← Адаб

Адаб · id 151015

خصائص النظم في «خصائص العربية» لابن جني

حسن إسماعيل عبد الرازق

Полный текст (221 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

خصائص النظم في (خصائص العربية) لأبي الفتح عثمان بن جني الدكتور: حسن إسماعيل عبد الرازق

стр. 2

الدكتور حسن إسماعيل عبد الرازق أستاذ البلاغة المساعد بكلية اللغة العربية بالزقازيق خصائص النظم في "خصائص العربية" لأبي الفتح عثمان بن جني المتوفى سنة ٣٩٢ هـ الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م دار الطباعة المحمدية ٣٠ درب الأتراك بالأزهر - القاهرة

стр. 3

الدكتور حسن إسماعيل عبد الرازق أستاذ البلاغة المساعد بكلية اللغة العربية بالزقازيق خصائص النظم في "خصائص العربية" لأبي الفتح عثمان بن جني المتوفى سنة ٣٩٢ هـ الطبعة الأولى ١٩٨٧ م - ١٤٠٧ هـ دار الطباعة المحمدية ٣٠ درب الأتراك بالأزهر - القاهرة

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وأصحابه التابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد: فإن كتاب "الخصائص"، أو خصائص العربية، لأبي الفتح عثمان بن جنبي المتوفى سنة ٣٩٢ هـ، من المصادر الهامة للغة العربية؛ فكما أنه محل اهتمام النحويين، واللغويين، فإنه يجب أن يكون موضع اهتمام البلاغيين والمتأدبين. فليس ما تضمنه هذا الكتاب القيم خاصاً بعلم النحو، أو علم التصريف، أو علم أصول اللغة وفقهها؛ بل إنه ليتجاوز هذا الحد. إلى أن يكون معيناً، لا ينضب من خصائص النظم. أو القيم البلاغية التي أفصح عنها ابن جني، والتي يمكن أن يفصح عنها أولو الألباب من البلاغيين؛ من خلال مناقشاته المفيدة، لأساليب الفصحى؛ من أسعار القدماء، والمحدثين، ومن أقوالهم المأثورة، لاستنباط العلل النحوية، أو التصريفية: أو لإقامة الدليل على صحة القضايا، اللغوية، أو النحوية، أو النقدية، أو التعبيرية. وليس هذا تقديرنا نحن فحسب، بل إن ابن جني نفسه ليفصح عن هذا المعنى الذي نقدره، إذ يقول: "فإن هذا الكتاب ليس مبنياً على حديث وجوه الإعراب؛ وإنما هو مقام القول على أوائل أصول هذا الكلام، وكيف بدئ، وإلام نجى؛ وهو كتاب يتساهم فيه ذوو النظر من المتكلمين،

стр. 5

والفقهاء، والمتفلسفين. والنحاة، والكتاب، والمتأدبين التأمل له، والبحث عن مستودعه، فقد وجب أن يخاطب كل إنسان منهم بما يعتاده، ويأنس به، ليكون له سهم منه، وحصة فيه" (١). فهو إذن كتاب يخاطب كل إنسان بما اعتاده، وألفه من حجج كلامية، أو فقهية، أو فلسفية، أو نحوية، أو بلاغية. ومما أورده من الحجج البلاغية: قوله: "من ذلك (أو)، إنما أصل وضعها: أن تكون لأحد الشيئين، أين كانت، وكيف تصرفت، فهي عندنا على ذلك، وإن كان بعضهم، قد خفى عليه هذا من حالها، في بعض الأحوال، حتى دعاه إلى نقلها عن أصل بابها، وذلك أن الفراء، قال: إنها تأتي بمعنى (بل) وأنشد بيت ذي الرمة: بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى ... وصورتها، أو أنت في العين أملح وقال: معناه: بل أنت في العين أملح، وإذا أرينا أنها في موضعها، وعلى بابها؛ بل إذا كانت هنا على بابها كانت أحسن معنى وأعلى مذهباً، فقد وفينا ما علينا، وذلك أنها على بابها من الشك - لأنه إذا قطع بيقين: أنها في العين أملح كان في ذلك سرف منه، ودعاء إلى التهمة في الإفراط. وإذا أخرج الكلام مخرج الشك، كان في صورة المقتصد غير المتحامل، ولا المتعجرف، فكان أعذب الفظة، وأقرب إلى تقبل قوله، ألا تراه نفسه قال: أبا ظبية الوعساء بين جلال ... وبين النقا؛ آأنت أم أم سالم؟ !

стр. 6

فكما لا يشك في أن كلامه ههنا خرج مخرج الشك، لما في قوله، من عذوبته، وظرف مذهبه فكذلك ينبغي أن يكون قوله: (أو أنت في العين أملح) (أو) فيه باقية في موضعها، وعلى شكها" (١). على أن ابن جنى قد نبه البلاغيين، إلى أن فائدة هذا الكتاب، ليت قاصرة على معرفة قواعد النحو، وأحكامها؛ من رفع، أو نصب، أو جر، أو جزم، لأن هذه أمور، قد تقررت وعرفت، وانتهى من أمرها المتقدمون، من النحاة، وأصبح الحديث عنها ضرباً من التكرار، الذي لا يأتي بعائد ما، وإنما تتعدى فائدته إلى إثارة المعاني من مكانها، وبيان أحوالها" في أوضاعها، وأغراضها، ومقاصدها وبيان أثرها في نفوس سامعيها. واستمع إليه وهو يتحدث - أيضاً - عن فائدة كتابه، وذلك حين يتحدث عن معنى: (طرائف الحديث) من قول مالك بن أسماء: أذكر من جارتي ومجلسها ... طرائفاً من حديثها الحسن فيقول: "وإنما أفضى بنا إليه ذرو، من القول، أحببنا استيفاءه، تأنساً به، وليكون هذا الكتاب، ذاهباً في جهات النظر، إذ ليس غرضنا فيه: الرفع، والنصب، والجر، والجزم، لأن هذا أمر قد قرع في أكثر الكتب المصنفة فيه منه، وإنما هذا الكتاب مبني على إثارة معادن المعاني، وتقرير حال الأوضاع، والمبادئ، وكيف سرت أحكامها، في الأحناء والحواشي" (٢). وإذا كانت "الخصائص" أو "خصائص العربية" - كما يفسرها

стр. 7

بعض أولي الفضل من المحققين - كلمة عامة، فإنها تشمل الخصائص اللغوية، والنحوية. والتصريفية، والبلاغية. والخصائص البلاغية هي خصائص النظم التي أفصح عنها ابن جنى في عديد من المواقف التي عرض لها وتحدث فيها حديث العالم بخفايا اللغة، وأسرار التعبير فيها. وإذا كانت البلاغة - وهي النظم عند عبد القاهر - نتبع معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يساق لها الكلام، فلقد تتبع البلاغيون من أمثال عبد القاهر الجرجاني، وابن سنان الخفاجي، وابن الأثير، والخطيب القزويني، معاني النحو التي أبان عنها ابن جنى، في "الخصائص"، فكانت لهم معيناً عذباً، عل منه القوم ونهلوا، حتى نمت رياض البلاغة، وأخضو ضربت، واستوت على سوقها، وآتت أكلها ضعفين! وعلى الرغم من أن كتاب "الخصائص" لابن جنى كان مورداً عذباً من موارد البلاغيين؛ فإنهم لم يدرسوه دراسة بلاغية وافية، بل إنهم أفادوا منه ما أفادوا وتركوه، على أنه كتاب في علم اللغة، أو في علم النحو والتصريف، وكأنه لا يعنيهم إلا بمقدار ما أخذوا منه وأفادوا! على أن من أخذ منه، أو أفاد، من البلاغيين، لم يشر إليه إلا في القليل النادر، بل إن منهم من نقل أبواباً كاملة من الخصائص - كأبن الأثير - دون أن يشير إلى المصدر الذي نقل عنه! وإذا ما أشار إلى ابن جنى، فلكي بوسعه نقداً وتجريحاً! وقد تجد من العلماء، وسط هذا النكران للجميل، من كان يجل ابن

стр. 8

جنى، ويثنى عليه في كتبه وهو سعيد بأنه قد قرأ عليه، وأخذ عنه، وهو الشريف الرضى، فقد أثنى عليه في كتابيه: "تلخيص البيان في مجازات القرآن، و"المجازات النبوية" أكثر من عشر مرات، يقول فيها: "قال شيخنا". ومن ذلك قوله: "وكان شيخنا أبو الفتح عثمان بن جنى، ﵀، يقول: معنى قولهم في القسم لعمر الله ما فعلت ذلك، أو لأفعلن ذلك، إنما يريدون به القسم بحياة يحيى الله بها، لا بحياة يحيا بها، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً .. فكنت أستحسن هذا القول منه حدأ، وله نظائر كنت أسمعها منه عند قراءته عليه، وكان، عفا الله عنه، كثير الإستنباط للخبايا، والإستطلاع للخفايا" (١). ومن قوله، أيضاً، في حذف ما هو معلوم للمخاطبين: "وكان شيخنا أبو الفتح النحوي، ﵀، يسمى هذا الجنس شجاعة الفصاحة" لأن الفصيح، لا يكاد يستعمله، إلا وفصاحته جرية الحنان، غزيرة المواد" (٢). ولهذا كله فإني أقدمت على بحث "خصائص النظم" في خصائص العربية، لأبي الفتح عثمان بن جنى المتوفى سنة ٣٩٢ هـ، متبعاً في ذلك ما يلي:

стр. 9

أولاً: مهدت لهذا البحث بموجز عن أبي الفتح عثمان بن جنى تناول أصله، ونشأته وصحبته لأبي علي الفارسي، وللمتنبي، وحبه لشعر المتنبي، وتقدير المتنبي له وأنبعث ذلك بذكر نماذج من شعر، ثم بتاريخ ولادته ووفاته، ثم تلاميذه، وكتبه ثم وصفه لكتابه ثم ذكرت مواطن الإفصاح عن خصائص النظم في كتاب الخصائص. ثانياً: جمعت ما تفرق من خصائص النظم، أو من مسائل البلاغة، في كتاب: الخصائص ووضعته تحت عناوين بلاغية مناسبة، لكل موضوع "حتى يستطيع الإفادة منها باحث البلاغة في سهولة ويسر، وذلك لأن ابن جنى قد وضع تلك الخصائص - في الأعم الأغلب - تحت عناوين لغوية، وأحباناً تحت عناوين نحوية. ثالثاً: نظمت ما جاء تحت تلك العناوين تنظيماً بلاغياً مناسباً، بحيث قسمت الفكرة الكلية إلى أفكار جزئية، وأردفتها بالتحليلات البلاغية المناسبة. رابعاً: بينت إفادة البلاغيين من كل موضوع، من تلك الموضوعات، التي أثارها ابن جنى، في كتاب "الخصائص"، وأرجعت إليه كثيراً مما أخذ منه، ولم ينسب إليه مبيناً مكان الأخذ منه، وبخاصة ما وجدته من الخصائص في دلائل الإعجاز، وأسرار البلاغة لعبد القاهر، أو في المثل السائر، لابن الأثير. خامساً: رددت على ابن الأثير، في ما أثاره من اعتراضات على ابن جنى ما استطعت إلى ذلك سبيلاً. سادساً: أبديت رأيي فيما يمكن أن يكون للرأي فيه مجال. وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب، حسن إسماعيل عبد الرازق

стр. 10

التمهيد: (١) أبو الفتح عثمان بن جنى (١) هو أبو الفتح عثمان بن جنى؛ كان أبوه مملوكاً رومياً؛ وربما كان اسمه: (جنى) معرباً عن لفظ يوناني. هو (جنايس)؛ فقد قال ابن ماكولا في كتابه في المؤتلف والمختلف؛ وحكى لي إسماعيل بن المؤهل، أن أبا الفتح، كان يذكر أن أباه، كان فاضلاً، بالرومية؛ ويبدو من هذا: أن ابن جنى أراد تفسير اسم أبيه جنى الرومي، وأن معناه في العربية فاضل، فاللفظ اليوناني (جنايس)؛ معناه: كريم، نبيل، جيد التفكير عبقري، مخلص. ومن هنا يبدو صدق تفسير ابن جنى لاسم أبيه (٢). وفي نزهة الألباء لابن الأنباري: أن أباه "جنى" كان مملوكاً لسليمان ابن فهد الأزدي الموصلي (٣).

стр. 11

وقد كان سليمان بن فهد يكتب في حداثته بين يدي أبي إسحاق، الصابئ الذي توفى في سنة ٣٨٤ هـ. ثم انتقل إلى الموصل، فأقتنى بها ضياعاً؛ ونظر فيها، لقرواش أمير بني عقيل، وهو، معتمد الدولة، أبو المنيع، قرواش بن المقلد أحد أمراء العقيليين. وقد ولى الموصل سنة ٣٩١، إلى سنة ٤٤٢ هـ. ثم غضب عليه قرواش؛ فقتله سنة ٤١١ هـ. ومما يدلك على أن سليمان بن فهد صاحب قرواش هو مولى (جنى) أن ابن الزملدم الذي هجا ابن جنى قد هجا سليمان بن فهد صاحب قرواش في شعر، ذكره ابن الأثير، في باب (التخلص. والإقتضاب). يقول ابن الأثير، ومما استطرف من هذا النوع في الشعر: قول ابن الزملدم الموصلي، وهو: وليل كوجه البرقعيدي مظلم ... وبرد أغانيه، وطول قرونه سربت ونومي فيه نوم مشرد ... كعقل سليمان بن فهد ودينه على أولق فيه النفات؛ كأنه ... أبو جابر، في خبطه وجنونه إلى أن بداضوء الصباح، كأنه ... سنا وجه قرواش وضوء جبينه ثم يذكر ابن الأثير قصة هذه الأبيات فيقول: وهذه الأبيات لهما حكاية. وذاك أن هذا الممدوح - وهو شرف الدولة قرواش -، ملك العرب، وكان صاحب الموصل، فاتفق أنه كان جالساً مع ندمائه في ليلة من ليالي الشتاء، وفي جملتهم هؤلاء الذين هجاهم الشاعر.

стр. 12

وكان البرقعيدي، مغنياً، وسليمان بن فهد وزيراً، وأبو جابر حاجباً، فالتمس شرف الدولة من هذا الشاعر، أن يهجو المذكورين، ويمدحه فأنشد هذه الأبيات ارتجالاً، وهي غريبة في بابها، لم يسمع بمثلها، ولم يرض قائلها بصناعة التخلص وحدها، حتى رقي في معانيه المقصودة إلى أعلى منزلة. فابتدأ البيت الأول بهجو البرقعيدي، فجاء في ضمن مراده ذكر أوصاف ليل الشتاء جميعها، وهي الظلمة والبرد والطول، ثم إن هذه الأوصاف الثلاثة جاءت ملائمة لما شبهت به مطابقة له وكذل البيت الثاني والثالث ثم خرج إلى المديج بألطف وجه، وأدق صنعة، وهذا يسمي الاستطراد وما سمعت في هذا الباب بأحسن من هذه الأبيات (١) كما أنك نجد تلك الأبيات في الكامل؛ لابن الأثير، وهي - أيضاً - في قرواش، وابن فهد، البرقعيدي، وأبي جابر، كما تجدها في معجم الأدباء، وأن الأبيات في هجاء سليمان بن فهد، الموصلي، ومدح قرواش ابن المقله، أمير بني عقيل مع تغيير يسير. ولما لم يكن ابن جنى منتسباً إلى أصل عربي، فقد أحس بأن عليه أن يعوض هذا النقص (٢)، فانكب على العلم يرتوي من معينه، ويأخذ بأسبابه حتى علت مكانته، وعظم قدره، مما جعل الثعالبي يقول: هو القطب في لسان العرب، وإليه انتهت الرياسة في الأدب. وكان الشعر أقل خلاله (٣) لعظم قدره، وارتفاع حاله. ولهذا يقول ابن جنى من قصيدة طويلة (٤)

стр. 13

فإن أصبح بلا نسب ... فعلمي في الورى نسى على أني أؤول إلى ... قروم، سادة نجب قياصرة إذا نطقوا ... أرم الدهر، ذو الخطبب أولاك دعا النبي لهم ... كفى شرفاً دعاء نبي وقد نشأ ابن جنى بالموصل، وتعلم النحو بها، وممن أخذ عنهم في النحو أحمد بن محمد الموصلي الشافعي المعروف بالأخفش، وقرأ الأدب في صباه على أبي علي الفارسي وصحبه أربعين عاماً، وكان سبب صحبته لأبي على أن أبا علي قد سافر إلى الموصل، فدخل إلى الجامع، فوجد أبا الفتح عثمان ابن جنى يقرأ النحو وهو شاب، وكان بين يديه متعلم، وهو يكلمه في قلب الواو ألفاً نحو: قام، وقال، فاعترض عليه أبو علي فوجده مقصراً، فقال له أبو علي: زببت قبل أن تحصرم، ثم قام أبو علي ولم يعرفه ابن جنى، وسأل عنه فقيل له: هو أبو علي الفارسي النحوي، فأخذ في طلبه فوجده ينزل إلى السميريه، يقصد بغداد فنزل ممه في الحال ولزم وصاحبه من حينئذ إلى أن مات أبو علي، وخلفه ابن جنى، ودرس النحو ببغداد، وأخذ عنه. وكان تبحر ابن جنى في علم التصريف، لأن السبب في صحبته لأبي علي، وتغربه عن وطنه، ومفارقة أهله، مسألة تصريفية (١) ويبدوا أن ذلك اللقاء كان في سنة ٣٢٧ هـ وهي السنة التي أغار فيها معز الدولة بن بويه على الموصل، ولعل أبا علي الفارسي كان في ركبه في تلك الغزوة

стр. 14

كما أخذ ابن جنى بعد ذلك عن كثير من رواة اللغة والأدب كأبي بكر محمد بن الحسن المعروف بابن مقسم، وهو من القراء وكان راوية ثعلب، وقد روى ابن جنى عنه أخبار ثعلب، وعلمه، وأبو الفرج الأصفهاني صاحب الأغاني المتوفى ٣٥٦ هـ وأبي بكر محمد بن هرون الروباني عن أبي حاتم السجستاني، ومحمد بن سلمة عن أبي العباس المبرد. وممن أخذ عنهم من الأعراب، ممن لم تفسد لغتهم: أبو عبد الله محمد بن العساف العقيلي التميمي. وقد كانت له رحلات في طلب العلم، يدل عليها ما يقوله في إجازة أثبتها ياقوت في ترجمته "وما صح عنده - أيد الله - من جميع رواياتي، مما سمعته من شيوخي ﵏، وقرأته عليهم بالعراق، والموصل، والشام، وغير هذه البلاد التي أتيتها، وأقمت بها" ومن رواياته التي انتفع بها ابن منظور؛ ما قاله ابن جنى أخبرنا أبو صالح السليل، بن أحمد بن عيسى بن الشيخ، قال: حدثنا عبد الله محمد بن العباس اليزيدي، قال: حدثنا الخليل بن أسد النوشجاني، قال: حدثنا محمد بن يزيد بن ريان، قال أخبرني رجل عن حماد الراوية، قال: أمر النعمان، فنسخت له أشعار العرب في الطنوج - قال: وهي الكراريس، - ثم دفنها في قصره الأبيض، فلما كان المختار ابن عبيد، قيل له: إن تحت القصر كنزاً، فاحتفره، فأخرج تلك الأشعار فمن ثم أهل الكوفة أعلم بالشعر من أهل البصرة (١)

стр. 15

لقاؤه بالمتنبي: كان ابن جنا محباً لشعر أبي الطيب المتنبي، إذ هو يستشهد به كثيراً في خصائصه، على المعاني والأغراض؛ فقد التقى به، في حلب عند سيف الدولة الحمداني، وفي شيراز عند عضد الدولة بن بويه. وقد قرأ ابن جنى على المتنبي ديوانه؛ يقول البديعي: قال أبو الفتح ابن جنى: كنت قد قرأت ديوان المتنبي عليه، فلما وصلت إلى قوله: أغالب فيك الشوق والشوق أغلب ... وأعجب من ذا الهجر، والوصل أعجب وقوله: وأخلاق كافور إذا شئت مدحه ... وإن لم أشأ تملى علي وأكتب إذا ترك الإنسان أهلاً وراءه ... ويمم كافوراً فما يتغرب! فقلت له: يعز علي أن يكون هذا الشعر، في ممدوح غير سيف الدولة، فقال حذرناه، وأنذرناه؛ فما نفع فيه الحذر، ألست القائل فيه: أخا الجود: أعط الناس ما أنت مالك ... ولا تعطين الناس ما أنا قائل؟ فهو الذي أعطاني لكافور بسوء تدبيره، وقلة تمييزه (١) وواضح أن قراءة ابن جنى على المتنبي ديوانه كانت بعد هروبه من مصر وهجائه لكافور. ويورد البديعي قصة تدل على إعجاب ابن حنى بشعر المتنبي فيقول:

стр. 16

كان أبو علي الفارسي بشيراز، وكان ممر المتنبي إلى دار عضد الدولة على دار أبي علي الفارس، وكان إذا مر به أبو الطيب يستثقله على قبح زيه، وما يأخذ به نفسه من الكبرياء؛ وكان لابن جنى هوى في أبي الطيب، كثير الإعجاب بشعره، لا يبالي بأحد يذمه، أو يحط منه، وكان يسوؤه إطناب أبي علي في ذمه؛ واتفق أن قال أبو علي يوماً: أذكروا لنا بيتاً من الشعر نبحث فيه؛ فبدأ ابن جنى وأنشد: حلت دون المزار؛ فاليوم لوزر ... ت لحال النحول دون العناق فاستحسنه أبو علي، واستعاده، وقال: لمن هذا البيت؟ فإنه غريب المعنى؛ فقال ابن جنى للذي يقول: أزورهم، وسواد الليل يشفع لي ... وأنثنى، وبياض الصبح يغري بي فقال: والله هذا حسن، بديع جداً؛ فلمن هذا؟ قال للذي يقول: أمضى إرادته، فسوف له قد ... واستقرب الأقصى، فثم له هنا فكثر إعجاب أبي علي، واستغرب معناه، وقال: لمن هذا؟ فقال ابن جنى: للذي يقول: ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ... مضر كوضع السيف في موضع الندى فقال: وهذا حسن والله؛ وقد أطلت يا أبا الفتح؛ فأخبرنا من القائل؟ قال: هو الذي لا يزال الشيخ يستثقله، ويشتقبح زيه، وفعله،

стр. 17

وما علينا من القشور إذا استقام اللب؟ قال أبو علي: أظنك تعني المتنبي؟ قلت: نعم، قال: والله لقد حببته إلي، ونهض، ودخل على عضد الدولة فأطال في الثناء على أبي الطيب؛ ولما اجتاز به استنزله، واستنشده، وكتب عنه أبياناً من الشعر (١). قوله عن المتنبي: شاعرنا: يقول ابن جنى - وهو يتحدث عن صحة الطبع العربي، وصغائه، ولطفه: وحدثني المتنبي شاعرنا - وما عرفته إلا صاقاً - قال: كنت عند منصرفي من مصر في جماعة من العرب، وأحدهم يتحدث .. فذكر في كلامه فلاة واسعة، فقال: يحير فيها الطرف، قال: وآخر منهم يلقنه سراً من الجماعة بينه وبينه فيقول له: يحار، يحار، أفلا ترى إلى هداية بعضهم لبعض وتنبيهه إلى الصواب؟ (٢). وفي موضع آخر من الخصائص يقول: وذاكرت المتنبي شاعرنا نحواً من هذا، وطالبته في شيء من شعره (٣). ويقول في باب التراجع عند التناهي: "وأبلغ من هذا قول شاعرنا (٤). ولجدت حتى كدت تبخل حائلا ... للمنتهى؛ ومن السرور بكاء

стр. 18

تقدير المتنبي لابن جنى: كان المتنبي يعرف قدر ابن جنى، ويجله، ويقول عنه: هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس، وكان إذا سئل عن شيء من دقائق النحو والتصريف في شعره، يقول: سلوا صاحبنا أبا الفتح، وكان إذا سئل عن معنى قاله، أو توجيه إعراب، حصل فيه إعراب، دل عليه، وقال: عليكم بالشيخ الأعور، ابن جنى فسلوه فإنه يقول ما أردت، وما لم أرد (١). وفي هذه الرواية ما يدلك على تقدير المتنبي لابن جنى، وعلى سعة علمه وتبحره في اللغة العربية، ومعرفته الواسعة بأساليبها، وأحاطته بمذاهب العرب في استعمالها. وقد يفهم من قول المتنبي: هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس: أن ابن جنى على سعة علمه، واحترام أولى الفضل له، واعترافهم بتقدمه، قد كان كثير من الناس لا يعرف له هذا الفضل، وربما كان عدم التقدير من هؤلاء راجعاً إلى أنهم كانوا ينفسون عليه مكانته التي وصل إليها بعلمه وفضله، وساعدهم على هذا، ما كان من طريقته وهو يتحدث، فقد كان من عادته - كما يقول ياقوت - أن يميل بشفتيه، وقد كان هذا موضع تندر من بعض الكتاب في ديوان آل بويه في بغداد بأبي الفتح؛ فقد أبصره، وهو يتحدث، ويفعل ما تعوده مما ذكرت فأثار فيه الكاتب النظر، فسأله أبو الفتح في ذلك فقال: شبهت مولاي الشيخ وهو يتحدث ويقول ببوزه كذا، يقر درايته اليوم عند صعودي إلى دار المملكة وهو على شاطئ دجله يفعل مثل ما يفعل مولاي الشيخ، فامتعض أبو الفتح،

стр. 19

وقال: ما هذا القول يا أبا الحسين - أعزك الله -: ومتى رأيتني أمزح فتمزح معي أو أمجن فتمجن بي؟ ! فلما رآه أبو الحسين قد حرد، واستشاط وغضب قال: المعذرة أيها الشيخ إليك وإلى الله تعالى عن أن أشبهك بالقرد، وإنما شبهت القرد بك، فضحك أبو الفتح، وقال: ما أحسن ما اعتذرت! وعلم أبو الفتح أنها نادرة تشيع، فكان يتحدث بها هو دائماً (١). نماذج من شعر: يذكر الثعالبي أن الشعر كان أقل خلال ابن جنى لعظم قدره وارتفاع حاله، ويورد من قوله في الغزل (٢): غزال غير وحشي ... حكى الوحشي مقلته رآه الورد يجنى الورد ... فاستكساه حلته وشم بأنفه الريحا ... ن فاستهداه زهرته وذاقت ريقه الصهبا ... ء فاختلسته نكهته ومن شعره ما يورده صاحب نزهة الألباء في العتب على صديق له (٣): صدودك عني ولا ذنب لي ... يدل على نية فاسدة وقد - وحياتك - مما بكيت ... خشيت على عيني الواحدة

стр. 20

ولولا مخافة ألا أراك ... لما كان في تركها فائدة ويذكر البديعي أن أبا الفتح قد رثا أبا الطيب المتنبي بقصيدة مطلعها: غاض القريض وأودت نضرة الأدب ... وصوحت بعدري دوحة الكتب ومنها يقول: سلبت ثوب بهاء كنت تلبسه ... كما تخطف بالخطية السلب ما زلت تصحب في الجلي إذا نزلت ... قلباً جميعاً، وعزماً غير منشعب وقد حلبت لعمري الدهر أشطره ... تخطو بهمة لأوان ولا نصب من للهواجل يحيى ميت أرسمها ... بكل حائلة التصدير والحقب؟ ! ومنها: باتت وسادي أطراب تؤرقني ... لما غدوت لقى في قبضة النوب غمرت خدن المساعي غير مضطهد ... ومت كالنصل لم يدنس ولم يعب فأذهب عليك سلام الله ما تلقت ... خوص الركائب بالأكوار والشعب (١) ...

стр. 21

تاريخ ولادته وتاريخ وفاته: لم يعين أحد ممن ترجم لابن جنى سنة ولادته، ويكتفون بقولهم: إنه ولد قبل الثلاثين والثلاثمائة، إلا أبا الفداء، الذي يذكر أن ولادته كانت ٣٠٢ هـ، ولكنهم يتفقون على سنة وفاته، وهي سنة ٣٩٢ هـ. وقد قالوا: إن ابن جنى قد صحب أستاذه أبا علي الفارسي أربعين عاماً" على أثر معرفته به في مسجد الموصل، وقد كان ذلك في سنة ٣٣٧ هـ. وقد قال ابن قاضي شهبة - في طبقات النحاة - إنه توفى وهو في سن السبعين ومعنى هذا: أن ولادته كانت في حوالي سنة ٣٢٣ هـ وإذا كانت ولادته في هذه السنة، فإن معرفته بأبي علي الفارسي في مسجد البصرة قد تمت وهو في سن الخامسة عشرة، ونروي قصة لقائه بأبي علي: أن أبا علي مر عليه، وهو يدرس العربية، ومن القليل أن يتعرض المرء للتدريس في هذه السن المبكرة، وهذا يرجح رواية أبي الفداء في تاريخ ولادته. غير أن رواية لقائه بأبي علي - وهي التي يذكرها ابن الأنباري في نزهة الألباء - ربما توحي لنا بأن ابن جنى - وهو يدرس العربية بمسجد البصرة - كان في هذه السن المبكرة لأنها تقول، وكان سبب صحبته إياه: أن أبا علي الفارسي كان قد سافر إلى الموصل فدخل إلى الجامع فوجد أبا الفتح عثمان بن جنى، يقرأ النحو، وهو شاب، وكان بين يديه متعلم وهو يكلمه، في قلب الواو وألفاً، نحو قام، وقال، فاعترض عليه أبو علي، فوجده مقصراً، فقال له: تزببت وأنت حصر (١)!

стр. 22

فقول أبي علي: تزييت وأنت حصرم، تدل على أن ابن جنى - وهو يدرس العربية في مسجد الموصل - كان في سن مبكرة. وقد توفى ابن جنى في يوم الجمعة لليلتين بقيتا من شهر صفر سنة اثنين وتسعين وثلاثمائة، في خلافة القادر (١)، وتولى الصلاة عليه الشريف الرضى، وكان بينها صداقة وكيدة - كما في ديوان الشريف الرضى -. وقد رثاه الشريف الرضى بقصيدة، منها: ألا بالقوم، للخطوب الطوارق ... وللعظم يرمي كل يوم بعارق وللدهر يعرى جانبي من أقاربي ... ويقطع ما بيني وبين الأصادق وللنفس قد طارت شعاعاً من الجوى ... لفقد الصفايا، وانقطاع العلائق لها كل يوم موقف من مودع ... وملتفت في عقب ماض مفارق نجوم من الإخوان يرمى بها الردى ... مغاربها فوت العيون الروامق ومنها: لتبك أبا الفتح العيون بدمعها ... وألسننا من بعدها بالمناطق إذا هب من تلك الغليل بدامع ... تسرع من هذى الغرام بناطق شقيقي إذا التاث الشقيق وأعرضت ... خلائق قومي جانباً عن خلائقي

стр. 23

تلاميذه: كان من تلاميذه: أبو القاسم عمر بن ثابت الثمانيني، وأبو أحمد عبد السلام البصري، وأبو الحسن علي بن عبد الله الشمسي، وغيرهم (١). ومن تلاميذه: الشريف الرضى، الذي يكثر من ذكر شيخه أبي الفتح ويعتز بالأخذ عنه في كتابيه تلخيص البيان في مجازات القرآن، "المجازات النبوية"، كقوله: "وكان شيخنا أبو الفتح عثمان بن جنى ﵀ يقول: معنى قولهم - في القسم-: لعمر الله ما فعلت ذلك، إنما يريدون به القسم بحياة يحيي الله بها، لا بحياة يحيا بها تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فسكنت أستحسن هذا القول منه جداً (٢). وكقوله: "وكان شيخنا أبو الفتح النحوي ﵀ يسمى هذا الجنس شجاعة الفصاحة، لأن الفصيح لا يكاد يستعمله إلا وفصاحته جرية الجنان، غزيرة المواد" (٣).

стр. 24

كتب ابن جنى: ١) كتاب سر الصناعة ٢) الخصائص ٣) التمام ٤) تفسير تصريف المازني ٥) شرح مستغلق أبيان الحماسة، واشتقاق أسماء شعرائها ٦) شرح المقصور والممدود لابن السكيت ٧) تعاقب العربية ٨) تفسير ديوان المتنبي الكبير، ويسمي: الفسر ٩) تفسير معاني ديوان المتنبي ١٠) اللمع في العربية ١١) كتاب مختصر التعريف ١٢) كتاب مختصر العروض والقوافي ١٣) كتاب الألفاظ المهموزة ١٤) كتاب المقتضب ١٥) تفسير المذكر والمؤنث، ليعقوب ١٦) كتاب تأييد تذكرة أبي علي ١٧) المحاسن في العربية ١٨) النوادر الممتعة ١٩) الخاطريات ٢٠) كتاب المحتسب في شرح شواذ القراءات ٢١) تفسير أرجوزة أبي نواس ٢٢) تفسير العلويات ٢٣) كتاب البشرى والظفر ٢٤) رسالة في مد الأصوات ومقادير المدات

стр. 25

٢٥) كتاب المذكر والمؤنث ٢٦) كتاب المنتصف، ولعله هو (المنصف) وحرف الاسم ٢٧) كتاب مقدمات أبواب التصريف ٢٨) كتاب النقض على ابن وكيع في شعر المتنبي وتخطئته ٢٩) المعرب في شرح القوافي ٣٠) كتاب الفصل بين الكلام الخاص، والكلام العام ٣١) كتاب الوقف والابتداء ٣٢) كتاب المعاني المحررة ٣٣) كتاب الفرق ٣٤) كتاب الفائق ٣٥) كتاب الخطيب ٣٦) كتاب الأراجيز ٣٧) كتاب ذي القد ٣٨) شرح الفصيح ٣٩) كتاب شرح الكافي في القوافي ٤٠) التلقين في النحو ٤١) التذكرة الاصبهانية ٤٢) التهذيب ٤٣) المهذب ٤٤) التبصرة ٤٥) كتاب الزجر ٤٦) مسألتان من كتاب الأيمان لمحمد بن الحسن الشيباني ٤٧) علل التثنية ٤٨) المسائل الواسطية ٤٩) كتاب شرح الإبدال، ليعقوب

стр. 26

(٢) الخصائص يصف ابن جنى كتابه "الخصائص"، ويبين بعض ظروفه، وملابساته من خلال إهدائه إلى بهاء الدولة، أبي نصر؛ فيروز عضد الدولة بن بوية الذي تولى حكم العراق بعد وفاة أخيه شرف الدولة (١)، في سنة ٣٧٩ هـ. وقبض على الطائع الخليفة العباسي في سنة ٣٨١ هـ. ومن تلك الظروف والملابسات: ١ - أن أبا الفتح قد عكف دهراً طويلاً، على تصنيف هذا الكتاب، معملاً فكره، ورأيه، ورويته في سبيل إخراجه على الوجه الذي يصبو إليه جودة، وإتقاناً مع أن الوقت لم يسعفه لإعادة الإلمام بشوارده. ٢ - أنه لم يستطع أحد من الكوفيين، أو من البصريين أن يلم به، لامتناع جانبه على الفريقين، فلم ير أحداً من علماء البلدين: البصرة والكوفة قد تعرض لعمل أصول النحو على مذهب أصول الكلام والفقه أما كتاب الأصول لأبي بكر بن السراج، فإنه لم يلم بما ألم به ابن جنى في الخصائص وأما أبو الحسن الأخفش سعيد بن مسعدة المتوفى سنة ٢١٠ هـ فقد صنف كتيباً إذا قورن بكتاب الخصائص علم أن أبا الفتح قد ناب عنه فيه وكفاه مئوته التعب به مكافأة منه على ما أولاه له من علومه التي سعد بها.

стр. 27

٤ - أن الذي سأله تصنيف هذا الكتاب إنما هو بعض تلاميذه ممن آنس بصحبته وأرتضى حال أخذ عنه، وأنه سأل فأطال المسألة وأكثر الحفاوة والمبلاينة حتى أجابه إلى طلبه. ويحسن أن نستمع إلى ابي الفتح عثمان بن جنى يسف كتابه "الخصائص" وهو يقدمه إلى بهاء الدولة، "هذا - أطال الله بقاء مولانا الملك السيد المنصور المؤيد، بهاء الدولة، وضياء الملة، وغياث الأمة. وأدام ملكه ونصره، وسلطانه، ومجده، وتأييده، وسموه، وكبت شانئه وعدوه - كتاب لم أزل على فارط الحال، وتقادم الوقت، ملاحظاً له، عاكف الفكر عليه، منجذب الرأي، والروية إليه، وإذا أن أجد مهملاً، أصله به، أو خللاً، أرتقه بعمله، والوقت يزداد بنواديه ضيقاً، ولا ينهج لي إلى الابتداء طريقاً هذا مع إعظامي له، وإعصامي بالأسباب المنتاطه به، واعتقادي فيه، أنه من أشرف ما صنف في علم العرب وأذهبه في طريق القياس والنظر، وأعوده عليه بالحيطة والصون، وآخذه له، من حصة التوقير والأون، وأجمعه للأدلة على ما أودعته هذه اللغة الشريفة: من خصائص الحكمة، ونيطت به من علائق الاتقان والصنعة فكانت مسافر وجوهه، ومحاسر أذرعه وسوقه، تصف لي ما اشتملت عليه مشاعره، وتحى إلى بما خيطت عليه من أقرابه وشواكله، وتريني أن تعريد كل من الفريقين البصريين، والكوفيين عنه، وتحاميهم طريق الإلمام به، والخوض في أدنى أو شاله وخلجه، فضلاً عن اقتحام غماره ولججه، إنما كان لإمتناع جانبه، وانتشار شعاعه، وبادي تهاجر قوانينه وأوضاعه وذلك أنا لم نر أحداً من علماء البلدين تعرض لعمل أصول النحو على مذهب أصول الكلام والفقه. فأما كتاب أصول أبي بكر، فلم يلمم فيه بما نحن عليه إلا حرفاً أو حرفين في أوله، وقد تعلق عليه به، وسنقول في معناه. على أن أبا الحسن، قد كان صنف في شيء من المقاييس كتيباً، إذا

стр. 28

أنت قرنته بكتابنا هذا علمت بذاك أنا نبنا عنه فيه، وكفيناه كلفة التعب به، وكافأ باه على طليف ما أولاناه من علومه المسوقة إلينا، المفيضة ماء البشر والبشاشة علينا، حتى دعا ذلك أقواماً نزرت من معرفة حقائق هذا العلم حظوظهم، وتأخرت عن إدراكه أقدامهم إلى الطعن عليه والقدح في احتجاجاته وعلله، وترى ذلك مشروحاً في الفصول بإذن الله. ثم إن بعض من يعتادني، ويلم لقراءة هذا العلم لي ممن آنس بصحبته لي، وأرتضى حال أخذه عني، سأل فأطال المسألة، وأكثر الحفاوة والملاينة أن أمضى الرأي في إنشاء هذا الكتاب، وأوليه طرقاً من العناية والإنصاب فجمعت بين ما أعتقده "من وجوب ذلك على، إلى ما أوثره من إجابة هذا السائل لي، فبدأت به، ووضعت يدي فيه، واستعنت الله على عمله، واستمددته - سبحانه - من إرشاده وتوفيقة، وهو - عز اسمه - موتي ذلك بقدرته وطوله ومشيئته (١).

стр. 29

(٣) مواطن الإفصاح عن خصائص النظم في "الخصائص " لما كان كتاب ابن جنى شاملاً لخصائص العربية كلها، من خصائص لغوية، ونحوية، وصرفية، وبلاغية فقد جاءت خصائص النظم فيه في أنحاء متفرقة من الكتاب تبعاً للمواقف، أو المواطن التي تتطلب الإفصاح عنها ويمكن أن نتبيتها فيما يلي: ١ - إقامة الدليل على صحة القضايا اللغوية: ومن ذلك قضية الفرق بين الكلام، والقول: فقد أراد ابن جنى أن يثبت أن الكلام إنما هو لفظ مستقل بنفسه مفيد لمعناه، فاستدل على ذلك بأن العرب قد وصفت كلامها تارة بالإطناب، وتارة بالإيجاز، وتارة ثالثة بغيرهما، وذلك لا يكون إلا بكلام تام مستقل بنفسه، وبهذا تعرض للإيجاز والإطناب وأورد قول ابن الرومي: وحديثها السحر الحلال، ألوانه ... لم يحن قتل المسلم المتحرز إن طال لم يملل وإن هي أوجزت ... ود المحدث أنها لم توجز شرك القلوب، وفتنة ما مثلها ... للمطمئن وعقلة المتوفز نذكر أنها تطيل تارة وتوجز أخرى، والإطالة والإيجاز جميعاً إنما هما في كل كلام، مفيد، مستقل بنفسه. إلى أن يقول: فقد تبت بما شرحناه، وأوضحناه، أن الكلام، إنما هو في لغة العرب، عبارة عن الألفاظ القائمة برءوسها، المستغنية عن غيرها،

стр. 30

وهي التي يسميها، أهل هذه الصناعة الجمل على اختلاف تركيبها، وثبت أن القول عندها، أوسع من الكلام تصرفاً" (١). ٢ - إقامة الدليل على صحة القضايا النحوية: ومن ذلك ما جاء به إن جنى في باب غلبة الفروع على الأصول، فقد جاء ابن جنى بما يكون منه في معاني العرب، من قلب التشبيه في مثل قول ذي الرمة: ورمل كأوراك العذارى قطعته ... إذا ألبسته المظلمات الحنادس ليمهد به، وليكون شاهداً، ودليلاً على أن مثله يأتي في معاني الإعراب أي، كما يقلب العرب التشبيه، فيجعلون المشبه مشبهاً به، ويجعلون المشبه به مشبهاً، طلباً للمبالغة في التشبيه، فيجعلون الفرع أصلاً، والأصل فرعاً فكذلك يفعلون في معاني الإعراب. ولهذا فإنه بعد أن ينتهي من أمثلة التشبيه المقلوب، يقول: فهذا من حملهم الأصل على الفرع، فيما كان الفرع أفاده من الأصل، ونظائره في هذه اللغة كثيرة، ثم يقول: وهذا المعنى عينه: قد استعمله النحويون، في صناعتهم، فشبهوا الأصل بالفرع، في المعنى الذي أفاده ذلك الفرع من ذلك الأصل، ألا ترى أن سيبويه أجاز في قولك: هذا الحسن الوجه، أن يكون الجر، في الوجه من موضعين: أحدهما: الإضافة، والآخر: تشبيهه بالضارب الرجل، الذي إنما جاز فيه الجر تشبيهاً له بالحسن الوجه؟ فإن قيل: وما الذي سوغ لسيبويه هذا، وليس ممما يرويه عن العرب رواية، وإنما هو شيء رآه واعتقده لنفسه وعلل به؟ قيل: يدل على صحة

стр. 31

ما رآه من هذا، وذهب إليه: ما عرفه وعرفناه معه: من أن العرب إذا شبهت شيئاً بشيء، مكنت ذلك الشبه لهما، وعمرت به الحال بينهما، ألا تراهم لما شبهوا الفعل المضارع بالاسم، فأعربوه، تمموا ذلك المعنى بينهما بأن شبهوا، اسم الفاعل بالفعل، فأعملوه (١)؟ ! ٣ - الدليل على صحة القضايا النقدية: وذلك هو ما تجده في باب الرد على من ادعى على العرب عنايتها بالألفاظ، وإغفالها المعاني، حيث يستدل على عناية العرب بالمعاني قدر عنايتها بالألفاظ، وأن المعاني أكرم عندها، لأنها تعتني بالألفاظ، فتصلحها وتهذبها، وتراعيها، وتلاحظ أحكامها، بالشعر تارة، وبالخطب أخرى، والأسجاع التي تلتزمها، وتتكلف استمرارها، وما ذلك إلا من أجل المعاني لأن الألفاظ لما كانت عنوان معانيها وطريقاً إلى إظهار، أغراضها ومراميها أصلحوها، ورتبوها، وبالغوا في تحبيرها وتحسينها. ليكون ذلك أوقع لها في السمع، وأذهب بها في الدلالة على القصد، لأن المثل إذا كان مسجوعاً، لد لسامعه فحفظه، فإذا هو حفظه، كان جديراً باستعماله ولو لم يكن مسجوعاً، لم تأنس النفس به، ولا أنقت لمستمعه. وبهذا يتبين مدى تأثير السجع في النفوس. ثم يخرج بالنتيجة، بعد إقامة الدليل. فيقول: فإذا رأيت العرب، قد أصلحوا، ألفاظها، وحسنوها، وحموا حواشيها، وهذبوها، وصقلوا غروبها، وأرهفوها، فلاترين العناية إذ ذاك، إنما هي بالألفاظ، بل هي عندنا خدمة منهم للمعاني، وتنويه بها، وتشريف لها.

стр. 32

ونظير ذلك: إصلاح الوعاء وتحصينه، وتزكيته، وتقديسه، وإنما المبغى بذلك منه الاحتياط للوعي عليه، وجواره بما يعطر بشره، ولا يعر جوهره. كما قد نجد من المعاني الفاخرة السامية ما يهجنه، ويغض منه كدرة لفظه وسوء العبارة (١) عنه. ٤ - إقامة الدليل على صحة التعبير ببعض الجمل من الناحية العقلية: ومثال ذلك ما ذكره ابن جنى في باب المستحيل، وصحة قياس الفروع على الأصول، الذي أراد به - على حد تعبيره - تحصين المعاني، وتحرير الألفاظ، والتشجيع على مزاولة الأغراض. وقد ذكر في هذا الباب: أنه من المحال: أن تنقض أول كلامك بآخره كقولك: (قمت غدا)، و (سأقوم أمس)، أما قولك: إن قمت غدا، قمت معك، ولم أقم أمس، وقولك: أعزك الله، وأطال بقاءك، فتأتي بلفظ الماضي، ومعناه الاستقبال: وقوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فمضيت ثمت قلت: لا يعنيني وقوله: (أوديت إن لم تحب حبو المعتنك) فقد بين قبه أن ما جاء بلفظ الماضي وكان من حقه أن يكون مضارعاً، فالسر فيه إرادة تحقق الوقوع وتتبيته، وأن ما جاء بلفظ المضارع، وكان من حقه أن يكون ماضياً، فالسر فيه إنما هو حكايه الحال الماضية، واستحضار الصورة السابقة (٢).

стр. 33

٥ - الإفصاح عن فلسفة العرب في التعبير: وذلك ما نجده في باب التجريد، الذي فهمه ابن جنى من خلال تتبعه لكلمات شيخه، أبي علي الفارسي، فأعجب به، وأفق له، ووجد أن العرب قد تعتقد، أن في الشيء من نفسه معنى آخر، كأن حقيقته، ومحصوله، وقد يجري ذلك إلى ألفاظها، لما عقدت عليه معانيها، وذلك في نحو قولهم؛ لئن لقيت زيداً، لتقين منه الأسد، ولئن سألته لتسألن منه البحر فظاهر هذا، أن فيه من نفسه أسداً وبحراً، وهو عينه الأسد، والبحر، لا أن هناك شيئاً منفصلاً عنه، وممتازاً منه وعلى هذا، يخاطب الإنسان منهم نفسه حتى كأنها تقاوله، أو تخاطبه، منه؛ قول الأعشى: وهل تطبيق ودعاً، أيها الرجل؟ ! (١) ٦ - الإفصاح عن السرفي تنوع طرقهم في التعبير: وذلك هو ما تجده في باب الفرق بين الحقيقة، والمجاز، والذي بين فيه أن المجاز، إنما يقع، ويعدل إليه عن الحقيقة، لمعان ثلاثة، وهي: الاتساع، والتوكيد والتشبيه، فإن عدم هذه الأوصاف، كانت الحقيقة البتة، ومن ذلك قول النبي ﷺ في الفرس-: "هو بحر"، فالمعاني الثلاثة موجودة فيه، أما الاتساع، فلأنه زاد في أسماء الفرس التي هي: فرس، وطرف، وجواد، ونحوها: البحر، وأما التشبيه: فلأن حريه يجري في الكثرة مجرى مائة، وأما التوكيد: فلأنه شبه العرض بالجوهر، وهو أثبت في النفوس منه، والشبه في العرض منتفية عنه. وكذلك قوله تعالى: "وأدخلناه في رحمتنا" هو مجاز: وفيه الأوصاف

стр. 34

الثلاثة، أما السعة: فلأنه، كأنه زاد في أسماء الجهات والمحال أسماهو: الرحمة، وأما التشبيه، فلأنه شبه الرمة - وإن لم يصح دخولها - بما يجوز دخوله، فلذلك وضعها موضعه. وأما التوكيد: فلأنه أخبر عن العرض بما يخبر به عن الجوهر، وهذا تعال بالعرض، وتفخيم منه، إذ صبر إلى حيز ما يشاهد، ويلتمس، ويعاين (١). ٧ - بيان اختلاف النظم في الجمل، مع جريانها على حسب قوانين النحو: وذلك ما تجده في باب: شجاعة العربية، والذي وجده ابن جنى شاملاً، للحذف، والزيادة، والتقديم، والتأخير، والحمل على المعنى، والتحريف. وقد بين ابن جنى أنه إذا ما خولفت قواعد النحو، على الوجه الذي يؤدي إلى التعقيد، فإنه لا يجيزة، لعربي، ولا لمولد. وتلك الفصول التي أسماها شجاعة العربية، إنما سميت بذلك لأن الشاعر فيها إنما يجري عليها ثقة بامتلاك ناصية اللغة، واعتماداً على تمكنه منها، فإذا ما أدى به ذلك إلى التعقيد الذي يستهلك المعنى في مثل قول الشاعر: وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبو يقاربه فإنه، لا يجيزه لعربي، ولا يبيحه لمولد (٢).

стр. 35

٨ - الاستشهاد بخصائص النظم على صحة القضايا اللغوية: ومن ذلك: ما تجده في باب قوة اللفظ لقوة المعنى، الذي بين فيه أن: خشن في اللغة - دون أخشوشن، لما فيه من تكرير العين، وزيادة اللام، ومنه قول عمر ﵁ أخشو شنوا، وتمعددوا، أي: أصلبوا، وتناهوا في الخشنة، وقولهم: أعشب المكان، فإذا أرادوا، كثرة العشب فيه قالوا: أعشوشب. وقد استشهد على هذه القضية اللغوية بقوله تعالى: "أخذ عزيز مقتدر"، فمقتدر هنا، أوفق، من قادر، من حيث كان الموضع لتفخيم الأمر، وشدة الأخذ، وعليه - عند ابن جنى - قول الله تعالى: "لها ما كسبت، وعليها ما اكتسبت، فالحسنة تصغر بالنسبة لجزائها، لأن جزاءها هو عشرة أمثالها، ولما كان جزاء السيئة إنما هو بمثلها لم تحتقر بالنسبة للجزاء عنها، ولهذا كانت قوة فعل السيئة على فعل الحسنة، يقول الله تعالى: تكاد السموات يتفطرن منه، وتنشق الأرض، وتخر الجبال هداً، أن دعوا للرحمن ولداً، فإذا كان فعل السيئة ذاهباً بصاحبه إلى هذه الغاية البعيدة المترامية، عظم قدرها، وفخم لفظ العبارة عنها، فقيل، "لها ما كسبت" وعليها ما اكتسبت"، فزيد في لفظ فعل السيئة وانتقص من لفظ فعل الحسنة (١).

стр. 36

خصائص النظم في كتاب "الخصائص "

стр. 37

من فصاحة الكلام ١ - الخلو من ضعف التأليف: مما يشترطه المتأخرون من البلاغيين في فصاحة الكلام، الخلو من ضعف التأليف وقد عنوا به، أن يكون الكلام جارياً على غير المشهور من قواعد النحو، وذلك كالاضمار قبل الذكر، لفظاً ومعنى، نحو ضرب غلامه زيداً (١). فابن جنى له من هذا الباب شطره، إذ يعد المتأخرون ابن جنى ممن خالف في تلك المسألة التي أسلفناها. وابن جنى يعرض المسألة في شيء غير قليل من التفصيل، ثم يعرض رأيه فيها مؤيداً رأيه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً: وقد أورد تلك المسألة التي مثل بها البلاغيون لضعف التأليف لجريانها على غير المشهور من آراء النحاة، في باب أسماه "نقض المراتب إذا عرض هناك عارض". ثم ذكر أن من ذلك امتناعهم من تقديم الفاعل في نحو: ضرب غلامه زيداً وسبب هذا الامتناع إنما هو: إضافة الفاعل إلى ضمير المفعول، وفساد تقدم المضمر على مظهره لفظاً ومعنى، ولهذا فإن عليك إذا أردت تصحيح المسألة، أن تؤخر الفاعل، فتقول: ضرب زيداً غلامه. وعليه قول الله تعالى: "وإذ ابتلى إبراهيم ربه". وأجمعوا، على أنه لا يجوز لك أن تقول: (ضرب غلامه زيداً) وذلك لتقدم المضمر على مظهره لفظاً ومعنى.

стр. 38

وأما قول النابغة: جزى ربه عني عدى بن حاتم ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل فقد قالوا فيه: إن الهاء عائدة على مذكور متقدم، وكل ذلك لئلا يتقدم ضمير المفعول عليه مضافاً إلى الفاعل، فيكون مقدماً عليه لفظاً ومعنى؛ يقول ابن جنى "وأما أنا فأجيز أن تكون الهاء في قوله: جزى ربه عنى عدى بن حاتم ... عائدة على (عدى) خلافاً على الجماعة وهنا يقدر ابن جنى أن قائلاً قال: ألا تعلم أن الفاعل رتبته التقدم، والمفعول رتبته التأخر، فقد وقع كل منهما الموقع الذي هو أولى به، فليس لك أن تعتقد في الفاعل - وقد وقع مقدماً - أن موضعه التأخير، وإنما المأخوذ به في ذلك: أن يعتقد، في الفاعل إذا وقع مؤخراً، أن موضعه التقديم، فإذا وقع مقدماً، فقد أخذ مأخذه، ورست به قدمه، وإذا كان كذلك، فقد وقع المضمر قبل مظهره لفظاً ومعنى، وهذا ما لا يجوزه القياس". ويجيب ابن جنى بأنه قد شاع عنهم واطرد من مذاهبهم كثرة تقدم المفعول على الفاعل حتى دعا ذاك أبا علي إلى أن قال: إن تقدم المفعول على الفاعل قسم قائم برأسه، كما أن تقدم الفاعل قسم - أيضاً - قائم برأسه" وإن كان تقديم الفاعل أكثر، وقد جاء به الاستعمال مجيئاً واسعاً، نحو قول الله : "إنما يخشى الله من عباده العلماء" وقول ذي الرمة: أستحدث الركب من أشياعهم خبراً ... أم عاود القلب من أطرابه طرب

стр. 39

وقول معفر بن حمار البارقي: أجد الركب بعد غد خفوف ... وأمست من لبانتك الألوف وقول الله "ألهاكم التكاثر". إلى أن قال: والأمر في كثرة تقديم المفعول على الفاعل في القرآن، وفصيح الكلام متعالم غير مستنكر؛ فلما كثر وشاع تقديم المفعول على الفاعل كان الموضع له؛ حتى إنه إذا أخر، فموضعه التقديم، فعلى ذلك كأنه قال: (جزى عدى بن حاتم ربه) ثم قدم الفاعل على أنه قد قدره مقدماً عليه مفعوله فجاز ذلك. ثم قال: ولا تستنكر هذا الذي صورته لك، ولا يخف عليك؛ فإنه مما تقبله هذه اللغة، ولا تعافه، ولا تتبشعه (١). ومما ذكره ابن جنى يتضح لك أن عامة النحويين لا يجيزون عود الضمير على متأخر لفظاً ورتبه في مثل قولهم (ضرب غلامه زيداً) ولكن قول ابن جنى: "وأما أنا فأجيز" بعد قوله: "وأجمعوا على أنه لا يجوز"، يفيد أنه هو الذي خالف في تلك المسألة من بين النحويين، مع أن من المتأخرين من يذكر الأخفش وابن جنى (٢). كما يفهم من قوله - أيضاً - أن السر في جواز: "ضرب غلامه زيداً" عنده إنما هو كثرة تقديمهم المفعول على الفاعل؛ فصار الموضع له، فكأنه قد قدم وكأنه قد قال: (ضرب زيداً غلامه)؛ وهذا شبيه بباب: "غلبة الفروع على الأصول"؛ الذي عقده لجعل المشبه به مشبهاً، والمشبه مشبهاً به. وسوف نتعرض له، في التشبيه المقلوب - إن شاء الله تعالى -

стр. 40

ويفصل ابن يعقوب المغربي مسألة الإضمار قبل الذكر، وبعده بما يلي: ١ - إذا كان الغلام هو الضارب، وعاد منه الضمير على زيد، فقد ذكر ضمير زيد قبل ذكر لفظ زيد حقيقة وتقديراً؛ إلا أنه في رتبة التأخير، لكونه مفعولاً، وقبل ذكر معناه؛ ومع ذلك فليس في حكم المذكور، فهذا التأليف ضعيف يخل بالفصاحة. ٢ - وأما إن كان الإضمار بعد الذكر، لفظاً؛ حقيقة، كجاءني رجل فأكرمته أو تقديراً؛ كضرب غلامه زيد، على أن زيداً، فاعل، لأنه في تقدير التقديم، أو كان الإضمار، بعد ذكر ما يتضمن معناه، كقوله تعالى: "إعدلوا هو أقرب للتقوى" فإن الضمير عائد إلى العدل المفهوم من "اعدلوا" أو كان المعاد في حكم المذكور؛ وذلك بأن لا يتقدم ما يدل على معناه، ولا يتقدم لفظه صريحاً أو تقديراً، ولكن المعاد مؤخر مع وجود نكتة في الإضمار أو كالإبهام، ثم البيان، ليتمكن في ذهن السامع عند اقتضاء المقام ذلك، كضمير الشأن في نحو: (هو زيد قائم) وضمير رب في قوله: ربه فتية دعوت إلى ما ... يورث الحمد دائماً فأجابوا فلا ضعف في ذلك (١).
следующие страницы →