والإطناب في الفقرة، ثم بيان أن الفقرة في العمل الأدبي جزء من صورة فنية متناسقة.
وفي تناول صور التعبير: يدرس أثر اختلاف الصور في التأثير، والقوة فيدرس صور "الإيضاح المعلن" كالتشبيه والاستعارة والمجاز والكناية والتجريد والقلب وأسلوب الحكيم والمبالغة وتأكيد المدح بما يشبه الذم والتدبيج والتهكم والفكاهة والتجاهل، وفي كل فن من هذه الفنون يدرس العمل الفني كله وأثره الأدبي، والشواهد الأدبية الكافية، كما يدرس "صور التعبير المظللة" كالرمز والإيماء والإلغاز والتورية والاستخدام.
ثم تبحث البلاغة في القطعة الأدبية، فتدرس عناصر العمل الأدبي وعلاقته ما بين اللفظ والمعنى في العمل الأدبي، ثم الصناعة المعنوية، أي مباحث المعاني الأدبية، فتدرس خصائصها المميزة لها، ومصادر إيجادها وترتيبها، وأثر العوامل النفسية والأدبية في ذلك، واختلافها في المتفننين وأثرها فيهم وعرض المعاني الأدبية وإخراجها واختلاف الأدباء في ذلك ثم دراسة الفنون الأدبية قديماً وحديثاً، وخصائص الشعر في عباراته ومعانيه وموضوعاته، وخصائص كل فن من فنونه.
ثم تدرس البلاغة الأساليب الفنية في الأدب ودلالتها على شخصية الأديب؛ ثم من حيث هي طراز في الإخراج والعرض تميز عمل الأديب كالأسلوب الرمزي والفكاهي والتهكمي في عمل أدبي كامل ومقومات مثل هذا الصنيع، ومميزاته مع الإشارة إلى الروائع الفنية من كل طراز.
ذلكم هو منهج "فن القول" الذي قال عنه صاحبه: إنه "تخطيط لمحاولة تأمل أن تظل رهن التغيير والتعديل وهدف التجديد والتحسين، يضيف إليها ويحذف منها وينسقها من تهيأت له القدرة الصادقة على ذلك،
стр. 37
وكانت له فيه بصيرة خبيرة ليظل هذا الدرس للفن القولي صدى لحياة أهله وسبيلاً لتحقيق غاياتهم في الحياة الوجدانية الراقية".
٤ - "البيان العربي" للدكتور بدوى طبانة (١):
بعد أن عرض الدكتور بدوي طبانة لتطور الفكرة البيانية عند العرب في كتابه هذا؛ فإنه يستخلص من هذا العرض أن البلاغة العربية تدور عند البلاغيين حول "مطابقة الكلام لمقتضى الحال" كما يرى أن تعريف علم المعاني عندهم وهو: أنه "علم يعرف به أحوال اللفظ العربي التي بها يطابق الكلام مقتضى الحال" هذا التعريف ليس مقصوراً على علم المعاني وحده وإنما هو شامل لعلوم البلاغة جميعها؛ وما دامت البلاغة عندهم تدور حول المطابقة، وأنها شاملة لعلوم البلاغة جميعاً، فلنبحث البلاغة - من جديد - على هذا الأساس، ويذكر أن مجالات المطابقة كثيرة ومنها:
(أ) مطابقة الأفكار والمعاني للموضوعات المختلفة، وقد بين أن كتب النقد وكتب البلاغة لم تخل من أمثال هذه الدراسات التي تنشد المطابقة بين المعاني والأفكار، ويضرب الأمثلة لذلك.
(ب) مطابقة الأفكار والمعاني لعقول السامعين والقارئين.
(جـ) أما مجال المطابقة في الصورة فإنها أوسع ويستطيع كل من الأديب والناقد أن يفيد منه فائدة كبرى.
١ - ففي الفن الشعري - وهو القائم على الوزن والقافية - يدخل النغم ووحدة القافية - وهما لونان من ألوان التناسق والتطابق - في مجالات
стр. 38
المطابقة، وقد فطن كثير من علماء البلاغة والنقاد العرب إلى هذا الاعتبار فاستخلصوا فنوناً كثيرة تتصل بهذا الفن الشعري، ومنها التصريع؛ والترصيع والتوشيح وهو الإرصاد عند بعض البلاغيين و"التسهيم" عند غيرهم، و"الإيغال" و"التصدير".
٢ - واللفظ هو أساس العبارة أو هو الوحدة التي تتكون منها، والمطابقة في اللفظ تنشد في عدة أمور منها: مطابقة اللفظ لمعناه، ومطابقته لما يجاوره من الألفاظ، ثم مطابقة اللفظ للغرض الذي يعالجه الأديب.
٣ - وأكثر فنون البلاغة إنما تهدف إلى تحقيق المناسبة أو المطابقة، ويتجلى ذلك في ألوان ثلاثة من التناسب:
(أ) تناسب النغم والرنين الموسيقي بين أجزاء العمل الأدبي، ومن مظاهر ذلك فيما عالجه البيان: الترصيع، والتصريع؛ والسجع، والازدواج ولزوم ما لا يلزم.
(ب) تناسب الألفاظ ومنه فيما عَالجت البلاغة العربية: "التجنيس" و"المشاكلة" و"التوشيح".
(جـ) تناسب المعاني، وهو كثير في مباحث البلاغة، فمنه التشبيه الذي تراعى فيه المناسبة بين المشبه والمشبه به، ومنه الاستعارة التي تقوم على المناسبة بين المستعار له والمستعار منه، ومنه مراعاة النظير، والطباق قائم على التناسب بين الأضداد وهكذا.
٤ - وتتلمس المطابقة في الأسلوب من جهة ملاءمته للموضوع، ومن جهة مطابقته لأحوال السامعين والقارئين وعواطفهم وعقولهم وقدرتهم اللغوية، فأسلوب الحقيقة لمن لا يستطيع أن يدرك غيره وأسلوب الكناية والمجاز لمن يستطيع إدراكهما.
стр. 39
تلكم هي اقتراحات بعض المعاصرين لدراسة البلاغة من جديد، وهي - كما رأيتم - منصبة على دراسة البلاغة من خلال النقد الأدبي، وإعادة تنظيم التراث النقدي البلاغي للغة العربية وهي محاولات جد مخلصة وصادقة تستهدف النهوض بالبحث البلاغي.
بيد أنها قد نسيت أن أجدى دراسة كانت للبلاغة، هي دراسة عبد القاهر الجرجاني تلك الدراسة التي لم تفرق بين البلاغة والنقد الأدبي، والتي عالجت فيها موضوعات البلاغة معالجة أمينة جادة، خالصة من شوائب المنطق أو الفلسفة، اللهم إلا فلسفة النفس الإنسانية وأحوالها حين تعتريها أريحية استقبال اللطائف البلاغية والمزايا البيانية.
وقد علمتم ما رأيناه من أن عبد القاهر لم يقسم البلاغة إلى علومها التي نراها اليوم، بل إنه كان ينظر إليها على أنها علم واحد، وإن تعددت قضاياه وتفرعت مسائله.
ولهذا: فإننا نرى أن البلاغة العربية يجب أن يسلك بها السبيل الذي سلكه عبد القاهر الجرجاني في "دلائل الإعجاز" و"أسرار البلاغة" لدراسة علم البلاغة، وتقوم هذه الدراسة على أن نظرية النظم هي أساس البلاغة، وعن هذه النظرية تتفرع المعاني البلاغية التي نستلهمها من نظم الكلام، وهذه المعاني تدرس فيما سمي "بعلم المعاني" - وإن لم يكن بنا حاجة إلى مثل هذه التسمية.
كما أن الصور البيانية التي تصاغ من هذه المعاني المستوحاة من النظم تبرز المعنى الذي يقصده المتكلم وتوضحه، وهي صور التشبيه، والمجاز، والكناية، التي تدرس فيما سمي بعلم البيان - وإن لم يكن بنا حاجة إلى مثل هذه التسمية.
على أن ألوان البديع داخلة هي الأخرى في الصميم من مسائل البلاغة
стр. 40
سواء أكانت معاني مستوحاة من النظم، أم كانت صوراً من صور البيان والإيضاح.
وبهذا تعيد للبلاغة عهد الإشراق والازدهار، وتخلصها من ركام المنطق والفلسفة والتكلف، وتبرزها خالصة، لا غموض فيها ولا تعقيد.
وعلى ضوء ما أسلفنا من آراء، فإننا نرى ما يلي: -
أولاً: إذا أردنا للبلاغة العربية أن توفي النص الأدبي حقه، فإنه يجب ألا تدرس بمنأى عن النقد الأدبي بل يجب أن تكون البلاغة العربية - دائماً - عماد النقد الأدبي السليم.
ثانياً: يجب أن تصفى البلاغة العربية مما شابها من بقايا فلسفة السكاكي ومنطقه حتى يتسنى للناشئة - وغيرهم - استساغتها وتذوقها. ومن ثم تطبيقها على ما تنتجه القرائح وتعطيه الأفكار، وعلى ذلك فإن مبحث الدلالات الذي يصدر به البلاغيون - عادةً - مباحث علم البيان لا فائدة منه على الإطلاق ويجب أن ينحى عن علم البلاغة وذلك لأنه أمر أقرب إلى المنطق منه إلى البلاغة، بل بينه وبين البلاغة بون شديد.
ثالثاً: يجب أن تدرس البلاغة العربية من خلال النص الأدبي، بمعنى أن تعرض النصوص الأدبية، ثم تستخلص منها الأسرار البلاغية، والمزايا البيانية، لا أن تحفظ القواعد جافة، ثم يطبق لكل قاعدة بمثال.
رابعاً: يجب ألا يقتصر في التدريس البلاغة على نصوص معينة من عصور معينة - كما درجت على ذلك المدرسة السكاكية - بل تدرس نصوص من العصر الحديث، كما تدرس نصوص من الشعر الجاهلي والعصور التي تلته على حدٍ سواء.
خامساً: يجب أن يدرس النص كاملاً، بمعنى أن تدرس قصيدة أي شاعر
стр. 41
كاملة غير منقوصة حتى نحافظ على وحدة القصيدة، لا أن يدرس بيت من هنا وبيت من هناك!
سادساً: يجب ألا تقارن مقاييس البلاغة العربية بغيرها من المقاييس الغربية، وذلك ليس تعصباً منا للغة العربية، ولكن لأن المقاييس البلاغية لأي لغة قد لا تصلح لغيرها من اللغات الأخرى وذلك لأن الجمال أمر اعتباري، فما قد يكون جميلاً عند أمة من الأمم قد لا يكون جميلاً عند غيرها.
стр. 42
٢ - النقد الأدبي
في لسان العرب: النقد والتنقاد: تمييز الدراهم وإخراج الزيف منها، أنشد سيبويه:
تنفي يداها الحصى في كل هاجرة ... نفي الدراهم تنقاد الصياريف
وقد نقدها بنقدها نقداً، وانتقدها وتنقدها، ونقده إياها نقداً: أعطاها فانتقدها أي: قبضها. الليث: النقد: تمييز الدراهم وإعطاؤكها إنساناً وأخذها، الانتقاد والنقد: مصدر نقدته دراهمه، ونقدته الدراهم ونقدت له الدراهم، أي: أعطيته فانتقدها؛ أي قبضها، ونقدت الدراهم وانتقدتها، إذا أخرجت منها الزيف. والدرهم نقد أي: وازن جيد، وناقدت فلاناً: إذا ناقشته في الأمر. وفي حديث أبي ذر: كان في سفر فقرب أصحابه السفرة ودعوه إليها، فقال: إني صائم؛ فلما فرغوا جعل ينقد شيئاً من طعامهم، أي: يأكل شيئاً يسيراً، وهو من نقدت الشيء بإصبعي أنقد واحداً واحداً نقد الدراهم.
وفي حديث أبي الدرداء: إن نقدت الناس نقدوك، وإن تركتهم تركوك معنى نقدتهم: أي عبتهم (١).
وهكذا ترى ص ٤٤ أن كلمة "النقد" قد دارت حول معنى واحد، هو تمييز الجيد من الرديء، وذلك لأن معنى الإعطاء والأخذ فيها قد جاء تابعاً للمعنى الأصلي، لأن المعطي أو الآخذ، قد أعطى وأخذ دراهم قد ميز جيدها من رديئها.
стр. 43
والمناقشة هي الأخرى قد لوحظ فيها المعنى الأصلي، فهي تظهر الصواب من الخطأ والحق من الباطل، بل وفيها - أيضاً - يتميز جيد الآراء من رديئها.
وكذلك نقد الناس: إذ هو: إظهار عيوبهم، والسكوت عن مزاياهم.
وهذا المعنى الأصلي - وإن خص بنقد الدراهم - إلا أننا نراه قد انتقل إلى نقد الأدب فيما بعد، فقد سمى قدامة بن جعفر المتوفى ٣٣٧ هـ كتاباً له باسم "نقد الشعر" وذكر أنه يبحث في تخليص جيد الشعر من رديئه، فقال "ولم أجد أحداً وضع في "نقد الشعر" وتخليص جيد الشعر من رديئه كتاباً" بل إنه ليسمى هذا الفن باسم "علم جيد الشعر من رديئه" (١).
و"الأدبي" نسبةً إلى "الأدب" وهو موضوع النقد، والمراد به هنا هو: الشعر والنثر وما يتصل بهما.
والغرض من دراسة النقد: هو معرفة القواعد التي بها يمكن الحكم على القطع الأدبية، أجيدة أم غير جيدة، فإذا كانت جيدة أو رديئة فما درجتها من الحسن والقبح؟ وكذلك معرفة الرسائل التي تمكننا من تقديم ما يعرض علينا من الآثار الأدبية.
وللنقد الأدبي ثلاثة مناهج رئيسية:
إحداها: المنهج الفني: وهو دراسة النصوص الأدبية من شعر أو نثر في ظلال البلاغة، وأصحاب هذا الاتجاه يعتمدون على الذوق، ويعجبون بالمعاني الرائقة، والأساليب الجميلة.
وثانيها: المنهج النفسي: وهو الذي ندرس فيه حياة الأديب نفسه لا الأدب، وتأثر الأدب بالأديب، لأن نفس الأديب هي المنبع الذي
стр. 44
صدرت عنه القطعة الأدبية، فيجب أن ندرس هذه النفس ليفهم ما يصدر عنها.
وثالثها: هو المنهج التاريخي: وهو الذي يدرس النقد الأدبي في عصوره المختلفة، تعريفاً بأعلامه، وشرحاً لآرائهم واتجاهاتهم ومناهجهم، وتأثرهم ببيئاتهم، وبالثقافات التي تأثروا بها، وذلك لأن الأدب هو ظل الحياة الاجتماعية، ولا يمكن فهم الأدب فيها فهماً حقيقياً إلا إذا فهمنا البيئة التي كان الأدب نتاجاً لها.
على أن هذه المناهج الثلاثة - في رأينا - ضرورية للنقد الأدبي ولا يستغني ناقد عن واحد منها.
ذلك بأن موضوع النقد الأدبي هو: النصوص الأدبية لمعرفة محاسنها ومساوئها، وذلك لا يكون إلا في ظل البلاغة والاعتماد على الذوق.
ولما كانت تلك النصوص بما فيها من جمال أو قبح صادرة عن نفس ترضى وتغضب وتحب وتكره، وترغب وترهب، كان لا بد من دراسة تلك النفس، لأنها المنبع الحقيقي لتلك النصوص.
ولأن تلك النصوص بما فيها من جمال أو قبح بعرف ص ٤٦ في ظل البلاغة والذوق قد صدرت عن نفس أديب قد تأثر بعصره وبيئته وثقافته، كان لا بد من دراسة ذلك كله، لتدرس في ظلاله النصوص الأدبية دراسة كاملة ولتفهم - أيضاً - فهماً دقيقاً.
стр. 45
مكان البلاغة من النقد
عرفت مما سبق أن النقد الأدبي بتعريفه الذي توصل إليه النقاد والمحدثون: هو استعراض القطع الأدبية، والحكم عليها بالجودة أو الرداءة، ومعرفة القواعد التي بها نستطيع الحكم على تلك القطع.
"والنقد الأدبي" بهذا المفهوم يجعل البلاغة أساساً من أسسه، أو جزءاً لا غنى عنه من أجزائه.
والواقع أننا إذا ما استعرضنا تطور البلاغة والنقد الأدبي منذ نشأتهما فإننا لا نجد تغيراً يطرأ على هذا المفهوم الذي رأيناه:
فأول بارقة للنقد الأدبي نجدها في قول عمر ﵁ عن زهير: كان لا يعاظل بين القول، ولا يتتبع حوشى الكلام ولا يمدح الرجل إلا بما هو فيه (١).
وقد رأى عمر ﵁ أن زهيراً بهذا يستحق أن يكون أشعر الشعراء وقد بنى حكمه على نفي المعاظلة، وحسن اختيار الألفاظ، والبعد عن التعقيد في القول، والصدق في المديح، وتلك أحكام "بلاغية" عبر عنها المتأخرون بالبعد عن الغرابة، والتعقيد اللفظي والمعنوي، وعدم المبالغة.
على أن النقد الأدبي، ليس بلاغة وحسب، فثمة نقد نحوي، ونقد عروضي، ونقد لغوي:
стр. 46
فمن النقد النحوي: ما رآه عيسى بن عمر من أن النابغة قد أساء في قوله:
فبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرقش، في أنيابها السم ناقع
وقال: موضعه "ناقعاً" أي تنصب على أنها حال (١).
ومن النقد العروضي: ما أنكره عبد الله بن أبي إسحق على الفرزدق من قوله:
مستقبلين شمال الشام تضربنا ... بحاصب من نديف القطن منثور
على عمائمنا تلقى رواجلنا ... على زواحف تزجى مخها: رير.
يرفع "رير" فقد قال ابن أبي إسحق: ألا قلت: على زواحف تزجيها محاسير؟ ، ويقصد بذلك: أن الفرزدق قد أقوى في شعره هذا، فأورد روياً مرفوعاً في قصيدة رويها مجرور.
ومن النقد اللغوي: ما يروى من أن الأصمعي قد قرأ على أبي عمرو بن العلاء شعر النابغة الذبياني - فلما بلغ قوله في وصف الناقة:
كناز البضيع جمالية ... إذا ما بغمن تراها كتوما (٢)
فأبو عمرو قدر أي أن الألفاظ يجب أن يراعى فيها الدقة في استعمالها فيما وضعت له، لأنه من استقراء كلام العرب وجد أن صياح الفحول يكون من نشاطها، وصريف الإناث يكون من إعيائها، وأن النابغة قد
стр. 47
انفرد من بينهم بعكس هذا الاستعمال والحقيقة أن ناقد الأدب ليس رجلاً نحوياً، ولا علماً من أعلام اللغة، ولا عالماً بالصرف أو العروض، ولا راوية للمأثور من الأدب والأخبار والأنساب، ولكنه في الواقع كل أولئك الرجال، وثقافته تمثل كل تلك الثقافات، لأنها مادته التي يعتمد عليها في إصدار حكم صادر مستوعب (١)، فعبارة "النقد الأدبي" ينبغي أن تكون شاملة للنقد بأنواعه: النحوي، والعروضي، واللغوي والبلاغي.
فإذا تقدمنا قليلاً، وطالعتنا بوادر التأليف في "النقد الأدبي" التقينا بصحيفة بشر بن المعتمر، التي اعتبرها المحدثون من النقاد دعامة من دعائم النقد الأدبي، بل والأساس الذي قامت عليه الدراسات البلاغية أيضاً.
وفي تلك الصحيفة يوصي بشر باختيار الكلام، والبعد عن التعقيد، واختيار اللفظ الشريف للمعنى الشريف، مع مطابقة الكلام لمقتضى الحال.
وتلك قيم بلاغية على درجة كبيرة من الأهمية، ومع ذلك فإن بعض النقاد المحدثين قد رأى أنها شاملة "لقواعد النقد الأدبي" وأصوله، بل إنه يرى أن تلك المفاهيم التي حوتها صحيفة بشر: أبعد الأشياء عن البلاغة بمعناها الاصطلاحي! !
وأنت ترى أن في هذا القول مبالغة ليست في محلها فقد حوت الصحيفة أهم قضية من قضايا البلاغة، وهي: "مطابقة الكلام لمقتضى الحال"، وقد صار هذا المفهوم تعريفاً للبلاغة حتى عصرنا الحاضر.
على أن هذا الرأي - بما فيه من مبالغة - يعطيك الدليل القوي على صحة ما نقول، وهي أن البلاغة قسم من أقسام النقد الأدبي، أو جزء لا غنى عنه من أجزائه.
стр. 48
فإذا ما التقينا بأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ المتوفى سنة ٢٥٥ هـ في كتابه: "البيان والتبيين"، الذي اعتبره النقاد من أقدم الآثار في النقد الأدبي عند العرب، وجدناه يعالج من بين قضايا النقد الأدبي مسائل بلاغية كثيرة، كمحاولة تعريف البلاغة، واللفظ والمعنى، ووجوب مطابقة الكلام لمقتضى الحال، والإيجاز والإطناب ومواضعهما، والازدواج والسجع والاحتراس، والسرقات الشعرية، وغير ذلك من القضايا البلاغية التي جعلته أهلاً لأن يعد - غير منازع - مؤسس البلاغة العربية.
على أنه لا يقدح في صحة نظرتنا إلى البلاغة على أنها قسم من أقسام النقد الأدبي، وأن نقاد الأدب قد جعلوا النقد البلاغي جزءاً هاماً من النقد الأدبي أن نرى أبا عبد الله محمد بن سلام الجمحي المتوفى سنة ٢٣٢ هـ في كتابه: "طبقات الشعراء" لا يتعرض للناحية البلاغية وإنما يمضي لناحية أخرى هي: تقسيم الشعراء إلى طبقات.
وذلك لأن ابن سلام قد اتجه في مؤلفه هذا اتجاهاً تاريخياً، وهذا الاتجاه هو أحد المناهج الرئيسية للنقد الأدبي - كما أسلفنا - هذا إلى تقسيمه الشعراء إلى مجموعات بحسب تفاوتهم في كثرة الإنتاج أو في جودته، أو في قدرته على التصرف في فنون الشعر، وهذه ثقافة نقدية لازمة للناقد حتى يستطيع الحكم على النصوص الأدبية من الناحية الفنية.
ويقرب من ذلك الاتجاه ومن تلك الثقافة النقدية: جهود ابن قتيبة النقدية في كتابه "الشعر والشعراء".
وأبو العباس أحمد بن يحيى المعروف بثعلب، المتوفى سنة ٢٩١ هـ، مع أن الشعر لم يكن ميدانه، ولم تكن له قدم راسخة في البلاغة وإنما كان من أئمة اللغة والنحو، وراوية من رواة الأدب وحفاظه، يؤلف كتابه: "قواعد الشعر"، ويذكر أن من فنون الشعر: التشبيه، والإفراط في الإغراق
стр. 49
ولطافة المعنى، والاستعارة، وحسن الخروج، ومجاورة الأضداد، والمطابق.
ولأن تلك القضايا التي تناولها ثعلب معدودة من بين قضايا النقد، فإنه قد عدها من فنون الشعر، أو ص ٥١ نقاد الشعر يعتبرون ثعلباً حلقة في سلسلة النقاد، كما يعتبرون كتابه مصدراً من مصادر النقد الأدبي عند العرب.
ولعل تلك النغمات التي رددها ثعلب في "قواعد الشعر" من عدة ص ٥١ تلك المسائل البلاغية الآنفة من فنون الشعر هي التي ألهمت معاصره عبد الله بن المعتز المتوفى سنة ٢٩٦ هـ أن ينتقل بالنقد الأدبي في كتابه "البديع" إلى طور جديد هو طور العناية بالصورة ودراسة الشكل، وقد كانت جهود النقاد الذين سبقوه مقصورة على المعاني والأفكار، أو على تقسيم الشعراء إلى طبقات.
أما هو فقد اتجه إلى دراسة شكل النص الأدبي وصورته، وكيفية تحسينه وتزيينه، ولهذا فإنه يورد في كتابه بعض الألوان البديعية التي بها تحسن الصورة الأدبية، وتكتسي ثوباً جميلاً، ومعرضاً شيقاً، ويعد من هذه الألوان البديعية: الاستعارة، والتجنيس، والمطابقة، ورد الإعجاز على ما تقدمها، والمذهب الكلامي، ثم عدد ألواناً أخرى بها يحسن الكلام، والشعر كالالتفات: والاعتراض، والرجوع، وحسن الخروج، وتأكيد المدح، وتجاهل العارف، والهزل الذي يراد به الجد، وحسن التضمين والتعريض والكناية، والإفراط في الصفة، وحسن التشبيه، ولزوم ما لا يلزم، وحسن الابتداء.
وأنت ترى أن تلك المباحث كلها مباحث بلاغية، وأنها في الوقت نفسه - كما رأى النقاد الأوائل - داخلة في إطار النقد الأدبي.
وفي مطلع القرن الرابع الهجري نجد محمد بن أحمد بن طباطبا العلوي
стр. 50
الأصبهاني المتوفى سنة ٢٢٢ هـ والذي كان من شعراء عصره ونقاده يؤلف كتابه "عيار الشعر" ليبحث فيه صناعة الشعر، والميزان الذي به تقاس بلاغته، وقد اعتبر هذا الكتاب من أهم كتب النقد التي صنفت في القرن الرابع الهجري.
وفي هذا الكتاب القيم: تجد ابن طباطبا يجعل التشبيه أهم مباحثه، لأنه يعتبره جوهر الشعر ولبه، فيستقصي جميع وجوهه وأقسامه.
حتى إذا ما وصلنا إلى قدامة بن جعفر المتوفى سنة ٣٣٧ هـ وجدنا النقد الأدبي في كتابه: "نقد الشعر" يأخذ طريقاً آخر غير ما ألفه النقاد من قبله، فقد كانوا يبحثون في تقسيم الشعراء إلى طبقات، أو في رسم الصورة المثلى للقطع الأدبية، أو في وجوه تحسينها وتزيينها، أما قدامة فقد اتجه اتجاهاً خاصاً هو البحث في تخليص جيد الشعر من رديئه، ولهذا فإنه يسميه: "علم جيد الشعر من رديئه" فعرف الشعر، وأخرج محترزات تعريفه، ثم بدأ في سرد صفات الشعر التي إذا اجتمعت فيه كان في غاية الجودة، وذكر منها: الترصيع، والتشبيه، وصحة التقسيم، وصحة المقابلات، وصحة التفسير، والتتميم، والاحتراس، والمبالغة والطباق، والالتفات، والمساواة، والتعريض والكناية والجناس، فهو يؤلف كتاباً في "نقد الشعر" وهو في الوقت نفسه يورد مسائل بلاغية كثيرة لها صلة وثيقة بنقد الشعر.
وعندما جاء التطبيق العملي للنقد الأدبي كان كتاب الموازنة بين أبي تمام والبحتري لأبي الحسن بن بشر الآمدي المتوفى سنة ٣٧١ هـ وكتاب: "الوساطة بين المتنبي وخصومه" للقاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني المتوفى سنة ٣٩٢ هـ رأينا فيهما النقد الأدبي قد أخذ صورته العملية وتضافرت جميع أقسامه فيها لتخدم النص الأدبي.
فالنقد النحوي، والنقد العروضي، والنقد اللغوي، إلى جانب النقد
стр. 51
البلاغي، جميعها قد تعاونت في سبيل إصدار حكم نقدي شامل مستوعب على أشعار كل من: أبي تمام، والبحتري، والمتنبي، مما يؤكد رأينا الذي نقول به، وهو أن النقد الأدبي شامل للنقد بجميع أقسامه، ومنها: النقد البلاغي. ومن ثم فإنه لا ينبغي أن تفصل البلاغة عن النقد الأدبي.
وإذا ما أردنا تحديد الأسباب التي أدت إلى انفصال البلاغة عن النقد. أو بمعنى آخر: توضيح الاتجاهات التي أدت إلى تمييز علوم البلاغة عن النقد الأدبي، وانكماشها عن أن تسير به نحو رعاية النصوص الأدبية وتهذيبها وتزيينها بحلل من جمال المعنى وحسن اللفظ وقوة الأسلوب ووضوحه، وجدنا هذه الأسباب كامنة في تأثر المتكلمين من المعتزلة بالفلسفة، فقد تسلحوا بها للرد على خصومهم وإثبات حججهم، وإقامة براهينهم على دعائم من البلاغة والفلسفة والدين.
فلقد ظل البيان العربي منذ تأسيسه على يد أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ عربياً خالصاً، ينهل من معين الثقافة العربية الأصيلة، إلى أن اتصل علماء البلاغة من متكلمي المعتزلة بالفلسفة، فأخذوا منها بطرف، ولكنهم ظلوا محافظين إزاءها حفاظاً جعل البلاغة العربية تظل نقية من شوائب الفلسفة، حتى إذا ما أخذت تقترب منها شيئاً فشيئاً، وصار البيان العربي أقرب إلى الفلسفة منه إلى الأدب، بدأ الانفصال يبدو شيئاً فشيئاً، حتى وضع بذوره عبد القاهر الجرجاني بطريقته التقريرية - كما يرى الدكتور طه حسين في مقدمة "نقد النثر"، إذ يقول: "ولقد أنشأ متكلمو المعتزلة - هذا البيان - إذا صح التعبير - وتعهدوه، وقلما كان يفلت من بين أيديهم، وقد بقي أقرب إلى الأدب منه إلى الفلسفة ما بقي أولئك المتكلمون يدرسون الأدب العربي وينهلون من موارده العذبة ولما أصبحوا أكثر اشتغالاً بالفلسفة منهم بالأدب أصبح بيانهم أقرب إلى الفلسفة منه إلى الأدب.
ولذلك لم يكن عبد القاهر الجرجاني عندما وضع في القرن الخامس
стр. 52
كتاب "أسرار البلاغة" المعتبر غرة كتب البيان العربي إلا فيلسوفاً .. وإننا لنجد في كتابه المذكور جراثيم "الطريقة التقريرية التي أودت بالبيان العربي في القرن السادس" (١).
والواقع أن إمعان البلاغيين في تتبع آثار الفلسفة في تآليفهم وأساليبهم هو الذي جعلهم يتجهون بالبلاغة اتجاهات لا صلة بينها وبين البلاغة على الإطلاق؛ وصحيح أن عبد القاهر لم يكن يضارع في طريقة تناوله النصوص ص ٥٤ الأدبية وتحليلها تحليلاً نقدياً بلاغياً موغلاً في التغلغل في أعماق النفس الإنسانية لاستخراج ما في النصوص من أسرار الجمال، ولطائف الروعة والبهاء؛ ولكن من تتبعوه، وحاولوا فهم طريقته وأسلوبه في استجلاء خفايا الإعجاز، واكتشاف أسرار الأساليب وما بها من جمال، لم يكن لديهم القدرة على ذلك إذ كانت تنقصهم الأساليب الأدبية الجميلة، والذوق البلاغي، والحس المرهف، والأذن الشاعرة؛ فجاءوا إلى كتابيه ص ٥٤: وكل ما لديهم من زاد ومعرفة شيئان ص ٥٤ هما: الفلسفة والمنطق؛ فتناولوا البلاغة بهما؛ وما أبعد البلاغة العربية الأصيلة عن متاهات الفلسفة وترهات المنطق!
وكان ما كان مما أدى بالبلاغة العربية إلى الجمود والتعقيد والتعمية والألغاز التي نراها متمثلة في الجزء الثالث من كتاب "المفتاح" للسكاكي؛ فلم يتقدم البيان العربي بعد عبد القاهر تقدماً ما؛ بل أخذ على العكس من ذلك في التأخر والانحطاط.
ومنذ القرن السابع الهجري جعل يفقد كل صفة أدبية له، ويصبح فريسة للشراح والمقررين الذي اضطلعوا بالجدل فيما ليس بشيء وكادوا يجهلون الأدب العربي جهلاً تاماً (٢).
стр. 53
غير أن جراثيم الطريقة التقريرية "لم تقف عند حد البلاغة لتفسدها؛ وإنما سبقتها إلى النقد الأدبي بصفة عامة على يدي أبي هلالي العسكري في كتابه "سر الصناعتين"؛ فقد أخذت فلسفة اليونان تتغلغل شيئاً فشيئًا في البيئات الأدبية ذاتها؛ كما أخذ الأدب يتطور نحو الصنعة البديعية؛ فوجد مجال واسع لدراسة تلك الأوجه الجديدة والمحسنات المبتكرة؛ وقد عززت تلك الدراسات بفساد الذوق وفقره؛ وإذا بالنقد ينصرف عن النظر في الموازنة بين الشعراء، والوساطة بينهم وبين خصومهم إلى تقسيم أوجه البديع، وشرح الطرق البلاغية؛ وكان عبد العزيز الجرجاني آخر النقاد، والباب الذي يسلمنا ص ٥٥ إلى البلاغيين.
وأخيراً ظهر أبو هلال العسكري. وكان هذا الكتاب (الصناعتين) - فيما نرى - نقطة تحول النقد إلى بلاغة (١).
ولقد كان أبو الهلال بعثاً لقدامة - في منهجه ص ٥٥ التقريري - فاستطاع - بما له من دراية بالأدب العربي؛ شعره ونثره - أن يفصل آراء قدامة ويضيف إليها أمثلة جديدة، وأن يضيف إلى تقاسيمه الفلسفية تقاسيم أخرى.
وهذه التقاسيم قد لا تكون ضارة في حد ذاتها؛ ولكن الملاحظ أنها لم تلبث أن جففت ينابيع الأدب وخرجت به إلى الصنعة المقيتة إذ أخذ الأدباء والشعراء يستخدمون تلك الأوجه ليحلوا بها أسلوبهم، وكانت النتيجة أن ضاع من الأدب كل إحساس أو فكر، أو فن صحيح، وغلبت اللفظية والتكلف حتى أماتت الأدب (٢).
стр. 54
وعلى الرغم من أن انفصال البلاغة عن النقد الأدبي قد أدى إلى انحطاطهما - كما رأيت - فإن النقاد المعاصرين قد انقسموا حيال هذه القضية إلى فريقين:
ففريق يرى في جلاء ووضوح، بأن معنى النقد شامل البلاغة والنقد الأدبي، بل وبأن البلاغة جزء من النقد الأدبي، وبأنها من أسس النقد الأدبي عند العرب، ومن هذا الفريق الدكتور أحمد بدوي، فهو يقول: "لم يعرف العرب عبارة "النقد الأدبي" - كما رجحنا - ولذا كان من الطبيعي ألا يتحدثوا عنه بهذا التعبير، ولكنهم تحدثوا عن بعض علومه، وهي علوم البلاغة التي أخذت تتميز بالعناية من بين أسس النقد الأدبي" (١).
وهذا الرأي الذي نطمئن إليه، لأنه يستقي براهينه من ينابيع الثقافة العربية الأصيلة، ويستمد شواهده من تراثها الأدبي وتؤيده اتجاهات النقاد الأوائل في نقدهم النصوص الأدبية - كما سبق أن أسلفنا -.
وفريق آخر يفرق بين البلاغة والنقد الأدبي، بل ويحاول التفريق بين البلاغة والنقد بعامة، حتى لكأن البلاغة ليست نقداً ومن هذا الفريق الأستاذ أحمد أمين فهو يفرق بين البلاغة والنقد من وجهين:
الأول: أن البلاغة تغلب فيها الناحية الفنية، فهي تقصد أكثر ما تقصد إلى تمرين المتعلم أن يأتي بقطع بليغة، أما النقد: فهو يوضح النظريات التي تقدر بها تلك القطع.
والثاني: أن البلاغة أكثر ما تعني بالشكل وصورة الكلام، أما النقد فيتعلق بما وراء الشكل (٢).
стр. 55
ومن هذا الفريق - أيضاً - الدكتور محمد مندور، الذي يذكر أن من الفوارق الجوهرية التي تميز النقد عن البلاغة: أن النقد يدرس ما قيل فعلاً، بينما البلاغة تضع قواعد تحاول أن تخضع لها الشعراء، وأن تحكمها فيهم (١).
بل إنه يتجاوز هذا الحد إلى أن يقول: "إننا لا نزال إلى اليوم ندرس البلاغة، ولربما كنا في ذلك الشعب الوحيد في بلاد العالم المتحضر كله" (٢).
وكأنه لا يعترف بنقد الجانب البلاغي من النص الأدبي - على ما له من خطر في نقد الأساليب الأدبية - وهو لا يقف عند هذا الحد للغض من قيمة النقد البلاغي، بل إنه ليعتبر دراسة البلاغة العربية عاراً يجب أن تتبرأ منه الأمة العربية جمعاء! !
وعلى أية حال: فإن المحور الذي يدور حوله أصحاب هذا الرأي هو: أن البلاغة توجيه وتعليم، لأننا تفترض قواعد نظرية تتحكم في أقوال الأدباء والشعراء.
ولكننا نقول: إن قواعد البلاغة لم توضع من فراغ، وإنما وضعت بعد أن ناقش واضعوها نصوصاً أدبية كثيرة، فعرفوا محاسنها ومساوئها ثم حاولوا وضع الصورة المثلى لما يجب أن يكون عليه النص الأدبي قوة، ووضوحاً، وجمالاً.
стр. 56
الباب الأول
النظم البلاغي
стр. 57
الفصل الأول
منابع فكرة النظم
عندما تحدى القرآن الكريم العرب أن يأتوا ولو بمثل أقصر سورة منه، وعجزوا عن ذلك ضاع صوابهم وضربوا أخماساً في أسداس من حيرتهم؛ لأنهم لم يستطيعوا مجاراة القرآن الكريم في بلاغته وهم أرباب الفصاحة وفرسان البلاغة، وسادة الكلام!
ووصفوا القرآن الكريم تارة بأنه شعر وتارة أخرى بأنه سحر.
أما أنه شعر: فلأنهم رأوه منظوماً؛ ولكنه نظم خاص؛ فلا هو بالشعر - وفيهم الشعراء المفلقون - ولا هو بالنثر - وفيهم الخطباء المفوهون -!
وأما أنه سحر: فلأنهم قد وجدوا له وقعاً في قلوبهم لم يستطيعوا مغالبته، وتأثيراً في نفوسهم لم يقدروا على التخلص منه.
على أن أحد خصوم الرسول الألداء - ويقال إنه الوليد بن المغيرة المخزومي - قد استمع إلى النبي ﷺ وهو يتلو بعض آي القرآن الكريم؛ فقال: "والله لقد سمعت من محمد كلاماً ما هو من كلام الإنس، ولا هو من كلام الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة (١) ".
وقد جاء في حديث أبي ذر - في سبب إسلامه - أنه قال: قال لي أخي أنيس: إن لي حاجة إلى مكة، فانطلق فراث، فقلت: فما يقول الناس؟ قال:
стр. 58
يقولون شاعر، ساحر، كاهن قال أبو ذر: وكان أنيس أحد الشعراء، فقال: تالله لقد وضعت قوله على إقراء الشعراء فلم يلتئم على لسان أحد؛ ولقد سمعت الكهنة فما هو بقولهم؛ والله إنه لصادق، وإنهم لكاذبون (١).
والحق أن القرآن الكريم ليس شعراً، وليس سحراً؛ فقد أقسم الله تعالى للعرب في محكم كتابه قائلاً لهم: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) ومَا لا تُبْصِرُونَ (٣٩) إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) ومَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ (٤١) ولا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ (٤٢)(٢)﴾.
ولما بحث العلماء مسألة الإعجاز في القرآن لم تغب عن أذهانهم فكرة النظم القرآني - على الرغم من أن منهم من ذهب إلى أن القرآن الكريم معجزة لتضمنه أخبار غيبية، كالأخبار ص ٦١ عن الأمم السابقة، وكالأخبار ص ٦١ عما سيحدث في المستقبل؛ ومنهم من ذهب إلى أن الله تعالى قد صرف العرب عن معارضة القرآن الكريم - وإن كانت في مقدورهم - إلا أن فكرة النظم هي التي انتصرت في النهاية كسر عظيم لإعجاز القرآن الكريم.
فها هو أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ المتوفى سنة ٢٥٥ هـ يؤديه إحساسه العميق بروعة النظم، وما يكسبه الكلام من الماء والرونق والحيوية والنضرة والروعة إلى أن يصيح في معاصريه: إن إعجاز القرآن الكريم في نظمه، ويؤلف كتاباً في هذا المعنى، ولكنه يسقط من يد الزمن.
ولكنه يكرر هذا المعنى في كتاباته، كقوله: في كتابنا المنزل الذي يدلنا على أنه صدق نظمه البديع الذي لا يقدر على مثله العباد (٣).
стр. 59
وها هو الأديب اللغوي المحدث أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي المولود في سنة ٣١٩ هـ والمتوفى سنة ٣٨٨ هـ يصنف رسالة في "بيان إعجاز القرآن".
وفي هذه الرسالة يقرر الخطابي أن الناس قديماً وحديثاً قد ذهبوا في هذا الموضوع من القول كل مذهب، ولكنهم لم يصدروا عن ري؛ ثم يناقش فكرة الصرفة؛ فيدحضها ولا يرتضيها؛ ثم يناقش فكرة تضمن القرآن الكريم أخباراً مستقبلية، ولكنه لا يرتضيها شرحاً لأسرار الإعجاز.
وأما القول بأن السر في إعجاز القرآن الكريم إنما هو: بلاغته التي أعجز بها العرب، فهو قول صحيح؛ ولكن أصحاب هذا الرأي - وهم الغالبية العظمى - لم يحاولوا أن يتبينوا مرجع هذه البلاغة قائلين: قد يخفى سببه عن البحث، ويظهر أثره في النفس. لأنك تجد كلامين: أحدهما يهزك ويطربك وهما معاً فصيحان؛ ثم لا يوقف لشيء من ذلك على علة! .
ومثل هذا القول لا يقنع في مثل هذا العلم، ولا يشفي من داء الجهل به؛ وقد استشهد بعضهم على هذا بمثل ما فعل ذو الرمة وجرير:
فقد ذكرت الرواة أن جريراً مر بذي الرمة، وقد عمل قصيدته التي أولها:
نبت عيناك عن طلل بحزوى ... عفته الريح وامتنح القطارا
فقال: ألا أنجدك بأبيات تزيد فيها؟ فقال. نعم، فقال:
يعد الناسبون بني تميم ... بيوت المجد أربعة كبارا
يعدون الرباب وآل تيم ... وسعدا، ثم حنظلة الخيارا
стр. 60
ويذهب بينها المرئي لغواً ... كما ألغيت في الدية الحوارا
فوضعها ذو الرمة في قصيدته، ثم مر به الفرزدق، فسأله عما أحدث من الشعر، فأنشد القصيدة، فلما بلغ هذه الأبيات، قال: ليس هذا من بحرك، مضغها أشد لحيين منك! قال: فاستدركها بطبعه، وفطن لها بلطف ذهنه (١).
فلا بد - إذن - من سبب لاستحسان كلام دون آخر.
وبحث عن السبب فوجده، ولم يتعد هذا السبب: النظم.
والسبب الحقيقي - في رأي الخطابي - أن أجناس الكلام مختلفة؛ فمنها: البليغ الرصين الجزل، ومنها: الفصيح الغريب السهل، ومنها: الجائز الطلق الرسل.
والقسم الأول: هو أعلى طبقات الكلام وأرفعه.
والقسم الثاني: هو أوسط الكلام وأقصده.
والقسم الثالث: هو أدناه وأقربه.
وقد حازت بلاغة القرآن الكريم من كل هذه الأقسام الثلاثة حصة، وأخذت من كل نوع من أنواعها شعبة فانتظم بامتزاج هذه الأوصاف الثلاثة نمط من الكلام يجمع بين الفخامة والعذوبة، فكان اجتماع هذين الأمرين - الفخامة والعذوبة - في نظمه، مع نبو كل منهما عن الآخر فضيلة خص بها القرآن الكريم.
стр. 61
ولا تقوم أجزاء الكلام إلا على هذه الأمور الثلاثة: (لفظ حامل، ومعنى قائم، ورباط لهما ناظم).
ومن هنا كانت فكرة النظم - كما ترى - وهي الفكرة التي استقى منها عبد القاهر الجرجاني، ومن كتابات أخرى تالية لها حتى نضجت نظرية متكاملة، واضحة المعالم والخطوط في كتابه "دلائل الإعجاز".
وأما أن النظم هو أساس صور البيان - كما سيتضح لك عند الحديث عن النظم عند عبد القاهر - فقد استقاها من قول الخطابي:
"وأما رسوم النظم فالحاجة إلى الثقافة والحذق فيها أكثر؛ لأنها لجام الألفاظ، وزمام المعاني وبه تنتظم أجزاء الكلام، ويلتئم بعضه ببعض، فتقوم له صورة في النفس يتشكل بها البيان" (١).
على أن الخطابي قد وجد لإعجاز القرآن الكريم وجهاً آخر، وهو: صنيعه بالقلوب، وتأثيره في النفوس، فإنك لا تسمع كلاماً غير القرآن منظوماً ولا منثوراً، إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة في حال، ومن الروعة والمهابة في أخرى ما يخلص منه إليه تستبشر به النفوس، وتنشرح له الصدور، حتى إذا أخذت حظها منه عادت مرتاعة، قد عراها الوجيب والقلق وتغشاها الخوف والفرق؛ تقشعر منه الجلود، وتنشرح له القلوب، يحول بين النفس ومضمراتها وعقائدها الراسخة فيها.
فكم من عدو للرسول - صل الله عليه وسلم - من رجال العرب وفتاكها أقبلوا
стр. 62
يريدون اغتياله وقتله، فسمعوا آيات من القرآن الكريم، فلم يلبثوا حين وقعت في مسامعهم أن يتحولوا عن رأيهم الأول، وأن يركنوا إلى مسالمته، ويدخلوا في دينه، وصارت عداوته موالاة، وكفرهم إيماناً، وقصة إسلام عمر بن الخطاب ﵁ خير شاهد على هذا (١).
ولعلك لاحظت أن الخطابي قد ركز على أمرين لبيان إعجاز القرآن الكريم، وهما: النظم، وتأثير القرآن الكريم في النفوس.
وأن هذين الأمرين قد لاحظهما هو الآخر بدوره من وصف العرب للقرآن الكريم حين تحداهم - تارةً بأنه شعر، لأنهم رأوه منظوماً (٢) - على حد تعبير الخطابي نفسه - وتارةً بأنه سحر، وذلك لتأثيره في نفوسهم تأثيراً لم يستطيعوا دفعه عنها.
ولعلك تلاحظ - أيضاً - أن هذين الأمرين هما اللذان أدار عليهما عبد القاهر كتابيه "دلائل الإعجاز" و"أسرار البلاغة"؛ فقد أدار أولهما على نظرية النظم، وأدار الثاني على مدى تأثير صور البيان في النفوس.
ويمضي في نفس الطريق أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني المتوفى سنة ٤٠٣ هـ - وهو من المتكلين على مذهب الأشاعرة - في كتابه: "إعجاز القرآن"، فيرد على مطاعن الملاحدة على أسلوب القرآن الكريم مبيناً أن الحاجة إلى الحديث عن إعجاز القرآن أمس من الحاجة إلى البحوث اللغوية والنحوية وإن الجاحظ قد صنف في نظم القرآن كتاباً، غير أنه لم يزد على ما قاله المتكلمون من قبله أما هو فيصرح بأنه سيضيف إلى من سبقوه ما يجب وصفه من طرق البلاغة وسبل البراعة.
стр. 63
وفي أول فصل من كتابه: يبين أن القرآن الكريم معجز ببلاغته.
ثم يعقد فصلاً ثانياً: يرد فيه على القائلين بفكرة الصرفة، كالنظام، والرماني.
وفي فصل آخر يبين وجوه الإعجاز القرآني - في رأيه ورأي أصحابه من الأشعريين - فيرجعها إلى أمور ثلاثة:
أولهما: ما تضمنه القرآن الكريم من الإخبار عن الغيوب.
وثانيها: ما تضمنه من القصص وسير الأنبياء مع أن الرسول ﷺ كان أمياً، لا يقرأ ولا يكتب.
وثالثها: بلاغته.
وهنا يتحدث عن نظرية الإعجاز القرآني، فيقول عن القرآن الكريم: "إنه بديع النظم عجيب التأليف متناه في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه".
ولا يزيد على هذا القدر في رؤيته لفكرة النظم، ولم يتعمق في الوقوف على خصائص النظم - كما فعل عبد القاهر الجرجاني من بعده - اللهم إلا أن يقرر أن القرآن الكريم لا تتفاوت آيه، ولا تتباين بخلاف كلام الفصحاء، فإنه يتفاوت من موضوع إلى موضوع، وإن القرآن الكريم يخرج في بلاغة صياغته عن طوق الإنس والجن.
ثم يذكر أنه مما يبين لك روعة القرآن الكريم: أن الكلمة منه إذا ذكرت في تضاعيف كلام فإنها تتألق بين جاراتها تألقاً، وأنه قد وضع في أوائل سوره حروفاً مجموعها: أربعة عشر حرفاً، هي نصف حروف المعجم، ليبين بذلك أن كلامه منتظم من نفس الحروف التي تستخدمها العرب، ومع ذلك فإنهم قد عجزوا عن معارضته.
стр. 64
هذا إلى أنه قد خلا من الغريب الوحشي المستكره، ومن الصنعة المتكلفة الممقوتة.
وبهذا فإن الباقلاني لم يخرج عن قوله: إن القرآن الكريم معجز ببلاغته، وأن بلاغته ترجع إلى نظمه الفريد، ولم يستطع الولوج إلى نظرية النظم لبيان أسرارها وخصائصها.
غير أن أديباً معاصراً له هو القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني المتوفى سنة ٣٩٢ هـ قد تحدث عن النظم في كتابه "الوساطة بين المتنبي وخصومه" واستطاع أن يزيل شيئاً من الغموض الذي كان يحيط بنظرية النظم، وأن يزيح الستار قليلاً عن بعض جوانبها، وأن يلهم تلميذه عبد القاهر من بعده كيفية الوصول إلى معالمها، وأن يعطيه النبراس الذي يهتدي به للوقوف على أسرارها.
ومع أن القاضي الجرجاني لم يكن يتعرض لنظرية الإعجاز القرآني في كتابه هذا، إلا أنه قد تحدث عن النظم باعتباره معياراً من معاييره البلاغية في وساطته بين المتنبي وخصومه.
أورد القاضي الجرجاني - في وساطته - كلمة النظم كثيراً، كقوله: فما هذا من المعاني التي يضيع لها حلاوة اللفظ وبهاء الطبع ورونق الاستهلال، ويشيح عنها حتى يهلهل لأجلها النسج ويفسد النظم (١).
وكقوله - وهو يعيب على قول أبي تمام -:
يدي لمن شاء رهن لم يذق جرعاً ... من راحتيك درى ما الصاب والعسل
فحذف عمدة الكلام وأخل بالنظم (٢)، وكقوله: "وهلا بلغ أقصى
стр. 65
ما يحتمله الوزن وأكثر ما يمكنه النظم" (١). وكقوله: "ومنها ما خانه السبك فساء ترتيبه، وأخل نظمه" (٢) وكقوله: "وبين الكلامين في صحة النظم وعذوبة المنطق ما تراه" (٣) وكقوله: "وتتبين تفاوتها في سوء الترتيب واختلال النظم" (٤).
وكقوله في قول الأعشى:
إذا كان هادي الفتى في البلاد ... صدر القناة أطاع الأمير
فإن هذا البيت - كما نراه - سليم النظم من التعقيد بعيد اللفظ عن الاستكراه (٥).
وكقوله في بيت أبي الطيب:
إذا ما ضربت القرن ثم أجزتني ... فكل ذهباً لي مرة منه بالكلم
فلم يحفل بسوء النظم، وهلهلة النسخ لما حصل له الغرض في إنهار الطعنة (٦).
وبعد: فماذا قصد الجرجاني من كلمة النظم في المواضع التي ذكرها فيها؟ .
في الواقع إنه لم يكن يقصد منها إلا ما قصده تلميذه عبد القاهر من بعده، وهو تتبع معاني النحو فيما بين الكلم إذ من المستبعد أن يكون قد قصد بها وزن الشعر - مثلاً - لأن الأبيات التي نقدها في هذه المواضع لم تكن مختلة الوزن، كما أنه لا يمكن أن يكون قد قصد بها مجرد ترتيب لا يكون على حسب معاني النحو، لأن الترتيب إذا كان بهذه المثابة أدى إلى هلهلة النسج التي يأباها، فلم يبق إلا أن يكون قد قصد بها تتبع معاني النحو فيما بين الكلم - كما قصد عبد القاهر تلميذه من بعده -.
стр. 66
ولقد شد انتباهي طويلاً ذلك الفصل الذي عقده في وساطته، وعنون له بعبارة "مواقع الكلام".
فلقد حاول أن يثبت فيه أن مزية الكلام إنما ترجع إلى نظمه، لا إلى جزالته وقوته ولا إلى ما فيه من تنميق وتزويق، ولكنه لا يستطيع أن يبين لنا أسباب تلك المزية كما بينها عبد القاهر من بعده، إذ هو لا يستطيع أن يفصح عن تلك الأسباب بأكثر من أن هذا أمر تستخبر به النفوس المهذبة، وتستشهد عليه الأذهان المثقفة، بل إنه ليجهر بأنك لا تستطيع أن تذكر لهذه المزية سبباً، بل ويقيم الدليل على هذا من الأمور الحسية المشاهدة، فيقول:
"وأنت قد ترى الصورة تستكمل شرائط الحسن، وتستوفي أوصاف الكمال، وتذهب في الأنفس كل مذهب، وتقف من التمام بكل طريق، ثم تجد أخرى دونها في انتظام المحاسن والتئام الخلقة وتناصف الأجزاء، وتقابل الأقسام، وهي أحظى بالحلاوة، وأدنى إلى القبول، وأعلق بالنفس وأسرع ممازحة للقلب، ثم لا تعلم - وإن قاسيت واعتبرت ونظرت وفكرت - لهذه المزية سبباً، ولما خصت به مقتضياً.
فالقاضي الجرجاني يدرك جمال الأساليب، ولكنه لا يكلف نفسه عناء البحث عن أسبابه، وكيف لا؟ وهو الذي يعتبر السائل عن السبب متعنتاً متجانفاً؟ "ولو قيل لك: كيف صارت هذه الصورة وهي مقصورة عن الأولى في الأحكام والصفة، وفي الترتيب والصنعة، وفيما يجمع أوصاف الجمال، وينتظم أسباب الاختيار - أحلى وأرشق وأحظى وأوقع؟ لأقمت السائل مقام المتعنت المتجانف، ورددته رد المستبهم الجاهل، ولكان أقصى ما في وسعك وغاية ما عندك أن تقول: موقعه في القلب ألطف وهو بالطبع أليق، ولم تعدم مع هذه الحال معارضاً يقول لك: فما عبت من هذه الأخرى؟
стр. 67
وأي وجه عدل بك عنها؟ ألم يجتمع لها كيت وكيت، وتتكامل فيه ذيه وذيه؟ وهل للطاعن إليها طريق؟ وهل فيها لغامز مغمز؟ يحاجك بظاهر تحسه النواظر، وأنت تحيله على باطن تحصله الضمائر (١).
وهكذا يذكر الجرجاني: أن من يحاجك في مثل هذه الصور السابقة إنما ينظر إلى ظاهر تحسه النواظر، وأنت ترجعه إلى باطن تحصله الضمائر، فما ذلك الظاهر الذي يقصده من الكلام؟ وما ذلك الباطن الذي يقصده منه؟ .
إن الظاهر الذي يقصده هو: ما يجتمع للكلام من جزالة وقسوة، وما يتوافر فيه من تزويق، وتنميق، وكأن تكتمل فيه نواحي الجمال الظاهرة، من صور بيانية، أو بديعية، وأما الباطن الذي يريده فهي: المعاني اللطيفة، والدقائق الخفية التي تحصل عليها من النظم، أو من نفس الكلام وجوهره وموقعه، ومكانه - على حد تعبيره -، فهو يطبق تلك النظرية على الكلام بعد أن طبقها على الصورة الحسية التي تدركها الأبصار، فيقول:
"كذلك الكلام: منثوره، ومنظومه، ومجمله ومفصله، تجد منه المحكم الوثيق والجزل القوي، والمصنع المحكم، والمنمق الموشح، قد هذب كل التهذيب، وثقف غاية التثقيف، وجهد فيه الفكر، وأتعب لأجله الخاطر، حتى احتمى ببراءته عن المعائب، واحتجز بصحته عن المطاعن، ثم نجد لفؤادك عنه نبوة، وترى بينه وبين ضميرك فجوة، فإن خلص إليهما، فبأن يسهل بعض الوسائل أذنه ص ٦٩، ويمهد عندهما، حاله، فأما بنفسه وجوهره، وبمكانه وموقعه، فلا (٢).
стр. 68
فالمدار عند القاضي الجرجاني - في مجال تفضيل نظم على آخر - هو جوهر الكلام، ومكانه وموقعه - كما ترى - وقد تأثر بهذه العبارة الأخيرة معاصره القاضي عبد الجبار المتوفى سنة ٤١٥ هـ فقال:
"اعلم أن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلام، وإنما تظهر في الكلام بالضم على طريقة مخصوصة، ولا بد مع الضم من أن يكون لكل كلمة صفة، وقد يجوز في هذه الصفة أن تكون بالمواضعة التي تتناول الضم وقد تكون بالإعراب الذي له مدخل فيه، وقد تكون بالموقع. وليس لهذه الأقسام الثلاثة رابع، لأنه إما أن تعتبر فيه الكلمة، أو حركتها، أو موقعها، ولا بد من هذا الاعتبار في كل كلمة، ثم لا بد من اعتبار مثله في الكلمات إذا انضم بعضها إلى بعض. لأنه قد يكون لها عند الانضمام صفة، وكذلك لكيفية إعرابها وحركاتها وموقعها، فعلى هذا الوجه الذي ذكرناه إنما تظهر مزية الفصاحة لهذه الوجوه دون ما عداها (١).
وهكذا ألهمه القاضي الجرجاني بفصله الذي عقده في وساطته لمواقع الكلام، أن يخطو بنظرية النظم خطوة أخرى.
وربما كان أصرح مما ذكرناه، وأكثر وضوحاً، وأحسن شاهداً على تمثل القاضي الجرجاني لنظرية النظم التي كانت تدور بخلده ولا يستطيع الإفصاح عن مزاياها، قوله:
"وأقل الناس حظاً في هذه الصناعة (النقد) من اقتصر في اختياره ونفيه، وفي استجادته، واستسقاطه على سلامة الوزن، وإقامة الإعراب وأداء اللغة، ثم كان همه وبغيته أن يجد لفظاً مروقاً، وكلاماً مزوقاً، قد حشي تجنيساً وترصيعاً، وشحن مطابقة وبديعاً، أو معنى غامضاً قد تعمق
стр. 69
فيه مستخرجه وتغلغل إليه مستنبطه، ثم لا يعبأ باختلاف الترتيب، واضطراب النظم، وسوء التأليف، وهلهلة النسج، ولا يقابل بين الألفاظ ومعانيها، ولا يسير ما بينهما من نسب، ولا يرى اللفظ إلا ما أدى إليه المعنى، ولا الكلام إلا ما صوره له الغرض، ولا الحسن إلا ما أفاده البديع ولا الرونق إلا ما كساه التصنيع (١) ".
وهكذا يعتبر القاضي الجرجاني أن النقد الأدبي السليم هو الذي يوجه إلى سلامة النظم، وحسن الترتيب، لا إلى مظاهر الترويق ص ٧٢ ومشاهد التنميق ص ٧٢ ولا إلى ألوان البديع المختلفة، من تجنيس، وترصيع، ومطابقة وهو حريص كل الحرص على تأكيد هذا المعنى، مهتماً كل الاهتمام بمحاولة إبراز ما يدور بخلده عن النظم، ولكنه - كما قلنا - لا يستطيع أن يبين أسباب جماله، وأسرار حسنه، "وقد حملني حب الإفصاح عن هذا المعنى على تكرير القول فيه، وإعادة الفكر له، ولو احتمل مقدار هذه الرسالة استقصاؤه، واتسع حجمها للاستيفاء له، لاسترسلت فيه، ولأشرفت بك على معظمه (٢) ".
ولكن الذي نريد أن نثبته هنا هو: أن المعاني اللطيفة، والدقائق التي تنشأ عن نظم الكلام، هي تلك التي أدركها القاضي الجرجاني بقلبه، ولم يستطع الإفصاح عنها، والتي أدركها تلميذه عبد القاهر بقلبه، وبحث عنها فوجدها وبين أسبابها.
ولم لا؟ ألم يورد القاضي الجرجاني من الأبيات التي استحسنها للبحتري هذه الأبيات:
بلونا ضرائب من قد نرى ... فما إن رأينا لفتح ضريبا
هو المرء أبدت له الحادثات ... عزماً وشيكاً ورأياً صليبا
تنقل في خلفي سؤدد ... سماحاً مرجى وبأسا مهيبا
стр. 70
ولكنه لم يعلق عليها مبيناً سبب استحسانه لها واستجادته إياها؛ فيأتي عبد القاهر الجرجاني فيبين ذلك السبب؟
فلا يرجعه إلى صور بيانية أو بديعية، أو غيرهما مما هو راجع إلى الصنعة الخارجية؛ وإنما يرجعه إلى المعاني الناشئة عن النظام فيقول:
"وإذ قد عرفت ذلك فاعمد إلى ما تواصفوه بالحسن، وتشاهدوا له بالفضل، ثم جعلوه كذلك من أجل النظم خصوصاً دون غيره مما يستحسن له الشعر أو غير الشعر من معنى لطيف. أو حكمة، أو أدب، أو استعارة، أو تجنيس، أو غير ذلك مما لا يدخل في النظم وتأمله؛ فإذا رأيتك قد ارتحت واهتززت واستحسنت؛ فانظر إلى حركات الأريحية مم كانت؟ وعند ماذا ظهرت؟ فإنك ترى عياناً أن الذي قلت لك كما قلت: أعمد إلى قول البحتري":
بلونا ضرائب من قد نرى ... فما إن رأينا لفتح ضريبا
ويتم الأبيات السابقة، ثم يقول:
"فإذا رأيتها قد راقتك، وكثرت عندك، ووجدت لها اعتزازاً في نفسك، فعد فانظر في السبب، واستقصر في النظر؛ فإنك تعلم ضرورة: أن ليس إلا أنه قدم وأخر، وعرف ونكر، وحذف وأضمر، وأعاد وكرر، وأتى مأتى يوجب الفضيلة، أفلا ترى أن أول شيء يروقك منها: قوله: (هو المرء أبدت له الحادثات) ثم قوله: (تنقل في خلقي سؤود) بتنكير السؤود، وإضافة الخلقين إليه، ثم قوله: (فكالسيف) وعطفه بالفاء مع حذفه المبتدأ. لأن المعنى - لا محالة - فهو كالسيف، ثم تكرير الكاف في قوله: (وكالبحر) ثم أن قرن إلى كل واحد من التشبيهين شرطاً جوابه فيه، ثم أن أخرج من كل واحد من الشرطين حالاً على مثال ما أخرج من الآخر، وذلك قوله: (صارخاً) هنالك، و (مستثيباً) ههنا؟ " (١)
стр. 71
وأن عبد القاهر قد عنى أستاذه القاضي الجرجاني بقوله: "وإذ قد عرفت ذلك فاعمد إلى ما تواصفوه بالحسن، وتشاهدوا له بالفضل ثم جعلوه كذلك من أجل النظم خصوصاً دون غيره".
على أن عبد القاهر قد أخذ من أستاذه القاضي الجرجاني فصلاً من وساطته، وهو الذي سمى "مواقع الكلام" (١).
فحوره عبد القاهر ووضحه وجعل عنوانه "فصل في أن هذه المزايا في النظم بحسب المعاني والأغراض التي تؤم" (٢).
فقد بين فيه أن مزية النظم ليست للفروق التي تحدث من حيث هي، وإنما تجب لها بحسب المعاني والأغراض التي يوضع لها الكلام، ثم بحسب موقع بعضها من بعض، واستعمال بعضها مع بعض، وقد استشهد في ذلك بالصور الحسية كما استشهد القاضي الجرجاني، ثم بدأ يطبقه على الأسلوب شأنه في ذلك شأن أستاذه، وإليك قطعة من هذا الفصل تؤيد صحة ما ذهب إليه.
قال الإمام عبد القاهر: "وإذا عرفت أن مدار النظم على معاني النحو، وعلى الوجوه والفروق التي من شأنها أن تكون فيه، فاعلم أن الفروق والوجوه كثيرة ليس لها غاية تقف عندها، ونهاية لا تجد لها ازدياداً بعدها، ثم اعلم أن ليست المزية واجبة لها في نفسها ومن حيث هي على الإطلاق، ولكن تعرض بسبب المعاني والأغراض التي يوضع لها الكلام، ثم بحسب موقع بعضها من بعض، واستعمال بعضها مع بعض، تفسير هذا: أنه ليس إذا راقك التنكير في (سؤدد) من قوله: (تنقل في خلقي سؤدد) وفي (دهر) من قوله: (فلو إذ نبا دهر) فإنه يجب أن يروقك أبداً وفي
стр. 72
كل شيء، ولا إذا استحسنت لفظ ما لم يسم فاعله في قوله: (وأنكر صاحب) فإنه ينبغي ألا تراه في مكان إلا أعطيته مثل استحسانك هاهنا، بل ليس من فضل ومزية إلا بحسب الموضع، وبحسب المعنى الذي تريده، والغرض الذي تؤم وإنما سبيل هذه المعاني سبيل الأصباغ التي تعمل منها الصورة والنقش، فكما أنك ترى الرجل قد تهدى في الأصباغ التي عمل منها الصورة والنقش في ثوبه الذي نسج إلى ضرب من التخير والتدبر في أنفس الأصباغ، وفي موقعها، ومقاديرها، وكيفية مزجه لها، وترتيبه إياها إلى ما لم يتهد إليه صاحبه فجاء نقشه من أجل ذلك أعجب، وصورته أغرب، كذلك حال الشاعر والشاعر في توخيهما معاني النحو ووجوهه التي علمت أنها محصول النظم" (١).
فعبد القاهر الجرجاني يدرك الفروق والوجوه التي تنشأ عن توخي معاني النحو فيما بين بكلم، أي الناشئة عن النظم، والتي أدركها القاضي الجرجاني بطبعه ولم يستطع الإفصاح عنها، ولكنه يستدرك فيبين أن المزية ليست لتلك الفروق في أنفسها، ولكنها تعرض لها بحسب المعاني والأغراض التي يصاغ لها الكلام بحسب موقع بعضها من بعض واستعمال بعضها مع بعض.
وهذا ما يقصده القاضي الجرجاني بقوله: "ولا يقابل بين الألفاظ ومعانيها ولا يسير ما بينهما من نسب ولا يمتحن ما يجتمعان فيه من سبب" (٢).
وبقوله: "فإن خلص إليهما فبأن يسهل بعض الوسائل إذنه ص ٧٥، ويمهد عندهما حاله، فأما بنفسه، وجوهره، وموقعه، ومكانه فلا" (٣).
стр. 73
وليست هذه المعاني إلا الأغراض التي يصاغ لها الأسلوب، والتي ذكرها في مقدمة وساطته فقال: "ولا آمرك بإجراء أنواع الشعر كله مجرى واحداً، ولا أن تذهب بجميعه مذهب بعضه، بل أرى لك أن تقسم الألفاظ على رتب المعاني، فلا يكون غزلك كافتخارك، ولا مديحك كوعيدك، ولا هجاؤك كاستبطائك، ولا هزلك بمنزلة جدك، ولا تعريضك مثل تصريحك، بل ترتب كلاً مرتبته، فتلطف إذا تغزلت، وتفخم إذا افتخرت، وتتصرف المديح تصرف مواقعه، فإن المدح بالشجاعة والبأس يتميز عن المدح باللباقة والظرف، ووصف الحرب والسلاح ليس كوصف المجلس والمدام، فلكل واحد من الأمرين نهج هو أملك به، وطريق لا يشاركه الآخر فيه.
وليس ما رسمته لك في هذا الباب بمقصور على الشعر دون الكتابة، ولا بمختص بالنظم دون النثر، بل يجب أن يكون كتابك في الفتح أو الوعيد خلاف كتابك في التشوق والتهنئة واقتضاء المواصلة، وخطابك إذا حذرت وزجرت أفخم منه إذا وعدت ومنيت" (١).
وعبد القاهر يضرب مثالاً للأسلوبين يفرق بينهما جمال النظم بما يشاهد من الصور المرئية (٢)، تماماً كما فعل القاضي الجرجاني، ثم يعقب ذكر الصورتين المرئيتين بذكر الشاعر والشاعر يفرق بينهما توخى معاني النحو، كما فعل القاضي الجرجاني، إذ أردف ذكر الصورتين المرئيتين بذكر منثور الكلام ومنظومه (٣).
стр. 74
وقد سبق أن عرفت أن عبد القاهر الجرجاني قد فسر نظرية النظم بما استشهد به القاضي الجرجاني، وجعله مثالاً لما استجاده للبحتري (١).
وإذا كان عبد القاهر الجرجاني قد فسر "النظم" بأنه توخي معاني النحو فيما بين الكلم، فإن القاضي الجرجاني قد كشف عن هذا المعنى، حيث أنه جعل فساد النظم نتيجة لعدم الجري على قوانين (٢) النحو؛ وإذا كان فساد النظم والإخلال به نتيجة لعدم العمل بقوانين النحو، فإن حسن النظم وسلامته إنما هو في العمل بقوانين النحو وليس ذلك استنتاجنا نحن فحسب، ولكنه - أيضاً - استنتاج عبد القاهر الجرجاني نفسه، فقد استنبط ذلك من تصرف القاضي الجرجاني في كتابه "الوساطة".
فذكر أن العلماء - وإن كان يعني القاضي الجرجاني - قد كشفوا عن وجه النظم، فبعد أن بين إطباق العلماء على تعظيم شأن النظم بقوله: "وقد علمت إطباق العلماء على تعظيم شأن النظم وتفخيم قدره، والتنويه بذكره - وإجماعهم على أن لا فضل مع عدمه، ولا قدر لكلام إذا هو لم يستقم له، ولو بلغ في غرابة معناه ما بلغ، ويتهم الحكم بأنه الذي لا تمام دونه ولا قوام إلا به وأنه القطب الذي عليه المدار، والعمود الذي به الاستقلال (٣) "، وبعد أن بين أن النظم ليس إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك فلا تخل بشيء منها (٤).
стр. 75
ذكر الاستنتاج الذي أوضحناه آنفاً، فقال: "هذا هو السبيل فلست بواجد شيئاً يرجع صوابه - إن كان صواباً - وخطؤه - إن كان خطأً - إلى النظم ويدخل تحت هذا الرسم إلا وهو معنى من معاني النحو قد أصيب به موضعه، ووضع في حقه، وعومل بخلاف هذه المعاملة، فأزيل عن موضعه، واستعمل في غير ما ينبغي له، فلا ترى كلاماً قد وصف بصحة نظم أو فساده أو وصف بمزية وفضل فيه إلا وأنت تجد مرجع تلك الصحة وتلك المزية، وذلك الفضل إلى معاني النحو وأحكامه، ووجدته يدخل وذلك الفساد، في أصل من أصوله، ويتصل بباب من أبوابه (١) ".
ثم يقول: "ويكفيك أنهم قد كشفوا عن وجه ما أردناه، حيث ذكروا فساد النظم، فليس يخالف في نحو قول الفرزدق:
وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه
وقول المتنبي:
ولذا اسم أغطية العيون جفونها ... من أنها عمل السيوف عوامل
وقوله:
الطيب أنت إذا أصابك طيبه ... والماء أنت إذا اغتسلت الغاسل
وقوله:
وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تسعدا، والدمع أشفاه ساجمه
وقول أبي تمام:
ثانية في كبد السماء، ولم يكن ... كاثنين ثان إذ هما في الغار