجه أسود، فقلت: "رأيت مقلة ظبي" حسنت الاستعارة، لوفاء التشبيه بالغرض فإذا قلت- وأنت تريد تزيين المشبه - "رأيت فحما"، وأردت وجها أسود لم تحسن الاستعارة لعدم حسن التشبيه، لأنه لم يفت بغرضك وهو التزيين.
ثانياً: أن يزداد بعدها عن الحقيقة بالترشيح، ولهذا كانت الاستعارة المرشحة أكثر قبولاً في ذوق البلغاء من أختيها.
ثالثاً: ألا يشتم فيها رائحة التشبيه لفظاً، ومعنى ذلك ألا يذكر في الكلام لفظ يدل على المشبه، كما في قولك: "زارني بدر في منزلي"، إذ ليس في العبارة ما يدل على المشبه:
أما قول الشاعر:
لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زر أزراره على القمر
فالاستعارة هنا: قليلة الحسن، لأن معها ما يدل على المشبه، وهو: الضمير في قوله: "غلالته" وفي قوله "أزراره".
رابعاً: ألا يكون وجه الشبه خفياً جداً بحيث لا يدرك بغير تأمل ونظر، فلا تحسن استعارة لفظ "أسد" للرجل الأبخر، وهو ذو الفم النتن لخفاء وجه الشبه.
стр. 355
تمرينات
على الاستعارة
١ - أجر الاستعارة بين نوعها وقرينتها في كل مما يأتي: ...
(أ) قال الشريف الرضى في الشيب:
ضوء تشعشع في سواد ذوائبي ... لا أمضي به ولا أستصبح
بعت الشباب به على مقه له ... ... بيع العليم بأنه لا يربح! ...
(ب) وقال التهامي في رثاء ابنه:
يا كوكباً ما كان أقصر عمره ... ... وكذاك عمر كواكب الأسحار!
(جـ) وقال ابن الرومي: ...
بلد صحبت به الشبيبة والصبا ... ولبست ثوب اللهو وهو جديد
(د) وقال ابن الرومي- أيضاً-:
حيتك عنا شمال طاف طائفها ... بجنة نفحت روحا وريحاناً
هبت سحيراً، فناجي الغصن صاحبه ... سرا بها وتداعي الطير إعلاناً
(هـ) وقال مهيار:
ما لساري اللهو في ليل الصبا ... ضل في فجر برأسي وضحاً؟
(و) وقال السري الرفاء يصف شعره:
إذا ما صافح الأسماع يوماً ... تبسمت الضمائر والقلوب
(ز) وقال أخر في وصف روضة:
وأعطاف الغصون لها نشاط ... وأنفاس النسيم بها فتور
(ح) وقال غيره:
يضاحكها الضحى طوراً وطوراً ... عليها الغيث ينسجم انسجاماً
следующие страницы →