عند الجميع من كانت له همة في أن يستفيد علماً، أو يزداد فهماً، أو يكتسب فضلاً، أو يجعل له ذلك بحال شغلاً -فإن الإلف من طباع الكريم، وإذا كان من حق الصديق عليك- ولاسيما إذا تقادمت صحبته، وصحت صداقته- أن لا تجفوه بأن تنكبك الأيام، وتضجرك النوائب، وتحرجك محن الزمان فتتناساه جملة، وتطويه طياً، فالعلم الذي هو صديق لا يحولا عن العهد، ولا يدخل في الود، وصاحب لا يصح عليه النكث والغدر "ولا يظن به الخيانة والمكر، أولى منه بذلك وأجدر، وحقه عليك أكبر.
ثم إن التوق إلى أن تقر الأمور قرارها، وتوضع الأشياء مواضعها والنزاع إلى بيان ما يشكل وحل ما ينعقد، والكشف عما يخفى، وتلخيص الصفة حتى يزداد السامع ثقة بالحجة، واستظهاراً على الشبهة، واستبانة للدليل، وتبيناً للسبيل، شيء في سوس العقل، وفي طباع النفس إذا كانت نفساً" (١).
وهنا عكف عبد القاهر الجرجاني على مناظرة أبي سعيد السيرافي التي عقدت بينه، وبين متى بن يونس المنطقي في مجلس أبي الفتح الفضل بن جعفر ابن الفرات وزير بني بويه في سنة ٣٢٦ هـ، وأخذ في تأملها، واستنباط ما وراء أفكارها، فكرة، فكرة، ليرد على المعتزلة بكتابه: "دلائل الإعجاز":
стр. 72
٣ - مناظرة أبي سعيد السيرافي
ومتى بن يونس حول المنطق والنحو
قال أبو حيان التوحيدي في كتابه "الإمتاع والمؤانسة":
لما أنعقد المجلس سنة ست وعشرين وثلاثمائة؛ قال الوزير ابن الفرات للجماعة -وفيهم الخالدي، وابن الأخشاد، والكتبي، وابن أبي بشر، وابن رباح، وابن كعب، وأبو عمر وقدامة بن جعفر، والزهري، وعلي بن عيسى الجراح، وابن فراس، وابن رشيد، وابن عبد العزيز الهاشمي، وابن يحيى العلوي، ورسول ابن طفج من مصر، والمرزباني صاحب آل سلمان-: ألا ينتدب منكم إنسان لمناظرة متى في حديث المنطق فإنه يقول: لا سبيل إلى معرفة الحق من الباطل، والصدق من الكذب، والخير من الشر، والحجة من الشبهة، والشك من اليقين، إلا بما حويناه من المنطق، وملكناه من القيام به، واستفدناه من واضعه على مراتبه وحدوده؛ فاطلعنا عليه من جهة اسمه على حقائقه؟ ! .
فأحجم القوم، وأطرقوا؛ قال ابن الفرات: والله إن فيكم لمن يفي بكلامه، ومناظرته، وكسر ما يذهب إليه! ، وإني لاعدكم في العلم بحاراً، والمدين وأهله أنصاراً، والحق وطلابه مناراً "فما هذا لترامز والتنامز اللذان تجلون عنهما؟ فرفع أبو سعيد السيرافي رأسه، فقال: أعذر أيها الوزير، فإن العلم المصون في الصدر غير العلم المعروض في هذا المجلس على الأسماع المصيخة، والعيون المحدقة والعقول الحادة، والألباب الناقدة، لأن هذا يستصحبه الهيبة، والهيبة مكسرة ويجتلب الحياء، والحياء مغلبة، وليس البراز في معركة خاصة كالمصاع في بقعة عامة فقال ابن الفرات: أنت لها يا أبا سعيد، فاعتذارك عن غيرك يوجب عليك الأنصار لنفسك، والانتصار في نفسك راجع إلى الجماعة بفضلك.
стр. 73
فقال أبو سعيد، مخالفة الوزير فيما رسمه هجنة، والاحتجاز عن رأيه إخلاد إلى التقصير، ونعوذ بالله من زلة القدم، وإياه نسأل حسن المعونة في الحرب والسلم، ثم واجه متى، فقال:
حدثني عن المنطق ما تعني به؟ فإنا إذا فهمنا مرادك فيه كان كلا منا معك في قبول صوابه ورد خطئه على سنن مرضى وطريقة معروفة.
قال متى: أعني به: أنه آله من آلات الكلام يعرف بها صحيح الكلام من سيقمه، وفاسد المعنى من صالحه، كالميزان، فإني أعرف به الرجمان من النقصان، والشائل من الجانح.
فقال أبو سعيد: أخطأت، لأن صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالنظم المألوف، والإعراب المعروف -إذا كنا نتكلم بالعربية- وفاسد المعنى من صالحه يعرف بالعقل، -إذا كنا نبحث بالعقل، وهبك عرفت الراجح من الناقص من طريق الوزن، فمن لك بمعرفة الموزون، أيما هو؟ حديد، أو ذهب، أو شبه، أو رصاص؟ فأراك بعد معرفة الوزن فقيراً إلى معرفة جوهر الموزون، وإلى معرفة قيمته، وسائر صفاته التي يطول عدها، فعلى هذا لم ينفعك الوزن الذي كان عليه اعتمادك وفي تحقيقه كان اجتهادك إلا نفعاً يسيراً من وجه واحد، وبقيت عليك وجوه فأنت كما قال الأول:
حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء
وبعد: فقد ذهب عنك شيء هاهنا: ليس كل ما في الدنيا يوزن، بل فيها ما يوزن، وفيها ما يكال وفيها ما يذرع، وفيها ما يمسح، وفيها ما يحزر، وهذا -وإن كان في الأجسام المرئية- فإنه على ذلك - أيضاً - في المعقولات المقررة. والإحساسات ظلال العقول
стр. 74
تحكيها بالتقريب والتبعيد، مع الشبه المحفوظ، والمماثلة الظاهرة.
ودع هذا: إذا كان المنطق وضعه رجل من يونان على لغة أهلها، واصطلاحهم عليها، وما يتعارفون هبها من رسومها وصفاتها، فمن أين يلزم الترك، والهند، والفرس، والعرب، أن ينظروا فيه، ويتخذوه قاضياً وحكما لهم وعليهم، ما شهد لهم به قبلوه، وما أنكره رفضوه؟ .
قال متى: إنما لزم ذلك، لأن المنطق بحث عن الأغراض المعقولة والمعاني المدركة، وتصفح للخواطر السانحة، والسوانح الهاجسة، والناس في المعقولات سواء، ألا ترى أن أربعة وأربعة ثمانية، سواء عند جميع الأمم، وكذلك ما أشببهه؟
قال أبو سعيد: لو كانت المطلوبات بالفعل، والمذكورات باللفظ ترجع مع شعبها المختلفة، وطرائقها المتباينة إلى هذه المرتبة البينة، في أربعة وأربعة، وأنهما ثمانية، زال الاختلاف، وحصل الاتفاق، ولكن ليس، الأمر هكذا، ولقد موهت بهذا المثال، ولكم عادة بمثل هذا التمويه!
ولكن -مع هذا- أيضاً-: إذا كانت الأغراض المعقولة، والمعاني المدركة، لا يوصل إليها إلا باللغة الجامعة للأسماء، والأفعال، والحروف أفليس قد لزمت الحاجة إلى معرفة اللغة؟ ، قال: نعم.
قال: أخطأت "قل في هذا الموضع: بلي، قال: بلى، أفا أقلدك في مثل هذا.
قال: أنت -إذن- لست تدعونا إلى علم المنطق، إنما تدعو إلى تعلم اللغة اليونانية، وأنت لا تعرف لغة يونان، فكيف صرت تدعونا إلى لغة لا تفي بها؟ ! وقد عفت منذ زمان طويل، وباد أهلها وانقرض القوم الذين كانوا يتفاوضون بها، ويتفاهمون أغراضهم،
стр. 75
بتصاريفها، على أنك تنقل من السريانية، فما تقول في معان متحولة بالنقل من لغة يونان إلى لغة أخرى سريانية، ثم من هذه إلى لغة أخرى غريبة؟ !
قال متى: يونان -وإن بادت مع لغتها- فإن الترجمة حفظت الأغراض، وأدت المعاني، وأخلصت الحقائق.
فقال أبو سعيد: إذا سلمنا لك أن الترجمة صدقت وما كذبت، وقومت وما حرفت، ووزنتا وما جزفت، وأنها ما التاثت، ولا حافت ولا نقصت ولا زادت، ولا قدمت ولا أخرت، ولا أخلت بمعنى الخاص والعام، ولا بأخص الخاص، ولا بأعم العام -وإن كان هذا لا يكون وليس هو في طبائع اللغات، ولا في مقادير المعاني، فكأنك تقول: لا حجة إلا عقول يونان، ولا برهان إلا ما وضعوه، ولا حقيقة إلا ما أبرزوه!
قال متى: لا، ولكنهم من بين الأمم -أصحاب عناية بالحكمة، والبحث عن ظاهر هذا العالم وباطنه، وعن كل ما يتصل به وينفصل عنه وبفضل عنايتهم ظهر ما ظهر، وانتشر ما انتشر، وفشا ما فشا، ونشأ ما نشأ من أنواع العلم، وأصناف الصنائع، ولم نجد هذا لغيرهم.
قال أبو سعيد: أخطأت وتعصبت، وملت مع الهوى، فإن علم العالم مبثوث في العالم بين جميع من في العالم، ولهذا قال القائل:
العلم في العالم مبثوث ... ونحوه العاقل محثوث
وكذلك الصناعات مفضوضة على جميع من على جدد الأرض، ولهذا غلب علم في مكان دون على، وكثرت صناعة في بقعة دون صناعة، وهذا ما صح، والزيادة عليه مشعلة، ومع هذا: فإنما كان يصح قولك، وتسلم
стр. 76
دعواك لو كانت يونان معروفة من بين جميع الأمم بالعصمة الغالبة، والفطنة الظاهرة، والبنية المخالفة، وأنهم لو أرادوا أن يخطئوا لما قدروا ولو قصدوا أن يكذبوا ما استطاعوا، وأن السكينة نزلت عليهم، والحق تكفل بهم، والفضائل لصقت بأصولهم، وفروعهم، والرذائل بعدت من جواهرهم وعروقهم، وهذا جبل ممن يظنه بهم، وعناد ممن يدعيه لهم، بل كانوا كغيرهم من الأمم يصيبون في أشياء، ويخطئون في أشياء، ويعلمون أشياء، ويجهلون أشياء، ويصدقون في أمور، ويكذبون في أمور، ويحسنون في أحوال، ويسيئون في أحوال، وليس واضع المنطق يونان بأسرها إنما هو رجل منهم، وقد أخذ عمن قبله، كما أخذ عنه من بعده، وليس هو حجة على هذا الخلق الكثير، والجم الغفير، وله مخالفون منهم ومن غيرهم، ومع هذا، فالاختلاف في الرأي والنظر والبحث والمسألة والجواب سنخ وطبيعة، فكيف يجوز أن يأتي رجل بشيء يرفع به هذا الخلاف أو يحلحله، أو يؤثر فيه؟ هيهات هذا محال! ، ولقد بقى العالم بعد منطقه على ما كان عليه قبل منطقه، فامسح وجهك بالسلوة عن شيء لا يستطاع، لأنه منعقد بالفطرة والطباع، وأنت لو فرغت بالك، وصرفت عنايتك إلى معرفة هذه اللغة التي تحاورنا بها، وتجاربنا فيها، وتدارس أصحابك بمفهوم أهلها، وتشرح كتب يونان بعادة أصحابها، لعلمت أنك غني عن معاني يونان، كما أنك غني عن لغة يونان.
وها هنا مسألة تقول: إن الناس عقولهم مختلفة، وأنصباؤهم متفاوته قال: نعم، قال: وهذا الاختلاف والتفاوت وبالطبيعة. أو بالاكتساب؟ قال: بالطبيعة، قال: فكيف يجوز أن يكون ها هنا شيء يرتفع به هذا الاختلاف الطبيعي والتفاوت الأصلي؟ !
стр. 77
قال متى: هذا قد مر في جملة كلامك آنفاً، قال أبو سعيد: فهل وصلته بجواب قاطع وبيان ناصع؟ ، ودع هذا، أسألك عن حرف واحد، وهو دائراً في كلام العرب ومعانيه متميزة عند أهل العقل، فاستخرج أنت معانيه من ناحية منطق أرسططا ليس الذي تدل به، وتباهي بتفخيمه، وهو: الواو: ما أحكامه؟ وكيف مواقعه؟ وهل هو على وجه أو وجوه؟ فهمت متى، وقال: هذا نحو، والنحو لم أنظر فيه، لأنه لا حاجة بالمنطقي إليه، وبالنحوي حاجة شديدة إلى المنطق، لأن المنطق يبحث عن المعنى، والنحو يبحث عن اللفظ، فإن مر المنطقي باللفظ فبالعرض وإن عثر النحوي بالمعنى فبالعرض، والمعنى أشرف من اللفظ، واللفظ أوضع من المعنى.
فقال أبو سعيد: أخطأت [لأن النحو والمنطق] واللغة واللفظ، والإفصاح والإعراب، والإبانة، والحديث، والإخبار، والاستخبار والعرض والتمني، والنهي والحض، والدعاء والنداء، والطلب، كلها من واد واحد، بالمشاكلة والمماثلة، ألا ترى أن رجلاً لو قال: (نطق زيد بالحق ولكن ما تكلم بالحق، وتكلم بالفحش، ولكن ما قال الفحش، وأعرب عن نفسه، ولكن ما أفصح وأيان المراد، ولكن ما أوضح، أو فاه بحاجته ولكن ما لفظ، أو أخبر ولكن ما أنبأ لكن في جميع هذا محرفاً، ومناقضاً، وواضعاً للكلام في غير حقه، ومستعملا اللفظ على غير شهادة من عقله وعقل غيره، والنحو منطق، ولكنه مسلوخ من العربية، والمنطق نحو، ولكنه مفهوم باللغة، وإنما الخلاف بين اللفظ والمعنى أن اللفظ طبيعي، والمعنى عقلي ولهذا كان اللفظ باثداً على الزمان لأن الزمان يقفوا أثر الطبيعة بأثر آخر من الطبيعة ولهذا
стр. 78
كان المعنى ثابتاً على الزمان؛ لأن مستملى المعنى عقلي؛ والعقل إلهي؛ ومادة اللفظ طينية، وكل طيتي متهافت. وقد بقيت أنت بلا اسم لصناعتك التي تنتحلها، وآلتك التي تزهى بها، إلا أن تستعير من العربية لها أسماً فتعار، ويسلم لك ذلك بمقدار، وإذا لم يكن لك بد من قليل هذه اللغة من أجل الترجمة، فلابد لك أيضاً من كثيرها من أجل تحقيق الترجمة، واجتلاب الثقة، والتوقى من الخلة اللاحقة.
فقال متى: يكفيني من لغتكم هذه: الاسم، والفعل، والحرف، فإني أتبلغ بهذا القدر إلى أغراض قد هذبتها لي يونان.
قال أبو سعيد: أخطأت، لأنك في هذا الأسم والفعل والحرف فقير إلى رصفها، وبنائها على الترتيب الواقع في غرائز أهلاً، وكذلك أنت محتاج -بعد هذا إلى حركات هذه الأسماء، والأفعال والحروف، فإن الخطأ والتحريف في الحركات، كالخطأ والفساد في المتحركات.
وهذا باب، أنت وأصحابك ورهطك عنه في غفلة، على أن هاهنا سراً ما علق بك ولا أسفر لعقلك، وهو: أن تعلم أن لغة من اللغات لا تطابق لغة أخرى من جميع جهاتها بحدود صفاتها، في أسمائها، وأفعالها، وحروفها، وتأليفها، وتقديمها، وتأخيرها، واستعارتها وتحقيقها، وتشديدها وتخفيفها، وسعتها وضيقها ونظمها ونثرها، وسجعها ووزنها وميلها، وغير ذلك مما يطول ذكره، وما أظن أحداً يدفع هذا الحكم، أو يشك في صوابه، ممن يرجع إلى مسكة من عقل، أو نصيب من إنصاف فمن أين يجب أن تثق بشيء ترجم لك على هذا الوصف؟ ! ، بل أنت إلى تعرف اللغة العربية أحوج منك إلى تعرف المعاني اليونانية، على أن المعاني
стр. 79
لا تكون يونانية، ولا هندية، كما أن اللغات تكون فارسية وعربية، وتركية، ومع هذا: فإنك تزعم أن المعاني حاصلة بالعقل والفحص والفكر، فلم يبق إلا أحكام اللغة، فلم تزري على العربية وأنت تشرح كتب أرسططا ليس بها مع جهلك بحقيقتها؟
وحدثني عن قائل قال لك: حالي -في معرفة الحقائق والتصفح لها، والبحث عنها -حال قوم كانوا قبل وأضع المنطق، أنظر كما نظروا، وأتدبر كما تدبروا، لأن اللغة قد عرفتها بالمنشأ والوراثة، والمعاني نقرت عنها بالنظر والرأي والاعنقاب والاجتهاد، ما تقول له؟
أتقول: إنه لا يصح له هذا الحكم، ولا يستتب هذا الأمر، لأنه لا يعرف هذه الموجودات من الطريق التي عرفتها أنت؟ ، ولعلك تفرح بتقليده لك -وإن كان على باطل- أكثر مما تفرح باستبداده- وإن كان على حق- وهذا هو الجهل المبين، والحكم المشين.
ومع هذا: فحدثني عن الواو ما حكمه؟ فإني أريد أن أبين أن تفخيمك للمنطق لا يغنى عنك شيئاً. وأنت تجهل حرفاً واحداً في اللغة التي تدعو بها إلى حكمة يونان، ومن جهل حرفاً أمكن أن يجهل حروفاً، ومن جهل حروفاً جاز أن يجهل اللغة بكمالها، فإن كان لا يجهلها كلها ولكن يجهل بعضها فلعله يجهل ما يحتاج إليه، ولا ينفعه فيه علم ما لا يحتاج إليه، وهذه رتبة العامة، أو رتبة من هو فوق العامة بقدر يسير. فلم يتأبى على هذا ويتكبر، ويتوهم أنه من الخاصة، وخاصة الخاصة، وأنه يعرف سر الكلام، وغامض الحكمة وخفي القياس، وصحيح البرهان؟ .
وإنما سألتك عن معاني حرف واحد، فكيف لو نثرت عليك الحروف كلها؟ وطالبتك بمعانيها ومواضعها التي لها بالحق، والتي لها بالتجوز؟ .
стр. 80
سمعتكم تقولون: إن "في" لا يعرف النحويون مواقعها، وإنما يقولون: هي "للوعاء"، كما يقولون: "إن الباء للإلصاق" وإن "في" تقال على وجوه: يقال: "الشيء في الإناء" و "الإناء في المكان" و "السائس في السياسة، والسياسة في السائس".
أترى أن هذا التشقيق هو من عقول يونان، ومن ناحية لغتها؟ ولا يجوز أن يعقل هذا يعقول الهند والترك والعرب؟ فهذا جهل من كل من يدعيه، وخطل من القول الذي أفاض فيه! ، النحوي إذا قال "في" الوعاء، فقد أفصح في الجملة عن المعنى الصحيح، وكنى -مع ذلك- عن الوجوه التي تظهر بالتفصيل، ومثل هذا كثير وهو كاف في موضع التكنية.
فقال ابن الفرات: أيها الشيخ الموفق، أجبه بالبيان عن مواقع "الواو" حتى تكون أشد في إفحامه، وحقق عند الجماعة ما هو عاجز عنه، ومع هذا فهو مشنع به.
فقال أبو سعيد: الواو وجوه ومواقع: منها معنى العطف في قولك: "أكرمت زيداً وعمراً".
ومنها: القسم في قولك: "والله لقد كان كذا وكذا" ومنها: الاستئناف، في قولك: خرجت وزيد قائم"، لأن الكلام بعده ابتداء وخبر، ومنها: معنى رب التي هي للتقليل، نحو قولهم: "وقائم الأعماق خاوي المخترق" ومنها: أن تكون أصلية في الاسم، كقولك: واصل وافد، وفي الفعل كذلك، كقولك: وجل يوجل، ومنها: أن تكون مقحمة، نحو قول الله ؛ "فلما أسلما وتله الجبين وناديناه" أي: ناديناه، ومثله قول الشاعر:
стр. 81
فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى
المعنى: انتحى بنا، ومنها: معنى الحال في قوله : ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً﴾ [المائدة: ١١٠] أي يكلم الناس في حال كهولته، ومنها: أن تكون بمعنى حرف الجر، كقولك: استوى الماء والخشبة، أي: مع الخشبة.
فقال ابن الفرات لمتى: يا أبا بشر، أكان هذا في منطقك؟
ثم قال أبو سعيد: دع هذا، هاهنا مسألة علاقتها بالمعنى العقلي أكثر من علاقتها بالشكل اللفظي، ما تقول في قول القائل: "زيد أفضل الأخوة"؟ قال صحيح، قال: فما تقول إن قال: زيد أفضل إخوته"؟ قال: صحيح، قال: فما الفرق بينهما مع الصحة؟ فبلح، وجنح، وغص بريقه.
فقال أبو سعيد: أفتيت على غير بصيرة، ولا استبانة: المسألة الأولى جوابك عنها صحيح - وإن كنت غافلاً عن وجه صحتها، والمسألة الثانية جوابك عنها غير صحيح - وإن كنت - أيضاً - ذاهلاً عن وجه بطلانها.
فقال متى: بين لي ما هذا النهجين؟
قال أبو سعيد: إذا حضرت الحلقة استفدت، ليس هذا مكان التدريس، هو مجلس إزالة التلبيس، مع من عادته التمويه والتشبيه، والجماعة تعلم أنك أخطأت، فلم تدعى أن النحوي إنما ينظر في اللفظ دون المعنى، والمنطقي ينظر في المعنى لا في اللفظ؟ هذا كان يصح لو أن المنطقي كان يسكت ويحيل فكره في المعاني، ويرتب ما يريد بالوهم السائح والخاطر العارض والحدس الطارئ، فأما وهو يربغ أو يبرر ما صح له بالاعتبار
стр. 82
والتصفح إلى المتعلم والمناظر، فلا بد له من اللفظ الذي يشتمل على مراده ويكون طباقاً لغرضه، وموافقاً لقصده.
قال ابن الفرات لأبي سعيد: تمم لنا كلامك في شرح المسألة حتى تكون الفائدة ظاهرة لأهل المجلس، والتبكيت عاملاً في نفس أبي بشر.
فقال: ما أكره من إيضاح الجواب عن هذه المسألة إلا ملل الوزير، فإن الكلام إذا طال مل.
فقال ابن الفرات: ما رغبت في كلامك وبيني وبين الملل علاقة، فأما الجماعة فحرصها على ذلك ظاهر.
قال أبو سعيد: إذا قلت "زيد أفضل إخوته" لم يجز، وإذا قلت: "زيد أفضل الإخوة" جاز، والفصل بينهما: أن إخوة زيدهم غير زيد. وزيد خارج عن جملتهم، والدليل على ذلك: أنه لو سأل سائل فقال: "من إخوة زيد؟ " لم يجز أن تقول، زيد وعمرو وبكر وخالد. وإنما تقول: بكر وعمر وخالد، ولا يدخل زيد في جملتهم، فإذا كان زيد خارجاً عن إخوته صار غيرهم فلم يجز أن نقول: أفضل إخوته، كما لم يجز أن تقول: "إن حمارك أفره البغال"، لأن الحمير غير البغال، كما أن زيداً غير إخوته، فإذا قلت: "زيد خير الإخوة" جاز. لأنه أحد الإخوة، والاسم يقع عليه وعلى غيره، فهو بعض الإخوة، ألا ترى أنه لو قيل: من الإخوة؟ عددته فيهم، فقلت: "زيد وعمرو وبكر وخالد" فيكون بمنزلة قولك: حمارك أفره الحمير، لأنه داخل تحت الاسم الواقع على الحمير، فلما كان على ما وصفنا، جاز أن يضاف إلى واحد منكور يدل الجنس، فتقول: "زيد أفضل رجل" و"حمارك أفره حمار"، فيدل (رجل) على الجنس كما دل الرجال، وكما في "عشرين درهماً، ومائة درهم"،
стр. 83
فقال ابن الفرات وما بعد هذا البيان مزيد، ولقد جل علم النحو عندي، بهذا الاعتبار، وهذا الأسفار.
فقال أبو سعيد: معاني النحو منقسمة بين حركات اللفظ وسكناته، وبين وضع الحروف في مواضعها المقتضية لها، وبين تأليف الكلام بالتقديم والتأخير، ونوخي الصواب في ذلك، وتجنب الخطأ من ذلك.
وإن ذاع شيء عن هذا النعت، فإنه لا يخلو أن يكون سائغاً بالاستعمال النادر، والتأويل البعيد، أو مردوداً، لخروجه عن عادة القوم الجارية على فطرتهم.
فأما ما يتعلق باختلاف لغات القبائل، فذلك شيء مسلم لهم، ومأخوذ عنهم.
وكل ذلك محصور بالتتبع والرواية والسماع والقياس المطرد على الأصل المعروف من غير تحريف.
وإنما دخل العجب على المنطقين، لظنهم أن المعاني لا تعرف ولا تستوضح إلا بطريقتهم ونظرهم وتكلفهم، فترجموا لغة هم فيها ضعفاء ناقصون، وجعلوا تلك الترجمة صناعة، وادعوا على النحويين أنهم مع اللفظ، لا مع المعنى.
ثم أقبل أبو سعيد على متى فقال: أما تعرف يا أبا بشر أن الكلام اسم واقع على أشياء قد ائتلفت بمراتب؟ وتقول بالمثل: هذا ثوب، والثوب اسم يقع على أشياء بها صار ثوباً، لأنه نسج بعد أن غزل، فسداته لا تكفي دون لحمته، ولحمته لا تكفي دون سداته، ثم تأليفه كنسجه، وبلاغته كقصارته، ورقة سلكه كرقة لفظه وغلظ غزله،
стр. 84
ككثافة حروفه، ومجموع هذا كله ثوب، ولكن بعد تقدمه كل ما يحتاج إليه فيه.
قال ابن الفرات: سله يا أبا سعيد عن مسألة أخرى، فإن هذا كلما توالى عليه بان انقطاعه، وانخفض ارتفاعه في المنطق الذي ينصره والحق الذي لا يبصره.
قال أبو سعيد: ما تقول في رجل يقول: (لهذا على درهم غير قيراط) ولهذا الآخر على درهم غير قيراط) قال: ما لي علم بهذا النمط، قال: لست نازعاً عنك حتى يصح عند الحاضرين أنك صاحب مخرقة وزرق، هاهنا ما هو أخف من هذا.
قال رجل لصاحبه: (بكم الثوبان المصبوغان)؟ وقال آخر: (بكم ثوبان مصبوغان؟ وقال آخر: (بكم ثوبان مصبوغين؟ ) بين هذه المعاني التي تضمنها لفظ لفظ.
قال متى: لو نثرت أنا - أيضاً - عليك من مسائل المنطق أشياء لكان حالك كحالي.
قال أبو سعيد: أخطأت، لأنك إذا سألتني عن شيء أنظر فيه، فإن كان له علاقة بالمعنى، وصح لفظه على العادة الجارية أجبت، ثم لا أبالي أن يكون موافقاً أو مخالفاً، وإن كان غير متعلق بالمعنى رددته عليك، وإن كان متصلاً باللفظ ولكن على وضع لكم في الفساد على ما حشوتم به كتبكم رددته أيضاً، لأنه لا سبيل إلى إحداث لغة في لغة مقررة بين أهلها.
ما وجدنا لكم إلا ما استعرتم من لغة العرب كالسبب، والآلة، والسلب والإيجاب، والموضوع والمحمول، والكون والفساد، والمهمل والمحصور، وأمثلة لا تنفع ولا تجدي، وهي إلى العي أقرب، وفي الفهاهة أذهب.
стр. 85
ثم أنتم هؤلاء في منطقكم على نقص ظاهر، لأنك لا تفون بالكتب، ولا هي مشروحة، فتدعون الشعر، ولا تعرفونه، وتذكر الخطابة وأنتم عنها في منقطع الثراب، وقد سمعت قائلكم يقول: الحاجة ماسة إلى (كتاب البرهان)، فإن كان كما قال، فلم قطع الزمان بما قبله من الكتب؟ وإن كانت الحاجة قد مست إلى ما قبل البرهان، فهي - أيضاً - ماسة إلى ما بعد البرهان، وإلا فلم صنف ما لا يحتاج إليه ويستغنى عنه؟ ، هذا كله تخليط، وزرق، وتهويل ورعد وبرق.
وإنما بودكم أن تشغلوا جاهلاً، وتستذلوا عزيزاً: وغايتكم أن تهولوا بالجنس والنوع، والخاصة، والفصل، والعرض، والشخص، وتقولوا: الهلية، الأينية، والماهية والكيفية، والكمية والذاتية، والعرضية والجوهرية والهيولية والصورية والأيسية والليسية والنفسية! ثم تتطاولون فتقولون: "جئنا بالسحر" في قولنا: "لا" في شيء من "ب" و"ج" في بعض "ب" ف "لا" في بعض "ج" و"لا" في كل "ب" و"ج" في كل "ب" فإذن "لا" في كل "ج" هذا بطريق الخلف وهذا بطريق الاختصاص.
وهذه كلها خرافات وترهات، ومغالق وشبكات!
ومن جاد عقله، وحسن تمييزه، ولطف نظره، وثقب رأيه، وأنارت نفسه استغنى عن هذا كله - بعون الله وفضله - وجودة العقل، وحسن التمييز، ولطف النظر، وثقوب الرأي، وإنارة النفس من منائح الله الهنية، ومواهبه السنية يختص بها من يشاء من عباده، وما أعرف لاستطالتكم بالمنطق وجهاً، وهذا الناشئ أبو العباس قد نقض عليكم وتتبع طريقتكم، وبين خطأكم، وأبرز ضعفكم، ولم تقدروا إلى اليوم أن تردوا عليه كلمة واحدة مما قال وما زدتم على قولكم: لم يعرف غرضنا، ولا وقف على مرادنا، وإنما تكلم على وهم، وهذا منكم تحاجز، ونكول ورضى
стр. 86
بالعجز وكاول، وكل ما ذكرتم في الموجودات فعليكم فيه اعتراض، هذا قولكم في (يفعل وينفعل) لم يستوضحوا فيها مراتبهما ومواقعهما، ولم تقفوا على مقاسمهما، لأنكم قنعتم بوقوع الفعل من (يفعل) وقبول الفعل من (ينفعل) ومن وراء ذلك غايات خفيت عليكم، ومعارف ذهبت عنكم، وهذا حالكم في الإضافة.
فأما البدل ووجوهه، والمعرفة وأقسامها، والفكرة ومراتبها، وغير ذلك مما يطول ذكره، فليس لكم فيه مقال ولا مجال.
وأنت إذا قلت لإنسان: (كن منطقياً) فإنما تريد: كن عقلياً أو عاقلاً أو أعقل ما تقول، لأن أصحابك يزعمون أن المنطق هو العقل، وهذا قول مدخول، لأن النطق على وجوه. أنتم عنها في سهو.
وإذا قال لك آخر: "كن نحوياً لغوياً فصيحاً" فإنما يريد: أفهم عن نفسك ما تقول، ثم رم أن يفهم عنك غيرك.
وقدر اللفظ على المعنى فلا يفضل عنه، وقدر المعنى على اللفظ فلا ينقص منه، هذا: إذا كنت في تحقيق شيء على ما هو به، فأما إذا حاولت فرش المعنى وبسط المراد، فأجل اللفظ بالروادف الموضحة، والأشباه المقربة، والاستعارات الممتعة، وبين المعاني بالبلاغة، أعني: لوح منها لشيء حتى لا تصاب إلا بالبحث عنها والشوق إليها، لأن المطلوب إذا ظفر به على هذا الوجه ، وكرم وعلا، واشرح منها شيئاً حتى لا يمكن أن يمترى فيه، أو يتعب في فهمه، أو يعرج عنه لاغتماضه، فهذا المذهب يكون جامعاً (لحقائق الأشباه، ولأشباه الحقائق) وهذا باب إن استقصيته خرج عن نمط ما نحن عليه في هذا المجلس، على أني لا أدري، أيؤثر فيك ما أقول أولاً؟
стр. 87
ثم قال: حدثنا، هل فصلتم قط بالمنطق بين مختلفين؟ أو رفعتم الخلاف بين اثنين؟ ، أتراك بقوة المنطق وبرهانه اعتقدت أن الله ثالث ثلاثة؟ ! وأن الواحد أكثر من واحد، وأن الذي هو أكثر من واحد هو واحد؟ ! وأن الشرع ما تذهب إليه والحق ما تقوله؟ هيهات! هاهنا أمور ترتفع عن دعوى أصحابك وهذيانهم، وتدق عن عقولهم وأذهانهم.
ودع هذا: هاهنا مسألة قد أوقعت خلافاً، فارفع ذلك الخلاف بمنطقك: قال قائل: (لفلان من الحائط إلى الحائط) ما الحكم فيه؟ وما قدر المشهود به لفلان؟ فقد قال ناس: له الحائطان معاً، وما بينهما، وقال آخرون له النصف من كل منهما وقال آخرون: له أحدهما، هات الآن آيتك الباهرة، ومعجزتك القاهرة، وأني لك بهما، وهذا قد بان بغير نظرك ونظر أصحابك؟ !
ودع هذا أيضاً: قال قائل: (من الكلام ما هو مستقيم حسن، ومنه ما هو مستقيم محال، ومنه ما هو مستقيم قبيح، ومنه ما هو محال كذب، ومنه ما هو خطأ) فسره هذه الجملة، واعترض عليه عالم آخر، فاحكم أنت بين هذا القائل والمعترض وأرنا قوة صناعتك التي تميز بها بين الخطأ والصواب، وبين الحق والباطل، فإن قلت: كيف أحكم بين اثنين أحدهما قد سمعت مقالته، والآخر لم أحصل اعتراضه؟ قبل لك: استخرج بنظرك الاعتراض إن كان ما قاله محتملاً له، ثم أوضح الحق منهما، لأن الأصل مسموع لك، حاصل عندك، وما يصح به أو يرد عليه يجب أن يظهر منك، فلا تتعاسر علينا، فإن هذا لا يخفى على أحد من الجماعة.
فقد بان الآن أن مركب اللفظ لا يحوز مبسوط العقل، والمعاني معقولة، ولها اتصال شديد وبساطة تامة، وليس في قوة اللفظ من أي
стр. 88
لغة كان أن يملك ذلك المبسوط ويحيط به، وينصب عليه سوراً، ولا يدع شيئاً من داخله أن يخرج ولا شيئاً من خارجه أن يدخل، خوفاً من الاختلاط الجالب للفساد، أعني أن ذلك يخلط الحق بالباطل، ويشبه الباطل بالحق. وهذا الذي وقع الصحيح منه في الأول قبل وضع المنطق، وقد عاد ذلك الصحيح في الثاني بعد المنطق.
وأنت لو عرفت تصرف العلماء والفقهاء في مسائلهم، ووقفت على غورهم في نظرهم وغوصهم في استنباطهم، وحسن تأويلهم لما يرد عليهم، وسعة تشقيقهم للوجوه المحتملة، والكنايات المفيدة، والجهات القريبة والبعيدة لحقرت نفسك، وازدريت أصحابك ولكان ما ذهبوا إليه، وتابعوا عليه أقل في عينك من السها عند القمر، ومن الحصا عند الجبل.
أليس الكندي - وهو علم في أصحابك - يقول - في جواب مسألة:
(هذا من باب عد) فعد الوجوه بحسب الاستطاعة على طريق الإمكان من ناحية الوهم بلا ترتيب، حتى وضعوا له مسائل من هذا الشكل وغالطوه بها وأروه أنها من الفلسفة الداخلة، فذهب عليه ذلك الوضع فاعتقد فيه أنه صحيح وهو مريض العقل، فاسد المزاج، حائل الغريزة، مشوش اللب!
قالوا له: أخبرنا عن اصطكاك الأجرام، وتضاغط الأركان، هل يدخل في باب وجوب الإمكان؟ أو يخرج من باب الفقدان إلى ما يخفى عن الأذهان؟
وقالوا له أيضاً: ما نسبة الحركات الطبيعية إلى الصور الهيولانية؟ وهل هي ملابسة للكيان في حدود النظر والبيان أو مزايلة له مزايلة على غاية الأحكام؟
وقالوا له: ما تأثير فقدان الوجدان في عدم الإمكان عند امتناع
стр. 89
الواجب من وجوبه في ظاهر ما لا وجوب له لاستحالته في إمكان أصله؟ وعلى هذا فقد حفظ جوابه عن جميع هذا على غاية الركاكة والضعف والفساد والفسالة والسخف ولولا التوقي من التطويل لسردت ذلك كله، ولقد مر بي في خطه: التفاوت في تلاشي الأشياء غير محاط به لأنه يلاقي الاختلاف في الأصول والاتفاق في الفروع، وكل ما يكون على هذا النهج فالنكرة تزاحم عليه المعرفة، والمعرفة تناقض النكرة.
على أن النكرة والمعرفة من باب الألبسة العارية من ملابس الأسر أو الإلهية، لا من باب الإلهية العارضة في أحوال البشرية.
ولقد حدثنا أصحابنا الصائبون عنه بما يضحك الثكلى، ويشمت العدو ويغص الصديق وما ورث هذا كله إلا من بركات يونان وفوائد الفلسفة والمنطق، ونسأل الله عصمة وتوفيقاً تهتدي بهما إلى القول الراجح إلى التحصيل، والفعل الجاري على التعديل، إنه سميع مجيب.
стр. 90
٤ - الأفكار التي تضمنتها المناظرة
تقوم المناظرة على دعوى من أبي بشر متى بن يونس وأنصاره من المناطقة الذين اطلعوا على الثقافة اليونانية، والمنطق اليوناني - بعد ترجمة كتابي الشعر والخطابة لأرسطو، وعدد من كتب المنطق اليوناني.
وهذه الدعوة تقوم على ما يأتي:
١ - أن المنطق كاف للإنسان، في معرفة الحق من الباطل، والصدق من الكذب، والشك من اليقين، فلا حاجة له إلى تعلم علم النحو بمسائله، وفروعه، وعويص قضاياه، ويكفي المنطقي من علم النحو: معرفة الاسم والفعل، والحرف.
٢ - أن المنطقي ليس في حاجة إلى علم النحو بينما النحوي في حاجة ماسة إلى المنطق.
٣ - أن المنطقي يبحث في المعنى، والنحوي يبحث في اللفظ، فالمناطقة مع المعاني، والنحويون مع الألفاظ، والمعنى أشرف من اللفظ
ويقوم رد أبي سعيد السيرفي على ما يلي:
١ - أن صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالنظم المألوف والإعراب المعروف، لأنه لا يعرف بميزان المنطق بل بمعيار النظم والإعراب، لأن الإعراب هو مفتاح مغاليق الكلام، فتعرف به حقائق المعاني، ومعادنها، وجواهرها. لأن الأمر ليس مقصوراً على الوزن الظاهري في الأجسام المرئية، لأنه يكون - أيضاً - في المعقولات الخفية، إذ الإحساسات ظلال العقول، تحكيها بالتقريب والتبعيد مع الشبه المحفوظ، والمماتلة الظاهرة.
стр. 91
٢ - وإذا كان المنطق يبحث عن الأغراض المعقولة، والمعاني المدركة، فإنها لا يوصل إليها إلا باللغة الجامعة للأسماء، والأفعال، والحروف، فلا بد من معرفة اللغة، فأنت لو فرغت بالك، وصرفت عنايتك إلى معرفة هذه اللغة التي تجاورنا بها، وتجارينا فيها، وتدارس أصحابك بمفهوم أهلها، وتشرح كتب يونان بعامة أصحابها، لعلمت أنك غني عن معاني يونان، كما أنك غني عن لغة يونان.
٣ - إذا كنت محتاجاً، إلى قليل هذه اللغة من أجل الترجمة، فلا بد لك - أيضاً - من كثيرها. لتحقيق الترجمة والوثوق منها، والوقاية من الخلل الذي يمكن أن يلحق بها.
٤ - وإذا كنت محتاجاً من اللغة العربية إلى الاسم والفعل والحرف فأنت محتاج إلى رصفها، وبنائها على الترتيب الواقع في غرائز أهلها، وأنت محتاج - بعد هذا - إلى حركات هذه الأسماء، والأفعال، والحروف، لأن الخطأ في الحركات، كالخطأ في المتحركات، كما أنك محتاج إلى معرفة مواقع الحروف حقيقية كانت أو مجازية.
٥ - معرفة المعاني ليست قاصرة على علم المنطق، بل أنها - أيضاً تعرف بعلم النحو، و (معاني النحو) منقسمة بين حركات اللفظ وسكناته، وبين وضع الحروف في مواضعها المقتضية لها، وبين الكلام بالتقديم والتأخير، وتوخي الصواب في ذلك، وتجنب الخطأ من ذلك، وهذه المعاني تعرف من خلال معرفة النظم، وإنما دخل العجب على المنطقيين، لظنهم أن المعاني لا تعرف إلا بطريقتهم، فترجموا لغة هم فيها ضعفاء "وجعلوا تلك الترجمة صناعة وادعوا على النحويين أنهم مع اللفظ لا مع المعنى.
٦ - فنظم الكلام اسم واقع على أشياء قد ائتلفت بمراتب، وهو
стр. 92
كنسج الثوب. إذ تقول: هذا ثوب والثوب اسم واقع على أشياء. بها صار ثوباً. لأنه نسج بعد أن غزل، وسداته لا تكفي دون لحمته، ولحمته لا تكفي دون سداته. ثم تأليفه كنسجه. وبلاغته كقصارته، ورقة سلكه كرقة لفظه، وغلظ غزله ككثافة حروفه، ومجموع هذا كله: ثوب، ولكن بعد تقدمه كل ما يحتاج إليه فيه.
٧ - أنتم في منطقكم على نقص ظاهر، لأنكم لا تحيطون بما في الكتب، فتدعون "الشعر"، ولا تعرفونه وتذكرون "الخطابة" ولا تعرفون منها شيئاً، ثم تتطلعون إلى معرفة كتاب (البرهان) في المنطق لأرسطو؛ مع أنه لا حاجة تدعو إليه، لأنه يمكن الاستغناء عنه، ولكنكم تريدون بذلك شغل جاهل؛ واستذلال عزيز، والتهويل بمصطلحات المنطق مع أن من جاء عقله، وحسن تمييزه، ولطف نظرة "وثقب رأيه. وأتارت نفسه استغنى عن هذا كله بعون الله وفضله.
فهذا الناشئ أبو العباس قد نقض عليكم، وتتبع طريقتكم، وبين خطأكم، وأبرز ضعفكم، ولم تقدروا، إلى اليوم أن تردوا عليه كلمة واحدة مما قال.
٨ - أنت إذا قلت لإنسان: (كن منطقياً) فإنما تريد منه: كن عقلياً أو عاقلاً، أو أعقل ما تقول، لأنكم تزعمون أن المنطق هو العقل، وهذا خطأ لأن النطق على وجوه أنتم عنها ساهون، فإذا قال لك آخر: (كن نحوياً، لغوياً، فصيحاً) فإنما يقصد: أفهم عن نفسك ما تقول، ثم حاول أن يفهم عنك غيرك.
فإذا أردت الإخبار عن حقائق الأشياء، فقدر اللفظ على المعنى، فلا يزيد عليه، وقدر المعنى على اللفظ، فلا ينقص عنه.
وإذا أردت أشباه الحقائق والاتساع بالمعنى: فأجل اللفظ بالروادف
стр. 93
الموضحة، والأشباه المقربة، والاستعارات الممتعة؛ وبين المعاني بالبلاغة وتتلخص هذه النظرية في عبارة قصيرة في البيان هي: (حقائق الأشباه، وأشباه الحقائق)، وهذا باب إن استقصيته خرج بنا عن نمط ما نحن عليه في هذا المجلس.
٩ - هل فصلتم - قط - بالمنطق بين مختلفين؟ أو رفعتم الخلاف بين اثنين؟ وهل بقوة المنطق وبرهانه اعتقدت أن الله ثالث ثلاثة؟ ! وأن الواحد أكثر من واحد؟ ! وأن الذي أكثر من واحد هو واحد؟ ! وأن الشرع هو ما تذهب إليه؟ والحق ما تقوله؟ هيهات!
١٠ - إنك لو عرفت تصرف العلماء والفقهاء - في مسائلهم - ووقفت على غورهم في نظرهم وغوصهم في استنباطهم، وحسن تأويلهم لما يرد عليهم، وسعة تشقيقهم للوجوه المحتملة، والكنايات المفيدة، والجهات القريبة والبعيدة، لحقرت نفسك، وازدريت أصحابك.
فالكندي - وهو علم في أصحابك - قد وضعوا له مسائل غالطوه بها، وأروه أنها من باب الفلسفة الداخلة، فذهب عليه ذلك الوضع، فاعتقد أنه صحيح، وهو مريض العقل، فاسد المزاج، حائل الغريزة، مشوش اللب!
على أننا - إذا ما تتبعنا الأفكار التي قامت عليها "المناظرة" والأفكار التي قام عليها "الدلائل" لوجدنا أفكار الدلائل قد رتبت على حسب ترتيب أفكار المناظرة، على النحو التالي:
стр. 94
١ - كان أبو سعيد يرد على المناطقة الذين ادعوا على النحويين أنهم مع اللفظ، لا مع المعنى، وأن علم النحو لا جدوى منه. ... ١ - وبدأ عبد القاهر - في الدلائل - بالرد على من زهد في علم النحو من المعتزلة الذين حاولوا تفسير القرآن وتأويله. مع ادعائهم أن المزية في الفصاحة ترجع إلى اللفظ لا إلى المعنى.
٢ - صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالإعراب، فهو كالمعيار.
٢ - صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالنظم المألوف والإعراب المعروف، فهو كالميزان. ... ٣ - المدخل إلى الدلائل هو أن الكلام ينقسم إلى: اسم، فعل، وحرف.
٣ - المناطقة محتاجون إلى اللغة المكونة من الاسم والفعل والحرف. ... ٤ - عملية النظم تتم بانتقاء الألفاظ ثم ترتيبها في النطق على حسب ترتيبها في النفس.
٤ - احتياجهم إلى رصفها وبنائها على الترتيب الواقع في غرائز أبنائها. ... ٥ - النظم هو توخي معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يساق لها الكلام.
٥ - إنما دخل العجب على المنطقيين لظنهم أن المعاني لا تعرف إلا عن طريق المنطق مع أن معاني النحو منقسمة بين حركات اللفظ وسكناته، وبين وضع الحروف في مواضعها المقتضية لها وبين تأليف الكلام بالتقديم والتأخير وتوخي الصواب في ذلك وتجنب الخطأ من ذلك. ... ٦ - تشبيه النظم بالنسج، ... ٦ - معاني النحو كالأصباغ
(٧ - دلائل الإعجاز)
стр. 95
ففيه تخير وإعمال فكر، إذ الكلام كالثوب، والنظم كالنسج، والمعاني كالسدى، والألفاظ كاللحمة ورقة اللفظ كرقة سلكة وغلظه ككثافة غزله، وبلاغته كقصارته. ... التي تعمل منها الصور والنقوش في الثوب بالتخير والتدبر فيها وفي مواقعها ومقاريرها، وكيفية مزجه لها.
٧ - نظرية البيان هي حقائق الأشباه، وأشباه الحقائق). ... ٨ - قال أبو سعيد لمتى بن يونس: (أترك بقوة المنطق وبرهانه اعتقدت أن الله ثالث ثلاثة؟ ! ). ... ٧ - نظرية البيان هي (المعنى ومعنى المعنى).
٨ - قد تزل قدم المفسر - إذا لم يكن على دراية بعلم النحو - لأن من الآيات ما يحتمل أكثر من تأويل كما في قوله تعالى ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾ [النساء: ١٧١].
وبقية "دلائل لإعجاز" تطبيق لنظرية النظم، وتأكيد على صحتها، بالأدلة تلو الأخرى.
стр. 96
القسم الثاني: الأسس التي قامت عليها "الدلائل "
١ - الطائفة التي زهدت في علم النحو.
٢ - صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالنظم.
٣ - "المدخل" إلى "دلائل الإعجاز".
٤ - خطوات عملية النظم ....
٥ - تشبيه النظم بالنسج ...
стр. 97
١ - الطائفة التي زهدت في "علم النحو "
في القرن الرابع الهجري - وهو القرن الذي عاش فيه أبو سعيد السيرافي - كان المنطق اليوناني قد ترجم إلى اللغة العربية، على يد حنين ابن إسحق، والكندي المتفلسف، ومتى بن يونس المنطقي، كما ترجم كتابا: "الشعر"، و"الخطابة" لأرسطو، فتعلقت طائفة من المثقفين العرب بمنطق اليونان، وأعجبت به، وحاولت تطبيق كل من النقد العربي والبلاغة العربية على قواعد المنطق اليوناني، وأصول البلاغة اليونانية، وتمثل ذلك في كتابي: "نقد الشعر" لقدامة بن جعفر، المتوفي سنة ٣٣٧ هـ و"البرهان في وجوه البيان" لأبي الحسين إسحاق بن إبراهيم بن سليمان ابن وهب، الذي كان معاصراً لقدامة، بل إن تلك الطائفة قد حاولت - أيضاً - تطبيق المنطق اليوناني على الشعر العربي مما جعل البحتري يشكو منهم قائلاً:
كلفتمونا حدود منطقكم ... والشعر يغني عن صدقه كذبه
ولم يكن ذو القروح يلهج ... بالمنطق، ما نوعه وما سببه
والشعر لمح، تكفي إشارته ... وليس بالهذر طولت خطبه
يقول عبد القاهر - في التعليق على البيت الأول -: أراد كلفتمونا أن نجري مقاييس الشعر على حدود المنطق ونأخذ نفوسنا فيه بالقول المحقق، حتى لا ندعي إلا ما يقوم عليه من العقل برهان يقطع به (١) ... ".
ويبدو أن هذه الطائفة كانت تزهد الناس في النحو، وقواعده، ومسائله، وخلافاته، بل وحاولت أن تزهدهم - أيضاً - في الشعر،
стр. 98
زاعمة أن معرفة الصدق من الكذب، والحق من الباطل، والشك من اليقين والصدق من الكذب، إنما تكون بالمنطق، وأما النحو فهو إنما يبحث في اللفظ، لا في المعنى وأنه يكفي القليل منه، ولهذا شبهوه بالملح، فقالوا: النحو في الكلام، كالملح في الطعام، ويكفي منه معرفة الاسم، والفعل، والحرف، وتصحيح الكلام من الخطأ اللغوي، ومعرفة المرفوع منه والمنصوب، والمجرور، وهكذا، دون الدخول في متاهات النحويين وخلافاتهم، مما دعا الوزير ابن الفرات أن يعقد مناظرة بين متى بن يونس القنائي المنطقي، وبين أبي سعيد السيرافي النحوي في المفاضلة بين النحو والمنطق.
وقد قال متى بن يونس لأبي سعيد السيرافي:
(النحو لم أنظر فيه، لأنه لا حاجة بالمنطقي إليه، وبالنحوي حاجة شديدة إلى المنطق، لأن المنطق ببحث عن المعنى، والنحو يبحث عن اللفظ، فإن مر المنطقي باللفظ فبالعرض، وإن عثر النحوي بالمعنى فبالعرض، والمعنى أشرف من اللفظ، واللفظ أوضع من المعنى).
ولعل السر في أن المنطقبين كانوا يعتقدون أن النحويين مع اللفظ لا مع المعنى هو: أن اليونانيين كانوا يطلقون على المشتغلين بعلم الألفاظ نحويين؛ ففي لسان العرب في مادة (نحا): قال الأزهري:
"ثبت عن أهل يونان - فيما يذكر المترجمون العارفون بلسانهم ولغتهم - أنهم يسمون علم الألفاظ والعناية بالبحث عنه: نحواً، ويقولون: كان فلان من النحويين، فصار ذلك اعتقاداً لهم متعارفاً بينهم وقالوا: إن النحويين مع اللفظ، لا مع المعنى.
ولهذا ندب عبد القاهر نفسه لإتمام رسالة أبي سعيد السيرافي، للرد على تلك الطائفة في مستهل كتابه "دلائل الإعجاز" وحمل على من ألف منهم
стр. 99
في علم البيان، ولم يعرف ما يشتمل عليه (البيان) من خواص، ودقائق، ولطائف - وهو يقصد أبا الحسين إسحاق بن إبراهيم بن سليمان بن وهب، صاحب كتاب "البرهان" في وجوه البيان - وإن لم يصرح باسمه - وكتابه هذا هو الذي قال عنه الدكتور طه حسين: إنه محاولة من الفكر اليوناني أن يشرع للأدب العربي، ومحاولته هذه المرة توصف - في وقت واحد - بأنها جريئة جداً، واسعة النطاق جداً، مبتكرة جداً" (١).
والكتاب لا يعد بالمعنى الحقيقي كتاباً في البلاغة، لأنه لم يتعمق في دراسة البلاغة، أو البيان، لأنه يذكر أن وجوه البيان أربعة هي بيان الأشياء بذواتها - وإن لم تبن بلغاتها، والبيان الذي يحصل في القلب عند إعمال الفكر واللب، والبيان باللسان، والبيان بالكتاب، وفي البيان بالعبارة - وهو البيان باللسان - يقول: إن اللغة التي نزل بها القرآن، وجاء بها عن رسول الله ﷺ البيان - وجوه، وأقسام، ومعان، وأحكام: منها ما هو عام للسان العرب وغيرهم، ومنها ما هو خاص لهم دون غيرهم، ويجمع ذلك في الأصل - الخبر، والطلب، ويذكر من الطلب، الاستفهام والنداء، والدعاء، والتمني، ثم يأخذ في شرح كل منها شرحاً منطقياً، إلى أن يقول: ولم نستقصها لئلا يطول الكتاب بها، وهي في كتب المنطقيين مشروحة، فمن أراد علمها، فليطلبها هناك إن شاء" (٢).
ثم يذكر أن العرب لهم استعمالات أخرى من الاشتقاق، والتشبيب، واللحن، والرمز، والوحي، والاستعارة والأمثال، واللغز، والحذف والصرف، والمبالغة، والقطع والعطف، والتقديم والتأخير، والاختراع، ويقول: "ونحن نذكرها بوجيز القول ليعرفها الناظر في هذا الكتاب".
стр. 100
ولهذا يقول عنه عبد القاهر - وإن لم يصرح باسم الكتاب ولا باسم صاحبه - "إلا أنك لن ترى على ذلك نوعاً من العلم قد لقى من الضيم ما لقبه (علم البيان) ومنى من الحيف بما منى به، ودخل على الناس من الغلط في معناه ما دخل عليهم فيه، فقد سبقت إلى نفوسهم اعتقادات فاسدة، وظنون ردية، وركبهم فيه جهل عظيم، وخطأ فاحش: ترى كثيراً منهم لا يرى له معنى أكثر مما يرى للإشارة بالرأس، والعين، وما تجده للخط والعقد، يقول: إنما هو خبر، واستخبار، وأمر ونهي، ولكل من ذلك لفظ قد وضع له، وجعل دليلاً عليه، فكل من عرف أوضاع لغة من اللغات عربية كانت أو فارسية، وعرف المغزى من كل لفظه، ثم ساعده اللسان على النطق بها وعلى تأدية أجراسها وحروفها، فهو بين في تلك اللغة كامل الأداء، وهو لا يدري أن للنظم دقائق وأسراراً، طريق العلم بها الروية والفكر، ولطائف مستقاها العقل، وأنها السبب في أن عرضت المزية في الكلام، ووجب أن يفضل بعضه بعضاً. ولما لم تعرف تلك الطائفة هذه الدقائق والنواحي واللطائف، لم تحاول معرفتها، وساء اعتقادها في الشعر، مع أنه معدنها، وعليه المعول فيها، وفي علم النحو الذي هو كالناسب لها الذي يرجعها إلى أصولها، ويبين فاضلها من مفضولها "فجعلت تظهر الزهد في كل واحد من النوعين، وتطرح كلا من الصنفين وترى التشاغل عنهما أولى من الاشتغال بهما، والإعراض عن تدبرهما أصوب من الإقبال على تعلمهما.
أما الشعر: فإنه في رأيها - ليس فيه كثير طائل، وأنه ليس بشيء تمس الحاجة إليه في صلاح دين أو دنيا. وأما النحو: فإنه ضرب من التكلف، وباب من التعسف، وشيء لا يستند إلى أصل، ولا يعتمد على عقل، فما زاد منه على معرفة الرفع والنصب، وما يتصل بذلك مما نجده في المبادئ فهو فضل لا يجدي نفعاً، ولا تحصل منه على فائدة، فهو - في الكلام - كالملح في الطعام، وتلك آراء لو علموا مغبتها، وما تقود إليه
стр. 101
لتعوذوا بالله منها، لأنهم بإيثارهم الجهل بمعرفة لطائف النظم وخصائصه ودقائقه على العلم بها، في معنى الصاد عن سبيل الله والمبتغى إطفاء نور الله تعالى.
وذلك لأن الجهة التي منها قامت الحجة بالقرآن وظهرت هي: أن كان على حد من الفصاحة تقصر عنه قوى البشر، ومحال أن يعرف كونه كذلك إلا من عرف الشعر الذي هو ديوان العرب، وعنوان الأدب، والذي لا يشك أنه كان ميدان القوم إذا تجاروا في الفصاحة والبيان، وتنازعوا فيها قصب الرهان، ثم بحث عن العلل التي بها كان التباين في الفضل وزاد بعض الشعر على بعض، والصاد عن ذلك صاد عن أن تعرف حجة الله تعالى.
ويبدو أن تلك الطائفة التي كانت تقلل من شأن النحو - بل والشعر أيضاً - والتي كانت متمثلة في الكندي المتفلسف، وقدامة بن جعفر، وأبي الحسين بن وهب، ومتى بن يونس، قد كان لها أشباع وأتباع ظلوا إلى عصر عبد القاهر الجرجاني في مدينة جرجان يثيرون الجدل والشغب حول جدوى علم النحو، ولم يكتفوا بهذا، بل تطاولوا على كتاب الله تعالى، وتناولوه بالتفسير، دون علم منهم ببلاغته التي أعجزت فصحاء العرب وبلغاءهم، مما دعا عبد القاهر الجرجاني أن يقوم بإتمام رسالة أبي سعيد السيرافي، في الدفاع عن النحو، وكانت فرصته - بإفادته من رد أبي سعيد السيرافي على متى بن يونس - في إظهار فكرة النظم، وإبرازها إلى نظرية واضحة المعالم، بينة السمات وفي إظهار فكرة (البيان) - حقائق الأشباه، وأشباه الحقائق - (المعنى ومعنى المعنى)، وكلا النظريتين يبرز دلائل إعجاز القرآن، بعد أن كانت كلمة (النظم) تدور على ألسنة العلماء، دون أن يستطيعوا الولوج إلى أسرارها الكامنة فيها، وبعد أن كانت كلمة البيان تجري على ألسنتهم دون أن يحددوا معانيها المقصودة منها.
ولهذا يظهر عبد القاهر سر إقدامه على تأليف كتابه "دلائل الإعجاز"، مبيناً أن تلك الطائفة التي صفرت من أمر النحو وحفرت من شأنه هي
стр. 102
التي دفعته بصنيعها هذا، إلى الإقدام على تأليف كتابه هذا، بعد أن ترك التأليف في علم البلاغة أكثر من ثلاثين عاماً، مع أنه في زمان ليس للعلماء فيه إلا الشر والأذى (أي في زمان لعن الأشاعرة من فوق المنابر، وقد كان عبد القاهر أشعرياً)، فلو أن هؤلاء القوم، إذ تركوا النحو، قد تركوه جملة، وإذ زعموا أن قدر المفتقر إليه القليل منه، اقتصروا على ذلك القليل، فلم يأخذوا أنفسهم بالفتوى فيه، والتصرف فيما لم يتعلموا منه. ولم يخوضوا في التفسير. ولم يتعاطوا التأويل، لكان البلاد واحداً، ولكانوا، إذا لم يبنوا لم يهدموا، وإذا لم يصلحوا، لم يكونوا سبباً للفساد، ولكنهم لم يفعلوا، فجلبوا من الداء ما أعيي الطبيب، وحير اللبيب، وانتهى التخليط بما أتوه فيه إلى حد يئس من تلافيه، فلم يبق للعارف الذي يكره الشغب إلا التعجب والسكوت، ثم يمضي قائلاً: "ثم إنا - وإن كنا في زمان على ما هو عليه من إحالة الأمور عن جهاتها، وتحويل الأشياء عن حالاتها، ونقل النفوس عن طباعها، وقلب الخلائق المحمودة إلى أضدادها، ودهر ليس فيه للفضل وأهله إلا لشر صرفاً، والغيظ بحثاً، وإلا ما يدهش عقولهم، ويسلبهم معقولهم، حتى صار أعجز الناس رأياً عند الجميع من كانت له همة في أن يستفيد علماً، أو يزداد فهماً أو يكتسب فضلاً، أو يجعل له ذلك بحال شغلاً - فإن الألف من طباع الكريم.
وإذا كان من حق الصديق عليك - ولا سيما إذا تقادمت صحبته وصحت صداقته - أن لا تجفوه بأن تنكبك الأيام، وتضجرك النوائب، وتحرجك محن الزمان فتتناساه جملة، وتطويه طياً، فالعلم الذي هو صديق لا يحول عن العهد، ولا يدخل في الود "وصاحب لا يصح عليه النكث والغدر، ولا يظن به الخيانة والمكر، أولى منه بذلك وأجدر، وحقه عليك أكبر.
ثم إن التوق إلى أن تقر الأمور في قرارها وتوضع الأشياء في مواضعها، والنزاع إلى بيان ما يشكل، وحل ما ينعقد، والكشف
стр. 103
عما يخفى، وتلخيص الصفة، حتى يزاد السامع ثقة بالحجة، واستظهاراً على الشبهة، واستبانة للدليل، وتبيناً للسبيل، شيء في سوس العقل وفي طباع النفس، إذا كان نفساً (١) ".
ويؤخذ مما سبق ما يلي:
أولاً: أن الطائفة التي كانت تزهد في علم النحو هي تلك الطائفة التي كان يمثلها قديماً - في عهد السيرافي - متى بن يونس المنطقي والكندي المتفلسف، وقدامة بن جعفر "وأبو الحسين إسحاق بن إبراهيم بن سليمان بن وهب، كما كان يمثلها حديثاً - في عهد عبد القاهر - أتباع تلك الطائفة وإشباعها، ممن كانوا يعيشون في جرجان، ويحقرون النحو. ويزهدون فيه، ثم يتعاطون التفسير، ويتناولون كتاب الله بالتأويل، دون أن يكون عندهم علم بدقائق النظم ولطائفه وخصائصه، وهم: المعتزلة: الذين كان يمثلهم القاضي عبد الجبار الأسد أبادي، قاضي قضاة الدولة البويهية والمتوفي سنة ٤١٥ هـ.
ثانياً: أن تلك الطائفة كانت تدعى أن النحويين مع اللفظ، لا مع المعنى، وقد جاء ذلك على لسان متى بن يونس في قوله: "لان المنطق يبحث عن المعنى، والنحو يبحث عن اللفظ"، كما جاء ذلك على لسان أبي سعيد السيرافي في رده عليه بقوله "فلم تدعى أن النحوي إنما ينظر في اللفظ دون المعنى"؟ والمنطقي ينظر في المعنى دون اللفظ؟ وقوله: "وادعوا على النحويين أنهم مع اللفظ لا مع المعنى"، وهي التي عناها عبد القاهر بقوله: "وأما النحو فظنته ضرباً من التكلف، وباباً من التعسف وشيئاً لا يستند إلى أصل، ولا يعتمد فيه على عقل" (٢).
стр. 104
ثالثاً: أن تلك الطائفة كانت تقول بأن القليل من النحو كاف، ولا يتحتم على المرء أن يدخل في مسائل النحويين وخلافاتهم.
وقد جاء ذلك على لسان متى بن يونس في مناظرته لأبي سعيد السيرافي إذ يقول: (يكفيني من لغتكم هذه: الاسم، والفعل والحرف، فإني أتبلغ بهذا القدر إلى أغراض قد هذبتها لي يونان)، كما جاء على لسان أبي سعيد في قوله: (وإذا لم يكن لك بد من قليل هذه اللغة من أجل الترجمة فلا بد لك - أيضاً - من كثيرها، من أجل تحقيق الترجمة، واجتلاب الثقة، والتوقي من الخلة اللاحقة) (١) وهي التي عناها عبد القاهر بأنها تقول: "إن ما زاد (من النحو) على معرفة الرفع والنصب وما يتصل بذلك مما نجده في المبادئ، فهو فضل، لا يجدي نفعاً، ولا تحصل منه على فائدة وضربوا له المثل بالملح - كما عرفت" (٢).
رابعاً: أن تلك الطائفة - في عهد عبد القاهر - كانت طائفة المعتزلة الذين كان يمثلهم، القاضي عبد الجبار الأسد أبادي، لأنها هي التي كانت تتناول تفسير القرآن، وتتعاطى تأويله معتمدة على العقل، واللغة، دون إلمام كامل بعلم النحو، ومسائله، وقضاياه.
والدليل على ذلك ما يلي:
١ - أن عبد القاهر يقول: (وذلك أنهم قالوا: إن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلام، وإنما تظهر بالضم على طريقة مخصوصة، فقولهم: (بالضم) لا يصح أن يراد به النطق باللفظة بعد اللفظة من غير اتصال يكون بين معنيهما لأنه لو جاز أن يكون لمجرد ضم اللفظ إلى اللفظ تأثير في الفصاحة، لكان ينبغي، إذا قيل (ضحك خرج) أن يحدث من ضم
стр. 105
(خرج) إلى (ضحك) فصاحة، وإذا بطل ذلك، لم يبق إلا أن يكون المعنى في ضم الكلمة إلى الكلمة هو: توخي معاني النحو فيما بينهما، وقولهم على طريقة مخصوصة، يوجب ذلك أيضاً، وذلك أنه لا يكون للطريقة إذا أنت أردت مجرد اللفظ - معنى، وهذا سبيل كل ما قالوه، إذا أنت تأملته، تراهم - في الجميع - قد دفعوا، إلى جعل المزية في معاني النحو وأحكامه، من حيث لم يشعروا" (١).
فقول عبد القاهر: قالوا: إن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلام، وإنما تظهر بالضم على طريقة مخصوصة، إشارة واضحة إلى قول عبد الجبار: "أعلم أن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلام، وإنما تظهر في الكلام بالضم على طريقة مخصوصة" (٢).
٢ - أن عبد القاهر يقول في الدلائل: "ومما تجدهم يعتمدونه" ويرجعون إليه قولهم: إن المعاني لا تتزايد، وإنما تتزايد الألفاظ، وهذا كلام - إذا تأملته - لم تجد له معنى يصح عليه غير أن تجعل تزايد الألفاظ عبارة عن المزايا التي تحدث من توخي معاني النحو وأحكامه فيما بين الكلم، لأن التزايد في الألفاظ من حيث هي ألفاظ ونطق لسان محال.
ثم أنا نعلم أن المزية المطلوبة في هذا الباب - مزية فيما طريقة الفكر والنظر من غير شبهة، ومحال أن يكون للفظ صفة تستنبط بالفكر، ويستعان عليها بالروية، اللهم إلا أن تريد تأليف النغم، وليس ذلك مما نحن فيه بسبيل (٣).
стр. 106
فقول عبد القاهر: (قولهم، إن المعاني لا تتزايد وإنما تتزايد الألفاظ) إشارة واضحة - أيضاً - إلى قول القاضي عبد الجبار: (فإن قال قائل: فقد قلتم: إن في جملة ما يدخل في الفصاحة حسن المعنى، فهلا اعتبرتموه؟ قيل له: إن المعاني - وإن كان لا بد منها - فلا تظهر فيها المزية، ولذلك نجد المعبرين عن المعنى الواحد، يكون أحدهما أفصح من الآخر والمعنى متفق، على أن المعاني لا يقع فيها تزايد، فإذن يجب أن يكون الذي يعتبر التزايد عنده الألفاظ التي يعبر بها عنها) (١).
٣ - أن قول عبد الجبار: (ولذلك نجد المعبرين عن المعنى الواحد يكون أحدهما أفصح من الآخر، والمعنى متفق) (٢) في مجال محاولته إثباب المزية - في الفصاحة - للألفاظ، قد أشار إليه عبد القاهر، في فصل من الدلائل مطول، ورأى أن هذا القول هو أصل الفساد، ومعظم الآفة، والذي صار حجازاً بين القوم وبين التأمل".
وذلك هو قولهم: إن العقلاء قد اتفقوا على أنه يصح أن يعبر عن المعنى الواحد بلفظين، ثم يكون أحدهما فصيحاً، والآخر غير فصيح، وذلك كما قالوا - يقتضي أن يكون للفظ نصيب في المزية، لأنها لو كانت مقصورة على المعنى، لكان محالاً أن يجعل لأحد اللفظين فضل على الآخر مع أن المعبر عنه واحد".
ثم تأكيدهم له بأنه: لولا أن الأمر كذلك لكان ينبغي أن لا يكون للبيت من الشعر فضل على تفسير المفسر له، لأنه إن كان اللفظ إنما يشرف
стр. 107
من أجل معناه، فإن لفظ المفسر يأتي على المعنى ويؤديه لا محالة - وإذا لزم ذلك في تفسير البيت من الشعر، لزم مثله في الآية من القرآن الكريم!
ويجيب عبد القاهر: بأن القول بأنه يصح أن يعبر عن المعنى الواحد بلفظين يحتمل أمرين:
أحدهما: أن تريد باللفظين كلمتين معناهما واحد في اللغة، مثل: "الليث" و"الأسد" ومثل: "شحط" و"بعد" وغير ذلك مما وضع اللفظان فيه لمعنى.
والثاني. أن تريد: كلامين، فإن أردت الأول: فقد خرجت عن المسألة، لأن كلامنا نحن (في فصاحة) تحدث من بعد التأليف، دون الفصاحة التي توصف بها اللفظة مفردة، فعليك أن تعلم: أن سبيل المعاني سبيل أشكال الحلي، كالخاتم، والشنف، والسوار؛ فكما أن من شأن هذه الأشكال أن يكون الواحد منها غفلاً ساذجاً، لم يعمل فيه صانعه شيئاً، وأن يكون مصنوعاً بديعاً، قد أغرب صانعه فيه، كذلك سبيل المعاني. أن ترى الواحد منها غفلاً ساذجاً، عامياً، موجوداً في كلام الناس كلهم، ثم تراه نفسه، وقد عمد إليه البصير بشأن البلاغة وإحداث الصور في المعاني، فيصنع فيه ما يصنع الصنع الحاذق، حتى يغرب في الصنعة ويدق في العمل، ويبدع في الصياغة، وذلك: كأن تقول في قول الناس: (الطبع لا يتغير) و (لست تستطيع أن تخرج الإنسان عما جبل عليه) فترى معنى غفلاً عامياً معروفاً، في كل جيل وأمه، فإذا نظرت إليه في قول أبي الطيب:
يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل
стр. 108
وجدته قد خرج في أحسن صورة؛ وتراه قد تحول جوهرة، بعد أن كان خرزة، وصار أعجب شيء بعد أن لم يكن شيئاً.
فقول العقلاء: إنه يصح أن يعبر عن المعنى الواحد بلفظين، ثم يكون أحدهما فصيحاً، والآخر غير فصيح، يريدون به: أنه يصح أن تكون ههنا عبارتان: أصل المعنى فيهما واحد، ثم يكون لأحدهما - في تحسين ذلك المعنى، وتزيينه، وإحداث خصوصية فيه - تأثير لا يكون للأخرى (١).
٤ - أن ذلك القول - وهو أن المزية في الفصاحة ترجع إلى اللفظ، لا إلى المعنى قد صدر عن قوم لهم نباهة، وصيت وعلو منزلة في أنواع من العلوم، غير ذلك العلم الذي قالوا ذلك القول فيه، ثم وقع في الألسن فتداولته ونشرته، وفشا، وظهر، وكثر الناقلون له، والمشيدون بذكره، فصار ترك النظر فيه سنة، والتقليد ديناً، وهذا القول. منطبق على القاضي عبد الجبار، وأتباعه من المعتزلة، من النباهة، والصيت، وعلو المنزلة، فقد كان القاضي عبد الجبار، قد انتهت إليه الرئاسة في المعتزلة حتى صار شيخها، وعالمها غير مدافع، وصار الاعتماد على كتبه التي نسخت كتب من تقدمه (٢).
بل إن عبد القاهر نفسه يشير إشارة واضحة إلى هؤلاء القوم - أي المعتزلة ورئيسهم القاضي عبد الجبار - بأنهم هم الذين سلموا بأن الفصاحة لا تكون في أفراد الكلمات وأنها إنما تكون فيها؛ إذا انضم بعضها إلى بعض قائلاً: (وكيف لا يكون في إسار الأخذة ومحولاً بينه وبين الفكرة ومن يسلم أن الفصاحة لا تكون في إفراد الكلمات، وأنها إنما
стр. 109
تكون فيها إذا انضم بعضها إلى بعض، ثم لا يعلم أن ذلك يقتضي أن تكون وصفاً لها من أجل معانيها، لا من أجل نفسها، ومن حيث هي ألفاظ ونطق لسان؛ ذلك لأنه ليس من عاقل يفتح عين قلبه، إلا وهو يعلم ضرورة، أن المعنى في ضم بعضها إلى بعض (هو) تعليق بعضها ببعض، وجعل بعضها بسبب من بعض، لا أن ينطق ببعضها في إثر بعض، من غير أن يكون فيما بينهما تعلق، ويعلم - كذلك، ضرورة - إذا فكر - أن التعلق يكون فيما بين معانيها، لا فيما بينها أنفسها (١).
стр. 110
٢ - صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالنظم
عرفت أن المناطقة ومن شايعهم ممن أعجبوا بالمنطق اليوناني، والفلسفة اليونانية، قد اعتقدوا أن المنطق كاف في معرفة الحق من الباطل، والشك من اليقين، والصدق من الكذب "وأنه لا جدوى من التعمق في علم النحو، بل يكفي منه معرفة القليل؛ مما لا يتعدى صحة الكلام؛ من الرفع، والنصب: والجر، وهكذا، وأن متى بن يونس المنطقي قد ذكر هذا، أمام أبي سعيد السيرافي، وأن أبا سعيد السيرافي قد أفحمه، وأسكته في المناظرة الشهيرة التي جرت بينهما في مجلس الوزير أبي الفتح، الفضل بن جعفر بن الفرات، وزير المقتدر الخليفة العباسي وقد تركز الحديث في تلك المناظرة حول ما يعرف به صحيح الكلام من سقيمه، وفاسد المعنى من صالحه هل هو المنطق أو النحو؟
وقد رأى متى بن يونس أن المنطق هو الذي يعرف به هذا وشبهه بالميزان، الذي يعرف به الرجحان من النقصان والشائل من الجانح.
ولكن أبا سعيد السيرافي قد خطأه في هذا، ورأى أن صحيح الكلام من سقيمه إنما يعرف بالنظم المألوف والإعراب المعروف، إذا كنا نتكلم باللغة العربية، وأن فاسد المعنى من صالحه، إنما يعرف بالعقل، إذا كنا نبحث بالعقل.
واستمع إلى ما قاله كل منهما في تلك المناظرة حول هذا المعنى:
قال أبو سعيد السيرافي: (حدثني عن المنطق، ما تعني به؟ فإنا إذا فهمنا مرادك فيه، كان كلامنا معك: في قبول صوابه، ورد خطئه على سنن مرضى، وطريقة معروفة.