← Баляга

Баляга · id 151016

دلائل الإعجاز بين أبي سعيد السيرافي والجرجاني

حسن إسماعيل عبد الرازق

Полный текст (183 стр.). Показаны 176–183 · переход к 181.

стр. 176

وإذا ثبت ذلك ثبت أن الصاد عنه صاد عن الجهة التي يطلب منها إعجاز القرآن والصاد عن هذا صاد عن سبيل الله تعالى! والكلام المنظوم على ضربين: ضرب أنت تقصد منه نفس المعنى الموضوع له في اللغة، وضرب آخر أنت لا تقصد منه هذا المعنى، ولكن تقصد منه معنى آخر يدلك عليه هذا المعنى، وهنا تظهر نظرية البيان (المعنى، ومعنى المعنى)، ومدار معنى المعنى على: الكناية، والمجاز، أي الاستعارة؛ والتمثيل، إذ جاء على حد الاستعارة، وما الكناية، والاستعارة، والتمثيل إلا داخلة تحت النظم، فمنها يحدث، وبه تكون. ومع أن النقاد قد شبهوا النظم بالنسج، فإن هذا التشبيه ليس دقيقاً، لأنه قد تحدث تأويلات نحوية في النص لا يتغير معها النظم، بخلاف نسج الثوب ونحوه، وبهذا تزل قدم المفسرين للقرآن الذين لم يسبروا غور النحو، ويعرفوا مسائله، في تأويل مثل قوله تعالى: "ولا تقولوا: ثلاثة". وبهذا يثبت لك أن نظرية النظم، إنما هي لأبي سعيد السيرافي، وليست لغيره. وأما قول بعض الفضلاء من النقاد، بأن عبد الجبار هو الذي ابتكر النظرية، وأنه كان يعلم بأن المزية في (معاني النحو) وأحكامه: فإننا نرد عليه بما يلي: أما القول بأن عبد الجبار هو مبتكر النظرية: فإن هذا البحث الذي أثبت أن أفكار الدلائل هي نفس أفكار المناظرة، وأنها جاءت مرتبة حسب ترتيبها فيها، وأن عبد القاهر لم يكد يأتي بفكرة جديدة أخرى في الدلائل غير تلك التي أخذها من المناظرة، دليل على أن عبارة (معاني النحو) التي ابتكرها أبو سعيد السيرافي ابتكاراً، ولم يسبق إليها أحد من قبله، كانت هي المنطلق الذي بني عليه عبد القاهر نظرية النظم.

стр. 177

وأما أن عبد الجبار كان يعلم بأن المزية في (معاني النحو) وأحكامه، فإننا رد عليه بما يلي: ١ - أن عبارة (معاني النحو) - وهي محور النظرية - لم ترد على لسان عبد الجبار، ولو مرة واحدة في الفصلين اللذين شرح بهما معنى الفصاحة. ٢ - أن المعتزلة، من تلاميذ عبد الجبار - قد كثر منهم الجدل والشغب، منكرين أن تكون مزية الفصاحة في توخي معاني النحو وأحكامه، ولو كان عبد الجبار معتقداً أن الفصاحة قائمة على أساس توخي معاني النحو، لشرح ذلك لتلاميذه، فلم يجادلوا أو يعاندوا، ويكثر منهم الجدل والشغب. ٣ - أن عبد الجبار كان يعتمد - في تأويل كتاب الله تعالى - على العقل واللغة، لا على توخي معاني النحو فيما بين الكلم. ٤ - أن المعتزلة - وعلى رأسهم عبد الجبار - كانوا يرفضون أن يكون النظم أساساً في إعجاز القرآن الكريم. ٥ - أن عبد الجبار لم يكن نحوياً، ولم يشتغل بالنحو، ولم يؤثر عنه مؤلفات فيه. ٦ - أننا إذا تصفحنا كتابه: "متشابه القرآن" الذي يعد من أهم كتب المعتزلة - في الكشف عن منهجهم في التفسير - لا نجد فيه إشارة إلى العلاقات النحوية فيما بين الكلم، وبعد: فإنه يمكننا الآن أن نخرج من هذا البحث، بحقائق على درجة كبيرة من الأهمية في تاريخ البحث البلاغي، وهي:

стр. 178

أولاً: أن مناظرة أبي سعيد السيرافي، كانت أساساً بني عليه البلاغيون نظريتي المعاني والبيان ، إذ قرأها كل من قدامة بن جعفر - الذي سمعها في وقتها، لأنه كان حاضراً مجلسها - والقاضي على بن عبد العزيز الجرجاني" وأبي هلال العسكري، والقاضي عبد الجبار الأسد أبادي وعبد القاهر الجرجاني، وقد أخذ كل منهم - على قدر استعداده، وثقافته، وذكائه - من تلك المناظرة. فقد أخذ منها قدامة بن جعفر: أن المعاني هي مادة صناعة الكلام - بعد أن كان قد رأى من قبل، أن الألفاظ هي مادتها في كتابه (الخراج وصناعة الكتابة). كما يقول ابن سفان الخفاجى في سر الفصاحة - وأن على الشاعر أن (يتوخى الإجادة في تصوير المعنى) واستلهم منها - أيضاً -: (الإرداف) و (التمثيل) فعرفهما، ومثل لهما. والقاضي الجرجاني قد بنى نظريته في النقد على أساس (صحة المعاني، وسلامة النظم، وحسن التأليف، وقوة النسج) فمدح أشعاراً بحسن النظم وجودة التأليف وذم أشعاراً أخرى بسوء النظم، وهلهلة النسج. وأبو هلال العسكري: أخذ منها: (توخى صواب المعنى، وصحة اللفظ، والمعرفة بوجوه الاستعمال). وأخذ منها عبد الجبار: أن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلام، وإنما تظهر فيه بالضم على طريقة مخصوصة، مع مراعاة اختيار الكلمة، وموقعها، وإعرابها.

стр. 179

وأما عبد القاهر، فقد أمسك منها بخيط النظم، وهو (معاني النحو) فعرف النظرية بأنها: (توخي معاني النحو فيما بين الكلم .. على حسب الأغراض التي يساق لها الكلام). ثانياً: أن عبد القاهر - في الدلائل - قد رد على ابن سنان ما رآه - في سر الفصاحة - من أن منشد الشعر أو قارئ الشعر، كشعر امرئ القيس مثلاً - يكون قد أتى بمثله، ولكن على سبيل الاحتذاء، لا على سبيل الابتداء، لأن ابن سنان لم يفهم معنى الاحتذاء على حقيقته، فكان مثله - على حد تعبير عبد القاهر - "مثل من يرى خيال الشيء فيحسبه الشيء" (١). وقد رد عبد القاهر على ابن سفان بما أسلفناه لك في صلب هذا البحث (٢). وبهذا يثبت لنا أن عبد القاهر قد ألف الدلائل بعد (سر الفصاحة) وقد كان الانتهاء من سر الفصاحة في الثاني من شعبان سنة ٤٥٤ هـ، فقد ألف عبد القاهر "الدلائل" بعد سنة ٤٥٤ هـ بالتأكيد. ثالثاً: أن مصلحات (النظم) أو (الفصاحة) و (البلاغة) لا تكاد تجد لها أثراً في "أسرار البلاغة" إذا استثنينا عنوان الكتاب ! أما سر عدم وجود مصطلح النظم في الأسرار. على الرغم من تكراره في الدلائل ما يزيد على ثلاثين مرة فهو أن نظرية النظم لم تكن قد اكتملت في ذهن عبد القاهر، وهو يكتب الأسرار، وقبل أن يقرأ

стр. 180

مناظرة أبي سعيد السيرافي. ويعرف أنها: (توخي معاني النحو فيما بين الكلم) بل إنها كانت في ذهنه عبارة عن ترتيب الألفاظ في النطق على حسب ترتيبها في النفس، وكفى، أي إنها كانت فكرة، لا ترقى إلى أن تسمى نظرية وكذلك كانت نظرية البيان لأنها كان ينقصها إحدى صور البيان الكبرى، وهي: الكناية! وقد سبق أن عرفت أن الفارق الزمني بين الأسرار والدلائل هو: واحد وثلاثون عاماً، إذ ألف الأسرار في ٤٢٢ هـ، وألف الدلائل بعد سنة ٤٥٤ هـ. وأما سر عدم وجود مصطلحي: (الفصاحة) و (البلاغة) - في الأسرار - على الرغم من تكرار كل منهما - في الدلائل - أكثر من ثلاثين مرة، فهو - في رأيي - أن عبد القاهر - في الأسرار - لم يكن يتحدث عن "علم البلاغة" ولا عن "علم الفصاحة"، وإنما كان يتحدث عن نقد الأساليب العربية على أسس بلاغية، إذ الأسرار - كما كان يريده عبد القاهر - بيان للمعايير التي على أساسها يتفاضل الأدباء والشعراء، في شعرهم ونثرهم. فلما ألف ابن سنان كتابه (سر الفصاحة في ٤٥٤ هـ، مبيناً فيه ملامح كل من الفصاحة والبلاغة، بل ومفرقاً بينهما، أراد عبد القاهر أن يذكر أن مصطلحات: (الفصاحة) و (البلاغة) و (البيان) و (البراعة) إنما هي روافد متفرعة عن نظرية تشملها جميعها، وهي (نظرية النظم) التي هي المحور الذي تدور حوله سائر المصطلحات الأخرى، وأنه منذ خدم العلم، وهو ينظر فيما قاله العلماء في معنى كل منها، وفي بيان المغزى من تلك العبارات، وتفسير المراد بها، فيجد بعض ذلك كالرمز والإيماء، والإشارة في خفاء، وبعضه كالتنبيه على مكان المخبئ ليطلب .. مع أنهم لم يعرفوا مكان المزية في الكلام، ولا يكفي - في معرفة (علم الفصاحة)

стр. 181

أن تنصب لها قياساً ما، وأن تصفها وصفاً مجملاً، وتقول فيها قولاً مرسلاً بل لا تكون من معرفتها في شيء حتى تفصل القول وتحصل، وتضع يدك على الخصائص التي تعرض في نظم الكلم، وتعدها واحدة واحدة، وتسميها شيئاً شيئاً" (١). رابعاً: أن عبد القاهر - وهو يكتب الدلائل - قد أفاد من شرح أبي سعيد السيرافي (٢) لكتاب سيبويه، ورفض رأياً لأبي سعيد، ولكنه لم يشر إليه إمعاناً في إخفاء اسمه، حتى لا يظهر أخذه لنظرية النظم من مناظرته واعتماده عليها في إبراز أفكاره التي رد بها على المعتزلة، وقد كان أبو سعيد يعتنق الاعتزال (٣). وبعد: "الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله" وصل اللهم على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم، حسن إسماعيل عبد الرازق رئيس قسم البلاغة بكلية اللغة العربية بالزقازيق في: ٢٧ من رجب ١٤١١ هـ الموافق: ١٢/ ٢/ ١٩٩١ م.

стр. 182

المراجع والمصادر ١ - البرهان في وجوه البيان؛ لأبي الحسين إسحاق بن إبراهيم بن سليمان بن وهب (تحقيق د. حفني شرف). ٢ - بيان إعجاز القرآن للخطابي. ٣ - البيان والتبيين؛ للجاحظ. ٤ - البلاغة تطور وتاريخ؛ للدكتور. شوقي ضيف. ٥ - تاريخ علوم البلاغة للأستاذ أحمد مصطفى المراغي. ٦ - ثلاث رسائل في إعجاز القرآن. ٧ - الجاحظ؛ حياته وآثاره للدكتور طه الحاجري. ٨ - جواهر الألفاظ؛ لقدامة بن جعفر. ٩ - دلائل الإعجاز؛ لعبد القاهر الجرجاني (تعليق السيد محمد رشيد رضا- المعرفة- بيروت). ١٠ - دلائل الإعجاز؛ لعبد القاهر الجرجاني (تعليق: أبي فهر محمود محمد شاكر- مكتبة الخانجي). ١١ - رسائل الجاحظ. ١٢ - سر الفصاحة؛ لابن سنان الخفاجى (شرح وتصحيح عبد المتعال الصعيدي ط: صبيح ١٩٦٩ م). ١٣ - أسرار البلاغة؛ لعبد القاهر الجرجاني (ط. هربتر). ١٤ - الشعر؛ لأرسطو: (تحقيق وترجمة د. شكري عياد، داد الكاتب العربي للطباعة والنشر ١٩٦٧ م).

стр. 183

١٥ - الصناعتين؛ لأبي هلال العسكري. ١٦ - ظهر الإسلام؛ لأحمد أمين. ١٧ - المغني في أبواب التوحيد والعدل للقاضي عبد الجبار، الجزء السادس عشر. ١٨ - الكتاب؛ لسيبويه. ١٩ - الامتاع والمؤانسة، لأبي حيان التوحيدي (تصحيح الأستاذ أحمد أمين، ط: بيروت). ٢٠ - الملل والنحل، للشهر ستاني (مؤسسة الحلبي وشركاه للنشر والتوزيع). ٢١ - نزهة الألباء، في طبقات الأدباء، لابن الأنباري (جمعية إحياء مآثر علماء العرب). ٢٢ - نقد الشعر، لأبي الفرج قدامة بن جعفر، (تحقيق كمال مصطفى ط: الخانجي) ١٩٦٢. ٢٣ - نقد النثر، المنسوب خطأ إلى قدامة بن جعفر (ط: دار الكتب المصرية ١٩٣٣ م تحقيق د. طه حسين وعبد الحميد العبادي). ٢٤ - الوساطة بين المتنبي وخصومه، للقاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني (دار القلم- بيروت).