الدكتور
حسن إسماعيل عبد الرازق
رئيس قسم البلاغة بكلية اللغة العربية
جامعة الأزهر - بالزقازيق
دلائل الإعجاز
بين أبي سعيد السيرافي وعبد القاهر الجرجاني
الطبعة الأولى
١٤١١ هـ - ١٩٩١ م
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
دار الطباعة المحمدية ٣ درب الأتراك بالأزهر
стр. 2
الدكتور
حسن إسماعيل عبد الرازق
رئيس قسم البلاغة بكلية اللغة العربية
جامعة الأزهر - بالزقازيق
دلائل الإعجاز
بين أبي سعيد السيرافي وعبد القاهر الجرجاني
الطبعة الأولى
١٤١١ هـ - ١٩٩١ م
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
دار الطباعة المحمدية ٣ درب الأتراك بالأزهر
стр. 3
[مقدمة]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وأصحابه والتابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين؛ وبعد:
فقد عرف أبو سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي المتوفي سنة ٣٦٨ هـ، بإنه إمام في النحو؛ وعلوم أخرى؛ كاللغة، والشعر، والعروض، والقوافي، والقرآن، والفرائض والحديث، والكلام، والحساب، والهندسة، ولكن شهرته بالنحو كانت أكثر، فقد كان قرين أبى على الفارسي، ونظيره في النحو والصرف.
غير أن لأبي سعيد السيرافي كتاباً في صنعة البلاغة والشعر؛ ولكنه لم يصل إلينا؛ ولم ندر ما فيه؛ كما أن مناظرة قد جرت بينه، وبين متى بن يونس القنائى المنطقي في المفاضلة بين النحو والمنطق؛ ونقلها تلميذه أبو حيان التوحيدي في "الإمتاع والمؤانسة" و " المقابسات" كما نقلها ياقوت في " معجم الأدباء"؛ وفيها ظهرت بذور نظريتي " النظم" و " البيان" اللتين أدار عليهما الإمام عبد القاهر الجرجانى كتابه: " دلائل الإعجاز" ومن النظريتين تفرعت مسائل البلاغة العربية، وتنوعت إلى علومها الثلاثة: المعاني، والبيان، والبديع، ودارت حولها مباحث البلاغيين؛ من شروح وتعليقات، ومتون وتلخيصات إلى يومنا هذا.
ومن هنا يكون أبو سعيد السيرافي إماماً في البلاغة بلا جدال.
وإذا كان الوزير: أبو الفتح، الفضل بن جعفر بن الفرات، الذي جرت المناظرة بمجلسه قد قال لأبى سعيد السيرافي بعد الانتهاء من مناظرته
стр. 4
" ولقد حكت طرازاً، لا يبليه الزمان، ولا يتطرق إليه الحدثان" فإن هذا الطراز الذي قصده، إنما هو نظرية النظم التي تفرعت عنها علوم البلاغة فيما بعد.
ومع هذا فإنك تجد البلاغيين والنقاد في العصر الحديث يكادون يجمعون على أن عبد القاهر هو صاحب نظرية النظم؛ وإن كان منهم من حاول الخروج على هذا الإجماع، بأن عبد القاهر قد استقاها من القاضي عبد الجبار الأسد أبادى قاضى قضاه الدولة البوبهية والمتوفي سنة ٤١٥ هـ، ومنهم من صرح بأن أبا سعيد قد سبق عبد القاهر إلى تلك النظرية؛ دون أن يدخل في تفاصيل هذا الأمر.
ولما قرأت مناظرة أبى سعيد، وأمعنت النظر فيها، وفى دلائل الإعجاز، وقارنت ما جاء في " المناظرة" بما جاء في " الدلائل" تبين لي ما هو أكثر من ذلك بكثير؛ وهو: أن رد أبى سعيد السيرافي على متى بن يونس - في المناظرة التي جرت بينهما -كان هو الأساس الذي بنى عليه عبد القاهرة الجرجانى كتابه: " دلائل الإعجاز؛ بل إن ما قاله أبو سعيد السيرافي - في تلك المناظرة - يعد " متناً" وضعه عبد القاهر أمامه، وجعل كتابه شرحاً لهذا " المتن"؛ والدليل على ذلك ما يلي:
أولاً: أن الأفكار التي وردت في " الدلائل" هي نفس الأفكار التي وردت في المناظرة.
ثانياً: ان تلك الأفكار قد جاءت في " الدلائل" مرتبة على حسب ترتيبها في المناظرة.
ثالثاُ: أن عبد القاهر - في الدلائل - لم يكد يأتي بأفكار جديدة لم تكن في المناظرة. وإنما قام الكتاب كله على نظرية " النظم" وشرحها؛ وإقامة الدليل على صحتها بما قرأه في كتب النقاد السابقين؛ كالوساطة للقاضي على بن عبد العزيز الجرجاني، والصناعتين؛ لأبى هلال العسكري، ونقد الشعر؛ لأبى الفرج قدامة بن جعفر.
стр. 5
رابعاً: أن طريقة الكتاب هي طريقة المناظرة؛ وليست طريقة كتاب تعد أفكاره، وتنظم، كالذي نجده في أسرار البلاغة؛ ولهذا فإنه يكثر من قوله: (فإن قلتم: كذا) (قلنا: كذا).
وهذا هو السر في أنه يقول في أوائل "الدلائل"، " وليس يتأتى لي أن أعلمك من أول الأمر - في ذلك - آخره، وان أسمى لك الفصول التي في نيتي ان احررها بمشيئة الله حتى تكون على علم بها قبل موردها عليك، فاعمل على ان ههنا فصولا، يجئ بعضها في إثر بعض (١).
ومن الغريب حقاً: أن لا يذكر الإمام عبد القاهر مصدر فكرته - في الدلائل -، وهو: مناظرة أبى سعيد السيرافي بل إنه لم يجر ذكرا لأبى سعيد السيرافي، في الدلائل الإعجاز!
هذا: في الوقت الذي يذكر فيه أبا على الفارسي - وقد كان قرين أبى سعيد السيرافي ونظيره في النحو والصرف - ثلاث مرات في دلائل الإعجاز، وهي: قوله: " ومن ذلك ما أنشده الشيخ أبو على في الإغفال" (٢) وقوله: " قال الشيخ أبو على في " الشيرازيات" (٣)، وقوله: " أنشد الشيخ أبو على في التذكرة" (٤).
فهو - كما ترى لا يكتفى بذكر " الشيخ أبى على " بل إنه يحدد الكتاب الذي أخذ منه، كالإغفال، والشيرازيات والتذكرة!
والأغرب من هذا: أن عبد القاهر قد رفض رأياً لأبى سعيد السيرافي - وهو يؤلف الدلائل - ولم يشر إليه إمعانا منه في إخفاء ذكره! ، وذلك عند شرح سيبوبه لقول الخنساء:
стр. 6
ترعى إذا نسيت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار
فجعل الإقبال والإدبار مجازاً على سعة الكلام، كقولك: نهارك صائم، وليلك قائم حيث يقول أبو سعيد السيرافي: في شرحه للكتاب: " يقدرون مثل هذا على تقديرين:
أحدهما: أن يقدروا مضافاً إلى المصدر ويحذفونه كما يحذفون في "واسال القرية".
والوجه الثاني: أن يكون المصدر في موضع اسم الفاعل؛ وكان الزجاج يأبى إلا الوجه الأول؛ ومما يقوى الثاني: أنك تقول: رجل ضخم وعبل؛ فتجعلهما في موضع اسم الفاعل، وليسا بمصدرين لضخم، وعبل" وعلى كلام أبى سعيد السيرافي: فالمجاز: مجاز حذف، أو مجاز مرسل علاقته التعلق بالاشتقاق (١).
ولكن عبد القاهر يرفض الوجهين كليهما؛ وينظم البيت في سلك ما أسماه بالمجاز الحكمي؛ قائلاً: إن الخنساء لم ترد بالإقبال والإدبار غير معناهما؛ فتكون قد تجوزت في نفس الكلمة؛ وإنما تجوزت في أن جعلتها؛ لكثرة ما تقبل وتدبر، ولغلبة ذاك عليها، واتصاله بها، وأنه لم يكن لها حال غيرهما؛ كأنهما قد تجسمت من الإقبال والإدبار؛ وإنما يكون المجاز في نفس الكلمة لو أنها قد استعارت الإقبال، والإدبار لمعنى غير معناهما الذي وضعا له في اللغة؛ ومعلوم: أن ليست الاستعارة مما أرادته في شيء ثم يقول: " وأعلم أن ليس بالوجه: أن يعد هذا - على الإطلاق - معد ما حذف منه المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه؛ مثل؛ قول الله : " وإن كنا نراهم يذكرونه حيث يذكرون المضاف المحذوف من نحو الآية .. في سبيل ما يحذف من اللفظ
стр. 7
ويراد في المعنى؛ وليس الأمر كذلك في بيت الخنساء؛ لأنا إذا جعلنا المعنى فيه كالمعنى إذا نحن قلنا: فإنما هي ذات إقبال وإدبار؛ أفسدنا الشعر على أنفسنا، وخرجنا إلى شيء مغسول وإلى كلام عاهى مرذول .. ".
فالوجه: أن يكون تقدير المضاف في هذا: على أنه لو كان الكلام قد جيء به على ظاهره، ولم يقصد به إلى الذي ذكرنا من المبالغة والاتساع، وان تجعل الناقة كأنها صارت بجملتها إقبالاً وإدباراً حتى كأنها قد تجسمت منهما. لكل حقه حينئذ أن يجاه فيه بلفظ الذات؛ فيقال، إنما هي ذات إقبال وإدبار؛ فأما أن يكون الشعر الآن موضوعاً على إرادة ذلك، وعلى تنزيله منزلة المنطوق به؛ فما لا مساغ له عند من كان صحيح المعرفة؛ نسابة للمعاني" (١)
فما الذي جعل عبد القاهر الجرجاني يذكر أبا على الفارسي في الدلائل - ثلاث مرات؛ بل ويذكر كتبه التي تقل منها؛ وهي: " الإغفال" و " الشيرازيات" و " التذكرة" ولا يذكر أبا سعيد السيرافي؛ مع أن الفكرة التي قامت عليها" الدلائل" نابعة من مناظرته؟ !
ربما كان ذلك راجعاً إلى ما يلي:
أولا: أن عبد القاهر قد أراد أن تسلم له نظرية النظم؛ فتذكر له، ويذكر بها، فلا تنسب إلى أبى سعيد السيرافي؛ ولا يذكر بها وقد كان لعبد القاهر ما أراد؛ فما من بلاغي، أو ناقد أدبي يذكر التظلم إلا ويذكر عبد القاهر أو يذكر عبد القاهر إلا ويذكر النظم!
ثانياً: أن عبد القاهر نفسه قد شرح كتاب "الإيضاح" في النحو؛ لأبى على الفارسي، في ثلاثين جزءاً؛ ثم اختصره في ثلاثة مجلدات؛ وأسماه: " المقتصد".
ثالثاً: أنه كان بين أبى سعيد السيرافي، وبين أبى على الفارسي ما بين
стр. 8
العلماء من تنافس وتحاسد؛ وقد كان عبد القاهر من تابعي مدرسة أبى على الفارسي في النحو، إذ يذكر أبو حيان التوحيدي أن أبا على الفارسي قد اشتري شرح أبى سعيد السيرافي، في الأهواز عند توجيه إلى بغداد .. وأن هذا حديث شهور؛ وإن كان أصحابه يأبون الإقرار به؛ إلا من زعم أنه أراد النقض عليه، وإظهار الخطأ فيه (١)؛ كما انه يذكر - أيضاً - أن أبا على الفارسي كان غائباً عن المجلس الذي جرت فيه المناظرة بين أبى سعيد السيرافي ومتى بن يونس، فلما حدث بما كان، أصبح يكتم الحسد لأبى سعيد؛ على ما فاز به؛ من هذا الحديث المشهور، والثناء المذكور - على حد تعبيره (٢).
ولهذا: فإنني قد رأيت أنه من الإنصاف للحقيقة أن أكتب هذه الصفحات؛ مرجعاً الفضل إلى أهله، ومبيناً المنابع الحقيقة التي استقى منها عبد القاهر الجرجانى أفكار كتابه: " دلائل الإعجاز" بعد ان ظلت تلك المنابع قروناً عديدة في زوايا الإهمال، وخبايا النسيان! ؛ واجباً من الله تعالى أن يوفقني فيما إليه قصدت من المشاركة في الحفاظ على تراث اللغة العربية الفصحى؛ لغة القرآن الكريم، وما توفيقي إلا بالله؛ عليه توكلت وإليه أنيب؟ .
أ. د. حسن إسماعيل عبد الرازق
رئيس قسم البلاغة بكلية اللغة العربية بالزقازيق
стр. 9
دليل الكتاب
أولاً: التمهيد.
(أ) أبو سعيد السيرافي، ومتى بن يونس.
(ب) القاضي عبد الجبار، وعبد القاهر الجرجاني.
(ج) " دلائل الإعجاز" قبل عبد القاهر.
ثانياً: " دلائل الإعجاز" بين السيرافي، والجرجاني.
القسم الأول: منابع" الدلائل" في مناظرة أبى سعيد:
١ - الفارق الزمني بين (أسرار البلاغة) و (دلائل الإعجاز)
٢ - الدافع إلى تصنيف " الدلائل".
٣ - مناظرة أبى سعيد السيرافي.
٤ - الأفكار التي تضمنتها المناظرة.
القسم الثاني: الأسس التي قامت عليها " الدلائل"
١ - الطائفة التي زهدت في علم النحو.
٢ - صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالنظم.
٣ - " المدخل إلى دلائل الإعجاز".
٤ - خطوات عملية النظم.
٥ - تشبيه النظم بالنسج.
القسم الثالث: إثبات النظرية لأبى سعيد السيرافى:
(أ) " دلائل الإعجاز" شرح لمناظرة أبى سعيد السيرافي.
(ب) الرد على من يثبت النظرية لعبد الجبار.
(جـ) حصيلة هذا البحث.
стр. 10
التمهيد
أولاً:
(أ) السيرافي، ومتى بن يونس والمناظرة بينهما.
(ب) عبد الجبار، وعبد القاهر، وما يشبه المناظرة بينهما.
(جـ) "دلائل الاعجاز" قبل عبد القاهر.
стр. 11
(أ) أبو سعيد السيرافي ومتى بن يونس
أما أبو سعيد السيرافي:
فهو: أبوسعيد، الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي النحوي ، وهو إمام في النحو واللغة والشعر والعروض والقوافي، والفرائض والحديث والفقه والكلام والحساب والهندسة.
وقد ولد بسيرافي سنة ٢٨٠ هـ بفارس على ساحل البحر مما يلي كرمان، وبها بدأ طلبه للعلم، ثم خرج منها إلى عمان وتفقه بها، وأقام بعسكر مكرم؛ ثم انتقل إلى بغداد، وأقام بها حتى توفى سنة ٣٦٨ هـ (١).
وقد كان - وهو في بغداد - مقصد الأمراء والعظماء في الأمصار المختلفة؛ يبعثون إليه يسألونه عما أشكال عليهم؛ إذ كتب إليه نوح بن نصر الساماني سنة ٣٤٠ هـ كتاباً خاطبه فيه بالإمام، وسأله عن مسائل تزيد على أربعمائة؛ أغلبها ألفاظ لغوية، وأمثال يسأله فيها عن صحة نسبتها إلى العرب.
وكتب إليه الوزير البلعمي كتاباً خاطبه فيه بإمام المسلمين؛ سأله فيه عن مسائل في القرآن الكريم؛ وكتب إليه المرزبان بن محمد ملك الديلم من أذربيجان كتاباً خاطبه فيه بشخص الإسلام؛ سأله فيه عن مائة وعشرين مساله: أكثرها في القرآن وأحاديث.
وكتب إليه ابن حنزاية؛ الوزير المصري كتاباً خاطبه فيه بالشيخ الجليل، سأله فيه عن ثلاثمائة كلمة، من فنون الحديث.
стр. 12
وكتب إليه أبو جعفر ملك سجستاني كتاباً؛ خاطبه فيه بالشيخ الفرد وسأله فيه عن سبعين مسألة في القرآن الكريم، ومائة كلمة في العربية، وثلاثمائة بيت من الشعر، وأربعين مسألة في الأحكام، وثلاثين مسألة في الأصول على طريق المتكلمين؛ فأجاب عنها كلها، وتقع الأسئلة والأجوبة في نحو ألف وخمسمائة ورقة (١).
وكان أبو سعيد قد ولى القضاء في بغداد على الجانب الشرقي، ثم على الجانبين؛ وأفتى في جامع الرصافة، خمسين سنة على مذهب أبى حنيفة، فما عثر له على زلة، ولا وجد له خطأ، مع دين وافر؛ وأمانة تامة (٢)، وكان يميل إلى الاعتزال، وكان بينه وبين أبى الفرج الأصفهاني ما جرت العادة بمثله بين الفضلاء من التنافس (٣).
وكان ورعا، زاهدا، لا يأكل إلا من كسب يده؛ فكان لا يخرج إلى مجلس الحكم، ولا إلى مجلس التدريس حتى ينسخ عشر ورقات، يأخذ أجرتها عشرة دراهم، تكون كفاية مؤونته.
وكان أبو سعيد حسن الخط، طلب إليه أن يعمل في ديوان الإنشاء، فأبى وقال: هذا أمر يحتاج إلى دربة، وأنا منها عار، وسياسة وأنا فيها غريب (٤).
ومن تلاميذه: أبو حيان التوحيدي الذي حكى عنه مناظرة جرت بينه وبين متى بن يونس في مجلس الوزير أبى الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات في المفاضلة بين النحو والمنطق، أدعى فيها متى أن المنطق لازم
стр. 13
للنحوي، بينما المنطقي ليس بحاجة إلى النحو، ولكن أبا سعيد ما زال ينتقل به من فن إلى فن ومن مساله إلى أخرى حتى أثبت له حاجة المنطقي إلى النحو، لا حاجة النحوي ألي المنطق، وذلك من خلال رده المفحم عليه، وما زال به حتى تفوض المجلس، وأهله يتعجبون من رباطة جأش أبى سعيد وتصرف لسانه وتهلل وجهه، وتتابع فوائده، ثم قال له الوزير:
عين الله عليك أيها الشيخ، فقد فديت أكباداً، وأقرر عيوناً، وبيضت وجوها، وحكت طرازاً، لا تبلية الأزمان، ولا تطرقه الحدثان.
وكان نظير أبو سعيد، وقرينه - في النحو والصرف - أبو على الفارسي - وهو من أعلام الدولة البويهيميه، وولد بفارس، وأتى بغداد سنة ٣٠٧ هـ، وأقام بها يشتغل بالعلم، ثم رحل إلى حلب، وأقام عند سيف الدولة، في حلبته. وله مه المتنبي مناظرات، ثم انتقل إلى فارس وصحب عضد الدولة، وعلت منزلته عنده وألف له أبو على كتاب" الاتضاح" و " التكملة" في النحو، ورحل إلى بلاد كثيرة، وكان يدون ما يجرى له من مناظرات في كل بلد، في كتاب، كالحليبات، والبغداديات، والشيرازيات، وهكذا، وقد وازن أبو حيان التوحيدي بين أستاذه أبى على السيرافي، وبين أبى على الفارسي ففضل أبا سعيد، لسعة عليه، وتقواه، وقال: إن أبا على كان يشرب ويتخالع، ويفارق هدى أهل العلم (١).
ومن مؤلفات أبى سعيد السيرافي: كتاب صنعة البلاغة والشعر، - ولم يصل إلينا - وكتاب: " شرح كتاب سيبوبه، في ثلاثة آلاف ورقة بخطة، في السلمانى، وما عمل مثله أحد، وكتاب: " المدخل إلى سيبويه" وكتاب: " شواهد كتاب سيبويه" وكتاب" الوقف والابتداء، وكتاب ألفات القطع والوصل، وكتاب أخبار النحويين البصريين، وكتاب" مقصورة ابن دريد" وكتاب " جزيرة العرب".
стр. 14
ويذكر أبو حيان التوحيدي: أن أبا على الفارسي قد اشترى شرح أبى سعيد في الاهواز، في توجهه إلى بغداد لاحقا بالخدمة الموسومة به، والندامة الموقفة عليه بألقي درهم، وأن هذا حديث مشهور، وإن كان أصحابه بأبون الإقرار به، إلا من زعم أنه أراد النفض عليه، وإظهار الخطأ فيه (١).
ومما يؤيد تفوق أبى سعيد على أبى على الفارسي، تلك المناظرة التي أثبت فيها حاجة المنطقي إلى النحو دون حاجة النحوي إلى المنطق، مما جعل الوزير أبا الفتح، الفضل بن الفرات بقول له: ما بعد هذا البيان من مزيد، ولقد جل علم النحو عندي بهذا الاعتبار، وهذا الاسفار، وقد كان أبو على غائباً عن المجلس فلما حدث بما كان أصبح يكتم الحسد لأبى سعيد على ما فاز به من هذا الخبر المشهور، والثناء المذكور - على حد تعبير أبى حيان التوحيدي (٢).
كما أن هناك مقارنة بين أبى الحسن الرماني، وأبى على الفارسي، وأبى سعيد السيرافي، في النحو لبعض أهل الأدب، ذكرها ابن الأنباري في " نزهة الألباء" (٣).
يقول فيها: كنا نحضر عند ثلاثة مشايخ من النحويين، فمنهم من لا نفهم من كلامه شيئاً، ًمنهم: من نفهم بعض كلامه دون البعض، ومنهم من نفهم جميه كلامه، فأما من لا نفهم من كلامه شيئا: فأبو الحسن الرماني، وأما من نفهم بعض كلامه، دون البعض: فأبو على الفارسي، وأما من نفهم جميع كلامه: فأبو سعيد السيرافي.
стр. 15
وأما متى بن يونس:
فهو: أبو بشر متى بن يونس، أو يونان القنائى، نسبة إلى ديرقنا " وهو - كما يقول ياقوت - على بعد ستة عشر فرسخا من بغداد، وقد مات ببغداد سنة ٣٢٨ هـ.
وقد كان ذا منزلة علمية مرموقة، فقد انتهت إليه رياسة المنطقيين في عصره - كما يقول صاحب الفهرست ويضيف إلى هذا قوله: " وفسر الكتب الأربعة في المنطق بأسرها، وعليها يعود الناس في القراءة، ومن كتبه: كتاب تفسير الثلاثة مقالات الأواخر من تفسير ثامسطيوس وكتاب نقل كتاب "البرهان" وكتاب: نقل كتاب السكون والفساد بتفسير الإسكندر، وكتاب: نقل "الشعر" وكتاب نقل اعتبار الحكم وتعقب المواضع لثامسطيوس، وكتاب نقل كتاب تفسير الإسكندر لكتاب السماء، وأصلحه أبو زكريا يحيى عدى، وكتاب مقالة في مقدمات صدر بها كتاب أنا لوطيقا، وكتاب المقابيس الشرطية:
ومن أساتذته: أبو يحيى المروزي، وقويرى ودوفيل (أوروفيل) وبفتيامين، وأبو أحمد بن كرفيب.
أما أبو يحيي فقد كان - كما يقول صاحب الفهرست - فاضلا، ولكنه سربانيا، وجميع ماله في المنطق وغيره، بالسربانية، وأما قويرى فهو: " ممن أخذ عنه علم المنطق وكان مفسراً، وكتبه مطروحة مجفوه" لأن عبارته كانت عقلية غلقه". وأما أبو أحمد بن كريب.
فقد كان من جلة المتكلمين، ويذهب مذهب الفلاسفة الطبيعيين .. وكان في نهاية الفضل والمعرفة والاضطلاع بالعلوم القديمة. وأما روفيل وبنيامين، فيظهر أنهما كانا سريانيين، ولهذا لم يترجم لهما صاحب الفهرست.
(٢ - دلائل الاعجاز)
стр. 16
فأساتذة منى بو يونس" لم يكن منهم رجل واحد متمكن من ثقافته العربية؛ وهذه حقيقة لابد أن يظهر أثرها في أسلوب (١) "؛ فأسلوبه كان ضعيفا ركيكا؛ يدل على عدم تمكنه من اللغة العربية. والمناظرة التي جرت بينه وبين أبى سعيد السيرافي النحوي في مجلس الوزير أبى الفتح الفضل بن الفرات، وسجلها أبو حيان التوحيدي في كتابيه" الإمتاع والمؤانسة" و" القابسات" خير شاهد على هذا، فقد ذكر متى بن يونس في تلك المناظرة، أنه لا يحتاج من اللغة العربية إلا إلى معرفة الاسم والفعل والحرف.
وقد جرى بين عبد القاهر الجرجاني وبين المعتزلة الذين يقللون من شأن النحو، ويجعلون مزية الفصاحة من حسين الألفاظ، وعلى رأسهم عبد الجبار الآسد أبادى - ما يشبه المناظرة، ولهذا وجد عبد القاهر نفسه أمام قوم لهم شغب، وجدال، ومناظرة، ويعدون - في زمان أبى سعيد السيرافي.
ولهذا فإنه قد استعان بتلك المناظرة، في الرد على عبد الجبار وبقية المعتزلة، متتبعا كل فكرة، فيها بالشرح والتفسير، والتحليل، وإقامة الحجة على صحتها، مستعينا في ذلك بأقوال النحاة كابى على الفارسي، وسيبويه، وابن جنى، وأقوال النقاد، كالقاضي على بن عبد العزيز الجرجاني، وأبى الفرج قدامة بن جعفر، فكان كتابه: " دلائل الإعجاز".
стр. 17
(ب) عبد الجبار: وعبد القاهر
أما عبد الجبار، فهو أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار ابن أحمد بن الخليل بن عبد الله الهمذانى الأسد أبادى ، اتصل بالصاحب ابن عباد، وولى قضاء الرى، وأثرى ثراء واسعا واقتنى المال والعقار.
وكان سبب توليه القضاء: أن الصاحب إسماعيل بن عباد، أشهر وزراء بنى بوية في العراق وفارس وخراسان، والمتوفى سنة ٣٨٥ هـ كان لا يرى توليه القضاء في دولته الشيعية ألا لمن كان معروفا بالاعتزال، وكان عبد الجبار قد بدأ يعرف بإمام المعتزلة في عصره، فأتصل به الصاحب واستدعاه إلى الرى، وكتب له عهدا بتوليته رئاسة القضاء في الرى وقزوين، وغيرهما من الأعمال التي كانت لفخر الدولة سنة ٣٦٧ هـ. ثم أضاف إليه بعد ذلك في عهد أخر إقليمى جرجان.
وطبرستان بعد فتحهما.
غير أنه عزل عن القضاء عقب وفاة الصاحب بن عباد، لأنه - كما يقولون - كان قليل الوفاء للصاحب الذي قدمه وأعلى منزلته في دولة بنى بويه؛ فقد رفض القاضي عبد الجبار أن يصلى على صاحبه وقال: إنه لا يرى الترحم عليه، لأنه مات من غير التوبة حتى لا يكون حكمه الخلود في النار، فنقم عليه فخر الدولة لذلك وقبض عليه، وعزله من منصبه، وصادر أمواله.
وكان وقد سمع الحديث من أبى الحسن إبراهيم بن سلمة القطان
стр. 18
المتوفى سنة ٣٤٥ هـ، وعبد الرحمن بن حمدان الجلاب المتوفى سنة ٣٤٦ هـ، وعبد الرحمن بن جعفر فارس المتوفى سنة ٣٤٦ هـ، والزبير بن عبد الواحد الأسد أبادى المتوفى سنة ٣٤٧ هـ، وغيرهم، كما درس التفسير، وأصول الفقه، والحديث وغيرهما وانتهت إليه الرياسة للمعتزلة حتى صار شيخها وعالمها غير مدافع، وصار الاعتماد على كتبه التي نسخت كتب من تقدمه من المشايخ - على حد تعبير الحاكم.
ولم يتهاون القاضي عبد الجبار - وهو يؤلف أو يملى - على مذهب المعتزلة - في إقامة الدليل على بطلان مذهب خصومه من الأشاعرة وغيرهم، بل إنه فيما يتصل بالأشاعرة إمامهم أبى الحسن الأشعري ﵀ كان يشتد في القسوة عليهم في كثير من الأحيان ولهذا فإنك تراه يقول في كتابه" شرح الأصول الخمسة - عند كلامه عن كيفية استحقاقه تعالى للصفات: " ثم نبغ الأشعري، وأطلق القول بأنه تعالى يستحق هذه الصفات لمعان قديمة، لوقاحته وقلة مبالاته بالإسلام، والمسلين، كما أنه شنع عليه كثيراً، وقال في اسمه: ابن أبى بشر المخذول (١)!
ومن تلاميذه: أبو رشيد النيسايورى، وأبو يوسف القزوبنى، والشريف المرتضى، وأبو الحسين البصري، محمد بن على بن الطيب، وأبو القاسم البستى، وغيرهم.
ومن آثاره:
١ - الأمالي في الحديث (المسمى نظم الفوائد وتقريب المراد للرائد)
٢ - تثبيت دلائل نبوة سيدنا محمد.
٣ - تنزيه القرآن عن المطاعن.
стр. 19
٤ - الخلاف بين الشيخين.
٥ - رسالة في علم الكمياء.
٦ - شرح الأصول الخمسة.
٧ - فضل الاعتزال، وطبقات المعتزلة.
٨ - متشابه القران.
٩ - المحيط بالتكليف.
١٠ - المغنى في أبواب التوحيد والعدل.
ويلاحظ أن القاضي عبد الجبار، قد كانت له منزلة رفيعة في دولة بويه، لأنه كان قاضى القضاة بها، وأن كتبه في الاعتزال - قد نسخت كل الكتب السابقة لها، وأن المعتزلة كانت لهم في تلك الدولة منزلة لم تصل إليها منزلة الأشاعرة، بل إن الأشاعرة لم يكن لهم بها أي شأن.
كما أن عبد الجيار، لم يكن من بين مؤلفاته مؤلف واحد في النحو وإن كان قد برع في غيره من العلوم كالفقه والحديث والكلام، ومع هذا فإنه قد تناول التفسير. وتأويل القرآن، مما جعله غير موفق في تأويله للقرآن الكريم، فقد كان منهجه في التأويل معتمداً على العقل واللغة؛ ولم يتوخ في تأويله (معاني النحو) لتظهر له دقائق النظم، وخصائصه، ولطائفه.
وهذا ما حفز عبد القاهر على أن يتجرد للرد على المعتزلة في شخص عبد الجبار الأسد أبادى: ومبيناً أن هؤلاء القوم لو أنهم إذ تركوا هذا الشأن (أي علم النحو) تركوه جملة، وإذ زعموا أن قدر المفتقر إليه القليل منه اقتصروا على ذلك القليل فلم يأخذوا أنفسهم بالفتوى فيه، والتصرف فيما لم يتعلموا، ولم يخوضوا في التفسير، ولم يتعاطوا التأويل لكان البلاء واحداً. ولكنهم لم يفعلوا، فجلبوا من الداء ما أعى الطبيب وحير
стр. 20
اللبيب.، وأن قولهم بأن المزية في الفصاحة للفظ لا للمعنى أساس البلاء، لأنه صدر عن قوم لهم نباهة وصيت، وعلو منزلة في أنواع من العلوم غير العلم الذي قالوا ذلك القول فيه، ثم وقع في الألسن، فتداولته ونشرته وفشا وظهر، وكثر الناقلون له، والمشيدون بذكره، فصار ترك النظر فيه سنة والتقليد ديناً.
وأما عبد القاهر: فيذكر المؤرخون أنه: أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني، وأنه من أصل فارسي، ولا يزيدون على سلسلة نسبه جدا آخر جده محمد (١).
ولكنك تقرأ في " تتمة اليتيمة" للثعالبي المتوفى سنة ٤٢٩ هـ، أنه أبو بكر عبد القاهر بن محمد بن الحسن، مسقطاً ذكر أبيه عبد الرحمن ومضيفاً له جداً آخر وهو: الحسن (٢).
وعلى هذا فهو: أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد بن الحسن الفارسي الأصل الجرجاني المولد.
وقد وضعنا الثعالبي بصنيعه هذا، أمام هذا التساؤل: هل عبد القاهر بن محمد بن الحسن الذي ذكره الثعالبي هو نفسه إمام البلاغة عبد القاهر الجرجاني؟ وإذا كان هو نفسه فلماذا أسقط ذكر أبيه" عبد الرحمن" من نسبه؟
أما أن عبد القاهر الذي ذكره الثعالبي هو إمام البلاغة عبد القاهر الجرجاني فيؤيده أمران:
أولهما: أن الشعر الذي أورده الثعالبي لعبد القاهر، تبدو عليه مسحة أسلوب عبد القاهر، الذي نقرأه في الأسرار، والدلائل، فقد أورد الثعالبي له قوله في ابن حسنيل:
стр. 21
أجاب ردى" وطبع الشعر" لم تجب ... إذ كان ما قلته في غاية العجب
يشتم منه نسيم المسك قارئه ... ويتحلى كوكب العلياء والحسب
أبدى الأنام من الأشعار رغوتها ... وأنت أخرجت منها زبدة الحقب
وقد وردت عبارة " طبع الشعر" التي في أول الأبيات في أسرار البلاغة ثلاث مرات (١).
والآخر: هو أن الثعالبي لم يأت بترجمة أخرى لعبد القاهر في تتمة اليتيمة مع أنها قد صنفت في سنة ٤٢٨ هـ وكان "الأسرار" قد صنف في سنة ٤٢٢ - كما سيأتي - وكان عبد القاهر قد اشتهر في جرجان، فكان - كما يقول الباخرزي -قد اتفقت على إمامته الألسنه، وتجملت بمكانه وزمانه الأمكنة والأزمنة وأثنى عليه طيب العناصر، وثنيت به عقود الخناصر، فهو فرد في علمه الغزير، لا بل هو العلم في الأئمة المشاهير" (٢).
وأما لماذا أسقط الثعالبي ذكر أبيه (عبد الرحمن) فإننا نرجع أن يكون ذلك لأمور هي كما يلي:
أولاً: أنه ربما يكون عدم ذكر أبيه قد أسقط سهوا من الناسخ.
ثانياً: أن الثعالبي كان من الكتاب المشغوفين بالصنعة اللفظية والاستكثار من ألوان البديع، في زمان عبد القاهر، وقد شنع عبد القاهر - في مقدمة الأسرار - على الكتاب من أهل زمانه الذين يشغفون بالصناعة اللفظية، إذ يقول: " وقد تجد - في كلام المتأخرين الآن - كلاماً حمل
стр. 22
صاحبه فرط شغفه بأمور ترجع إلى ماله اسم في البديع إلى أن ينسى أنه يتكلم ليفهم، ويقول ليبين، ويخيل إليه أنه إذا جمع بين أقسام البديع في بيت فلا ضير أن يقع ما عناه في عمياه، وأن يوقع السامع من طلبه في خبط عشواه (١).
ثانيا أنه لم يكن في استطاعته مجاراة النقاد من البلاغيين في صناعة النقد؛ فلم يذكرهم في كتابه هذا بأي تقدير؛ ولهذا فإنه لم يذكر لعبد القاهر سوى الأبيات الثلاثة السابقة دون تعريف بمكانة صاحبها؛ كما أنه صنع نفس الصنيع مع أبى هلال العسكري؛ إذ يقول عنه: " ابن هلال العسكري (٢) "، ولم يورد غير بيتين من الشعر.
ويرجع أن عبد القاهر قد ولد في أوائل القرن الخامس الهجري، وقد نشأ ولوعا بالعلم، محبا للآداب، متأثرا بأستاذين هما: أبو الحسين محمد بن الحسن بن عبد الوارث الفارسي النحوي نزيل جرجان المتوفي سنة ٤٢١ هـ وأبو الحسن على بن عبد العزيز الجرجاني المتوفي سنة ٣٩٢ هـ.
فعلى الرغم من أن عبد القاهر لم يخرج من جرجان في طلب العلم، فإن الله تعالى أرسل إليه أبا الحسين هذا، الذي كان قد أخذ العلم عن خاله أبى على الفارسي صاحب كتاب (الإيضاح) في النحو، ولعل أبا الحسين قرأ كتاب خاله لتلميذه، فقد رأينا عبد القاهر يعنى بهذا الكتاب عناية بالغة فيضع عليه شرحا كبيرا يبلغ ثلاثين مجلدا، ويسميه: " المغنى" ثم يختصر هذا الشرح في نحو ثلاثة مجلدات، ويسمى هذا الشرح الصغير " بالمقتصد".
وأما أبو الحسن على بن عبد العزيز الجرجاني، فقد كان أديبا ممتازاً، واشتهر بكتابه" الوساطة بين المتنبي وخصومه" وقد قال ياقوت عنه:
стр. 23
"وكان الشيخ عبد القاهر الجرجاني قد قرأ عليه، واغترف من بحره، وكان إذا ذكره في كتبه تبخبخ به وشمخ بأنفه بالانتماء إليه" ولكن يبدو أن أخذ عبد القاهر عن القاضي كان أخذا عن كتبه، لا عن شخصه (١)، وذلك لأن الفارق الزمني بين القاضي الجرجاني المتوفى سنة ٣٩٢ هـ وولادة عبد القاهر التي يرجع أنها كانت في أوائل القرن الخامس الهجري لا يسمح لعبد القاهر بالأخذ عن القاضي الجرجاني مشافهة، أضف إلى هذا أن عبد القاهر، إذا تحدث عن القاضي الجرجاني ذكره بصفته، او بكنيته، أو بهما معا، كأن يقول" وعليه يدل كلام القاضي في الوساطة" أو يقول: " قال الشيخ أبو الحسن" أو يقول: " قال القاضي أبو الحسن - رحمة الله -" ولكنه إذا تحدث عن أستاذه أبى الحسين بن عبد الوارث النحوي قال: " قال شيخنا ﵀" فعبارة: " قال شيخنا" تدل على أنه قد قرأ عليه، وقد كرر التعيين بقوله" شيخنا" في الأسرار والدلائل كليمهما، ولو كان له شيخ سوى ابن عبد الوارث لحدد المقصود منه. على أن عبد القاهر نفسه قد علق على قوله - في الدلائل -: " قال شيخنا -رحمة الله -" بقوله: " يعني الشيخ أبا الحسن الفارسي ابن أخت الشيخ أبى على الفارسي (٢).
وإلى جانب هذين الأستاذين تتلمذ عبد القاهر على الكتب يقرؤها بفكر واع، وعقل مستنير، إذ نراه ينقل عن سيبويه، والجاحظ، والسيرافي، وأبى على الفارسي، وابن قتيبة، وقدامة، والآمدى، والقاضي الجرجاني، وأبى هلال العسكري، وأبى أحمد العسكري، وابن سنان الخفاجي، وعبد الرحمن بن عيسى الهمذاني، والمرزباني، والزجاج، وأبى الحسين إسحق بن إبراهيم بن سليمان بن وهب، وعبد الجبار الأسد أبادى.
стр. 24
وقد كان شافعي المذهب متكلما على طريقة الأشعري، بيد أن المادة التي غلبت عليه هي: النحو، فقد كان يلقب بالنحوي.
وتصدر بجرجان، وذاع صيته في الافاق، وشدت إليه الرحال، وقصده التلاميذ من جميع الجهات، وظل مقيماً بجرجان، يفيد الراحلين إليه، والوافدين عليه إلى أن توفى بها سنة ٤٧١ هـ.
ومع علمه الغزير، ونتاجه الوفير، فإنه لم يكن سعيداً في حياته، فقد كان فقيراً عليه في الرزق، يعيش على هبات بعض الأثرياء الذين ألف لهم كتبه (١)، كما أنه كان أشعرياً، وكان الأشاعرة يلعنون من فوق المنابر فقد كانت الأشعرية في زمانه تهمة يهمل صاحبها وينبذ من أجلها، حتى إن ياقوتا قال عن بديع الزمان الهمذاني إنه كان متهماً بمذهب الأشعرية (٢) " وقد حسن الوزير عميد الملك السكندري، وزير السلاجفة للسلطان طغرل بك أن يلعن الأشاعرة من فوق المنابر فلعنوا حتى جاء نظام الملك أبو على الحسن بن على وزير السلاجفة، فأزال لعنهم في سنة ٤٥٨ هـ وظهر ذلك على نفسية عبد القاهر في مقدمة " دلائل الاعجاز" (٣).
ومن آثار عبد القاهر .
١ - أسرار البلاغة: ويبدو فيه الارتباط الوثيق بينه وبين " الوساطة" للقاضي الجرجاني، لأنه بين فيه المعايير النقدية التي على أساسها يتفاضل الشعراء، وقد صنفه فيما نعتقد سنة ٤٢٢ هـ.
٢ - " المختار من دواوين" المتنبي، والبحتري، وأبى تمام" وقد جمع تلك المختارات على ما يبدو - وهو يؤلف أسرار البلاغة؛ لأن أكثر
стр. 25
ما استشهد به من شعر في الأسرار - كان من أشعار هؤلاء الشعراء الثلاثة؛ إذ كان كلما عثر على أبيات تعجبه دونها؛ حتى تجمع له قدر لا بأس به من الأشعار التي دونها في كتابه هذا.
٣ - شرح مبسوط لكتاب " الإيضاح" في النحو لأبى على الفارسي في ثلاثين مجلداً أسماه " المغنى" ويبدو أنه ألفه في ثلاثين عاما؛ بدأت سنة ٤٢٣ هـ وانتهت في سنه ٤٥٣ هـ.
٤ - ملخص لهذا الشرح أسماه " المقتصد" في ثلاثة أجزاء؛ وقد أتمه عبد القاهر في شهر رمضان سنة ٤٥٤ هـ وكتبه بخطه؛ وقرأه عليه من أوله إلى آخره قراءة ضبط وتحصيل: أحمد بن محمد الشجري.
٥ - كتاب " التكملة" في النحو؛ وربما كان يضيف به مسائل لم ترد في الإيضاح.
٦ - كتاب أسماه " الإيجاز" اختصر به الإيضاح.
٧ - " العوامل المائة" في النحو.
٨ - كتاب" الجمل" وهو شرح للعوامل المائة.
٩ - " التلخيص" وهو شرح لكتاب الجمل.
١٠ - " العمدة" في التصريف.
١١ - كتاب في العروض.
١٢ - كتاب " شرح الفاتحة" في مجلد.
١٣، ١٤ - شرحان على إعجاز القرآن؛ لأبى عبد الله محمد بن زيد الواسطي المتوفى في سنة ست وثلاثمائة.
стр. 26
١٥ - "الرسالة الشافية" في الإعجاز؛ وفيها يحاول أن يثبت أن القرآن الكريم معجز؛ دون أن يتعرض لأدلة الإعجاز.
١٦ - "دلائل الإعجاز" وهو موضوع حديثنا في هذا الكتاب؛ وقد ألفه بعد سنة ٤٥٤ هـ.
١٧ - مسائل منثورة أثبتها في مجلد؛ وهو" كالتذكرة" له لم يستوف القول حق الاستيفاء في تلك المسائل التي سطرها - كما يقول الوزير القفطي في "إنباه الرواة" فقد تحدث عن "إعجاز القرآن" الذي يرجع أنه هو "دلائل الإعجاز" و " التذكرة" قائلاً: " ومع هذا كله فإن كلامه وغوصه جواهر هذا النوع يدل على تبحره وكثرة اطلاعه" (١).
وقد رجعنا في بحث آخر أن تكون الفصول الأخيرة من الدلائل بتحقيق السيد محمد رشيد رضا، قد زادها عبد القاهر في فترات لاحقة في أواخر حياته، وكذلك أثبت الأستاذ الجليل محمود محمد شاكر، أن تلك الفصول لم تجئ مع الكتاب في نسخة أخرى، مما يدل على أنها زيدت بعد الانتهاء من الدلائل وكان عبد القاهر عازماً على أن يرتبها في الكتاب مرة أخرى، ولكن الأجل لم يمهله (٢).
стр. 27
(جـ) دلائل الإعجاز
قبل عبد القاهر الجرجاني
الدلائل: جمع دلالة؛ وهو ما يستدل به على الشيء؛ والإعجاز: الفوت والسبق؛ وأعجز الشيء فلاناً: فاته؛ ولم يدركه.
"دلائل الإعجاز"؛ هي أدلة إعجاز القرآن الكريم؛ أي إعجازه للخلق جميعاً؛ فقد تحدى العرب قاطبة - وفيهم الخطباء المصاقع، والشعراء المفلقون - أن يأتوا بسورة من مثله؛ فعجزوا عنه؛ وانقطعوا دونه.
وقد جعلها عبد القاهر عنوناً لكتابه الذي رد به على المعتزلة، واستقاها من فهمه لمناظرة أبى سعيد السيرافي وجرت على لسانه، وهو يرد عليهم في هذا الكتاب؛ إذ قال لهم: " ومن ثم لا يجوز لنا، أن نعتد في شأننا هذا بأن يكون المتكلم قد استعمل من اللغتين في الشيء ما يقال إنه أفصحهما، وبإن يكون قد تحفظ مما تخطى فيه العامة، ولا بأن يكون قد استعمل الغريب؛ لأن العلم بجميع ذلك، لا يعدو أن يكون علما باللغة وبأنفس الكلم المفردة، ومما طريقه الحفظ؛ دون ما يستعان عليه بالنظر، ويوصل إليه بإعمال الفكر. ولئن كانت العامة وأشباه العامة، لا يكادون يعرفون الفصاحة غير ذلك؛ فإن من ضعف النحيرة إخطار مثله في الفكر، وإجراءه في الذكر. وأنت تزعم أنك ناظر في" دلائل الإعجاز"؛ أي في أدلة إعجاز القرآن.
فدلائل إعجاز القرآن، ليست في اختيار الكلمات؛ من حيث أفصحها في الاستعمال، ولا في البعد من اللحن، ولا في الاستعمال الغريب؛ وإنما هي في النظم الذي تضمن دقائق وأسراراً، طريق العلم بها الروية والفكر، والطائف مشتقاها النقل؛ وهي السبب في أن عرضت المزية في الكلام،
стр. 28
ووجب أن يفضل بعضه بعضاً، وأن يبعد الشأو في ذلك، وتمتد الغاية، ويعلو المرتقى، ويعز المطلب حتى ينتهي الأمر إلى الإعجاز، وإلى أن يخرج عن طرق البشر.
فعبد القاهر - إذن - يقصد بدلائل الإعجاز: خصائص النظم، وفروقه، ودقائقه ولطائفه.
ومن أشهر الطوائف التي اهتمت بدراسة إعجاز القرآن: طائفتان هما: طائفة الأشاعرة، وطائفة المعتزلة.
أما الطائفة الأولى: وهي طائفة الأشاعرة، فقد كانت ترى أن إعجاز القرآن الكريم في نظمه، وقد مثل هذه الطائفة: أبو الحسن الأشعري، والخطابي، والباقلاني، وانضم إليهم الجاحظ الذي انشق على شيخه النظام القائل بالصرفة، أي أن العرب كان في مقدورهم الإتيان بمثل القرآن، ولكن الله تعالى صرفهم عن ذلك.
وأما الطائفة الأخرى، وهي طائفة المعتزلة، فقد كانت ترى أن إعجاز القرآن الكريم في فصاحته، وأن المزية في الفصاحة للفظ، لا للمعنى وقد مثل هذه الطائفة: أبو على الجبائي، وابنه أبو هاشم، والرماني، وعبد الجبار، وابن سنان الخفاجي القائل بالصرفة.
وقد كان السبب في أن جعل الأشاعرة النظم أساساً لمعرفة إعجاز القرآن، هو
أنهم رأوا أن القرآن الكريم عندما تحدى العرب، وعجزوا عن معارضته قالو، - تارة - أنه شعر، وتارة أخرى أنه سحر.
أما قولهم: إنه شعر فلأنهم رأوه منظوماً، ولكنه نظم مخصوص، فلا هو بالشعر، ولا هو بالنثر.
وأما قولهم: أنه سحر، فلأنهم قد وجدو له وقعاً في قلوبهم، لم يستطيعوا مغالبته، وتأثيراً في نفوسهم، لم يقدروا على الإفلات منه!
стр. 29
فقد جاء في حديث أبى ذر - رضى الله عنه - في سب إسلامه - أنه قال: قال لي أخي أنيس: إن لي حاجة ألي مكة، قال: فانطلق فراث، فقلت: ما حبسك؟ قال: لقيت رجلا يقول: أن الله تعالى أرسله.
فقلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون شاعر، ساحر، كاهن، قال أبو ذر: وكان أنيس أحد الشعراء، فقال: تالله لقد وضعت قوله على أقراء الشعراء، فلم يلتئم على لسان أحد، ولقد سمعت الكهنة فما هو بقولهم، والله إنه لصادق، وإنهم لكاذبون!
فالقرآن الكريم ليس شعراً - وإن كان له نظم عجيب، ونغم غريب، وليس سحراً - وإن كان يأسر القلوب، ويجذب النفوس، ويعمل فيها عمل السحر! ، فقد قال تعالى فيه: " إنه لقول رسول كريم وماهوا بقول شاعر قليلا ما تؤمنون، ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون (١) ".
ولعل السر - أيضاً - في أن جعل المعتزلة الفصاحة أساساً لمعرفة إعجاز القرآن وأن مزيتها في اللفظ لا في المعنى هو أنهم وجدوا العرب يقولون في القرآن - عندما تحداهم وعجزوا - إنه سحر، وذلك لصلة الصور البيانية التي تنتسب المزية فيها عادة إلى اللفظ، وإن كان المراد بها ما تحدثه الألفاظ، من تلك الصور، كالتشبيه والتمثيل" والاستعارة" والكتابة، بالتأثير في النفوس، وما تحدثه تلك الصور من الأخذ بمجامع القلوب.
وقد ألف أبو عثمان عمرو بن الجاحظ كتاباً في (نظم القرآن) ولكنه ضاع من يد الزمن، فلم يصل إلينا، بيد أن الجاحظ قد وصفه في مقدمة كتابه (الحيوان) بأنه في الاحتياج لنظم القرآن وغريب تأليفه، وبديع تركيبه".
стр. 30
ويبدو - أيضاً - أنه كما يقول عنه في موضع آخر: "لم يدع فيه لرافضي، ولا لحديثي، ولا لحشوي، ولا لكافر مياد ولا لمنافق مقموع ولا لأصحاب النظام، ولمن نجم بعد النظام، عن يزعم أن القرآن حق، وليس تأليفه بحجة، وأنه تنزيل، وليس ببرهان، ولا دلالة" (١).
فقد عرض فيه - إذن - لإعجاز القرآن، والمذاهب المختلفة فيه، وناقشها، وفصل القول في أن إعجاز القرآن إنما يرجع إلى نظمه، وغريب تأليفه، وبديع تركيبه.
ولعله - أيضاً - كان يذهب- في إطلاق كلمة النظم - إلى ما وراء نظم الكلمات، وترتيبها، واختلاف أوضاعها في التعبير عن معانيها، على الأصل الذي بني عليه عبد القاهر كلامه، فكان يطلقها على نظم الحروف، وتلاؤم مزجها، وانسجام أجراسها، وكان يذهب إلى أن الكلام -في ذلك- على طبقات، فمنه المتناهي في الثقل المفرط، كقول الشاعر:
وقبر حربٍ بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر
وقول محمد بن يسير:
لا أذيل الآمال بعدك إني ... بعدها بالآمال جد بخيل
كم لها موقف بباب صديق ... رجعت من نداه بالتعطيل
لم يضرها - والحمد لله - شيء ... وانثنت نحو عزف نفس ذهول
стр. 31
قال الجاحظ: فتفقد النصف الأخير من هذا البيت، فإنك ستجد بعض ألفاظه يتبرأ من بعض.
ومنه ما هو أخف منه، كقول أبي تمام.
كريم متى أمدحه أمدحه والورى ... معي وإذا مالمته، لمنه وحدي
ومنه ما يكون فيه بعض الكلفة على اللسان، إلا أنه لا يبلغ أن يعاب به صاحبه، ويشهر أمره في ذلك ويحفظ عليه، وأن الكلام إذا سلم من ذلك، وصفا من شويه، وكان الفصيح المشاد به، والمشار إليه، وأن الصفاء - أيضاً - يكون على مراتب، يعلو بعضها بعضا، وأن له غاية، إذا انتهى إليها كان
الإعجاز" (١).
غير أن الباقلائي قد ذكر في مقدمة كتابه (إعجاز القرآن) أن الجاحظ لم يزد في كتابه هذا على ما قاله المتكلمون قبله، مما يبعد القول بأن الجاحظ قد أراد من النظم ما أراد عبد القاهر الجرجاني من بعده، وأنه إنما أراد به تلاؤم الألفاظ، وبعدها عما يثقل على اللسان، كالذي ذكره الرماني، وجعله وجها من وجوه البلاغة.
وهذا الرأي هو الذي أشار إليه الرماني، وجعله وجها من وجوه البلاغة، وأسماه التلاؤم، " غير أن عبد القاهر، لا يرى أن الإعجاز، في مثل هذا النوع من الفصاحة، لأنه يؤدى إلى أن لا يكون للمعاني ذكروها في حدود البلاغة، من وضوح الدلالة، وصواب الإشارة، وتصحيح الأقسام، وحسن الترتيب والنظام، والإبداع في طريق التشبيه
стр. 32
والتمثيل، والإجمال والتفصيل، ووضع الفصل والوصل موضعهما وتوفية الحذف والتأكيد والتقديم والتأخير شروطهما -مدخل فيما له كان القرآن معجزاً، حتى يدعى أنه لم يكن معجزاً من حيث هو بليغ، ولا من حيث هو قول فصل، وكلام شريف النظم بديع التأليف، وذلك لأنه لا تعلق لشيء من هذه المعاني بتلاؤم الحروف".
ولكن الذي كان يشبه عبد القاهر -في محاولته إبراز المعنى الحقيقي المنظم، وبيان المزايا التي فاق بها نظم القرآن كل نظم - عير أنه لم يتوصل إلى ما توصل إليه عبد القاهر من أمر النظم - هو: أبو سليمان: حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي، المتوفى سنة ٣٨٥ هـ، فقد ألف رسالة في (بيان إعجاز القرآن).
وفي هذه الرسالة: يذكر أن الناس قديماً وحديثاً، قد ذهبوا - في هذا الموضوع - كل مذهب، ولكنهم لم يصدروا عن رأى، لتعذر وجه الإعجاز، ولعدم وقوفهم على الوسيلة التي تدلهم عليه.
فقد ذهب قوم إلى أن القرآن معجز بالصرفة، أي إن العرب كان في استطاعتهم الإتيان بمثل القرآن، ولكن الله تعالى صرفهم، وسلب منهم القدرة على أن يأتوا بمثله، ولكن الخطابي يرفض هذا الرأي، لأن الله تعالى لو أراد ذلك لبطلت المعجزة، إذ كيف يطلب منهم شيئاً، ووسيلته غير موجودة؟ !
وذهبت طائفة أخرى إلى أن القرآن الكريم معجز لتضمنه الإخبار عما سيحدث في المستقبل، وقد تحقق ما أخبر به، وارتضى الخطابي هذا الوجه، على أن يكون نوعاً من أنواع الإعجاز، لا على أن يكون الإعجاز كله.
وقال قوم: إن القرآن معجز ببلاغته، ولكنهم لم يستطيعوا تحديدها، ولا تصورها.
стр. 33
ويمضى الخطابي في بيان رأى هؤلاء القوم فيقول: "قالوا: وقد يخفى سببه عند البحث، ويظهر أثره في النفس حتى يلتبس عن ذوى العلم والمعرفة، قالوا: وقد توجد لبعض الكلام عذوبة في السمع، وهشاشة في النفس، لا توجد مثلها لغيره منه، والكلامان فصيحان، ثم لا يوقف لشيء من ذلك على علة" (١).
وهذا الرأي النقدي هو رأي القاضي على بن عبد العزيز الجرجاني المتوفى سنة ٣٩٢ الذي حاول أن يثبت أن مزية الكلام راجعة إلى نظمه، لا إلى جزالته وقوته، ولا إلى ما فيه من تنسيق وتزويق، ولكنه لا يستطيع أن يبين لنا أسباب تلك المزية - كما بينها عبد القاهر من بعده - إذ هو لا يستطيع أن يفصح لنا عن تلك الأسباب بأكثر من أن هذا أمر تستخبر به النفوس المهذبة، وتستشهد عليه الأذهان المثقفة، بل إنه يجهر بأنك لا تستطيع أن تذكر لهذه المزية سبباً، بل ويقيم الدليل على هذا من الأمور الحسية المشاهدة، فيقول: وأنت قد ترى الصورة تستكمل شرائط الحسن، وتستوفى أوصاف الكمال وتذهب في الأنفس كل مذهب، وتقف من التمام بكل طريق، ثم تجد أخرى دونها في انتظام المحاسن والتئام الخلقة، تناصف الأجزاء، وتقابل الأقسام، وهي أحظى بالحلاوة، وأدنى إلى القبول، وأعلق بالنفس، وأسرع ممازجة للقلب ثم لا تعلم - وإن قاسيت واعتبرت ونظرت وفكرت - لهذه المزية سبباً، ولما خصت به مقتضياً ..
ولو قيل لك: كيف صارت هذه الصورة -وهي مقصورة عن الأولى في الإحكام والصفة وفي الترتيب والصنعة، وفيما يجمع أوصاف الجمال
стр. 34
وينتظم أسباب الاختيار أحلى وأرشق، وأحظى وأوقع؟ لأقمت السائل مقام المتعنت المتجانف، ورددته رد المستبهم الجاهل، ولكان أقصى ما في وسعك، وغاية ما عندك أن تقول: موقعه في القلب ألطف، وهو بالطبع أليق (١).
فهؤلاء القوم يشعرون بتفوق القرآن الكريم على سائر أنواع الكلام ببلاغته، ولكنهم لا يستطيعون معرفة السبب لهذا التفوق، إذ قد يخفى السبب، ولكن يظهر أثره في النفس، وقد نجد النفس عذوبة لكلام لا نجدها عند غيره، وكلاهما فصيح! والطبع السليم هو الحكم في الفصل بين الفاضل والمفضول.
ولكن الخطابي يرفض هذا الرأي - أيضاً - ويبحث عن هذا السبب، فيجدان أجناس الكلام مختلفة ومراتبها - في التبيان ميفاوتة، ودرجاتها - في البلاغة - غير متساوية.
فالكلام هنا: البليغ الرصين الجزل، والفصيح القريب السهل، والجاثر الطلق الرسل، وتلك هي أقسام الكلام الفاضل المحمود، أما الكلام الهجين المذموم، فلا يوجد في القرآن الكريم منه شيء.
فالقسم الأول: هو أعلى طبقات الكلام، وأرفعه.
والقسم الثاني هو: أوسطه وأقصده.
والقسم الثالث هو: أدناه وأقربه.
وقد نالت بلاغة القرآن الكريم من كل قسم من هذه الأقسام قدراً، وأخذت من كل نوع شعبة فانتظم بامتزاجها نمط من الكلام يجمع بين
стр. 35
صفتي الفخامة والعذوبة، وهما صفتان، كأن بينها تضاد، لأن الجزالة والمتانة تعالجان نوعا من الوعورة" ولكن العذوبة ناتجة عن السهولة، فاجتماع الصفتين - مع تباينهما - في نظم القرآن، فضيلة خص بها القرآن الكريم، يسرها الله بلطيف قدرته، ليكون آية بينه لنبيه ﷺ ودلالة على صحة دعوته.
ويمضي الخطابي مبينا أسرار عجز البشر عن الإتيان بمثل القرآن الكريم، والتي تتلخص فيما يلي:
١ - أن علم البشر لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية، وبألفاظها، التي هي ظروف للمعاني، وحوامل لها.
٢ - أن إفهامهم لا تدرك جميع معاني الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ.
٣ - أن معرفتهم لا تكمل لاستيفاء جميع وجوه النظوم التي بها يكون ائتلاف الألفاظ والمعاني، وارتباط بعضها ببعض، لأن الكلام يقوم على ثلاثة أمور هي:
(أ) لفظ حامل للمعاني.
(ب) معنى قائم باللفظ.
(ج) رباط لهما ناظم.
والقرآن الكريم - إذا تأملته - وجدت هذه الأمور الثلاثة - وهي اللفظ، والمعنى، وائتلافهما بالنظم - في غاية الشرف والفضيلة، فلا تجد أفصح، ولا أجزل، ولا أعذب من ألفاظه، ولا ترى أحسن تأليفاً، وأشد نلاؤحاً، وتشاكلا من نظمه (١).
стр. 36
وفي القسم التطبيقي من رسالته يذكر الخطابي أن عماد البلاغة إنما هو في وضع الألفاظ في مواضعها الخاصة بها، فلكل لفظ موضعه الأشكل به، فإذا ما أزيل عن مكانه وحل محله غيره، فإما أن يتبدل المعنى فيفسد الكلام، وإما أن يذهب الرونق الذي تسقط معه البلاغة.
ويرجع السر - في هذا - إلى أن في الكلام ألفاظاً متقاربة في معانيها، فيظن أنها متساوية في أداء المعنى وتحقيق الغرض، وبيان المراد من الخطاب، والواقع أن لكل لفظة خاصية تتميز بها عن صاحبتها في بعض معانيها، وإن كانا يشتركان في بعضها (١).
وإذا كانت هذه هي حال الألفاظ، فإن المعاني التي تحملها تحتاج إلى أكثر منها معاناة وأشد، لأنها نتاج العقول، وولائد الإفهام، وبنات الأفكار.
وأما رسوم النظم فإن الحاجة فيها إلى الثقافة والحذق أكثر، لأنها لجام الألفاظ، وزمام المعاني وبه تنتظم أجزاء الكلام، ويلتئم بعضه ببعض، فتقوم له صورة في النفس يتشكل بها البيان (٢).
وأنت تلاحظ أن الخطابي يرى أن النظم يحدث صورة في النفس يتشكل بها البيان، فالنظم أساس لصور البيان، وهذا ما تأثر به - من بعده - أبو هلال العسكري، وابن سنان، وعبد القاهر الجرجاني.
كما أنك تلاحظ أن الخطابي لم يرتض القول بأن الإعجاز قد يخفى سببه عند البحث، ويظهر أثره في النفس وبحث عن هذا السبب فوجده في النظم، وبمعنى أدق في الرابط بين اللفظ والمعنى، ولكنه قد وقف عند
стр. 37
هذا الحد، فلم يعرف أن هذا الرابط، إنما هو في معاني النحو بين الكلم.
وأما أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني المتوفى سنة ٤٠٣ هـ؛ فقد ألف كتابه (إعجاز القرآن) وذكر في مقدمته أن الجاحظ قد صنف في (نظم القرآن) كتاباً، لم يزد فيه على ما قاله المتكلمون قبله ولم يكشف عما يلتبس في أكثر هذا المعنى، وأن سائلا سأله أن يذكر جملة من القول جامعة تسقط الشبهات، وتزيل الشكوى التي تعرض للجهال، وتنتهي إلى ما يخطر لهم. ويعرض لإفهامهم من الطعن في وجه المعجزة؛ فأجابه إلى ذلك، وألف هذا الكتاب.
وقد بين -في هذا الكتاب- أن الأشاعرة -وغيرهم- ذكروا من وجوه الإعجاز ثلاثة هي:
أولها: ما تضمنه القرآن من الأخبار عن الغيوب؛ وذلك مما لا يقدر عليه البشر؛ ولا سبيل إليه.
وثانيها: أنه أخبر عما وقع وحدث من عظيمات الأمور، ومهمات السير؛ من خلق آدم إلى مبعثه ﷺ مع أنه كان أمياً؛ لا يقرأ ولا يكتب؛ ولم يكن يعرف شيئاً من كتب المتقدمين وأقاصيصهم وأنبائهم وسيرهم.
وثالثها: أنه بديع النظم عجيب التأليف؛ متناه في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه.
ثم ذكر أن الذي أطلقه العلماء في هذا الوجه الأخير هو على الجملة؛ أما هو فقد كشف الجملة التي أطلقوها وفصلها؛ بأن الذي يشتمل عليه بديع نظمه المتضمن للإعجاز وجوه:
стр. 38
١ - أن نظم القرآن -على تصرف وجوهه، وتباين مذاهبه- خارج عن المعهود من نظام جميع كلامهم ومباين للمألوف من ترتيب خطابهم، وله أسلوب يختص به، ويتميز في تصرفه عن أساليب الكلام المعتاد.
٢ - أنه ليس للعرب كلام مشتمل على هذه الفصاحة والغرابة، والتصرف البديع، والمعاني اللطيفة، والفوائد الغزيرة، والحكم الكثيرة، والتناسب في البلاغة، والتشابه في البراعة على هذا الطول، وعلى هذا القدر.
٣ - أن عجيب نظمه، وبديع تأليفه، لا يتفاوت ولا يتباين على ما يتصرف إليه فيها ويشتمل عليها؛ وإنما هو على حد واحد، في حسن النظم، وبديع التأليف والرصف لا تفاوت فيه؛ بينما يتفاوت كلام الفصحاء تفاوتاً بيناً.
٤ - أن نظم القرآن قد وقع موقعاً في البلاغة يخرج عن عادة كلام الجن كما يخرج عن عادة كلام الأنس فهم يعجزون عن الإتيان بمثله كعجزنا، ويقصرون دونه كقصورنا.
٥ - أن الذي ينقسم إليه الخطاب؛ من البسط والاقتصار؛ والجمع والتفريق، والاستعارة والتصريح، والتجوز والتحقيق، ونحو ذلك من الوجوه التي في كلامهم، موجود في القرآن، وكل ذلك مما يتجاوز كلامهم المعتاد في الفصاحة، والإبداع، والبلاغة.
٦ - أن المعاني التي تضمنها، في أصل وضع الشريعة والأحكام والاحتجاجات في أصل الدين، والرد على الملحدين على تلك الألفاظ البديعة، وموافقة بعضها بعضاً، في اللطف والبراعة، مما يتعذر على البشر ويمتنع.
стр. 39
٧ - أن الكلام يتبين فضله، ورجحان فصاحته، بأن تذكر منه الكلمة في تضاعيف كلام. أو تقذف بين شعر، فتأخذها الأسماع، وتتشوف إليها النفوس، ويرى وجه رونقها بادياً .. وأنت ترى الكلمة من القرآن؛ يتمثل بها في تضاعيف كلام كثير؛ وهي غرة جميعه. وواسطة عقده، والمنادى على نفسه بتميزه، وتخصصه برونقه وجماله، واعتراضه في حسنه وجماله.
٨ - أن الحروف التي بنى عليها كلام العرب تسعة وعشرون جرفاً، وعدد السور التي افتتح فيها بذكر الحروف ثمانية وعشرون سورة، وجملة ما ذكر من هذه الحروف -في أوائل السور من حروف المعجم- تصف الجملة، وهو: أربعة عشر حرفاً، ليدل بذلك المذكور على غيره، ولعرفوا، أن هذا الكلام منتظم من الحروف التي ينظمون بها كلامهم.
٩ - أنه سهله ويسره، فهو خارج عن الوحشي المستكره، والغريب المستنكر، وعن الصنعة المتكلفة، وجعله قريباً إلى الإفهام ... وهو -مع ذلك- ممتنع المطلب عسير المتناول، غير مطمع مع قربه في نفسه، ولا موهم مع دنوه في موقعه أن يقدر عليه، أو يظفر به.
أما كيفية الوقوف على إعجاز القرآن: فهي: أن إعجاز القرآن لا يخفى على العربي البليغ، الذي قد تناهى في معرفة اللسان العربي، ووقف على طرقها ومذاهبها.
وأما من لم يبلغ، في الفصاحة الحد الذي يتناهى إلى معرفة أساليب الكلام ووجوه اللغة فهو كالأعجمي في أنه لا يمكنه أن يعرف إعجاز القرآن، إلا بأن يعلم أن العرب قد عجزوا عنه، وإذا عجز هؤلاء، فهو عنه أعجز!
стр. 40
وهكذا ترى أن الباقلاني قد حاول جاهداً، أن يتبين معنى النظم، وأن يصل إلى أسراره. فلم يجيء إلا بكلام عام، لم يصل به إلى الدلائل الحقيقية للإعجاز، وهي خصائص النظم وفروقه، المتمثلة في تتبع معاني النحو فيما بين الكلم.
على أن هناك من النقاد من أسهم برأيه. في قضية الإعجاز، وأن القرآن الكريم معجز بنظمه الفريد، الذي لا يستطيع الخلق أن يأتوا بمثله، وساهم في إبراز نظرية النظم -وإن لم يصل إلى ما وصل إليه عبد القاهر من بعده- وهو، أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكري، المتوفى سنة ٣٩٥ هـ.
فقد بين في مقدمة كتابه (الصناعتين) أن الإنسان إذا أغفل علم البلاغة، وأخل بمعرفة الفصاحة، لم يقع علمه بإعجاز القرآن، من جهة ما خصه الله به من حسن التأليف، وبراعة التركيب وما شحنه به من الإيجاز البديع، والاختصار اللطيف، وضمنه من الحلاوة، وجلله من رونق الطلاوة، مع سهولة كلمة وجزالتها وعذوبتها وسهولتها، إلى غير ذلك من محاسنه التي عجز الخلق عنها. وتحيرت عقولهم فيها، وإنما يعرف إعجازه من جهة عجز العرب عنه،
وأنه يقبح بالفقيه المؤتم به، والقارئ المهتدى بهديه، والمتكلم المشار إليه في حسن مناظرته، وتمام آلته ومجادلته، وشدة شكيمته في لحاجه، والعربي الخالص، والقرشي الصريخ أن لا يعرف إعجاز كتاب الله تعالى، إلا من الجهة التي يعرفه منها الزنجي، والنبطي، وأن يستدل عليه بما استدل به الجاهل الغبي.
وأن علم البلاغة ينبغي أن يقدم التماسه على سائر العلوم الأخرى، بعد توحيد الله تعالى، لأن المعرفة بصحة النبوة تتلو المعرفة بالله تعالى.