Полный текст (1 090 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
فتح الكبير المتعال
إعراب
المعلقات العشر الطوال
القسم الأول
معلقة أمرئ القيس معلقة عمرو بن كلثوم التغلبي
معلقة طرفة بن العنبر معلقة الحارث بن حلزة البشكري
تأليف
الشيخ محمد علي طه الدرة
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3
فتح الكبير المتعال
إعراب
المعلقات العشر الطوال
القسم الأول
стр. 4
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الثانية
جدة ١٤٠٩ هـ- ١٩٨٩ مـ
الناشر
مكتبة السوادي للتوزيع
ص. ب-٤٨٩٨ جدة ٢١٤١٢ - ت: ٦٨٨٤٢١٢
فاكس ٦٨٧٨٦٦٤
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة، وأتم التسليم على من أرسله الله رحمة للناس أجمعين، محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغر الميامين، وعلى التابعين، وتابع التابعين، ومن نهج نهجهم، وسلك طريقهم إلى يوم الدين.
وبعد فإن المعلقات العشر، وبالأحرى السبع المتفق عليها غنية عن التعريف بها، والإشادة بذكرها، فإن الناس لا يزالون يتداولونها في الجاهلية والإسلام، وقد أخذ الناس منذ العصور الوسطى، يحفظها وتداولها على الألسن ثم بشرحها، وإعراب بعض الكلمات منها، ولما كانت أبياتها لم تعرب بشكل مفصل ومرتب، رغم انتشارها انتشارًا واسعًا، وكانت الحاجة ماسة إلى ذلك، كيف لا؟ والفاروق عمر بن الخطاب ﵁ قد قال على المنبر: أيها الناس عليكم بديوانكم لا تصلوا، قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم، ومعاني كلامكم، قمت بجمع شروحها ومعاني أبياتها، ثم بإعرابها إعرابًا واضحًا ومفصلًا، بعد أن استخرت الله تعالى كعادتي في جميع أموري، وسميت ما صنعت (فتح الكبير المتعال، إعراب المعلقات العشر الطوال) مستمدًا من الله المعونة والتأييد، والمزيد من التوفيق.
стр. 6
وقد جريت في عملي هذا على نسق ما أنتجت من مؤلفات، كانت قرة عين لكل من قرأها واقتناها، وقد انتهيت من تبيضها يوم الخميس الواقع في -٢٣ - جمادي الأولى عام ١٣٩٤ هجرية الموافق -١٣ - حزيران ١٩٧٤ ميلادية.
وبما أنني لا أملك مالًا يكفي لطبعها ونشرها أخذت ألتمس ذلك من الناشرين، ومن المكتبات الشهيرة، فكل يعتذر عن ذلك رغم الإلحاح الشديد من الناس بطبعها ونشرها لأنني أعلنت عن كتابتها وتأليفها على صفحات كتبي التي صدرت فيما مضى، ثم أرسلت المخطوط بكامله إلى وزارة الثقافة والإرشاد في دمشق والتمست منها طبعه ونشره فاعتذرت الوزارة عن ذلك بأنه ليس من مهمتها ولا من مخصصاتها.
وختامًا، فإني ألتمس كعادتي فيما أنتجت ممن عثر على هفوة في هذا الكتاب أن ينبهني ويرشدني إليها في المستقبل، فنكون قد أدينا الأمانة العلمية التي كلفنا بها، مع العلم أنني أتقبل بصدر رحب، ونفس كلها رضا وشكر كل إشارة إلى خطأ تأتيني من أي فرد، من أيه ملة، من أية نحلة، من أي صقع عملًا بقول سيدنا الأعظم محمد ﷺ (خذ الحكمة، ولا يضرك من أي وعاء خرجت، الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها حيث وجدها).
ومن أراد غير ذلك فحسبي الله ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير عليه توكلت وهو رب العرش العظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
والله أسأل أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم وأن ينفع به كل من قرأه من الناس أجمعين فإنه خير مسئول وهو على كل شيء قدير وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.
الفقير إلى عفوه تعالى
محمد علي طه الدرة
стр. 7
(١) معلقة امرئ القيس
стр. 8
فهرست أبيات معلقة امرئ القيس
١ - قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل
٢ - فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها ... لما نسجتها من جنوب وشمأل
٣ - رخاء تسح الريح في جنباتها ... كساها الصبا سحق الملاء المذيل
٤ - ترى بعر الأرام في عرصاتها ... وقيعانها كأنه حب فلفل
٥ - كأني غداة البين يوم تحملوا ... لدى سمرات الحي ناقف حنظل
٦ - وقوفًا بها صحبي علي مطيهم ... يقولون: لا تهلك أسى وتجمل
٧ - فدع عنك شيئًا، قد مضى لسبيله ... ولكن على ما غالك اليوم أقبل
٨ - وقفت بها حتى إذا ما ترددت ... عماية محزون بشوق موكل
٩ - وإن شفائي عبرة إن سفحتها ... وهل عند رسم دارس من معول
١٠ - كدأبك من أم الحويرث قبلها ... وجارتها أم الرباب بمأسل
١١ - إذا قامتا تضوع المسك منهما ... نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل
١٢ - ففاضت دموع العين مني صبابة ... على النحر حتى بل دمعي محملي
١٣ - ألا رب يوم لك منهن صالح ... ولا سيما يوم بدارة جلجل
١٤ - ويوم عقرت للعذارى مطيتي ... فيا عجبا من رحلها المتحمل
١٥ - ويا عجبًا من حلها بعد رحلها ... ويا عجبا للجازر المتبذل
١٦ - فظل العذارى يرتمين بلحمها ... وشحم كهداب الدمقس المفتل
١٧ - تدار علينا بالسديف صحافنا ... ويؤتى إلينا بالعبيط المثمل
١٨ - ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة ... فقالت: لك الويلات، إنك مرجلي
١٩ - تقول، وقد مال الغبيط بنا معا ... عقرت بعيري، يا امرأ القيس، فانزل
٢٠ - فقلت لها سيري وأرخي زمامه ... ولا تبعديني من جناك المعلل
٢١ - دعي البكر، لا ترثي له من ردافنا ... وهاتي أذيقينا جناة القرنفل
٢٢ - بثغر كمثل الأقحوان منورٍ ... نقي الثنايا أشنب غير أثعل
٢٣ - فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعٍ ... فألهيتها عن ذي تمائم محول
٢٤ - إذا ما بكى من خلفها انصرفت له ... بشق وتحتي شقها لم يحول
стр. 9
٢٥ - ويومًا على ظهر الكثيب تعذرت ... علي، وآلت حلفة لم تحلل
٢٦ - أفاطم مهلا بعض هذا التدلل ... وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
٢٧ - وإن كنت قد ساءتك مني خليقة ... فسلي ثيابي من ثيابك تنسل
٢٨ - أغرك مني أن حبك قاتلي ... وأنك مهما تأمري القلب يفعل؟
٢٩ - وأنك قسمت الفؤاد، فنصفه ... قتيل، ونصف بالحديد مكبل
٣٠ - وما ذرفت عيناك إلا لتقدحي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل
٣١ - وبيضة خدر لا يرام خباؤها ... تمتعت من لهو بها غير معجل
٣٢ - تجاوزت أحراسًا إليها، ومعشرًا ... علي حراص لو يسترون مقتلي
٣٣ - إذا ما الثريا في السماء تعرضت ... تعرض أثناء الوشاح المفصل
٣٤ - فجئت، وقد نضت لنوم ثيابها ... لدى الستر إلا لبسة المتفضل
٣٥ - فقالت: يمين الله ما لك حيلة ... وما إن أرى عنك العماية تنجلي
٣٦ - خرجت بها تمشي تجر وراءنا ... على أثرينا ذيل مرط مرحل
٣٧ - فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى ... بنا بطن حقف ذي ركام عقنقل
٣٨ - هصرت بفودي رأسها، فتمايلت ... علي هضيم الكشح ريًا المخلخل
٣٩ - إذا التفتت نحوي تضوع ريحها ... نسيم الصبا جاءت بريًا القرنفل
٤٠ - إذا قلت: هاتي نوليني تمايلت ... علي هضيم الكشح ريا المخلخل
٤١ - مهفهفة بيضاء غير مفاضة ... ترائبها مصقولة كالسجنجل
٤٢ - كبكر المقاناة البياض بصفرة ... غذاها نمير الماء غير محلل
٤٣ - تصد وتبدي عن أسيل وتتقي ... بناظرة من وحش وجرة مطفل
٤٤ - وجيد كجيد الرئم ليس بفاحش ... إذا هي نصته ولا بمعطل
٤٥ - وفرع يغشي المتن أسود فاحم ... أثيث كقنو النخلة المتعثكل
٤٦ - غدائره مستشزرات إلى العلا ... تضل العقاص في مثنى ومرسل
٤٧ - وكشح لطيف كالجديل مخصر ... وساق كأنبوب السقي المذلل
٤٨ - ويضحي فتيت المسك فوق فراشها ... نؤوم الضحى، لم تنتطق عن تفضل
стр. 10
٤٩ - وتعطو برخص غير شثن كأنه ... أساريع ظبي أو مساويك إسحل
٥٠ - تضيء الظلام بالعشاء كأنها ... منارة ممسى راهب متبتل
٥١ - إلى مثلها يرنو الحليم صبابة ... إذا ما اسبكرت بين درع ومجول
٥٢ - تسلت عميات الرجال عن الصبا ... وليس فؤادي عن هواك بمنسل
٥٣ - ألا رب خصم فيك ألوى رددته ... نصيح على تعذاله غير مؤتلي
٥٤ - وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلى
٥٥ - فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازًا، وناء بكلكل
٥٦ - ألا أيها الليل الطويل، ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل
٥٧ - فيا لك من ليل كان نجومه ... بكل مغار الفتل شدت بيذبل
٥٨ - كأن الثريا علقت في مصامها ... بأمراس كتان إلى صم جندل
٥٩ - وقربة أقوام جعلت عصامها ... على كاهل مني ذلول مرحل
٦٠ - وواد كجوف العير قفر قطعته ... به الذئب يعوي كالخليع المعيل
٦١ - فقلت له لما عوى إن شأننا ... قليل الغنى إن كنت لما تمول
٦٢ - كلانا إذا ما نال شيئًا أفاته ... ومن يحترث حرثي وحرثك يهزل
٦٣ - وقد أغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل
٦٤ - مكر، مفر مقبل، مدبر، معًا ... كجلمود صخر خطه السيل من غل
٦٥ - كميت يزل اللبد عن حال متنه ... كما زلت الصفواء بالمتنزل
٦٦ - على الذبل جياش كان اهتزامه ... إذا جاش فيه حميه غلي مرجل
٦٧ - مسح إذا ما السابحات على الونى ... أثرن غبارا بالكديد المركل
٦٨ - يزل الغلام الخف عن صهواته ... ويلوي بأثواب العنيف المثقل
٦٩ - درير كخذروف الوليد أمره ... تتابع كفيه بخيط موصل
٧٠ - له أيطلا ظبي، وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تنفل
стр. 11
٧١ - ضليع إذا استدبرته سد فرجه ... بضاف فويق الأرض ليس بأعزل
٧٢ - كأن على المتنين منه إذا انتحى ... مداك عروس، أو صلاية حنظل
٧٣ - كأن دماء الهاديات بنحره ... عصارة حناء بشيب مرجل
٧٤ - فعن لنا سرب كأن نعاجه ... عذارى دوار في ملاء مذيل
٧٥ - فأدبرن كالجزع المفصل بينه ... بجيد معم في العشيرة مخول
٧٦ - فألحقنا بالهاديات ودونه ... جواحرها في صرة لم تزيل
٧٧ - فعادى عداء بين ثور ونعجة ... دراكًا ولم ينضح بماء فيغسل
٧٨ - فظل طهاة اللحم من بين منضج ... صفيف شواء أو قدير معجل
٧٩ - ورحنا يكاد الطرف يقصر دونه ... متى ما ترق العين فيه تسهل
٨٠ - فبات عليه سرجه ولجامه ... وبات بعيني قائمًا غير مرسل
٨١ - أصاح ترى برقا أريك وميضه ... كلمع اليدين في حبي مكلل؟
٨٢ - يضيء سناه أو مصابيح راهب ... أمال السليط بالذبال المفتل
٨٣ - قعدت له وصحبتي بين حامر ... وبين إكام بعد ما متأمل
٨٤ - علا قطنا بالشيم أيمن صوبه ... وأيسره على الستار فيذبل
٨٥ - فأضحى يسح الماء حول كتيفة ... يكب على الأذقان دوح الكنهبل
٨٦ - ومر على القنان من نفيانه ... فأنزل منه العصم من كل منزل
٨٧ - وتيماء لم يترك بها جذع نخلة ... ولا أجما إلا مشيدًا بجندل
٨٨ - كأن ثبيرا في عرانين وبله ... كبير أناس في بجاد مزمل
٨٩ - كأن ذرى رأس المجيمر غدوة ... من السيل والاغثاء فلكة مغزل
٩٠ - وألقى بصحراء الغبيط بعاعه ... نزول اليماني ذي العياب المخول
٩١ - كأن مكاكي الجواء غدية ... صبحن سلافا من رحيق مفلفل
٩٢ - كأن السباع فيه غرقى عشية ... بأرجائه القصوى أنابيش عنصل
стр. 12
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
معلقة امرئ القيس
نسبه:
هو أمرؤ القيس بن حجر بن الحارث الملك، بن عمرو المقصور -الذي اقتصر على ملك أبيه- بن حجر بن آكل المرار بن عمرو بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن مرتع، وقال قوم: ابن معاوية بن ثور بن مرتع، وإنما سمي مرتعًا لأنه كان من أتاه من قوه رتعه، أي جعل له مرتعًا لماش يته، وهو عمرو بن معاوية بن ثور، وهو كندة بن عفير، وإنما سمي كندة لأنه كفر أباه نعمته، ابن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد زيد بن كهلان بن سبأ، بن يعرب بن قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح النبي ﵊، والله أعلم بصلة ذلك.
هذا وكندة التي ينسب إليها أمرؤ القيس قبيلة يمنية، ويكني أمرؤ القيس أبا وهبن وأبا زيدن وأبا الحارث، وكان يقال له: الملك الضليل، كما قيل له: ذو القروح لقوله:
وبدلت قرحًا داميًأ بعد صحة ... لعل منايانا تحولن أبؤسا
ولم يعقب ولدًا ذكرًا، بل أناثًا، وقيل: اسمه حندج، ولقبه أمرؤ القيس.
стр. 13
هذا وقد اختلف في آكل المرار، هل هو الحارث جده الأول ابن عمرو بن حجر بن عمرو بن معاوية، أو هو حجر جده الثاني، أي جد جده، الأكثر على أنه الأول، وإنما سمي بآكل المرار لأن عمرو بن الهبولة الغساني أغار عليهم، وكان الحارث غائبًا فغنم وسبى، وكان فيمن سبي أم أناس بنت عوف، بن محلم السيباني امرأة الحارث، فقالت لعمرو بن الهبولة في مسيره: لكأني برجل أدلم أسود، كأن مشافره مشافر بعير آكل المرار قد أخذ برقبتك، تعني الحارث، فسمي آكل المرار، ثم تبعه الحارث في بكر بن وائلـ فلحقه وقتله، واستنقذ امرأته، وما كان أصاب، وقيل: إنما سمي آكل المرار، لأنه كان إذا غضب غضبة لأمر بلغه جعل يأكل المرار، وهو لا يعلم بمرارته، ولا يحس بها لشدة غضبه، والمرار نبت شديد المرارة تأكله الإبل، وإذا أكلته تقلصت مشافرها، هذا وإن أم امرئ القيس من بني تغلب، أخت كليب ومهلهل ابني ربيعة.
طبقته في الشعراء:
يعد أمرؤ القيس في طليعة شعراء الجاهلية، ورأس الطبقة الأولى، ولا أدل على ذلك من قول النبي ﷺ فيه (ذاك رجل مذكور في الدنيا، شريف فيها، منسي في الآخرة، خامل فيها، يجئ يوم القيامة ومعه لواء الشعراء إلى النار، وروي يتدهدى بهم في النار، وروي أيضًا قوله ﷺ رفيع في الدنيا، خاملق في الآخرة، شريف في الدنيا، وضيعٌ في الآخرة، هو قائد الشعراء إلى النار).
حال أمرئ القيس في ريعان شبابه:
ولما نشأ أمرؤ القيس طرده أبوه، واختلف في سبب ذلك، فقيل: إنه لما ترعرع علق النساء، وأكثر الذكر لهن، والميل لهن، فكره ذلكمنه وطرده، وقيل: إن سبب طرد أبيه له أنه كان يتعشق امرأته، وهذا غير معروف
стр. 14
من أخلاق العرب، وغاية ما في ذلك أن الأب إذا مات استولى على امرأته أكبر أولاده من غيرها، فإن شاء تزوجها من غير صداق، اكتفاءً بصداق أبيه، وإن شاء زوجها من غيره، وأخذ صداقها، وإن شاء منعها من الزواج حتى تفدي نفسها بمال، وقد حرم الله ﵎ ذلك، فقال جل ذكره: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا، ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن﴾ وقال جل شأنه: ﴿ولا تنكحوا ما نكح أباؤكم من النساء إلا ما قد سلف، إنه كان فاحشة، ومقتًا، وساء سبيلًا﴾.
مقتل حجر والد أمرئ القيس:
وكان من حديثه أن الحارث الملك جده، كان قد فرق ولده في قبائل العرب، وملكهم عليهم، فجعل حجرًا وهو أبو أمرئ القيس على بني أسد وغطفان، وجعل شرحبيل على بني بكر بن وائل، وهو قتيل الكلاب الأول، وعلى بني حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وجعل معد يكرب، وهو غلفاء -وإنما سمي غلفاء لأنه كان يغلف رأسه- على بني تغلب، والنمر بن قاسط، وسعد بن زيد مناة، وطوائف من بني دارم بن حنظلة والصنائع، وجعل عبد الله على عبد القيس، وسلمة على قيس، فلما هلك الحارث أو قتل، وقد اختلف في ذلك، تفرق أمر ولده وتشتت، واختلفت كلمتهم، ووثب بنو أسد على حجر والد امرئ القيس فقتلوه.
خبر أمرئ القيس بعد مقتل أبيه:
قيل: إن حجرًا والد امرئ القيس لما قتله بنو أسد في قصة طويلة، وكان قد طعنه علباء بن الحارث أحد بني كاهل، ولم يجهز عليه، أوصى ودفع وصيته إلى رجل، وقال له: انطلق إلى ابني نافع، وكان أكبر ولده،
стр. 15
فإن بكى وجزع، فاله عنه، واستقرهم واحدًا واحدًا حتى تأتي امرأ القيس، وكان أصغرهم فأيهم لهم يجزع، فادفع إليه سلاحي وخيلي وقدوري ووصيتي، وكان قد بين في وصيته من قتله، وكيف كان خبره، فانطلق الرجل بوصيته إلى نافع ابنه، فأخذ التراب، فوضعه على رأسه، ثم استقرأهم واحدًا واحدًا، فلكهم فعل ذلك حتى أتى امرأ القيس، فوجده مع نديم له يشرب الخمر، ويلاعبه بالنرد، فقال له: قتل حجر، فلم يلتفت إلى قوله، وأمسك نديمه، فقال له أمرؤ القيس: اضرب، فضرب حتى إذا فرغ، قال: ما كنت لأفسد عليك دستك، ثم سأل الرسول عن أمر أبيه فأخبره، فقال: الخمر والنساء علي حرم حتى أقتل من بني أسد مائة، وأجز نواصي مائة، ويروى أنه قال: ضيعني صغيرًا، وحملني ثأره كبيرًا، لا صحو اليوم، ولا سكر غدًا، اليوم خمر وغدًا أمرٌ، فذهب كلمته هذه مثلا، أي يشغلنا اليوم خمر، وغدًا يشغلنا أمر، يعني أمر الحرب، ثم شرب سبعة أيام، ثم قال:
أتأني، وأصحابي على رأس صليع ... حديث أطار النوم عني وأنعما
وقلت لعجلي بعيد ما به ... تبين، وبين لي الحديث المجمجما
فقال: أبيت اللعن عمرو وكاهلٌ ... أبا حواحمى حجر، فأصبح مسلمًا
وأراد بقوله العجلي رجلا من بني عجل، يقال له عامر الأعور، فهو الذي نقل له الخبر، وله في ذلك أشعار كثيرة منها:
والله لا يذهب شيخي باطلًا ... حتى أبير مالكًا وكاهلًا
القاتلين الملك الحلاحلا ... خير معد حسبًأ ونائلًا
стр. 16
خبره مع بني أسد:
ثم أخذ أمرؤ القيس يستعد لقتال بني أسد، فبلغهم ذلك، فأوفدوا إليه رجالًا من ساداتهم، فأكرك منزلهم، واحتجب عنهم ثلاثة أيامن ثم خرج عليهم في قباء وخف وعمامةٍ سوداء إشعارًا بأنه طالب بثأر بأبيه، فلما لقيهم بدروه بالثناء عليه، وعلى أبيه، وقالوا له: إن الواجب عليك أن ترضى منا بأحد خلال نسميها لك: إما أن تختار من بني أسد أشرفها بيتًا، وأعلاها في بناء المكرمات صوتًا، فقدنا إليك من اخترته بنسعه فتذبحهن وإما أن ترضى منا بفداء بالغٍ ما بلغ فأديناه إليك من نعمنا، فترد القضب، أي السيوف إلى أجفانها، وإما أن توادعنا حتى تضع الحوامل، وتتأهب للحرب، فبكى أمرؤ القيس ساعة، ثم رفع رأسه، وقال: لقد علمت العرب أن لا كفء لحجر، وأني لن أعتاض به جملًا ولا ناقة، فأكتسب بذلك مسبة، وكانت العرب تتذمم من ذلك، قال شاعرهم يخاطب امرأته:
أكلت دمًا، إن لم أرعك بضرةٍ ... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر
ثم قال لهم: وأما النظرة فقد أوجبتها الأجنة في بطون أمهاتها، وستعرفون طلائع كندة بعد ذلك، ثم ارتحل حتى نزل بكرًا وتغلب، وعليهم أخواه شرحبيل ومعد يكرب، فاستنصرهما على بني أسد فنصراه وأوقع فيهم مقتلة عظيمة حتى كثرت القتلى والجرحى، وحجز الليل بينهم فهرب بنو أسد، فلما أسفر الصبح أراد أن يتبعهم، فامتنعت بكر وتغلب، وقالوا: قد أصبت ثأرك، فقال: والله ما فعلت، ولا أصبت من بني كاهل أحدًا، فلما امتنعوا من المسير معه استنصر مرثد الخير، وهو من أقيال حمير، فأمده بخمسمائة رجل من حمير، ومات مرثد قبل رحيل امرئ القيس، فأنفذ له ذلك قرمل الذي جلس في مكان مرثد، واستأجر كثيرًا من صعاليك العرب، فسار إلى بني أسد، ومر في طريقه على ذلك الخلصة، وهو صنم كانت العرب تعظمه، فاستقسم عنده بقداحه، وهي ثلاثة: الآمر
стр. 17
والناهي والمتربص، فأجالها فخرج الناهي ثلاث مرات، وكلما أجالها يخرج الناهي، فجمعها وكسرها وضرب بها وجه الصنم، وقال: لو كان المقتول أباك ما عقتني، ثم خرج فظفر ببني أسد أيضًا.
مطاردة المنذر له وخبر موته:
وعند التحقيق تجد أن الذي طارده إنما هو عمرو بن المنذر لا المنذر نفسه. ثم إن المنذر بن ماء السماء حارب امرأ القيس، وألب عليه العرب، وأمده كسرى أنو شروان بجيش من الأساورة، فسرحهم في طلبه، فانفضت جموعه عنه، ونجا مع عصبة من بني آكل المرار حتى نزل بالحارث بن شهاب من بني يربوع بن حنظلة، ومعه أدرعه الخمس، وهي الفضفاضة والضيافة والمحصنة والخريق وأم الذيول، وكانت هذه الأدرع يتوارثها بنو آكل المرار ملكًا عن ملك، فلما بلغ المنذر أن امرأ القيس استقر عند الحارث المذكور بعث إليه يتهدده، إن لم يسلم إليه بني آكل المرار، فسلمهم إليه، ونجا أمرؤ القيس بما قدر على أخذه معه من المال والسلاح والأدرع المذكورة، فلجأ إلى السموءل بن عاديا الغساني، ثم اليهودي مذهبًا، وكان معه فزاري يدعى الربيع، فقال له: امدح السموءل فإن الشعر يعجبه، فنزل به، وأنشده مديحه فيه، فأكرم مثواه، وترك عنده ابنته هندًا، وكتب له كتابًا إلى الحارث بن أبي شمر الغساني، وأمره أن يوصله إلى قيصر، ففعل، ولما وصل إلى قيصر قبله وأكرمه، وأمده بجيش كثيف، وفيهم جماعة من أبناء الملوك، وكان رجل من بني أسد، يقال له: الطماح واجدًا على امرئ القيس لأنه قتل أخاه فيمن قتل، فاندس إلى قيصر، وقال له: إن امرأ القيس عاهر، وإنه لا انصرف عنك ذكر أن ابنتك عشقته، وأنه كان يواصلها، وهو قائل في ذلك شعرًا، يشهرها به في العرب ويفضحها، فبعث إليه حينئذ بحلة منسوجة بالذهب، وأودعها سمًا قاتلًا، وكتب إليه: إني أرسلت إليك حلتي التي كنت ألبسها تكرمة لك، فإذا وصلت فالبسها باليمين والبركة، واكتب إلي
стр. 18
بخبرك من منزل إلى منزل، فلما وصلت إليه لبسها، واشتد سروره بها، فأسرع فيه السم، وسقط جله، فلذلك سمي (ذا القروح) وعلم أن الطماح هو سبب ذلك، فقال سينيته التي منها:
لقد طمح الطماح من بعد أرضه ... ليلبسني من دائه ما تلبسا
ومنها قوله:
وبدلت قرحًا داميًا بعد صحةٍ ... لعل منايانا تحولن أبؤسا
فلما وصل إلى بلاد الروم يقال لها أنقرة، واحتضر بها، قال: رب طعنةٍ مثعنجرة، وخطبةٍ مسحنفرة تبقى غدًا بأنقرة، ويروى في هذه الكلمات غير ذلك، وقال ابن الكلبي، هذا آخر شيء تكلم به، ثم مات.
قيل: رأى قبر امرأة ماتت هناك، وهي غريبة، فدفنت في سفح جبل يقال له: عسيب، فسأل عنها، فأخبر بقصتها فقال:
أجارتنا إن المزار قريب ... وإني مقيم ما أقام عسيب
أجارتنا إنا غريبان ههنا ... وكل غريبٍ للغريب نسيب
ثم مات، ودفن إلى جنب المرأة، فقبره هناك، كذا قال أبو الفرج الأصبهاني، وهو غلط محض، لأن عسبًا جبل بعالية نجد، وأنقرة في بلاد الروم، ولا يدل ضربه المثل بإقامة عسيب على أنه دفن به، أهـ من الديوان بحروفه.
شيء من سيرته:
روي أن امرأ القيس آلى ألا يتزوج امرأة حتى يسألها عن ثمانية وأربعة واثنتين، فجعل يخطب النساء، فإذا سألهم عن هذا قلن: أربعة عشر، فبينا هو يسير في جوف الليل إذ هو برجل يحمل ابنة له صغيرة كأنها البدر تمامه،
стр. 19
فأعجبته، فقال لها: يا جارية ما ثمانية وأربعة واثنتان؟ فقالت: أما ثمانية فأطباء الكلبة، وأما أربعة فأخلاف الناقة، وأما اثنتان فثديا المرأة؟ فخطبها إلى أبيها فزوجه إياها، وشرطت عليه أن تسأله ليلة بنائه بها عن ثلاث خصال، فجعل لها ذلك على أن يسوق لها من المهر مائة من الإبل، وعشرة أعبد، وعشر وصائف، وثلاثة أفراس، ففعل ذلك، ثم إنه بعث عبدًا له إلى المرأة، وأهدى إليها نحيًا من سمن ونحيًا من عسل، وحلة من عصب (ضرب من البرود) فنزل العبد ببعض المياه، فنشر الحلة ولبسها فتعلقت بعشرة فانشقت، وفتح النحيين فأطعم أهل الماء منهما، فنقصا، ثم قدم على حي المرأة وهو غياب، فسألها عن أبيها وأمها وأخيها، ودفع إليها هديتها.
فقالت له: أعلم مولاك أن أبي ذهب يقرب بعيدًا ويبعد قريبًا، وأن أمي ذهبت تشق النفس نفسين، وأن أخي يراعي الشمس، وأن سماءكم انشقت، وأن وعائيكما نضبا، فقدم الغلام على مولاه، فأخبره فقال: أما قولها: إن أبي ذهب يقرب بعيدًا، ويبعد قريبًا، فإن أباها ذهب يحالف قومًا على قومه، وأما قولها: ذهبت أمي تشق النفس نفسين، فإن أمها ذهبت تقبل امرأة نفساء، وأما قولها: إن أخي يراعي الشمس، فإن أخاها في سرح له، وفهم الأخريين، فسأل العبد فاعترف بما كان منه.
وكان أمرؤ القيس مفركًا لا تحبه النساء، ولا تكاد امرأة تصبر معه، فتزوج امرأة من طيء تسمى أم جندب، فابتنى بها، فأبغضته من ليلتها، وكرهت مكانها معه، فجعلت تقول: يا خير الفتيان أصبحت، فيرفع رأسه، فينظر فإذا الليل كما هو، فتقول: أصبح ليل، فلما أصبح قال لها: قد علمت ما صنعت الليلة، وقد علمت أن ما صنعت من كراهية مكاني في نفسك، فما الذي كرهت مني؟ فقالت: ما كرهتك، فلم يزل حتى قالت: كرهتك لأنك ثقيل الصدر خفيف العجز، بطيء الإفاقة سريع الإراقة، وذهب قولها (أصبح ليل) مثلًا يضرب في
стр. 20
الليلة الشديدة التي يطول فيها الشر، وروي أنه لما جاور في طيء نزل به علقمة بن عبدة التميمي، فتذاكر الشعر، فقال كل واحد منهما لصاحبه: أنا أشعر منك، فقال له علقمة: قل شعرًا تمدح فيه فرسك والصيد، وأقول مثلهن وهذه الحكم بيني وبينك، فقال أمرؤ القيس قصيدته التي مطلعها:
خليلي مرا بي على أم جندب ... لتقضى لبانات الفؤاد المعذب
حتى مر بقوله:
فللساق ألهوب، وللسوط درة ... وللزجر منه وقع أهوج منعب
وأنشد علقمة:
ذهبت من الهجران في غير مذهب ... ولم يك حقًا كل هذا التجنب
حتى انتهى إلى قوله:
فأدركهن ثانيًا من عنانه ... يمر كغيثٍ رائحٍ متحلب
فقالت له: علقمة أشعر منك، فقال: وكيف" قالت: لأنك زجرت فرسك، وحركته بساقك، وضربته بسوطك، وإنه أردك الصيد ثانيًا من عنان فرسك، فغضب أمرؤ القيس، وقال: ليس كما قلت، ولكنك هويته، فطلقها، فتزوجها علقمة، وبهذا لقب علقمة الفحل، أهـ من الديون بحروفه.
تنيه: بحر معلقة امرئ القيس هو البحر الطويل.
تنبيه: معنى المعلقة: كان العرب في الجاهلية يقول الواحد منهم الشعر في أقصى الأرض، فلا يؤبه له، ولا ينشده أحد حتى يأتي مكة المكرمة في موسم الحج، فيعرضه على أندية قريش، فإن استحسنوه روي، وافتخر به قائله وعلق على ركن من أركان الكعبة حتى يراه الناس، وإن لم يستحسنوه
стр. 21
طرح ولم يعبأ به، وأول من علق شعره في الكعبة أمرؤ القيس، وبعده علقت الشعراء، وعدد من علق شعره سبعة، ثانيهم طرقة بن العبد، ثالثهم زهير بن أبي سلمى، رابعهم لبيد بن ربيعة، خامسهم عمرو بن كلثوم، سادسهم الحارث بن حلزة، سابعهم عنترة بن شداد.
وروي أن أبا عبيدة قال: أصحاب السبع التي تسمى السمط، أمرؤ القيس، وزهير، والنابغة، والأعشى، ولبيد، وعمرو، وطرفة، قال: وقال المفضل: من زعم أن في السبع التي تسمى السمط لأحد غير هؤلاء فقد أبطل، فأسقط من أصحاب المغلقات عنترة والحارث بن حزة، وأثبتا الأعشى والنابغة، وكانت المعلقات تسمى المذهبات، وذلك أنها اختيرت من سائر الشعر، فكتبت في القباطي بماء الذهب، وعلقت على الكعبة، فلذلك يقال: مذهبة فلان، إذا كان أجود شعره، وذكره ذلك غير واحد من العلماء، وقيل: بل كان الملك إذا اسجيدت قصيدة يقول: علقوا لنا هذه لتكون في خزانته، ولم يكن للعرب ملوك سوى المناذرة الذين كانوا يملكون الحيرة في جنوب العراق تحت سيطرة الفرس، والغساسنة الذين كانوا يملكون حوران في جنوب الشام تحت سيطرة الروم، والمناذرة أشهر وأقوى من الغساسنة.
تنبيه: لم يذكر أحد معلقة عبيد بن الأبرص في المعلقات مع اختلاف العلماء كما رأيت في عدها وذكر أصحابها، وقد جمع التبريزي المعلقات التسع، وأضاف إليهن معلقة عبيد بن الأبرص، فصارت عشرًا، وعندما تطلع على معلقة عبيد بن الأبرص، وترى ما فيها من اختلال الوزن في كثير من أبياتها، وعدم الرونق والجمال في إنشادها توافق معي أنها لا تستحق أن تسمى معلقة من المعلقات بالمعنى الصحيح، تأمل وتدبر والله أعلى وأعلم، وأجل وأكرم.
стр. 22
١ - قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل
المفردات: قفا: أمر من الوقوف خاطب به اثنين كانا يسيران معه، أو خاطب به واحدًا، فنزله منزلة اثنين على عادة العرب أن تكون الرفقة ثلاثة فما فوق، قال الله ﵎ مخاطبًا مالكًا خازن النار: ﴿ألقيا في جهنم كل كفارٍ عنيد﴾ فثنى، وإنما يخاطب واحدًا، وقال سويد بن كراع العكلي:
فإن تزجراني، يا ابن عفان أنزجر ... وإن تدعاني أحم عرضًا ممنعًا
وما أكثر الشواهد على ذلك، فيكون كلامه قد جرى على ما قد ألف من خطابه لصاحبيه ألا ترى أن الشعراء كثيرًا ما يقولون: يا صاحبي - يا خليلين أو خاطب به واحدًا، وهذه الألف ليست ضميرًا، وإنما هي منقلبة عن نون التوكيد الخفيفة، إجراء للوصل مجرى الوقف، وأكثر ما يكون هذا في الوقف، قال الأعشى:
وصل على حين العشيات والضحى ... ولا تحمد المثرين، والله فاحمدا
أراد فاحمن، ويقال: إنما ثنى لأنه أراد: قف قف بتكرير الأمر، ثم جمعهما في لفظة واحدة، كما قال أبو عثمان المازني في قوله تعالى: ﴿قال رب ارجعون﴾ المراد به: أرجعني أرجعني أرجعني، جعلت الواو علمًا مشعرًا بأن المعنى تكرير للفظ مرارًا. وقفا فعل أمر، ماضيه وقف، ومضارعه يقف، وأصل الأمر فيه أوقف، فحذفت الواو من مضارعه وأمره، وتلتها الألف في الأمر، وهذا احذف قياسي في كل فعل مثال واوي مكسور عين المضارع، مثل يعد ويزن وعد وزن، فتحذف الواو في المضارع لوقوعها بين عدوتيها، وهما الياء والكسرة، وحذفت من الأمر مع الألف للتخفيف. بنك: فعل مضارع من البكاء بالمد والقصر، قال الخليل: كم قصر البكا ذهب به إلى معنى الحزن، ومن مده ذهب به إلى معنى رفع الصوت، هذا قوله وإن شئت قلت: البكا بالقصر إسالة الدمع من غير رفع صوت، وبالمد إسالة
стр. 23
الدمع معه، قال كعب بن مالك الأنصاري ﵁:
بكت عيني، وحق لها بكاها ... وما يغني البكاء، ولا العويل
ذكرى: مصدر بمعنى التذكر، حبيبك هو اسم مفعول بمعنى محبوب، يستوي فيه المذكر والمؤنث. سقط: بتثليث السين منقطع الرمل حيث يستدق طرفه، والسقط أيضًا ما يتطاير من النار، والسقط أيضًا المولود لغير تمام مدة الحمل. اللوى: المكان الذي يكون رمله مستدقًا، وقيل: هو رمل يتلوى وينحني. الدخول وحومل: الأول بفتح الدال على زنة فعول، والثاني بزنة فوعل: موضعان شرقي اليمامة، قال صاحب الدرر اللوامع: والصحيح أن التي يعني أمرؤ القيس مواضع ما بين إمرة وأسود العين، وكان الأصمعي يرويه (بين الدخول وحومل) أي بالواو، ويقول: لا يقال المال بين زيد وعمرو، وأجيب بأن التقدير: بين مواضع الدخول فمواضع حومل، وإن أردت الزيادة فانظر الشاهد ٢٩٣ من كتابنا فتح القريب المجيب، ففيه الكلام كافٍ شافٍ.
المعنى يقول: يا صاحبي قفا وأعيناني على البكاء عند تذكري حبيبًا فارقته، ومنزلًا خرجت منه، وذلك الحبيب، وذلك المنزل يقعان بين هذين الموضعين اللذين هما الدخول وحومل.
الإعراب: قفا: فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بألف الاثنين، والألف ضمير متصل في محل رفع فاعل، أو هو فعل أمر مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة المنقلبة ألفًا، إجراء للوصل مجرى الوقف، ويكون الفاعل ضميرًا مستترًا فيه وجوبًا تقديره أنت. نبك: فعل مضارع مجزوم بجواب الأمر، وعند الجمهور مجزوم بشرط محذوف، التقدير: قفا، إن تقفا نبك، والمشهور الأول، وهو أقل تلفًا، وعلامة
стр. 24
جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره نحن، والجملة العلية لا محل لها من الإعراب، سواء اعتبرت الجازم الأمر، أم الشرط المحذوف المقدر، من: حرف جر. ذكرى: اسم مجرور بمن، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجار والمجرور متعلقان بالفعل بنك، وذكرى مضاف وحبيب مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، إذ التقدير: من تذكرنا حبيبًا ... ألخ. الواو: حرف عطف، منزل: معطوف على سابقه مجرور مثله، وهو في التقدير منصوب. بسقط: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة منزل، أو بالفعل قفا، أو بالفعل نبك، وسقط مضاف واللوى مضاف ليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. بين: ظرف مكان منصوب متعلق بما تعلق به قوله (بسقط) وهذا يعني إبدال الظرف من الجار والمجرور، وإن علقته بمحذوف صفة سقط اللوى، فالمعنى لا يأباه، وبين مضاف والدخول مضاف إليه. فحومل: معطوف على الدخول بالفاء العاطفة، وقد صرف لضرورة الشعر، إذ حقه المنع للعلمية والعجمة.
٢ - فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها ... لما نسجتها من جنوب وشمأل
المفردات: توضح والمقراة: موضعان قريبان من الدخول وحومل، والمقراة في غير هذا الموضع الغدير الذي يجتمع فيه الماء، من قولهم: قريت الماء في الحوض إذا جمعته. لم يعف: لم ينمح أثرها ولم يدرس، بسبب الريحين فقط، بل بتعاور الأمطار لها ومرور الأزمنة عليها. من قولك: عفا المنزل يعفو عفاءً، إذا انمحت آثاره، وذهبت معالمه، ولا تنس إتيانه من العفو والصفح، وهو كثير في القرآن الكريم كثرة لا تعد ولا تحصى، كما يأتي عفا يعفو بمعنى الكثرة، قال تعالى: ﴿ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى
стр. 25
عفوا﴾ أي حتى كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم، من قولهم: عفا النبات وعفا الشحم والوبر إذا كثر كل منهن، والعافي طالب المعروف والإحسان، قال الأعشى:
تطوف العفاة بأبوابه ... كطوف النصارى ببيت الوثن
فالعفاة جمع عاف، وقال عروة بن الورد:
وأني أمرؤ عافي إنائي شركة ... وأنت أمرؤ عافي إنائك واحد
الرسم: هو ما لصق بالأرض من آثار الدار، مثل البعر والرماد وغيرهما، وجمعه أرسم ورسوم، كما يقال: أبحر وبحور، في جمع البحر، وقال: رسمها، ولم يقل رسومها اكتفاءً بالواحد عن الجميع كما قال الآخر:
بها جنيف السحرى، فأما عظامها ... فبيض، وأما جلدها فصليب
والضمير المتصل برسمها ونسخها يعود إلى الأمكنة المذكورة في هذا البيت وسابقه، ونسج الريحين الدار اختلافهما عليها، فهذه تستر آثار الدار بالتراب، والأخرى تزيله عنها، فلا يذهب الأثر. جنوب: أراد ريح الجنوب. شمأل: أراد ريح الشمال، وفي الشمال لغات، يقال: شمال وشمأل وشأمل وشمل وشمل وشمول.
وأذكر أن الرياح الأصول أربع: إحداها الشمال، وتأتي من ناحية الشام، وهي شمال من استقبل مطلع الشمس، وهو بمكة المكرمة، وهذه الريح حارة في الصيف، باردة في الشتاء، والثانية الجنوب مقابلتها، وهي الريح اليمانية، والثالثة الصبا بفتح الصاد، وتأتي من مطلع الشمس، وتسمى القبول أيضًا، والرابعة الدبور، وتأتي من جهة المغرب، قال نبينا ﷺ : (نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور).
стр. 26
وهذا كله بالنسبة لمكة المكرمة، وما أتى منها من بين تلك الجهات، يقال لها: النكباء، ثم إن خرجت من بين الجنوب والشرق قيل لها: أزيب بفتح الهمزة وسكون الجيم وفتح الياء، وإن خرجت من بين الشمال والغرب قيل لها: جِرْبيا بكسر الجيم وسكون الراء وكسر الباء، وإن خرجت من بين الشمال والشرق، قيل لها: صابية، وإن خرجت من بين الجنوب والغرب، قيل لها: هيف بفتح الهاء، وسكون الياء، وقد جمع النواحي الثمانية بقوله:
صبا ودبور، والجنوب وشمأل ... بشرقٍ وغربٍ والتيمن والضد
ومن بينها النكباء، أزيب جربيا ... وصابية، والهيف خاتمة العد
والريح الهواء المسخر بين السماء والأرض، واصله الروح، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، والجمع أرواح ورياح، وأصل رياح رواح فعل به كما فعل بأصل الريح، والأكثر في الريح التأنيث، وقد تذكر على معنى الهواء.
ولا تنس أن الريح تأتي بمعنى الدولة والقوة، قال تعالى: ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا، وتذهب ريحكم﴾ أي دولتكم وقوتكم، شبهت في نفوذ أمرها وتمشيه بالريح وهبوبها، يقال: هبت ريح بني فلان إذا دالت لهم الدولة، ونفذ أمرهم.
المعنى يقول: لم تنمح آثار تلك الديار، لأنها كلما غطتها رياح الجنوب بالتراب، كشفته رياح الشمال عنها، أو بالعكس، وهكذا دواليك، وقد شبه فعل الريحين المتقابلتين بالنسج، وقيل: بل معناه لم يقتصر سبب محوها على نسج الريحين، بل كان له أسباب أخر منها هذا السبب، وهو مر السنين وتساقط الأمطار وغيرها، وقيل: بل معناه لم يعف رسم حبها من قلبي، وإن تعاقبت عليها الريحان، والمعنيان الأولان أظهر من الثالث، أهـ زوزني.
стр. 27
الإعراب: فتوضح: معطوف على الدخول وحومل في البيت السابق بالفاء العاطفة مجرور مثلهما، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة، لأنه ممنوع من الصر للعلمية والعجمية، وقيل للعلمية والتأنيث، فالمقراة: معطوف على ما قبله بالفاء العاطفة مجرور أيضًا. لم: حرف نفي وقلب وجزم، يعف: فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها. رسمها: فاعله، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية (لم يعف رسمها) في محل نصب حال من المقراة والأسماء قبله، لأنها أعلام على أمكنة معروفة، والرابط الضمير فقط، وجاز وقوع الحال من المضاف إليه لأن المضاف جزؤه (لما) اللام: حرف جر وتعليل. ما: اسم موصول مبني على السكون في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (يعف) نسجتها: فعل ماض، والتاء للتأنيث، وها: ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والفاعل ضمير مستتر فيه تقديره هي يعود إلى (ما) المفسرة بالمؤنث، وهو ريح الجنوب والشمال، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. ويجوز أن تكون (من) زائد في الإيجاب على قول أبي الحسن الأخفش، وجنوب فاعل مجرور لفظًا مرفوع محلًا، من جنوب: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في (نسج) ومن بيان وتفسير لما أبهم في ما، وشمأل: معطوف على سابقه بواو العطف، هذا وجوز بعضهم أن تكون (ما) مصرية تؤول مع الفعل نسج بمصدر، التقدير: لنسجها الريح، ثم أتى بمن مفسرة، فقال: من جنوب وشمأل، ففي (نسجت) ذكر الريح، لأنها لما ذكرت المواضع والسم والنسج دلت على الريح، فكنى عنها لدلالة المعنى، قال تعالى: ﴿والنهار إذا جلاها﴾ أراد إذا جلى الظلمة، فكنى عن الظلمة، ولم يتقدم لها ذكر لذلك المعنى، وانظر الشاهد ١٩٠، ١٩١ من كتابنا فتح رب البرية تجد ما يسرك، هذا ولم
стр. 28
يجز أبو العباس أحمد بن يحيى أن تكون (ما) مصدرية، قال: لأن الفعل يبقى بلا صاحب: كأنه لم يجزأ أن يكون في (نسجت) ضمير الريح، ويجوز ذلك على اعتبار (من) زائدة، واعتبار جنوب فاعلًا كما رأيت سابقًا.
٣ - رخاء تسح الريح في جنباتها ... كساها الصبا سحق الملاء المذيل
هذا البيت لم يذكره أحد من شراح المعلقة، ووجدته في الديوان بعد البيت السابق، وذكره الدكتور فخر الدين قباوة في تعليقه على شرح التبريزي نقلًا عن الجمهرة.
المفردات: رخاء: لينة طيبة، قال تعالى: ﴿فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب﴾، تسح: منسح الماء صبه، وسح الماء بنفسه سال من فوق، وكذا المطر والدمع، وبابهما رد، وأراد تجري الريح وتسير، وانظر شرح الريح في البيت السابق، جنباتها: جمع جنبة، وهي الناحية، وانظر (عرصاتها) في البيت التالي فهو مثله. الصبا: أراد ريح الصبا، انظر البيت السابق. سحق: بفتح السين الثوب البالي، وهو بضم السين البعد والطرد والهلاك، الملاء المذيل: أراد الثوب الطويل الذيل.
المعنى يقول: إن الأمكنة المذكورة في البيتين السابقين تجري الرياح في جنباتها ونواحيها لينة طيبة هادئة، حتى جعلتها مثل الثوب الطويل الذيل البالي، وخص الصبا بالذكر لأنها أكثر هبوبًا من غيرها في تلك الأمكنة.
الإعراب: رخاء: حال من الريح، تقدم على عامله وصاحبه. تسح: فعل مضارع. الريح: فاعله. في جنباتها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية (تسح الريح ... إلخ) في محل نصب حال ثانية من الأمكنة المذكورة في البيتين السابقين، والرباط الضمير المجرور محلًا بالإضافة، والاستئناف
стр. 29
ممكن بالإعراض عن البيتين السابقين. كساها: فعل مضارع مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر، وها: ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. الصبا: فاعل كسا مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ولم يؤنث الفعل كسا لأن المراد بالصبا الهواء كما رأيت في البيت السابق. سحق: مفعول به ثان للفعل كسا، وهو مضاف والملاء مضاف إليه من إضافة الصفة للموصوف، المذيل: صفة الملاء، وجملة (كساها الصبا ... إلخ) يقال فيها: ما قيل بالجملة السابقة، واعتبارها في محل نصب حال من الضمير المجرور محلًا بالإضافة جيد معنى.
٤ - ترى بعر الأرام في عرصاتها ... وقيعانها كأنه حب فلفل
المفردات: ترى: تبصر، الأرم: جمع ريم وريمة، ويروى الأرام على أنه جمع رئم ورئة، وكلاهما الظباء البيض الخالصة البياض، ورواية الديوان (الصيران) على أنه جمع صوار، وهو القطيع من بقر الوحش أو الظباء. العرصات: جمع عرضة بفتح العين وسكون الراء، وهي ساحة الدار، وكل بقعة واسعة ليس فيها بناء، وسميت ساحة الدار عرضة لأن الصبيان يعرصون فيها، أي يلعبون ويمرحون، وقد فتحت الراء في الجمع على القاعدة في جمع الاسم الثلاثي الصحيح العين الساكنها المؤنث المختوم بالتاء، مثل سجدة وسجدات، وركعة وركعات، وتمرة وتمرات، وإن أردت الزيادة فانظر الشاهد ١١٥ و ١١٦ من كتابنا فتح رب البرية، كما يجمع العرصة على عراص، مثل كلبة وكلاب. القيعان: جمع قاع، وهو المستوى من الأرض الفلاة، ويجمع القاع على أقواع وأقوع وقيعة، قال تعالى: ﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء﴾ الفلفل: بفاءين معروف، ويروى (حب قلقل) بقافين، وهو شجر يشبه الرمان،
стр. 30
يحمل حبًا أسود أملس مستديرًا في حجم الفلفل.
تنبيه: أما ترى فماضيه رأى، والقياس ترأي، وقد تركت العرب الهمز في مضارعه، لكثرته في كلامهم، وربما احتاجت إلى همزة، فهمزته، كما في قول سراقة بن مرداس البارقي:
أرى عيني ما لا ترأياه ... كلانا عالمٌ بالترهات
وربما جاء ماضيه بغير همز، وبه قرأ نافع في قوله تعالى: ﴿أرأيتكم، وأرأيت﴾ أرايتكم، وأرأيت بدون همز، وقال الشاعر:
صاح هل ريت أو سمعت براعٍ ... رد في الضرع ما قرى في الحلاب
وإذا أمرت منه على الأصل قلت: ارء، وعلى الحذف ره بهاء السكت، وقل في إعلال ترى: أصله ترأي قلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وحذفت الهمزة بعد إلقاء حركتها على الراء للتخفيف.
المعنى يقول: إن هذه الديار كانت مأهولة بأهلها، مأنوسة بهم، غادرها أهلها، وأفقرت أرضها من بعدهم، فسكنت رملها وباحاتها الظباء، وإنك لتبصر بعرها منتشرًا في ساحتها كأنه حب الفلفل، أو القلقل.
الإعراب: ترى: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المقصورة، منع من ظهورها التعذر، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنت. بعر: مفعول به، وهو مضاف والآرام مضاف إليه. في عرصاتها: جار ومجرور متعلقان بالفعل ترى، أو بمحذوف في محل نصب حال من بعر الآرام، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. كأنه: حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. حب: خبرها وهو مضاف وفلفل مضاف إليه، والجملة الاسمية (كأنه حب فلفل) في محل
стр. 31
نصب حال من بعر الآرام، والرابط الضمير فقط، والجملة الفعلية (ترى ... إلخ) يقال فيها: ما قيل في الجملتين السابقتين في البيت السابق:
٥ - كأني غداة البين يوم تحملوا ... لدى سمرات الحي ناقف حنظل
المفردات: غداة البين: صبيحة الفراق، والغداة في الأصل الضحوة، وهي مؤنثة، ولم يسمع تذكيرها، ولو حملها حامل على أول النهار كما هنا جاز له التذكير، والجمع غدوات، ويقابلها العشي، قال تعالى: ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾ وأما الغدوة فهي ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، وقيل إلى الضحوة الكبرى، وجمعها غدو، ويقابلها الأصيل، وجمعه آصال، قال تعالى: ﴿يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال ... إلخ﴾، كما يقابل الغدو بالعشي، قال تعالى في حق فرعون وأشياعه ﴿النار يعرضون عليها غدوًا وعشيًا، ويوم القيامة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾. البين: الفراق، وهو أيضًا الوصال، فهو من الأضداد، وبالوصال فسر الفراء البين في قوله تعالى: ﴿وجعلنا بينهم موبقًا﴾ معناه وجعلنا تواصلهم في الدنيا مهلكًا لهم في الآخرة، وقال الشاعر:
لعمرك لولا البين لانقطع الهوى ... ولولا الهوى ما حن للبين آلف
وقد قرئ قوله تعالى: ﴿لقد تقطع بينكم﴾ بالرفع على معنى تقطع وصلكم. اليوم: الوقت من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وهو اليوم الشرعي، وأما في العرف فهو من طلوع الشمس إلى غروبها، كما يطلق اليوم على الليل والنهار معًا، وقد يراد به الوقت مطلقًا، تقول: ذخرتك لهذا
стр. 32
اليوم، أي لهذا الوقت، والجمع أيام، وأصله أيوام، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وجمع الجمع أياويم، وأيام الله نعمه ونقمه، وأيام العرب وقائعها وحروبها، ويقال: فلان ابن الأيام، أي العارف بأحوالها، ويقال: أنا ابن اليوم، أي اعتبر حالي فيما أنا فيه. تحملوا واحتملوا: بمعنى ارتحلوا.
لدى: بمعنى عند، وعند أمكن من لدى من وجهتين: أحدهما أن عند تكون ظرفًا للأعيان والمعاني، تقول: هذا القول عندي صواب، وعند فلان علم به، ويمتنع ذلك في لدى، ذكره ابن الشجري في أماليه، ومبرمان ي حواشيه، والثاني أنك تقول: عندي مال، وإن كان غائبًا، ولا تقول: لدي مال إلا إذا كان حاضرًا، قاله جماعة، ولدى معربة مثل عند. سمرات: جمع سمرة بضم الميم فيها، وهي شجرة لها شوك تسمى أم غيلان.
الحي: محلة القوم، وهو البطن من بطون العرب، وهو المراد هنا، وجمعه أحياء، ومن الجدير بالذكر أن طبقات النسب عند العرب سبع، وهي الشعب والقبيلة والعمارة والبطن والفخذ والفصيلة والعشيرة، فالشعب يجمع القابل، والقبيلة تجمع العمائر والعمارة تجمع البطون، والبطن تجمع الأفخاذ، والفخذ تجمع الفصائل، والفصيلة تجمع العشائر، وليس بعد العشيرة شيء يوصف عند العرب، واستحدث اسم الأسرة والعائلة لما يشمل الزوج والزوجة، وأولادهما الذين يعيشون في دار واحدة، وأخيرًا اسمع قول العلي القدير ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبًا، وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبر﴾ ناقف: اسم فاعل من نقف هامة الرجل ينقفها نقفًا إذا كسرها، والنقف الضرب. والحنظل: نبات مر كريه.
المعنى يقول: وقفت ساعة رحليهم عند شجرات أم غيلان، أبكي
стр. 33
كأني أنقف حنظلة بظفري لأستخرج منها حبها، وإنما شبه نفسه بناقف الحنظل، لأنه تدمع عيناه لحرارة الحنظل ومرارته، فيجد أثر ذلك في حلقه وأنفه وعينيه، فيكون في أسوأ حال.
الإعراب: كأني: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. غداة: ظرف زمان متعلق بناقف الآتي، وإن علقته بكأن لما فيها من معنى التشبيه، فلست مفندًا، وتعليق الظرف والجار والمجرور بالحرف جائز إذا تضمن معنى الفعل كما هو مذكور في محاله، ومن لم يجز التعليق بالحرف يقدر فعلًا دل عليه الحرف، والتقدير: أشبه نفسي، والأول أقوى عندي، انظر الشاهد ٨٠٩ من كتابنا فتح القريب المجيب تجد ما يسرك ويثلج صدرك. وغداة مضاف والبين مضاف إليه، يوم: ظرف زمان بدل من غداة بدل كل من بعض. تحملوا: فعل وفاعل وألف الفارقة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة يوم إليها. لدى: ظرف مكان متعلق بما تعلق به غداة منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، ولدى مضاف وسمرات مضاف إليه، وسمرات مضاف والحي مضاف إليه. ناقف: خير كأن، وهو مضاف وحنظل مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنا، والجملة الاسمية (كأني ناقف حنظل) مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
٦ - وقوفًا بها صحبي علي مطيهم ... يقولون: لا تهلك أسى وتجمل
المفردات: وقوفًا: جمع واقف، مثل الشهود والركوع في جميع شاهد وراكع. الصحب: جمع صاحب، ويجمع الصاحب أيضًا على الأصحاب والصحاب والصحابة والصحبة والصحبان، ثم يجمع الأصحاب على الأصاحيب والصحابة والصحبة والصحبان، ثم يجمع الأصحاب على الأصاحيب أيضًا، ثم يخفف، فيقال: الأصاحب والصاحب الصديق،
стр. 34
ويطلق على المخالط والمعاشر لك في هذه الدنيا، هذا وصاحب النبي ﷺ من اجتمع به مؤمنًا ولو مرة واحدة في حياته، ويطلق الصاحب على مالك الشيء، يقال: صاحب الدار وصاحب الجمل ونحو ذلك. المطي: جمع مطية، وتجمع أيضًا على مطايا ومطيات، والمطية الناقة أو البعير، سميت مطية لأنها يرتكب مطاها، أي ظهرها، وقيل: سميت مطية لأنها يمطى بها في السير، أي يمد بها، ووزن مية من الفعل فعيلة، أصلها مطيوة، فلما أجتمعت الواو والياء في كلمة واحدة، والسابق ساكن، قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، هذا وقد يطلق اسم المطيعة على الحمار يقع للمذكر والمؤنث، وأنشد في تصداق ذلك:
إن الحمار مع الحمار مطية ... فإذا حكوت بها فبئس الصاحب
يقولون: أصله يقولون، فيقال في إعلاله اجتمع معنا حرف صحيح ساكن وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت الضمة إلى القاف بعد سلب سكونها، فصار يقولون، هذا والقول يطلق على خمسة معان: أحدها اللفظ الدال على معنى، الثاني حديث النفس، ومنه قوله تعالى: ﴿ويقولون في أنفسهم﴾ الثالث الحركة والإمالة، يقال: قالت النخلة، أي مالت: الرابع ما يشهد به الحال كما في قوله تعالى: ﴿قالتا: أتينا طائعين﴾ الخامس الاعتقاد، كما تقول: هذا قوله المعتزلة، وهذه مقالة الأشاعرة: أي ما يعتقدونه، وانظر شرح الكلام في البيت ٦٢ من معلقة زهير.
أسى: أسفًا وحزنًا، يقال: قد أسيت على الشيء أسى شديدًا، إذا حزنت عليه، وأصله أسيًا بفتح الهمزة والسين، وتحريك الياء منونة، فقلت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فاجتمع ساكنان: الألف والتنوين الذي يرسم ألفًا في حالة النصب بحسب الأصل، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين،
стр. 35
فصار أسى، وإنما أتوا بياء أخرى لتدل على الياء الأصلية المحذوفة، بخلاف ما إذا لم يأتوا بها، وقالوا: أسًا فلا يوجد ما يدل عليها. تجمل: أي أظهر الجمال، وأراد لا تظهر الجزع، ولكن تصبر، وأظهر للناس خلاف ما في قلبك من الحزن، لئلا تشمت بك العواذل والعداة، ولا يكتئب لك الأخلاء، ويروى تحمل بالحاء المهملة، ومعناه قريب من الأول، والتجمل التكلف، وكذلك كل مصدر يأتي على وزن تفعل، يدل على أن الفاعل يتكلف الفعل ليصبح من عاداته وسجاياه مثل تسل وتكرم، قال الشاعر:
تكرم لتعتاد الجميل، فلن ترى ... أخا كرمٍ إلا بأن يتكرما
وتعز وتحلم كقول الأحنف بن قيس، وقيل: هو لحاتم الطائي:
تحلم عن الأدنين، واستبق ودهم ... ولن تستطيع الحلم حتى تحلما
المعنى يقول: بعد أن بين في البيت السابق حاله لقد وقف علي أصحابي، وأنا قاعد عند رواحلهم، قائلين لي لا تهلك من فرط الحزن وشدة الجزع، وتجمل بالصبر، وأظهر للناس خلاف ما في قلبك من الحزن والجزع.
الإعراب: وقوفًا: حال عامله (قفا) في أول القصيدة، أو الفعل (نبك) وقيل: هو مفعول مطلق عامله قفا، وهذا الاختلاف يعود إلى الاختلاف في تفسيره، فإن كان جمع واقف، فهو حال، وإن كان مصدرًا فهو مفعول مطلق. بها: جار ومجرور متعلقان بوقوفًا. صحبي: فاعل بوقوفًا مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. علي: جار ومجرور متعلقان بوقوفًا. مطيهم: مفعول به لوقوفًا، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور. يقولون: فعل
стр. 36
مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب حال من صحبي، والرابط واو الجماعة فقط. لا: ناهية جازمة. تهلك: فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنت، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. أسى: مفعول مطلق عند الكوفيين لأن معنى قوله (لا تهلك) بمعنى لا تأس، فكأنه قال: لا تأس أسى، وقال البصريون: حال من فاعل تهلك، والتقدير عندهم: لا تهلك أسيًا، وقيل: هو مفعول لأجله، وعلى كل فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لا لتقاء الساكنين، والألف المقصورة المذكورة دليل عليها، وليست عينها. الواو: حرف عطف. تحمل: فعل أمر مبني على السكون المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنت، والجملة الفعلية معطوفة على جملة (لا تهلك) فهي مثلها في محل نصب مقول القول.
٧ - فدع عنك شيئًا، قد مضى لسبيله ... ولكن على ما غالك اليوم أقبل
هذا البيت ولاحقه لم يذكرهما أحد من شراح المعلقة، وإنما ذكرها الدكتور فخر الدين قباوة في تعليقه على شرح التبريزي.
المفردات: دع: فعل أمر، ومعناه اترك، والمستعمل من هذه المادة المضارع والأمر فقط، ومثله ذر ومضارعه يذر، فكلا المادتين ناقص التصرف، وهما بمعنى الترك، وقد سمع سماعًا نادرًا الماضي منهما، فقالوا: ودع ووذر بوزن وضع، إلا أن ذلك شاذ في الاستعمال، لأن العرب كلهم إلا قليلًا منهم أميت هذا الماضي من لغاتهم، وليس المعنى أنهم لم
стр. 37
يتكلموا به البتة، بل تكلموا به دهرًا طويلًان ثم أماتوه بإهمالهم استعماله، فلما جمع العلماء ما وصل إليهم من لغات العرب وجدوه مماتًا، إلا ما سمع منه سماعًا نادرًا، فقد قرئ في قوله تعالى ﴿ما ودعك ربك وما قلى﴾ بالتخفيف، وأيضًا قول النبي ﷺ : (دعوا الحبشة، وما ودعوكم) وسمع منه المصدر في قوله ﷺ : (لينتهين أقوام عن ودعهم الجماعات، أو لأحرقن عليهم بيوتهم) أي عن تركهم إياها، وقال الشاعر:
وثم ودعنا آل عمرو وعامر ... فرائس أطراء المثقفة السمر
وسمع منه اسم الفاعل واسم المفعول في أبيات من الشعر، قال خفاف بن ندبة:
إذا ما استحمت أرضه من سمائه ... جرى، وهو مودوع، وواعد مصدق
هذا رأي أكثر النحاة، وقال محب الدين الخطيب، شارح شواهد الكشاف: فقد رويت هذه الكلمة، أي (ودع) عن أفصح العرب، ونقلت عن طريق القراء، فكيف تكون إماتة؟ وقد جاء الماضي في بعض الأشعار، وما هذه سبيله، فيجوز القول يقلة الاستعمال، ولا يجوز القول بالأماتة، وأضيف أن كثيرًا من النحاة يقولون في ماضي (عم ويعم) ما قيل في ماضي (دع وذر) كما سأشير إلى ذلك في البيت ٦ من معلقة زهير إن شاء الله تعالى.
شيئًا: الشيء هو في اللغة عبارة عن كل شيء موجود، إما حسًا كالأجسام، وإما حكمًا كالأقوال، نحو قلت شيئًا، وجمع الشيء أشياء غير منصرف، واختلف في علته اختلافًا كثيرًا، والأٌرب ما حكي عن الخليل أن وزنه شيآء وزان حمراء، فاستثقل وجود همزتين في تقدير الاجتماع، فنقلت
стр. 38
الأولى إلى أول الكلمة، فبقيت وزان لفعاء، كما قلبوا أدؤرًا، فقالوا: أدر وشبهه، وجمع الأشياء أشايا.
السبيل: الطريق يذكر ويؤنث بلفظ واحد، فمن التذكير قوله تعالى: ﴿وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلًا، وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلًا﴾ ومن التأنيث قوله تعالى: ﴿قل: هذه سبيل أدعو إلى الله﴾ والجمع على التأنيث سبول، وعلى التذكير سبل بضمتين، وسبل بسكون الباء. غالك: أصله أهلكك وأخذك من حيث لا تدري، واغتاله قتله غيلة، وأراد به هنا ما نالك وأصابك من خير أوشر. اليوم: انظر شرحه في البيت رقم -٥ - .
المعنى يقول: إن أصحابه بعد أن نهوه في البيت السابق عن الحزن، وأمروه بإظهار الصبر وعدم الجزع، قالوا له: اترك الشيء الذي قد مضى وانقضى، وأعرض عنه، وأقبل على الذي ينوبك في يومك الحاضر من خير أو شر.
الإعراب: الفاء: حرف عطف. دع: فعل أمر مبني على السكون، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنت. عنك: جار ومجرور متعلقان بالفعل دع، هذا وإن الأخفش يعتبر (عن) في مثل هذا البيت اسمًا بمعنى جانب، انظر الشاهد ٢٦٧ من كتابنا فتح القريب المجيب. شيئًا: مفعول به. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. مضى: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى شيئًا. لسبيله: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (دع ... إلخ) معطوفة على ما قبلها في البيت السابق، فهي في محل نصب مقول القول أيضًا. والواو: حرف عطف. لكن: حرف استدرك مهمل لا عمل له. على: حرف جر. ما: اسم
стр. 39
موصول مبني على السكون في محل جر بعلى، والجار والمجرور متعلقان بالفعل أقبل بعدهما. غالك: فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى ما، وهو العائد، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. اليوم: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. أقبل: فعل أمر مبني على السكون، وانظر تجمل في البيت السابق، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على رأي ابن أبي الربيع، ويرى غيره أن (لكن) حرف ابتداء، والجملة الفعلية بعدها مستأنفة. تأمل وتدبرن وربك أعلم، وأجل وأكرم.
٨ - وقفت بها حتى إذا ما ترددت ... عماية محزون بشوق موكل
المفردات: بها: الضمير يعود إلى الأمكنة المذكورة في البيت الأول والثاني، ترددت: تكررت مرة بعد مرة. العماية: الغواية والجهالة. الشوق: هو الحب الشديد، ويقال: هو نزاع النفي إلى الشيء.
المعنى يقول: وقفت بتلك الأمكنة متحيرًا لا أدري ما أفعل حتى تكررت مرة مرة جهالة وغواية عاشق العشق والغرام، شديد الحزن على فقد أحبابه صحوت من حيرتي، ورجع إلى صوابي.
الإعراب: وقفت: فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. بها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. حتى: حرف ابتداء، ويقول الأخفش في مثل هذا البيت هي حرف جر جارًا إذًا، والأول قول الجمهور وهو المعتمد. إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه صالح لغير ذلك. ما: زائدة. ترددت: فعل ماض شرط إذا، والتاء للتأنيث. عماية: فاعل ترددت، والجملة الفعلية في محل جر
стр. 40
بإضافة إذا إليها، وجواب إذا محذوف كما رأيت تقديره في المعنى، وعماية مضاف ومحزون مضاف إليه وهو صفة لموصوف محذوف. بشوق: جار ومجرور متعلقان بموكل بعدهما. موكل: صفة ثانية للموصوف المحذوف.
٩ - وإن شفائي عبرة إن سفحتها ... وهل عند رسم دارس من معول ؟
المفردات: شفائي: برئي مما أعانيه من تباريح الشوق. العبرة: الدمعة تسقط من العين عند البكاء. مهراقة: مصبوبة، مثل مراقة، يقال: أرقت الماء، وهرقته، وأهرقته لغات، والكل بمعنى صببته، والهمزة في أرقت مبدلة من الهاء في هرقت، وانظر البيت ٢٦ من معلقة زهير، وهذا الإبدال كثير مستعمل في لغة العرب، مثل (آل) فإن أصله أهل، وكما في هيهات، فيقال: أيهات، وكما قيل: إن أصل إياك هياك، وقد جيء به على الأصل في قول طفيل الغنوي، وقيل: هو لمضرس بن ربعي:
فهياك والأمر الذي إن تراحبت ... موارده ضاقت عليك مصادره
ويورى صدر البيت (وإن شفائي عبرة إن سفحتها) ومعنى سفحتها صببتها، قال تعالى: ﴿أو دمًا مسفوحًا﴾ أي مصبوبًا. رسم: انظر البيت رقم ٢ دارس: اسم فاعل من درس الرسم إذا عفا وانمحى. معول: يحتمل معنيين: الأول أن يكون موضع عويل، أي بكاء، كأنه قال: هل عند رسم دارس من مبكى، والثاني أن يكون بمعنى الملجأ والمستغاث والمعتمد، فإن قال قائل: كيف قال في البيت الثاني (لم يعف رسمها)؟ فأخبر أن الرسم لم يدرس، وقال في هذا البيت (فهل عند رسم دارس من معول) قيل له في هذا: غير قولٍ. قال الأصمعي: معناه قد درس بعضه، ولم يدرس كله كما تقول: درس كتابك، أي ذهب بعضه وبقي بعضه. وقال أبو عبيدة: رجع فأكذب نفسه بقوله (فهل عند رسم دارس من معول؟ ) كما قال زهير:
следующие страницы →