كانت مختلفة عن نظرة الآخر إليه، فنظرة ابن سنان إلى النظم كانت نظرة الناقد، الذي يبحث في الكلام عن الغرض منه، ليستطيع الحكم عليه بالجودة أو الرداءة؛ بينما كانت نظرة عبد القاهر إلى النظم، نظرة الناظم، الذي ينظم الكلام على حسب الأغراض.
وعلى أية حال: فقد أحسن عبد القاهر استغلال فكرة ابن سنان أيما إحسان! .
ثم شرح عبد القاهر ما يقصده من تتبع - أو توخي - معاني النحو فيما بين الكلم: بأن النظم ليس إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه، وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت؛ فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك؛ فلا تخل بشيء منها؛ كأن تنظر في أوجه الخبر، والشرط، والجزاء، والحال، والحروف التي تشترك في معنى، ثم ينفرد كل واحد منها بخصوصية. وفي الجمل التي ترد، فتعرف فيها موضع الفصل من موضع الوصل، وتتصرف في التعريف والتنكير، والتقديم والتأخير، في الكلام كله، وفي الحذف والتكرار والإظهار والإضمارـ، فتضع كل ذلك في مكانه، وموقعه، وتستعمله استعمالاً صحيحاً موفقاً.
وهكذا نجد أن عبد القاهر، قد أخذ عن أبي سعيد السيرافي شطر (نظرية النظم) وأتم شطرها الآخر مما وجده في (سر الفصاحة) لابن سنان الخفاجى، ثم أخذ في إقامة الدليل على صحتها بما يلي:
أولاً: أنك لا تجد كلاماً يرجع صوابه - إن كان صواباً - وخطؤه - إن كان خطأ - إلى النظم، ويدخل تحت هذا الاسم، إلا وهو معنى من معاني النحو قد أصيب به موضعه، ووضع في حقه، أو عومل بخلاف هذه المعاملة، فأزيل عن موضعه واستعمل في غير ما ينبغي له.
(١٠ - دلائل الإعجاز)
стр. 142
فأنت لا ترى كلاماً قد وصف بصحة نظم، أو فساده، أو وصف بمزية وفضل فيه إلا وأنت تجد مرجع تلك الصحة وذلك الفساد، وتلك المزية وذلك الفضل، إلى معاني النحو وأحكامه ووجدته يدخل في أصل من أصوله، ويتصل بباب من أبوابه.
ثانياً: أن النقاد السابقين - كالقاضي الجرجاني وأبي هلال العسكري - قد كشفوا عن وجه النظم، حيث ذكروا فساده في نحو قول الفرزدق:
وما مثله في الناس إلا مملكاً ... ... أبو أمه حى أبوه يقاربه
وفي نظائره، مما تواصفوه بفساد النظم، وعابوه من جهة سوء التأليف، فليس يخالف أحد في أن الفساد والخلل كانا من أن تعاطى الشاعر ما تعاطاه من هذا الشأن على غير الصواب، وصنع في تقديم، أو تأخير، أو حذف، وإضمار، أو غير ذلك مما ليس له أن يصنعه، ومالا يسوغ ولا يصح على أصول هذا العلم.
ثالثاً: إذ ثبت أن فساد النظم، واختلاله هو: ألا يعمل بقوانين علم النحو، ثبت أن سبب صحته هو: أن يعمل عليها، ثم إذا ثبت أن مستنبط صحته وفساده من هذا العلم، ثبت أن الحكم كذلك في مزيته والفضيلة التي تعرض فيه. وإذا ثبت جميع ذلك ثبت أن ليس هو شيئاً غير توخى معاني هذا العلم وأحكامه فيما بين الكلم.
وهكذا تجد أن عبد القاهر قد أخذ نظرية النظم من مناظرة أبي سعيد السيرافي، وأتمها بما قرأه في (سر الفصاحة) لابن سنان الخفاجي، ورأى أن مهمته - في الدلائل - هي: إثبات صحتها بالدليل المنطقي - كما رأيت - وكأنها نظرية هندسية تؤدي معطياتها إلى نتائج حتمية، لا يخالف فيها أحد.
стр. 143
ومن الطريف أن عبد القاهر - وهو يؤلف الأسرار، ولم يكن قد أطلع على مناظرة أبي سعيد التي ألهمته (معاني النحو) - قد قارن بين بيت الفرزدق الذي يضرب به المثل في التعقيد، وبين الأشعار التي أثنوا عليها فلم يستنتج منها ما توصل إليه في الدلائل، من أن النظم هو: توخي معاني النحو فيما بين الكلم، وذلك حيث يقول: "فخذ إليك الآن بيت الفرزدق الذي يضرب به المثل في تعسف اللفظ:
وما مثله في الناس إلا مملكاً ... أبو أمه حي أبوه يقاربه
فأنظر: أيتصور أن يكون ذمك للغظه من حيث أنك أنكرت شيئاً من حروفه، أو صادفت وحشيا غريباً، أو سوقياً ضعيفاً، أم ليس إلا لأنه لم يرتب الألفاظ في الذكر، على موجب ترتب المعاني في الفكر .. ؟
وإذا وجدت ذلك أمراً بيناً لا يعارضك فيه شك، ولا يملكك منه امتراء، فانظر إلى الأشعار التي أثنوا عليها من جهة الألفاظ، ووصفوها بالسلاسة، ونسبوها إلى الدمائه، وقالوا كأنها الماء جريانا، والهواء لطفاً، والرياض حسناً، وكأنهم النسيم، وكأنها الرحيق مزاجها التسنيم، وكأنها الديباج الخسرواني في مرامي الأبصار، ووشى أن ص ١٤٣ منشوراً على أذرع التجار، كقوله:
ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح
وشدت على دعم المهارى رحالنا ... ولم ينظر الغادى الذي هو رائح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسألت بأعناق المطى الأباطع
стр. 144
ثم راجع فكرتك، وأشحذ بصيرتك. وأحسن التأمل، ودع عنك التجوز في الرأي ثم انظر: هل تجد لاستحسانهم، وحمدهم وثنائهم ومدحهم منصرفاً، إلا إلى استعارة وقعت موقعها، وأصابت غرضها وحسن ترتيب تكامل معه البيان، حتى وصل المعنى إلى القلب، مع وصول اللفظ إلى السمع، واستقر في الفهم مع وقوع العبارة في الأذن؛ وإلا إلى سلامة الكلام من الحشو غير المفيد، والفضل الذي هو كالزيادة في التحديد .... ؟ ".
فعبد القاهر - هنا - وهو يؤلف الأسرار، لم يستنتج من مقارنته تلك إلا أن فضيلة الكلام إنما هي في ترتيب الألفاظ في الذكر، على حسب ترتيبها في الفكر، مما يدلك على أنه لم يكن قد اطلع على مناظرة أبي سعيد، التي فيها أن النظم إنما هو: توخي معاني النحو فيما بين الكلم.
بل إن الحقيقة التي لم يلحظها كثير من البلاغيين هي أن (أسرار البلاغة) يخلو تماماً من كلمتي: (النظم) و (معاني النحو)! !
وهما الكلمتان اللتان أدار عليهما عبد القاهر الجرجاني (دلائل الإعجاز) وكرر كلا منهما أكثر من خمسين مرة!
وليس هذا فحسب، بل إنك عندما تقرأ "الدلائل" تحس بأن مهمته فيها تكاد تكون منصبة على إثبات صحة نظرية النظم، وأنها ليست إلا تتبع - أو توخي - معاني النحو فيما بين الكلم.
ومن الطريف أيضاً أن أبا هلال العسكري - وهو الذي سبق عبد القاهر في قراءة مناظرة أبي سعيد السيرافي - قد صنع ما يقرب من صنيع عبد القاهر - في المقارنة بين نصوص توصف بحسن النظم، وأخرى توصف بسوء النظم؛ ولكنه لم يتوصف إلى ما توصل إليه عبد القاهر؛
стр. 145
لأنه - كما أسلفنا - قد أخطأ طريق المعاني المقصودة في النظم وهي (معاني النحو) إذ تركها متجهاً إلى (توخي صواب المعنى).
ومما قاله في هذا المعنى (١):
وحسن الرصف (أي النظم): أن توضع الألفاظ موضعها، وتمكن في أماكنها؛ ولا يستعمل فيها التقديم والتأخير، والحذف والزيادة، إلا حذفاً، لا يفسد الكلام؛ ولا يعمى المعنى، ويضم لفظة منها إلى شكلها، وتضاف إلى لفقها.
وسوء الرصف (أي النظم): تقديم ما ينبغي تأخيره منها، وصرفها عن وجوهها، وتغيير صيغتها ومخالفة الاستعمال في نظمها.
ثم قال: فمن سوء النظم: المعاطلة؛ ومثل لها يقول الفرزدق:
وما مثله في الناس إلا مملكا ... ... أبو أمه حى أبوه يقاربه
ومن الكلام المستوى النظم الملتئم الرصف: قول بعض العرب:
أيا شجر الخابور مالك مورقاً ... كأنك لم تجزع على ابن طريف
فتى لا يحب الزاد إلا من التقى ... ولا المال إلا من قنا وسيوف
ومن الملاحظ - أيضاً - أن أبا هلال قد استخدم كلمة (الرصف) مكان كلمة (النظم) في قوله: (حسن الرصف) و (سوء الرصف)
стр. 146
و (الملتئم الرصف) لتأثره بما قاله أبو سعيد السيرافي، في مناظرته، إذ قال أمتى بن يونس عن اللغة العربية -: (إنك في هذا الاسم، والفعل، والحرف، فقير إلى رصفها وبنائها على الترتيب الواقع في غرائز أهلها).
ومن قبل أبي هلال رأى القاضي الجرجاني أن صحة النظم في العمل بقوانين النحو (١)، وأن فساده في عدم العمل بها (٢)، ولكنه لم يستنتج ما توصل إليه عبد القاهر، وهو أن النظم هو تتبع - أو توخي - معاني النحو فيما بين الكلم، بل إن عبارة (معاني النحو) لم ترد أصلاً في وساطته بين المتنبي وخصومه.
وقد حاول أن يضع لنفسه نظرية في النقد، لا تخرج عن نظرية النظم، وتعتمد هذه النظرية على أن الكلام أصوات، محلها من الأسماع، محل النواظر من الأبصار، فللكلام صور عقلية تشبه الصور الحسية "وأنت قد ترى الصورة تستكمل شرائط الحسن، وتستوفي أوصاف الكمال، وتذهب في الأنفس كل مذهب ثم تجد أخرى دونها في انتظام المحاسن، والتئام الخلقة، وتناصف الأجزاء، وتقابل الأقسام، وهي أحظى بالحلاوة، وأدنى إلى القبول، وأعلق بالنفس، وأسرع ممازجة للقلب، ثم لا تعلم - وإن قاسيت واعتبرت ونظرت وفكرت - لهذه المزية سبباً، ولما خصمت به مقتضياً كذلك الكلام منتوره ومنظومه ومجمله ومفصله:
стр. 147
(ا) فالمحكم الوثيق، والجزل القوي، والمنمق الموشح، الذي قد هذب كل التهذيب، وثقف غاية التثقيف وجهد فيه الفكر، وأتعب لأجله الخاطر، لا يلقى قبولاً من القلب إلا بنفسه، وجوهره، ومكانه، وموقعه ولا عبرة بالتزويق والتنميق بأنواع البديع.
(ب) والمختل المعيب، والفاسد المضطرب، له وجهان:
أحدهما: ظاهر يشترك الناس في معرفته، ويقل التفاضل في العلم به، وهو ما كان اختلاله وفساده من باب اللحن والخطأ من ناحية الإعراب، واللغة، وأظهر من هذا: ما عرض له ذلك من قبل الوزن، والذوق.
والآخر: غامض، يوصل إلى بعض بالرواية، ويوقف على بعضه بالدراية، ويحتاج في كثير منه إلى دقة الفطنة، وصفاء القريحة، ولطف الفكر وبعد الغوص.
(جـ) وملاك ذلك كله، وتمامه الجامع له، والزمام عليه، الطبع، وإدمان الرياضة، فإنهما أمران، ما اجتمعا في شخص، فقصرا في إيصال صاحبهما عن غايته، ورضيا له بدون نهايته.
(د) أقل الناس حظا بمعرفة النقد هو: من اعتمد على سلامة الوزن، وإقامة الإعراب، وأداء اللغة ثم الاهتمام بتزيين الكلام بأنواع البديع.
وأما العارف بحقيقة النقد، فهو الذي يعتمد - في نقده - على صحة الترتيب، وسلامة النظم وحسن التأليف، وقوة النسج، ويقابل بين الألفاظ ومعانيها ويسير ما بينهما من نسب، ويمتحن ما يجتمعان فيه من سبب.
على أن هناك من الأسباب ما يجعلنا نعتقد بأن القاضي الجرجاني قد قرأ مناظرة أبي سعيد السيرافي، بل وأفاد منها - في وساطته - وهي:
стр. 148
١ - أن أبا سعيد السيرافي قد رأى أن صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالنظم، وقد قامت نظرية القاضي الجرجاني - في النقد - على هذا الأساس - كما رأيت -
٢ - أن أبا سعيد قد رأى أن فاسد المعنى من صالحه يعرف بالعقل، وكذلك رأى القاضي الجرجاني في نقده للشعر - في وساطته - كأن يقول: "وهذا المعنى فاسد (١) " بعد أن يورد بيتاً فاسد المعنى.
٣ - أن القاضي الجرجاني قد أفاد، من قول أبي سعيد السيرافي - في مناظرته - إنك إذا قلت: "زيد أفضل إخوته" لم يجز "وإن قلت: "زيد أفضل الإخوة" جاز، والفرق بينهما: أن إخوة زيدهم غير زيد، وزيد خارج عن جملتهم، فسلم يجز أن تقول: "أفضل إخوته"، كما لم يجز أن تقول: "إن حمارك أفره البغال"، لأن الحمير غير البغال، كما أن زيداً، غير إخوته".
أفاد القاضي الجرجاني من هذا الكلام - وهو يرد على من أنكر على أبي الطيب قوله:
فالغيث أبخل من سعى
فزعم أن "من" لا تكون إلا لمن يعقل، وأفعل" لا يجري إلا على البعض من تلك الجملة، تقول "زيد أفضل من الناس"، فلابد أن يكون زيد من الناس؛ ولو قلت: "أفضل الحمير" لم يصح، وكذلك لو قلت: "أفضل ما يقضم الشعير، ويرعى الكلأ" لم يجز، قال فمن سعى لا يقع إلا على عاقل والغيث ليس من هذه الجملة".
ويرد القاضي الجرجاني على هذا المعترض، بأن هذا الاعتراض،
стр. 149
يدل على تقصير شديد في العلم بكلام العرب، لأن العرب إذا وصفت الشيء بصفة غيره، استعارت له ألفاظه، وأجرته في العبارة مجراه - وإن كان لو انفر "اتفرد عنه بصفته، وتميز دونه بعبارته" (١).
وهو بهذا يؤكد ما يراه، من أنه لا غنى للنحوي من الإلمام بمعاني العرب، وطرق استعمالاتهم لها، كما أنه لا غنى للمعنوي عن الإلمام بقواعد النحو، وكيفية تطبيقها على كلامهم.
ولعلك قد لاحظت أن القاضي الجرجاني قد أشار إلى طائفتين:
الأولى: وهم أقل الناس حظاً بمعرفة النقد، ولا يعتمدون إلا على سلامة الوزن، وإقامة الإعراب، وأداء اللغة، والاهتمام بتزيين الكلام.
والثانية: وهم العارفون بحقيقة النقد، ويعتمدون في نقدهم على صحة الترتيب، وسلامة النظم وحسن التأليف، وقوة النسج، مع معرفتهم بما بين الألفاظ من نسب، أو أسباب.
وأن عبد القاهر قد أشار إلى هاتين الطائفتين من النقاد - في أول الدلائل -، إذ قال عن الطائفة الأولى: "ترى الواحد منهم يسمع الفصاحة، والبلاغة، والبراعة، فلا يعرف لها معنى سوى الأطناب في القول، وأن يكون المتكلم جهير الصوت. وأن يستعمل اللفظ الغريب، والكلمة الوحشية، فإن استظهر للأمر وبالغ في النظر، فأن لا لديلحن، فيرفع في موضع النصب، أو يخطئ فيجئ باللفظة على غير ما هي عليه في الوضع اللغوي، وعلى خلاف ما ثبتت به الرواية عن العرب، وجملة الأمر، أنه لا يرى النقص يدخل على صاحبه - في ذلك - إلا من جهة نقصه في علم اللغة.
стр. 150
وقال عن الطائفة الثانية: إنها تستخرج دقائق وأسراراً، طريق العلم بها الروية والفكر، ولطائف مستقاها العقل، وخصائص معان انفردوا بها، وهدوا إليها، ودلوا عليها، وكشف لهم عنها ورفعت الحجب بينهم وبينها، وأنها السبب في أن عرضت المزية في الكلام، ووجب أن يفضل بعضه بعضاً (١).
стр. 151
٥ - تشبيه النظم بالنسج
في مناظرة أبي سعيد السيرافي: (ثم أقبل أبو سعيد على متى، فقال أما تعرف يا أبا بشر، أن الكلام اسم واقع على أشياء، قد ائتلفت بمراتب؟ وتقول بالمثل: هذا ثوب؛ والثوب اسم يقع على أشياء بها صادر ثوباً، لأنه نسج بعد أن غزل، فسداته لا تكفي دون لحمته، ولحمته لاتكفي دون سداته، ثم تأليفه كنسجه، وبلاغته كقصارته، ورقة سلكه كرقة لفظه، وغلظ غزله ككثافة حروفه، ومجموع هذا كله ثوب، ولكن بعد تقدمة كل ما يحتاج إليه فيه).
وتلك العبارة قد جاءت عقب العبارة السابقة عليها، على لسان أبي سعيد السيرافي، والتي أجمل بها نظرية النظم، وكأن أبا سعيد أراد أن يبين لمتى بن يونس أن النظم ليس عملاً لفظياً صرفاً، ولا نحوياً خالصاً، وإنما هو عمل معتمد على المعنى بقدر ما هو معتمد على اللفظ، فلا اللفظ يصلح دون المعنى: ولا المعنى يصلح دون اللفظ، وتأليفه يحتاج إلى أعمال الفكر، وحسن الاختيار، للمعاني المناسبة للأغراض التي يقصدها الشاعر أو الأديب.
وكذلك صنع عبد القاهر الجرجاني؛ فبعد أن أكمل النظرية بما وجده في (سر الفصاحة) لابن سنان، من أن توخى معاني النحو ليس مقصوداً في ذاته، ولا المزايا الناشئة عنه مطلوبة لذاتها، وإنما المقصود هو أن تأتي هذه المزايا، من توخى معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي تكون مقصد للشاعر أو الأديب أقول: بعد أن أكمل عبد القاهر النظرية، صنع صنيع أبي سعيد السيرافي، فأتى بمثيل للنظم من
стр. 152
الألوان التي تعمل بها الصور، والنقوش في الثوب، فقال: وإنما سبيل هذه المعاني سبيل الأصباغ التي تعمل منها الصور والنقوش، فكما أنك ترى الرجل قد تهدى في الأصباغ التي عمل منها الصورة، والنقش فكما أنك ترى الرجل قد تهدى في الأصباغ التي عمل منها الصورة، والنقش في ثوبه الذي نسج إلى ضرب من التخير والتدبر في أنفس الأصباغ، وفي مواقعها، ومقاديرها، وكيفية مزجه لها، وترتيبه إياها، إلى ما لم يتهد إليه صاحبه، فجاء نقشه من أجل ذلك أعجب، وصورته أغرب، كذلك حال الشاعر والشاعر في توخيهما معاني النحو، ووجوهه التي علمت أنها محصول النظم" (١).
ولم يقف عبد القاهر عند هذا الحد، في الانتفاع بفكرة السيرافي، في تشبيهه الكلام بالثوب، والنظم بالنسج، والمعنى بالسدى، واللفظ باللحمة، ورقة اللفظ برقة السلك، وغلظه، بغلظه وإنما انتفع بها في كل موضع احتاج فيه إلى تقريب عملية النظم من القارئ:
١ - ففي الرد على من عرف الفصاحة، والبلاغة، والبراعة من العلماء. ولم يسبر غوزها، ولم يصل إلى كنهها، وحقيقة معناها، ولم يزد على: أن المعول عليه هو: أن ههنا نظماً وترتيباً، وتأليفاً وتركيباً، وصياغة وتصويراً ونسجاً وتحبيراً، وأن سبيل هذه المعاني في الكلام الذي هي مجاز فيه سبيلها في الأشياء التي هي حقيقة فيها، وأنه كما يفضل - هناك - النظم النظم، والتأليف التأليف، والنسج النسج والصياغة الصياغة، ثم يعظم الفضل، وتكثر المزية، حتى يفوق الشيء نظيره، والمجانس له درجات كثيرة، وحتى تتفاوت القيم التفاوت الشديد، كذلك يفضل الكلام بعضه بعضاً، ويتقدم الشيء الشيء ثم يزداد فضله ذلك ويترقى منزلة بعد منزلة، ويعلو مرقباً بعد مرقب، وتستأنف له غاية بعد غاية،
стр. 153
حتى ينتهي إلى حيث تنقطع الأطماع، وتحسر الظنون، وتسقط القوى، وتستوي الأقدام في العجز.
يرد عبد القاهر على هذا القائل بقوله: مازدتم على أن قستم قياساً، فقلتم نظم ونظم، وترتيب وترتيب ونسج ونسج، ثم ينيتم عليه: أنه ينبغي أن تظهر المزية في هذه المعاني ههنا حسب ظهورها هناك، وأن يعظم الأمر في ذلك كما عظم ثم؛ وهذا صحيح كما قلتم، ولكن: بقى أن تعلمونا مكان المزية في الكلام وتصفوها لنا، وتذكروها ذكراً، كما ينص الشيء ويعين، ويكشف وجهه ويبين، ولا يكفي أن تقولوا، إنه خصوصية في كيفية النظم، وطريقة مخصوصة في نسق الكلم بعضها على بعض، حتى تصفوا تلك الخصوصية وتبينوها، وتذكروا لها أمثلة، وتقولوا: مثل كيت، وكيت، كما يذكر لك من تستوصفه عمل الديباج المنقش ما تعلم به وجه دقة الصنعة، أو يعمله بين يديك، حتى ترى عياناً، كيف تذهب تلك الخيوط وتجئ، وماذا يذهب منها طولاً، وماذا يذهب منها عرضاً، وبم يبدأ، وبم يثنى، وبم يثلث، وتبصر من الحساب الدقيق ومن عجيب تصرف اليد ما تعلم منه مكان الحذق، وموضع الأستاذية" (١).
٢ - كما يرد على القاضي عبد الجبار، الذي عرف الفصاحة بأنها خصوصية في نظم الكلم، وضم بعضها إلى بعض على طريق مخصوصة - بأن هذا القول منه - في تعريف الفصاحة - لو كان كافياً - في معرفتها - ومغنياً في العلم بها، لكفى مثله في معرفة الصناعات كلها، فكان يكفي - في معرفة نسج الديباج الكثير التصاوير - أن تعلم: أنه ترتيب للغزل على وجه مخصوص، وضم لطاقات الإبريسم، بعضها إلى بعض على طرق شتى، وذلك ما لا يقوله عاقل.
стр. 154
ولهذا فإنه لا يكفي - في علم الفصاحة - أن تنصب لها قياساً ما: وأن تصفها وصفاً مجملاً، وتقول فيها قولاً مرسلاً؛ بل لا تكون من معرفتها شيء حتى تفصل القول وتحضل، وتضع اليد على الخصائص التي تعرض في نظم الكلم، وتعدها واحدة واحدة. وتسميها شيئاً شيئاً، وتكون معرفتك معرفة الصنع الحاذق الذي يعلم كل خيط من الإبريسم الذي في الديباج، وكل قطعة من القطع المنجورة في الباب المقطع، وكل آجرة من الآجر الذي في البناء البديع (١).
٣ - وفي محاولته الوصول إلى حقيقة معنى المعارضة، وأن قياسهم الكلام في معنى المعارضة على الأعمال الصناعية لم يكن دقيقاً يقول: "إنا لنراهم يقيسون الكلام في معنى المعارضة - على الأعمال الصناعية، كنسج الديباج، وصوغ الشنف والسوار، وأنواع ما يصاغ وكل ما هو صنعة وعمل يد، بعد أن يبلغ مبلغاً يقع التفاضل فيه، ثم يعظم حتى يزيد فيه الصانع على الصانع زيادة يكون له بها صيت، ويدخل في حد ما يعجز عنه الأكثرون. ثم يقول: "إن هذا القياس - وإن كان قياساً ظاهراً معلوماً، وكالشيء المركوز في الطباع حتى ترى العامة فيه كالخاصة - إلا أن فيه أمراً يجب العلم به، وهو أنه من الممكن أن يتصور أن يبدأ هذا فيعمل ويبدع في نقشه وتصويره. فيجئ آخر، ويعمل ديباجا آخر مثله في نقشه وهيئته، وجملة صفته حتى لا يفصل الرائي بينهما، ولم يقع لمن لم يعرف القصة. ولم يخبر الحال إلا أنهما صنعة رجل واحد، وخارجان من تحت يد واحدة. ولكن: ليس من الممكن أن تتصور مثل ذلك في الكلام، لأنه لا سبيل إلى أن تجئ إلى معنى
стр. 155
بيت من الشعر، أو فصل من النثر، فتؤديه بعينه، وعلى خاصيته وصنعته بعبارة أخرى حتى يكون المفهوم من هذه هو المفهوم من تلك لا يخالفه في صفة، ولا وجه، ولا أمر من الأمور.
ولهذا كان قولهم: قد أتى بالمعنى بعينه، وأخذ معنى كلامه، فأداه على وجهه تسامح منهم. والمراد: أنه أدى الغرض، لا أنه أدى المعنى بعينه.
وكذلك قولهم - في قوله تعالى: "ولكم في القصاص حياة" وقول الناس: (قتل البعض إحياء للجميع): إنهما عبارتان معبرهما واحد، ولا يمكن الأخذ بظاهره، إذ ليس المفهوم من أحد الكلامين هو المفهوم من الآخر" (١).
وقد سبق أبو هلال العسكري، وابن سنان الخفاجى إلى بيان الفروق بين قوله تعالى: "ولكم في القصاص حياة" وقول العرب: (القتل أنفى للقتل" فأفاد عبد القاهر منهما" (٢).
٤ - وقد اكتشف عبد القاهر بذكائه. والمعينة أن تشبيه الكلام بالثوب، والنظم بالنسج - وإن كان شائعاً بين النقاد - إلا أنه ليس مؤدياً للغرض المنشود لهم كما ينبغي الأداء، لأنه قد يكون لنظم معنى" ويمكن تأويله تأويلا آخر فيؤدي معنى آخر، دون أن يتغير النظم، ولكنك إذا أردت من النسج صورة أخرى فلابد أن تغير النسج:
стр. 156
"ففي الناس من إذا رأى أنه يجري في القياس وضرب المثل أن تشبه الكلم - في ضم بعضها إلى بعض - ورأى أن الذي ينسج الديباج، ويعمل النقش والوشى، لا يصنع بالابريسم الذي ينسح منه شيئاً غير أنه يضم بعضه إلى بعض، ويتخير للإصباغ المختلفة المواقع التي يعلم أنه إذا أوقعها فيها حدث له في نسجه ما يريد من النقش والصورة - جرى في ظنه أن حال الكلم - في ضم بعضها إلى بعض، وفي تخير المواقع لها - وحال خيوط الأبريسم سواء. ورأيت كلامه كلام من لا يعلم أنه لا يكون الضم فيها ضما، ولا الموقع موقعا. حتى يكون قد توخى فيها معاني النحو، وأنك إن عمدت إلى ألفاظ "فجعلت تتبع بعضها بعضاً، من غير أن تتوخى فيها معاني النحو، لم تكن قد صنعت شيئاً تدعى به مؤلفاً وتشبه معه بمن عمل نسجا، أو صنع على الجملة صنيعا، ولم يتصور أن تكون قد تخيرت لها المواقع.
ويستدل عبد القاهر على صحة مقولته هذه باستدلال لطيف، وهو: أنه قد يتصور أن يعمد عامد إلى نظم كلام بعينه، فيزيله عن الصورة التي أرادها الناظم له أو يفسدها عليه من غير أن يحول منه لفظاً عن موضعه أو يبدله بغيره، دون أن يغير شيئاً من صاهر أمره.
ومثال ذلك أنك إن قدرت في بيت أبي تمام:
لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأرى الجنى اشتارته أيد عوامل
أن "لعاب الأفاعي" مبتدأ "ولعابه" خبر - كما يوهمه الظاهر - أفسدت عليه كلامه، وأبطلت الصورة التي أرادها فيه، وذلك لأن غرض
стр. 157
الشاعر هو: أن يشبه مداده بأرى الجنى، بمعنى أنه إذا كتب في العطايا والصلات أوصل به إلى النفوس ما تحلو مذاقته عندها، وأدخل السرور واللذة عليها، وهذا المعنى إنما يكون، إذا كان (لعابه) مبتدأ، و (لعاب الأفاعي) خبراً، فأما تقديرك: أن يكون (لعاب الأفاعي) مبتدأ، و (لعابه) خبراً، وذلك يخرج عن غرض أبي تمام، إذ ليس غرضه أن يشبه (لعاب الأفاعي) بالمداد، وأن يشبه الأري به، ولو كان حال الكلم في ضم بعضها إلى بعض كحال غزل الإبريسم، لكان ينبغي أن لا تتغير الصورة الحاصلة من نظم كلم، إلا بعد أن تزال عن مواقعها، كما لا تتغير الصورة الحادثة عن ضم غزل الإبريسم بعضه إلى بعض إلا بعد أن تزال الجيوط عن مواضعها (١).
وقد فرع عبد القاهر على ذلك فتراض الافترضاً آخر، في قولهم: (عتابك السيف)، منبهاً إلى ما يلي:
أولاً: أنه لا يجوز أن يكون سبيل قوله: (لعاب الأفاعي القاتلات لعابه) سبيل قولهم: (عتابك السيف)، لأن المعنى - في بيت أبي تمام - على أنك تشبه شيئاً بشيء، لجامع بينهما وليس المعنى في قولهم: (عتابك السيف) على أنك تشبه عتابه بالسيف، ولكن على أن تزعم أنه يجعل السيف بدلاً من العتاب.
ثانياً: إذا أردت من قولهم: (عتابك السيف) - وهو ليس مرادهم - التشبيه، كنت قد أردت أنه عاتب عتاباً خشناً مؤلماً.
ثالثاً: إذا قلت: (السيف عتابك) خرجت بهذا القول إلى معنى ثالث، وهو: أن تزعم أن عتابه قد بلغ - في إيلامه وشدة تأثيره - مبلغاً، صار له السيف كأنه ليس بسيف.
стр. 158
رابعاً: أنه ليس من كلام يعمد واضعه فيه إلى معرفتين، فيجعلهما مبتدأ وخبراً، ثم يقدم الخبر، إلا أشكل الأمر عليك فيه، فلا تعلم أن المقدم خبر حتى ترجع إلى المعنى، وتحسن التدبر، وذلك كبيت الحماسة:
بنونا بنو أبنائنا، وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد
فقدم خبر المبتدأ وهو معرفة، وإنما دل على أنه يتوى التأخير: المعنى.
خامساً: أن الفائدة تعظم في هذا الضرب من الكلام، إذا أنت أحسنت النظر فيما ذكر، من أنك تستطيع أن تنقل الكلام في معناه عن صورة إلى صورة، من غير أن تغير من لفظه شيئاً، أو تحول كلمة عن مكانها إلى مكان آخر.
سادساً: أن هذا الضرب من الكلام هو الذي وسع مجال التأويل والتفسير، حتى صاروا يتأولون في الكلام الواحد تأويلين أو أكثر، ويفسرون البيت الواحد عدة تفاسير.
سابعاً: أنه هو الطريق المزلة الذي ورد كثيراً من الناس، فأوقعهم في الهلاك، لعدم معرفتهم بعلم النحو، فانكشف عوارهم، وافتضح أمر الذي أظهر الغنى عنه عندما تعرض لتفسير كلام الله تعالى (١).
стр. 159
القسم الثالث: إثبات النظرية لأبي سعيد السيرافي
(أ) "دلائل الإعجاز". شرح لمناطرة أبي سعيد.
(ب) الرد على من يثبت النظرية لعبد الجبار.
(جـ) حصيلة هذا البحث.
стр. 160
(أ) دلائل الإعجاز شرح لمناظرة السيرافي
ويمكننا أن نصوغ رد أبي سعيد السيرافي على متى بن يونس، في عبارات مترابطة على النحو التالي:
إذا كنتم محتاجون إلى معرفة صحيح الكلام من سقيمه، فإنه يعرف بالنظم والإعراب؛ لأن الإعراب كالميزان؛ يعرف به الرجحان من النقصان، والشائل من الجانح.
فأنتم محتاجون للغة العربية من أجل الترجمة؛ واللغة العربية مكونة من الإسم، والفعل، والحرف فأنتم محتاجون - أيضاً - إلى رصفها، وبنائها؛ على الترتيب الواقع في غرائز أهلها؛ وحينئذ ستجدون من ذلك الرصف وهذا البناء، معاني النحو منقسمة بين حركات اللفظ وسكناته وبين وضع الحروف في مواضعها المقتضية لها، وبين تأليف الكلام بالتقديم والتأخير، وتوخي الصواب في ذلك، وتجنب الخطأ من ذلك.
والنظم كالنسج، ففيه تخير، وإعمال فكر؛ إذ الكلام كالثوب، والنظم كالنسج، والمعاني كالسدى، والألفاظ كاللحمة، ورقة اللفظ كرقة الخيوط، وغلظة ككثافة غزله، وبلاغته كقصارته بمعنى تبييضه وتزيينه، ونقشه.
فمعنى قول القائل: كن نحوياً، لغوياً، فصيحاً: أفهم عن نفسك ما تقول؛ ثم رم أن يفهم عنك غيرك، وقدر اللفظ على المعنى فلا يفضل عنه، وقدر المعنى على اللفظ، فلا ينقص عنه، إذا كنت تريد الحقيقة، أما إذا أردت مجازاً، أو كناية، فأجل اللفظ بالروادف الموضحة، والأشباه المقربة، والاستعارات الممتعة، وبين المعاني بالبلاغة، أي لوح منها لشيء حتى لا تصاب إلا بالبحث عنها، والشوق إليها، لأن المعنى إذا ظفر به على هذا الوجه عز وجلا، وكرم وغلا.
стр. 161
فهذا المذهب باختصار هو (حقائق الأشباه، وأشباه الحقائق).
وهكذا: فإنك بالنحو ستصل إلى المعاني التي لا تستطيع الوصول إليها بعلم المنطق، فالمنطق لم يفصل بين مختلفين، ولم يرفع الخلاف بين اثنين فهل قوة المنطق هي التي جعلتك تعتقد أن الله ثالث ثلاثة؟ وأن ما تقولونه صحيح؟ هيهات!
كما أنه يمكننا - أيضاً -: أن نصوغ رد عبد القاهر على المعتزلة على النحو التالي:
إن زهدكم في علم النحو، وإصغاركم أمره، واحتقاركم له، أشبه أن يكون صداً عن كتاب الله تعالى، لأن الألفاظ مغلقة على معانيها، والإعراب هو الذي يفتحها، فهو المعيار الذي لا يتبين نقصان كلام ورجحانه حتى يعرض عليه، والمقياس الذي لا يعرف صحيح كلام من سقيمه حتى يعرض عليه، فسلامة النظم تبينها سلامة الإعراب، وعميلة النظم تتم على أساس النظر في الكلم، التي تتكون من الأسماء، والأفعال، والحروف، وانتقائها، ثم ترتيبها في النطق على حسب ترتيبها في النفس.
فإذا كنت قد علمت إطباق العلماء على تعظيم شأن النظم، وتفخيم أمره، والتنويه به، فاعلم أن النظم ليس إلا أن تضع كلامك الموضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه، وأصوله وتعرف مناهجه التي نهجت، فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك، فلا تخل بشيء منها.
وباختصار شديد: النظم هو: (توخي معاني النحو فيما بين الكلم) وليست معاني النحو واجبة لها في ذاتها، وإنما بحسب الأغراض التي يساق لها الكلام، ثم بحسب موقع بعضها من بعض، كالأصباغ التي تعمل منها
стр. 162
الصور والنقوش في الثواب بالتخير والتدبر فيها وفي مواقعها، ومقاديرها وكيفية مزجها.
وهذا الكلام المنظوم على ضربين: ضرب أنت تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، وضرب آخر أنت لا تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، ولكن يدلك اللفظ على معناه الذي يقتضيه موضوعه في اللغة، ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية تصل بها إلى الغرض، ومداد هذا الأمر على: الكناية، والاستعارة، والتمثيل.
وههنا عبارة مختصرة، وهيي أن تقول: (المعنى، ومعنى المعنى).
وإذا كانوا قد شبهوا النظم بالنسج فإن ذلك التشبيه إنما هو بحسب الظاهر، وإلا فإنك قد تتأول في العبارة معنى يصح معه التقدير الإعرابي دون أن يتغير النظم، ولكنك إذا أردت قصداً آخر على قصدك الأول من النسج فإنه لا بد من أن تفك خيوطه، وتنسجه من جديد.
ولهذا فإن المفسر لكلام الله تعالى، قد تزل قدمه إذا لم يكن على علم بقواعد النحو، لأن من الآيات ما يحتمل أكثر من تأويل، كما في الآية الكريمة: "ولا تقولوا ثلاثة" فقد ذهبوا في رفع (ثلاثة) إلى أنها خبر مبتدأ محذوف، وقالوا: إن التقدير: ولا تقولوا: آلهتنا ثلاثة، وليس ذلك بمستقيم، لأنه - والعياذ بالله - شبه الإثبات أن ههنا آلهة، على أنه يمكن أن تقدر المعنى هكذا: ولا تقولوا: الله والمسيح وأمه ثلاثة أي لا تعبدهما كما نعبد الله، يبين ذلك قوله تعالى: "لقد كفر الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة".
стр. 163
(ب) الرد على من يثبت النظرية "لعبد الجبار ".
على أن من فضلاء لنقاد في العصر الحديث من يرى أن نظرية النظم إنما هي من ابتكار القاضي عبد الجبار، وأن دلائل الإعجاز يعد تفسيراً مفصلاً لما أجمله عبد الجبار.
وأن قول عبد القاهر: إنهم قالوا، - يريد عبد الجبار -: إن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلمات وإنما تظهر بالضم على طريقة مخصوصة، فتراهم - في الجميع - قد دفعوا، إلى جعل المزية في معاني للنحو وأحكامه من حيث لم يشعروا" يعد مبالغة منه في أن ذلك سقط من عبد الجبار، دون أن يشعر به، قائلاً: "وهل يضع أي مبتكر لنظرية نظريته الجديدة دون شعور بها؟ ".
وقد تضمن هذا الرأي أمرين:
أولهما: أن عبد الجبار، قد ابتكر نظرية النظم، ولم يسبق إليها.
وثانيهما: أنه كان يعلم أن المزية في معاني النحو وأحكامه، وأن ما قاله كان متضمناً لهذا المعنى، ولكنه لم يفصح عنه، ولم يكن ما قاله عن الفصاحة سقطاً منه.
أما أن عبد الجبار قد ابتكر نظرية النظم فذلك ما فنده هذا البحث من أن عبد القاهر قد تتبع أفكار أبي سعيد السيرافي فكرة فكرة، وشرحها في دلائل الإعجاز، ليكون كتابه بذلك امتداد الرد أبي سعيد السيرافي على من يدعون أن النحو لا جدوى منه، من المناطقة والمتكلمين والمعتزلة الذين يزهدون في علم النحو، ويعتمدون في تأويلهم لكتاب الله تعالى على العقل، واللغة، وشيئاً قليلاً من المعرفة بصحة الإعراب وبعد الكلام من اللحن، فحسب، أما الاعتماد على تتبع معاني النحو، فذلك ما لم يروه.
стр. 164
وقد رأيت - أيضاً - أن أفكار الدلائل قد جاءت مرتبة على حسب ترتيب أفكار مناظرة أبي سعيد السيرافي؛ مما يدل على أن مناظرة أبي سعيد كانت المنطلق الرئيسي لعبد القاهر في الدلائل.
وأما أن عبد الجبار، كان يعلم أن المزية في معاني النحو وأحكامه، وأن ما قاله كان متضمناً لها، وأن ما قاله لم يكن سقطاً منه، فإننا نوره الرد عليه فيما يلي:
أولاً: أن عبارة (معاني النحو) التي أخذها عبد القاهر الجرجاني من مناظرة أبي سعيد السيرافي، لم ترد على لسان عبد الجبار ولو مرة واحدة في الفصلين اللذين شرح بهما معنى الفصاحة، بينما وردت في (دلائل الإعجاز) ما يقرب من ستين مرة، مما يدل على أن عبد الجبار قد أهملها، ولم يضعها في اعتباره.
ثانياً: أنه لو كان عبد الجبار قد وضع في اعتباره توخي معاني النحو فيما بين الكلم، لشرح ذلك لطائفة المعتزلة، وقد كان إمامهم، ورثهم الذي اعتمدوا على كتبه، بحيث تسحت كتبه كتب من تقدمه من المعتزلة (١)، ولو كان قد اشرح لهم ذلك لما أنكروه وجادلوا فيه، وكثر منهم الجدال والشغب (٢).
ثالثاً: أن القاضي عبد الجبار، كان يعتمد في تأويله لكتاب الله تعالى على شيئين رئيسيين هما: العقل واللغة.
ويبدو أن من بين اعتماده على اللغة صحة الإعراب، ولكنه لم يتعد هذا القدر إلى توخي معاني النحو فيما بين الكلم، مما يظهر منه أنه يزهد في
стр. 165
التعمق في علم النحو؛ وهذا ما جعل العامة وأشباه العامة لا يكادون يعرفون الفصاحة إلا أنها العلم باللغة، وبأنفس الكلم، وبما طريقه طريق الحفظ، وأن أظهر شيء في معنى الفصاحة - عندهم - هو: تقويم الإعراب والتحفظ من اللحن، وبهذا الفهم الخاطئ لمعن الفصاحة أقبل المعتزلة على تأويل كلام الله تعالى وتفسيره، ولهذا فإن عبد القاهر، قد جأر بالشكوى من تصرفهم هذا، مبينا ما يقصد من صحة الإعراب، ومن قواعد النحو في الفصاحة على النحو التالي:
١ - أن هؤلاء القوم (يقصد المعتزلة) إذ تركوا هذا الشأن (أي علم النحو) تركوه جملة، وإذ زعموا أن قدر المفتقر إلا لقليل منه، اقتصروا على ذلك القليل فلم يأخذوا أنفسهم بالفتوى فيه والتصرف فيما لم يتعلموا منه، ولم يخوضوا في التفسير، ولم يتعاطوا التأويل، لكان البلاء واحداً، ولكانوا إذا لم يبنوا لم يهدموا وإذا لم يصلحوا، لم يكونوا سبباً للفساد، ولكنهم لم يفعلوا، فجلبوا من الداء ما أعيي الطبيب، وحير اللبيب، وانتهى التخليط بما أتوه فيه إلى حد يئس من تلافيه فلم يبق للعارف الذي يكره الشغب إلا التعجب، والسكوت.
وما الآفة العظمى إلا واحدة، وهي أن يجئ من الإنسان أن يجري في لفظه ويمشي له أن يكثر في غير تحصيل، وأن يحسن البناء على غ ير أساس، وأن يقول الشيء لم يقتله علما (١).
٢ - أن المقصود في الفصاحة ليس العلم بالإعراب، ولكن العلم بالوصف الموجب للإعراب؛ كالعلم بما يوجب الفاعلية للشيء إذا كان إيجابها من طريق المجاز، كما في قوله تعالى: "فما ربحت تجارتهم" وكما في
стр. 166
قول الفرزدق: (سقتها خروق في المسامع) وغير ذلك مما يجعل الشيء فيه فاعلاً على تأويل يدق، ومن طريق تلطف.
ومن ثم فإنه لا يجوز أن نعتد في شأننا هذا بأن يكون المتكلم قد استعمل من اللغتين في الشيء ما يقال إنه أفصحهما، وبأن يكون قد تحفظ مما تخطئ فيه العامة، ولا بأن يكون قد استعمل الغريب؛ لأن العلم بجميع ذلك لا يعدو أن يكون علماً باللغة، وبأنفس الكلم المفردة، وبما طريقه طريق الحفظ دون ما يستعان عليه بالنظر، ويوصل إليه بإعمال الفكر.
ولئن كانت العامة وأشباه العامة لا يكادون يعرفون الفصاحة غير ذلك، فإن من ضعف النحيزة إخطار مثله في الفكر، وإجراؤه في الذكر، وأنت تزعم أنك ناظر في دلائل الإعجاز (١).
٣ - أنك كلما نظرت وجدت سبب الفساد واحداً، وهو ظنهم الذي ظنوه في اللفظ وجعلهم الأوصاف التي تجري عليه كلها، أوصافاً له في نفسه، ومن حيث هو لفظ، وتركهم أن يميزوا بين ما كان وصفاً له في نفسه، وبين ما كانوا قد أكسبوه إي من أجل أمر عرض في معناه.
ولما كان هذا دأبهم، ثم رأوا الناس وأظهر شيء عندهم في معنى الفصاحة، تقويم الإعراب والتحفظ من اللحن، لم يشكوا أنه ينبغي أن يعتد به في جملة المزايا التي يفاضل بها بين كلام وكلام في الفصاحة وذهب عنهم أن ليس هو من الفصاحة التي يعنينا أمرها في شيء، وأن كلامنا في فصاحة تجب للفظ، لا من أجل شيء يدخل في النطق، ولكن من أجل لطائف تدرك بالفهم (٢).
стр. 167
وجملة الأمر: أنك لا ترى ظناً هو أنأى بصاحبه عن أن يصح له كلام، أو يستمر له نظام، أو تثبت له قدم، أو ينطق منه إلا بالمحال فم، من ظنهم هذا الذي حام بهم حول اللفظ وجعلهم لا يعدونه، ولا يرون للمزية مكاناً دونه.
٤ - أنهم (أي المعتزلة وعلى رأسهم القاضي عبد الجبار) لما جهلوا شأن الصورة، وأن من شأن المعاني أن تختلف عليها الصور، وتحدث فيها خواص ومزايا من بعد أن لا تكون، وضعوا لأنفسهم أساساً، وبنوا على قاعدة، فقالوا: إنه ليس إلا المعنى واللفظ ولا ثالث لهما، وإنه إذا كان كذلك، وجب إذا كان لأحد الكلامين فضيلة، لا تكون للآخر، ثم كان الغرض من أحدهما هو الغرض من صاحبه، أن يكون مرجع تلك الفضيلة إلى اللفظ خاصة، وأن لا يكون لها مرجع إلى المعنى، من حيث أن ذلك - زعموا - يؤدي إلى التناقض، وأن يكون معناهما متغايراً وغير متغاير معاً، ولهذا حملوا كلام العلماء في كل ما نسبوا فيه الفضيلة إلى اللفظ على ظاهره، وأبوا، أن ينظروا في الأوصاف التي أتبعوها نسبتهم الفضيلة إلى اللفظ، مثل قولهم: لفظ متمكن، غير قلق ولا ناب به موضعه، فيعلموا أنهم لم يوجبوا للفظ ما أوجبوه من الفضيلة، وهم يعنون نطق اللسان وأجراس الحروف، ولكن جعلوا - كالمواضعة فيما بينهم - أن يقولوا: اللفظ، وهم يريدون الصورة التي تحدث في المعنى، والخاصية التي حدثت فيه (١).
ويلاحظ أن الذي قال عبارة: (لا يوجد في الكلام إلا اللفظ والمعنى ولا ثالث لهما) هو: أبو هاشم الجبائي أستاذ عبد الجبار، وأوردها عبد الجبار عند حديثه عن إعجاز القرآن (٢).
стр. 168
٥ - أنه إذا ثبت أن ليس النظم شيئاً غير توخي معاني النحو وأحكامه فيما بين معاني الكلم، ثبت أن طالب دليل الإعجاز من نظم القرآن، إذا هو لم يطلبه في معاني النحو وأحكامه ووجوهه وفروقه، ولم يعلم أنها معدنه ومعانه وموضعه ومكانه، وأنه لا مستنبط له سواها، وأن لا وجه لطلبه فيما عداها - غاز نفسه بالكذب من الطمع، ومسلم لها إلى الخدع، وأنه إن أبى أن يكون فيها، كان قد أبى أن يكون القرآن معجزاً بنظمه، ولزمه أن يثبت شيئاً آخر يكون القرآن به معجزاً. وأن يلحق بأصحاب الصرفة، فيدفع الإعجاز من أصله، وهذا تقرير لا يدفعه إلا معاند بعد الرجوع عن باطل قد اعتقده عجزاً، والثبات عليه بعد لزوم الحجة جلداً، ومن وضع نفسه في هذه المنزلة كان قد باعدها من الإنسانية (١).
رابعاً: أن المعتزلة - وعلى رأسهم عبد الجبار - كانوا يرفضون فكرة النظم، ولا يعدونها مرجعاً لإعجاز القرآن الكريم، بينما كان الأشاعرة يرجعون إعجاز القرآن إلى نظمه، ولهذا قال عبد الجبار - وهو يرجع الإعجاز إلى الفصاحة. وهي: جزالة اللفظ، وحسن المعنى - على حد تعبيره -: "إن العادة لم تجر إن يختص واحد بنظم دون غيره، فصارت الطرق التي عليها يقع نظم الكلام الفصيح معتادة، كما أن قدر الفصاحة معتاد، فلابد من مزية فيهما، ولذلك لا يصح عندنا (يريد المعتزلة) أن يكون اختصاص القرآن بطريقة في النظم، دون الفصاحة التي هي: جزالة اللفظ وحسن المعنى، ومتى قال القائل: إني وإن اعتبرت طريقة النظم، فلابد من اعتبار المزية في الفصاحة، فقد عاد إلى ما أوردناه" (٢).
خامساً: أن عبد الجبار لم يكن نحوياً، ولم يؤثر عنه أنه قد اشتغل
стр. 169
بعلم النحو، والكتب التي وصلتنا عنه، ليس من بينها كتاب واحد في النحو.
سادساً: أننا إذا تصفحنا كتابه: "متشابه القرآن" وهو أهم ما وصلنا من كتب القاضي عبد الجبار في التفسير وهو - أيضاً - من أهم كتب المعتزلة في الكشف عن منهجهم في تفسير القرآن - لا نجد فيه إشارة منه إلى العلاقات النحوية فيما بين الكلم.
стр. 170
(جـ) حصيلة هذا البحث
في القرن الرابع الهجري، كانت قد ترجمت إلى العربية كتب كثيرة مشتملة على المنطق اليوناني، والفلسفة اليونانية، كما كان قد ترجم إلى العربية كل من كتابي: "الشعر" و"الخطابة" لأرسطو على يدي حنين بن إسحاق، ومتى بن يونس، فتأثر كثير من المثقفين العرب بهذا المنطق، واعتقدوا أن الاشتغال به أجدى من الاشتغال بالنحو العربي، لأن المنطق كاف في معرفة الحق من الباطل، والصدق من الكذب والشك من اليقين، مما دعا الكثيرين منهم إلى الزهد في النحو، بل وفي الشعر أيضاً، بدعوى أنه لا جدوى منهما، مما دعا الوزير أبا الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات، وزير بني بويه، أن يعقد مناظرة بين أبي سعيد السيرافي النحوي، ومتى ابن يونس المنطقي حول جدوى علم النحو، وفيما: أفحم أبو سعيد متى ابن يونس، بأن صحيح الكلام من سقيمه، إنما يعرف بالنظم والإعراب، وفاسد المعنى من صالحه يعرف بالعقل فالمنطقي في حاجة إلى النحو، دون حاجة النحوي إلى المنطق، وما دام محتاجاً إلى قليل اللغة العربية فهو محتاج إلى كثيرها وما دام محتاجاً إلى كثيرها، وهي مكونة من الأسماء، والأفعال، والحروف، فهو محتاج إلى رصفها، وبنائها على الترتيب الواقع في غرائز أهلها، فاستخراج المعاني ليس قاصراً على علم المنطق، وإنما تستخرج بالنحو أيضاً و"معاني النحو" منقسمة بين حركات اللفظ وسكناته، وبين وضع الحروف في مواضعها المقتضية لها، وبين تأليف الكلام بالتقديم والتأخير، وتوخي الصواب في ذلك، وتجنب الخطأ من ذلك، فإذا قال لك قائل: كن نحوياً لغوياً، فصيحاً، فهو إنما يريد: أفهم عن نفسك، ثم رم أن يفهم عنك غيرك، وقدر اللفظ على المعنى، إذا كنت تريد الحقيقة فإذا تجاوزتها إلى الاتساع في المعنى، فأجل اللفظ بالروادف الوضحة، والأشباه المقربة، والاستعارات الممتعة، وما نظم
стр. 171
الكلام إلا كنسج الثوب؛ ففيه إعمال للفكر، وإنعام للنظر؛ ولولا أن المنطق قاصر عن إدراك الغايات التي يصل إليها نظم الكلام؛ لما ضللت، وأعتقدت أن الله ثالث ثلاثة! .
وفي هذا الكلام ما فيه من إفحام لمن زهدوا في علم النحو، وبعث لنظريتي النظم والبيان!
وفي القرن الخامس الهجري كانت طائفتا الأشاعرة - ويمثلهما عبد القاهر الجرجاني - والمعتزلة - ويمثلها عبد الجبار - قد اختلفت حول إعجاز القرآن، فالمعتزلة يرون أن القرآن معجز بفصاحته، وأن المزية في الفصاحة راجعة إلى اللفظ، لا إلى المعنى، وتناولوا القرآن الكريم بالتفسير والتأويل من غير أن يكونوا ملمين بعلم النحو، ولا بقواعده، والأشاعرة: يرون أن القرآن معجز بنظمه، وأن المزية ليست في اللفظ وحده، ولا في المعنى وحده، وإنما هي في الصورة الناشئة عن دقائق النظم، وخصائصه، وفروقه، وكثر الجدل والشغب حول هذا الخلاف من جانب المعتزلة، مما دعا عبد القاهر الجرجاني، إلى أن يقوم بالرد عليهم في كتابه "دلائل الإعجاز".
وليست دلائل الإعجاز، أي أدلته، إلا تلك الفروق، والخصائص والمزايا التي يحدثها النظم في الصور الناشئة عنه، وهي تلك النظرية التي استمد عبد القاهر فكرتها من مناظرة أبي سعيد السيرافي، بدليل أن الأفكار التي اشتملت عليها "الدلائل" هي نفس الأفكار التي اشتملت عليها المناظرة، كما أن ترتيب تلك الأفكار - في الدلائل - جار على نفس ترتيبها في المناظرة، وأن عبد القاهر لم يكد يأتي بفكرة أخرى في "الدلائل" غير تلك الأفكار التي استمدها من مناظرة أبي سعيد السيرافي.
стр. 172
وقبل عبد القاهر: حاول البلاغيون الوصول إلى المعنى الحقيقي للنظم، ولكنهم أخفقوا، فالجاحظ لم يزد على من تقدمه في فهم معنى "النظم"، والباقلاني: لم يزد على: أن القرآن معجز ببلاغته، والخطابي: قد حاول محاولة جادة، لم يصل فيها إلا إلى أن الكلام ينقسم إلى: لفظ حامل للمعنى، ومعنى محمول للفظ، ورباط بينهما ناظم.
وجاء السيرافي بمناظرته، فكانت محل اهتمام من معاصريه، فقدامة بن جعفر: قد أخذ منها: (توخى الإجادة في الصورة المبينة للمعنى) واستوحى "الإرداف" و"التمثيل"، فعرفهما، ومثل لهما.
والقاضي الجرجاني: فهم منها معنى النظم، ولكنه لم يستطع التعبير عن مزاياه؛ غير أنه قد وضع نظرية في النقد تقوم على صحة المعنى، وسلامة التأليف، وقوة النسج، وأن أقل الناس معرفة بصناعة النقد هو: من اعتمد على سلامة الوزن، وإقامة الإعراب، وأداء اللغة والاهتمام بتزيين الكلام بأنواع البديع.
وأبو هلال العسكري: قد أخطأ طريق المعاني المقصوده من النظم، وهي: (معاني النحو) فتركها متجهاً إلى: (توخي صواب المعنى) وإن أشار إلى ضرورة (حسن الرصف)، بأن توضع الألفاظ في مواضعها، وتمكن في أماكنها، دون تقديم، أو تأخير، أو حذف، أو زيادة، إلا حذفاً، لا يفسد الكلام.
أما عبد القاهر الجرجاني: فقد كان نحوياً، أصيلاً، شرح الإيضاح - في النحو - لأبي علي الفارسي في ثلاثين جزءاً هي كتابه: "المغني" وألف (العوامل المائة) في النحو؛ ولهذا فإنه قد وقع على ضالته عندما وجد في مناظرة أبي سعيد السيرافي عبارة: (معاني النحو)، فالتقطها،
стр. 173
لتكون تطويراً لنظرية العوامل المائة، وبهذا: صاغ نظرية النظم على أنها: (توخي معاني النحو فيما بين الكلم) وأتمها بما وجده في (سر الفصاحة) لابن سنان الخفاجي، الذي كان متأثراً فيه بأبي هلال العسكري، وهو أن كل صناعة لابد فيها من: الموضوع، والصانع، والصورة، والآلة، والغرض، وما دام تأليف الكلام صناعة، فلابد فيه من تلك الأمور الخمسة، وذكر المقصود بكل منها، إلى أن قال: (وأما الغرض فبحسب الغرض - في نظر الناظم -، وبهذا صارت النظرية عنده هكذا: (توخى معاني النحو فيما بين الكلم، على حسب الأغراض التي يساق لها الكلام).
وقد أخذ عبد القاهر، في إقامة الأدلة والبراهين على إثبات أن النظم هو (توخي معاني النحو فيما بين الكلم) بما قرأه في وساطة القاضي الجرجاني بين المتنبي وخصومه، والصناعتين لأبي هلال العسكري، من أن النقاد قد وصفوا الكلام الذي لا يجري على قوانين النحو، بسوء النظم، وأنه ما دام الأمر كذلك، فالكلام الذي يجري على قوانين النحو يكون سليم النظم، فالنظم السليم ليس إلا أن تتوخى معاني النحو فيما بين الكلم، بل إنه استشهد على ذلك بكلام المعتزلة أنفسهم، كأبي هاشم الجبائي، وعبد الجبار، وابن سنان الخفاجي، الذي لم يفهم معنى "الاحتذاء" - في سر الفصاحة - فرد عليه عبد القاهر في سبع صفحات من آخر الدلائل، مما لم يدع لأحد مجالاً لأدنى شك، في أن عبد القاهر قد ألف "الدلائل" بعد (سر الفصاحة) الذي انتهى منه ابن سنان في الثاني من شعبان سنة ٤٥٤ هـ، وبهذا يكون "الدلائل" قد ألف بعد سنة ٤٥٤ هـ، بكل تأكيد! .
стр. 174
وقد جاءت أفكار الدلائل مرتبة على حسب ترتيب أفكار مناظرة أبي سعيد، مما يدلك على أنه كان قد وضع المناظرة بين يديه، وهو يكتب الدلائل، وأخذ في شرحها فكرة تلو الأخرى، وهذا هو السر في أنه يقول في أول الدلائل: "وليس يتأتى لي أن أعلمك من أول الأمر - في ذلك - آخره، وأن أسمى لك الفصول التي في نيتي أن حررها - بمشيئة الله حتى تكون علم علم بها قبل موردها عليك، فاعمل على أن ههنا فصولاً، يجيئ بعضها في إثر بعض .. " (١).
كما أن هذا هو السر - أيضاً - الذي لم يدركه كثير من البلاغيين الذين قالوا: إن أفكار الدلائل قد جاءت غير مرتبة، وأن عبد القاهر، قد خلط بين مسائل علمي المعاني، والبيان، لأنهم لم يعرفوا الفارق الزمني بين الكتابين - وهو واحد وثلاثون عاماً - وأن عبد القاهر قد تطور بأفكاره إلى أن وصلت في الدلائل قمة نضجها، وأن الدلائل قد رتب ترتيب مناظرة أبي سعيد التي جعلت النظم أساساً للبلاغة، ومن النظم تفرغت نظرية البيان (حقائق الأشباه وأشباه الحقائق) - على حد تعبير أبي سعيد السيرافي - أو (المعنى ومعنى المعنى) - على حد تعبير عبد القاهر -، لا على ترتيب المتأخرين من البلاغيين، الذين قدروا فصل البيان عن المعاني وجعلوا البلاغة علوماً ثلاثة هي المعاني والبيان والبديع، وهي في الحقيقة علم واحد هو: النظم، لأن الصور البيانية، أو البديعية، لابد فيها من أن تنظم قبل أن تكون بياناً أو بديعاً!
وليس أدل على أن (الدلائل) قد رتب ترتيب (المناظرة) من أننا قد أسلفنا لك أفكار الدلائل بإزاء أفكار المناظرة، فلم تخرج فكرة واحدة عن الفكرة التي بإزائها، وقد صغنا - فيما أسلفنا - أيضاً -
стр. 175
رد أبي سعيد على متى بن يونسـ، في عبارات قليلة مترابطة فيما يشبه "المتن"، ثم صغنا بعقبها رد عبد القاهر على المعتزلة الذين كان يمثلهم أبو هاشم الجبائي، وعبد الجبار، وابن سنان، في عبارات أخرى قليلة مترابطة، فيما يشبه الشرح لهذا المتن!
وإن شئت المزيد - وبعبارة أوجز من تلك التي أسلفناها - فإليك رد أبي سعيد في عبارة موجزة ورد عبد القاهر - في عبارة أخرى موجزة - لترى كيف أن كلام أبي سعيد قد بدأ ببيان الحاجة إلى النحو، وانتهى بأن اتباع متى بن يونس للمنطق لم يحمه من أن يعتقد أن الله ثالث ثلاثة، وأن رد عبد القاهر قد بدأ ببيان الحاجة إلى النحو، وانتهى بأن الجهل به يؤدي بصاحبه إذا تناول تفسير القرآن أو تأويله إلى أن تزل قدمه في تأويل مثل قوله تعالى: "ولا تقولوا: ثلاثة".
فكأن أبا سعيد قال لمتى بن يونس: إنه لا غنى لك عن النحو، لأنه مفتاح نظم الكلام، وبه تدرك المعاني الكامنة في النفس، إذ ليس بالمنطق وحدة تعرف المعاني، ومعاني النحو نعرفها من توخيها بين الكلم إذ معنى أن تكون نحوياً لغوياً فصيحاً: أن تقدر اللفظ على المعنى إذا أردت الحقيقة، وإن أردت اتساع المعنى، فعليك بالروادف، والأشباه والاستعارات، وبذلك تعرف نظرية أخرى في الكلام وهي: نظرية البيان التي يشتمل عليها النظم الذي يشبه النسج للثوب؛ في أن كلا منهما يحتاج إلى إعمال الفكر، وإمعان النظر؛ ولأنك قد حدت عن طريق النحو فإن المنطق لم يمنعك من أن تعتقد أن الله ثالث ثلاثة!
وكأن عبد القاهر يقول: إنه لا غنى لكم على النحو، لأنه أساس معرفة النظم الذي به كان إعجاز القرآن، وما النظم إلا (توخي معاني النحو فيما بين الكلم) لأن النقاد - في نقدهم - أثبتوا صحة هذه المقولة،
стр. 176
وإذا ثبت ذلك ثبت أن الصاد عنه صاد عن الجهة التي يطلب منها إعجاز القرآن والصاد عن هذا صاد عن سبيل الله تعالى!
والكلام المنظوم على ضربين: ضرب أنت تقصد منه نفس المعنى الموضوع له في اللغة، وضرب آخر أنت لا تقصد منه هذا المعنى، ولكن تقصد منه معنى آخر يدلك عليه هذا المعنى، وهنا تظهر نظرية البيان (المعنى، ومعنى المعنى)، ومدار معنى المعنى على: الكناية، والمجاز، أي الاستعارة؛ والتمثيل، إذ جاء على حد الاستعارة، وما الكناية، والاستعارة، والتمثيل إلا داخلة تحت النظم، فمنها يحدث، وبه تكون.
ومع أن النقاد قد شبهوا النظم بالنسج، فإن هذا التشبيه ليس دقيقاً، لأنه قد تحدث تأويلات نحوية في النص لا يتغير معها النظم، بخلاف نسج الثوب ونحوه، وبهذا تزل قدم المفسرين للقرآن الذين لم يسبروا غور النحو، ويعرفوا مسائله، في تأويل مثل قوله تعالى: "ولا تقولوا: ثلاثة".
وبهذا يثبت لك أن نظرية النظم، إنما هي لأبي سعيد السيرافي، وليست لغيره.
وأما قول بعض الفضلاء من النقاد، بأن عبد الجبار هو الذي ابتكر النظرية، وأنه كان يعلم بأن المزية في (معاني النحو) وأحكامه: فإننا نرد عليه بما يلي:
أما القول بأن عبد الجبار هو مبتكر النظرية: فإن هذا البحث الذي أثبت أن أفكار الدلائل هي نفس أفكار المناظرة، وأنها جاءت مرتبة حسب ترتيبها فيها، وأن عبد القاهر لم يكد يأتي بفكرة جديدة أخرى في الدلائل غير تلك التي أخذها من المناظرة، دليل على أن عبارة (معاني النحو) التي ابتكرها أبو سعيد السيرافي ابتكاراً، ولم يسبق إليها أحد من قبله، كانت هي المنطلق الذي بني عليه عبد القاهر نظرية النظم.
стр. 177
وأما أن عبد الجبار كان يعلم بأن المزية في (معاني النحو) وأحكامه، فإننا رد عليه بما يلي:
١ - أن عبارة (معاني النحو) - وهي محور النظرية - لم ترد على لسان عبد الجبار، ولو مرة واحدة في الفصلين اللذين شرح بهما معنى الفصاحة.
٢ - أن المعتزلة، من تلاميذ عبد الجبار - قد كثر منهم الجدل والشغب، منكرين أن تكون مزية الفصاحة في توخي معاني النحو وأحكامه، ولو كان عبد الجبار معتقداً أن الفصاحة قائمة على أساس توخي معاني النحو، لشرح ذلك لتلاميذه، فلم يجادلوا أو يعاندوا، ويكثر منهم الجدل والشغب.
٣ - أن عبد الجبار كان يعتمد - في تأويل كتاب الله تعالى - على العقل واللغة، لا على توخي معاني النحو فيما بين الكلم.
٤ - أن المعتزلة - وعلى رأسهم عبد الجبار - كانوا يرفضون أن يكون النظم أساساً في إعجاز القرآن الكريم.
٥ - أن عبد الجبار لم يكن نحوياً، ولم يشتغل بالنحو، ولم يؤثر عنه مؤلفات فيه.
٦ - أننا إذا تصفحنا كتابه: "متشابه القرآن" الذي يعد من أهم كتب المعتزلة - في الكشف عن منهجهم في التفسير - لا نجد فيه إشارة إلى العلاقات النحوية فيما بين الكلم،
وبعد: فإنه يمكننا الآن أن نخرج من هذا البحث، بحقائق على درجة كبيرة من الأهمية في تاريخ البحث البلاغي، وهي:
стр. 178
أولاً: أن مناظرة أبي سعيد السيرافي، كانت أساساً بني عليه البلاغيون نظريتي المعاني والبيان ، إذ قرأها كل من قدامة بن جعفر - الذي سمعها في وقتها، لأنه كان حاضراً مجلسها - والقاضي على بن عبد العزيز الجرجاني" وأبي هلال العسكري، والقاضي عبد الجبار الأسد أبادي وعبد القاهر الجرجاني، وقد أخذ كل منهم - على قدر استعداده، وثقافته، وذكائه - من تلك المناظرة.
فقد أخذ منها قدامة بن جعفر: أن المعاني هي مادة صناعة الكلام - بعد أن كان قد رأى من قبل، أن الألفاظ هي مادتها في كتابه (الخراج وصناعة الكتابة). كما يقول ابن سفان الخفاجى في سر الفصاحة - وأن على الشاعر أن (يتوخى الإجادة في تصوير المعنى) واستلهم منها - أيضاً -: (الإرداف) و (التمثيل) فعرفهما، ومثل لهما.
والقاضي الجرجاني قد بنى نظريته في النقد على أساس (صحة المعاني، وسلامة النظم، وحسن التأليف، وقوة النسج) فمدح أشعاراً بحسن النظم وجودة التأليف وذم أشعاراً أخرى بسوء النظم، وهلهلة النسج.
وأبو هلال العسكري: أخذ منها: (توخى صواب المعنى، وصحة اللفظ، والمعرفة بوجوه الاستعمال).
وأخذ منها عبد الجبار: أن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلام، وإنما تظهر فيه بالضم على طريقة مخصوصة، مع مراعاة اختيار الكلمة، وموقعها، وإعرابها.
стр. 179
وأما عبد القاهر، فقد أمسك منها بخيط النظم، وهو (معاني النحو) فعرف النظرية بأنها: (توخي معاني النحو فيما بين الكلم .. على حسب الأغراض التي يساق لها الكلام).
ثانياً: أن عبد القاهر - في الدلائل - قد رد على ابن سنان ما رآه - في سر الفصاحة - من أن منشد الشعر أو قارئ الشعر، كشعر امرئ القيس مثلاً - يكون قد أتى بمثله، ولكن على سبيل الاحتذاء، لا على سبيل الابتداء، لأن ابن سنان لم يفهم معنى الاحتذاء على حقيقته، فكان مثله - على حد تعبير عبد القاهر - "مثل من يرى خيال الشيء فيحسبه الشيء" (١).
وقد رد عبد القاهر على ابن سفان بما أسلفناه لك في صلب هذا البحث (٢).
وبهذا يثبت لنا أن عبد القاهر قد ألف الدلائل بعد (سر الفصاحة) وقد كان الانتهاء من سر الفصاحة في الثاني من شعبان سنة ٤٥٤ هـ، فقد ألف عبد القاهر "الدلائل" بعد سنة ٤٥٤ هـ بالتأكيد.
ثالثاً: أن مصلحات (النظم) أو (الفصاحة) و (البلاغة) لا تكاد تجد لها أثراً في "أسرار البلاغة" إذا استثنينا عنوان الكتاب !
أما سر عدم وجود مصطلح النظم في الأسرار. على الرغم من تكراره في الدلائل ما يزيد على ثلاثين مرة فهو أن نظرية النظم لم تكن قد اكتملت في ذهن عبد القاهر، وهو يكتب الأسرار، وقبل أن يقرأ
стр. 180
مناظرة أبي سعيد السيرافي. ويعرف أنها: (توخي معاني النحو فيما بين الكلم) بل إنها كانت في ذهنه عبارة عن ترتيب الألفاظ في النطق على حسب ترتيبها في النفس، وكفى، أي إنها كانت فكرة، لا ترقى إلى أن تسمى نظرية وكذلك كانت نظرية البيان لأنها كان ينقصها إحدى صور البيان الكبرى، وهي: الكناية!
وقد سبق أن عرفت أن الفارق الزمني بين الأسرار والدلائل هو: واحد وثلاثون عاماً، إذ ألف الأسرار في ٤٢٢ هـ، وألف الدلائل بعد سنة ٤٥٤ هـ.
وأما سر عدم وجود مصطلحي: (الفصاحة) و (البلاغة) - في الأسرار - على الرغم من تكرار كل منهما - في الدلائل - أكثر من ثلاثين مرة، فهو - في رأيي - أن عبد القاهر - في الأسرار - لم يكن يتحدث عن "علم البلاغة" ولا عن "علم الفصاحة"، وإنما كان يتحدث عن نقد الأساليب العربية على أسس بلاغية، إذ الأسرار - كما كان يريده عبد القاهر - بيان للمعايير التي على أساسها يتفاضل الأدباء والشعراء، في شعرهم ونثرهم.
فلما ألف ابن سنان كتابه (سر الفصاحة في ٤٥٤ هـ، مبيناً فيه ملامح كل من الفصاحة والبلاغة، بل ومفرقاً بينهما، أراد عبد القاهر أن يذكر أن مصطلحات: (الفصاحة) و (البلاغة) و (البيان) و (البراعة) إنما هي روافد متفرعة عن نظرية تشملها جميعها، وهي (نظرية النظم) التي هي المحور الذي تدور حوله سائر المصطلحات الأخرى، وأنه منذ خدم العلم، وهو ينظر فيما قاله العلماء في معنى كل منها، وفي بيان المغزى من تلك العبارات، وتفسير المراد بها، فيجد بعض ذلك كالرمز والإيماء، والإشارة في خفاء، وبعضه كالتنبيه على مكان المخبئ ليطلب .. مع أنهم لم يعرفوا مكان المزية في الكلام، ولا يكفي - في معرفة (علم الفصاحة)