← Баляга

Баляга · id 151016

دلائل الإعجاز بين أبي سعيد السيرافي والجرجاني

حسن إسماعيل عبد الرازق

Полный текст (183 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وفي القسم التطبيقي من رسالته يذكر الخطابي أن عماد البلاغة إنما هو في وضع الألفاظ في مواضعها الخاصة بها، فلكل لفظ موضعه الأشكل به، فإذا ما أزيل عن مكانه وحل محله غيره، فإما أن يتبدل المعنى فيفسد الكلام، وإما أن يذهب الرونق الذي تسقط معه البلاغة. ويرجع السر - في هذا - إلى أن في الكلام ألفاظاً متقاربة في معانيها، فيظن أنها متساوية في أداء المعنى وتحقيق الغرض، وبيان المراد من الخطاب، والواقع أن لكل لفظة خاصية تتميز بها عن صاحبتها في بعض معانيها، وإن كانا يشتركان في بعضها (١). وإذا كانت هذه هي حال الألفاظ، فإن المعاني التي تحملها تحتاج إلى أكثر منها معاناة وأشد، لأنها نتاج العقول، وولائد الإفهام، وبنات الأفكار. وأما رسوم النظم فإن الحاجة فيها إلى الثقافة والحذق أكثر، لأنها لجام الألفاظ، وزمام المعاني وبه تنتظم أجزاء الكلام، ويلتئم بعضه ببعض، فتقوم له صورة في النفس يتشكل بها البيان (٢). وأنت تلاحظ أن الخطابي يرى أن النظم يحدث صورة في النفس يتشكل بها البيان، فالنظم أساس لصور البيان، وهذا ما تأثر به - من بعده - أبو هلال العسكري، وابن سنان، وعبد القاهر الجرجاني. كما أنك تلاحظ أن الخطابي لم يرتض القول بأن الإعجاز قد يخفى سببه عند البحث، ويظهر أثره في النفس وبحث عن هذا السبب فوجده في النظم، وبمعنى أدق في الرابط بين اللفظ والمعنى، ولكنه قد وقف عند

стр. 37

هذا الحد، فلم يعرف أن هذا الرابط، إنما هو في معاني النحو بين الكلم. وأما أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني المتوفى سنة ٤٠٣ هـ؛ فقد ألف كتابه (إعجاز القرآن) وذكر في مقدمته أن الجاحظ قد صنف في (نظم القرآن) كتاباً، لم يزد فيه على ما قاله المتكلمون قبله ولم يكشف عما يلتبس في أكثر هذا المعنى، وأن سائلا سأله أن يذكر جملة من القول جامعة تسقط الشبهات، وتزيل الشكوى التي تعرض للجهال، وتنتهي إلى ما يخطر لهم. ويعرض لإفهامهم من الطعن في وجه المعجزة؛ فأجابه إلى ذلك، وألف هذا الكتاب. وقد بين -في هذا الكتاب- أن الأشاعرة -وغيرهم- ذكروا من وجوه الإعجاز ثلاثة هي: أولها: ما تضمنه القرآن من الأخبار عن الغيوب؛ وذلك مما لا يقدر عليه البشر؛ ولا سبيل إليه. وثانيها: أنه أخبر عما وقع وحدث من عظيمات الأمور، ومهمات السير؛ من خلق آدم إلى مبعثه ﷺ مع أنه كان أمياً؛ لا يقرأ ولا يكتب؛ ولم يكن يعرف شيئاً من كتب المتقدمين وأقاصيصهم وأنبائهم وسيرهم. وثالثها: أنه بديع النظم عجيب التأليف؛ متناه في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه. ثم ذكر أن الذي أطلقه العلماء في هذا الوجه الأخير هو على الجملة؛ أما هو فقد كشف الجملة التي أطلقوها وفصلها؛ بأن الذي يشتمل عليه بديع نظمه المتضمن للإعجاز وجوه:

стр. 38

١ - أن نظم القرآن -على تصرف وجوهه، وتباين مذاهبه- خارج عن المعهود من نظام جميع كلامهم ومباين للمألوف من ترتيب خطابهم، وله أسلوب يختص به، ويتميز في تصرفه عن أساليب الكلام المعتاد. ٢ - أنه ليس للعرب كلام مشتمل على هذه الفصاحة والغرابة، والتصرف البديع، والمعاني اللطيفة، والفوائد الغزيرة، والحكم الكثيرة، والتناسب في البلاغة، والتشابه في البراعة على هذا الطول، وعلى هذا القدر. ٣ - أن عجيب نظمه، وبديع تأليفه، لا يتفاوت ولا يتباين على ما يتصرف إليه فيها ويشتمل عليها؛ وإنما هو على حد واحد، في حسن النظم، وبديع التأليف والرصف لا تفاوت فيه؛ بينما يتفاوت كلام الفصحاء تفاوتاً بيناً. ٤ - أن نظم القرآن قد وقع موقعاً في البلاغة يخرج عن عادة كلام الجن كما يخرج عن عادة كلام الأنس فهم يعجزون عن الإتيان بمثله كعجزنا، ويقصرون دونه كقصورنا. ٥ - أن الذي ينقسم إليه الخطاب؛ من البسط والاقتصار؛ والجمع والتفريق، والاستعارة والتصريح، والتجوز والتحقيق، ونحو ذلك من الوجوه التي في كلامهم، موجود في القرآن، وكل ذلك مما يتجاوز كلامهم المعتاد في الفصاحة، والإبداع، والبلاغة. ٦ - أن المعاني التي تضمنها، في أصل وضع الشريعة والأحكام والاحتجاجات في أصل الدين، والرد على الملحدين على تلك الألفاظ البديعة، وموافقة بعضها بعضاً، في اللطف والبراعة، مما يتعذر على البشر ويمتنع.

стр. 39

٧ - أن الكلام يتبين فضله، ورجحان فصاحته، بأن تذكر منه الكلمة في تضاعيف كلام. أو تقذف بين شعر، فتأخذها الأسماع، وتتشوف إليها النفوس، ويرى وجه رونقها بادياً .. وأنت ترى الكلمة من القرآن؛ يتمثل بها في تضاعيف كلام كثير؛ وهي غرة جميعه. وواسطة عقده، والمنادى على نفسه بتميزه، وتخصصه برونقه وجماله، واعتراضه في حسنه وجماله. ٨ - أن الحروف التي بنى عليها كلام العرب تسعة وعشرون جرفاً، وعدد السور التي افتتح فيها بذكر الحروف ثمانية وعشرون سورة، وجملة ما ذكر من هذه الحروف -في أوائل السور من حروف المعجم- تصف الجملة، وهو: أربعة عشر حرفاً، ليدل بذلك المذكور على غيره، ولعرفوا، أن هذا الكلام منتظم من الحروف التي ينظمون بها كلامهم. ٩ - أنه سهله ويسره، فهو خارج عن الوحشي المستكره، والغريب المستنكر، وعن الصنعة المتكلفة، وجعله قريباً إلى الإفهام ... وهو -مع ذلك- ممتنع المطلب عسير المتناول، غير مطمع مع قربه في نفسه، ولا موهم مع دنوه في موقعه أن يقدر عليه، أو يظفر به. أما كيفية الوقوف على إعجاز القرآن: فهي: أن إعجاز القرآن لا يخفى على العربي البليغ، الذي قد تناهى في معرفة اللسان العربي، ووقف على طرقها ومذاهبها. وأما من لم يبلغ، في الفصاحة الحد الذي يتناهى إلى معرفة أساليب الكلام ووجوه اللغة فهو كالأعجمي في أنه لا يمكنه أن يعرف إعجاز القرآن، إلا بأن يعلم أن العرب قد عجزوا عنه، وإذا عجز هؤلاء، فهو عنه أعجز!

стр. 40

وهكذا ترى أن الباقلاني قد حاول جاهداً، أن يتبين معنى النظم، وأن يصل إلى أسراره. فلم يجيء إلا بكلام عام، لم يصل به إلى الدلائل الحقيقية للإعجاز، وهي خصائص النظم وفروقه، المتمثلة في تتبع معاني النحو فيما بين الكلم. على أن هناك من النقاد من أسهم برأيه. في قضية الإعجاز، وأن القرآن الكريم معجز بنظمه الفريد، الذي لا يستطيع الخلق أن يأتوا بمثله، وساهم في إبراز نظرية النظم -وإن لم يصل إلى ما وصل إليه عبد القاهر من بعده- وهو، أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكري، المتوفى سنة ٣٩٥ هـ. فقد بين في مقدمة كتابه (الصناعتين) أن الإنسان إذا أغفل علم البلاغة، وأخل بمعرفة الفصاحة، لم يقع علمه بإعجاز القرآن، من جهة ما خصه الله به من حسن التأليف، وبراعة التركيب وما شحنه به من الإيجاز البديع، والاختصار اللطيف، وضمنه من الحلاوة، وجلله من رونق الطلاوة، مع سهولة كلمة وجزالتها وعذوبتها وسهولتها، إلى غير ذلك من محاسنه التي عجز الخلق عنها. وتحيرت عقولهم فيها، وإنما يعرف إعجازه من جهة عجز العرب عنه، وأنه يقبح بالفقيه المؤتم به، والقارئ المهتدى بهديه، والمتكلم المشار إليه في حسن مناظرته، وتمام آلته ومجادلته، وشدة شكيمته في لحاجه، والعربي الخالص، والقرشي الصريخ أن لا يعرف إعجاز كتاب الله تعالى، إلا من الجهة التي يعرفه منها الزنجي، والنبطي، وأن يستدل عليه بما استدل به الجاهل الغبي. وأن علم البلاغة ينبغي أن يقدم التماسه على سائر العلوم الأخرى، بعد توحيد الله تعالى، لأن المعرفة بصحة النبوة تتلو المعرفة بالله تعالى.

стр. 41

وقد فرق أبو هلال، بين الفصاحة والبلاغة بما لا يخرج عما قاله ابن سنان -في التفريق بينهما- من بعده من أن الفصاحة وصف للألفاظ، وأن البلاغة وصف للألفاظ مع المعاني. ثم جعل المعاني على ضربين: (أ) ضرب يبتدعه صاحب الصناعة، من غير أن يكون له إمام يقتدي به فيه، أو رسوم قائمة، في مثلة مماثلة يعمل عليها. (ب) والآخر: هو ما يحتذى به على مثال تقدم، ورسم سلف. ومن هنا وجد ابن سنان ما عرفه باسم الاختذاء، ورد عليه عبد القاهر بأنه لم يفهم معناه؛ وشرح المقصود بالاحتذاء عند العرب في صفحات عديدة من آخر دلائل الإعجاز. وقد بين أبو هلال، أن توخي الصواب في تلك المعاني -سواء أكانت مبتدعة، أم محتذاة- أحسن من توخي الأمور التي ترجع إلى الألفاظ، وأن تلك المعاني التي يتوخاها الشاعر أو الأديب، إنما هي الصورة المقبولة، والعبارة المستحسنة. وبهذا يكون أبو هلال قد اقترب كثيراً مما أراده عبد القاهر بعده، من (توخي معاني النحو) التي التقطها من مناظرة أبي سعيد السيرافي! وليس ببعيد أن يكون أبو هلال قد عثر على (توخي الصواب في المعاني) من مناظرة أبي سعيد قبل عبد القاهر، غير أنه لم يذكر كلمة (النحو)، لأن النحو لم يكن من صناعته كما كان من صناعة عبد القاهر الذي ألف فيه (العوامل المائة) التي أعانته على تطبيق نظرية النظم وهي (توخي معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يساق لها الكلام).

стр. 42

وربما كان أبو هلال قد أعتقد أن السيرافي إنما أضاف المعاني إلى النحو، لمجرد الرد على متى بن يونس الذي كان يرى أن (النحو) لا جدوى منه، وأن السيرافي كان يقصد المعاني فحسب. ومما يدلك على أن أبا هلال، قد قرأ مناظرة أبي سعيد السيرافي. أنه أجاب على أسئلة وجهها أبو سعيد، إلى متى بن يونس -في المناظرة الشهيرة بينهما- ولم يجب عليها متى، فتركها أبو سعيد دون إجابة، وهذه الأسئلة هي: (من الكلام ما هو مستقيم حسن، ومنه ما هو مستقيم محال، ومنه ما هو مستقيم قبيح، ومنه ما هو محال كذب، ومنه ما هو خطأ، فسر هذه الجملة (١)). وقد أجاب أبو هلال على هذه الأسئلة (في الصناعتين) مطبقاً لها على المعاني التي يجب أن يتوخاها الشاعر أو الأديب قائلاً: "والمعاني -بعد ذلك- على وجوه: منها: ما هو مستقيم حسن نحو قولك، (قد رأيت زيداً) ومنها: ما هو مستقيم قبيح، نحو قولك: (قد زيداً رأيت) وإنما قبح لأنك أفسدت النظام بالتقديم والتأخير، ومنها ما هو مستقيم النظم وهو كذب، مثل قولك: (حملت الجبل) و (شربت ماء البحر) ومنها: ما هو محال، كقولك: (سآتيك أمس)، (وأتيتك غداً) وكل محال فاسد، وليس كل فاسد محالاً، ألا ترى أن قولك (قام زَيدٍ) فاسد، وليس محالاً، والمحال: مالا يجوز كونه ألبته، كقولك: (الدنيا في بيضة) وأما قولك: (حملت الجبل) وأشباهه، فكذب، وليس بمحال، إن جاز أن يزيد الله في قدرتك فتحمله.

стр. 43

ويجوز أن يكون الكلام الواحد كذباً محالاً؛ وهو قولك: رأيت قائماً قاعداً)، (ومررت بيقظان نائم) فتصل كذباً بمحال؛ فصار الذي هو الكذب هو المحال بالجمع بينهما، وإن كان لكل واحد منهما معنى على حدة؛ وذلك لما عقد بعضها ببعض حتى صار كلاماً واحداً. ومنها: الغلط؛ وهو: أن تقول: (ضربني زيد) وأنت تريد: (ضربت زيداً) فغلطت فإن تعمدت ذلك كان كذباً (١) " ويبدو أن أبا هلال قد ركز -من عبارة السيرافي- على قوله لمتى ابن يونس: (وفاسد المعنى من صالحه يعرف بالعقل)، ولهذا فإنه ذكر وجوه الكلام التي ذكرها أبو سعيد في سؤاله لمتى بن يونس: وفهم منها وجوه المعاني التي منها المستقيم الحسن، والمستقيم المحال، والمستقيم القبيح والمحال الكذب، والخطأ؛ وأعرض صفحاً عن صحيح الكلام من سقيمه الذي يعرف بالنظم والإعراب. وعن معاني النحو التي هي منقسمة بين حركات الألفاظ -كما عبر عنها أبو سعيد- ولهذا فإنه ركز -في نظريته- على توخي صواب المعنى، و (صحة اللفظ) و (المعرفة بوجوه الاستعمال) وأن المطلوب من كل هذا هو: (توخي الصورة المقبولة والعبارة المستحسنة). على أن قدامة بن جعفر كان حاضراً مجلس الوزير أبي الفتح الفضل ابن الفرات، وسمع مناظرة أبي سعيد. ولا ندرى أكان قد ألف كتابه "نقد الشعر" أم لا؟ وهو الذي يقول فيه "إن المعاني كلها معرضة للشاعر" إذ كانت المعاني للشعر بمنزلة المادة الموضوعة، والشعر فيها

стр. 44

كالصورة، كما يوجد في كل صناعة، من أنه لابد فيها من شيء موضوع يقبل تأثير الصور فيها، مثل الخشب للنجارة، والفضة للصباغة، وعلى الشاعر إذا شرع في أي معنى كان من الرفعة والضعة .. أن يتوخي البلوغ من التجويد في ذلك إلى الغاية المطلوبة" (١). والمعاني التي تحدث عنها قدامة هي المعاني الغفل التي تحدث عنها عبد القاهر -في الدلائل- وقال إن سبيلها سبيل أشكال الحلي كالخاتم والشنف والسوار، فكما أن من شأن هذه الأشكال أن يكون الواحد منها غفلا ساذجاً، لم يعمل صانعه فيه شيئاً، أكثر من أن يأتي بما يقع عليه اسم الخاتم إن كان خاتماً، والشنف إن كان شنفاً، وأن يكون مصنوعاً بديعاً، قد أغرب صانعه فيه، كذلك سبيل المعاني أن ترى الواحد منها غفلا ساذجاً عامياً موجوداً في كلام الناس كلهم ثم تراه نفسه وقد عمد إليه البصير بشأن البلاغة، وإحداث الصور في المعاني، فيصنع فيه ما يصنع الحاذق حتى يغرب في الصنعة ويدق في العمل، ويبدع في الصياغة ... " (٢). كما أن عبارة قدامة: (أن يتوخى -الشاعر- البلوغ من التجويد في ذلك إلى الغاية المطلوبة) كان أصلاً لعبارة أبي هلال: (توخي صواب المعنى) التي سبقت عبارة عبد القاهر: (توخي معاني النحو). وهكذا تجد أن الذين بحثوا في إعجاز القرآن قبل عبد القاهر، وأرجعوا دلائل الإعجاز إلى نظمه وهم الأشاعرة ومعهم الجاحظ من المعتزلة- لم يتوصلوا، إلى أسرار لنظم: فالجاحظ قد رأى أنها في تلاؤم الكلام، حتى كأنه قد سبك سبكاً،

стр. 45

والباقلاني قد قال كلاماً عاماً، لا يشفى غليلا، في معرفة معنى النظم، والخطابي -وإن أشبه عبد القاهر في محاولته الجادة، في الإفصاح عن معنى النظم- إلا أنه لم يستطع الوصول إلى أسراره، بأكثر من أن الكلام ينقسم إلى لفظ حامل للمعنى، ومعنى محمول للفظ، ورباط بينهما ناظم، وأبو هلال العسكري، وإن كان قد أرجع إعجاز القرآن إلى بلاغته، إلا أن نظريته في البلاغة قد انحصرت في (توخي صواب المعنى، وصحة اللفظ، والمعرفة بوجوه الاستعمال) للوصول إلى (الصورة المقبولة، والعبارة المستحسة) مبتعداً بذلك عن (توخي معاني النحو فيما بين الكلم). أما المعتزلة: - وهم الذين كانوا يرجعون دلائل الإعجاز، إلى جزالته للفظ وحسن المعنى -فقد مثلهم- كما أسلفنا- قبل عبد القاهر: أبو علي الجبائي، وابنه أبو هاشم، والرماني، وعبد الجبار: أما أبو هاشم الحبائي، فقد أشار إلى رأيه عبد الجبار، بقوله: "قال شيخنا أبو هاشم إنما يكون الكلام فصيحاً، لجزالته، وحسن معناه، ولابد من اعتبار الأمرين، لأنه لو كان جزل اللفظ، ركيك المعنى، لم يعد فصيحاً، فإذن يجب أن يكون جامعاً لهذين الأمرين، وليست فصاحة الكلام بأن يكون له نظم مخصوص، لأن الخطيب عندهم قد يكون أفصح من الشاعر، والنظم مختلف -إذا أريد بالنظم اختلاف الطريقة- وقد يكون النظم واحداً وتقد المزيه في الفصاحة، فالمعتبر ما ذكرناه، لأنه الذي يتبين في كل نظم، وكل طريقة، وإنما يختص النظم بأن يقع لبعض الفصحاء، يسبق إليه، ثم يساويه فيه غيره من الفصحاء، فيساويه في ذلك النظم، ومن يفضل عليه يفضله في ذلك النظم" (١).

стр. 46

ومن قراءتك لكلام أبي هاشم تجد أنه لا يرجع الإعجاز إلى النظم، وإنما يرجعه إلى جزالة اللفظ، وحسن المعنى، وأنه يقصد بالنظم: طريقة الكلام، كالشعر، أو النثر، أو الرسالة، أو الخطبة، بدليل قوله: وقد يكون النظم واحداً، وتكون المزية في الفصاحة، لأن النظم بالمعنى الذي يراه عبد القاهر، لا يمكن أن يتفق فيه اثنان، ولو فضل أديب صاحبه فيه، لدل ذلك على اختلاف النظم، وأن أحدهما قد توصل في نظمه إلى ما لم يتوصل إليه الآخر، واهتدى إلى خصائص لم يهتد إليها صاحبه. وأما أبو الحسن على بن عيسى الرماني المتوفى سنة ٣٨٦ هـ، فقد ألف رسالة أسماها "النكت في إعجاز القرآن" عندما سأله سائل أن يذكر النكت في إعجاز القرآن الكريم، دون التطويل بالحجاج فأجاب بأن وجوه الإعجاز تظهر من سبع جهات: ١ - ترك المعارضة مع توفر الدواعي، وشدة الحاجة. ٢ - التحدي للكافة. ٣ - الصرفة. ٤ - البلاغة. ٥ - الأخبار الصادقة عن الأمور المستقبلة. ٦ - نقض العادة. ٧ - قياسه بكل معجز. ويهتم الرماني بالبلاغة، فيذكر أنها على ثلاث طبقات: (أ) منها ما هو في أعلى طبقة.

стр. 47

(ب) ومنها ما هو في أدنى طبقة. (جـ) ومنها ما هو في الوسائط بين أعلى طبقة وأدنى طبقة. فما كان في أعلاها طبقة فهو معجز، وهو بلاغة القرآن، وما كان منها دون ذلك فهو ممكن، كبلاغة البلغاء من الناس. والبلاغة عنده -هي: إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ وأعلاها طبقة في الحسن: بلاغة القرآن، وأعلى طبقات البلاغة: للقرآن خاصة، وأعلى طبقات البلاغة معجز للعرب والمعجم كإعجاز الشعر المفحم، فهذا معجز للمفحم خاصة، كما أن ذلك معجز للكافة. والبلاغة -عنده أيضاً- عشرة أقسام هي: الإيجاز، والتشبيه، والاستعارة، والتلاؤم، والفواصل، والتجانس، والتصريف، والتضمين، والمبالغة، وحسن البيان" (١). فبلاغة الكلام شاملة للألفاظ والمعاني على حد سواء، والإعجاز ليس في بلاغته فحسب، بل الإعجاز شامل المصرفة، والبلاغة وغيرهما مما ذكره في رسالته. وأما عبد الجبار الأسد أبادى، قاضي قضاة الدولة البويهية والمتوفى سنة ٤١٥ هـ، فقد أعد في كتابه: (المغني في أبواب التوحيد والعدل) جزءاً خاصاً بإعجاز القرآن الكريم. فيقول بعد أن أورد كلام شيخه أبي هاشم الجبائي: "إن العادة لم تجر

стр. 48

بأن يختصر واحد بنظم دون غيره، فصارت الطرق التي عليها يقع نظم الكلام الفصيح معتادة، كما أن قدر الفصاحة معتاد، فلابد من مزية فيهما، ولذلك لا يصح عندنا - (يقصد المعتزلة في عصره) أن يكون اختصاص القرآن بطريقة في النظم دون الفصاحة، التي هي جزالة اللفظ، وحسن المعنى، ومتى قال القائل: إني وإن اعتبرت طريقة النظم، فلابد من اعتبار المزيه في الفصاحة، فقد عاد إلى ما أوردناه". وهو بهذا يرد فكرة النظم، مشيراً إلى أن أصحابه، من المعتزلة يرفضون أن تكون أساساً في الإعجاز. وقد شعر عبد الجبار بقصور فكرة شيخه أبي هاشم، فحاول إتمامها، مراعيا تراكيب الكلام فيها، فقال: "إعلم أن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلام، وإنما تظهر في الكلام بالضم على طريقة مخصوصة، ولابد مع الضم من أن يكون لكل كلمة صفة، وقد يجوز في هذه الصفة أن تكون بالمواضعة التي تتناول الضم، وقد تكون بالإعراب الذي له مدخل فيه، وقد تكون بالموقع وليس لهذه الأقسام الثلاثة رابع، لأنه إما أن تعتبر فيه الكلمة، أو حركاتها، أو موقعها، ولابد من هذا الاعتبار في كل كلمة، ثم لابد من اعتبار مثله في الكلمات، إذا أنضم بعضها إلى بعض، لأنه قد يكون لها عند الانضمام صفة، وكذلك لكيفية إعرابها، وحركاتها، وموقعها، فعلى هذا الوجه الذي ذكرناه، إنما تظهر مزية الفصاحة بهذه الوجوه دون ما عداها، وإن قال (قائل): قد قلتم: إن في جملة ما يدخل في الفصاحة حسن المعنى، فهلا أعتبرتموه؟ . قيل له: إن المعاني -وإن كان لابد منها- فلا تظهر فيها المزية، ولذلك نجد المعبرين عن المعنى الواحد يكون أحدهما أفصح من الآخر، والمعنى متفق، على أنا نعلم أن المعاني لا يقع فيها تزايد، فإذن يجب أن يكون الذي يعتبر التزايد عنده هو "الألفاظ التي يعبر بها عنها، فإذا صحت

стр. 49

هذه الجملة، فالذي تظهر به المزية ليس إلا الإبدال (أي الاختيار) الذي به تختص الكلمات، أو التقدم والتأخر، الذي يختص الموقع، أو الحركات التي تختص الإعراب، فبذلك تقع المباينة (بين الكلام) (١). وأنت تشعر من هذا الكلام، أن عبد الجبار يكاد يعبر عن نظرية النظم التي وجدها عبد القاهر في معاني النحو، ولكنه وقف دونها، فلم يصل إليها! كما أنك ترى من كلامه: أنه مازال يعطي المزية للألفاظ، لا للمعاني، مستدلا، على ذلك بأن المعاني لا تتزايد، وإنما تتزايد الألفاظ التي يعبر بها عن المعاني. كما أنك تشعر - أيضاً - بأن المعاني التي يقصدها عبد الجبار، غير المعاني التي يقصدها عبد القاهر، فالمعاني التي يقصدها عبد الجبار هي الأغراض والمقاصد التي يعبر عنها بالألفاظ، كالكرم والشجاعة، ونحوهما، والمعاني التي يقصدها عبد القاهر هي: معاني النحو؛ وهي الخصائص والمزايا، والفروق التي تحدث بالنظم من التقديم والتأخير، والتعريف والتنكير، والحذف، والذكر، وغيرها من المعاني التي يتوخاها الشاعر، أو الأديب على حسب الأغراض التي يقصدها. ولما كانت الفصاحة -عند أبي هاشم- تتمثل في جزالة اللفظ، وحسن المعنى، وكانت المزية من حيز الألفاظ، لا من حيز المعاني، وجاء عبد الجبار فذكر أن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلام وإنما تظهر في الكلام بالضم على طريقة مخصوصة، وكان هذا المعنى الأخير، هو المقصود عند البلاغيين، فقد تأثر بهما أبو محمد عبد الله بن محمد بن سعيد بن سنان الخفاجى

стр. 50

المتوفى سنة ٤٦٦ هـ فألف كتابه (سر الفصاحة) وفرق فيه بين الفصاحة والبلاغة، جاعلا الفصاحة للألفاظ، والبلاغة للألفاظ مع المعاني. ولعل هذا الصنيع من ابن سنان -بالتفريق بين الفصاحة والبلاغة- هو الذي جعل عبد القاهر -في الدلائل- لا يرى مانعاً من التفريق بينهما، في مجال رده شبهة: أن يدعى أن لا معنى للفصاحة سوى التلاؤم اللفظي، وتعديل مزاج الحروف حتى تتلاقى في النطق حروف تثقل على اللسان ... ويزعم أن الكلام إذا سلم من ذلك وصفاً من شوبه كان الفصيح المشاد به، والمشار إليه، وأن الصفاء - أيضاً - يكون على مراتب يعلو بعضها بعضاً، وأن له غاية إذا انتهى إليها كان الإعجاز، وأن الذي يبطل هذه الشبهة -إن ذهب إليها ذاهب- أنا إن قصرنا صفة الفصاحة على كون اللفظ كذلك وجعلناه المراد بها، لزمنا أن نخرج الفصاحة من حيز البلاغة، ومن أن تكون نظيرة لها. وإذا فعلنا ذلك لم نخل من أحد أمرين: إما أن نجعله العمدة في المفاضلة بين العبارتين، وإما أن نجعله أحد ما نفاضل به، ووجها من الوجوه التي تقتضي تقديم كلام على كلام، فإن أخذنا بالأول، لزمنا أن نقصر الفضيلة عليه حتى لا يكون الإعجاز إلا به، وفي ذلك ما لا يخفى من الشناعة ... وإن أخذنا بالثاني، لم يكن لهذا الخلاف ضرر علينا، لأنه ليس بأكثر من أن نعمد إلى الفصاحة، فنخرجها من خير البلاغة والبيان، وأن تكون نظيرة لهما" (١). وهنا يبرز سؤال، هو لماذا لا يكون ابن سنان هو الذي تأثر برأي عبد القاهر -وقد كانا متعاصرين- فأدى تردده بين فصل الفصاحة عن البلاغة وعدم فصلهما، إلى أن يبادر ابن سنان بفصلهما بعد أن قرأ ما كتبه عبد القاهر، في دلائل الإعجاز؟ .

стр. 51

وللإجابة على هذا السؤال نقول: إن مرحلة التردد -وإن كانت في العادة تسبق مرحلة الحسم- إلا أن ثمة أموراً، ترجح ما رأيناه من تأثر عبد القاهر بما كتبه ابن سنان، نجملها فيما يلي: أولاً: أن ابن سنان قد فرغ من كتابه (سر الفصاحة) في الثاني من شعبان سنة ٤٥٤ هـ وهو نفس التاريخ الذي انتهى فيه عبد القاهر من تأليف كتابه (المقتصد) في النحو، إذ فرغ منه في شهر رمضان سنة ٤٥٤ هـ، وهو الكتاب الذي يعد ملخصاً لشرح كتاب الإيضاح لأبي على الفارسي، والذي أسماه عبد القاهر: "المغنى" في ثلاثين جزءاً، وهذا الجهد الكبير من عبد القاهر، يقدر أن يكون قد أخذ منه ما يزيد على ثلاثين عاماً، والراجح أن عبد القاهر قد ألف الدلائل بعد هذا التاريخ، لأنه -كما يقول المحققون- قد ألفه في أخريات حياته. ثانياً: أن ابن سنان فرق بين الفصاحة والبلاغة، بأن الفصاحة مقصورة على وصف الألفاظ، والبلاغة لا تكون إلا وصفاً للألفاظ مع المعاني، فلا يقال: - في كلمة واحدة لا تدل على معنى يفضل عن مثلها- بليغة، وإن قيل فيها: فصيحة، وكل كلام بليغ فصيح وليس كل فصيح بليغاً (١)، ويفهم من قوله: "إن الفصاحة مقصورة على وصف الألفاظ، أنه يمكنك أن تقول: "كلمة فصيحة" ولا يمكنك أن تقول "معنى فصيح" وكذلك يمكنك أن تقول "كلام فصيح" ولا يمكنك أن تقول "كلام فصيح المعنى" ولهذا فإن عبد القاهر، يرد -في الدلائل- على شبهة قد تعرض لقائل يقول: إذا كان اللفظ بمعزل على المزية التي تنازعنا فيها، وكانت مقصورة على المعنى فكيف كانت الفصاحة من صفات اللفظ البته؟ وكيف

стр. 52

امتنع أن يوصف بها المعنى، فيقال: "معنى فصيح" و "كلام فصيح المعنى"؟ ، فيقال -في الرد عليه-: إنما اختصت الفصاحة باللفظ، وكانت من صفته، من حيث كانت عبارة عن كون اللفظ على وصف -إذا كان عليه- دل على المزية التي نحن في حديثها (١). ثالثاً: أن "سر الفصاحة" لو كان قد صنف بعد الدلائل -وفي الدلائل هجوم قوى على من يجعلون الفصاحة في ضم الكلمات بعضها إلى بعض، دون الإشارة إلى تتبع معاني النحو، وأنها في جزالة اللفظ وحسن المعنى، منا بعين بذلك عبد الجبار -وقد كان ابن سنان من هؤلاء- لتجرد ابن سنان المواد على عبد القاهر، مشيراً إلى معاني النحو التي رددها عبد القاهر -في الدلائل- ما يقرب من ستين مرة، ولكن "سر الفصاحة" لا يبدو فيه أي رد على عبد القاهر، بل وليس فيه ذكر لعبارة "معاني النحو" أصلاً، مما يدل على أن عبد القاهر، هو الذي تأثر بابن سنان في فصله بين الفصاحة والبلاغة، مجوزاً، أن يفصل أحدهما على الآخر وأن تجعل اسماً مشتركاً بينهما. رابعاً: أن ابن سنان -في سر الفصاحة- رد على أبي على الجباني- الذي يرى أن قارئ القرآن، لم يأت بمثله "لأنه لو كان القارئ، لا يسمع منه ما فعله دون كلام الله تعالى، لبطل التحدي، وخرج من أن يكون معجزاً، لأنه لو كانت الحكاية غير المحكى -وهي مثله- لكان كل من فعل القرآن "أي قرأه" قد أتى بمثله على الحقيقة، والتحدي يضمن أنهم لا يأتون بمثله على الحقيقة" رد ابن سنان على هذا: بأن التحدي إنما وقع بفعل مثل القرآن على الابتداء، دون الاجتذاء، والتالي

стр. 53

للقرآن، قد أتى بمثله محتذياً، فلا يكون بذلك معارضاً، وعلى هذا - أيضاً - كان يقع التحدي من العرب بعضهم بعضاً، بالأشعار على سبيل الابتداء (١). ثم يقول ابن سنان: وقد اعتمد أبو الهذيل -وأبو علي أيضاً- على قوله تبارك تعالى: "وإن احد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله" ولا خلاف بين الأمة أن المسموع في المحاريب كلام الله تعالى على الحقيقة، والجواب عن هذا، أن إضافة الكلام إلى المتكلم -إن كان الأصل فيها أن يكون من فعله- فقد صار بالتعارف يضاف إليه إذا وردت مثل صورة كلامه، ولهذا يقولون فيما نسمعه الآن: هذه قصيدة امرئ القيس -وإن كان الفاعل لذلك غيره- وقد صار هذا بالتعارف حقيقة، حتى يقدم أحد على أن يقول: ما سمعت شعر امرئ القيس على الحقيقة، وقد تخطى ذلك إلى أن صاروا يشيرون إلى ما في الدفتر، ويقولون: هذا علم فلان، وهذا كلام فلان، لما كان مثل هذه الصورة" (٢). وقد تضمن رداً ابن سنان: أن التحدي يقع ابتداء، والقارئ للقرآن يأتي بمثله محتذباً وأن العرب كانت تتحدى بعضها بالأشعار، وأن قارئ الشعر -كشعر امرئ القيس وغيره من الشعراء، يسمى محتذياً-. وقد أفرد عبد القاهر -في آخر الدلائل- سبع صفحات للرد على هذا الرأي تضمنت ما يلي:

стр. 54

أولاً: أن الاحتذاء عند الشعراء، وأهل العلم بالشعر وتقديره وتمييزه هو: أن يبتدئ الشاعر معنى لع غرض أسلوباً -والأسلوب: الضرب من النظم والطريقة فيه- فيعمد شاعر آخر إلى ذلك الأسلوب؛ فيجي به في شعره؛ فيشبه بمن يقطع من أديمه نعلا على مثال نعل قد قطعها صاحبها فيقال: قد احتذى على مثاله. ثانياً: أن العرب لا يجعلون الشاعر محتذياً، إلا بما يجعلونه به آخذاً من غيره ومسترقاً أما أن يجعل إنشاد الشعر وقراءته احتذاء فما لا يعلمونه. ثالثاً: أنه لو عمد عامد إلى بيت شعر، فوضع مكان كل لفظة لفظاً في معناه كأن يقول -في قوله-: دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي ذر المآثر، لا تذهب لمطلبها ... واجلس، فإنك أنت الآكل اللابس لم يجعلوا ذلك احتذاء، ولم يؤهلوا صاحبه لأن يسموه محتذياً، ولكن يسمونه هذا الصنيع (سلخاً) ويرذلونه، ويسخفون المتعاطى له، فمن أين يجوز لنا أن نقول: في صبي يقرأ قصيدة امرئ القيس: إنه احتذاء في قوله: فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازاً وناء بكلكل رابعاً: أنه لو كان منشد الشعر محتذياً، لكن يكون قائل شعر (أي شاعراً) كما أن الذي يحذوا النعل بالنعل يكون قاطع نعل (١).

стр. 55

ولم يكتف عبد القاهر بهذا، بل إنه قد ختم رده بتقرير، قال: إنه يصلح لأن يحفظ للمناظرة وهو: (ينبغي أن يقال لمن يزعم أن المنشد إذا أنشد شعر امرئ القيس قد أتى بمثله على سبيل الاحتذاء: أخبرنا عنك: لماذا زعمت أن المنشد قد أتى بمثل ما قاله امرؤ القيس؟ أم لأنه نطق بأنفس الألفاظ التي نطق بها؟ أم لأنه راعي النسق الذي راعاه في النطق بها؟ ، فإن قلت: إن ذلك لأنه نطق بأنفس الألفاظ التي نطق بها، أحلت، لأنه إنما يصح أن يقال في الثاني: أنه أتى بمثل ما أتى به الأول، إذا كان الأول قد سبق إلى شيء، فأخذه ابتداء، وذلك في الألفاظ محال، إذ ليس يمكن أن يقال: إنه لم ينطق بهذه الألفاظ التي هي في قوله: (قفانيك من ذكرى حبيب ومنزل) قيل امرئ القيس أحد. وإن قلت: إن ذلك لأنه قد راعي في نطقه بهذه الألفاظ النسق الذي راعاه امرؤ القيس، قيل: إن كنت لهذا قضيت في المنشد، أنه قد أتى بمثل شعره، فأخبرنا عنك، إذا قلت: إن التحدي وقع في القرآن إلى أن يؤتي بمثله على جهة الابتداء، ما تعنى به؟ أتعني أنه يأتي في ألفاظ غير ألفاظ القرآن بمثل الترتيب والنسق الذي تراه في ألفاظ القرآن؟ فإن قال: ذلك أعني، قيل له: أعلمت أنه لا يكون الإتيان بالأشياء بعضها في إثر بعض على التوالي نسقاً وترتيباً، حتى تكون الأشياء مختلفة في أنفسها، ثم يكون الذي يجيء بها مضموماً بعضها إلى بعض غرض فيها ومقصود لا يتم ذلك الغرض وذاك المقصود إلا بأن يتخير لها مواضع، فيجعل هذا أولاً، وذاك ثانياً، فإن هذا ما لا شبهة فيه على عاقل وإذا كان الأمر كذلك لزمك أن تبين الغرض الذي اقتضى أن تكون ألفاظ القرآن منسوقة النسق الذي تراه ولا مخلص له من هذه المطالبة، لأنه إذا أبى أن يكون المقتضى والموجب الذي تراه من النسق المعاني، وجعله قد وجب لأمر يرجع إلى اللفظ، لم نجد شيئاً يحيل الإعجاز، في وجوبه عليه ألبتة، اللهم إلا أن يجعل الإعجاز في الوزن، ويزعم أن

стр. 56

النسق الذي تراه في ألفاظ القرآن الكريم إنما كان معجزاً من أجل أن كان قد حدث عنه ضرب من الوزن يعجز الخلق عن أن يأتوا بمثله، وإذا قال ذلك لم يمكنه أن يقول: إن التحدي وقع إلى أن يأتوا بمثله في فصاحته وبلاغته، لأن الوزن ليس هو من الفصاحة والبلاغة في شيء، إذ لو كان له مدخل فيهما، لكان يجب في كل قصيدتين اتفقتا في الوزن، أن تتفقا في الفصاحة والبلاغة، فإن دعا بعض الناس طول الإلف لما سمع، من أن الإعجاز في اللفظ إلى أن يجعله في مجرد الوزن، كان قد دخل في أمر شنيع، وهو أنه يكون قد جعل القرآن معجزاً، لا من حيث هو كلام، ولا بما به كان لكلام فضل على كلام، فليس بالوزن ما كان الكلام كلاماً، ولا به كان كلام خيراً من كلام" (١). وبهذا الرد من عبد القاهر -في دلائل الإعجاز- على ابن سنان في (سر الفصاحة) يثبت لنا، بما لا يدع مجالاً لأدنى شك، أن عبد القاهر قد ألف "الدلائل" بعد سنة ٤٥٤ هـ، وهي السنة التي انتهى فيها ابن سنان من تأليف كتابه "سر الفصاحة". على أن ابن سنان نفسه كان متأثراً بما كتبه أبو هلال العسكري المتوفى سنة ٣٩٥ هـ في كتاب (الصناعتين) فقد استقى منه طريقة الفصل بين الفصاحة والبلاغة، كما استقى منه فكرة الابتداع، والاحتذاء، وإن لم يكن قد فهم الاحتذاء على حقيقته.

стр. 57

ثانياً: "دلائل الإعجاز" بين السيرافي والجرجاني القسم الأول: منابع الدلائل في مناظرة أبي سعيد ١ - الفارق الزمني بين "الأسرار" و "الدلائل". ٢ - الدافع إلى تصنيف "الدلائل". ٣ - مناظرة أبي سعيد السيرافي. ٤ - الأفكار التي تضمنتها المناظرة.

стр. 58

١ - الفارق الزمني بين "الأسرار" و "البلاغة " لقد ظل التاريخ الذي ألف فيه كل من "أسرار البلاغة" و "دلائل الإعجاز" لعبد القاهر الجرجاني قروناً عديدة، وأزماناً متطاولة طي الغيب، يحيط به الضباب، وتججبه الغيوم؛ ولا يحاول واحد من البلاغيين أو من النقاد، أن يكشف هذا الضباب "ويزيل تلك الغيوم، بل ظلت الغالبية العظمى منهم تدرس الكتابين معاً، وتتناول أفكارهما، وكأنهما كتاب واحد، أو أنهما على أقل تقدير قد ألفا في وقت واحد. ولكن القليلين منهم قد حاولوا أن يستنبطوا شواهد من الكتابين تقوم على معرفة أسبقية أحدهما على الآخر، ثم انقسموا إلى فريقين: فريق يقول بأسبقية الدلائل على الأسرار، وفريق يقول بأسبقية الأسرار على الدلائل، وقد أيد كل من الفريقين رأيه بما استنبطه من شواهد. ولن نعرج على أدلة هذا الفريق أو ذاك، لأن هذا البحث الذي بين يديك الآن قد تجاوز مرحلة أسبقية أحد الكتابيين على الآخر، إلى مرحلة التعرف على التاريخ الذي ألف فيه كل من الكتابين على حدة. وقد كتبت بحثاً مطولاً في إثبات هذا التاريخ، ولكنني أقتصر منه على ما يلي: أولاً: الملابسات التي أحاطت بتأليف الكتابين: ١ - الشواهد أو الأمثلة التي جلبها عبد القاهر -في الأسرار- من كتاب "يتيمة الدهر" الثعالبي؛ الذي كان معاصراً لعبد القاهر.

стр. 59

٢ - تاريخ وفاة شيخه أبي الحسين بن عبد الوارث وهو سنة ٤٢١ هـ، لأن عبد القاهر إذا ذكره في الأسرار قال عنه ﵀. ٣ - تاريخ الإنتهاء من كتاب المغنى في النحو، والمقتصد الذي اختصر به المغنى في سنة ٤٥٤ هـ، وقد أمضى في هذا العمل أكثر من ثلاثين عاماً. ٤ - تاريخ لعن الأشاعرة من فوق المنابر، لأن في الدلائل إشارة إلى هذا الزمن الذي انتهى سنة ٤٥٨ هـ. ٥ - تاريخ انتهاء ابن سنان الخفاجى من كتابه (سر الفصاحة) وهو سنة ٤٥٤ هـ، لأن عبد القاهر يرد على ابن سنان في كيفية فهمه للإحتذاء، الذي ذكره في هذا الكتاب. ثانياً: التاريخ الحقيقي لتأليف كل من الكتابين: باختصار شديد نقول: إن الكتاب صورة لعصره. أو مرآة لزمنه: ١ - فأسرار البلاغة: قد نقل فيه عبد القاهر ما يقرب من ستين شاهداً من الشعر، من كتاب "يتيمة الدهر" للثعالبي المتوفى سنة ٤٢٩ هـ، والذي انتهى منه في سنة ٤٠٣ هـ، وليس في أسرار البلاغة شيء من كتاب "تتمة اليتيمة" الذي يعطى الجزء الخامس لليتيمة، والذي صنفه الثعالبي في سنة ٤٢٨ هـ. ومعنى ذلك أن عبد القاهر قد ألف الأسرار قبل سنة ٤٢٨ هـ، ولكنه يقول عن شيخه -في الأسرار- ﵀ مما يدل عل أنه قد ألف الأسرار بعد وفاة شيخه، وقد كانت وفاة شيخه أبي الحسين بن

стр. 60

محمد بن الحسين بن عبد الوارث النحوي سنة ٤٢١ هـ -كما ذكر ياقوت- فقد ألف الأسرار- إذن بعد سنة ٤٢١ هـ. فإذا ما عرفنا أن عبد القاهر قد أتم كتابه "المقتصد" في النحو سنة ٤٥٤ هـ، وأن هذا الكتاب في ثلاثة أجزاء، وهو بدوره تلخيص لكتاب قبله هو "المغنى" الذي شرح به عبد القاهر "الإيضاح" لأبي علي الفارسي في ثلاثين جزءاً وأن كتاب "المقتصد"، لكونه تلخيصاً للمغنى قد أخذ منه سنة واحدة، وأن المغنى قد أخذ منه ثلاثين عاماً، فإنه يكون قد بدأ تصنيف المغنى في سنة ٤٢٣ هـ، وتكون سنة ٤٢٢ هـ -وهي السنة التي تلت وفاة شيخه أبي الحسين- هي السنة التي صنفت فيها "أسرار البلاغة". ٢ - وأما "دلائل الإعجاز": فإن عبد القاهر -في مقدمته- يشكو من أنه يصنفه في زمان ليس للعلماء فيه إلا الشر والأذى، وقد كان عبد القاهر أشعرياً، وكان الأشاعرة في عهد الوزير "عميد الملك" -أي من سنة ٤٣٣ هـ إلى سنة ٤٥٥ هـ -يلعنون من فوق المنابر، إلى أن أزال ذلك "نظام الملك" وأنشأ المدارس النظامية في أنحاء البلاد سنة ٤٥٨ هـ، فمدحه عبد القاهر بقصيدة منها: لو جاود الغيث غدا ... بالجود منه أجدرا أو قيس عرف عرفه ... بالمسك كان أعطرا ذو شيم، لو أنها ... ... في الماء ما تغيرا ... وهمة لو أنها ....... ... النجم، ما تغورا .. لو مس عوداً يابساً ... أورق ثم أثمرا .... وقال فيه الحسين بن جعفر بن محمد الفارسي: أحيا البلاد بعدله، وأسهامهم ... من ظله في الروح والريحان.

стр. 61

وبنى القبات بأرض فارس مغرماً ... بحماية اللاجى، وفك المعاني فالناس في أمن بعز ظلاله ... والشاة في ورد مع السرحان ولحب دين الله يكرم أهله ... ويخصهم بالعدل والإحسان ومعنى ذلك أن عبد القاهر قد ألف الدلائل بعد سنة ٤٥٤ هـ، وهي السنة التي انتهى فيها من التأليف في النحو؛ بإتمام كتابه "المقتصد" وقبل سنة ٤٥٨ هـ؛ وهي السنة التي أزال فيها "نظام الملك" لعن الأشاعرة من فوق المنابر؛ وأنشأ المدارس النظامية لتدريس المذهب السني بها. أضف إلى هذا: أن عبد القاهر قد رد على ابن سنان في فهمه للاحتذاء كتابه (سر الفصاحة) وقد ألف ابن سنان كتابه هذا سنة ٤٦٤ هـ؛ أي أن عبد القاهر قد ألف "الدلائل" بعد سنة ٤٥٤ بالتأكيد. ٣ - فالفارق الزمني بين "الأسرار" و "الدلائلي" هو من سنة ٤٢٢ هـ -وهي سنة تأليف "الأسرار"- إلى سنة ٤٥٥ هـ- وهي سنة تأليف "الدلائل"؛ أي بداية التأليف فيها؛ وهذا الفارق الزمني مقداره: واحد وثلاثون عاماً. وهذا تفسير لقول عبد القاهر -في الدلائل-: "وهذه مسألة كنت قد عملتها قديماً .. " (١) وقوله: "ومن ذلك: أنك ترى من العلماء من قد تأول في الشيء تأويلاً، وقضى فيه بأمر؛ فتعتقده إتباعا له،

стр. 62

وتبقى على ذلك الاعتقاد الزمان الطويل، ثم يلوح لك ما تعلم به أن الأمر على خلاف ما قدر .. " (١). وقوله: "وإنك لتنظر في البيت دهراً طويلاً، وتفسره؛ ثم يبدو لك فيه أمر خفي ... " (٢). فالمقصود بقول عبد القاهر: قديماً" و "الزمان الطويل" و "الدهر الطويل" هو ذلك الفارق الزمني الذي ذكرته وهو: واحد وثلاثون عاماً. وقد بحثت عن معنى قولهم: "قديماً" فوجدت: أن القديم عند العرب هو: زمان مجهول المبدأ؛ لطول العهد به -كما يفهم من قول أبي سعيد السيرافي، في كتاب: "الإمتاع والمؤانسة" (١/ ٢٥)؛ وهذا المعنى منطبق تماماً على الفارق الزمني الذي رأيته بين الكتابين. ٤ - وإذا كان "أسرار البلاغة" لم يعلق به أثر من آثار كتاب "تتمة اليتيمة"، لأنه صنف قبلها؛ فإن كتاب "دلائل الإعجاز" لأنه صنف بعدها -به أثران منها؛ وهما: (أ) قول عبد القاهر -في الدلائل- "فإذا رأيتهم يجعلون الألفاظ زينة المعاني، وحلية عليها؛ أو يجعلون المعاني كالجواري، والألفاظ كالمعارض لها ... (الدلائل ١٧١، ١٧٢) فهو إشارة: إلى ما قاله الثعالبي -في تتمة اليتيمة- عن أبي محمد

стр. 63

عبد الله بن محمد: "وجرى في طريق المفلقين المبدعين، وكسا المعاني البديعة الخفية، معارض الألفاظ الرشيقة الجلية ... " (تتمة اليتيمة ١٣٧). (ب) قول عبد القاهر -في الدلائل-: "ومن الصفات التي تجدهم يجرونها على اللفظ قولهم: "يدخل في الأذن بلا إذن" (الدلائل ١٧٤) (١): ولقد كان لهذا الفارق الزمني الكبير -وهو واحد وثلاثون عاماً- بين الأسرار، والدلائل، أثر كبير ف تطور أفكار عبد القاهر بين الأسرار والدلائل؛ فقد كانت الملابسات التي صاحبت تأليف كل من الكتابين مختلفة عن الملابسات التي صاحبت تأليف الآخر؛ وقد اعتمد في الدلائل على كتب لم تتح له وهو يؤلف الأسرار؛ كنقد الشعر؛ لقدامة بن جعفر، ومناظرة أبي سعيد السيرافي، التي أوردها أبو حيان التوحيدي في كتابيه: الإمتاع والمؤانسة، والمقابسات. وإذا كان أبو سعيد السيرافي، قد غمط حفه من البلاغيين؛ لأنهم لم يعترفوا، له بالفضل في إبراز نظرية النظم التي أداروا عليها كتبهم؛ فإن قدامة بن جعفر؛ الذي كان معاصراً، لأبي سعيد، وحضر مناظرته في مجلس الوزير أبي الفتح الفضل بن الفرات، لم يكن أسعد حظاً منه؛ فقد ظل كتابه، نقد الشعر مورداً، لكل من أطلع عليه من البلاغيين؛ دون أن يشير إليه أحد، وقد نقل منه عبد القاهر "المعاني العقل" التي رددها في الدلائل. وقال: إن البصير بشأن البلاغة

стр. 64

وإحداث الصور فيها، يعمد إليها؛ فيصنع فيها ما يصنع الصانع الحاذق؛ كما نقل منه "الإرداف" الذي أعطاه في الدلائل اسم الكناية؛ وكذلك "التمثيل على حد الاستعارة؛ ولم يشر إليه، كما لم يشر إلى أبي سعيد السيرافي، الذي بنى الدلائل على مناظرته! يقول الدكتور طه حسين عن قدامة وكتابه "نقد الشعر": "وقد استغل كتابه (نقد الشعر) كل مؤلف جاء بعده، دون أن يقول كلمة واحدة، يقر له فيها بالفضل" (١). وههنا أمران على درجة كبيرة من الأهمية، يظهر أن تطور أفكار عبد القاهر من الأسرار إلى الدلائل ولهما صلة وثيقة بمناظرة أبي سعيد السيرافي، "ونقد الشعر" لقدامة، وهما: أولاً: أن نظرية النظم لم تكن في الأسرار -إلا ضربا خاصا من التأليف، يعمد فيه إلى وجه دون وجه من التركيب والترتيب، وهذا الاختصاص في الترتيب، يقع في الألفاظ مرتباً على المعاني المرتبة في النفس، وقد وقفت عند هذا الحد الذي لم تتجاوزه إلى: (معاني النحو) بل إن مصطلحات (النظم) و (معاني النحو) بل و (الفصاحة) و (البلاغة) تكاد لا توجد أصلاً في أسرار البلاغة -إذا استثنينا عنوان الكتاب! ولهذا فإن الأبيات التي شرحها عبد القاهر -في الأسرار- قبل أن يعرف أن النظم هو توخي معاني النحو، قد أعادها -في الدلائل- ليطبق عليها (توخي معاني النحو فيما بين الكلمة) ثانياً: أن نظرية البيان -في الأسرار- كان ينقصا، إحدى

стр. 65

صور البيان الكبرى، وهي (الكناية) فلما اطلع عبد القاهر على مناظرة أبي سعيد، ونقد الشعر لقدامة، أخذ الأرداف الذي شرحه قدامة، وأزاح عنه رداء الإرداف، وألبسه ثوب الكناية، لتكمل بها نظرية البيان. كما أنه -في الأسرار- كان يعد الأمثال من قبيل التشبيه التمثيلي، ولكنه -في الدلائل- جعلها من قبيل التمثيل على حد الاستعارة، وهو الذي أسماه البلاغيون من بعده: الاستعارة التمثيلية.

стр. 66

٢ - الدافع إلى تصنيف الدلائل كان عبد القاهر الجرجاني أشعرياً، وكان عبد الجبار الأسد أيادي المتوفى سنة ٤١٥ هـ معتزلياً، بل إنه كان رأس المعتزلة في زمانه، وكان أبو الحسن الأشعري مؤسس مذهب الأشاعرة قد كتب تفسيراً مطولاً، ينقض فيه تفسير أستاذه، أبي علي الجبائي إمام المعتزلة في عصره، ويرد عليه، أسماه: "تفسير القرآن، والرد على من خالف البيان، من أهل الإفك والبهتان، وقال فيه: "ورأيت الجبائي ألف في تفسير القرآن، كتاباً، أوله على خلاف ما أنزل الله وعلى لغة أهل قريته المعروفة يجي، وليس من أهل اللسان الذي نزل به القرآن. وما روى في كتابه جرفاً واحداً عن أحد من المفسرين، وإنما اعتمد على ما وسوس به صدره وشيطانه، ولولا أن استغوى بكتابه كثيراً من العوام، واستزل به عن الحق كثيراً من الطعام لم يكن لتشاغلي به وجه (١). وقد سار القاضي عبد الجبار على نهج أستاذه، أبي علي الجبائي في تفسير القرآن الكريم، وصب جام غضبه على أبي الحسن الأشعري، فقال فيما قال -حين عرض لرأي أبي الحسن الأشعري في استحقاقه- تعالى الصفات: "ثم نبغ أبو الحسن الأشعري، وأطلق القول بأنه -تعالى يستحق هذه الصفات، لمعان قديمه، لوقا حته، وقلة مبالاته بالإسلام والمسلمين، مما جعل عبد القاهر الجرجاني يتصف لشيخه أبي الحسن الأشعري، فقال فيما قال -عن الجبائي: -

стр. 67

"فمن ضلالات الجبائي: أنه سمي الله مطيعاً لعبده إذا فعل مراد العبد، وكان سبب ذلك أنه قال- يوماً- لشيخنا أبي لحسن الأشعري ﵀: ما معنى الطاعة عندك؟ فقال: موافقة الأمر؛ وسأله عن قوله فيها: فقال الجبائي: حقيقة الطاعة عندي: موافقة الإرادة، وكل من فعل مراد غيره، فقد أطاعه، فقال شيخنا أبو الحسن ﵀ ايلزمك على هذا الأصل وأن يكون الله -تعالى- مطيعاً لعبده إذا فعل مراده، فالتزم ذلك، فقال له شيخنا ﵀ خالفت إجماع المسلمين، وكفرت برب العالمين، ولو جاز أن يكون الله -تعالى- مطيعاً لعبده، لجاز أن يكون خاضعاً له -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً-" (١). وقد ألف عبد الجبار كتابيه: "تنرية القرآن عن المطاعن" "ومتشابه القرآن"، كما ألف تفسيراً كاملاً للقرآن الكريم، يقع في مائة جزء، كما ألف كتابه "المغنى في أبواب التوحيد والعدل". ويعد كتابه: "متشابه القرآن" من أهم كتب المعتزلة التي تكشف عن منهجهم في تفسير القرآن، ويعتمد هذا المنهج على أمرين هما: العقل، واللغة، أي: الدليل العقلي، والدليل اللغوي: أما الدليل العقلي: فإنه يتلخص في وجوب معرفة الله تعالى بدليل العقل -أولاً- وأنه- تعالى- حكيم، لا يختار فعل القبيح، لأن هذه المعرفة يمكن معها القول بأنه -تعالى- صادق في إخباره وكلامه، وأنه لا يجرى المعجز على الكذابين، وبالتالي فإنه يمكن الاستدلال بالقرآن على ما يدل عليه. وأما الدليل اللغوي: فإنه يتمثل في الاستعانة باللغة -على التأويل- سواء في ذلك المفردات، وقواعد النحو والإعراب، والعناية بالنظم

стр. 68

القرآني، وضرورة بقاء الصلة اللغوية والمعتوية قائمة بين الآية أو الآيات. وفي الجزء الخاص بإعجاز القرآن الكريم من كتابه "المغنى في أبواب التوحيد والعدل" عقد فصلين قصيرين، عرض في أولهما رأي أستاذه أبي هاشم الجبائي في الفصاحة التي بها يفضل بعض الكلام بعضاً؛ معقباً عليه. وأما ثانيهما: فقد عرض فيه رأيه الخاص في الفصاحة، فقال: "أعلم أن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلام، وإنما تظهر في الكلام بالضم على طريقة مخصوصة، ولابد مع الضم من أن يكون لكل كلمة صفة، وقد يجوز في هذه الصفة أن تكون بالمواضعة التي تتناول الضم، وقد تكون بالإعراب الذي له مدخل فيه، وقد تكون بالموقع، وليس لهذه الأقسام الثلاثة رابع، لأنه إما أن تعتبر فيه الكلمة أو حركاتها، أو موقعها، ولابد من هذا الاعتبار، في كل كلمة إذا انضم بعضها إلى بعض، لأنه قد يكون لها عند الانضمام صفة، وكذلك لكيفية إعرابها، وحركاتها، وموقعها". ويلاحظ أن هذا الكلام منطق على ما جاء في كلام أبي سعيد السيرافي، عند حديثه عن نظم الكلام، غير أن عبد الجبار لم يمسك بخيط النظم الأساسي، وهو: (معاني النحو)، ولهذا فإنه لم يوفق في طريقة عرضها، وشرحها، كما عرضها وشرحها عبد القاهر من بعده، فمضى يذكر أن مزيه الكلام ترجع إلى لفظه لا إلى معناه، قائلاً: "فإن قال (قائل): قد قلتم: إن في جملة ما يدخل في الفصاحة: حسن المعنى، فلا اعتبرتموه؟ قيل له: إن المعاني -وإن كان لابد منها- فلا تظهر فيها المزية ... ولذلك نجد المعبرين عن المعنى الواحد يكون أحدهما أفصح من الآخر والمعنى متفق ... على أنا نعلم أن المعاني لا يقع

стр. 69

فيها تزايد، فإذن يجب أن يكون الذي يعتبر التزايد عنده: الألفاظ التي يعبر بها عنها فإذ صحت هذه الجملة، فالذي تظهر به المزية ليس إلا الإبدال (أي لاختيار) الذي به تختص الكلمات أو التقدم والتأخر الذي يختص الموقع أو الحركات التي تختص الإعراب، فبذلك تقع المباينة (بين كلام وكلام). فعبد الجبار -وإن كان قد تحدث عن إعجاز القرآن- فإنه لم يتحدث عن دلائل إعجازه، لأنه قصر في فهم نظرية النظم التي وردت في مناظرة أبي سعيد من وجهين: أولهما: أنه لم يستطيع الإمساك بالخيط الأساسي المنظم وهو (معاني النحو فيما بين الكلم) لأنه لم يكن نحوياً، فلم يستطع عرض النظرية، أو شرحها أو تطبيقها. والآخر: أنه قد أرجع مزية الكلام إلى لفظه، لا إلى معناه، لأن المعاني لا تتزايد وإنما تتزايد الألفاظ. وبهذا فإنه لم يستطع الوصول إلى دقائق النظم وأسراره وخصائصه. ومع أن عبد الجبار قد قصر في فهم نظرية النظم، ولم يستطع الوصول إلى مرجع المزية فيه، إلا أنه قد شايعه الكثيرون ممن يشايعون المعتزلة ويؤازرونهم، ويثيرون الجدل والشغب في جرجان، ويظهرون الزهد في علم النحو، ويحقرون من شأنه، ويجهرون بأن قضيلة الكلام المفظة لا لمعناه بل ويفسرون القرآن دون أن يكون لهم شأن يذكر في فهم قواعد النحو ودقائقه، وخفاياه. ولهذا فإن عبد القاهر الجرجاني قد أراد أن يحق الحق، ويبطل الباطل ويكشف الطريق الحقيقي عن دلائل الإعجاز، ويرد الاعتبار للأشاعرة

стр. 70

الذين أهينوا في شخص إمامهم أبي الحسن الأشعري، وأصبحوا يلعنون من فوق المنابر! وكما أن أبا الحسن الأشعري قد رد أباطيل أبي علي الجبائي في تفسيره للقرآن الكريم، فإن عبد القاهر الجرجاني قد أراد أن يرد أضاليل القاضي عبد الجبار في فهمه لمعنى النظم الذي به يتم فهم معاني القرآن الكريم يقول عبد القاهر -مشيراً إلى القاضي عبد الجبار وأشياعه ممن أعجبوا بطريقة المعتزلة في تفسير القرآن بالعقل واللغة، دون الاعتماد على معاني النحو فيما بين الكلم، ويزهدون في علم النحو، ويحقرون من شأنه -: "ولو أن القدر المفتقر إليه القليل منه، اقتصروا على ذلك القليل، فلم يأخذوا أنفسهم بالقتوى فيه، والتصرف فيما لم يتعلموا منه، ولم يخوضوا في التفسير، ولم يتعاطوا التأويل، لكان البلاء واحدا، ولكانوا إذا لم يبنوا لم يهدموا، وإذا لم يصلحوا لم يكونوا سببا للفساد، ولكنهم لم يفعلوا فجلبوا من الداء ما أعي الطبيب وحيز اللبيب، وانتهى التخليط بما أتوه فيه إلى حد يئس من تلافيه، فلم يبق المعارف الذي يكره الشغب إلا المتعجب والسكوت، وما الآفة العظمى إلا واحدة، وهي، أن يجيء من الإنسان أن يجرى في لفظه ويمشي له أن يكثر في غير تحصيل، وأن يحسن البناء على غير أساس، وأن يقول الشيء لم يقتله علماً". ثم يشير عبد القاهر إلى الزمان الذي كان يؤلف فيه (الدلائل) -وهو زمان لعن الأشاعرة من فوق المنابر- قائلاً: "ثم إنا وإن كنا في زمان هو على ما هو عليه، من إحالة الأمور عن جهاتها، وتحويل الأشياء عن حالاتها، ونقل النفوس عن طباعها "وقلب الخلائق المحمودة إلى أضدادها، ودهر ليس للفضل وأهله لديه إلا الشر صرفاً والغيط بحتاً وإلا ما يدهس عقولهم، ويسلبهم معقولهم: حتى صار أعجز الناس رأياً

стр. 71

عند الجميع من كانت له همة في أن يستفيد علماً، أو يزداد فهماً، أو يكتسب فضلاً، أو يجعل له ذلك بحال شغلاً -فإن الإلف من طباع الكريم، وإذا كان من حق الصديق عليك- ولاسيما إذا تقادمت صحبته، وصحت صداقته- أن لا تجفوه بأن تنكبك الأيام، وتضجرك النوائب، وتحرجك محن الزمان فتتناساه جملة، وتطويه طياً، فالعلم الذي هو صديق لا يحولا عن العهد، ولا يدخل في الود، وصاحب لا يصح عليه النكث والغدر "ولا يظن به الخيانة والمكر، أولى منه بذلك وأجدر، وحقه عليك أكبر. ثم إن التوق إلى أن تقر الأمور قرارها، وتوضع الأشياء مواضعها والنزاع إلى بيان ما يشكل وحل ما ينعقد، والكشف عما يخفى، وتلخيص الصفة حتى يزداد السامع ثقة بالحجة، واستظهاراً على الشبهة، واستبانة للدليل، وتبيناً للسبيل، شيء في سوس العقل، وفي طباع النفس إذا كانت نفساً" (١). وهنا عكف عبد القاهر الجرجاني على مناظرة أبي سعيد السيرافي التي عقدت بينه، وبين متى بن يونس المنطقي في مجلس أبي الفتح الفضل بن جعفر ابن الفرات وزير بني بويه في سنة ٣٢٦ هـ، وأخذ في تأملها، واستنباط ما وراء أفكارها، فكرة، فكرة، ليرد على المعتزلة بكتابه: "دلائل الإعجاز":

стр. 72

٣ - مناظرة أبي سعيد السيرافي ومتى بن يونس حول المنطق والنحو قال أبو حيان التوحيدي في كتابه "الإمتاع والمؤانسة": لما أنعقد المجلس سنة ست وعشرين وثلاثمائة؛ قال الوزير ابن الفرات للجماعة -وفيهم الخالدي، وابن الأخشاد، والكتبي، وابن أبي بشر، وابن رباح، وابن كعب، وأبو عمر وقدامة بن جعفر، والزهري، وعلي بن عيسى الجراح، وابن فراس، وابن رشيد، وابن عبد العزيز الهاشمي، وابن يحيى العلوي، ورسول ابن طفج من مصر، والمرزباني صاحب آل سلمان-: ألا ينتدب منكم إنسان لمناظرة متى في حديث المنطق فإنه يقول: لا سبيل إلى معرفة الحق من الباطل، والصدق من الكذب، والخير من الشر، والحجة من الشبهة، والشك من اليقين، إلا بما حويناه من المنطق، وملكناه من القيام به، واستفدناه من واضعه على مراتبه وحدوده؛ فاطلعنا عليه من جهة اسمه على حقائقه؟ ! . فأحجم القوم، وأطرقوا؛ قال ابن الفرات: والله إن فيكم لمن يفي بكلامه، ومناظرته، وكسر ما يذهب إليه! ، وإني لاعدكم في العلم بحاراً، والمدين وأهله أنصاراً، والحق وطلابه مناراً "فما هذا لترامز والتنامز اللذان تجلون عنهما؟ فرفع أبو سعيد السيرافي رأسه، فقال: أعذر أيها الوزير، فإن العلم المصون في الصدر غير العلم المعروض في هذا المجلس على الأسماع المصيخة، والعيون المحدقة والعقول الحادة، والألباب الناقدة، لأن هذا يستصحبه الهيبة، والهيبة مكسرة ويجتلب الحياء، والحياء مغلبة، وليس البراز في معركة خاصة كالمصاع في بقعة عامة فقال ابن الفرات: أنت لها يا أبا سعيد، فاعتذارك عن غيرك يوجب عليك الأنصار لنفسك، والانتصار في نفسك راجع إلى الجماعة بفضلك.

стр. 73

فقال أبو سعيد، مخالفة الوزير فيما رسمه هجنة، والاحتجاز عن رأيه إخلاد إلى التقصير، ونعوذ بالله من زلة القدم، وإياه نسأل حسن المعونة في الحرب والسلم، ثم واجه متى، فقال: حدثني عن المنطق ما تعني به؟ فإنا إذا فهمنا مرادك فيه كان كلا منا معك في قبول صوابه ورد خطئه على سنن مرضى وطريقة معروفة. قال متى: أعني به: أنه آله من آلات الكلام يعرف بها صحيح الكلام من سيقمه، وفاسد المعنى من صالحه، كالميزان، فإني أعرف به الرجمان من النقصان، والشائل من الجانح. فقال أبو سعيد: أخطأت، لأن صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالنظم المألوف، والإعراب المعروف -إذا كنا نتكلم بالعربية- وفاسد المعنى من صالحه يعرف بالعقل، -إذا كنا نبحث بالعقل، وهبك عرفت الراجح من الناقص من طريق الوزن، فمن لك بمعرفة الموزون، أيما هو؟ حديد، أو ذهب، أو شبه، أو رصاص؟ فأراك بعد معرفة الوزن فقيراً إلى معرفة جوهر الموزون، وإلى معرفة قيمته، وسائر صفاته التي يطول عدها، فعلى هذا لم ينفعك الوزن الذي كان عليه اعتمادك وفي تحقيقه كان اجتهادك إلا نفعاً يسيراً من وجه واحد، وبقيت عليك وجوه فأنت كما قال الأول: حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء وبعد: فقد ذهب عنك شيء هاهنا: ليس كل ما في الدنيا يوزن، بل فيها ما يوزن، وفيها ما يكال وفيها ما يذرع، وفيها ما يمسح، وفيها ما يحزر، وهذا -وإن كان في الأجسام المرئية- فإنه على ذلك - أيضاً - في المعقولات المقررة. والإحساسات ظلال العقول

стр. 74

تحكيها بالتقريب والتبعيد، مع الشبه المحفوظ، والمماثلة الظاهرة. ودع هذا: إذا كان المنطق وضعه رجل من يونان على لغة أهلها، واصطلاحهم عليها، وما يتعارفون هبها من رسومها وصفاتها، فمن أين يلزم الترك، والهند، والفرس، والعرب، أن ينظروا فيه، ويتخذوه قاضياً وحكما لهم وعليهم، ما شهد لهم به قبلوه، وما أنكره رفضوه؟ . قال متى: إنما لزم ذلك، لأن المنطق بحث عن الأغراض المعقولة والمعاني المدركة، وتصفح للخواطر السانحة، والسوانح الهاجسة، والناس في المعقولات سواء، ألا ترى أن أربعة وأربعة ثمانية، سواء عند جميع الأمم، وكذلك ما أشببهه؟ قال أبو سعيد: لو كانت المطلوبات بالفعل، والمذكورات باللفظ ترجع مع شعبها المختلفة، وطرائقها المتباينة إلى هذه المرتبة البينة، في أربعة وأربعة، وأنهما ثمانية، زال الاختلاف، وحصل الاتفاق، ولكن ليس، الأمر هكذا، ولقد موهت بهذا المثال، ولكم عادة بمثل هذا التمويه! ولكن -مع هذا- أيضاً-: إذا كانت الأغراض المعقولة، والمعاني المدركة، لا يوصل إليها إلا باللغة الجامعة للأسماء، والأفعال، والحروف أفليس قد لزمت الحاجة إلى معرفة اللغة؟ ، قال: نعم. قال: أخطأت "قل في هذا الموضع: بلي، قال: بلى، أفا أقلدك في مثل هذا. قال: أنت -إذن- لست تدعونا إلى علم المنطق، إنما تدعو إلى تعلم اللغة اليونانية، وأنت لا تعرف لغة يونان، فكيف صرت تدعونا إلى لغة لا تفي بها؟ ! وقد عفت منذ زمان طويل، وباد أهلها وانقرض القوم الذين كانوا يتفاوضون بها، ويتفاهمون أغراضهم،

стр. 75

بتصاريفها، على أنك تنقل من السريانية، فما تقول في معان متحولة بالنقل من لغة يونان إلى لغة أخرى سريانية، ثم من هذه إلى لغة أخرى غريبة؟ ! قال متى: يونان -وإن بادت مع لغتها- فإن الترجمة حفظت الأغراض، وأدت المعاني، وأخلصت الحقائق. فقال أبو سعيد: إذا سلمنا لك أن الترجمة صدقت وما كذبت، وقومت وما حرفت، ووزنتا وما جزفت، وأنها ما التاثت، ولا حافت ولا نقصت ولا زادت، ولا قدمت ولا أخرت، ولا أخلت بمعنى الخاص والعام، ولا بأخص الخاص، ولا بأعم العام -وإن كان هذا لا يكون وليس هو في طبائع اللغات، ولا في مقادير المعاني، فكأنك تقول: لا حجة إلا عقول يونان، ولا برهان إلا ما وضعوه، ولا حقيقة إلا ما أبرزوه! قال متى: لا، ولكنهم من بين الأمم -أصحاب عناية بالحكمة، والبحث عن ظاهر هذا العالم وباطنه، وعن كل ما يتصل به وينفصل عنه وبفضل عنايتهم ظهر ما ظهر، وانتشر ما انتشر، وفشا ما فشا، ونشأ ما نشأ من أنواع العلم، وأصناف الصنائع، ولم نجد هذا لغيرهم. قال أبو سعيد: أخطأت وتعصبت، وملت مع الهوى، فإن علم العالم مبثوث في العالم بين جميع من في العالم، ولهذا قال القائل: العلم في العالم مبثوث ... ونحوه العاقل محثوث وكذلك الصناعات مفضوضة على جميع من على جدد الأرض، ولهذا غلب علم في مكان دون على، وكثرت صناعة في بقعة دون صناعة، وهذا ما صح، والزيادة عليه مشعلة، ومع هذا: فإنما كان يصح قولك، وتسلم
следующие страницы →