← Баляга

Баляга · id 151013

النظم البلاغي بين النظرية والتطبيق

حسن إسماعيل عبد الرازق

Полный текст (433 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وأن عبد القاهر قد عنى أستاذه القاضي الجرجاني بقوله: "وإذ قد عرفت ذلك فاعمد إلى ما تواصفوه بالحسن، وتشاهدوا له بالفضل ثم جعلوه كذلك من أجل النظم خصوصاً دون غيره". على أن عبد القاهر قد أخذ من أستاذه القاضي الجرجاني فصلاً من وساطته، وهو الذي سمى "مواقع الكلام" (١). فحوره عبد القاهر ووضحه وجعل عنوانه "فصل في أن هذه المزايا في النظم بحسب المعاني والأغراض التي تؤم" (٢). فقد بين فيه أن مزية النظم ليست للفروق التي تحدث من حيث هي، وإنما تجب لها بحسب المعاني والأغراض التي يوضع لها الكلام، ثم بحسب موقع بعضها من بعض، واستعمال بعضها مع بعض، وقد استشهد في ذلك بالصور الحسية كما استشهد القاضي الجرجاني، ثم بدأ يطبقه على الأسلوب شأنه في ذلك شأن أستاذه، وإليك قطعة من هذا الفصل تؤيد صحة ما ذهب إليه. قال الإمام عبد القاهر: "وإذا عرفت أن مدار النظم على معاني النحو، وعلى الوجوه والفروق التي من شأنها أن تكون فيه، فاعلم أن الفروق والوجوه كثيرة ليس لها غاية تقف عندها، ونهاية لا تجد لها ازدياداً بعدها، ثم اعلم أن ليست المزية واجبة لها في نفسها ومن حيث هي على الإطلاق، ولكن تعرض بسبب المعاني والأغراض التي يوضع لها الكلام، ثم بحسب موقع بعضها من بعض، واستعمال بعضها مع بعض، تفسير هذا: أنه ليس إذا راقك التنكير في (سؤدد) من قوله: (تنقل في خلقي سؤدد) وفي (دهر) من قوله: (فلو إذ نبا دهر) فإنه يجب أن يروقك أبداً وفي

стр. 72

كل شيء، ولا إذا استحسنت لفظ ما لم يسم فاعله في قوله: (وأنكر صاحب) فإنه ينبغي ألا تراه في مكان إلا أعطيته مثل استحسانك هاهنا، بل ليس من فضل ومزية إلا بحسب الموضع، وبحسب المعنى الذي تريده، والغرض الذي تؤم وإنما سبيل هذه المعاني سبيل الأصباغ التي تعمل منها الصورة والنقش، فكما أنك ترى الرجل قد تهدى في الأصباغ التي عمل منها الصورة والنقش في ثوبه الذي نسج إلى ضرب من التخير والتدبر في أنفس الأصباغ، وفي موقعها، ومقاديرها، وكيفية مزجه لها، وترتيبه إياها إلى ما لم يتهد إليه صاحبه فجاء نقشه من أجل ذلك أعجب، وصورته أغرب، كذلك حال الشاعر والشاعر في توخيهما معاني النحو ووجوهه التي علمت أنها محصول النظم" (١). فعبد القاهر الجرجاني يدرك الفروق والوجوه التي تنشأ عن توخي معاني النحو فيما بين بكلم، أي الناشئة عن النظم، والتي أدركها القاضي الجرجاني بطبعه ولم يستطع الإفصاح عنها، ولكنه يستدرك فيبين أن المزية ليست لتلك الفروق في أنفسها، ولكنها تعرض لها بحسب المعاني والأغراض التي يصاغ لها الكلام بحسب موقع بعضها من بعض واستعمال بعضها مع بعض. وهذا ما يقصده القاضي الجرجاني بقوله: "ولا يقابل بين الألفاظ ومعانيها ولا يسير ما بينهما من نسب ولا يمتحن ما يجتمعان فيه من سبب" (٢). وبقوله: "فإن خلص إليهما فبأن يسهل بعض الوسائل إذنه ص ٧٥، ويمهد عندهما حاله، فأما بنفسه، وجوهره، وموقعه، ومكانه فلا" (٣).

стр. 73

وليست هذه المعاني إلا الأغراض التي يصاغ لها الأسلوب، والتي ذكرها في مقدمة وساطته فقال: "ولا آمرك بإجراء أنواع الشعر كله مجرى واحداً، ولا أن تذهب بجميعه مذهب بعضه، بل أرى لك أن تقسم الألفاظ على رتب المعاني، فلا يكون غزلك كافتخارك، ولا مديحك كوعيدك، ولا هجاؤك كاستبطائك، ولا هزلك بمنزلة جدك، ولا تعريضك مثل تصريحك، بل ترتب كلاً مرتبته، فتلطف إذا تغزلت، وتفخم إذا افتخرت، وتتصرف المديح تصرف مواقعه، فإن المدح بالشجاعة والبأس يتميز عن المدح باللباقة والظرف، ووصف الحرب والسلاح ليس كوصف المجلس والمدام، فلكل واحد من الأمرين نهج هو أملك به، وطريق لا يشاركه الآخر فيه. وليس ما رسمته لك في هذا الباب بمقصور على الشعر دون الكتابة، ولا بمختص بالنظم دون النثر، بل يجب أن يكون كتابك في الفتح أو الوعيد خلاف كتابك في التشوق والتهنئة واقتضاء المواصلة، وخطابك إذا حذرت وزجرت أفخم منه إذا وعدت ومنيت" (١). وعبد القاهر يضرب مثالاً للأسلوبين يفرق بينهما جمال النظم بما يشاهد من الصور المرئية (٢)، تماماً كما فعل القاضي الجرجاني، ثم يعقب ذكر الصورتين المرئيتين بذكر الشاعر والشاعر يفرق بينهما توخى معاني النحو، كما فعل القاضي الجرجاني، إذ أردف ذكر الصورتين المرئيتين بذكر منثور الكلام ومنظومه (٣).

стр. 74

وقد سبق أن عرفت أن عبد القاهر الجرجاني قد فسر نظرية النظم بما استشهد به القاضي الجرجاني، وجعله مثالاً لما استجاده للبحتري (١). وإذا كان عبد القاهر الجرجاني قد فسر "النظم" بأنه توخي معاني النحو فيما بين الكلم، فإن القاضي الجرجاني قد كشف عن هذا المعنى، حيث أنه جعل فساد النظم نتيجة لعدم الجري على قوانين (٢) النحو؛ وإذا كان فساد النظم والإخلال به نتيجة لعدم العمل بقوانين النحو، فإن حسن النظم وسلامته إنما هو في العمل بقوانين النحو وليس ذلك استنتاجنا نحن فحسب، ولكنه - أيضاً - استنتاج عبد القاهر الجرجاني نفسه، فقد استنبط ذلك من تصرف القاضي الجرجاني في كتابه "الوساطة". فذكر أن العلماء - وإن كان يعني القاضي الجرجاني - قد كشفوا عن وجه النظم، فبعد أن بين إطباق العلماء على تعظيم شأن النظم بقوله: "وقد علمت إطباق العلماء على تعظيم شأن النظم وتفخيم قدره، والتنويه بذكره - وإجماعهم على أن لا فضل مع عدمه، ولا قدر لكلام إذا هو لم يستقم له، ولو بلغ في غرابة معناه ما بلغ، ويتهم الحكم بأنه الذي لا تمام دونه ولا قوام إلا به وأنه القطب الذي عليه المدار، والعمود الذي به الاستقلال (٣) "، وبعد أن بين أن النظم ليس إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك فلا تخل بشيء منها (٤).

стр. 75

ذكر الاستنتاج الذي أوضحناه آنفاً، فقال: "هذا هو السبيل فلست بواجد شيئاً يرجع صوابه - إن كان صواباً - وخطؤه - إن كان خطأً - إلى النظم ويدخل تحت هذا الرسم إلا وهو معنى من معاني النحو قد أصيب به موضعه، ووضع في حقه، وعومل بخلاف هذه المعاملة، فأزيل عن موضعه، واستعمل في غير ما ينبغي له، فلا ترى كلاماً قد وصف بصحة نظم أو فساده أو وصف بمزية وفضل فيه إلا وأنت تجد مرجع تلك الصحة وتلك المزية، وذلك الفضل إلى معاني النحو وأحكامه، ووجدته يدخل وذلك الفساد، في أصل من أصوله، ويتصل بباب من أبوابه (١) ". ثم يقول: "ويكفيك أنهم قد كشفوا عن وجه ما أردناه، حيث ذكروا فساد النظم، فليس يخالف في نحو قول الفرزدق: وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه وقول المتنبي: ولذا اسم أغطية العيون جفونها ... من أنها عمل السيوف عوامل وقوله: الطيب أنت إذا أصابك طيبه ... والماء أنت إذا اغتسلت الغاسل وقوله: وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تسعدا، والدمع أشفاه ساجمه وقول أبي تمام: ثانية في كبد السماء، ولم يكن ... كاثنين ثان إذ هما في الغار

стр. 76

وقوله: يدي لمن شاء رهن لم يذق جرعاً ... من راحتيك درى ما الصاب والعسل وفي نظائر ذلك مما تواصفوه بفساد النظم، وعابوه من جهة سوء التأليف، أن الفساد والخلل كانا من أن تعاطى الشاعر ما تعاطاه من هذا الشأن على غير الصواب، وصنع في تقديم أو تأخير، أو حذف وإضمار، أو غير ذلك مما ليس له أن يصنعه، وما لا يسوغ ولا يصح على أصول هذا العلم. وإذا ثبت أن سبب فساد النظم واختلاله، ألا يعمل بقوانين هذا الشأن، ثبت أن الحكم كذلك في مزيته، والفضيلة التي تعرض فيه، وإذا ثبت جميع ذلك، ثبت أن ليس هو شيئاً غير توخي معاني هذا العلم وأحكامه فيما بين الكلم (١) ". ×××× ص ٧٩ عبد القاهر الجرجاني يذكر أن العلماء - والقاضي الجرجاني منهم - قد كشفوا عن وجه ما أراده، حيث ذكروا فساد النظم وبينوا أسبابه، وهي تنحصر في عدم العمل بقوانين النحو، ويستشهد بما ذكروه في هذا الشأن. وستة الأبيات السابقة قد ذكرها القاضي الجرجاني في وساطته - عدا البيت الخامس - وجعلها في عداد ما عيب من أجل سوء النظم لعدم جريها على حسب قواعد النحو (٢). ثم يقول: "وإذ قد عرفت ذلك فاعمد إلى ما تواصفوه بالحسن وتشاهدوا له بالفضل، ثم جعلوه كذلك من أجل النظم خصوصاً دون غيره مما يستحسن

стр. 77

له الشعر أو غير الشعر من معنى لطيف، أو حكمة، أو أدب، أو استعارة، أو تجنيس، أو غير ذلك مما لا يدخل في النظم، وتأمله فإذا رأيتك قد ارتحت واهتززت، واستحسنت، فانظر إلى حركات الأريحية مم كانت، وعند ماذا ظهرت فإنك ترى عياناً أن الذي قلت كما قلت. اعمد إلى قول البحتري: ثم يورد ص ٨٠ أبيات البحتري التي سبق أن ذكرتها وبينت أن القاضي الجرجاني قد استحسنها واستجادها ولكنه لم يبين لنا سبب تلك الاستجادة ولا سر ذلك الاستحسان وأن عبد القاهر الجرجاني قد تكفل بذلك (١). ولهذا كله: فإننا نعتقد أن نظرية النظم التي جعلها عبد القاهر الجرجاني أساساً لعلم المعاني - كما سُمي من بعده - والتي فتح مغاليقها وبين أقسامها، وذكر شواهدها، كانت مستوحاة من كلام القاضي الجرجاني في كتاب "الوساطة" وأن عبد القاهر الجرجاني قد أخذ عن أستاذه القاضي الجرجاني أساس فكرة للنظم، ثم تكفل هو بتفسيرها، وتوضيحها وذكر شواهدها. ولعل عبد القاهر الجرجاني - وهو النحوي البارع الذكي - قد قرأ - أيضاً - ما دار بين أبي سعيد السيرافي وبين أبي بشر: متى بن يونس - في مجلس أبي الفتح بن جعفر بن الفرات - في مناظرة حادة بينهما حول جدوى علم النحو، وفيها يقول أبو سعيد السيرافي: وإذا كانت الأغراض المعقولة والمعاني المدركة لا يتوصل إليها إلا باللغة الجامعة للأسماء والأفعال والحروف أفليس قد لزمت الحاجة إلى معرفة اللغة .. معاني النحو منقسمة بين حركات اللفظ وسكناته وبين وضع الحروف في مواضعها المقتضية لها، وبين تأليف الكلام بالتقديم والتأخير، وتوخي الصواب في ذلك، وتجنب الخطأ في ذلك، وإن زاغ عن التعنت فإنه لا يخلو

стр. 78

الفصل الثاني نظرية النظم عند عبد القاهر النظم - كما يقول صاحب اللسان - هو: التأليف .. ونظمت اللؤلؤ: جمعته في السلك ومنه: نظمت الشعر، ونظمته، ونظم الأمر على المثل، وكل شيء قرنته بآخر أو ضممت بعضها إلى بعض فقد نظمته، والنظم، المنظوم، وصف بالمصدر، والنظم: ما نظمته من لؤلؤ وخرز وغيرهما (١). فقد دارت كلمة النظم في اللغة - كما رأيت - حول معنى واحد هو: "التأليف". ولهذا فإنه من المستطاع أن تفهم قول عبد القاهر الجرجاني في تعريف النظم: إنه تتبع معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يقصدها المتكلم. فكأن على الأديب أو الشاعر أن يتتبع معاني النحو فيما بين الكلم، وهو يؤلف كلامه، سواء أكان شعراً، أو نثراً، ومعنى تتبعه لمعاني النحو: أن يضع كلامه - على حد تعبير عبد القاهر - الوضع الذي يقتضيه علم النحو، ويعمل على قوانينه وأصوله، ويعرف مناهجه التي نهجت فلا يزيغ عنها، ويحفظ الرسوم التي رسمت له فلا يخل بشيء منها. وقبل أن يشرح عبد القاهر نظريته في النظم، قدم لها بمقدمات تتلخص فيما يلي:

стр. 79

من أن يكون سائغاً بالاستعمال النادر والتأويل البعيد، أو مردوداً لخروجه عن عادة القوم الجارية عن فطرتهم، فأما ما يتعلق باختلاف لغات القبائل وذلك شيء مسلم به ومأخوذ عنهم، وكل ذلك محصور بالتتبع والرواية والسماع والقياس المطرد على الآصل المعروف من غير تحريف، وإنما دخل العجب على المنطقيين لظنهم أن المعاني لا تعرف ولا تستوضح إلا بطريقتهم ونظرهم وتكلفهم. إذا قال لك القائل: كن نحوياً لغوياً فصيحاً "فإنما يريد افهم من نفسك ما تقول، ثم رم أن يفهم عنك غيرك، وقدر اللفظ على المعنى فلا ينقص عنه. هذا إذا كنت في تحقيق شيء على ما هو به، فأما إذا حاولت فرش المعنى، وبسط المراد فأجل اللفظ بالروادف الموضحة، والأشباه المقربة، والاستعارات الممتعة، وسدد المعاني بالبلاغة (١) ". لا بد أن عبد القاهر قد قرأ هذا، فقد وردت في العبارات السابقة عبارة "معاني النحو" ولفظ "التتبع" ولفظة "توخي" تلك التي نجد لها أثراً في قوله عندما يعرف النظم بقوله: "تتبع معاني النحو - أو توخي معاني النحو - فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يوضع لها الكلام ولا بد أنه قد قرأ - أيضاً - ما نقلناه لك عن القاضي عبد الجبار حول فكرة النظم، والتي كان متأثراً فيها هو الآخر بفكرة القاضي الجرجاني عن جوهر الكلام، وموقعه، ومكانه من النظم.

стр. 80

أولاً: أنه لا تفاضل بين كلمة وأخرى في الدلالة على المعنى قبل دخولها في نظم الكلام. ولهذا فإنك لا تجد أحداً يقول: هذه اللفظة نصيحة إلا وهو يعتبر مكانها من النظم وحسن ملاءمة معناها لمعاني جاراتها، وفضل مؤانستها لأخواتها. والدليل على ذلك: أنك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع، ثم تراها بعينها تثقل عليك في موضع آخر. ثانياً: أن ترتيب الألفاظ في النطق يكون على حسب ترتيب المعاني في النفس، وذلك لأنه لا يتصور أن تعرف للفظ موضعاً من غير أن تعرف معناه، كما لا يتصور أن تتوخى في الألفاظ من حيث هي ألفاظ ترتيباً ونظماً. ولهذا فإنه يجب عليك أن تتوخى الترتيب في المعاني، وأن تعمل فكرك هناك، فإذا ما تم لك ذلك أتبعتها الألفاظ، وقفوت بها آثارها. على أنك إذا ما فرغت من ترتيب المعاني في نفسك وجدت الألفاظ مرتبة على حذوها في نطقك ولم تحتج إلى أن تستأنف فكراً في ترتيبها؛ لأن الألفاظ خدم للمعاني وتابعة لها، ولاحقة بها. فالعلم بمواقع المعاني في النفس علم بمواقع الألفاظ الدالة عليها في النطق. ثالثاً: لا نظم في الكلم حتى يعلق بعضها ببعض، ويبنى بعضها على بعض: ومعنى هذا، أن تعمد إلى اسم فتجعله فاعلاً لفعل، أو مفعولاً له، أو تعمد إلى اسمين، فتجعل أحدهما خبراً عن الآخر، أو تتبع الاسم اسماً، على أن يكون صفة للأول، أو بدلاً منه، أو تجيء باسم بعد تمام كلامك،

стр. 81

على أن يكون الثاني صفة، أو حالاً، أو تمييزاً، أو تتوخى في كلام - هو لإثبات معنى - أن يصير نفيساً، أو استفهاماً، أو تمنياً، فتدخل الحروف الموضوعة لذلك. أو تريد في فعلين، أن تجعل أحدهما شرطاً في الآخر؛ فتجيء بها بعد الحرف الموضوع لهذا المعنى، أو بعد اسم من الأسماء التي ضمنت معنى ذلك الحرف. وعلى هذا القياس. رابعاً: المزية في النظم للمعنى، وليست للفظ؛ ولهذا فإنه يرد على من يرجعون المزية في النظم للألفاظ مبطلاً حججهم، ومزيلاً شبهاتهم، حتى يصل إلى أن المزية في النظم إنما هي للمعنى وليست للفظ حتى يتفرع لتفصيل أمر هذه المزية، وبيان الجهات التي تعرض منها. خامساً: ثمرة النظم هي: تصوير المعنى، وأن هذا التصوير إنما يتألق في أروع صوره إذا جاء عن طريق الصور البيانية الأخاذة، كالكناية، والمجاز. ومن هنا تدرك أن عبد القاهر الجرجاني قد جعل الصور البيانية الرائعة أداة لتصوير المعنى الذي تضمنه نظم الكلام ولم يفصل بينها وبين المعاني - كما فعل المتأخرون - اللهم إلا ما قالوه من أن المعاني من البيان بمنزلة المفرد من المركب. ومن هنا - أيضاً - تدرك خطأهم في تصورهم للبلاغة؛ فقد قسموها علوماً ثلاثة؛ هي: (المعاني)، (والبيان)، (والبديع)، لأنهم لم ينظروا إلى البلاغة نظرة عبد القاهر الجرجاني إليها. فقد كان عبد القاهر ينظر إلى البلاغة على أنها علم واحد أساسه "النظم"

стр. 82

الذي تتفرع منه مسائل المعاني؛ ومن هذه المعاني تتكون الصور البيانية الرائعة؛ من تشبيه، ومجاز، وكناية، واستعارة وتمثيل - على حد الاستعارة - متضمنة قيماً جمالية؛ راجعة إلى جمال المعاني قبل أن تكون زينة للألفاظ (١). وإليك ما قاله عبد القاهر في توضيح نظرية النظم: "اعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك فلا تخل بشيء منها. وذلك: أنا لا نعلم شيئاً يبتغيه الناظم بنظمه غير أن ينظر في وجوه كل باب، وفروقه؛ فينظر. في الخير: إلى الوجوه التي تراها في قولك، زيد منطلق، وزيد ينطلق، وينطلق زيد، وزيد المنطلق ومنطلق زيد، والمنطلق زيد، وزيد هو المنطلق، وزيد هو منطلق. وفي الشرط والجزاء: إلى الوجوه التي تراها في قولك: إن تخرج أخرج، وإن خرجت خرجت، وإن تخرج فأنا خارج، وأنا خارج أن خرجت، وأنا إن خرجت خارج. وفي الحال: إلى الوجوه التي تراها في قولك: جاءني زيد مسرعاً، وجاءني يسرع، وجاءني وهو مسرع أو وهو يسرع، وجاء في قد أسرع، وجاءني وقد أسرع.

стр. 83

فيعرف لكل من ذلك موضعه، ويجيء به حيث ينبغي له. وتنظر في الحروف التي تشترك في المعنى ثم يتفرد كل واحد منها بخصوصية في ذلك المعنى: فيضع كلاً من ذلك في خاص معناه، نحو أن يجيء "بما" في نفي الحال، و"بلا" إذا أراد نفي الاستقبال، و"بإن" فيما يترجح بين أن يكون وألا يكون، و"بإذا" فيما علم أنه كائن. وينظر في الجمل التي تسرد، فيعرف موضع الفصل فيها من موضع الوصل، ثم يعرف - فيما حقه الوصل -: موضع الواو من موضع الفاء، وموضع الفاء من موضع "ثم" وموضع "أو" من موضع "أم" وموضع "لكن" من موضع "بل". ويتصرف في التعريف والتنكير، والتقديم والتأخير في الكلام كله، وفي الحذف والتكرار، والإضمار والإظهار، فيضع كلاً من ذلك مكانه، ويستعمله على الصحة، وعلى ما ينبغي له".

стр. 84

الباب الثاني تطبيق النظم البلاغي على النص الأدبي

стр. 85

الفصل الأول الفصاحة والبلاغة متى يكون النص الأدبي فصيحاً، ومتى يكون بليغاً؟ وللإجابة على هذين السؤالين، فإنه يجب معرفة كل من الفصاحة والبلاغة، وبيان المعيار السليم الذي به يكون النص الأدبي فصيحاً، والمعيار الذي به يكون النص الأدبي بليغاً، حتى يتسنى لنا تقويم هذا النص أو ذاك في ضوء ما يسفر عنه بحثنا لهذين المعيارين. الفصاحة والبلاغة ظلت طائفة من البلاغيين حتى عصر عبد القاهر الجرجاني، لا تفرق بين الفصاحة والبلاغة؛ لالتقائهما في الإبانة عن المعنى وإظهاره - وإن فرق بينها المعنى اللغوي. ومن هؤلاء عبد القاهر الجرجاني نفسه؛ فإنه لم يكن يفرق بين المعنيين؛ فقد فسر الفصاحة - في "دلائل الإعجاز" - بأنها "خصوصية في نظم الكلم، وضم بعضها إلى بعض على طريق مخصوصة (١) ". ولكن طائفة أخرى من البلاغيين كانت تصر على التفريق بين المعنيين؛ وفاءً بحق المعنى اللغوي لكل منها.

стр. 86

ومن هؤلاء: أبو هلال العسكري المتوفى سنة ٣٩٥ هـ؛ فقد فرق بينهما بأن الفصاحة مقصورة على اللفظ والبلاغة مقصورة على المعنى (١). إلى أن حسم هذا الأمر معاصر عبد القاهر، ابن سنان الخفاجي المتوفى سنة ٤٦٦ هـ، في كتابه "سر الفصاحة" فقد فرق بينهما بأن الفصاحة مقصورة على وصف الألفاظ، ولكن البلاغة لا تكون إلا وصفاً للألفاظ مع المعاني؛ فلا يقال في كلمة واحدة لا تدل على معنى يفضل عن مثلها: بليغة؛ وإن قيل فيها: فصيحة؛ فكل كلام بليغ فصيح، وليس كل فصيح بليغاً (٢). ولهذا كان ابن سنان أول بلاغي يحدد الفرق بين الفصاحة والبلاغة؛ وظل هذا التحديد شائعاً بين المتأخرين من البلاغيين (٣). والفصاحة في اللغة هي الظهور والبيان، ومنها: أفصح اللبن إذا انجلت رغوته، وفصح فهو فصيح، قال الشاعر: وتحت الرغوة اللبن الفصيح ويقال: أفصح الصبح إذا بدا ضوؤه، وأفصح كل شيء إذا وضح، وفي الكتاب العزيز: ﴿وأَخِي هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ ورُوي عن النبي ﷺ أنه قال: "أنا أفصح العرب بيد أني من قريش (٤) ".

стр. 87

والفصاحة يوصف بها الكلمة، وللكلام، والمتكلم، فيقال: كلمة فصيحة، "وكلام فصيح"، وشاعر فصيح. والبلاغة في اللغة: تنبئ عن الوصول والانتهاء، والإتقان والجودة - كما أسلفنا لك، ويوصف بها الكلام والمتكلم فقط، فيقال، كلام بليغ، ورجل بليغ، ولم يسمع كلمة بليغة إلا أن يقصد بالكلمة خطبة، أو قصيدة. ولما كانت معرفة البلاغة متوقفة على معرفة الفصاحة، لكونها مأخوذة في تعريف البلاغة وجب علينا البدء بالتعرف على ملامح الفصاحة: فأما فصاحة الكلمة: فهي: أن تكون حروفها سهلة النطق، متجاورة تجاوراً هادئاً، تتلاقى فيه وتتجاوب أنغامها، وأن تكون مألوفة الاستعمال. قد تداولها الأدباء والشعراء في محافل الشعر والأدب وأن تكون جارية على قوانين تصريف الكلمات. وهذا هو المقصود بقولهم: "فصاحة المفرد: خلوصه من تنافر الحروف، والغرابة، ومخالفة القياس الصرفي". ١ - فأما التنافر فهو وصف في الكلمة يوجب ثقلها على اللسان، وعسر النطق بها: فإذا تنافرت حروف الكلمة كان ذلك عيباً، ومخلاً بفصاحتها، وقد قالوا: إن الثقل ينشأ إما من تباعد الحروف جداً، أو من تقاربها

стр. 88

جد الآن تباعد الحروف يكون كالطفرة، وتقاربها يكون كالمشي في القيد (١): وقد ذكروا: أن الثقل: إما أن يكون متناهياً، وإما أن يكون دون ذلك: وقد مثلوا للأول بكلمة (الهعخع) من قول أعرابي سئل عن ناقته، فقال: "تركتها ترعى الهعخع، ورُوي عن الخليل أنه قال: سمعنا كلمة شنعاء، وهي الهعخع ما ذكرنا تأليفها، والهاء والعين لا يكاد واحد منهما يأتلف مع الآخر من غير فصل (٢). ومثلوا للثاني بكلمة (مستشزرات) من قول امرئ القيس: تصد وتبديى عن أسيل وتتقي ... بناظرة من وحش وجرة مطفل وجيد كجيد الرئم ليس بفاحش ... إذا هي نصته ولا بمعطل وفرع يزين المتن أسود فاحم ... أثيث كقنو النخلة المتعثكل غدائره مستشزرات إلى العلا ... تضل المدارى في مثنى ومرسل والفرع هو الشعر، والأثبث: الكثير، والقنو: العنقود، والمتعثكل: المتراكم، والغدائر: الذوائب، والمستشزرات: رُوي بفتح الزاي، أي مرفوعات، وبكسرها: أي مرتفعات (٣).

стр. 89

والمعنى أن خصل شعرها مرتفعات، وأن أمشاط شعرها تغيب بين الشعر المعتول، والشعر المسترسل. وإنما كان الثقل في مستشزرات لتوسط الشين - وهي مهموسة رخوة - بين التاء - وهي مهموسة شديدة -، والزاي - وهي مجهورة. على أن وصف الجملة بالثقل ليس راجعاً على بعد مخارج حروفها، أو قربها، بل إن ذلك يرجع إلى الذوق السليم - كما يقول ابن الأثير -، فكل ما عده الذوق السليم ثقيلاً متعسر النطق فهو متنافر. سواء كان من قرب المخارج أو من بعدها، أو غير ذلك (١). وذلك لأننا نجد من القريب المخرج ما هو غير متنافر، كما في (الجيش) و (الشجى) وكما في القرآن الكريم: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ﴾ (٢) كما أننا نجد من البعيد المخرج ما هو غير متنافر أيضاً، كما في (بعد) فإن الباء من الشفتين والعين من الحلق وكما في (علم)، و (أو) و (ألم) وكل ذلك حسن لا تنافر فيه. وليس كل ثقل يمجه الذوق، فهناك ثقل مستحسن مطلوب؛ وذلك إذا ما اقتضى المقام هذا الثقل؛ كأن تكون الكلمة موحية بما تعبر عنه من معنى، ولا سبيل إلى التعبير عن ذلك المعنى إلا بها. فهناك كلمات ثقيلة على اللسان، ولكن ثقلها من أهم مظاهر فصاحتها من حيث أن هذا الثقل يصور معناها بحق، انظر كلمة ﴿اثَّاقَلْتُمْ إلَى

стр. 90

الأَرْضِ﴾ (١) تجد فيها قدراً من الثقل الفصيح؛ لأنه يصف تقاعسهم وتثاقلهم وخلودهم إلى الأرض؛ واستشعارهم مشقة الجهاد، وعزوف أرواحهم عنه وقد دعوا إليه في عام العسرة، فكان منهم ما وصفت الآية ولذلك جاء التهديد البالغ ليواجه تخاذل أرواحهم، فقال سبحانه: ﴿إلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ (٢). وكذلك قول الله تعالى: يحكي مقالة سيدنا نوح ﵇ لقومه: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (٣)﴾. فكلمة "أنلزمكموها" فيها صعوبة في النطق تحكي صعوبة الإلزام بالآيات وهم لها كارهون. وانظر كلمة "فعميت" وما فيها من الإدغام والمجهول، وكيف تصفان معنى "التعمية والإلباس" (٤). وأما الغرابة: فهي أن تكون الكلمة وحشية غير ظاهرة المعنى ولا مأنوسة الاستعمال. والمراد بكونها وحشية: أن تكون غريبة على العرب الخلص لا على الناس حتى لا يحكم على كل كلمة تقادم بها العهد بأنها وحشية: لأن الذوق العربي الخالص لا يحب الإغراب في الكلمات، ويكره التباصر بالغريب والتشادق به، لأن ذلك عندهم دليل قساوة الطبع، ولهذا قالوا: الاستعانة بالغريب عجز، والتشادق في غير أهل البادية نقص ... والغريب الذي ينفرون منه، ويخل بفصاحة الكلمة، ويحذرون من

стр. 91

الوقوع فيه هو: ما يحتاج - في معرفته - إلى أن ×××× ص ٩٤، ويبحث عنه في كتب اللغة المبسوطة، ككلمة "الطرموق" بدل الطين "والاستمصال" بدل الإسهال، و"الاطرغشاش" و"الابرغشاش" بدل الشفاء. وكتلك الكلمات التي ذكروها في قصة طريفة رووها عن علقمة النحوي قالوا: مر أبو علقمة ببعض طرق البصرة وهاجت به مرة، فوثب عليه قوم يعصرون إبهامه ويؤذنون في أذنه، فأفلت من أيديهم وقال: "ما لكم تكأكأتكم علي كما تكأكؤن على ذي جنة، افرنقعوا عني، فقال بعضهم دعوه فإن شيطانه يتكلم بالهندية (١) ". وواضح من هذه القصة أن الغريب الذين ينفرون منه هو ما كان غريباً على العرب، وهو الذي إذا ما طرق أسماعهم أنكروه، ورأوا أنه غير عربي، ولهذا فإنهم يريدون به الكلمات التي توشك أن يميتها الزمن، وأن يبتلعها التاريخ، والتي يمكن أن ينتفع بها الباحث في الأصول السامية لإدخالها في القدم، ××××ص ٩٤ بكلمات النقوش أكثر مما ينتفع بها الأدباء وأهل الفصيح (٢). أما غريب القرآن، وغريب الحديث، فقد كان دواراً عند العرب الخلص، ولكن تقادم العهد به، وذلك مثل كلمة "ضيزى" في قول الله تعالى: ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ (٣). وكما في أحاديث النبي ﷺ التي يخاطب بها الأقوام البادين، لأن سياقات الأحاديث ومقاماتها كانت تقتضي منه ذلك، لأن هذه الألفاظ الغريبة لم تكن وحشية نافرة لديهم، بل كانت دوارة على ألسنتهم.

стр. 92

وعلى أية حال: فإنهم يحبذون من الكلمات: "ما ارتفع عن الساقط السوقي، وانحط عن البدوي الوحشي" (١). أي أنهم مع نفورهم من الوحشي من الكلمات، فإنهم - أيضاً - ينفرون من السقوط بها إلى درجة الابتدال ولهذا عدل في التنزيل إلى قوله تعالى: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ (٢)﴾، لسخافة لفظ الطوب وما رادفه. ولاستثقال جمع الأرض لم تجمع في القرآن الكريم، وجمعت السماء، وحيث أريد جمعها قال تعالى: ﴿ومِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ (٣). وقد عابوا على أبي نواس كلمة الشطار "لابتذالها"، حيث قال: وملحة بالعذل تحسب أنني ... بالجهل أترك صحبة الشطار وقد قسم حازم - في المنهاج - الابتذالي والغرابة، فقال ما ملخصه: الكلمة على أقسام: الأول: ما استعملته العرب دون المحدثين، وكان استعمال العرب له كثيراً في الأشعار وغيرها، فهذا حسن فصيح. الثاني: ما استعملته العرب قليلاً ولم يحسن تأليفه ولا صيغته فهذا لا يحسن إيراده. الثالث: ما استعمله العرب وخاصة المحدثين دون عامتهم، فهذا حسن جداً، لأنه خلص من حوشية العرب وابتذال العامة.

стр. 93

الرابع: ما كثر في كلام العرب وخاصة المحدثين وعامتهم، ولم يكثر في ألسنة العامة، فلا بأس به. الخامس: ما كان كذلك ولكنه كثر في ألسنة العامة وكان لذلك المعنى اسم استغنت به الخاصة عن هذا، فهذا يقبح استعماله لابتذاله. السادس: أن يكون ذلك الاسم كثيراً عند الخاصة والعامة وليس له اسم آخر، وليست العامة أحوج لذكره من الخاصة، ولم يكن من الأشياء التي هي أنسب بأهل المهن، فهذا لا يقبح ولا يعد مبتذلاً مثل لفظ "الرأس" و"العين". السابع: أن يكون كما ذكرناه إلا أن حاجة العامة أكثر، فهو كثير الدوران بينهم: كالصنائع فهذا مبتذل. وأما المخالفة: فهي: أن تكون الكلمة جارية على خلاف القانون المستنبط من تتبع لغة العرب، وذلك كوجوب الإعلال في نحو (فام) والإدغام في نحو (مد) وغير ذلك مما يشتمل عليه علم الصرف. وأما نحو: عود، وأبى يأبى، واستحوذ، ونطط ص ٩٦ شعره، وآل، وماء، وما أشبه ذلك من الشواذ الثابتة في اللغة، فليست من المخالفة في شيء، لأنها كذلك ثبتت عن الواضع فهي في حكم المستثناة. ومن المخالفة نحو (الأجلل) بفك الإدغام في قول الشاعر: الحمد لله العلي الأجلل ... الواسع الفضل الوهوب المجزل وقياسها: الأجل. وقد أنشد سيبويه: مهلاً أعاذل، قد جربت من خلقي ... أني أجود لأقوام وإن ضننوا

стр. 94

وكان عليه أن يقول (وإن ضنوا) بإدغام النون في النون، لكنه قال (ضننوا) ففك هذا الإدغام. على أن هناك ضرورات يلجأ إليها الشعراء لتسلم لهم أوزان أشعارهم، ولكن ليس ضرورة يلجأ إليها الشاعر تخرج الكلمة عن الفصاحة. فقد قسم حازم القرطاجنى الضرورات الشعرية إلى: ضرورات سائغة، وضرورات مستقبحة: فالسائغ من ضرورات الشعر. ما لا تشعر النفس معه بوحشة، وذلك كقصر الممدود ومد المقصور: والمستقبح: ما تشعر النفس معه بوحشة: كصرف ما لا ينصرف وتذكير المؤنث وعكسه وكأن تكون الكلمة غير جارية على العرف العربي الصحيح، بأن تكون الكلمة مستعملة في غير ما وضعت له في عرف اللغة، ولم يقصد بها المجاز، كاستعمال كلمة الأيم بمعنى الثيب في قول البحتري: تشق عليه الريح كل عشية ... جيوب الغمام بين بكر وأيم فقد وضع الأيم في مقابلة البكر، والأيم في اللغة تطلق على المرأة التي لا زوج لها، بكراً كانت أو ثيباً. وقيل: فصاحة المفرد: خلوصه مما ذكر ومن الكراهة في السمع، بأن يتبرأ السمع من سماعه كما يتبرأ من سماع الأصوات المنكرة، لأن اللفظ من قبيل الأصوات، والأصوات منها، ما تستلذ النفس بسماعه ومنها ما تستكرهه، وذلك نحو: (الجرشى) في قول أبي الطيب المتنبي يمدح سيف الدولة أبا الحسن عليا: وما قست كل ملوك البلاد ... فدع ذكر بعض، بمن في حلب ولو كنت سميتهم باسمه ... لكان الحديد وكانوا الخشب أفي الرأي يشبه أم في السخاء ... أم في الشجاعة، أم في الأدب

стр. 95

مبارك الاسم، أغر اللقب ... كريم الجرشى، شريف النسب (١) أي: كريم النفس، وليس بشيء، لأن الكراهة في السمع لا تكون إلا من تنافر حروف الكلمة أو غرابتها، فليست شيئاً آخر غيرها، والجرشى في بيت أبي الطيب تدخل في الغرابة. وأما فصاحة الكلام: فقد شرطوا لها أموراً ثلاثة: أولاً: أن يكون الكلام خالياً من ضعف التأليف، ويقصدون به: أن يكون تأليف الكلام جارياً على خلاف المشهور من قواعد النحو: وذلك، كالإضمار قبل الذكر لفظاً ومعنى، نحو ضرب غلامه زيداً، وإن كان مثل هذه الصورة مما أجازه الأحفش: وتبعه ابن جني لشدة اقتصاء الفعل المفعول به كالفاعل. واستشهد بقول النابغة الذبياني: جزى ربه عني عدي بن حاتم ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل وقول الشاعر: لما أعصى أصحابه مصعباً ... أدى إليه الكيل صاعاً بصاع وأجيب عنه بأن الضمير للمصدر المدلول عليه بالفعل، أي رب الجزاء، وأصحاب العصيان. كقوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ أي العدل.

стр. 96

وأما قول الشاعر: جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر ... وحسن فعل كما يجزى سنمار وقوله: ألا ليت شعري، هل يلو من قومه ... زهيراً على ما جر من كل جانب فشاذ لا يقاس عليه. وعلى أية حال فإن على الأديب أو الشاعر - إذا ما أراد أن يكون كلامه فصيحاً - أن يكون تأليفه جارياً على المشهور من قواعد النحو، وإلا نال ضعف التأليف من فصاحة كلامه. ثانياً: أن يكون خالياً من تنافر الكلمات: ويقصدون بخلو الكلام من تنافر كلماته: ألا تتكرر فيه كلمات ذات جرس واحد أو متقارب لأن تكرارها يؤدي إلى صعوبة النطق بها، وقد ضربوا مثلاً لتنافر الكلمات بقول الشاعر: وقبر حرب بمكان قفر ... وليس بقرب قبر حرب قبر فكلمات: قبر، وحرب، وقرب، وكلمات فصيحة: ولكن اجتماعها في بيت واحد هو الذي أدى إلى صعوبة النطق بها. وقد أدى ذلك إلى ذهاب رونق البيت، فذهبت فصاحته مع ذهاب رونقه. وقد ذكروا أنه من أشعار الجن، وأنه لا يتهيأ لأحد أن ينشده ثلاث مرات فلا يتتعتع (١).

стр. 97

ومن التكرار القبيح قول الشاعر: وازور من كان له زائراً ... وعاف عافي العرف عرفانه ومنه قول ابن يسير: لم يضرها والحمد لله شيء ... وانثنت نحو عزف نفس ذهول واقرأ الشطر الثاني من هذا البيت، فإنك ستجد بعض ألفاظه يتبرأ من بعض (١). وهناك نوع من تنافر الكلمات لم يبلغ هذا الحد من الثقل، وإنما هو أخف جدة من سابقه كالذي تراه من قول أبي تمام: كريم متى أمدحه أمدحه والورى ... معي وإذا ما لمته لمته وحدي فقد تكررت كلمة (أمدحه)، وكلمة (لمته)؛ مما أدى إلى هذا الثقل الذي تراه في البيت وليس التنافر ناشئاً من اجتماع الحاء والهاء؛ لأنه ثقل محتمل، فقد جاء في قوله تعالى ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ (٢) وإنما نشأ من اجتماع الكلمتين. وأول من عاب هذا البيت: ابن العميد، حيث قال: هذا التكرير في (أمدحه أمدحه) مع الجمع بين الحاء والهاء، وهما من حروف الحلق خارج عن حد الاعتدال نافر كل التنافر؛ ولو قال: فإن في تكرير أمدحه ثقلاً لكان أولى (٣).

стр. 98

ثالثاً: أن يكون خالياً من التعقيد: والتعقيد معناه: ألا يكون الكلام ظاهر الدلالة على المعنى المراد؛ وله سببان: السبب الأول: لفظي ، وهو: ألا يكون ترتيب الألفاظ على وفق ترتيب المعاني بسبب تقديم أو تأخير، أو حذف، أو إضمار، أو غير ذلك مما يوجب صعوبة فهم المراد، فيختل نظم لكلام ولا يدري السامع كيف يتوصل منه إلى معناه، كقول الفرزدق في مدح خال هشام بن عبد الملك: وما مثله في الناس إلا مملكاً ... أبو أمه حي أبوه يقاربه أي: ليس مثله في الناس حي يقاربه، أي أحد يشبهه في الفضائل إلا مملك أعطى الملك والمال أبو أمه، أي أبو أم ذلك المملك أبوه، أي أبو الممدوح، والجملة صفة مملكاً، أي: لا يماثله أحد إلا ابن أخته الذي هو هشام. وكان حقه أن يقول: وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملك أبو أمه أبوه. ولكنه فصل بين المبتدأ والخبر، وهو: أبو أمه أبوه، بالأجنبي، وهو: حي، وبين الصفة والموصوف: وهو حي يقاربه بالأجنبي الذي هو: أبوه، وقدم المستثنى، وهو: مملكاً على المستثنى منه، وهو: حي. فالكلام الخالي من التعقيد اللفظي: هو ما سلم نظمه من الخلل، فلم يكن فيه ما يخالف الأصل من تقديم أو تأخير أو إضمار أو غير ذلك إلا وقد قامت عليه قرينة لفظية أو معنوية. ولعلك على ذكر مما أسلفناه لك، من أن القاضي الجرجاني في وساطته

стр. 99

قد كشف عن وجه النظم من خلال نقده لمثل هذا البيت، بأنه لم يجر على قوانين النحو فاختل نظمه، واستنتج عبد الظاهر من هذا النقد بأن النظم إنما هو تتبع معاني النحو، وإليك بيتاً آخر مما هابه القاضي الجرجاني لسوء نظمه: يقول معقباً على بيت أبي الطيب المتنبي: وفاؤ كما كالربع أشجاه ص ١٠٢ ... بأن تسعدا؛ والدمع أشفاه ساجمه "ومن يرى هذه الألفاظ الهائلة، والتعقيد المفرط، فيشك أن وراءها كنزاً من الحكمة، وأن في طيها الغنيمة الباردة، حتى إذا فتشها، وكشف عن سترها، وسهر ليالي متوالية فيها حصل على أن "وفاء كما ياعاذلي بأن تسعداني إذا درس شجاي، وكلما ازداد تدارساً ازددت له شجواً، كما أن الربع أشجاه دراسة"، فما هذا من المعاني التي يضيع لها حلاوة اللفظ، وبهاء الطبع، ورونق الاستهلال، ويشح عليها حتى يهلهل لأجلها النسج، ويفسد النظم، ويفصل بين الباء ومتعلقها بخبر الابتداء قبل تمامه، ويقدم، ويؤخر، ويعوص، ويعمى" (١). والسبب الثاني من أسباب التعقيد: معنوي: ومعنى التعقيد المعنوي: ألا يكون الكلام ظاهر الدلالة على المعنى المراد منه بسبب الخلل في انتقال الذهن من المعنى الأول المفهوم بحسب اللغة إلى المعنى الثاني المقصود، وذلك الخلل يكون بإيراد اللوازم البعيدة المفتقرة إلى الوسائط الكثيرة، مع خفاء القرائن الدلالة على المقصود، كما في قول العباس بن الأحنف: سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا ... وتسكب عيناي الدموع لتجمدا

стр. 100

فقد جعل سكب الدموع - وهو البكاء - كناية عما يستلزمه فراق الأحبة من الكآبة والحزن وهذا كلام صحيح سليم، لأنه كثيراً ما تجعل الدموع دليلاً على الكآبة والحزن. يقال: أبكاني الدهر، وأضحكني، أي: ساءني، وسرني، قال الحماسي: أبكاني الدهر، ويا ربما ... أضحكني الدهر بما يرضى ولكنه أخطأ في الكناية عما يوجبه دوام التلاقي والوصال من الفرح والسرور، بجمود والعين وذلك لأن الانتقال من جمود العين إلى بخلها بالدموع حال إرادة البكاء، وهي حالة الحزن على مفارقة الأحبة، لا إلى ما قصده الشاعر من السرور الحاصل بملاقاة الأصدقاء، ومواصلة الأحبة. ولهذا لا يقال في الدعاء: لا زالت عينك جامدة، كما يقال: لا أبكى الله عينك. ويقال: سنة "جماد"، لا مطر فيها، وناقة "جماد: لا لبن فيها، كأنهما تبخلان بالمطر واللبن. ويقول: أبو عطاء السندي، من قصيدة يرثي بها ابن هريرة: ألا إن عيناً لم تجد يوم واسط ... عليك بجاري دمعها لجمود عشية قام النائحات وشققت ... جيوب بأيدي مآتم، وخدود فإن تمس مهجور الغناء فربما ... أقام به بعد الوفود وفود فأتى "بالجمود" تأكيداً لنفي الجود، ومحال أن يجعلها لا تجود بالبكاء، وليس هنا التماس بكاء، لأن الجود والبخل يقتضيان مطلوباً يبذل أو يمنع (١).

стр. 101

ومعنى بين ابن الأحنف: إني اليوم أطيب نفساً بالبعد والفراق، وأوطنها على مقاساة الأحزان والأشوان وأنجرع غصصها، واحتمل لأجلها حزناً يفيض الدموع من عيني لأتسبب بذلك إلى وصل يدوم ومسرة ولا تزول، فإن الصبر مفتاح الفرج ومع كل عسر يسر، ولكل بداية نهاية (١). وإنما اشترطوا الفصاحة الكلام خلوه من التعقيد بنوعيه اللفظي والمعنوي، لقولهم: لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه، ولفظه معناه، ولا يكوون لفظه أسبق إلى سمعك من معناه إلى قلبك. فإذا كان النظم سوياً، والتأليف مستقيماً، كان وصول المعنى إلى قلبك تلو وصول اللفظ إلى سمعك: وإذا كان النظم على خلاف ما ينبغي، وصل اللفظ إلى السمع، وبقيت في المعنى تطلبه وتتعب فيه، فإذا ما أفرط الأمر في ذلك صار إلى التعقيد الذي قالوا: إنه يستهلك المعنى (٢). قيل: ومما يخل بفصاحة الكلام: كثرة التكرار، وتتابع الإضافات: فمن كثرة التكرار قول أبي الطيب المتنبي: أهم بشيء والليالي كأنها ... تطاردني عن كونه وأطارد وحيد من الخلان في كل بلدة ... إذا عظم المطلوب قل المساعد وتسعدني في غمرة بعد غمرة ... سبوح لها منها عليها شواهد (٣) فقد كرر الضمائر في قوله: "لها منها عليها"

стр. 102

ومن تتابع الإضافات: قول ابن بايك: حمامة جوعى حومة الجندل إسجعي ... فأنت بمرأى من سعاد ومسمع ولكن هذا القول مردود بأن كلا من كثرة التكرار، وتتابع الإضافات إن ثقل اللفظ بسببها على اللسان، فقد حصل الاحتزاز عنه بالتنافر، وإلا فلا تخل بالفصاحة، وقد قال النبي ﷺ : "الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف ابن يعقوب بن اسحق، بن إبراهيم" يقول عبد القاهر الجرجاني: قال الصاحب: إياك والإضافات المتداخلة فإنها لا تحسن، وذكر أنها تستعمل في الهجاء، كقوله: يا علي بن حمزة بن عمارة ... أنت والله ثلجة في خيارة ثم قال الشيخ عبد القاهر: ولا شك في ثقل ذلك في الأكثر، لكنه إذا سلم من الاستكراه ملح ولطف كقول عبد الله بن المعتز: فظلت تدير الكأس أيدي جآذر ... عتاق دنانير الوجوه ملاح والحق أن كلا من كثر التكرار، وتتابع الإضافات لا يخل بفصاحة الكلام، لمجيئهما في القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. وأما فصاحة المتكلم: فهي ملكة يستطيع بها التعبير عن مقصوده بلفظ فصيح. والملكة: هيئة راسخة في النفس، والتعبير بها هنا يشعر بأن الفصاحة من الهيئات الراسخة في النفس، ولهذا فغن من يعبر عن مقصوده بلفظ فصيح لا يعد فصيحاً إلا إذا كانت الصفة التي استطاع بها التعبير عن مقصوده، بلفظ فصيح راسخة فيه.

стр. 103

بلاغة الكلام: أسلفنا لك أن البلاغة تكون وصفاً للكلام، وللمتكلم فقط، ولا تكون وصفاً للكلمة المفردة فيقال: كلان بليغ، ومتكلم بليغ، ولا يقال كلمة بليغة، إلا إذا أردنا بالكلمة خطبة أو قصيدة - مثلاً - فأما بلاغة الكلام، فهي - كما يقولون -. "مطابقة الكلام لمقتضى الحال، مع فصاحته، فإذا جاء الكلام فصيحاً، خالياً من التنافر، والغرابة، ومخالفة القياس الصرفي، بريئاً من التعقيد اللفظي والمعنوي جارياً على المشهور من آراء النحاة، وكان مناسباً للموضوع الذي يقال فيه، ولأحوال السامعين، معبراً عن مشاعر قائله أصدق تعبير، فإنه يعد كلاماً بليغاً. لأن قائله يبلغ به غايته، ويصل إلى مراده من نفوس سامعيه، فيؤثر في نفوسهم، ويسيطر على مشاعرهم، ويملك به أزمة قلوبهم. استمع إلى قول عمرو بن معد يكرب يذكر يوماً كان بين عشيرته وجارتها جرم، وبين بني الحرث بن "كعب" وحليفتها "نهد": ليس الجمال بمئزر ... فاعلم، وإن رديت برداً إن الجمال معادن ... ومناقب أورثن مجداً أعددت للحدثان سا ... بغة، وعداء ص ١٠٦ نهدا، وذا شطب يقد ... البيض، والأبدان قداً وعلمت أني يوم ذا ... ك منازل كعباً، ونهداً قوم إذا لبسوا الحديد ... تنمروا حلقاً، وقدا كل امرئ يجري إلى ... يوم الهياج بما استعدا

стр. 104

لما رأيت نساءنا ... يفصحن بالمعزاء شداً وبدت لميس كأنها ... بدر السماء إذا تبدى وبدت محاسنها التي ... تخفي، وكان الأمر جداً نازلت كبشهم ولم ... أر من نزال الكبش بداً هم ينذرون دمي وأنذر ... ن لقيت بأن أشدا كم من أخ لي صالح ... بوأته بيدي احداً ما إن جزعت ولا هلعت ... ولا يرد بكاي زنداً ألبسته أثوابه ... وخلقت بوم خلقت جلداً أغني غناء الذاهبين ... أعد للأعداء عدا ذهب الذين أحبهم ... وبقيت مثل السيف فرداً (١) فالشاعر في مقام الفخر بانتصار قومه على قبيلتي "كعب"، ونهد اللتين أغارتا على قومه طالبين قتله، وقد خرج إليهم غير عابيء بجموعهم، فنازل رئيسهم وهزمهم. انظر: كيف صور تجربته في صد الأعداء أصدق تصوير، فقد بدأ قصيدته بأن الجمال الظاهر أمر زائل لا يهمه، فهو لا يعبأ بظاهر الجمال الزائلة المتمثلة في البرود والمآزر، ولكنه يهتم بجميل الأفعال، وحميد الخصال، وجليل المناقب والمآثر التي تورث المجد، وتكسب الفضل. فقد أعد لحماية أرضه وعرضه فرساً كريماً عداء قوياً متيناً، ودروعاً سابغة، وسيفاً ماضياً، لأنه يعلم أنه سيقاتل كعباً ونهداً المعروفتين بقوة الشكيمة، والاستعداد للحروب، وكل امرئ ص ١٠٧ يوم اللقاء بما استعد به من أدوات الحرب.

стр. 105

فلما كان يوم اللقاء، ورأى النساء قد خرجن من بيوتهن، وجرين هنا وهنالك وكشفت اللبس عن وجهها، كأنها البدر؛ وبدا ما كانت تخفيه من محاسن، ثارت حميته، وجرى الدم في عروقه، وألقى بنفسه في غمار المعركة منقضاً على رئيسهم فنازله وهزمه. وقد كان الأعداء ينذرون دمه، ولكنه كان ينذر بأنه إذا لقيهم ليقاتلهم قتالاً شديداً وليس ذلك بجديد عليه، فكم قاتل الأعداء، وكم بقى وحده في ميدان القتال يكفن أصحابه ويدفنهم بيديه جلداً صبوراً، فما جزع وما أصابه الهلع، لأنه يغني غناء الذاهبين من قومه، فهو المؤمل للأعداء يوم اللقاء، فقد ذهب أحبابه في ميادين الحرب والدفاع عن الشرف والعرض، وبقى وحده كالسيف فرداً. ثم انظر كيف أتى بالجملة المنفية في أول القصيدة غير مؤكدة وهي قوله: (ليس الجمال بمئزر). ولكنه أكد الجملة التي تليها، وهي قوله: (إن الجمال معادن، ومناقب أورثن مجداً). لأن الجملة الأولى خبرية ألقيت إلى خالي الذهن فلم، يحتج إلى تأكيد، ولكن الجملة الثانية جاءت جواباً عن سؤال تضمنته الجملة الأولى، فكأن سائلاً سأل: فماذا يكون الجمال؟ وكذلك تجد الجمل الخبرية التي أوردها خالية من التأكيد، لإلقائها إلى خالي الذهن (أعددت للأعداء .. ) و (علمت أني يوم ذاك منازل .. ) و (هم ينذرون دمي). ثم انظر كيف عرف كلا من (كعباً) و (نهداً) بالعلمية، ليبين أنه نازل قبيلتين معروفتين وكيف نكر كلا من (أحدا) و (زندا)، ليبين أنه لشجاعة قلبه وقوة جلده يكفن صديق النزال في الحرب بيديه ويدفنه

стр. 106

في أي لحد كان، وفي أي مكان كان، لأن الذي يهمه إنما هو الدفاع عن حرماته، وحماية مكارم قبيلته ومناقبها، وأنه مهما بكى على أصدقائه فلن يرد بكاؤه شيئاً حقيراً، حتى ولو كان زنداً تافهاً. ثم أعد قراءة القصيدة، وتفقد كلماتها، فإنك ستجدها سهلة الألفاظ، سلسة الأسلوب جميلة المعاني، قد تعانقت كلماتها تعانقاً لطيفاً آخذاً بعضها يحجز بعض، حتى إنك لا تمل من قراءتها لسهولتها، وسلاسة أسلوبها، وجمال نظمها. فقد جاءت كلمات القصيدة فصيحة، متماسكة قوية معبرة أصدق تعبير عن مشاعر هذا الفارس مصورة لتجربته في اللقاء والنزال، موحية بما يكنه لقومه من حب وإيثار، وبما يتمتع به من قوة الجلد، والصبر في ميادين الشرف والبطولة. وقد ضمنها خصائص بلاغية قيمة، فعرف حيث يقتضي المقام التعريف، ونكر حيث يقتضي المقام التنكير، وأكد حيث يقتضي المقام التأكيد، وتجنب التأكيد حيث لا يقتضي المقام التأكيد .. وهكذا وهذا هو المقصود بقولهم، مطابقة الكلام لمقتضى الحال: فالحال: هي الأمر الداعي للمتكلم إلى أن يعتبر مع الكلام الذي يؤدي به أصل المعنى خصوصية ما، ومطابقة الكلام له بمعنى: اشتماله عليه. فإذا كان المخاطب ينكر قيام (زيد) مثلاً، فإنكاره حال يدعو المتكلم إلى أن يخبره بقيامه مؤكداً، فيقول: (إن زيداً قائم)، وتأكيد الخبر هو: مقتضى الحال. ومقتضى الحال مختلف، لأن مقامات الكلام متفاوتة: فمقام التنكير يغاير مقام التعريف، ومقام الإطلاق يغاير مقام التقييد،

стр. 107

ومقام التقديم يغاير مقام التأخير، ومقام الذكر يغاير مقام الحذف، ومقام القصر يغاير مقام خلافه، ومقام الفصل يغاير مقام الوصل، ومقام الإيجاز يغاير مقام الأطناب والمساواة، وكذلك خطاب الذكي يغاير خطاب الغبي، وكذلك لكل كلمة مع صاحبتها مقام. ولكن: ما الفرق بين الحال والمقام؟ الحال والمقام: متقاربا المفهوم؛ والتغاير بينهما أمر اعتباري، وذلك لأن الأمر الداعي. مقام: باعتبار توهم كونه محلاً لورود الكلام فيه على خصوصية ما، وحال: باعتبار كونه زماناً له. وأيضاً: فإن المقام تعتبر إضافته للمقتضَى؛ فيقال: مقام التأكيد، والإطلاق والحذف، والإثبات، كما تعتبر إضافة الحال المقتضِي: فيقال: حال الإنكار وحال خلو الذهن، وغير ذلك. وعلى ذلك: فعند تفاوت المقامات تختلف مقتضيات الأحوال، ضرورة أن الاعتبار اللائق بهذا المقام، غير الاعتبار اللائق بذلك، واختلافها هو عين اختلاف مقتضيات الأحوال. وارتفاع شأن الكلام في الحسن والقبول، يكون بمطابقته للاعتبار المناسب؛ وانحطاطه يكون لعدم مطابقته لهذا الاعتبار. والمراد بالاعتبار المناسب: الأمر الذي اعتبره المتكلم متناسباً بحسب السليقة أو بحسب تراكيب البلغاء؛ فمقتضى الحال هو الاعتبار المناسب للحال والمقام، كالتأكيد والإطلاق وغيرهما. ومطابقة الكلام لمقتضى الحال هو ما يسميه الإمام عبد القاهر الجرجاني باسم (النظم) حيث يقول في نظريته التي أسلفناها لك: "النظم هو توخي

стр. 108

معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يصاغ لها الكلام". وقد كرر - في دلائل الإعجاز - أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الموضع الذي يقتضيه علم النحو وتعمل على قوانينه. وعلى هذا: فالبلاغة "صفة "راجعة، " إلى اللفظ، لكن لا من حيث أنه "لفظ وصوت"؛ ولكن باعتبار إفادته المعنى مركباً. وكثيراً ما يسمى ذلك الوصف فصاحة - أيضاً - وهذا هو المقصود من كلام الشيخ عبد القاهر حيث كرر - في مواضع من كتابه "دلائل الإعجاز" - أن الفصاحة صفة "راجعة" إلى المعنى دون اللفظ كقوله: "علمت أن الفصاحة والبلاغة وسائر ما يجري في طريقهما، أوصاف "راجعة" إلى المعاني، وإلى ما يدل عليه بالألفاظ دون الألفاظ أنفسها". وقد ذكر في مواضع أخرى - من دلائل الإعجاز -: أن فضيلة الكلام للفظه لا لمعناه، حيث أن المعاني مطروحة في الطريق بعرفها الأعجمي والعربي، والقروي والبدوي، ولا شك أن الفصاحة من صفاته الفاضلة، فتكون راجعة إلى اللفظ دون المعنى. فوجه التوفيق بين الكلامين: أنه أراد بالفصاحة معنى البلاغة: فحيث أثبت أنها من صفات الألفاظ: أراد أنها من صفاتها باعتبار إفادتهم المعنى عند التركيب وحيث نفى ذلك: أراد أنها ليست من صفات الألفاظ المفردة والكلم المجردة من غير اعتبار التركيب. وحينئذ: لا تناقض في كلامه. هذا هو رأي الخطيب القزويني في كلام عبد القاهر الجرجاني. والحق ما قاله سعد الدين التفتازاني: وهو: أن محصول كلام عبد القاهر - بعد تصفحه - هو: أن الفصاحة عنده تطلق على معنيين:

стр. 109

أحدهما: ما مر في صدر المقدمة، ولا نزاع في رجوعها إلى نفس اللفظ. والثاني: وصف في الكلام يقع به التفاصيل ويثبت الإعجاز، وعليه يطلق، البلاغة، والبراعة، والبيان، وما شاكل ذلك، ولا نزاع - أيضاً - في أن الموصوف بها - عرفاً - هو: اللفظ، إذ يقال: لفظ فصيح، ولا يقال معنى فصيح، وإنما النزاع في أن منشأ هذه الفضيلة ومحلها أهو اللفظ أم المعنى؟ والشيخ ينكر على كلا الفريقين، ويقول إن الكلام الذي يدق فيه النظر ويقع به التفاضل هو الذي يدل بلفظه على معناه اللغوي، ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية على المعنى المقصود. فهناك ألفاظ، ومعان أول، ومعان ثوان، فالشيخ يطلق على المعاني الأول، بل على ترتيبها في النفس، ثم على ترتيب الألفاظ على حذوها في النظم، اسم: النظم، والصور، والخواص، والمزايا، والكيفيات، ونحو ذلك. ويحكم - قطعاً - بأن الفصاحة من الأوصاف الراجعة إليه، وأن الفضيلة التي بها يستحق الكلام أن يوصف بالفصاحة والبلاغة والبراعة، وما شاكل ذلك إنما هي فيها، لا في الألفاظ المنطوقة التي هي الأصوات والحروف، ولا في المعاني الثواني، التي هي الأغراض التي يريد المتكلم إثباتها أو نفيها. فحيث يثبت أنها من صفات الألفاظ أو المعاني، فإنه يريد بها تلك المعاني الأول وحيث ينفي أن تكون من صفاتها فإنه يريد بالألفاظ، الألفاظ المنطوقة وبالمعاني، المعاني الثواني، التي جعلت مطروحة في الطريق، وسوى فيها بين الخاصة والعامة وللبلاغة في الكلام: طرفان: أعلى، وإليه تنتهي البلاغة، وهو: حد الإعجاز وما يقرب منه، وهو: أن يرتقي الكلام في بلاغته إلى أن يخرج عن طوق البشر، ويعجزهم عن معارضته وأسفل؛ وهو: ما إذا غير الكلام عنه إلى ما دونه التحق عند البلغاء بأصوات

стр. 110

الحيوانات وإن كان صحيح الإعراب، حيث تصدر عن محالها حسبما يتفق من غير اعتبار اللطائف والخواص الزائدة على أصل المراد. وبين الطرفين: مراتب كثيرة، متفاوتة، بعضها أعلى من بعض بحسب تفاوت المقامات ورعاية الاعتبارات، والبعد من أسباب الإخلال بالفصاحة. وتتبع بلاغة الكلام: وجوه أخر سوى المطابقة، والفصاحة، تورث الكلام حسناً، وتكسبه رونقاً وجمالاً، وهذه الوجوه هي التي تضمنها على البديع، من حسنات لفظية ومعنوية. وأما بلاغة المتكلم. فهي: الموهبة، أو الملكة التي تستطيع بها أن تؤلف كلاماً بليغاً. ولعلك قد فهمت مما تقدم: أن كل بليغ كلاماً كان أو متكلماً، فصيح، وليس كل فصيح بليغاً. كما أنك قد فهمت مما أسلفنا لك: أن البلاغة في الكلام مرجعها إلى الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد، وإلى تميز الكلام الفصيح من غيره. وتمييز الكلام الفصيح من غيره: منه ما يتبين في علم متن اللغة، كالغرابة، أي تمييز السالم من الغرابة من غيره، أو في الصرف، كمخالفة القياس، أو في علم النحو: كصعف التأليف، والتعقيد اللفظي، أو يدرك بالذوق، كالتنافر فما يحترز به عن الخطأ في تأدية المعنى المراد هو علم المعاني وما يحترز به التعقيد المعنوي، وهو علم البيان. وما يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية تطبيقه على مقتضى الحال وفصاحته هو: علم البديع.
следующие страницы →