من فصاحة الكلام
١ - الخلو من ضعف التأليف:
مما يشترطه المتأخرون من البلاغيين في فصاحة الكلام، الخلو من ضعف التأليف وقد عنوا به، أن يكون الكلام جارياً على غير المشهور من قواعد النحو، وذلك كالاضمار قبل الذكر، لفظاً ومعنى، نحو ضرب غلامه زيداً (١).
فابن جنى له من هذا الباب شطره، إذ يعد المتأخرون ابن جنى ممن خالف في تلك المسألة التي أسلفناها.
وابن جنى يعرض المسألة في شيء غير قليل من التفصيل، ثم يعرض رأيه فيها مؤيداً رأيه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً:
وقد أورد تلك المسألة التي مثل بها البلاغيون لضعف التأليف لجريانها على غير المشهور من آراء النحاة، في باب أسماه "نقض المراتب إذا عرض هناك عارض".
ثم ذكر أن من ذلك امتناعهم من تقديم الفاعل في نحو: ضرب غلامه زيداً وسبب هذا الامتناع إنما هو: إضافة الفاعل إلى ضمير المفعول، وفساد تقدم المضمر على مظهره لفظاً ومعنى، ولهذا فإن عليك إذا أردت تصحيح المسألة، أن تؤخر الفاعل، فتقول: ضرب زيداً غلامه.
وعليه قول الله تعالى: "وإذ ابتلى إبراهيم ربه".
وأجمعوا، على أنه لا يجوز لك أن تقول: (ضرب غلامه زيداً) وذلك لتقدم المضمر على مظهره لفظاً ومعنى.
стр. 38
وأما قول النابغة:
جزى ربه عني عدى بن حاتم ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل
فقد قالوا فيه: إن الهاء عائدة على مذكور متقدم، وكل ذلك لئلا يتقدم ضمير المفعول عليه مضافاً إلى الفاعل، فيكون مقدماً عليه لفظاً ومعنى؛ يقول ابن جنى "وأما أنا فأجيز أن تكون الهاء في قوله:
جزى ربه عنى عدى بن حاتم ... عائدة على (عدى) خلافاً على الجماعة
وهنا يقدر ابن جنى أن قائلاً قال: ألا تعلم أن الفاعل رتبته التقدم، والمفعول رتبته التأخر، فقد وقع كل منهما الموقع الذي هو أولى به، فليس لك أن تعتقد في الفاعل - وقد وقع مقدماً - أن موضعه التأخير، وإنما المأخوذ به في ذلك: أن يعتقد، في الفاعل إذا وقع مؤخراً، أن موضعه التقديم، فإذا وقع مقدماً، فقد أخذ مأخذه، ورست به قدمه، وإذا كان كذلك، فقد وقع المضمر قبل مظهره لفظاً ومعنى، وهذا ما لا يجوزه القياس".
ويجيب ابن جنى بأنه قد شاع عنهم واطرد من مذاهبهم كثرة تقدم المفعول على الفاعل حتى دعا ذاك أبا علي إلى أن قال: إن تقدم المفعول على الفاعل قسم قائم برأسه، كما أن تقدم الفاعل قسم - أيضاً - قائم برأسه" وإن كان تقديم الفاعل أكثر، وقد جاء به الاستعمال مجيئاً واسعاً، نحو قول الله : "إنما يخشى الله من عباده العلماء" وقول ذي الرمة:
أستحدث الركب من أشياعهم خبراً ... أم عاود القلب من أطرابه طرب
стр. 39
وقول معفر بن حمار البارقي:
أجد الركب بعد غد خفوف ... وأمست من لبانتك الألوف
وقول الله "ألهاكم التكاثر".
إلى أن قال: والأمر في كثرة تقديم المفعول على الفاعل في القرآن، وفصيح الكلام متعالم غير مستنكر؛ فلما كثر وشاع تقديم المفعول على الفاعل كان الموضع له؛ حتى إنه إذا أخر، فموضعه التقديم، فعلى ذلك كأنه قال: (جزى عدى بن حاتم ربه) ثم قدم الفاعل على أنه قد قدره مقدماً عليه مفعوله فجاز ذلك.
ثم قال: ولا تستنكر هذا الذي صورته لك، ولا يخف عليك؛ فإنه مما تقبله هذه اللغة، ولا تعافه، ولا تتبشعه (١).
ومما ذكره ابن جنى يتضح لك أن عامة النحويين لا يجيزون عود الضمير على متأخر لفظاً ورتبه في مثل قولهم (ضرب غلامه زيداً) ولكن قول ابن جنى: "وأما أنا فأجيز" بعد قوله: "وأجمعوا على أنه لا يجوز"، يفيد أنه هو الذي خالف في تلك المسألة من بين النحويين، مع أن من المتأخرين من يذكر الأخفش وابن جنى (٢).
كما يفهم من قوله - أيضاً - أن السر في جواز: "ضرب غلامه زيداً" عنده إنما هو كثرة تقديمهم المفعول على الفاعل؛ فصار الموضع له، فكأنه قد قدم وكأنه قد قال: (ضرب زيداً غلامه)؛ وهذا شبيه بباب: "غلبة الفروع على الأصول"؛ الذي عقده لجعل المشبه به مشبهاً، والمشبه مشبهاً به.
وسوف نتعرض له، في التشبيه المقلوب - إن شاء الله تعالى -
стр. 40
ويفصل ابن يعقوب المغربي مسألة الإضمار قبل الذكر، وبعده بما يلي:
١ - إذا كان الغلام هو الضارب، وعاد منه الضمير على زيد، فقد ذكر ضمير زيد قبل ذكر لفظ زيد حقيقة وتقديراً؛ إلا أنه في رتبة التأخير، لكونه مفعولاً، وقبل ذكر معناه؛ ومع ذلك فليس في حكم المذكور، فهذا التأليف ضعيف يخل بالفصاحة.
٢ - وأما إن كان الإضمار بعد الذكر، لفظاً؛ حقيقة، كجاءني رجل فأكرمته أو تقديراً؛ كضرب غلامه زيد، على أن زيداً، فاعل، لأنه في تقدير التقديم، أو كان الإضمار، بعد ذكر ما يتضمن معناه، كقوله تعالى: "إعدلوا هو أقرب للتقوى" فإن الضمير عائد إلى العدل المفهوم من "اعدلوا" أو كان المعاد في حكم المذكور؛ وذلك بأن لا يتقدم ما يدل على معناه، ولا يتقدم لفظه صريحاً أو تقديراً، ولكن المعاد مؤخر مع وجود نكتة في الإضمار أو كالإبهام، ثم البيان، ليتمكن في ذهن السامع عند اقتضاء المقام ذلك، كضمير الشأن في نحو: (هو زيد قائم) وضمير رب في قوله:
ربه فتية دعوت إلى ما ... يورث الحمد دائماً فأجابوا
فلا ضعف في ذلك (١).
стр. 41
٢ - الخلو من التعقيد اللفظي
يمكن أن نتبين هذا المعنى، من خلال فصل عقده ابن جنى لما أسماه: "بالفروق، والفصول"؛ وهي الأمور التي يفرق بها بين المضاف والمضاف إليه، وبين الفعل والفاعل، وبين المبتدأ والخبر، وبين الصفة والموصوف، أو ينتج عنها تقديم وتأخير على غير وجهة الصحي مما يؤدي بالكلام إلى التعقيد اللفظي (١) - كما يسميه جمهور البلاغيين - أو المعاظلة المعنوية يسميه أبو هلال العسكري (٢)، ويجاريه في ذلك ابن الأثير.
على أن هذه الأمور، وإن كانت تعرقل السامع عن فهم المعاني المقصورة من الكلام، ولا يرتضيها الذوق السليم، ولا يأنس إليها الطبع الصحيح؛ وتدل على جور الشاعر وتعسفه؛ إلا أنها لا تدل على ضعف لغته بل إنها مؤذنة بعلو قدمه في مجال الفصاحة؛ لأنه إنما تعسف ما تعسف ثقة - كما منه في امتلاك زمام اللغة، والتصرف فيها على حسب إرادته -.
ولهذا: أدخلها ابن جنى في باب: شجاعة العربية، لدلالتها على شجاعة الشاعر في تجشمه ما لم يعهد من أمر اللغة، وخرق العادة فيها.
"فمتى رأيت الشاعر قد ارتكب مثل هذه الضرورات على قبحها، وانخراق الأصول بها - فاعلم أن ذلك - على ما جشمه منه - وإن دل من وجه - على جوره وتعسفه، فإنه من وجه آخر مؤذن بصياله وتخمطه، وليس بقاطع دليل على ضعف لغته، ولا قصوره عن اختياره الوجه الناطق بفصاحته.
стр. 42
بل مثله في ذلك - عندي - مثل مجرى الجموم بلا لجام، ووأرد الحرب الضروس حاسراً من غير احتشام هـ فهو - وإن كان معلوماً في عنقه وتهالكه - فإنه مشهود له بشجاعته، وفيض منته؛ ألا تراه لا يجهل، أن لو تكفر في سلاحه، أو اعتصم بلجام جواده، لكان أقرب إلى النجاة وأبعد عن الملجاة؟ لكنه جشم ما جشمه على علمه بما يعقب اقتحام مثله، إدلالاً بقوة طبعه، ودلالة على شهامة نفسه؟ ! "
ثم يزيد ابن جنى هذا الأمر تأكيداً؛ وهو أن تلك الأمور السابقة، بما لا يقدح في فصاحة الشاعر، - وإن كانت تقدح في فصاحة الشعر - فيقول: "فاعرف بما ذكرناه حال ما يرد في معناه، وأن الشاعر، إذا أورد منه شيئاً، فكأنه لأنه بعلم غرضه وسفور مراده لم يرتكب صعباً، ولا جشم إلا أمماً؛ وافق بذلك قابلاً له، أو صادف غير آنس به، إلا أنه هو قد استرسل واثقاً، وبنى الأمر على أن ليس ملتبساً" (١).
درجات القبح بين الفروق والفصول:
وأقبح الفروق إنما تكون بين المضاف والمضاف إليه؛ لشدة الاتصال بين المتضايفين؛ فكلما ازداد الجزآن اتصالاً، قوى قبح الفصل بينهما.
ويلي ذلك في القبح: الفصل بين الفعل والفاعل بالأجنبي؛ وإنما كان دون الأول؛ لجواز الفصل بينهما بالظرف، كما في قولك: كان فيك زيد رأعبا، وقبح الفصل بين المنضايفين، كما في نحو قول الفرزدق (٢):
стр. 43
فلما للصلاة دعا المنادى ... نهضت، وكنت منها في غرور
والفصل هنا مبنى على أن (لما) اسم بمعنى "حين" مضاف إلى جملة: (دعا المنادى) والعامل فيه "نهضت".
أمثلة للفصول والتقديم والتأخير:
من ذلك قول الشاعر:
فقد - والشك بين لي، عناء - ... بوشك فراقهم، صرد يصيح
أرداد: فقد بين لي صرد يصيح بوشك فراقهم، والشك عناء:
فقد فصل فيه بين (قد) والفعل: (بين)؛ وفصل بين المبتدأ الذي هو "الشك" وبين الخبر الذي هو (عناء) بقوله: (بين لي). وفصل بين الفعل الذي هو: (بين) وبين فاعله الذي هو: (صرد) بخبر المبتدا الذي هو (عناء)، وقدم قوله: (بوش فراقهم) وهو معمول (يصبح) ويصيح صفة لصرد، على صرد وتقدم الصفة أو ما يتعلق بها على موصوفها، قبيح.
وقد ذكر ابن جنى هذا البيت في مكان آخر من الخصائص، وأورد بعده بيتاً آخر هو غاية في التعقيد قائلاً: "وأغرب من ذلك وأفحش، وأذهب في القبح؛ قول الآخر:
لها مقلتا حوراء طل خميلة ... من الوحش ما تنفك ترعى عرارها
أراد: لها مقلتا حوراء من الوحش ما تنفك ترعى خميلة طل عرارها،
стр. 44
فمثل هذا لا يجيزه للعرب أصلا؛ فضلاً عن أن تتخذه للمولدين رسماً" (١).
ومن ذلك قول الآخر:
فأصبحت بعد خط بهجتها ... كأن قفراً رسومها قلماً
أراد: فأصبحت بعد بهجتها قفراً؛ كأن قلما خط رسومها؛ ففصل بين المضاف الذي هو: (بعد) والمضاف إليه الذي هو: (بهجتها) بالفعل الذي هو: (خط)؛ وفصل أيضاً بين كأن واسمها الذي هو: (قلما) بأجنبيين: أحدهما: قفراً، والآخر: رسومها؛ لأن رسومها مفعول خط الذي هو: خبر كأن؛ وهذا قبيح.
وأقبع من هذا: أنه قدم خبر كأن عليها؛ وهو قوله: خط؛ وهذا، ونحوه مما لا يجوز لأحد قياس عليه (٢).
وأما بيت الكتاب (٣):
وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه
فحديثه معروف.
стр. 45
ومن ذلك قوله:
فليست خراسان التي كان خالد ... بها أسد، إذ كان سيفاً أميرها
وقد ذكر ابن جنى أن حديث هذا البيت طريف، وهو: أنه - فيما ذكر - يمدح خالد بن الوليد ويهجو أسداً، وكان أسد وليها بعد خالد، قالوا: فكأنه قال: وليست خراسان بالبلدة التي كان خالد بها سيفاً، إذ كان أسد أميرها، ففي كان - على هذا - ضمير الشأن والحديث، والجملة بعدها، التي هي (أسد أميرها) خبر عنها، وفي هذا التنزيل أشياء: منها الفصل بين اسم كان الأولى وهو (خالد) خبر عنها، وفي هذا التنزيل أشياء: منها الفصل بين اسم كان الأولى وهو (خالد) وبين خبرها، الذي هو (سيفاً) بقوله: (بها أسد إذ كان)، وفيها: أنه قدم بعض ما "إذ" مضافة إليه، وهو (أسد) عليها، وفي تقديم المضاف إليه، أو شيء منه على المضاف من القبح والفساد مالا خفاء به ولا ارتياب. وفيه - أيضاً -: أن (أسد) أحد جزأي الجملة المفسرة للضمير على شريطة التفسير، يعني ما في كان منه، وهذا الضمير، لا يكون تفسير إلا من بعده، ولو تقدم تفسيره قبله لما احتاج إلى تفسير (١).
ومن الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالنداء قول الشاعر:
كأن برذون أبا عصام ... زيد حمار دق باللجام
أي كأن برذوق زيد - با أبا عصا - حمار دق باللجام.
وأما الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف والجار والمجرور فإنه كثير، ولكنه قبيح، وهو من ضرورات الشعراء.
стр. 46
ومن ذلك قول ذي الرمة:
كأن أصوات من إيغالهن بنا ... أواخر الميس أصوات الفراريج (١)
وقول أبي حية النميري:
كما خط الكتاب بكف يوماً ... يهودي، يقارب أو يزيل
أي: بكف يهوذى، وقد كانت الكتابة يتعاطاها اليهود، ويقارب أو يزيل، يعني: يدني بعض خطه من بعض، أو يميز بين الحروف، ويباعد بينها (٢).
ومنه قول درني بنت عبعبة (٣)
هما أخوا في الحرب من لا أخاله ... إذا خاف يوماً نبوة فدعا هما.
أي: هما: أخوا من لا أخاله في الحرب، فعلق الظرف بما في (أخوا)، من معنى الفعل، لأن معناه هما ينصرانه، ويعاونانه.
ومنه قول تأبط شراً (٤):
هما خطتا، إما إسار ومنه ... وإما دم، والقتل بالحر أجدر
стр. 47
ففصل بين (خطتا) و (إسار) بقوله (إما).
ومن ذلك قول الآخر:
فزججتها بمزجة ... زج القلوص أبي مزادة
أي: زج أبي مزادة القلوص، ففصل بينهما بالمفعول به، "مع قدرته على أن يقول: زج القلوص أبو مزاده".
يقول ابن جنى، "وفي هذا البيت عندي دليل على قوة إضافة المصدر إلى الفاعل عندهم، وأنه في نفوسهم أقوى من إضافته إلى المفعول، ألا تراه ارتكب ههنا الضرورة، مع تمكنه من ترك ارتكابها، لا لشيء غير الرغبة في إضافة المصدر إلى الفاعل دون المفعول؟ (١)
وقد جاء الفصل بين الجازم والمجزوم، تشبيهاً بالجار والمجرور، في قول ذي الرمة:
فأضحت مغانيها قفاراً رسومها ... كأن لم سوى أهل من الوحش تؤهل
وقد جاء هذا في ناصب الفعل - أيضاً -، كالذي رواه ابن جنى عن محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى، وهو قول الشاعر:
لما رأيت أبا يزيد مقاتلاً ... أدع القتال، وأشهد الهيجاء
أي لن أدع القتال، ما رأيت أبا يزيد مقاتلاً، كما أراد في الأول: كأن لم سوى أهل من الوحش:
стр. 48
يقول ابن جنى: وكأنه شبه (لن) (بأن)، فكما جاز الفصل بين أن واسمها بالظرف في نحو قولك: بلغني أن في الدار زيداً، كذلك شبه (لن) مع الضرورة بها، ففصل بينها وبين منصوبها، بالظرف الذي هو: (ما رأيت أبا يزيد)، أي: مدة رؤيتي" (١).
وقد كان أبو الفتح ابن جنى معاصراً، لأبي الطيب المتنبي ومصاحباً له محباً لشعره، وقد وجد في شعره شيئاً مما ذكره في هذا الباب، وهو قوله:
وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه
فقال أبو الفتح ابن جنى:
"وذاكرت المتنبي شاعرنا نحواً من هذا، وطالبته به في شيء من شعره فقال: لا أدري ما هو، إلا أن الشاعر قد قال:
لسنا كمن حلت إياد دارها ... تكريت ترقب حبها أن يحصدا
فعجبت من ذكائه وحضوره، مع قوة المطالبة له حتى أورد ما هو في معنى الذي تعقبته عليه من شعره، وذكرنا ذلك لاتصاله بما نحن عليه، فإن الأمر يذكر للأمر" (٢).
ومعنى هذا البيت: لسنا كمن حلت دارها، ثم أبدل (إياد) من (حلت دارها) فإن حملته على هذا كان لحنا، لفصلك بالبدل بين بعض الصلة وبعض، وهذا خطأ في الصناعة، وإذا كان كذلك والمعنى عليه: أضمرت ما يدل عليه (حلت) فنصبت به الدار، فصار تقديره: لسنا كمن حلت إياد
стр. 49
أي: كإياد التي حلت، ثم قلت من بعده: حلت دارها، فدل حلت في الصلة على حلت هذه التي نصبت (دارها).
ولم يعلق ابن جنى على بيت أبي الطيب - كما رأيت - لحبه لشعر أبي الطيب المتنبي ولكن الذي علق عليه معاصره القاضي الجرجاني، كما سيأتي.
إفادة البلاغيين من هذا الباب
أظهر ما يميز هذا الباب هند ابن جنى: أن الشاعر فيه لا يجري على قوانين النحو، لأن فيه فصلاً بين المتضايفين، أو فصلاً بين الصفة والموصوف أو فصلاً بين الفعل والفاعل، أو تقديماً وتأخيراً بغير موجب، وتلك أمور، داخلة في نطاق النحو.
وهي - وإن دلت على شجاعة الشاعر القديم-، لارتكابه إياها، ثقة بتمكنه من ناصية اللغة - في رأي ابن جنى حيث سماها شجاعة العربية - إلا أنها في الوقت نفسه قبيحة جداً، ولا يجوز تقليد الشاعر القديم فيها، ولهذا قال: "فمثل هذا لا نجيزه للعربي أصلاً، فضلاً عن أن نتخذه للمولدين رسماص، ثم قال: "فاعرفه، واجتنبه".
ولهذا رأي القاضي الجرجاني المتوفى سنة ٣٩٢ هـ، والذي كان معاصراً لابن جنى أن مثل هذه الأمور مما يؤدي إلى هلهلة النسج، وإفساد النظم، وعدم ظهور المعنى، ووصفها بالتعقيد المفرط، ويظهر ذلك من خلال قوله معقباً على قول أبي الطيب المتنبي:
وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تسعدا، والدمع أشفاه ساجمه
وذلك حيث يقول: "ومن يرى هذه الألفاظ الهائلة، والتعقيد
стр. 50
المفرط، فيشك أن وراءها كنزاً من الحكمة، وأن في طيها الغنيمة الباردة، حتى إذا فتشها، وكشف عن سترها، وسهر ليالي متوالية فيها، حصل على أن: (وفاء كما با عاذلي بأن تسعداني إذ درس شجاي، وكلما ازداد تدارسا، ازددت له شجواً، كما أن الربع أشجاه دراسه، فما هذا من المعاني التي يضيع لها خلاوة اللفظ، وبهاء الطبع، ورونق الاستهلال ويشح عليها حتى يهلهل لأجلها النسج، ويفسد النظم، ويفصل بين الباء ومتعلقها بخبر الابتداء قبل تمامه، ويقدم، ويؤخر، ويعمي، ويعوص" (١).
وهكذا نجد أن القاضي الجرجاني قد وجد في بيت أبي الطيب الذي لم يجر فيه على قوانين النجو، ما أسماه بالتعقيد المفرط، وبفساد النظم الذي أدى إلى حفاء المعنى.
وجاء عبد القاهر الجرجاني، فأراد أن يثبت أن النظم ما هو إلا الجري على قوانين النحو، فاستدل على صحة كلامه بما قاله القاضي الجرجاني، قائلاً: ويكفيك أنهم قد كشفوا عن وجه ما أردناه؛ حيث ذكرو إفساد النظم، فليس من أحد يخالف في نحو قول الفرزدق:
وما مثله في الناس إلا مملكاً ... أبو أمه حي أبوه يقاربه
وقوله:
وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه
وفي نظائر ذلك مما وصفوه بفساد النظم، وعابوه من جهة سوء التأليف
стр. 51
أن الفساد والخلل كانا من أن تعاطي الشاعر ما تعاطاه من هذا الشأن على غير الصواب، وصنع في تقديم أو تأخير، أو حذف وإضمار، أو غير ذلك مما ليس له أن يصنعه، وما لا يسوغ، ولا يصح على أصول هذا العلم.
وإذا ثبت أن سبب فساد النظم واختلاله ألا يعمل بقوانين هذا الشأن ثبت أن الحكم كذلك في مزيته والفضيلة التي تعرض فيه، وإذ ثبت جميع ذلك ثبت أن ليس هو شيئاً غير توخي معاني هذا العلم وأحكامه فيما بين الكلم" (١).
فلما جاء الخطيب القزويني سمى هذا النوع من الكلام، باسم التعقيد اللفظي، وهو ألا يكون الكلام ظاهر الدلالة على المعنى المراد بسبب خلل واقع في نظمه، فلا يدري السامع كيف يتوصل منه إلى معناه وجعل الخلوص منه شرطاً لفصاحة الكلام (٢).
غير أن أبا هلال العسكري المتوفى سنة ٣٩٥ هـ والذي كان معاصراً لابن جنى قد أطلق على ما جاء في هذا الباب عند ابن جنى: اسم المعاظلة، وجعلها من سوء النظم فقال، فمن سوء النظم: المعاظلة. وقد مدح عمر بن الخطاب ﵁ زهيراً لمجانبتها، فقال: كان لا يعاظل بين الكلام، وأصل هذه الكلمة من قولهم: تعاظلت الجرادتان، إذا ركبت إحدهما الأخرى.
ثم ذكر أن قدامة قال: لا أعرف المعاظلة إلا فاحش الاستعارة مثل قول أوس:
стр. 52
وذات هدم عار نواشرها ... تصمت بالماء تولباً جدعاً
فسمى الصبي تولياً، والتوالب: ولد الحمار، وقول الآخر:
وما رقد الولدان حتى رأيته ... على البكر يمريه بساق وحافر
فسمى قدم الإنسان حافراً (١). وهذا غلط من قدامة كبير، لأن المعاظلة: في أصل الكلام إنما هي ركوب الشيء بعضه بعضاً، وسمى الكلام به إذا لم ينضد نضداً مستوياً وأركب بعض ألفاظه رقاب بعض وتداخلت أجزاؤه تشبيهاً بتعاظل الجراد وتسمية القدم بحافر ليست بمداخلة كلام، وإنما هو بعد في الاستعارة (٢).
ولكن ضياء الدين ابن الأثير قد سطا على ما قاله أبو هلال العسكري وألم بما جاء في خصائص ابن جنى من الفروق والفصول، وأطلق عليه: المعاظلة المعنوية وهو في بعض ما قاله ينقل نقل حرفياً، كلام ابن جنى، ولكنه لم يشر إليه.
وعلى الرغم من أن ابن جنى يقول في بيت الفرزدق:
إلى ملك، ما أمه من محارب ... أبوه، ولا كانت كليب تصاهره
فإنه مستقيم ولا خبط فيه، وذلك أنه أراد: إلى ملك أبوه ما أمه من محارب أي: ما أم أبيه من محارب، فقدم خبر الأب عليه، وهو جملة، كقولك: قام أخوها هند، ومررت بغلامهما أخواك (٣).
стр. 53
وعلى الرغم من هذا، فإنك تجد ابن الأثير، بعد أن ذكر قول بعضهم:
فقدو الشك بين لي عناء ... بوشك فراقهم صرد يصيح
وقول الآخر:
فأصبحت بعد خط بهجتها ... كأن قفراً رسومها قلماً
وعلق عليهما بما فهمه من قول ابن جنى، يقول:
ومما يجري هذا المجرى قول الفرزدق.
إلى ملك ما أمه من محارب ... أبوه، ولا كانت كليب تصاهره
وهو يريد: إلى ملك أبوه ما أمه من محارب، وهذا أقبح من الأول وأكثر اختلالاً" (١)
فأبو الفتح بن جنى - وهو حجة في النحو - يقول: "إن البيت مستقيم لا خبط فيه، وابن الأثير يقول: إنه أقبح من الأول وأكثر اختلالاً"! !
ولا ريب أن هذه مبالغة ليست في محلها؛ فلئن سلمنا بأن في البيت تقديماً لخبر الأب عليه وهو جملة - على حد تعبيراً ابن جنى - فإننا لا نسلم بأن ما فيه يبلغ ما بلغه البيت الأول من الاضطراب والقبح! إذ يكفي أن معناه واضح مع التقديم المذكور بينما المعنى في البيت الأول لا يظهر إلا بعد عناء شديد من التقدير والتأويل! !
ولئن كان ابن الأثير قد سمى هذا النوع من الكلام "معاظلة" وسماها غيره تعقيداً لفظياً فإن المطلوب في النهاية أمر واحد، وهو خلو الكلام من هذا التعقيد، حتى يتسم بالفصاحة، لأن المقصود من الكلام هنا - كما يقول ابن الأثير - معدوم، وهو الإيضاح، والإبانة، وإفهام المعنى، فإذا ذهب هذا الوصف المقصود من الكلام ذهب المراد به.
стр. 54
فهذا الضرب - كما يقول-: ضد الفصاحة، لأن الفصاحة هي الظهور والبيان وهذا عار عن هذا الوصف (١).
ويؤخذ مما أوردناه لابن جنى في ذلك الفصل ما يلي:
١ - أن الأمور التي يفرق بها بين المضاف والمضاف إليه، أو بين الفعل والفاعل، أو بين المبتدأ والخبر أو بين الصفة والموصوف، أو ينتج عنها تقديم وتأخير على غير وجهه الصحيح، مما يؤدي بالكلام إلى ما أسماه المتأخرون تعقيداً لفظياً، أو ما يسميه ابن الأثير معاظلة معنوية.
٢ - أن تلك الأمور - وإن كانت تدل على تعسف الشاعر وجوره، إلا أنها لا تدل على ضعف لغته، بل إنها مؤذنة بعلو قدمه في ميدان الفصاحة لأنه إنما فعل ما فعل ثقة منه بالتمكن من اللغة، والقدرة على إمتلاك زمامها ولهذا جعل ابن جنى هذا الفصل من بين فصول شجاعة العربية.
٣ - أن تلك الأمور، وإن كانت تدل على قدرة الشاعر وتمكنه من لغته، إلا أنه لا يجوز القياس عليها، بل يجب الابتعاد عن مثلها، ولهذا فإنه يقول معلقاً، على بيت ضم شيئاً منها: "غير أن فيه ما قدمنا ذكره من سمو الشاعر وتغطرفه، ويأوه وتعجرفه، فاعرفه واجتنبه (٢).
ويقول معلقاً على غيره: "فمثل هذا لا نجيزه للعربي أصلاً فضلاً عن أن تتخذه للمولدين رسماً (٣).
٤ - أن درجات القبح تتفاوت بين تلك. الفروق، والفصول"، حتى فصل إلى ما يعد ضرورة مستساغة من ضرورات الشعر.
стр. 55
٥ - أفاد البلاغيون من هذا الفصل الذي عقده ابن جنى للفروق والفصول إفادة جليلة، فقد جعله القاضي الجرجاني مفسداً للنظم معقداً للكلام، مما جعل عبد القاهر يستدل بكلامه على أن الكلام إذا لم يجر على قوانين النحو فإنه يوسم بسوء النظم، ومن ثم فإنه إذا جرى على تلك القوانين وسم بحسن النظم، فاستنتج من هذا أن النظم ما هو إلا تتبع معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يساق لها الكلام.
٦ - أطلق الخطيب على ما جاء في هذا الفصل: التعقيد اللفظي، بينما أطلق عليه ابن الأثير ما دعاه باسم المعاظلة المعنوية، أو كلاهما قد جعل الخلو منه شرطاً لفصاحة الكلام.
стр. 56
الألفاظ والمعاني
عقد ابن جنى في كتابه "الخصائص" باباً للرد على من ادعى على العرب عنايتها بالألفاظ وإغفالها المعاني؛ ولكنه لم يسم من ادعى هذا الادعاء.
وفي فاتحة هذا الباب يذكر أنه من أشرف فصول العربية وأكرمها، وأعلاها وأنزهها وأنك إذا تأملته عرفت منه وبه ما يؤنقك، ويذهب بك في الاستحسان له كل مذهب.
وذلك: أن العرب؛ كما تعني بألفاظها؛ فتصلحها، وتهذبها، وتراعيها، وتلاحظ أحكامها؛ بالشعر تارة، وبالخطب أخرى، وبالأسجاع التي تلتزمها، وتتكلف استمرارها؛ فإن المعاني أقوى عندها، وأكرم عليها، وأفخم قدراً في نفوسها.
فعناية العرب بالألفاظ إنما تكون من أجل المعاني، لأن المعاني عندها أكرم وأفخم، وأجل قدراً من الألفاظ، ولما كانت الألفاظ عنوان معانيها وطريقها إلى إظهار أغراضها. ومراميها، أصلحوها، ورتبوها وبالغوا في تحبيرها، وتحسينها، ليكون ذلك أوقع في السمع، وأذهب بها في الدلالة على القصد.
والدليل على ذلك: أن المثل إذا كان مسجوعاً، لذ لسامعه؛ فحفظه؛ فإذا هو حفظه كان جديراً باستعماله، ولو لم يكن مسجوعاً ما أنست النفس به، ولا أنفقت للاستماع إليه،
ثم يعود ليؤكد ما قاله من فضل المعاني على الألفاظ؛ فيقول: فإذا رأيت العرب قد أصلحوا ألفاظها، فيقول: فإذا رأيت العرب قد أصلحوا ألفاظها، وحسنوها، وحموا حواشيها وهذبوها، وصقلوا غروبها، وأرهفوها؛ فلا ترين أن العناية إذ ذاك إنما هي بالألفاظ،
стр. 57
بل هي عندنا خدمة منهم للمعاني، وتنويه بها؛ وتشريف منها، ونظير ذلك: إصلاح الوعاء وتحصينه، وتزكيته، وتقديسه، وإنما المبغى بذلك منه الاحتياط للمدعى عليه، وجواره بما يعطر بشره، ولا يعر جوهره، كما قد نجد من المعاني الفاخرة السامية ما يهجنه، ويغض منه كدرة لفظه، وسوء العبارة عنه (١).
ويفهم من كلام ابن جنى ما يلي:
١ - أن عناية العرب بالألفاظ؛ إنما هي عناية بالمعاني، لأن الألفاظ عنوان للمعاني، وطريق إلى إظهار الأغراض، والمقاصد؛ فهم إنما أصلحوا الألفاظ ورتبوها، وبالغوا في تحبيرها، وتحسينها، لتكون أوقع في السمع، وأبلغ في الدلالة على القصد.
٢ - مظاهر عناية العرب بالألفاظ إنما تتجلى في الأشعار والخطب، والأسجاع.
٣ - الألفاظ خدم للمعاني، فإذا ما اعتنوا بها، كان ذلك تشريفاً للمعاني وتنويهاً بذكرها.
٤ - الألفاظ أوعية للمعاني، والعناية بالوعاء عناية بالمدعى عليه.
٥ - من المعاني ما يهجنه سوء التعبير عنه.
وابن جنى هنا متأثر بفكرة ابن قيبة المتوفى سنة ٢٧٦ هـ التي قسم على أساسها الشعر إلى أربعة أضرب:
الأول: ما حسن لفظه، وجاد معناه.
стр. 58
والثاني: ما حسن لفظه وحلا؛ فإذا أنت فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى.
والثالث: ما جاد معناه وقصرت ألفاظه عنه.
والرابع: ما تأخر معناه، وتأخر لفظه (١).
والدليل على هذا: أنك تجده يورد اعتراضاً يتضمن الضرب الثاني من تلك الأضرب التي ذكرها ابن قتيبة في تقسيمه للشعر، بل إنه يورد نفس الأبيات التي اعترض عليها ابن قتيبة؛ فيقول: فإن قلت: فإنا نجد من ألفاظهم ما قد نمقوه، وزخرفوه، ووشوه، ودبحوه، ولسنا تجد مع ذلك تحته معنى شريفاً، بل لا نجده قصداً ولا مقارباً؛ ألا ترى إلى قوله (٢):
ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح
стр. 59
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطى الأباطح
فقد ترى إلى علو هذا اللفظ ومائه، وصقا له، وتلامح أنحائه، ومعناه مع هذا ما تحسه وتراه، إنما هو: لما فرغنا من الحج ركبنا الطريق راجعين، وتحدثنا على ظهور الإبل؛ ولهذا نظائر كثيرة، شريفة الألفاظ، رفيعتها، مشروفة المعاني خفيضتها (١).
ويرد ابن جنى على هذا الاعتراض قائلاً: هذا الموضع قد سبق إلى التعلق به من لم ينعم النظر فيه، ولا رأى ما أراد القوم منه؛ وإنما ذلك لجفاء طبع الناظر، وخفاء غرض الناطق.
وذلك أن في قوله: (كل حاجة): ما يفيد منه أهل النسيب والرقة، وذوو الأهواء والمتعة، ما لا يفيده غيرهم، ولا يشاركهم فيه من ليس منهم؛ ألا ترى أن من حوائج (منى) أشياء كثيرة غير ما الظاهر عليه، والمعتاد فيه سواها؛ لأن منها: التلاقى، ومنها: التشاكي، ومنها: التخلي؛ إلى غير ذلك مما هو قال له، ومعقود الكون به، وكأنه صانع عن هذا الموضع الذي أوماً غليه وعقد غرضه عليه، بقوله في آخر البيت:
ومسح بالأركان من هو ماسح
أي: إنما كانت حوائجنا التي قضيناها، وآرابنا التي أنضيناها، من هذا النحو الذي هو: مسح الأركان، وما هو لاحق به، وجار في القربة من الله مجراه، أي: لم يتعد هذا القدر المذكور إلى ما يحتمله من التعريض الجاري مجرى التصريح وأما البيت الثاني: فإن فيه:
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا
стр. 60
وذلك أنه لو قال: أخذنا في أحاديثنا، لكان فيه معنى يكبره أهل النسيب، وتعنو له معية الماضي الصليب؛ فقد شاع بينهم واتسع في محاوراتهم علو قدر الحديث بين الأليفين، والفكاهة بجمع شمل الأليفين؛ فإذا كان قدر الحديث - مرسلاً - عندهم هذا، فكيف به إذا قيده بقوله: (بأطراف الحديث)؟
وذل أن في قوله: (بأطراف الأحاديث) وحياً خفياً، ورمزاً حلواً، ألا ترى أنه يرى بأطرافها: ما يتعاطاه المحبون، ويتفاوضه ذوو الصبابة المتيمون، من التعريض، والتلويح، والإيماء، دون التصريح، وذلك أحلى وأدمث. وأغزل وأنسب من أن يكون مشافهة وكشفاً، ومصارحة وجهراً، وإذا كان كذلك فمعنى هذين البيتين أعلى عندهم، وأشد تقدماً في نفوسهم من لفظهما؛ وإن عذب موقعه، وأنق له مستمعه.
نعم، وفي قوله:
وسالت بأعناق المطى الأباطح
من الفصاحة ما لا خفاء به، والأمر في هذا أسير، وأعرف، وأشهر" (١).
ثم يشفع ابن جنى هذا الرد بدليل آخر على أن "العرب إنما تحلى ألفاظها وتدبحها وتشيها، وتزخرفها؛ عناية بالمعاني التي وراءها. وتوصلاً إلى إدراك مطالبها، بقول النبي ﷺ : "إن من الشعر لحكماً، وإن من البيان لسحراً"، فإذا كان رسول الله ﷺ يعتقد هذا في ألفاظ هؤلاء القوم، تلك الألفاظ التي جعلت مصايد وأشراكاً للقلوب، وسبباً
стр. 61
وسلما إلى تحصيل المطلوب، عرف بذلك أن الألفاظ خدم للمعاني، والمخدوم - ولا شك - أشرف من الخادم" (١).
وقد أفاد الإمام عبد القاهر الجرجاني من رد ابن جنى على من ادعى على العرب عنايتها بالألفاظ، وإغفالها المعاني، ويتجلى ذلك فيما يلي:
١ - في فاتحة كتاب أسرار البلاغة، يبين أن الفضيلة لا ترجع إلى الألفاظ، لأنها لا تفيد حتى تؤلف ضرباً خاصاً من التأليف، ويعمد بها إلى وجه دون وجه من التركيب، والترتيب، فإذا ما رأيت البصير بجواهر الكلام يستحسن شعراً، أو يستجد نثراً، ثم يحمل الثناء عليه من حيث اللفظ، فيقول: حلو رشيق، وحسن أنيق، وعذب سائغ، وحلو رائع، فاعلم أنه ليس ينبئك عن أحوال ترجع إلى أجراس الحروف، وإلى ظاهر الوضع اللغوي؛ بل أمر يقع من المر في فؤاده. وفضل يقتدحه العقل من زناده (٢).
أما استحسان اللفظ من حيث هو لفظ، فإنه لا يكاد يعدو نمطاً واحداً من الكلام، وهو: أن تكون اللفظة مما يتعارفه الناس في استعمالهم ويتداولونه في زمانهم، ولا يكون وحشياً غريباً، أو عامياً سخيفاً.
٢ - أفاد عبد القاهر من عبارة ابن جنى: "إن الألفاظ خدم للمعاني" فذكر أن من أقام الكلام ما يتوهم في بدء الفكرة، وقبل إتمام العبرة: أن الحسن والقبح فيها لا يتعدى اللفظ والجرس إلى ما يناجي فيه العقل النفس، ومنها: التجنيس، والسجع، فإنك لا تستحسن تجانس اللفظين إلا إذا كان موقع معنييهما من العقل موقعاً حميداً ولم يكن مرمى الجامع بينهما مرمى بعيداً؛ ولهذا ذم الاستكثار منه، والولوع به لأن المعاني
стр. 62
لا تدين في كل موضع لما يجذبها التجنيس إليه، لأن الألفاظ خدم المعاني، والمصرفة في حكمها، فكانت هي المالكة سياستها، والمستحقة طاعتها، فمن نصر اللفظ على المعنى، كان كمن أزال الشيء على جهته، وأحاله عن طبيعته، وذلك مظنة الاستكراه، وفيه فتح أبواب العيب والتعرض للشين (١).
٣ - أفاد عبد القاهر من عبارة ابن جنى "أن الألفاظ أوعية للمعاني" وهو يشرح معنى النظم، مبيناً أن القصد فيه إلى المعنى لا إلى اللفظ، قائلاً: "واعلم أن ما ترى أنه لابد منه، من ترتيب الألفاظ وتواليها على النظم الخاص، ليس هو الذي طلبته بالفكر، ولكنه شيء يقع بسبب الأول (أي المعنى) ضرورة، من حيث أن الألفاظ إذا كانت أوعية للمعاني فإنها - لا محالة - تتبع المعاني في مواقعها، فإذا وجب لمعنى أن يكون أولاً في النفس وجب عليه أن يكون مثله أولاً في النطق" (٢).
٤ - أفاد عبد القاهر من رد ابن جنى على ابن قتيبة في إدعائه أن قول الشاعر: (ولما قضينا من منى كل حاجة ... الخ) جيداً للفظ فارغ من المعنى غير أنه قد تنبه إلى ما لم يتنبه إليه ابن جنى من الاستعارة اللطيفة في قوله: (وسالت بأعناق المطى الأباطح)، لأن ابن جنى لم يزد على أن قال: "نعم وفي قوله: (وسالت بأعناق المطى الأباطح) من الفصاحة مالا خفاء فيه، والأمر في هذا أسير، وأعرف، وأشهر" (٣).
стр. 63
وقد تركز رد ابن جنى في أمرين:
أولهما: أن في قوله: (كل حاجة) تعريضاً، بالتلاقي، والتشاكي، والتخلي، أي طلب الخلوة بالحبيب، وهذا غرض الشاعر وقصده، ولكنه أومأ إليه إيماء، ثم صانع عنه، وغطاه بقوله: (ومسح بالأركان من هو ماسح).
والآخر: أن في قوله (بأطراف الأحاديث) وحيا خفيا، ورمزاً حلواً، لأن المراد بأطراف الأحاديث: ما يتعاطاه المحبون ويتناوله ذوو الصبابة المتيمون، من التعريض، والتلويح، والإيماء، دون التصريح، لأن ذلك أحلى، وأدمث، وأغزل، وأنسب، من أن يكون مشافهة وكشفاً، ومصارحة وجهراً.
فغرض الشاعر - كما نرى - كان مركزاً - كما يرى ابن جنى - على التعريض بمتطلبات قلبه من التلاقي، والتشاكي، والخلوة بمن يحب، ثم بما ناله في طريق أوبته من متعة الأخذ بأطراف الأحاديث، من التعريض، والتلويح، والإيماء بما يكون أحلى، وأدمث، وأغزل وأنسب.
غير أن عبد القاهر لم يجعل غرض الشاعر مركزاً على التعريض بمتطلبات قلبه، وإن لم يهمل تلك الناحية العاطفية في شرحه لتلك الأبيات، وذلك حيث يقول (١): "وإذا وجدت ذلك أمراً بيناً، لا يعارضك فيه شك، ولا يملك معه امتراء، فانظر إلى الأشعار التي أثنوا عليها من جهة الألفاظ، ووصفوها بالسلاسة، ونسبوها إلى الدمائة، وقالوا: كأنها الماء جرياناً والهواء لطفا، والرياض حسناً، وكأنها الرحيق مزاجها
стр. 64
التسنيم، وكأنها الديباح الخسرواني في مرامي الأبصار، ووشى اليمن منشوراً على أذرع التجار، كقوله:
ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح
وشدت على دهم المهارى رحالنا ... ولم ينظر الغادي الذي هو رائح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطى الأباطح
ثم راجع فكرتك، واشحذ بصيرتك، وأحسن التأمل، ودع عنك النجوز في الرأي، ثم أنظر: هل تجد لاستحسانهم، وحمدهم، وثنائهم ومدحهم منصرفاً إلا، إلى استعارة، وقعت موقعها، وأصابت غرضا؟ ؛ أو حسن ترتيب، تكامل معه البيان، حتى وصل المعنى إلى القلب، مع وصول اللفظ إلى السمع، واستقر في الفهم مع وقوع العبارة في الأذن؟ ! وإلا إلا سلامة الكلام من الحشو غير المفيد، والفضل الذي هو كالزيادة في التحديد؟ !
وذلك أن أول ما يتلقاك من محاسن هذا الشعر أنه قال: (ولما قضينا من منى كل حاجة) فعبر عن قضاء المناسك بأجمعها، والخروج من فروضها وسننها من طريق أمكنه أن يقصر معه اللفظ، وهو طريقة العموم، ثم نبه بقوله: (ومسح بالأركان من هو ماسح) على طواف الوداع الذي هو آخر الأمر، ودليل المسير الذي هو مقصوده من الشعر ثم قال: (أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا)، فوصل بذكر مسح الأركان ملوليه من ذم الركاب، وركوب الركبان، ثم دل بلفظه الأطراف على الصفة التي يختص بها الرفاق في السفر من التصرف في فنون القول، وشجون الحديث، أو ما هو عادة المتطرفين، من الإشارة والتلويح، والرمز، والإيماء، وأنبأ بذلك عن طيب النفوس. وقوة النشاط، وفضل الأغتباط، كما توجبه
стр. 65
ألفة الأصحاب، وأنسه الأحباب، وكما يليق بحال من وفق لقضاء العبادة الشريفة، ورجأ حسن الإياب، وتنسم روائح الأحبة والأوطان، واستماع التهاني، والتحايا من الخلان والإخوان، ثم زان ذلك كله باستعارة لطيفة طبق فيها مفصل التشبيه، وأفاد كثيراص من الفوائد بلطف الوحي والتنبيه فصرح أولاً بما أومأ إليه، في الأخذ بأطراف الأحاديث، من أنهم تنازعوا أحاديثهم على ظهور الرواحل، وفي حال التوجه إلى المنازل، وأخبر بعد بسرعة السير، ووطأة الظهر، إذ جعل سلاسة سيرها بهم كالماء، تسيل به الأباطح، وكان في ذلك ما يؤكد ما قبله، لأن الظهور إذا كانت وطيئة، وكان سيرها السير السهل السريع، زاد ذلك في نشاط الركبان، ومع ازدياد النشاط، يزداد الحديث طيباً ثم قال: "بأعناق المطى" ولم يقل بالمطى، لأن السرعة والبطء يظهران غالباً في أعناقها" (١).
وهكذا تجد من شرح الإمام عبد القاهر لتلك الأبيات أنه لم يجعل غرض الشاعر مركزاً على التعريض بمتطلبات قلبه - كما جعله ابن جنى-، ففسر حاجات الشاعر في قوله: (ولما قضينا من منى كل حاجة) بأنها: قضاء المناسك بأجمعها، والخروج من فروضها وسننها.
بينما فسرها ابن جنى بأنها تعريض بالتلافي، والتشاكي، والتخلي أي: طلب الخلوة بالحبيب.
وأما "أطراف الأحاديث"، فقد فسرها بواحد من أمرين:
أولهما: الدلالة على الصفة التي يختص بها ارفاق، في السفر من التصرف في فنون القول وشجون الحديث.
стр. 66
والآخر: ما هو عادة المتطرفين، من الإشارة، والتلويح، والرمز، والإيماء.
ومما يؤيد وجهة نظر ابن جنى من أن غرض الشاعر، إنما هو التعريض بقضاء مآرب قلبه؛ قوله:
ولم يبصر الغادي الذي هو رائح
ثم قوله قلوباً بالأحاديث واشتفت ... بذاك صدور، منضجات قرائح
ولم نخش ريب الدهر في كل حالة ... ولا راعنا منه سنيح، وبارح
على أن كلا من الإمامين: عبد القاهر، وابن جنى، يقصد بحديثه عن الأبيات السابقة أن العناية بالألفاظ فيها، إنما هي عناية بالمعنى، لأن الألفاظ خدم للمعاني وقد أنبأت الألفاظ - في الأبيات - عن معاني شريفة، وضحها كل من الإمامين.
وقد أوحى ذكر التعريض، والإشارة، والتلويح والرمز، والإيماء، للإمام أبي يعقوب السكاكي المتوفى سنة ٦٣٦ هـ. أن يقسم الكناية إلى تعريض، وتلويح، ورمز، وإيماء، أو إشارة، فإن كانت عرضية، فالمناسب أن تسمي تعريضاً، وإلا فإن كان بينها وبين المكنى عنه مسافة متباعدة لكثرة الوسائط - كما في كثرة الرماد وأشباهه - فالمناسب أن تسمى تلويحاً، لأن التلويح هو أن تشير إلى غيرك عن بعد، وإلا فإن كان فيها نوع خفاء، فالمناسب أن تسمى رمزاً، لأن الرمز هو أن تشير إلى قريب منك على سبيل الخفية، وإلا فالمناسب أن تسمى إيماء، أو إشارة (١)
стр. 67
وقد نقل ابن الأثير المتوفى سنة ٦٣٧ هـ كل ما قاله ابن جنى عن البيتين اللذين أسلفنا الحديث عنهما، نقلاً يكاد يكون حرفياً، دون أن يرجعه إلى قائله، بل إنه ليورد الاعتراض الذي أتى به ابن جنى ثم يقول: فالجواب عن ذلك أنا نقول، ثم يورد كل ما قاله ابن جنى تقريبا (١)! !
كما أن ابن منظور المتوفى سنة ٧١١ هـ يقول معلقاً على البيتين: قال ابن سيده: عنى بأطراف الأحاديث: مختارها، وهو: ما يتعاطاه المحبون ويفاوضه ذوو الصبابة المتيمون، من التعريض، والتلويح، والإيماء دون التصريح، وذلك أحلى وأخف، وأغزل وأنسب، من أن يكون مشافهة وكشفاً، ومصارحة وجهراً (٢). وذلك نص ما قاله ابن جنى في تفسير؛ لمعنى (أطراف الأحاديث).
стр. 68
قوة اللفظ لقوة المعنى
هذا الباب وثيق الصلة بالدراسات البلاغية التي تعتمد على سلامة الذوق، ورقة الإحساس لما فيه من تأثر المعنى باللفظ قوة، وضعفاً، مع أنه لم ينبه إلى جدواه في الدراسات البلاغية إلا ابن الأثير في القرن السابع الهجري، وإن يكن قد اعتمد على كل ما قاله ابن جنى في هذا الباب؛ وقد امتدحه ابن جنى أنه فصل من العربية حسن، ثم مثل له بقولهم: (خشن) و (اخشوشن) لأن معنى (خشن) دون معنى: (اخشوشن). لما فيه من تكرير العين وزيادة الواو، وبقول عمر ﵁: "اخشوشنوا، وتمعددوا"، أي أصلبوا، وتناهوا في الخشنة، وبقولهم. أعشب المكان، فإذا أرادوا، كثرة العشب فيه قالوا: اعشوشب، وبقولنا: حلا، واحلولي، وخلق، وأخلولق، وغدن، وأغدودن.
ثم مثل بباب (فعل وافتعل) نحو: (قدر واقتدر) لأن اقتدر أقوى معنى من قولهم: قدر.
وأنت تلاحظ من تمثيله أنه قد جعل الباب شاملاً لأمرين هما:
١ - قوة اللفظ لقوة المعنى، وهو ما يمثله قولهم: (قدر، وأقتدر) لما ترى من قوة (أقتدر) لشدة النطق بالتاء.
٢ - تكثير اللفظ لتكثير المعنى، وهو ما يمثله قولهم: أعشب المكان، فإذا أرادوا كثرة العشب فيه قالوا: أعشوشب.
وقد طبق ابن جنى على هذين المبدأين ما تيسر له من القرآن الكريم: أو من فصيح الشعر العربي.
أما ما جاء من قوة اللفظ لقوة المعنى في القرآن الكريم: فقول
стр. 69
الله تعالى: "أخذ عزيز مقتدر" (١)، فمقتدر هنا، أوفق من قادر، من حيث كان الموضع لتفخيم الأمر، وشدة الأخذ (٢)، وهو بهذا يشير إلى أن لكل معنى ما يناسبه من الألفاظ، لأن مقام الترهيب يغاير مقام الترغيب، فللأول شدة الألفاظ وقوتها، وللآخر لين الألفاظ وسهولتها.
ولهذا قال: وعليه - عندي - قول الله : "لها ما كسبت وعليها ما اكتسببت" (٣) وتأويل ذلك: أن كسب الحسنة بالإضافة إلى اكتساب السيئة، أمر يسير، ومستصغر؛ والدليل على هذا: قوله الله تعالى: "مت جاء بالحسنة، فله عشر أمثالها، ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها" (٤).
فقد صغرت الحسنة بالإضافة إلى جزائها، صغر الواحد إلى العشرة، ولما كان جزاء للسيئة إنما هو بمثلها، لم تحتقر إلى الجزاء عنها، فعلم بذلك قوة فعل السيئة، على فعل الحسنة، ولذلك قال ﵎: "تكاد السموات يتفطرن منه، وتنشق الأرض، وتخر الجبال هداً، أن دعوا للرحمن ولداً، ولما كان فعل السيئة ذاهباً بصاحبه، إلى هذه الغاية البعيدة المترامية، عظم قدرها وفخم لفظ العبارة عنها، فقيل: "لها ما كست، وعليها ما اكتسبت" فزيد في لفظ فعل السيئة، وأنقص من لفظ فعل الحسنة.
فأساس صغر الحسنة - عند ابن جنى - إنما هو بالمقارنة بينها وبين جزائها، فلما كان جزاؤها عشرة أمثالها، كانت صغيرة بالنسبة له، وأساس عظيم السيئة - عنده أيضاً - إنما هو بالمقارنة بينها وبين جزائها، ولما كان جزاء السيئة إنما هو مثلها، كانت كبيرة بالنسبة له، لأن منها ما يذهب
стр. 70
بصاحبه إلى غاية بعيدة مترامية، كالذي في قوله تعالى: "تكاد السموات يتفطرن منه، وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً؛ أن دعوا للرحمن ولداً" (١).
وقد يكون في خفة النطق بلفظة (كسبت) وشدته بلفظة (اكتسبت) ما يشير إلى سهولة طرق الخير، ويسر العمل بها، ووعورة طرق الشر" وشدة العمل بها، لما يرتكب فيها صاحبها من أخطاء، ويقترف من أخطار، ويتحمل من آثام.
وكذلك توحي خفة النطق (بالحسنة) إلى سهولة عملها، ويسره، كما توحي شدة النطق (بالسيئة) إلى شدة المعاناة في اقترافها.
وأما ما مثل به ابن جنى لقوة اللفظ لقوة المعنى فهو بيت الكتاب:
إنا اقتسمنا خطتينا ... فحمل برة، واحتملت فجار
حيث عبر عن البر بالحمل، وعن الفجرة بالاحتمال، ثم قال: وهذا هو ما قلناه في قوله : "لها ما كسبت، وعليها ما اكتسبت"، لا فرق بينهما.
وأما ما جاء من تكثير اللفظ لتكثير المعنى: فقولهم: رجل جميل، ووضئ، فإذا أرادوا المبالغة في ذلك قالوا: وضاء، وجمال، فزادوا في اللفظ هذه الزيادة، لزيادة معناه، قال الشاعر:
والمرء يلحقه بفتيان الندى ... خلق الكريم، وليس بالوضاء
стр. 71
وقال:
تمشي بجهم حسن ملاح ... أجسم حتى هم بالصباح
وقال:
منه صفيحة وجه غير جمال
وكذلك حسن، وحسان، يقول الشماح:
دار الفتاة التي كنا نقول لها: ... يا ظبية عطلا، خسائه الجيد
ومنه قولك: قطع، وقطع، وقام الفرس، وقومت الخيل، ومات البعير، وموتت الإبل.
فأما قولهم (خطاب) - فإنه - وإن كان اسماً - لاحق بالصفة في إفادة معنى التكثير، لأنه موضوع لكثرة الإختطاف به.
وكذلك قولهم: (سكين) إنما هو موضوع لكثرة تسكين الذابح به، وكذلك: البزاز، والعطار، والقصار، ونحو ذلك، إنما هي لكثرة تعاطي هذه الأشياء؛ وإن تكن مأخوذة من القمل.
ويلحق بتكثير اللفظ لتكثير المعنى: العدول عن معتاد حال اللفظ:
ويمثل هذا: (فعال) في معنى (فعيل)، نحو: طوال، فهو أبلغ من طويل، وعراض، فهو أبلغ معنى من عريض، لأنه لما كانت فعيل هي الباب المطرد وأريدت المبالغة، عدل إلى (فعال).
وسر هذا الباب الذي تضمن قوة اللفظ لقوة المعنى، وتكثيرة اللفظ
стр. 72
لتكثير المعنى، راجع إلى أن الألفاظ أدلة المعاني، فإذا ما زيد فيها شيء أوجبت القمة له زيادة المعنى به، وكذلك إذا انحرف به عن سمته وهديته كان ذلك دليلاً على حادث متجدد له (١).
وقد أفاد ابن الأثير من هذا الباب - في كتابه: المثل للسائر - إفادة كبيرة، بل إنه جعل "قوة اللفظ لقوة المعنى" هي النوع الثاني عشر من المقالة الثانية في الصناعة المعنوية (٢)، ودلاً من أن يحمد لابن جنى صنيعه بتنبيه البلاغيين والنقاد، إلى ناحية مهمة من نواحي نقد الأساليب، للتعرف على أسرار صياغتها، وأسباب، ضعفها، أو قوتها، راح يقول: إن ابن جنى لم يورده كما أوردته أنا، ولم ينبه على ما نبهت عليه من النكت، وهذا يظهر بالوقوف على كلامي، وكلامه.
وقد ألم ابن الأثير بكل ما قاله ابن جنى، ولكنه نبه إلى ما يلي:
أولاً: أن هذا الباب إنما يعمد إليه لضرب من التوكيد، ولا يوجد إلا فيما فيه معنى الفعلية، كاسم الفاعل، واسم المفعول، وكالفعل نفسه، وذلك كما في قوله تعالى: "فقلت استغفروا ربكم أنه كان غفاراً"، لأن غفاراً، أبلغ في المغفرة من غافر وقوله تعالى: "إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين"، فالتواب هو الذي تتكرر منه التوبة مرة بعد مرة، وقوله تعالى: "فكبكبو فيها هم والغاوون، فإن معنى (كبكبوا) من الكب، وهو القلب، إلا أنه مكرر المعنى، وإنما استعمل في الآية دلالة على شدة العقاب، لأنه موضع يقتضي ذلك.
وليس من هذا الباب: زيادة التصغير، لأن الزيادة في الألفاظ لا توجب زيادة في المعاني إلا إذا تضمنت معنى الفعلية.
стр. 73
ثانياً: قد يستعمل هذا الباب في مقام المبالغة، فينعكس المعنى فيه إلى ضده كما جاء لأبي كرام التميمي من شعراء الحماسة:
لله تيم أي رمح طراد ... لاقى الحمام، وأي نصل جلاد
ومحش حرب مقدم متعرض ... للموت غير مكذب، حياد
فقد أراد الشاعر بلفظه (حياد) المبالغة في وصف شجاعة هذا الرجل فانعكس عليه المقصد، لأنه نفى كثرة الحيدودة عنه؛ فيكون بهذا حائداً وإذا وجدت منه مرة واحدة كان جبنا لا شجاعة. وكان الأولى أن يقول غير مذكب حائد.
ثالثاً: إذا وردت لفظة تحتمل التضعيف الذي هو طريق المبالغة، وتحتمل غيره، فإن اقتضى المقام حملها على المبالغة كان ذلك أولى.
رابعاً: إن قوة اللفظ لقوة المعنى، لا تستقيم إلا في نقل اللفظ من صيغة إلى صيغة أكثر منها، كنقل الثلاثي إلى الرباعي، وإلا فإذا كانت صيغة الرباعي مثلاً موضوعة لمعنى فإنه لا يراد به ما أريد من نقل الثلاثي إلى مثل تلك الصيغة وذلك كما في قول الله تعالى: "وكلم الله موسى تكليماً" فإن كلم على وزن قتل ولم يرد به التكبير، ومن هنا شذ قولهم في (عليم) إنه أبلغ من (عالم) لأن كلا منهما أربعة أحرف، وليس بينهما زيادة ينقل فيها الأدنى إلى الأعلى.
стр. 74
الإيجاز والإطناب
جاء حديث ابن جنى عن الإيجاز والإطناب؛ من خلال حديثه عن الفرق بين الكلام والقول، في باب عقده لهذا الغرض (١).
فأصل الكلام: أن يكون مفيداً مستقلاً بنفسه، ويشهد لهذا قول كثير:
لو يسمعون - كما سمعت - كلامها ... خروا لعزة ركعاً وسجوداً
ومعلوم أن الكلمة الواحدة لا تشجو، ولا تحزن، ولا تتملك قلب السامع، وإنما ذلك فيما طال من الكلام، وأمتع سامعيه بعذوبة مستمعه، ورقة حواشيه.
فالكلام إذاً من بيت كثير إنما يعني به المفيد من هذه الألفاظ، القائم برأسه، المتجاوز لما لا يفيد، ولا يقوم برأسه من جنسه.
وقد جاء في أشعارهم ما يدل على وصف الحديث بالإطناب، كالذي تراه في قول الآخر:
ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ما سح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطى الأباطح
فقوله: بأطراف الأحاديث يعلم منه أنه لا يكون إلا حملاً، كثيرة، فضلاً عن الجملة الواحدة.
стр. 75
كما أنه قد جاء ما يدل على وصف الحديث بغاية الإيجاز، كالذي تراه في قول الشنفري:
كأن لها في الأرض نسياً تقصه ... على أمها، وإن تخاطبك تبلت
أي تقطع كلامها، ولا تكثره.
كما أنه قد جاء في وصفهم للحديث بأنه وسط بين الإيجاز والإطناب، كالذي تراه في قول ذي الرمة:
لها بشر، مثل الحرير، ومنطق ... رخيم الحواشي، لا هراء ولا نزر
إلا أنه على أية حال، لا يكون ما يجري منه - وإن قل ونزر - أقل من الجمل التي هي قواعد الحديث، الذي يشوق موقعه، ويروق مستمعه.
وإطلاق الحديث على ما طال من الكلام، أمر صار معلوماً، غير مشكوك فيه، ألا ترى إلى قوله:
وحديثها، كالغيث يسمعه ... راعي سنين تتابعت جدبا!
فأصاخ يرجو أن يكون حيا ... ويقول - من فرح - هيا ربا
يعني حنين السحاب وسجره، وهذا لا يكون عن نبرة، واحدة، ولا رزمة مختلسة وإنما يكون مع البدء فيه والرجع، وتثنى الحديث على صفحات السمع.