← Адаб

Адаб · id 151015

خصائص النظم في «خصائص العربية» لابن جني

حسن إسماعيل عبد الرازق

Полный текст (221 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وعليه قول الله تعالى: "فما تنفعهم شفاعة الشافعين" (١)، أي: لا يشفعون لهم، فينتفعوا بذلك، يدل عليه قوله عز اسمه: "ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، وإذا كان كذلك، فلا شفاعة إلا لمن ارتضى الله، وبهذا تعلم أنهم لو شفع لهم لم ينتفوا بتلك الشفاعة، ومنه قولهم: (هذا أمر، لا ينادى وليده)، أي لا وليد فيه فينادى. ثم يفترض ابن جنى أن قائلاً قال: فإذا كان، لا منار به، ولا وليد فيه، ولا أرنب هناك، فما وجه إضافة هذه الأشياء إلى ما لا ملابسة بينها وبينه؟ ! ويجيب ابن جنى قائلاً: لا، بل هناك ملابسة، لأجلها صحت الإضافة وذلك: أن العرف أن يكون في الأرض الواسعة منار يهتدى به، وأرنب تحلها، فإذا شاهد الإنسان هذا البساط من الأرض خالياً من المنار، والأرنب ضرب بفكره إلى ما فقده منهما فصار ذلك القدر من الفكر وصلة بين الشيئين، وجامعاً لمعتاد الأمرين وكذلك إذا عظم الأمر واشتدا الخطب علم أنه لا يقوم له ولا يحضر فيه إلا الأجلاد وذوو البسالة، دون الولدان وذوى الفزاعة، فصار العلم بفقدان هذا الضرب من الناس وصلة فيه بينها وعذراً في تصاقبهما، وتداني حاليهما (٢).

стр. 142

موقف البلاغيين من هذا الباب: جعل ابن رشيق هذا النوع من الكلام باباً من المبالغة، وسماه: نفي الشيء بإيجابه، وعده من محاسن الكلام (١) وتابعه ابن أبي الإصبع في تسميته وعده من البديع. وبهذا يكون هذا الأسلوب - عندهما - داخلاً في علم البديع. وقد تابعهما العلامة السيوطي في هذا الرأي، فسماه - أيضاً - نفي الشيء بإيجابه، وعده في علم البديع (٢). ولكن ابن الأثير قد جعله النوع الثالث عشر من المقالة الثانية في الصناعة المعنوية وعرفه بأنه: نفي الشيء بإيجابه، وهو نفس العنوان الذي نجده عند ابن رشيق، ولكنه سماه "عكس الظاهر". وإنما سما "كذلك، لأنك تذكر كلاماً يدل ظاهره على أنه نفي لصفة موصوف، وباطنه نفي للموصوف أصلاً. ووقد بين ابن الأثير أن هذا الباب من مستطرقات علم البيان، وهو - وإن كان يطلق لفظه لبيان على البلاغة كلها - إلا أنك تشعر بأنه يميل بهذا الأسلوب إلى أن يكون في "المعاني" لأنه يضعه بعد "قوة اللفظ لقوة المعنى". على أن هذا النوع من الكلام لا نجد له ذكراً عند الخطيب، وإن كان ابن رشيق قد أتى بأمثله كثيرة منه. كما أن ابن الأثير، يرى أنه قليل الاستعمال، لأن الفهم يأباه، ولا يقبله

стр. 143

إلا بقرينة خارجة عن دلالة لفظه على معناه، وما كان عارياً عن القرينة لا يفهم منه ما أراد قائله. وقد مثل له ابن الأثير بقول علي ﵁ في وصف مجلس رسول الله ﷺ : "لا تنثى فلتاته"، أي لا تذاع، والمراد أنه لم يكن له فلتات فتثنى. ولم يجد ما يمثل به من الشعر إلا قول امرئ القيس: على لا حب لا يهتدى بمناره ... إذا ساقه العود الديا في جرجرا وقول عمرو بن أحمد الباهلي من أبيات يصف بها فلاة: لا تفزع الأرنب أهوالها ... ولا ترى الضب بها ينجحر ويبدو أنه نقلهما من خصائص ابن جنى، ويذكر أنه طوف على أقوال الشعراء، فلم يجد ما يمثل به لهذا النوع من الكلام من الشعر غير هذين (١) البيتين، مع أن ابن رشيق قد أورد فيه من الشعر قدراً، لا بأس به.

стр. 144

الدلالة اللفظية والصناعية والمعنوية كانت الدلالات عند الجاحظ شاملة للألفاظ، وغيرها، إذ كانت عنده خمسة أشياء لا تنقص ولا تزيد، أولها: اللفظ، ثم الإشارة، ثم العقد ثم الخط، ثم الحال (١). ثم وجدناها عند أبي الحسين إسحاق بن إبراهيم بن سليمان بن وهب أربعة أشياء: بيان الأشياء بذواتها، وهو ما سماه لسان الحال، وبيان الاعتقاد، وهو ما يحصل في القلب عند إعمال الفكر وبيان العبارة، وهو النطق باللسان للأخبار عما في النفس، وبيان بالكتابة، ليبلغ من بعد (٢) أو غاب، ثم وجدناها عند الرماني أربعة - أيضاً - هي الكلام، والحال والإشارة والعلامة (٣). ولكن حديث ابن جنى هنا - عن أنواع الدلالات - يختلف تماماً عما وجدناه عند الجاحظ، وابن وهب، والرماني، فقد قصر الحديث على دلالة اللفظ، ولعمري أنها لنظرة ثاقبة، فالدلالة اللفظية أنسب بالبلاغة من الدلالات غير اللفظية، لأنها محل بحث البلاغيين، وموضع اهتمامهم، "والذي ذهب إليه ابن جنى من قصر الدلالة على اللفظ، بأنواعه، أقرب إلى روح البلاغة، فليس من المنطق في شيء أن نعد كل ما يؤدي إلى الإفهام نوعاً من البلاغة، كالإشارة، والعلامة، بل ينبغي أن تكون البلاغة أبعد منالاً، وأرقى منزلة من مجرد الإفهام بمختلف الوسائل، وإلا اتصف الناس جميعاً بالبلاغة (٤)!

стр. 145

الدلالات: هي اللفظية، والصناعية، والمعنوية . مراتبها: أقوى هذه الدلالات هي اللفظية، ثم تليها الصناعية، ثم تليها المعنوية ومن ذلك: جميع الأفعال ففي كل واحد منها الأدلة الثلاثة. ففي (قام) - مثلاً - دلالة لفظه على مصدره، ودلالة بنائه على زمانه، ودلالة معناه على فاعله، فهذه ثلاث دلائل من لفظه، وصيغته، ومعناه. وإنما كانت الدلالة الصناعية أقوى من المعنوية من قبل أنها، وإن لم تكن لفظاً فإنها صورة يحملها اللفظ، ويخرج عليها، ويستقر على المثال المعتزم بها، فلما كانت كذلك لحقت بحكمه، وجرت مجرى اللفظ المنطوق به، فدخلاً بذلك في باب المعلوم بالمشاهدة، وأما المعنى: فإنما دلالته لاحقه بعلوم الاستدلال، وليست في حيز الضروريات. وذلك لأنك حين تسمع (ضرب) تعرف حدثه وزمانه، ثم تنظر فيما بعد، فتقول، هذا فعل ولابد له من فاعل، فليت شعري من هو؟ وما هو؟ فتبحث حينئذ، إلى أن تعلم الفاعل من هو؟ وما حاله من موضع آخر، لا من مسموع ضرب. والألفاظ أدلة على إثبات معانيها: فمن ذلك: قولهم: للسلم، (مرقاة) بكسر الميم وللدرجة (مرقاة) بفتحها فنفس اللفظ يدل على الحدث، وهو الرقى، وكسر الميم يدل على أنها مما ينقل، ويعتمل عليه، وبه، كالمطرقة، والمئزر، والمنجل، بكسر الميم فيها، ولكن فتح ميم مرفاه تدل على أنه مستقر في موضعه، كالمنارة والمثابة. فنفس (رقي) يفيد معنى الارتقاء، وكسر الميم وفتحها يدلان على

стр. 146

ما سبق، من معنى الثبات، أو الانتقال وكذلك، الضرب، والقتل: نفس اللفظ يفيد الحدث فيهما، ونفس الصيغة تفيد فيهما صلاحهما للأزمنة الثلاثة. وكذلك اسم الفاعل: نحو قائم وقاعد لفظه يفيد الحدث الذي هو القيام والقعود، وصيغته وبناؤه يفيد كونه صاحب الفعل. وكذلك قطع وكسر: فنفس اللفظ ههنا، يفيد معنى الحدث، وصورته تفيد شيئين أحدهما، الماضي، والآخر: تكثير الفعل. كما أن ضارب يفيد بلفظه الحدث، وببنائه الماضي، وكون الفعل من اثنين، وبمعناه على أن له فاعلاً (١). فالدلالات - عند ابن جنى - هي: اللفظية، والصناعية، والمعنوية وهو يمثل لها بجميع الأفعال: فدلالة الفعل على الحدث - أي المصدر - في رأيه - هي اللفظية؛ ودلالته على زمانه هي: الصناعية، ودلالة معناه على فاعله، هي المعنوية. غير أنه وجد أن الدلالة المعنوية لاحقة بعلوم الاستدلال، لأنك حين تسمع (ضرب) تعرف حدثه وزمانه، ثم تفكر بعد ذلك فيمن وقع منه الضرب من موضع آخر، لا من مسموع الضرب. ومن هنا تجد: أن الدلالة اللفظية، غير الدلالة المعنوية؛ وهي التي يسميها عبد القاهر، الدلالة العقلية، لأن طريقها هو العقل. وقد فرق عبد القاهر بين الدلالتين: اللفظية والعقلية - وهو يفرق

стр. 147

بين المجازين واللغوي والفعلي - بأن مما يجب ضبطه في هذا الباب: أن كل حكم يجب في العقل وجوباً، حتى لا يجوز خلافه فإضافته إلى دلالة اللغة، وجعله مشروطاً فيها محال، لأن اللغة تجري مجرى العلامات والسمات، ولا معنى للعلامة والسمة حتى يحتمل الشيء ما جعلت العلامة دليلاً عليه وخلافه (١).

стр. 148

الحقيقة والمجاز اللغويان تعريفهما: عرف ابن جنى الحقيقة بأنها: "ما أقر - في الاستعمال - على أصل في اللغة وأن المجاز هو: ما كان بضد ذلك، أي ما لم يقر - في الاستعمال - على أصل وضعه في اللغة (١). وقد ردد الإمام عبد القاهر - في الدلائل - هذا التعريف إذ قال: وذاك أن العادة قد جرت بأن يقال - في الفرق بين الحقيقة والمجاز-: إن الحقيقة: أن يقر اللفظ على أصله في اللغة، والمجاز: أن يزال عن موضعه، ويستعمل في غير ما وضع له (٢). وهذا التعريف لا يبعد كثيراً عن تعريف عبد القاهر للحقيقة في الاسم المفرد بأنها: "كل كلمة أريد بها ما وقعت له في وضع واضع، وقوعاً لا يستند إلى غيره" وتعريفه للمجاز في المفرد بأنه: "كل كلمة أريد بها غير ما وقعت له في وضع واضعها لملاحظة بين الثاني والأول" (٣). غير أن عبد القاهر هنا قد زاد عبارة: (الملاحظة بين الثاني والأول) وهي ما سمى عند المتأخرين بالعلاقة بين المعنى الحقيقي للفظ، والمعنى المجازي له. أما الخطيب القزويني، فقد عرف الحقيقة بأنها: الكلمة المستعملة

стр. 149

فيما وضعت له في إصطلاح به التخاطب، وعرف المجاز بأنه: الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له في اصطلاح به التخاطب، على وجه يصح، مع قرينة عدم إرادته (١). وقد زاد الخطيب هنا، وجود القرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقي للكلمة ليخرج الكناية من حيز المجاز. وأما قوله: (على وجه يصح) فقد قصد به اشتراط وجود العلاقة (٢) بين المعنيين الحقيقي والمجازي، فهو ترجمة لقول عبد القاهر: لملاحظة بين الثاني والأول. الفرق بين الحقيقة والمجاز: يفرق ابن جنى بينهما، بأن المجاز، إنما يقع، ويعدل إليه عن الحقيقة، لمعان ثلاثة، وهي: الاتساع، والتوكيد، والتشبيه، فإن عدمت هذه الأوصاف كانت الحقيقة ألبته. وبهذا الفرق بين الحقيقة والمجاز، أدخل التشبيه في حيز المجاز. ويمثل ابن جنى للمجاز، بقول النبي ﷺ في الفرس: هو بحر، فالمعاني الثلاثة موجودة فيه: أما الاتساع، فلأنه قد زاد في أسماء الفرس التي هي: فرس، وطرف، وجواد ونحوها: البحر، حتى إنه إن احتج إليه في شعر، أو سجع، أو اتساع، استعمل استعمال بقية تلك الأسماء، لكن لا يقضي إلى ذلك إلا بقرينة تسقط الشبهة، وذلك كأن يقول الشاعر:

стр. 150

علوت مطا جوادك يوم يوم ... وقد ثمد الجياد، فكان بحراً وكأن يقول الساجع: فرسك هذا، إذا سما بغرته كان فجراً، وإذا جرى إلى غايته، كان بحراً، ونحو ذلك، ولو عرى الكلام من دليل يوضح الحال لم يقع عليه بحر، لما فيه من التعجرف في المقال من غير إيضاح ولا بيان، لأنك لو قلت: رأيت بحراً. وأنت تريد: الفرس، لم يعلم بذلك غرضك، فلم يجز قولك، لأنه إلباس وإلغاز على الناس (١). ولعل هذا الذي قاله ابن جنى - هنا - من اشتراط وجود القرينة التي تسقط الشبهة في إرادة المعنى الحقيقي للكلمة، كان الأصل الذي أخذ منه البلاغيون للمجاز اللغوي شرط وجود القرينة المانعة من إرادة المعنى الأصلي للفظ (٢). كما أن قوله: "أما الاتساع، فلأنه قد زاد في أسماء الفرس التي هي فرس، وطرف وجواد، ونحوها: البحر" كان أصلاً لادعائهم دخول المشبه في جنس المشبه به، إذ قالوا: وإنما المراد أن المدعي بي إدعاءه على أن الأسد - مثلاً - جعل له بطريق التأول والمبالغة فردان متعارف، وهو الذي له الجراءة المتناهية، والغاية في القوة" في جثة ذي الأطفار، والأنياب، والشكل المخصوص. وغير متعارف: وهو فرد آخر له تلك القوة والجراءة بنفسها، لكن في جثة الأدمي وكأن اللفظ موضوع للقدر المشترك بينهما، كالمتواطئ" (٣).

стр. 151

ويمضي ابن جنى مبيناً ما في الحديث الشريف من تشبيه، وتوكيد، فيقول: وأما التشبيه: فلأن جريه يجري في الكثرة مجرى مائه. وأما التوكيد: فلأنه شبه العرض بالجوهر، وهو أثبت في النفوس منه، والشبه في العرض منتفية عنه، ألا ترى أن من الناس من دفع الأعراض، وليس أحد دفع الجواهر؟ ! ثم يمثل ابن جنى أيضاً بقول الله تعالى: "وأدخلناه في رحمتنا، مبيناً" أن فيه الأوصاف الثلاثة الماضية، وهي الاتساع، والتشبيه، والتوكيد أما الاتساع، فلأنه كأنه زاد في أسماء الجهات، والمحال أسما هو: الرحمة. وأما التشبيه: فلأنه شبه الرحمة - وإن لم يصح دخولها - بما يجوز، دخوله، فلذلك وضعها موضعه. وأما التوكيد: فلأنه أخبر عن العرض بما يخبر به عن الجوهر، وهذا تعال بالعرض وتفخيم منه، إذ صير على حيز ما يشاهد، ويلمس، ويعاين (١). وأنت ترى ابن جنى: كأنه يميل إلى أن في الكلام استعارة بالكناية، فشبه الرحمة بمكان، ودل على ذلك يلازم المشبه به، وهو الإدخال، والمعروف أن بالآية تجوزاً بالرحمة عن الجنة، من إطلاق السبب على المسبب، وهذا مجاز مرسل (٢). وحمل عليه قول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود (٣):

стр. 152

تغلغل حب عثمة في فؤادي ... فبادية مع الخافي يسير فقد وصف بالتغلغل ما لا يوصف به، لأنه وصف يخص في الحقيقة الأعيان لا الأحداث. وهذا وجه الاتساع كما يقول ابن جنى. فأما التشبيه، فلأنه قد شبه ما لا ينتقل ولا يزول، بما يزول وينتقل وأما المبالغة والتوكيد، فلأنه أخرجه عن ضعف العرضة إلى قوة الجوهرية ثم حمل عليه - أيضاً - قول الآخر: فرعت ظنابيب الهوى يوم عالج ... ويوم النقا، حتى قرت الهوى قسراً وقول الآخر: ذهوب بأعناق المثين عطاؤه ... عزوم على الأمر الذي هو فاعله وقول كثير: غمر الرداء إذا تبسم ضاحكاً ... غلقت لضحكته رقاب المال وقول طرفة: ووجه كأن الشمس حلت رداءها ... عليه نقى اللون لم يتحدد حيث جعل للشمس رداء، وهو جوهر، لأنه أبلغ في النور الذي هو العرض ثم يقول وهذه الاستعارات كلها داخلة تحت المجاز. وهكذا ترى أن ابن جنى قد أطلق على ما في الأبيات الأربعة بأنه استعارات وأن تلك الاستعارات داخلة في دائرة المجاز. مع أن ما في البيت الثاني وهو قوله (بأعناق المثين) إنما هو من قبيل المجاز المرسل حيث عبر عن الإبل بأعناقها، من إطلاق الجزء، وإرادة الكل.

стр. 153

أما في البيت الأول، فهو من قبيل الاستعارة التمثيلية، وهو قوله، (قرعت ظنا بيت الهوى)، فالظنابيب جميع ظنبوب، وهو حرف العظم اليابس من الساق، وتقول: قرعت ظنبوب البعير، إذا ضربت طنبوبه ليتنوخ لك فتركبه، وقيل من هذا: قرع ظنابيب الشيء ذلله (١) وأما قول كثير فهو من قبيل الاستعارة المجردة التي جاء الملائم فيها صفة معنوية، فقد استعار الردا. للعطاء بعد أن شبه العطاء به في الوقاية والحفظ، إذ المال يصون العرض، كما أن الرداء يصون السوءة ثم وصف الرداء (بالغمر) وهو ملائم للمستعار له وهو العطاء تجريداً للاستعارة (٢). وأما قول طرفة وهو قوله، (حلت رداءها) فهو من قبيل الاستعارة بالكناية حيث شبه الشمس بإنسان، ثم حذفه ودل عليه بإثبات لازمه وهو الرداء على سبيل الاستعارة بالكناية.

стр. 154

المجاز المرسل أسلفنا لك أن مصطلح "المجاز المرسل" لم يكن معروفاً في عصر ابن جنى، ولهذا فإنه أتى بأمثلة منه، ولم يسمه بهذا الاسم". وهنا نذكر لك أنه قد أتى بباب أسماه باباً في الاكتفاء بالسبب عن المسبب وبالمسبب عن السبب، وأمثلته لا تعدو أن تكون ما أسماه المتأخرون مجازاً مرسلاً. وقد نوه ابن جنى به، وذكر أنه موضع من العربية شريف لطيف، وأنه واسع لمتأمله كثير، وأنه قد ورد بكتابه منه ما لا يحصيه. ومما ذكره - في كتابه - مما أشار إليه هنا: ما ذكره من تجوز العرب في تسميتهم الاعتقادات والآراء، قولاً، وذلك لأن الاعتقاد يخفى فلا يعرف إلا بالقول، أو بما يقوم مقام القول، من شاهد الحال، فلما كانت لا تظهر، إلا بالقول سميت قولاً، إذ كانت سبباً له، وكان القول دليلاً عليه، "كما يسمي الشيء باسم غيره، إذا كان ملابساً له". ومثله في الملابسة: قول الله تعالى: "ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت". إذ معناه - والله أعلم - أسباب الموت، إذ لو جاء الموت نفسه لمات به - لا محالة. ومنه: تسمية المزادة الراوية، والنجو نفسه الغائط، ثم قال: وهو كثير (١).

стр. 155

ومما أورده ابن جنى في هذا الباب: قول الله تعالى "فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله". لأن تأويله - والله أعلم-: فإذا أردت قراءة القرآن، فاكتفى بالمسبب الذي هو: الإرادة. ومنه قوله تعالى "إذا أقمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم": أي: إذا أردتم القيام لها. ومنه قوله تعالى: "فقلنا اضرب بعصاك الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً". أي: فضرب، فانفجرت، فاكتفى بالمسبب الذي هو الانفجار عن السبب الذي هو: الضرب. وإن شئت قلت: أكتفى بالسبب الذي هو: القول عن المسبب الذي: الضرب. ومنه قول رؤية: يا رب إن أخطأت أو نسيت ... فأنت لا تنسى ولا تموت أي: إن أخطأت، أو نسي، فاعف عني، لنقصي وفضلك؛ فاكتفى بذكر الكمال والفضل، وهو السبب عن العفو، وهو المسبب. ومنه بيت الكتاب: فإن تبخل سدوس بدرهمها ... فإن الريح طيبة قبول

стр. 156

أي: إن بخلت تركناها، وانصرفنا عنها، فاكتفى بذكر طيب الريح المعين على الارتحال عنها (١). ومنه ما ذكره لبعض المولدين: جزت بالساباط يوماً ... فإذا القينة تلجم وهو رجل كانت له جارية، فباعها، واشترى بثمنها برذوناً، فمر به هذا الشاعر، وهو يلجم، فسماه قينة، إذ كان شراؤه مسبباً عن ثمن القينة. وهذا ما سماه الخطيب: تسمية المسبب باسم السبب. ثم أورد ابن جنى قول الله تعالى: "إني أراني أعصر خمراً"، ثم قال: فاكتفى بالمسبب الذي هو: الخمر من السبب الذي هو العنب. وقال الفرزدق: قتلت قتيلاً، لم ير الناس مثله ... أقبله ذاتومتين مسوراً وإنما قتل حياً، يصير بعد قتله قتيلاً، فاكتفى بالمسبب عن السبب. وقال الآخر: قد سبق الأشقر، وهو رابض ... فكيف لا يسبق إذ يراكض يعني مهراً سبقت أمه، وهو في جوفها، فاكتفى بالمسبب، الذي هو: المهر عن السبب الذي هو الأم (٢).

стр. 157

والآية الكريمة، وبيت الفرزدق من قبيل ما سماه الخطيب تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه (١). وأما قول الآخر، فإنه من قبيل تسمية السبب باسم المسبب. وقد نقل ابن الأثير عنوان هذا الباب الذي أورده هنا ابن جنى، وجعله الضرب الثاني من حذف الجمل، وهو الاكتفاء بالسبب عن المسبب وبالمسبب عن السبب، كما نقل بعض أمثلته (٢). ويؤخذ مما أوردناه لك، مما ذكره ابن جنى في موضوع المجاز، الذي يسميه المتأخرون مجازاً مرسلاً؛ ما يلي: ١ - أن هذا النوع من المجاز اللغوي، قد أفرده ابن جنى عن غيره من المجاز القائم على التشبيه، ولم يضع له اسماً، وإنما جعله باباً في الاكتفاء بالسبب عن المسبب، وبالمسبب عن السبب، وأنه قد ذكر منه في الخصائص ما لا يحصيه من الأمثلة. ٢ - أن ابن جنى لم يضع لهذا النوع من المجاز تعريفاً، ولكنه قد جرى على لسانه ما يمكن أن يكون تعريفاً للمجاز المرسل، وذلك هو قوله عندما ذكر تجوز العرب في تسميتهم الاعتقادات والآراء قولاً-: "كما يسمى الشيء باسم غير، إذا ان ملابساً له". فكأن المجاز المرسل عنده، هو: تسمية الشيء باسم غيره، إذا كان ملابساً له".

стр. 158

٣ - أنه أرجع جميع العلاقات التي وجدها بالأمثلة التي ذكرها إلى علاقتين اثنتين هما: السببية، والمسببه، ولهذا فإنه وضع تلك الأمثلة في باب الاكتفاء بالسبب عن المسبب، وبالمسبب عن السبب. إفادة البلاغيين من هذا الباب: رأي الشريف الرضى المتوفى سنة ٤٠٦ هـ، أن أستاذه ابن جنى قد أفرد هذا النوع من المجاز، لأنه لم يقم على التشبيه الذي اشترطه في المجاز، ففهم من هذا التصرف أن المجاز نوعان: أحدهما: قائم على التشبيه، والآخر قائم على نوع من الملابسة غير التشبيه، ومن هذا: أنهم قد سموا، الغيث سماء لأن نزوله يكون من جهة السماء قال الشاعر: إذا سقط السماء بأرض قوم ... رعيناه، وإن كانوا غضاباً أراد: إذا سقط الغيث، ثم قال: رعيناه، فرد الكلام على ما ينبت عن الغيث من الرعى الجميم، والكلأ العميم، ومثل هذا في كلامهم مستفيض (١) ولهذا فإنه قد فرق بين المجاز القائم على التشبيه، والمجاز القائم على نوع من أنواع الملابسة غير التشبيه عندما أراد بيان المجاز في قول النبي ﷺ : "إن المسجد لينزى من النخامة (٢) كما تنزى الجلدة في النار"، فقد قال فيه:

стр. 159

"وهذا الكلام مجاز" وفيه قولان: أحدهما. أن المسجد يتنزه عن النخامة - وهي البصقة - بمعنى أنه يجب أن يكرم عنها، وألا يبتذل بها، فإذا رؤيت عليه كانت شانته له، وزاديه عليه، فكان معها، بمنزلة الرجل ذي الهيئة، يشمئز مما يهجنه، وينقبض عما يدنسه، وأصل الأنزواء: الانحراف مع تقبض وتجمع. والقول الآخر: أن يكون المراد أهل المسجد، فأقيم المسجد في الذكر مقامهم، لما كان يشتمل عليهم وعلى ذلك قول الشاعر: واستب بعدك - يا كليب - المجلس والمراد: أهل المجلس، لأن الاستباب (أي أن يسب بعضهم بعضاً) لا يكون بين القاعات والجدران، وإنما يكون بين الإنسان والإنسان، فالمعنى أن أهل المسجد ينقبضون من النخامة، إذا رأوها فيه ذهاباً به عن الأدناس، وصيانة له عن الأدران (١). وواضح من هذين الرأيين اللذين أوردهما الشريف الرضى: أنه على الرأي الأول: شبه المسجد بالرجل ذي الهيئة، لأنه جعله يشمئز مما يهجنه، وينقبض عما يدنسه ثم حذف المشبه به وأبقى لازمه وهو الاشمئزار والانقباض على سبيل الاستعارة المكنية وعلى الرأي الأخر: يكون قد سمى القوم مجلساً، لاشتماله عليهم، من تسمية الشيء باسم محله، على حد قوله تعالى: "وأسأل القرية، أي، أهلها، وهذا هو المجاز المرسل. وألم ابن رشيق المتوفى سنة ٤٥٦ هـ بما قاله ابن جنى في الخصائص، وما قاله الشريف الرضى في المجازات النبوية، فذكر أنهم خضوا به (أي بالمجاز)

стр. 160

باباً بعينه وإن كان يرى أن المجاز يشمل التشبيه والاستعارة والكناية ثم عرفه ومثل له بقوله "أن يسمي الشيء باسم ما قاربه" أو كان منه بسبب، كما قال جرير: إذا سقط السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضاباً أراد المطر، لقربه من السماء (١). وكأن ابن رشيق لما رأى ابن جنى يقول: لا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا لمعان ثلاثة هي الاتساع، والتوكيد، والتشبيه، ثم رآه يفرد لهذا النوع من المجاز اللغوي باباً خاصاً، قال: إنهم خصوا به باباً بعينه، ثم حاول أن يثبت أن التشبيه والكناية من المجاز (٢)، دون أن يلحظ أن ابن جنى بتخصيصه لهذا النوع باباً، قد قسمه إلى قسمين: قسم قائم على التشبيه، وقسم قائم على ملابسة من الملابسات غير التشبيه، وأن الشريف الرضى قد قسمه - أيضاً - متابعاً لابن جنى. وكان صنيع ابن جنى، والشريف الرضى في التفريق بين قسمي المجاز اللغوي دافعاً لعبد القاهر الجرجاني المتوفى سنة ٤٧١ هـ إلى أن يعيب على الآمدي إطلاقه اسم الاستعارة على (المجلس) في قول البحتري: فكأن مجلسه المحجب محفل ... وكأن خلوته الخفية مشهد ثم يفرق التفريق النهائي بين القسمين، فيقول عن أبي القاسم الآمدي: قال - في أثناء فصل يبحث فيه عن شيء اعترض به على البحتري في قوله: فكأن مجلسه المحجب محفل ... وكأن خلوته الخفية مشهد

стр. 161

إن المكان لا يسمى مجلساً إلا وفيه قوم، ثم قال: ألا ترى، إلى قول المهلهل: (واستب بعدك - يا كليب - المجلس (١)) على الاستعارة فاطلق الاستعارة على وقوع المجلس هنا بمعنى القوم الذين يجتمعون في الأمور، وليس المجلس إذا وقع على القوم من طريق التشبيه، على وجه وقوع الشيء على ما يتصل به، وتكثر ملابسته إياه. ثم قال: وأي شيء يكون بين القوم ومكانهم الذي يجتمعون فيه؟ إلا أنه لا يعتد بمثل هذا، فإن ذلك قد يتفق حيث ترسل العبارة (٢) " ومن هنا سمى المتأخرون هذا النوع من المجاز: المجاز المرسل، أخذاً من قول عبد القاهر: فإن لك قد يتفق حيث ترسل العبارة. ولما كان التفريق بين نوعي المجاز اللغوي مأخوذاً من نوع العلاقة التي ذكرها ابن جنى - في قوله: كما يسمى الشيء باسم غيره إذا كان ملابساً له. فقد عرفه الخطيب بذكر هذه العلاقة، وهي الملابسة بغير التشبيه، فقال في تعريفه: هو ما كانت العلاقة بين ما استعمل فيه وما وضع له ملابسة غير التشبيه، وذكر من علاقاته: ١ - تسمية الشر ص ١٦٠ باسم سببه، كاستعمالهم البد في النعمة، كقولك: لفلان على يد لا أنكرها. ٢ - تسمية الشيء باسم المسبب: كقولهم أمطرت السماء نباتاً ٣ - تسمية الشيء باسم جزئه، كاستعمال العين في الربيئه، لكون الجارحة المخصوصة هي المقصود في كون الرجل ربيئة، لأن ما عداها

стр. 162

لا يغني شيئاً، مع فقدها، فصارت كأنها الشخص، ومنها قول الله تعالى: قم الليل إلا قليلاً". ٤ - تسمية الشيء باسم كله: نحو قوله تعالى، يجعلون أصابعهم في آذانهم أي أي أنا ملهم. ٥ - ومنها: تسمية الشيء باسم ما كان عليه، كقوله تعالى وآتوا اليتامي أموالهم أي: الدين كانوا يتامى. ٦ - ومنها: تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه، كقوله تعالى إني أراني أعصر خمراً". ٧ - تسمية الشيء باسم محله، كقوله تعالى "فليدع ناديه" ٨ - تسمية الشيء باسم آلته كقوله تعالى: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه" (١).

стр. 163

المجاز العقلي لم يضع ابن جنى للمجاز العقلي باباً، ولم يفرد له فصلاً؛ ولم يميزه من المجاز اللغوي؛ وإنما جاء، في مثال، من أمثلته التي ضربها للمجاز عموماً. وذلك أنه من خلال حديثه عن سعة المجاز، في اللغة العربية؛ قال: ألا تراك قد تقول: (قطع الأمير اللص)، ويكون القطع له بأمره لا بيده؛ فإذا قلت: قطع الأمير نفسه اللص؛ رفعت المجاز، من جهة الفعل، وصرت إلى الحقيقة؛ لكن يبقى عليك النجوز من مكان آخر؛ وهو قولك؛ اللص؛ وإنما لعله قطع يده، أو رجله؛ فإذا احتطت، قلت، قطع الأمير نفسه يد اللص، أو رجله. وكذلك: (جاء الجيش أجمع)، ولولا، أنه قد كان يمكن أن يكون إنما جاء بعضه - وإن أغلقت المجيء على جميعه - لما كان لقولك: أجمع معنى (١). وهكذا تجد أن ابن جنى قد نبه إلى أنه يمكن أن يكون في قولهم: (قطع الأمير اللص) مجازين: أحدهما: في إسناد الفعل (قطع) إلى غير الأمير، ولكن بأمره. والآخر: في (اللص)؛ لأنه ربما يكون قد قطع يده، أو رجله. والأول مجاز عقلي علاقته السببية؛ والآخر: مجاز لغوي علاقته الكلية.

стр. 164

وابن جنى بهذا؛ قد نبه إلى الفرق بين المجاز العقلي وإن لم يسمه بهذا الاسم - وبين المجاز اللغوي. ولعل هذا المثال الذي بحث ابن جنى ما فيه من مجاز؛ بتلك الطريقة التي رأيتها، كان خيط النور الذي اهتدى به عبد القاهر في بيان الفرق بين المجاز العقلي والمجاز اللغوي: فكما أن ابن جنى قد بحث في هذا المثال من جهتين: جهة الفعل الذي أردت إثباته، وهو القطع، وجهة من وقع عليه القطع وهو اللص فكذلك بحث عبد القاهر المجاز والجملة من هاتين الجهتين! مبيناً أنه من حقك إذا أردت أن تقضي في الجملة بمجاز أو حقيقة، أن تنظر إليها من جهتين: إحداهما: أن تنظر إلى ما وقع بها من الإثبات، هو في حقه وموضعه، أم قد زال عن الموضع الذي ينبغي أن يكون فيه؟ والثانية: أن تنظر إلى المعنى المثبت، يعني ما وقع عليه الإثبات، كالحياة في قولك: أحيا الله زيداً، والشيب في قولك: أشاب الله رأسي، أثابت على الحقيقة، أم قد عدل به عنها؟ . ثم بين أنه إذا مثل لك دخول المجاز على الجملة من الطريقين عرفت إثباتها على الحقيقة منها. فمثال ما دخله المجاز من جهة الإثبات قوله: وشيب أيام الفراق مفارقي ... وأنشرن نفسي فوق حيث تكون ومثال ما دخل المجاز في مثبته دون إثباته: قوله : "أو من كان ميتاً فأحييناه، وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس"

стр. 165

وقد يتضور أن يدخل المجاز للجملة من الطرفين جميعاً؛ كقول المتنبي: وتحيي له مال الصوارم والفنا ... ويقتل ما تحيي التبسم والجدا ثم فرق الإمام عبد القاهر بين المجاز العقلي، والمجاز اللغوي، بأنه إذا وقع في الإثبات فهو ملتقى العقل، فإذا عرض في المثبت فهو ملتقى من اللغة (١). ولهذا، فإن ما وقع من المجاز في الإثبات جدير بأن يسمي مجاز عقلياً، لأنه مستقى من العقل، وما وقع من المجاز في المثبت جدير بأن يسمى مجازاً لغوياً، لأنه مستقى من اللغة. إسناد الفعل إلى مصدره: من صور المجاز العقلي التي تعرض لها ابن جنى، في مواضع أخرى من كتابه: إسناد الفعل إلى مصدره، وذلك إذا وصف بالمصدر، مبالغة في كثرة الحدث، ويؤخذ من كلامه، أن المبالغة - هنا - تأتي من وجوه. الأول: أن الوصف بالمصدر مفيد للوصف بجميع الجنس (٢)، فإذا قيل: رجل عدل، فكأنه وصفه بجميع الجنس مبالغة، كما تقول: استولى على الفضل، وحاز جميع الرياسة والنبل، ولم يترك لأحد نصيباً في الكرم والجود، ونحو ذلك، فوصف بالجنس أجمع تمكيناً لهذا الموضع وتوكيداً الثاني: أن من وصف بالمصدر، فقد جعل موصوفه نفس الحدث (٣) وذلك كقلك: هذا رجل زور، وصوم

стр. 166

ومنه قوله تعالى: "إن أصبح ماؤلم غوراً" أي: غائراً، وقول الخنساء فإنما هي إقبال وإدبار أي. مقبلة. مدبرة والثالث: أنه إذا وصف بالمصدر، صار الموصوف كأنه - في الحقيقة - مخلوق من ذلك الفعل، وذلك لكثرةة تعاطيه له، واعتياده إياه وبدل على أن هذا معنى لهم، ومتصور في نفوسهم قوله: ألا أصبحت أسماء جاذمة الجبل ... وضنت علينا والضنين من البخل أي: كأنه مخلوق من البخل لكثرة ما يأتي به منه. ومنه قول الآخر: وهن من الإخلاف والولعان وقوله: وهن من الأخلاف بعدك والمطل وأصل هذا الباب - عند ابن جنى - قول الله : "خلق الإنسان من عجل"، فقولك: هذا رجل دنف بكسر النون، أقوى إعراباً، لأنه هو الصفة المحضة غير المتجوزة ولكن قولك: هذا رجل دنف بفتح النون، أقوى معنى، لكونه كأنه مخلوق من ذلك الفعل (١). الرابع: أن هذا المعنى الذي فهمه ابن جنى من الآية الكريمة "خلق الإنسان من عجل" وهو: أنه جعل الإنسان كأنه مخلوق من العجل نفسه لكثرة فعله إياه، واعتياده له، أقوى معنى من أن يكون أراد خلق العجل

стр. 167

من الإنسان - على طريق القلب-؛ لأنه أمر اطرد، واتسع، فجملة على القلب يبعد في الصنعة، ويصغر المعنى، وكأن هذا المعنى، لما خفي على بعضهم - كما يقول ابن جنى - قال في تأويله: إن العجل هنا هو الطين. ويرد ابن جنى على هذا الرأي: بأن هذا المعنى - وإن صح في اللغة - إلا أنه هنا لا يصح إلا أن يراد به نفس العجلة، والسرعة، بدليل قوله تعالى - عقبه - "سأريكم آياتي فلا تستعجلون" ونظيره قوله تعالى "وخلق الإنسان عجولاً"، "وخلق الإنسان ضعيفاً"، لأن العجلة ضرب من الضعف، لما تؤدن به من الضرورة والحاجة (١).

стр. 168

المجاز بالحذف والزيادة يذكر ابن جنى أن من المجاز: كثير من باب الشجاعة في اللغة: من الحذوف، والزيادات، والتقديم، والتأخير، والحمل على المعنى والتحريف. غير أنه قد نبه على ما جاء من باب الحذف مما يعده مجازاً، فقال: ألا ترى أنك إذا قلت: بنو فلان يطؤهم الطريق، ففيه من السعة: إخبار عما لا يصح وطؤه بما يصح وطؤه؛ فتقول على هذا: أخذنا على الطريق الواطئ لبني فلان، ومررنا بقوم موطوئين بالطريق وبالطريق: طأ بنا بني فلان، أي أدنا إليهم، وتقول: بني فلان بيته على سنن المارة، رغبة في طئة الطريق بأضيافه له؛ أفلا ترى إلى وجه الاتساع عن هذا المجاز؟ ! ووجه التشبيه: إخبارك عن الطريق بما تخبر به عن سالكيه؛ فشبهته بهم إذ كان هو المؤدي لهم، فكأنه هم. وأما التوكيد: فلأنك إذا أخبرت عنه بوطئه إياهم كان أبلغ من وطء سالكيه لهم، وذلك أن الطريق مقيم ملازم؛ فأفعاله مقيمه معه، وثابتة بثباته وليس كذلك أهل الطريق؛ لأنهم قد يحضرون فيه ويغيبون عنه؛ فاأفعالهم - أيضاً - كذلك، حاضرة وقتاً، وغائبة آخر؛ فأين هذا مما أفعاله ثابتة مستمرة؟ ! ولما كان هذا كلاماً، الغرض فيه المدح والثناء، اختاروا له أقوى اللفظين لأنه يفيد أقوى المعنيين (١).

стр. 169

فقد رأيت أن ابن جنى يعد قولهم: (بنو فلان يطؤهم الطريق) من باب المجاز وأنه شبه الطريق بالكيه؛ لأنه هو المؤدي إليهم؛ وهو بهذا ينحو نحو الاستعارة بالكناية. كما أنك قد رأيت أن ابن جنى قد وضع هذا المثال في عداد ما فيه مجاز طريقة الحذف؛ لأن هذا المجاز، في المثال حقيقته: بنو فلان يطؤهم السالكون في الطريق المؤدي إليهم. وقد أضاف إن جنى إلى هذا المثال قول الله سبحانه: "وأسئل القرية التي كنا فيها" (١)، وذكر أن فيه المعاني الثلاثة: الاتساع، والتشبيه، والتوكيد. أما الإتساع: فلأنه استعمل لفظ السؤال مع ما لا يصح في الحقيقة، سؤاله. وأما التشبيه: فلأنها شبهت ممن يصح سؤاله لما كان بها، ومؤلفا لها. وأما التوكيد: فلأنه في ظار اللفظ إحالة بالسؤال عن من ليس من عادته الإجابة، فكأنهم تضمنوا لأبيهم ﵇ أنه إن سال الجمادات، والجبال أنبأته بصحة قولهم، وهذا تناه في تصحيح الخبر، أي: لو سألتها لانطقها الله بصدقنا؛ فكيف لو سألت من من عادته الجواب (٢)؟ ! وهذه الآية الكريمة - أيضاً - بها مجاز طريقة الحذف، لأن

стр. 170

التقدير: وأسأل أهل القرية، ولكن ابن جنى - كما أسلفنا لك في المثال السابق - يميل إلى أن بها ما عرف عند المتأخرين بالاستعارة بالكناية. والحق أن هذا النوع من المجاز، إنما هو مجاز مرسل علاقته المحلية لأن تقدير المثال: بنو فلان يطؤهم أهل الطريق، كما أن تقدير الآية الكريمة: واسأل أهل القرية (١). وفي المجاز المرسل من المبالغة المقصودة من المثال، والآية الكريمة، ما يطمئن ابن جنى، ففي المثال ما يفيد كثرة التردد على هؤلاء القوم حتى شمل التردد الطريق نفسه، وفي الآية الكريمة: ما يفيد الطلب الإكثار من السؤال، حتى يعم السؤال القرية نفسها بأرضها، وسمائها، وبنائها. والمجاز المرسل مصطلح لم يكن معروفاً في عصر ابن جنى، فقد أعلن عنه عبد القاهر - في الأسرار - إذ بين خطأ الآمدي، إذ قال في أثناء فصل بحث فيه عن شيء اعترض به على البحتري في قوله. فكأن مجلسه المحجب محفل ... وكأن خلوته الخفية مشهد إن المكان لا يسمى مجلساً إلا وفيه قوم؛ ثم قال: ألا ترى إلى قول المهلهل: (واستب بعدك يا كليب المجلس) على الاستعارة؛ فأطلق الاستعارة على وقوع المجلس هنا بمعنى القوم الذين يجتمعون، وليس المجلس إذا وقع على القوم من طريق التشبيه، بل على وجه وقوع الشيء على ما يتصل به، وتكثر ملابسته إياه، وأي شيء يكون بين القوم

стр. 171

ومكانهم الذي يجتمعون فيه؟ إلا أنه لا يعتد بمثل هذا القول، فإن ذلك قد يتفق حيث ترسل العبارة (١). فأخذ المتأخرون مصطلح المجاز المرسل، من قول عبد القاهر: فإن ذلك قد يتفق حيث ترسل العبارة. وقد اهتم الإمام عبد القاهر بما أثاره ابن جنى من المجاز الذي قد يأتي عن طريق الحذف، أو عن طريق الزيادة، فعقد فصلاً يبين فيه متى يكون الحذف أو الزيادة مجازاً (٢): فبين: أن الكلمة كما توصف بالمجاز، لنقلك لها عن معناها، فإنها توصف بالمجاز - أيضاً - لنقلها عن حكم كان لها، إلى حكم ليس هو بحقيقة فيها، ثم مثل يقول الله تعالى: "واسأل القرية" مبيناً أن الأصل هو: واسأل أهل القرية، وأن المضاف إليه قد اكتسى إعراب المضاف في الآية الكريمة. فالحكم الذي يجب للقرية في الأصل، وعلى الحقيقة، هو: الجر، والنصب فيها مجاز. ثم أضاف إلى الآية الكريمة في هذا الحكم نفس المثال الذي أورده ابن جنى، وهو قولهم: (بنو فلان تطؤهم الطريق)، يريدون أهل الطريق، فالرفع في الطريق مجاز، لأنه منقول إليه عن المضاف المحذوف، الذي هو: الأهل؛ والذي يستحقه في أصله هو: الجر. ثم ذكر عبد القاهر: أنه لا ينبغي أن يقال في وجه المجاز - هنا -

стр. 172

إنه الحذف "لأن الحذف إذا تجرد عن تغيير حكم من أحكام ما بقى بعد الحذف لم يسم مجازاً. وحكم الزيادة - عند عبد القاهر - حكم الحذف، فإذا لم يحدث الزائد حكماً جديداً في الكلمة، فإنها لا تسمى مجازاً، وذلك كزيادة (ما) في قوله تعالى: "فبما رحمة من الله"، وذلك لأن حقيقة الزيادة في الكلمة هي: أن تعرى من معناها، ونذكر، ولا فائدة لها سوى الصلة، ويكون سقوطها، وثبوتها سواء. ومحال أن يكون ذلك مجازاً، لأن المجاز هو: أن يراد بالكلمة غير ما وضعت له في الأصل أو يزاد فيها، أو يوهم شيء ليس من شأنها، كإيهامك بظاهر النصب في القرية: أن السؤال واقع عليها، والزائد الذي سقوطه كتبوته، لا يتصور فيه ذلك. وإذا أحدث الزائد حكماً نزول به الكلمة عن أصلها: جاز - حيئنذ أن يوصف ذلك الحكم، أو ما وقع فيه بأنه مجاز، وذلك كقولك في نحو قول الله تعالى: "ليس كمثله شيء" إن الجر في المثل مجاز، لأن أصله النصب؛ والجر حكم عرض من أجل زيادة الكاف. وقد أفاد ابن الأثير من باب الفرق بين الحقيقة والمجاز، في خصائص ابن جنى إفادة كبيرة: وذلك لأنه لما رأى ابن جنى يقول: "إن المجاز يقع ويعدل إليه عن عن الحقيقة لمعان ثلاثة؛ وهي: الإتساع، والتوكيد، والتشبيه، فإن عدمت هذه الأوصاف كانت الحقيقة ألبته"؛ أخذ أقسام المجاز، أو تقسيمه من عبارة ابن جنى فقسم المجاز إلى: توسع في الكلام، وتشبيه، ولكنه لما وجد ابن جنى قد مثل للمجاز بما فيه استعارة، كما في (قرعت ظنابيب الهوى (و (غمر الرداء) و (وجه كأن الشمس حلت رداءها)، أدرك خطأ تقسيمه، فقال متردداً: "وإن شئت قلت: إن المجاز ينقسم إلى: توسع

стр. 173

في الكلام، وتشبيه، واستعارة، ولا يخرج عن أحد هذه الأقسام الثلاثة فأيها وجد كان مجازاً" (١). وهكذا يقسم ابن الأثير المجاز تقسيماً مخالفاً لما عليه جمهور البلاغيين! فقد جعل التوسع في الكلام قسماً من أقسام المجاز، وليس عند البلاغيين للمجاز قسم بهذا الاسم، ولكنهم عدوا ما أسماه ابن جنى توسعاً في الكلام قسماً من أقسام الاستعارة، وهو الاستعارة بالكناية، لأنهم رأوا ابن جنى يميل في تقدير أمثلته - كما أسلفنا - إلى أن يكون استعارة بالكناية، بينما آثر ابن الأثير مصطلح ابن جنى وهو: التوسع في الكلام، ثم قسمه قسمين آخرين أطلقه فيهما على ما قبح من أمثله الاستعارة بالكناية، وعلى ما حسن منها. ثم جعل التشبيه - أيضاً - قسماً من أقسام المجاز، مع أن جمهور البلاغيين قد أخرجه من حيز المجاز، وأدخله في حيز الحقيقة، لأن دلالته مطابقية. وعلى الرغم من كثرة ما نقل ابن الأثير من خصائص ابن جنى، فإنه يورد عبارته التي أخذ عنها أقسام المجاز، ليرد عليها، فيسقط منها: التوكيد، ليسلم له تقسيم المجاز إلى: توسع في الكلام، وتشبيه، واستعارة! ، فيقول: "وكنت تصفحت كتاب: (الخصائص) لأبي الفتح عثمان بن جنى، فوجدته قد ذكر في المجاز شيئاً يتطرق إليه النظر، وذلك أنه قال: لا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا لمعان ثلاثة وهي: الاتساع، والتشبيه "والتوكيد، فإن عدمت الثلاثة، كانت الحقيقة البتة.

стр. 174

فمن ذلك قوله تعالى: "فأدخلناه في رحمتنا" (١) فهذا مجاز، وفيه الثلاثة المذكورة: أما الاتساع: فهو: أنه زاد في أسماء الجهات والمحال اسماً، وهو الرحمة. وأما التشبيه: فإنه شبه الرحمة - وإن لم يصح دخولها - بما يصح دخوله. وأما التوكيد: فهو: أنه أخبر عما لا يدرك بالحاسة بما يدرك بالحاسة، تعالياً بالمخبر عنه، وتفخيماً له، إذا صير بمنزله ما يشاهد ويعاين" ثم يقول: هذا مجموع قول أبي الفتح ﵀ من غير زيادة ولا نقص. وأنت تشعر من قول ابن الأثير: "من غير زيادة ولا نقص" أنه يخفى وراءها شيئاً ما! أما الذي يخفيه ابن الأثير وراء هذه الكلمة فهو أمران: أولهما: أنه وإن لم يزد على ما قاله ابن جنى؛ فلقد ترك مما قاله أمثلة أخرى، كقول النبي ﷺ في الفرس هو بحر، والأبيات الأخرى التي أضافها على الآية الكريمة، والحديث النبوي الشريف، ولكنه انتقى الآية الكريمة ليتأتى له الرد على ابن جنى بما سنورده لك، كما أنه قد ترك حرفاً واحداً هو الكاف من عبارة ابن جنى: (كأنه زاد في أسماء الجهات والمحال اسماً هو الرحمة)، لكي يتحقق له غرضه من رده! والآخر: هو أنه يريد نقد ابن جنى ليسلم له التقسيم الذي وضعه، وأنه أتى بتقسيم لم يسبق إليه!

стр. 175

نقد ابن الأثير لكلام ابن جنى: ونقد ابن الأثير يتلخص فيما يلي: أولاً: أن ابن جنى قد جعل المعاني الثلاثة؛ وهي: الاتساع، والتشبيه، والتوكيد سبباً لوجود المجاز، بينما وجود واحد منها سبباً لوجوده، فإذا وجد التشبيه وحده كان مجازاً، وإذا وجد الاتساع وحده كان مجازاً! . ثانياً: أنه ذر التوكيد، والتشبيه، (وكلاهما شيء واحد) على الوجه الذي ذكره، لأنه لما شبهت الرحمة - وهي معنى لا يدرك بالبصر - بمكان يدخل، وهي صورة تدرك بالبصر، دخل تحته التوكيد الذي هو إخبار عما لا يدرك بالحاسة بما قد يدرك بالحاسة. ثالثاً: أنه قال: "أما الاتساع "فهو: أنه زاد في أسماء الجهات والمحال كذا وكذا" وهذا القول مضطرب شديد الإضطراب، لأنه ينبغي على قياسه أن يكون (جناح الذل) في قوله تعالى: "واخفض لهما جناح الذل" (١) زيادة في أسماء الطيور، وذلك أنه زاد في أسماء الطيور اسماً هو: الذل، وهكذا يجري في الشعر! كقول أبي تمام: لبست سواه أقواماً، فكانوا ... كما أغنى التيمم بالصعيد فزاد في أسماء اللباس اسماً هو الآدمي، وهذا مما يضحك منه!

стр. 176

الرد على ابن الأثير: ولسنا مع ابن الأثير في قوله: "إذا وجد التشبيه - وحده - كان مجازاً. لأن المتأخرين من البلاغيين، قد عدوه في دائرة الحقيقة، لأن دلالته مطابقية (١)، وإنما أدخلوه في علم البيان لتوقف الاستعارة عليه. كما أن ابن الأثير قد تجنى على ابن جنى، فادعى أنه قال: أما الاتساع، فهو: أنه زاد في أسماء الجهات والمحال كذا. وكذا"، والحق أن عبارة ابن جنى هي: "كأنه زاد في أسماء الجهات، والمحال اسماً هو: الرحمة"، ولكن ابن الأثير قد حذف حرف الكاف من (كأنه)، ليتسنى له غرضه من نقد كلام ابن جنى! ؛ ولهذا جاء الاضطراب الذي ادعاه! ؛ فالاضطراب ناشئ من عدم أمانة ابن الأثير في النقل، وليس ناشئاً من عبارة ابن جنى! وقد أسلفنا لك أن مثل تلك العبارة من ابن جنى كانت أصلاً، للمتأخرين في ادعائهم دخول المشبه في جنس المشبه به، إذ قالوا: وإنما المراد، أن المدعى به ادعاءه على أن الأسد - مثلاً - جعل له بطريق التأول والمبالغة فردان: متعارف: وهو الذي له الجراءة المتناهية، والغاية في القوة، في جثة ذي الإظفار، والأنياب، والشكل المخصوص. غير المتعارف: وهو فرد آخر له تلك القوة والجراءة نفسها، لكن في جثة الآدمي وكان اللفظ، موضوع للقدر المشترك بينهما، كالمتواطئ،

стр. 177

فالأمر لا يعدو، أن يكون مجرد ادعاء زيادة أسماء الجهات، أو الطير، أو اللباس، لأنه قال: (كأنه زاد) ولم يقل: (أنه زاد)! شيوع المجاز في اللغة العربية: يذكر ابن جنى أن أكثر اللغة إذا تأملته مجاز "لا حقيقة" فعامة الأفعال، نحو: قام زيد، وقعد عمرو، وانطلق بشر، وجاء الصيف وانهزم الشتاء: وذلك لأن الفعل يفيد معنى الجنسية، فقولك: قام زيد، معناه: كان منه القيام، أي هذا الجنس من الفعل، ومعلوم أنه لم يكن منه جميع القيام لأنه جنس، والجنس يطبق جميع الماضي، وجميع الحاضر، وجميع الآتي، من الكائنات من كل من وجد منه القيام، ولا يجتمع لإنسان واحد في وقت واحد القيام كله الداخل تحت الوهم، ولهذا فإن: (قام زيد) مجاز لا حقيقة، من وضع الكل موضع البعض. والدليل على انتظام الفعل لجميع جنس القيام: أنك تعمله في جميع أجزائه، فتقول، قمت قومة، وقمت قومتين، ومائة قومة؛ وقياماً حسناً فإعمالك إياه في جميع أجزائه دليل على أنه موضوع عندهم على صلاحه لتناول الجنس كله. ولهذا قال الشاعر: لعمري لقد أحببتك الحب كله ... وزدتك حباً، لم يكن قبل يعرف فاستغرق الحب كله، واستوعبه. وقال الآخر: وقد يجمع الله الشتيتين بعد ما ... يظنان كل الظن أن لا تلاقيا! فقوله: (كل الظن) يدل على ما ذهب إليه ابن جنى.

стр. 178

وكذلك: قولك: (ضربت عمراً) مجاز - أيضاً - من جهة التجوز في الفعل، وهو أنك ربما تكون قد ضربت بعضه، لا جميعه، بأن تكون قد ضربت يده، أو إصبعه، أو ناحية من نواحي جسده، ولهذا إذا احتطاط الإنسان جاء ببدل البعض، فقال: ضربت زيداً، وجهه، أو رأسه، ومع ذلك يكون - أيضاً - متجوزاً لأنه قد يقول: ضربت زيداً رأسه، فيبدل للأحباط، وهو إنما ضرب ناحية من رأسه، لا رأسه كله، ولهذا يحتاط بعضهم في نحو هذا بأن يقول: ضربت زيداً وجهه الأيمن، أو ضربته أعلى رأسه الأسمق، لأن أعلى الرأس قد تختلف أحواله فيكون بعضه أرفع من بعض! ! على أن وقوع التوكيد في اللغة العربية، أقوى دليل على شيوع المجاز فيها واشتماله عليها، فأنت تقول: قطع الأمير اللص ويكون القطع له بأمره لا بيده، فإذا قلت: قطع الأمير نفسه اللص، رفعت المجاز من جهة الفعل، وصرت إلى الحقيقة، لكن يبقى عليك التجوز من مكان آخر، وهو قولك: (اللص) لأنه لعله قطع يده، أو رجله، فإذا احتطت قلت، قطع الأمير نفسه يد اللص، أو رجله. وكذلك تقول: جاء الجيش أجمع، ولولا أنه يحتمل أن يكون المجيء من بعضه، لما كان لقولك (أجمع) معنى. على أن المجاز إذا أكثر عندهم لحق بالحقيقة، واستعمل استعمالها ومن تأكيد المجاز قولنا: قام زيد قياماً، وجلس عمرو جلوساً، وذهب سعيد ذهاباً، لأن تلك الأمثلة من باب المجاز - كما سبق-، ومع ذلك فاالأفعال فيها مؤكدة بالمصدر. فالمجاز شائع في اللغة العربية بدليل وجود التوكيد فيها، وهو إذا ما شاع، استعمل استعمال الحقيقة، فأكد كما نؤكد الحقيقة. (١٢ - الخصائص)

стр. 179

لزوم ما لا يلزم أورد ابن جنى هذا الفن من فنون القول في باب عنوانه: (باب في التطوع بما لا يلزم) ويمكن تقسيمه إلى قسمين: القسم الأول: التطوع بما لا يلزم في الشعر: وهو - عنده -: أن يلزم الشاعر ما لا يجب عليه، ليدل بذلك على غزره وسعة ما عنده (١) ومن الأمثلة التي ساقها؛ تجد أنه يتنوع أيضاً، إلى ما يلي: ١ - التزام الشاعر بالحرف الذي قبل الروى: وقد مثل ابن جنى لهذا النوع بما أنشده الأصمعي: وحسد أوشلت من حظاظها ... على أحاسي الغيظ واكتظاظها. حتى ترى الجواظ من فظاظها ... مذلولياً بعد شذا أفظاظها وخطة لا روح في كظاظها ... أنشطت عني عروتي شظاظها. بعد احتكاء إربتي أشظاظها ... بعزمة جلت عشا ألفاظها بحك كرش الناب لافتظاظها

стр. 180

معلقاً عليه بقوله: فالتزم في جميعها ما تراه من الظاء الأولى، مع كون الروى ظاء على عزة ذلك مفرداً من الظاء الأولى، فكيف به إذا انضم إليه ظاء قبله؟ ! . وقلما رأيت في قوة الشاعر مثل هذا! فهذا النوع - في رأي ابن جنى - دليل على قدرة الشاعر على امتلاك ناصية اللغة وشاهد على غزارة مادته اللغوية! ٢ - التزام الشاعر حرفين قبل الروى: ومثل له بما أنشده أبو علي: شلت يدا فارية فرتها ... وفقئت عين التي أرائها مسك شبوب ثم وفرتها ... لو خافت النزع لأصغرنها. فلزم التاء والراء، وليست واحدة منهما بلازمة، والقطعة هانية، لكون ما قبل الهاء والساكر لا وصل له، ويجوز مع هذه القوافي: ذرها، ودعها (١). ٣ - التزام الشاعر تشديد حرف الروى: ومنه ما رواه ابن جنى لأبي العالية: من قوله: إني امرؤ أصفى الخليل الخلة ... أمنعه ودى وأرعى إله وأبغض الزيارة الممله ... وأقطع المهامه المضلة
следующие страницы →