الرد على ابن الأثير:
ولسنا مع ابن الأثير في قوله: "إذا وجد التشبيه - وحده - كان مجازاً. لأن المتأخرين من البلاغيين، قد عدوه في دائرة الحقيقة، لأن دلالته مطابقية (١)، وإنما أدخلوه في علم البيان لتوقف الاستعارة عليه.
كما أن ابن الأثير قد تجنى على ابن جنى، فادعى أنه قال: أما الاتساع، فهو: أنه زاد في أسماء الجهات والمحال كذا. وكذا"، والحق أن عبارة ابن جنى هي: "كأنه زاد في أسماء الجهات، والمحال اسماً هو: الرحمة"، ولكن ابن الأثير قد حذف حرف الكاف من (كأنه)، ليتسنى له غرضه من نقد كلام ابن جنى! ؛ ولهذا جاء الاضطراب الذي ادعاه! ؛ فالاضطراب ناشئ من عدم أمانة ابن الأثير في النقل، وليس ناشئاً من عبارة ابن جنى!
وقد أسلفنا لك أن مثل تلك العبارة من ابن جنى كانت أصلاً، للمتأخرين في ادعائهم دخول المشبه في جنس المشبه به، إذ قالوا: وإنما المراد، أن المدعى به ادعاءه على أن الأسد - مثلاً - جعل له بطريق التأول والمبالغة فردان:
متعارف: وهو الذي له الجراءة المتناهية، والغاية في القوة، في جثة ذي الإظفار، والأنياب، والشكل المخصوص.
غير المتعارف: وهو فرد آخر له تلك القوة والجراءة نفسها، لكن في جثة الآدمي وكان اللفظ، موضوع للقدر المشترك بينهما، كالمتواطئ،
стр. 177
فالأمر لا يعدو، أن يكون مجرد ادعاء زيادة أسماء الجهات، أو الطير، أو اللباس، لأنه قال: (كأنه زاد) ولم يقل: (أنه زاد)!
شيوع المجاز في اللغة العربية:
يذكر ابن جنى أن أكثر اللغة إذا تأملته مجاز "لا حقيقة" فعامة الأفعال، نحو: قام زيد، وقعد عمرو، وانطلق بشر، وجاء الصيف وانهزم الشتاء:
وذلك لأن الفعل يفيد معنى الجنسية، فقولك: قام زيد، معناه: كان منه القيام، أي هذا الجنس من الفعل، ومعلوم أنه لم يكن منه جميع القيام لأنه جنس، والجنس يطبق جميع الماضي، وجميع الحاضر، وجميع الآتي، من الكائنات من كل من وجد منه القيام، ولا يجتمع لإنسان واحد في وقت واحد القيام كله الداخل تحت الوهم، ولهذا فإن: (قام زيد) مجاز لا حقيقة، من وضع الكل موضع البعض.
والدليل على انتظام الفعل لجميع جنس القيام: أنك تعمله في جميع أجزائه، فتقول، قمت قومة، وقمت قومتين، ومائة قومة؛ وقياماً حسناً فإعمالك إياه في جميع أجزائه دليل على أنه موضوع عندهم على صلاحه لتناول الجنس كله.
ولهذا قال الشاعر:
لعمري لقد أحببتك الحب كله ... وزدتك حباً، لم يكن قبل يعرف
فاستغرق الحب كله، واستوعبه.
وقال الآخر:
وقد يجمع الله الشتيتين بعد ما ... يظنان كل الظن أن لا تلاقيا!
فقوله: (كل الظن) يدل على ما ذهب إليه ابن جنى.
стр. 178
وكذلك: قولك: (ضربت عمراً) مجاز - أيضاً - من جهة التجوز في الفعل، وهو أنك ربما تكون قد ضربت بعضه، لا جميعه، بأن تكون قد ضربت يده، أو إصبعه، أو ناحية من نواحي جسده، ولهذا إذا احتطاط الإنسان جاء ببدل البعض، فقال: ضربت زيداً، وجهه، أو رأسه، ومع ذلك يكون - أيضاً - متجوزاً لأنه قد يقول: ضربت زيداً رأسه، فيبدل للأحباط، وهو إنما ضرب ناحية من رأسه، لا رأسه كله، ولهذا يحتاط بعضهم في نحو هذا بأن يقول: ضربت زيداً وجهه الأيمن، أو ضربته أعلى رأسه الأسمق، لأن أعلى الرأس قد تختلف أحواله فيكون بعضه أرفع من بعض! ! على أن وقوع التوكيد في اللغة العربية، أقوى دليل على شيوع المجاز فيها واشتماله عليها، فأنت تقول: قطع الأمير اللص ويكون القطع له بأمره لا بيده، فإذا قلت: قطع الأمير نفسه اللص، رفعت المجاز من جهة الفعل، وصرت إلى الحقيقة، لكن يبقى عليك التجوز من مكان آخر، وهو قولك: (اللص) لأنه لعله قطع يده، أو رجله، فإذا احتطت قلت، قطع الأمير نفسه يد اللص، أو رجله.
وكذلك تقول: جاء الجيش أجمع، ولولا أنه يحتمل أن يكون المجيء من بعضه، لما كان لقولك (أجمع) معنى.
على أن المجاز إذا أكثر عندهم لحق بالحقيقة، واستعمل استعمالها ومن تأكيد المجاز قولنا: قام زيد قياماً، وجلس عمرو جلوساً، وذهب سعيد ذهاباً، لأن تلك الأمثلة من باب المجاز - كما سبق-، ومع ذلك فاالأفعال فيها مؤكدة بالمصدر.
فالمجاز شائع في اللغة العربية بدليل وجود التوكيد فيها، وهو إذا ما شاع، استعمل استعمال الحقيقة، فأكد كما نؤكد الحقيقة.
(١٢ - الخصائص)
стр. 179
لزوم ما لا يلزم
أورد ابن جنى هذا الفن من فنون القول في باب عنوانه: (باب في التطوع بما لا يلزم) ويمكن تقسيمه إلى قسمين:
القسم الأول: التطوع بما لا يلزم في الشعر:
وهو - عنده -: أن يلزم الشاعر ما لا يجب عليه، ليدل بذلك على غزره وسعة ما عنده (١)
ومن الأمثلة التي ساقها؛ تجد أنه يتنوع أيضاً، إلى ما يلي:
١ - التزام الشاعر بالحرف الذي قبل الروى:
وقد مثل ابن جنى لهذا النوع بما أنشده الأصمعي:
وحسد أوشلت من حظاظها ... على أحاسي الغيظ واكتظاظها.
حتى ترى الجواظ من فظاظها ... مذلولياً بعد شذا أفظاظها
وخطة لا روح في كظاظها ... أنشطت عني عروتي شظاظها.
بعد احتكاء إربتي أشظاظها ... بعزمة جلت عشا ألفاظها
بحك كرش الناب لافتظاظها
стр. 180
معلقاً عليه بقوله: فالتزم في جميعها ما تراه من الظاء الأولى، مع كون الروى ظاء على عزة ذلك مفرداً من الظاء الأولى، فكيف به إذا انضم إليه ظاء قبله؟ ! .
وقلما رأيت في قوة الشاعر مثل هذا!
فهذا النوع - في رأي ابن جنى - دليل على قدرة الشاعر على امتلاك ناصية اللغة وشاهد على غزارة مادته اللغوية!
٢ - التزام الشاعر حرفين قبل الروى:
ومثل له بما أنشده أبو علي:
شلت يدا فارية فرتها ... وفقئت عين التي أرائها
مسك شبوب ثم وفرتها ... لو خافت النزع لأصغرنها.
فلزم التاء والراء، وليست واحدة منهما بلازمة، والقطعة هانية، لكون ما قبل الهاء والساكر لا وصل له، ويجوز مع هذه القوافي: ذرها، ودعها (١).
٣ - التزام الشاعر تشديد حرف الروى:
ومنه ما رواه ابن جنى لأبي العالية: من قوله:
إني امرؤ أصفى الخليل الخلة ... أمنعه ودى وأرعى إله
وأبغض الزيارة الممله ... وأقطع المهامه المضلة
стр. 181
ليست بها لركبها تعله ... إلا نجاء الناجيات الجله
على هيل، أو على هيله ... ذات هياب جسرة شمله
ناحية في الخرق مشمعلة ... تنسل بعد العقب المكله
مثل انسياب العضب من ذي الخله ... وكأشح رقيت منه صله
بالصفح عن هفوته والزله ... حتى استللت صنغنه وغله!
وذلك حيث التزم اللام المشددة في جميع الأرجوزه.
٤ - التزام الشاعر تصغير القوافي:
ومثل لهذا النوع بما أنشه الأصمعي من مشطور السريع، وهي رائية طويلة التزم قائلها تصغير قوافيها - في أكثر الأمر - في إلا القليل النزر، وأولها:
عز على ليلى بذي سديز ... سوء مبيتي ليلة الغمير
مقبضا نفسي في طمير ... تجمع القنفذ في الجحير
تنتهض الرعدة في ظهيري ... يهفو إلى الزور من صديري
مثل هرير الهر، للهرير ... ظمآن في ريح وفي مطير
стр. 182
وأرزقر؛ ليس بالقرير ... من لدما ظهر إلى سحير
حتى بدت لي جبهة القمير ... لأربع غبرن من شهير
ثم غدوت غرضا من فوري ... وقطقط البلة في شعير
وبعد أن يتم ابن جنى القصيدة كلها؛ يقول: أفلا ترى إلى قلة غير المصغر في قوافيها؟ ؛ وهذا أفخر ما فيهان وأدلة على قوة قاتلها، وأنه إنما لزم التصغير في أكثرها سباطه وطبعاً؛ لا تكلفاً وكرهاً.
والدليل على أن هذا الالتزام من الشاعر إنما هو طبع لا تكلف - كما يرى ابن جنى - أنه لو كان منه تجشماً وصنعة، لتحامي غير المصغر ليتم غرضه، ولا ينقض عليه ما اعتزمه (١).
٥ - التزام الشاعر بلام التعريف في آخر مصراع كل بيت:
ومن ذلك ما أنشده أبو بكر محمد بن علي عن أبي إسحاق لعبيد، من قوله:
يا خليلي أربعاً واستخبرا الـ ... منزل الدارس من أهل الخلال
مثل سحق البرد عني بعدك الـ ... قطر وتأويب الشمال
ولقد يغني به جيرانك الـ ... ممسكو منك بأسباب الوصال
стр. 183
ثم أودى ودهم إذ أزمعوا الـ ... بين والأيام حال بعد حال
فانصرف عنهم بعنس كالوأى الـ ... جأب ذي العانة أو شاة الرمال
نحن قدنا من أهاضيب الملا الـ ... خيل في الأرسال أمثال السعالي
شرباً يعسفن من مجهوله الـ ... أرض وعثا من سهول أو رمال
فانتجعنا الحارث الأعرج في ... جحفل كالليل خطار العوالي
إلى أن أتم القصيدة كلها، رقادها على أن آخر مصراع كل بيت منها منته إلى لام التعريف، غير بيت واحد، وهو قوله:
فانتجعنا الحارث الأعرج
فصار هذا البيت الذي نقض القصيدة أن تمضي على ترتيب واحد هو أفحر ما فيها - على حد تعبير ابن جنى - وذلك لأنه دل على أن هذا الشاعر. إنما تساند إلى ما في طبعة، ولم يتجشم إلا ما في نهضته ووسعة، من غير اغتصاب له، واستكراه ألجأه إليه، إذا لو كان ذلك على خلاف ما حددناه، وأنه إنما صنع الشعر صنعاً، وقابله بها ترتيباً ووضعاً، لكان قمنا ألا ينقض ذلك كله يبيت واحد يوهيبه ويقدح فيه (١) وهذا واضح.
ومما ذكره ابن جنى غير تلك الأنواع التي يلتزم فيها الشاعر بما لا يلزمه: التزامه بحرف التأسيس في القافية، والتزامه بحركة ما قبل الروى، والتزامه بأن تكون الكلمة التي بها القافية معربة إعراباً واحداً وهكذا.
стр. 184
ثم يذكر أن أكثر هذه الالتزامات إنما خصت بالشعر، لأن الشاعر يحظر على نفسه ما تبيحه الصنعة له إدلالا، وتعجرفاً. واقتدراراً، وتعالياً وهو كثير (١).
القسم الثاني: التطوع بما لا يلزم في غير الشعر:
وهو - أيضاً - يتنوع إلى الأنواع التالية:
١ - التطوع بما لا يلزم في إجابة السؤال: وذلك كقولك - في جواب من سألك -: أي شيء عندك؟ زيد، أو عمرو، أو محمد الكريم، أو على العاقل، لأن جوابه الذي لا يقتضي السؤال غيره، هو أن يجيبه بنكرة في غاية الشيوع، فيقول: جسم، فإذا تطوعت زيادة على هذا، قلت: حيوان، فإذا تطوع شيئاً آخر، قال: إنسان، فإذا تطوع بشيء آخر، قال: رجل، فإذا زاد في التطوع شيئاً آخر، قال: رجل عاقل، أو نحو ذلك، فإذا تطوع شيئاً آخر، قال: زيد أو عمرو، أو نحو ذلك.
فهذا كله تطوع بما لا يوجبه سؤال هذا السائل (٢).
стр. 185
٢ - التطوع المشام للتوكيد:
ومنه قوله الله تعالى: "وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين" (١).
وقوله تعالى: "ومناة الثالثة الأخرى" (٢)
وقولهم: مضى أمس الدابر، وأمس المدبر؛ وأنشد الأصمعي:
وأبي الذي ترك الملوك وجمعهم ... بصهاب هامدة؛ كأمس الدابر
وقال عمران بن حطان (٣):
خبلت غزالة قلبه بفوارس ... تركت منازله كأمس الدابر
على أن ابن جنى قد أعاد هذه الأمثلة في موضع آخر من كتابه على أنها من التأكيد بالصفة؛ وذلك أنه قد عقد باباً "في الاحتياط" بين فيه أن العرب إذا أرادت المعنى مكنته، وأحتاطت له؛ وأن من ذلك الاحتياط: التوكيد، وأنه على ضربين:
أحدهما: تكرير الأول بلفظه؛ نحو: قام زيد قام زيد.
والثاني: تكرير الأول بمعناه؛ وأنه على ضربين: أحدهما للإحاطة والعموم والآخر: للتثبيت والتمكين؛ فالأول: كقولنا: قام القوم كلهم، والثاني نحو قولك: قام زيد نفسه.
ثم قال: وقد يؤكد بالصفة، كما تؤكد هي؛ نحو قولهم: أمس الدابر،
стр. 186
وأمس المدبر وقول الله - عز اسمه - (إلهين اثنين)، وقوله تعالى: (ومناة الثالثة الأخرى) وقوله سبحان: (فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة) (١).
٣ - التطوع بالحال المؤكدة:
ومنها قول الله تعالى: "ثم وليتم مدبرين"
وقول ابن دارة:
أنا ابن دارة معروفاً بها نسبي ... وهل بدارة يا لله من عار؟ !
وأما قول الله تعالى: "ولا طائر يطير بجناحيه" (٢) فقد جوز فيه ابن جنى أمرين:
أولهما: أن يكون مفيداً معنى جديداً، وذلك لأنه ربما يفهم الطيران في الآية الكريمة على أنه مجاز عن السرعة، لأنه قد جاء مجازاً على ألسنة الشعراء، ومن ذلك بيت الكتاب:
وطرت بمنصلي في يعملات ... دوامي الأيد يخبطن السريحا
وقال العجاج:
طرنا إلى كل طوال أعوجا
وقال قريط بن أنيف العنبري:
стр. 187
قوم إذا الشر أبدي ناجذيه لهم ... طاروا إليه زرافات ووجداناً
فيكون قوله تعالى: (يطير بجناحيه) على هذا مفيداً، أي ليس الغرض تشبيهه بالطائر ذي الجناحين، بل هو الطائر بجناحيه ألبته وكذلك قوله "فخر عليهم السقف من فوقهم".
فقد يكون قوله تعالى: (من فوقهم) مفيداً، أي معنى جديداً، وذلك أنه قد يستعمل في الأفعال الشاقة المستثقلة، على قول من يقول: سرنا عشراً، وبقيت علينا ليلتان وقد حفظت القرآن وبقيت على منه سورتان، وقد صمنا عشرين من الشهر وبقيت علينا عشر، وكذلك يقال في الاعتداد على الإنسان بذنبوبه، وقبيح أفعاله: قد أخرب على ضيعني، وموت على عواملي، وأبطل على انتفاعي فعلي هذا لو قيل: فخر عليهم السقف، ولم يقل: من فوقهم، لجاز أن يظن به أنه كقولك: قد خربت عليهم ديارهم، وقد أهلكت عليهم مواشيهم وغلاتهم، وقد تلفت عليهم تجارتهم، فإذا قال: (من فوقهم) زال ذلك المعنى المحتمل، وصار معناه: أنه سقط وهم من تحته، وهذا معنى غير الأول (١).
إفادة البلاغيين من هذا الباب:
هذا الباب أشار إليه - قبل ابن جنى - عبد الله بن المعتز، المتوفى سنة ٢٩٦ هـ، وسماه إعنات الشاعر نفسه، وجعله الثاني عشر من مسحنات الكلام في كتاب البديع؛ وهو عنده: أن لا يكتفي الشاعر يروي واحد؛
стр. 188
بل يضيف إليه التزام الحرف السابق له (١).
ولكن ابن جنى قد وسع دائرته - كما رأيت - فشمل الشعر والنثر جميعاً.
وألم ابن حيدر البغدادي المتوفى سنة ٥١٧ هـ بتعريف ابن جنى الذي أسلفناه؛ وهو: (أن يلتزم الشاعر ما لا يجب عليه ليدل بذلك على غزره، وسعة ما عنده) فعرفه ابن حيدر بقوله: (أن يلتزم الشاعر في القوافي ما لا يلزمه إبانة عن اقتداره، وتوسعه، وفسحة مجال فكره) (٢).
أما أبو العلاء المعري المتوفى سنة ٤٩٩ هـ؛ فقد ألف كتاباً أسماه: "لزوم ما لا يلزم" وقال في خطبته: وجمعت هذا كله في كتاب لقبته (لزوم ما لا يلزم)؛ ومعنى هذا: أن القافية تلزم لها لوازم لا يفتقر إليها حشو البيت (٣).
وقد جعله ابن الأثير شاملاً للنثر والشعر جميعاً؛ وأخذ من ابن جنى التزام الشاعر بتصغير القوافي، فجعله ملحقاً بلزوم ما لا يلزم، قائلاً، وأعلم أنه إذا صغرت الكلمة الأخيرة من الشعر أو من فواصل الكلام المنشور، فإن كل ذلك ملحق باللزوم، ويكون التصغير عوضاً عن تساوي الحروف التي قبل روى الأبيات الشعرية، والحروف التي قبل الفاصلة من النثر،
стр. 189
ثم أتى بنفس الأبيات التي مثل بها ابن جنى للقوافي المصغرة، وهي قول بعضهم (١):
عز على ليلي بذي سدير ... سوء مبيتي ليلة الغمير
مقبضاً نفسي في طمير ... تنتهز الرعدة في ظهيري
يهفو إلى الزور من صد يرى ... ظمان في ريح وفي مطير
وازر قر ليس بالغرير ... من لد ما ظهر إلى سحير
حتى بدت لي جبهة القمير ... لأربع خلون من شهير
ثم نقل ابن الأثير، من هذا الباب - أيضاً - ما أسماه ابن جنى: التطوع المشام للتوكيد، أو ما أسماه: التأكيد بالصفة، والتطوع بالحال المؤكدة وأمثلتها، وهي: قوله تعالى: "فخر عليهم السقف من فوقهم" وقوله تعالى: "فإذا انفخ في الصورة نفخة واحدة" وقوله تعالى: "أفرأيتم اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى"، وجعل ذلك كله قسماً من أقسام الإطناب بالتأكيد وذلك لأنه رأى ابن جنى يجعل تلك الأمثلة من التأكيد بالصفة، حيث جعلها من باب احتياط العرب للمعاني بتأكيدها، ولكن ابن الأثير لم يشر إلى صاحب الفضل في هذا وهو ابن جنى!
بل إن ابن الأثير عندما قرأ في خصائص ابن جنى: أن مثل قوله تعالى: "فخر عليهم السقف من فوقهم"، يفيد قوله فيه (من فوقهم) فائدة، قال: وهذه المواضع وأمثالها، ترد في القرآن الكريم، ويتوهم بعض الناس أنها ترد لغير فائدة اقتضتها، وليس الأمر كذلك، فإن
стр. 190
هذه الأسرار البلاغية لا يتنبه لها إلا العارفون بها، وهكذا يردها يرد منها في كلام العرب (١).
وهكذا نجد أن ابن الأثير قد نقل شطراً من "التطوع بما لا يلزم" عند ابن جنى وجعله في لزوم ما لا يلزم، ونقل شطراً آخر منه، وجعله قسماً من أقسام الإطناب بالتأكيد، ولم يشر إلى المصدر الذي نقل عنه!
стр. 191
مسائل متفرقة
١ - القصر في تقديم النكرة على الفعل
وقد جاءت هذه المسألة البلاغية، التي تضمنت القصر عن طريق تقديم النكرة على الفعل في باب إصلاح اللفظ؛ إجابة على اعتراض افترضه ابن جنى يفيد أنه لا يبتدأ بالنكرة؛ وقد حكى عن العرب: (أمت في حجر لا فيك)، وقولهم: (شراهر ذا ناب)، وقولهم: (سلام عليك)، قال الله : (سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفياً) وقال: (ويل للمطففين) ونحو ذلك، والمبتدأ في جميع هذا نكرة مقدمة.
وأجاب ابن جنى بأن قوله: (سلام عليك) و (ويل له) و (أمت في حجر لا فيك) فإنه إنما جاز، لأنه ليس في المعنى خبراً، وإنما هو دعاء ومسألة؛ أي ليسلم الله عليك، وليلزم الويل، وليكن الأمت في الحجارة لا فيك، والأمت هو: الانخفاض والارتفاع، والاختلاف، قال الله : "لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً" أي لاختلافاً، ومعناه. أبقاك الله بعد فناء الحجارة.
وأما قولهم (شراهر ذا ناب) فإنه إنما جاز الإبتداء فيه بالنكرة، لأن الكلام فيه عائد على معنى النفي، أي ما أهر ذا ناب إلا شر، وإنما جاء الكلام كذلك، لأن الخبرية عليه أقوى، لأنك لو قلت: أهر ذا ناب شر كنت قد أخبرت بخبر غير مؤكد ولكنك لو قلت: ما أهر ذا ناب إلا شر، كان ذلك أوكد.
والدليل على هذا: أن قولك: ما قام إلا زيد أوكد من قولك: قام زيد. وإنما احتيج إلى التوكيد في هذا الموضع، لأنه أمر مهم، لأن قائل
стр. 192
هذا القول سمع هرير كلب، فخاف أن يكون لطارق شر، فقيل، شر أهر ذا ناب أي: ما أهر ذا ناب إلا شر، تعظيماً عند نفسه أو عند مستمعه (١).
وقد فهم ابن جنى من تقديمهم النكرة على الفعل في هذا المثال: أنهم يريدون بذلك تأكيد الخبر، لأن عدم تقديمها، لا يفيد تأكيداً، لأن قولك ما قام إلا زيد، آكد من قام زيد، وقد جاء التوكيد من طريق القصر، فتقديم النكرة على الفعل هنا إنما هي لإفادة القصر.
وقد بين ابن جنى - أيضاً - أن الحال هنا تقضي التأكيد، لأن الأمر مهم، وقد راعي حال المخاطب، وحال المتلم جميعاً، عندما قال: "فقال: شر أهر ذا ناب، أي: ما أهر ذا ناب إلا شر، تعظيماً عند نفسه أو عند مستمعه.
فمطابقة الكلام لمقتضى الحال يجب أن ينظر فيها إلى حال المخاطب، والمتكلم - أيضاً - عند ابن جنى، خلافاً لما عليه المتأخرون الذين يقسمون الخبر باعتبار حال المخاطب، إلى ابتدائي، وطلبي، وإنكاري (٢) ولم يراعوا حال المتكلم.
إفادة عبد القاهر من تلك المسألة:
وقد أفاد الإمام عبد القاهر من تلك المسألة؛ حيث أراد أن يثبت أن تقديم النكرة على الفعل يفيد الوحدة، أو الجنس، وهو يحتملهما معاً، إلا أنك إذا قصدت أحدهما دون الآخر، صار هذا الآخر - بأن لم يدخل في القصد - كأنه لم يدخل في دلالة اللفظ فإذا قلت: (رجل جاني) لم يصلح حتى تريد أن تعلمه أن الذي جاءك رجل لا امرأة ويكون كلامك مع من
стр. 193
قد عرف أن قد أتاك آت، فإن لم ترد ذاك كان الواجب أن تقول، جاءني رجل، فتقدم الفعل.
وقولهم (شر أهر ذا ناب) إنما قدم فيه (شر)، لأن المراد أن يعلم أن الذي أهر ذا الناب من جنس الشر، لا من جنس الخير فجزى مجرى أن تقول: رجل جاءني، تريد أنه رجل لا امرأة.
ثم يقول عيد القاهر - وهو يعني ابن جنى-: وقول العلماء: إنه إنما يصلح لأنه بمعنى: (ما أهر ذا ناب إلا شر) بيان لذلك ألا ترى أنك لا تقول: ما أتاني إلا رجل إلا حيث يتوهم السامع أنه قد أتتك امرأة؟ !
وذلك لأن الخبر بنقض النفي يكون حيث يراد أن يقصر الفعل على شيء، وينفي عما عداه فإذا قلت: ما جاءني إلا زيد كان المعنى إنك قد قصرت المجيء على زيد، ونفيته عن كل من عداه، وإنما يتصور قصر الفعل على معلوم، ومتى لم يرد بالنكره الجنس لم يقف منها السامع على معلوم، حتى، يزعم أني أقصر له الفعل علي، وأخبره، وأنه كان منه دون غيره.
فتقدم النكرة على الفعل في قولهم (شراهر ذا ناب) يفيد قصر الفعل على جنس الشر.
فالنكرة إذن على أصلها، من كونها لواحد من الجنس، إلا أن القصد منك لم يقع إلى كونه واحداً في قولك: أرجل أتاك أم امرأة؟ وإنما وقع إلى كونه من جنس الرجال، وعكس هذا إذا قلت أرجل أتاك أم رجلان؟ كان القصد منك، إلى كونه واحداً، دون كونه رجلاً (١).
فابن جنى قد اكتشف من قولهم: (شر اهر ذناب) أنهم إنما قالوا ذلك لإصلاح اللفظ، ليفيد التأكيد، عن طريق القصر، لأن أصل اللفظ هو: (أهر ذا ناب شر)، فقدموا النكرة على الفعل، فأفاد التركيب معنى
стр. 194
(ما أهر ذا ناب إلا شر)، وبهذا عرف ابن جنى أن ما في العبارة إنما هو تأكيد بطريق القصر لأن الحال يقتضي التأكيد، وقد راعى المتكلم حال نفسه، أو حال المخاطب.
ولكن عبد القاهر كان أبعد نظراً من ابن جنى في هذه المسألة، فهو لم يقف على إفادة تقديم النكرة على الفعل القصر. وإنما رأى أن مثل هذا التقديم مفيد للواحد من الجنس، فإذا قلت رجل جاءني أي لا امرأة" كان قصدك إلى إفادته الجنس وإذا قلت: رجل جاءني أي لا رجلان، كان قصدك إلى إفادته الوحدة؛ فالقصر في قولهم: (شر أهر ذا ناب) أفاد قصر الفعل على جنس البشر؛ أي إن الذي أهر ذا ناب إنما هو من جنس الشر.
٢ - الكناية بلفظ (مثل)
وهذه المسألة البلاغية قد عرض لها ابن جنى من خلال رده على من يعتقدون زيادة (مثل) في نحو قولنا: (مثلي لا يأتي القبيح) و (مثلك لا يخفى عليه الجميل)؛ أي: أنا كذلك، وأنت كذلك، وعليه قوله:
مثلي لا يحسن قولا فعفع
أي: أنا لا أحسن ذاك.
وابن جنى لا ينكر أن يكون المعنى هو ما قدروه، وإنه لصحيح؛ ولكن تأويله غير الذي ذكروه من زيادة مثل؛ وإنما تأويله: أنا من جماعة لا يرون القبيح، وإنما جعله من جماعة هذه حالها، ليكون أثبت للأمر؛ إذ كان له فيه أشباه وأضراب؛ ولو انفرد هو به لكان غير مأمون انتقاله منه، وتراجعه عنه؛ فإذا كان له فيه نظراء كان جديراً بأن يثبت عليه وترسو قدمه فيه.
(١٣ - الخصائص)
стр. 195
وعليه قول الشاعر: (١)
ومثلي لا تنبو عليك مضاربه
فعلي رأى القائلين بزيادة (مثل) لا يكون في العبارات السابقة كناية، ولكن فهم ابن جنى لطبيعة هذا الأسلوب، قد اطلعنا على ما فيه من كناية لطيفة إذ جعله من قوم لا يأتون القبيح ليكون أثبت للأمر الذي يريد وصفه به؛ وهو أنه لا يأتي القبيح؛ فله في هذا الأمر أشباه وأضراب؛ فليس بدعا في البعد عن القبيح؛ لأنها طبيعة قوم نشأ بينهم، وسار على هديهم.
إفادة البلاغيين من هذه المسألة:
أفاد عبد القاهر من هذه المسألة في: ما يرى تقديم الاسم فيه كاللازم، ولكنه لم يغفل عما فيه من كناية، فقد بين طريق الكناية فيه؛ مهتدياً بطريقة ابن جنى، وهي بيان الصفة التي يراد إثباتها مصحوبة بالدليل على ثبوتها لمن يراد إثباتها له؛ فبين أن مما يرى تقديم الاسم فيه كاللازم (مثل) و (غير) في نحو قول أبي الطيب المتنبي:
مثلك يثنى المزن عن صوبه ... ويسترد الدمع عن غربه
وقول الناس: (مثلك رعى الحق والحرمة) وكقول الذي قال له الحجاج: لأحملنك على الأدهم، يريد القيد، فقال على سبيل المغالطة: ومثل الأمير يحمل على الأدهم، والأشهب، وما أشبه ذلك مما لا يقصد فيه بمثل إلى إنسان سوى الذي أضيف إليه ولكنهم يعنون أن من كان مثله في الحال والصفة، كان من مقتضى القياس، وموجب العرف والعادة، أن يفعل ما ذكر، أو لا يفعل.
стр. 196
ولهذا قال أبو الطيب بعد هذا البيت:
ولم أقل: مثلك أعني به ... سواك؛ يا فرداً بلا مشبه
فأبو الطيب لا يعني بمثل غير الممدوج، وإنما أراده هو، على طريق الكناية وقد طبق عبط القاهر هذا على (غير)، إذا سلك بها هذا المسلك فقيل: غيري يفعل ذاك - على معنى أني لا أفعله، لا أن يومي بغير إلى إنسان فيخبر عنه بأنه يفعل ذلك:
ومثله قول المتنبي:
غيري بأكثر هذا الناس ينخدع
لأنه لم يرد أن يعرض بواحد كان هناك، فيصفه بأنه مضعوف، يغر ويخدع وإنما أراد: إني لست ممن ينخدع ويغتر.
وكذلك قول أبي تمام:
وغيري يأكل المعروف سحتا ... وتشحب عنده بعض الأيادي
فهو لم يعرض - مثلاً - بشاعر سواه، فيزعم أن الذي قرف به عند الممدوح، من أنه هجاه، كان ذلك من الشاعر "لا منه" فليس إلا أنه نفى عن نفسه أن يكون ممن يكفر النعمة ويلؤم.
فاستعمال (مثل) و (غير) - إذا جاءنا على هذا السبيل - شيء مذكور في الطباع، وجاء في عادة كل قوم (١)
وهكذا نجد أن عبد القاهر قد أفاد من تلك المسألة أن (مثل) إذا لم يرد بها غير ما أضيفت إليه، تقدم أبداً، وقاس (غير) على مثل، فأعطاها حكمها في التقديم، لأنها تأتي على طريقتها في الكناية
стр. 197
فلم يكن مقصد عبد القاهر - هنا - أن يتحدث عن الكناية - وإن جاء ذكرها تبعاً - ولكن ضياء الدين بن الأثير، قد عثر على ضالته - في الكناية - عندما قرأ كلام ابن جنى عن (مثل)، فنقل ما قاله، ولكن بتصرف في العبارة عنه ولم يشر على هذا النقل، فقال (١): ومن لطيف هذا الموضع وحسنه: ما يأتي بلفظه مثل: كقول الرجل إذا نفى عن نفسه القبيح: (مثلي لا يفعل هذا)، أي أنا لا أفعله، فنفى ذلك عن مثله، ويريد نفيه عن نفسه، لأنه إذا نفاه عمن يماثله، ويشبهه، فقد نفاه عن نفسه لا محالة، إذ هو ينفى ذلك عنه أجدر وكذلك يقال: "مثلك إذا سئل أعطى" أي أنت إذا سئلت أعطيت؛ وسبب ورود هذه اللفظة في هذا الموضع: أنه لم يجعله من جماعة هذه أوصافهم، وتثبيتاً للأمر. وتوكيداً؛ ولو كان فيه وحده لقلق منه موضعه، ولم يرس فيه قدمه.
ولا يخفى عليك ما بين تلك العبارة التي أثبتناها لابن الأثير. وبين عبارة ابن جنى: "وإنما جعله من جماعة هذه حالها، ليكون أثبت للأمر، إذ كان له فيه أشياء وأضراب، ولو انفرد هو به لكان غير مأمون انتقاله منه، وتراجعه عنه، فإذا كان له فيه نظراء كان حرى أن يثبت عليه، وترسو قدمه فيه" (٢) ولكن ابن الأثلم لم يشر هنا إلى ما قاله ابن جنى!
ثم أورد ابن الأثير ما جاء منها في القرآن الكريم، وهو قول الله تعالى: "ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير" (٣)، مبيناً أن الفرق بين قوله: ليس كمثله شيء وبين قوله: ليس كالله شيء هو ما أشار إليه - من أنه إذا نفى الشيء عن مثله فقد نفاه عنه لا محالة - وإن كان الله ، لا مثل له حتى يكون لمثله مثل. وإنما ذكر ذلك - على حد تعبيره - على طريق المجاز، قصداً للمبالغة.
стр. 198
وأنت ترى أن ابن الأثير هنا قد عبر بالمجاز عن الكناية، لأنه يتابع ابن رشيق في عد كل من التشبيه والكناية في المجاز (١).
وقد نقل الخطيب ما قاله عبد القاهر عن مثل وغير نقلاً يكاد يكون حرفياً، ولكنه أشار إلى ذلك في مقدمة كتابه الإيضاح بقوله وعمدت إلى ما خلا عنه المختصر مما تضمنه مفتاح العلوم، وإلى ما خلا عنه المفتاح من كلام الشيخ الإمام عبد القاهر الجرجاني - رحمه الله تعالى - في كتابيه: "دلائل الإعجاز، وأسرار البلاغة" وإلى ما تيسر النظر فيه من كلام غيرهما (٢).
٣ - من صور الالتفات: الالتفات من الخطاب إلى الغيبة:
وقد جاءت هذه الصورة على لسان ابن جنى، في باب خلع الأدلة، وهو يعني بالأدلة: أعلام المعاني في العربية، فالهمزة دليل الاستفهام. و (إن) دليل الشرط وهكذا؛ ويراد بالمعاني: المعاني التي تحدث في الكلام من خبر، واستخبار، ونحو ذلك.
وقد اتصل بما ذكره في هذا الباب موقف طريف، وهو: أن أصغر الناس قدراً قد يخاطب أكبر الملوك محلاً بالكاف من غير احتشام منه، ولا إنكار عليه، وذللق نحو قول التابع الصغير للسيد الخطير: قد خاطبت ذلك الرجل، واشتريت تينك الفرسين، ونظرت إلى ذينك الغلامين، فيخاطب الصاحب الأكبر، بالكاف، وليس الكلام شعراً، فتحتمل له جرأة الخطاب فيه، كقوله: لقينا بك الأسد، وسألنا منك البحر، وأنت السيد القادر، ونحو ذلك.
ويبين ابن جنى السر في جواز ذلك عنده بأنه إنما لم تخاطب الملوك
стр. 199
بأسمائها إعظاماً لها، إذ كان الاسم دليل المعنى، وجارياً في أكثر الاستعمال مجراه حتى دعا ذاك قوماً إلى أن زعموا، أن الاسم هو المسمى، فلما أرادوا إعظام الملوك وإكبارهم تجافوا، وتحانفوا، عن ابتذال أسمائهم التي هي شواهدهم، وأدلة عليهم، إلى الكناية بلفظ الغيبة. فقالوا: (إن رأى الملك - أدام الله علوه) و (نسأله - حرس الله ملكه -) ونحو ذلك، وتحاموا أن يقولوا: (إن رأيت) و (نحن نسألك).
ولكن لما خلعت عن هذه الكاف دلالة الاسمية، وجردت للخطاب ألبتة جاز استعمالها، لأنها ليست باسم، فيكون في اللفظ به ابتذال له، فلما خلصت هذه الكاف خطايا، ألبتة، وعربت عن معنى الاسمية استعملت في خطاب الملوك (١).
إفادة ابن الأثير من هذه المسألة:
لم يسلم ابن جنى من نقد ابن الأثير في هذه المسألة، وإن كان ابن الأثير لم يصرح باسم ابن جنى - هنا - لضعف نقده. وتراجعه عنه. وحتى لا يقال عنه إنه نقل عن ابن جنى فكرة مخاطبة الملوك بما يليق بهم!
يقول ابن الأثير: واعلم أن للمدح ألفاظاً تخصه، وللذم ألفاظاً تخصه، وقد تعمق قوم في ذلك، حتى قالوا: من الأدب ألا تخاطب الملوك ومن يقاربهم بكاف الخطاب، وهذا غلط بارد، فإن الله الذي هو ملك الملوك قد خوطب بالكاف في أول كتابه العزيز، فقيل: إياك نعبد، وإياك نستعين" وقد ورد أمثال هذا في مواضع من القرآن غير محصورة. ثم يبدأ ابن الأثير في التراجع عن نقده هذا.
فيقول: إلا أني قد راجعت نظري في ذلك، فرأيت الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم، والعوائد لا حكم لها، ولا شك أن العادة
стр. 200
قد أوجبت للناس مثل هذا التعمق في ترك الخطاب بالكاف، لكني تأملت أدب الشعراء والكتاب في هذا الموضع، فوجدت الخطاب لا يعاب في الشعر ويعاب في الكتابة، إذا كان المخاطب دون المخاطب درجة، وأما إن كان فوقه، فلا عيب في خطابه إياه بالكلف (١).
الرد على ابن الأثير:
والرد على ابن الأثير - هنا - من وجوه:
الأول: أن ابن الأثير - هنا قد ناقض نفسه، لأنه قد وصف الرأي القائل بأنه من الأدب ألا تخاطب الملوك ومن يقاربهم بكاف الخطاب، بأنه غلط بارد، ثم تراجع عن هذا الرأي بقوله إلا أني قد راجعت نظري في ذلك ... ".
الثاني: أن ابن جنى لم يقل عبارة ابن الأثير، وهي: من الأدب ألا تخاطب الملوك ومن يقاربهم بكاف الخطاب": وإنما يصف مرحلة من مراحل تطور التعبير، وهي المرحلة، التي كانت فيها الكاف تحمل معنى الاسمية واستعيض عنها بالالتفات إلى الغيبة في مخاطبة الملوك بقوله:
(إن رأي الملك أدام الله علوه) و (نسأله حرس الله ملكه).
فلما خلعت عن هذه الكاف دلالة الاسمية، وجردت للخطاب جاز استعمالها، لأنها ليست باسم فيون في اللفظ به ابتذال، فلما خلصت هذه الكاف خطاباً البتة وعريت عن معنى الاسمية استعملت في خطاب الملوك وصح أن يقال في مدحهم للملك: لقينا بك الأسد، وسألنا منك البحر،
стр. 201
وأنت السيد القادر، ونحو ذلك، وأما (أنت) فإن معها نفسها الاسم، وهو (أن) من (أنت)، فالاسم على كل حال حاضر.
الثالث: أن عبارة ابن الأثير: "وقد تعمق قوم في ذلك حتى قالوا: من الأدب ألا تخاطب الملوك ومن يقاربهم بكاف الخطاب" إنما هو ترجمة أمينة لقول ابن جنى: حتى دعا ذلك قوماً إلى أن زعموا أن الاسم هو المسمى، فلما أرادوا إعظام الملوك وإكبارهم تحاشوا وتجانفوا عن ابتذال أسمائهم التي هي شواهد وأدلة عليهم إلى الكناية بلفظ الغيبة" ومع هذا فإن ابن الأثير لم يشر إلى ابن جنى هنا.
٤ - التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي وعكسه:
هذا الموضوع، قد تحدث عنه ابن جنى بعمق (١) وربما كان حديثه - هنا - المنبع الذي عرف منه البلاغيون سر التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي، وعن الماضي بلفظ المستقبل، وهو أن التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي، يفيد تحقق الوقوع، وأن التعبير عن الماضي بلفظ المستقبل، إنما هو لاستحضار الصورة الماضية.
وبعد أن بين ابن جنى - في باب المستحيل، وصحة قياس الفروع على فساد الأصول - أنه من المحال، أن تنقض أول كلامك بآخره، وذلك كقولك: قمت غداً، وسأقوم أمس ونحو هذا، ثم افترض أن معترضاً قال: فقد تقول: (إن قمت غداً قمت معك)، وتقول: (لم أقم أمس)، وتقول: (أعزك الله، وأطال بقاءك) فتأتي بلفظ الماضي ومعناه الاستقبال، وقال: (رجل من بني سلول):
стр. 202
ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فمضيت ثمت قلت: لا يعنيني
أي: ولقد مررت وقال (الطرماح):
وإني لآتيكم تشكر ما مضى ... من الأمر، واستيجاب ما كان في غد
أي: ما يكون، وقال:
أوديت إن لم تحب حبو المحتنك
أي: أودى - وأمثاله كثيرة (١):
ويجيب ابن جنى بأن هذه المواضع المتجوزة، وما كان نحوها قد ورد أكثرها فيما حكاه عن أبي علي الفارسي، الذي كان قد سأل أبا بكر محمد بن مقسم (٢) عنه، في نحو هذا، فقال أبو بكر: كان حكم الأفعال: أن تأتي كلها بلفظ واحد، لأنها لمعنى واحد، غير أنه لما كان الغرض في صناعتها، أن تفيد أزمنتها، خولف بين مثلها، ليكون ذلك دليلاً على المراد فيها، قال: فإن أمن اللبس فيها جاز أن يقع بعضها موقع بعض، وذلك مع حرف الشرط؛ نحو: (إن قمت جلست)، لأن الشرط، معلوم أنه لا يصح إلا مع الاستقبال، وكذلك (لم يقم أمس) (٣) وجب لدخول لم ما لولا
стр. 203
هي لم يجز، .. ولأن المضارع أسبق في الرتبة من من الماضي؛ فإذا نفى الأصل كان الفرع أشد انتفاء.
وكذلك - أيضاً - حديث الشرط. في نحو إن قمت؛ جئت فيه بلفظ الماضي، الواجب تحقيقاً للأمر، وتثبيتاً له، أي: إن هذا وعده وفي به لا محالة كما أن الماضي واجب ثابت - لا محالة.
ونحو من ذلك: لفظ الدعاء، ومجيئه على صورة الماضي الواقع، نحو: (أيدك الله) و (حرسك الله)، إنما كان تحقيقاً له، وتفؤلاً بوقوعه أن هذا ثات بإذن الله، وواقع غير ذي شك؛ وعلى هذا يقول السامع للدعاء - إذا كان مريداً لمعناه - وقع إن شاء الله، ووجب - لا محالة - أن يقع ويجب.
فالغرض البلاغي من وضع الماضي موضع المضارع، هو: إرادة تحقق الوقوع والتأكيد على أنه واقع لا محالة، لأنه أراد الاحتياط للمعنى، فجاء بمعنى المضارع المشكوك في وقوعه بلفظ الماضي المقطوع بكونه، حتى كان هذا، قد وقع، وأستقر لا أنه متوقع مترقب (١)!
يقول ابن جنى بعد هذا الكلام، وهذا تفسير أبي علي عن ابي بكر؛ وما أحسنه!
ولله ابن جنى، ما أروعه، وهو يقدم لنا الفكرة رائعة، منسوبة إلى أصحابها الحقيقييين!
وأما وضع المضارع موضع الماضي، فقد ذكر ابن جنى أن الغرض
стр. 204
منه إنما هو حكاية الحال الماضية، والحال لفظها - أبداً - بالمضارع؛ نحو قولك: زيد يتحدث، ويقرأ أي: هو في حال تحدث وقراءة.
وعلى نحو من حكاية الحال في نحو هذا؛ قولك: (كان زيد سيقوم أمس)، أي: كان متوقعاً منه القيام فيما مضى (١).
وقد وضع ابن الأثير هذا النوع من أساليب الكلام في القسم الثالث من الالتفات - في رأيه - وسماه: الإخبار عن الفعل الماضي بالمستقبل، وعن المستقبل، بالماضي (٢)، وتابعه العلوي صاحب الطراز.
ولم يوافقه بقية المتأخرين على هذا الرأي، فوضعوه، في باب الاستعارة التبعية في الفعل. حيث تستعار صيغة الماضي لصيغة المضارع، للتنبيه على تحقق الوقوع، وأن ما هو للوقوع كالواقع، وتستعار صيغة المستقبل للماضي، لاستحضار الصورة العجيبة "أو حكاية الحال الماضية، وإن كان العلامة السبكي يرى أنه أشبه بالمجاز المرسل (٣).
стр. 205
٥ - حذف المسند لوقوعه جواباً عند سؤال مقدر:
وقد أورد ابن جنى هذه المسألة في باب مراعاتهم الأصول تارة، وإهمالهم إياها أخرى، وقد مثل لهذا بيت الكتاب:
ليبك يزيد، ضارع لخصوصه ... ومختبط مما تطيح الطوائح
لأن أول البيت مبنى على إطراح ذكر الفاعل، وآخره قد عوود فيه الحديث عن الفاعل، لأن تقديره فيما بعد: ليبكه مختبط مما تطيح الطوائح فدل قوله: ليبك، على ما أراده من قوله: ليبكه.
ومثل هذا قول الله تعالى: "إن الإنسان خلق هلوعاً" و"خلق الإنسان ضعيفاً" هذا مع قوله سبحانه: "إقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق" وقوله : "خلق الإنسان علمه البيان" وأمثاله كثيرة.
ثم قال ابن جنى: ونحو من البيت قول الله تعالى: "في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، يسبح له فيها بالغدو والآصال، رجال" أي يسبح له فيها رجال (١).
وابن جنى - هنا - لم يصرح بأن المحذوف جواب عن سؤال سائل مقدر؛ ولكن المتأخرين لما رأوه يقدر الفعل المبنى للفاعل في كل من البيت والآية الكريمة، جعلوه جواباً عن سؤال مقدر، تقديره في البيت: من يبكيه؟ وفي الآية الكريمة تقديره: من يسبح له فيها؟
стр. 206
فالحذف - عند الخطيب القزويني - لابد له من قرينة، كوقوع الكلام جواباً عن سؤال، إما محقق، كقوله تعالى: "ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض، ليقولون الله" وقوله: "ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء، فأحيا به الأرض بعد موتها، ليقولن الله، وأما مقدر نحو:
ليبك يزيد ضارع لخصومه
وقراءة من قرأ: "يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال" وقوله: كذلك يوحى إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم" ببناء الفعل للمفعول.
ثم يذكر الخطيب فضل هذا التركيب - وهو بناء الفعل للمفعول - على خلافه - وهو ببناء الفعل للفاعل ونصب يزيد، من وجوه:
أحدهما: أن هذا التركيب يفيد إسناد الفعل إلى الفاعل مرتين، إجمالاً ثم تفصيلاً.
والثاني: أن نحو: "يزيد" فيه ركن الجملة، لا فضلة.
والثالث: أن أوله غير مطمع للسامع في ذكر الفاعل؛ فيكون عند ورود ذكره، كمن تيسرت له غنيمة من حيث لا يحتسب (١).
٦ - أثر السجع في النفوس:
لا يعقد ابن جنى للسجع باباً مستقلاً، ولا يتحدث عنه من حيث تعريفه وإنما يأتي حديثه عن السجع عرضاً، من خلال حديثه في الرد على
стр. 207
من ادعى على العرب عنايتها بالألفاظ وإغفالها المعاني؛ وكأنما حديثه عن السجع إنما هو حديث عن المعاني؛ لا عن الألفاظ؛ لأن الألفاظ عنده خدم للمعاني؛ والعناية بالخادم عناية بالمخدوم؛ فالسجع عند العرب، والتزامها استمراره من بين الأدلة التي تقطع بأنها تعني بمعانيها قدر عنايتها بالألفاظ وهي كما تعني بألفاظها؛ فتصلحها، وتهذبها، وتراعيها، وتلاحظ أحكامها؛ بالشعر تارة، وبالخطب أخرى، وبالأسجاع التي تلتزمها، وتتكلف استمرارها، فإن المعاني أقوى عندها، وأكرم عليها، وأفخم قدراً، في نفوسها؛ لأن الألفاظ، لما كانت عنوان معانيها وطريقاً إلى إظهار أغراضها ومراميها، أصلحوها، ورتبوها، وبالغوا في تحييرها، وتحسينها ليكون ذلك أوقع في السمع، وأذهب بها، في الدلالة على القصد.
فالمثل إذا كان مسجوعاً، لذ لسامعه، فحفظه، فإذا هو حفظه، كان جديراً باستعماله، ولو لم يكن مسجوعاً، لم تأنس النفس به، ولا أنقت لمستمعه، وإذا كان كذلك لم تحفظه، وإذا لم تحفظه، لم تطالب أنفسها باستعمال ما وضع له، وجئ به من أجله.
وابن جنى بهذا، يبين لنا القيمة البلاغية للسجع، وهو تأثيره العجيب في النفوس فهو يجعلها تتقبل المعاني باستعذاب، وارتياح لإيقاعه، لما به من جرس آخد ممتع يجعل النفوس مشتافة لما وراءه من المعاني، والخواطر، والأفكار.
يقول ابن جنى: قال لنا أبو علي يوماً: قال أبو بكر، إذ لم تفهموا كلامي، فاحفظوه، فإنكم إذا حفظتموه. فهمتموه وكذلك الشعر: النفس له أحفظ و. إليه أسرع (١)
стр. 208
ومن هنا نفهم السر في نظم القدماء لبعض العلوم العربية؛ وذلك لأن نظمها يسهل عليهم حفظها، وحفظها يؤدي إلى تكرارها على أفهامهم، وتكرارها على أفهامهم يؤدي إلى فهمها.
على أن ابن جنى لم يبين لنا متى يحسن السجع، ومتى يقبح، وذلك لأنه لم يكن قاصداً في موضعه هذا السجع قصداً، وإنما جاء ذكر السجع دليلاً على عناية العرب بمعانيها، لأنهم إنما يلجأون إليه حفاظاً على ما وراءه من المعاني.
وبعد: الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله" وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه، وسلم،
حسن إسماعيل عبد الرازق
стр. 209
المصدر والمراجع
١ - القرآن الكريم
٢ - أثر النحاة في البحث البلاغي للدكتور عبد القادر حسين
٣ - أسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني (تعليق أحمد مصطفى المراغي بك)
٤ - أسرار البلاغة لبعد القاهر الجرجاني (تعليق السيد محمد رشيد رضا)
٥ - أسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني (تحقيق هـ. رينز)
٦ - إعجاز القرآن، للخطابي
٧ - الإرشاد، لياقوت
٨ - الأغاني، لأبي الفرج الأصفهاني (ط بولاق)
٩ - الأغاني، لأبي الفرج الإصفهاني (ط الساسي)
١٠ - الأمالي، لأبي علي القالي
١١ - الإيضاح، للخطيب القزويني (ط محمد علي صبيح ١٣٤٨ هـ)
١٢ - الإيضاح، للخطيب القزويني (دار الجيل ببيروت)
١٣ - البديع، لأسامه بن منقد (تحقيق د/ أحمد بدوي، ود/ حامد عبد المجيد)
١٤ - البديع، لعبد الله بن المعتز (ط كراتشفوفسكي)
١٥ - البرهان في وجوه البيان، لابن وهب (تحقيق د/ حفني شرف)
١٦ - البيان والتبيين، للجاحظ
١٧ - الحيوان، للجاحظ
١٨ - الخصائص، لأبي الفتح عثمان بن جنى (تحقيق الشيخ محمد علي النجار)
١٩ - الشعر والشعراء، لابن قتيبة (الطبعة الأولي)
٢٠ - الشعر والشعراء، لابن قتيبة (تحقيق أحمد محمد شاكر)
стр. 210
٢١ - الصبح المنبي عن حيثية المتنبي، للبديعي
٢٢ - الصناعتين، لأبي هلال العسكري
٢٣ - العمدة، لابن رشيق القيرواني
٢٤ - الكامل، للمبرد (الطبعة الأولى)
٢٥ - الكامل، للمبرد (مكتبة المعارف ببيروت)
٢٦ - الكتاب، لسيبويه
٢٧ - الكشاف، للزمخشري
٢٨ - المثل السائر، لابن الأثير (ط حجازي ١٣٥٤ هـ)
٢٩ - المثل السائر لابن الأثير (تحقيق د/الحوفي، ود/طبانة)
٣٠ - المجازات النبوية، للشريف الرضى
٣١ - المختار من شعر بشار
٣٢ - النجوم الزاهرة، لابن تغري بردي
٣٣ - النكت في إعجاز القرآن الكريم، للرماني (ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن
٣٤ - الموازنة بين الطائيين، للآمدى
٣٥ - الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء، للمررباني
٣٦ - الوساطة بين المتنبي وخصومه
٣٧ - إنباه الرواة، للقفطي
٣٨ - بغية الوعاة، للسيوطي
٣٩ - تاريخ آداب اللغة العربية لجورجي زيدان
٤٠ - تاريخ الأدب العربي، لبر وكلمان
٤١ - تاريخ الأمم الإسلامية (الدولة العباسية) للشيخ محمد الخضري
٤٢ - تاريخ بغداد، للخطيب
٤٣ - تلخيص البيان في مجازات القرآن، للشريف الرضى
(١٤ - الخصائص)
стр. 211
٤٤ - حاشية الدسوقي (ضمن شروح التلخيص)
٤٥ - خزانة الأدب "للبغدادي
٤٦ - دلائل الإعجاز، لعبد القاهر الجرجاني (تعلي السيد محمد رشيد رضا)
٤٧ - دلائل الإعجاز، لعبد القاهر الجرجاني (تعليق الشيخ أحمد مصطفى المراغي)
٤٨ - دمية القصر، للباخرزي
٤٩ - ديوان الحماسة، لأبي تمام
٥٠ - ديوان الفرزدق
٥١ - ديوان ذي الرمة
٥٢ - ديوان المعاني، لأبي هلال العسكري
٥٣ - شذرات الذهب في أخبار من ذهب، لأبن العماد
٥٤ - شرح المختصر، لسعد الدين التفتازاني
٥٥ - شرح ديوان الحماسة، للتبريزي
٥٦ - شرح ديوان جرير (ط دار الأندلس ببيروت)
٥٧ - شرح عقود الجمان، للسيوطي
٥٨ - شروح التلخيص
٥٩ - شواهد العيني
٦٠ - شواهد المغني، للسيوطي
٦١ - عروس الأفراح للعلامة السبكي
٦٢ - قانون البلاغة، لابن حيدر البغدادي
٦٣ - لزوم ما لا يلزم، لأبي العلاء المعري
٦٤ - لسان العرب، لأبن منظور
٦٥ - مختصر السعد، للتفتازاني
٦٦ - مرآة الجنان
٦٧ - مسالك الأبصار
٦٨ - معاهد التنصيص، للعباس
٦٩ - معجم الأدباء، لياقوت
٧٠ - مفتاح العلوم، للسكاكي (الطبعة الأولى)
٧١ - مفتاح العلوم، للسكاكي (دار الكتب العلمية ببيروت)
٧٢ - مواهب الفتاح، لابن يعقوب المغربي
стр. 212
٧٣ - نقد الشعر، لقدامة بن جعفر (تحقيق كمال مصطفي)
٧٤ - نقد الشعر، لقدامة بن جعفر (تحقيق د/ محمد عبد المنعم خفاجي)
٧٥ - وفيات الأعيان، لابن خلكان
٧٦ - يتيمة الدهر، للثعالبي
стр. 213
(المحتوى)
(أ) المقدمة:
وجوب اهتمام البلاغيين بالخصائص - كتاب الخصائص معين لا ينضب من خصائص النظم - كلام ابن جنى عن الغرض من كتابه - الكتاب يخاطب كل إنسان بما اعتاده - من حججه البلاغية - قول ابن جنى إن فائدة كناية ليست قاصرة على معرفة قواعد النحو، وإنما تتعدى إلى إثارة المعاني من مكامنها - خصائص النظم جزء من خصائص العربية - تتبع البلاغيين لمعاني النحو في الخصائص - عدم اهتمامهم بالكتاب الاهتمام الكافي - عدم إشارة ابن الأثير إلى الخصائص على الرغم من نقله الكثير منه - اعتراف الشريف الرضي بفضل ابن جنى - المنهج الذي سلكته في هذا البحث.
[٣ - ٨]
(ب) التمهيد:
أبو الفتح عثمان بن جنى: أصله - نشأته - صحبته لأبي علي الفارسي - لقاؤه بأبي الطيب المتنبي - قوله عن المتنبي: شاعرنا - تقدير المتنبي لابن جنى - نماذج من شعره - وفاته - تلاميذه - كتاب "الخصائص" - وصفه من إهدائه لبهاء الدولة بن بويه.
مواطن الإفصاح عن خصائص النظم، في كتاب "الخصائص": إقامة الدليل على صحة القضايا اللغوية - إقامة الدليل على صحة القضايا النحوية - إقامة الدليل على صحة القضايا النقدية - إقامة الدليل على صحة التعبير ببعض الجمل من الناحية العقلية - الإفصاح عن فلسفة العرب في التعبير - الإفصاح عن سر تنوع طرقهم في التعبير - بيان اختلاف النظم في الجمل مع جريانها على حسب قوانين النحو - الاستشهاد بخصائص النظم على صحة القضايا اللغوية.
[٩ - ٣٤]
стр. 214
خصائص النظم في خصائص العربية:
١ - من فصاحة الكلام:
(أ) الخلو من ضعف التأليف - ابن جنى له شطر هذا الباب - عامة البلاغيين لا يجيزون عود الضمير على متأخر لفظاً ورتبة، وابن جنى يجيزه - تفصيل ابن يعقوب المغربي لمسألة الإضمار قبل الذكر.
(ب) الخلو من التعقيد اللفظي: الفروق والفصول التي تؤدي إلى التعقيد اللفظي، أو المعاظلة عند أبي هلال وابن الأثير - كونها مؤذنة بعلو قدم الشاعر في الفصاحة عند ابن جنى - درجات القبح بين الفروق والفصول - أمثلة للفصول والتقديم والتأخير - إفادة البلاغيين من هذا الباب - إفادة القاضي الجرجاني - إفادة الخطيب - تخطئة أبي هلال لقدامة في المعاظلة إلمام ابن الأثير بما قاله أبو هلال، وابن جنى - هذا الضرب من الكلام ضد الفصاحة - ما يؤخذ من هذا الفصل.
[٣٥ - ٥٤]
٢ - الألفاظ والمعاني:
عناية العرب بالألفاظ عناية بالمعاني - مظاهر هذه العناية - الألفاظ أوعية للمعاني، وخدم لها - من المعاني ما يهجنه سوء التعبير عنه - تأثر ابن جنى بابن قتيبة في هذا - رده على ابن قتيبة - الاستشهاد بقول النبي ﷺ : (إن من البيان لسحراً) - إفادة عبد القاهر من رد ابن جنى، في الأسرار، والدلائل - موازنة بين رد ابن جنى، ورد عبد القاهر - إفادة السكاكي من هذا الرد بتقسيم الكناية إلى تعريض، وتلويح، ورمز، وإيماء أو إشارة - نقل ابن الأثير ما قاله ابن جنى عن أطراف الأحاديث.
[٥٥ - ٦٦]
стр. 215
٣ - قوة اللفظ لقوة المعنى:
تنبيه ابن الأثير، إلى جدواه في الدراسات البلاغية - اعتماد ابن الأثير على كل ما قاله ابن جنى - شمول هذا الباب لأمرين: قوة اللفظ لقوة المعنى، وتكثير اللفظ لتكثير المعنى - ما جاء منه في القرآن الكريم - ما جاء منه في الشعر العربي - ما يلحق بتكثير اللفظ لتكثير المعنى - سر هذا الباب - إفادة ابن الأثير من هذا الباب - ما نبه عليه ابن الأثير - لا يوجد هذا الباب إلا فيما فيه معنى الفعلية - قد يستعمل هذا الباب للمبالغة فينعكس المعنى فيه إلى ضده - ورود كلمة تحتمل التضعيف وغيره - قوة اللفظ لقوة المعنى لا تستقيم إلا في نقل صيغة إلى أخرى أكثر منها.
[٦٧ - ٧٢]
٤ - الإيجاز والإطناب:
أصل الكلام أن يكون مفيداً مستقلاً بنفسه - جاء في أشعارهم وصف الحديث بالإطناب، كما جاء ما يدل على وصفهم له بغاية الإيجاز - كما جاء ما يدل على وصفهم له بأنه وسط بينهما - لم يذكر ابن جنى المساواة التي نجدها عند ابن رشيق - يمكن أن يضم إلى الإطناب باب الاعتراض، وباب الاحتياط، بما فيه من التأكيد اللفظي، والمعنوي، والتأكيد بالصفة - يضم على الإيجاز: الحذف - شرطه عند ابن جنى - إطلاق ابن جنى عليه: شجاعة العربية - أنواع الحذف: حذف الجملة - حذف الجملة في الإنشاء: جملة القسم - جملة الأمر - جملة النهي - جملة التخصيص - حذف الجملة في الخبر: جملة الفعل والفاعل جملتا الشرط والجواب - جملة المعطوف والمعطوف عليه - حذف المفرد - حذف المبتدأ - حذف الخبر - حذف المضاف - حذف المضاف مكرراً - حذف المضاف إليه - حذف الموصوف - سر كثرته في الشعر دون النثر - قيام الصفة