Полный текст (1 090 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب حال من صحبي، والرابط واو الجماعة فقط. لا: ناهية جازمة. تهلك: فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنت، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. أسى: مفعول مطلق عند الكوفيين لأن معنى قوله (لا تهلك) بمعنى لا تأس، فكأنه قال: لا تأس أسى، وقال البصريون: حال من فاعل تهلك، والتقدير عندهم: لا تهلك أسيًا، وقيل: هو مفعول لأجله، وعلى كل فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لا لتقاء الساكنين، والألف المقصورة المذكورة دليل عليها، وليست عينها. الواو: حرف عطف. تحمل: فعل أمر مبني على السكون المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنت، والجملة الفعلية معطوفة على جملة (لا تهلك) فهي مثلها في محل نصب مقول القول.
٧ - فدع عنك شيئًا، قد مضى لسبيله ... ولكن على ما غالك اليوم أقبل
هذا البيت ولاحقه لم يذكرهما أحد من شراح المعلقة، وإنما ذكرها الدكتور فخر الدين قباوة في تعليقه على شرح التبريزي.
المفردات: دع: فعل أمر، ومعناه اترك، والمستعمل من هذه المادة المضارع والأمر فقط، ومثله ذر ومضارعه يذر، فكلا المادتين ناقص التصرف، وهما بمعنى الترك، وقد سمع سماعًا نادرًا الماضي منهما، فقالوا: ودع ووذر بوزن وضع، إلا أن ذلك شاذ في الاستعمال، لأن العرب كلهم إلا قليلًا منهم أميت هذا الماضي من لغاتهم، وليس المعنى أنهم لم
стр. 37
يتكلموا به البتة، بل تكلموا به دهرًا طويلًان ثم أماتوه بإهمالهم استعماله، فلما جمع العلماء ما وصل إليهم من لغات العرب وجدوه مماتًا، إلا ما سمع منه سماعًا نادرًا، فقد قرئ في قوله تعالى ﴿ما ودعك ربك وما قلى﴾ بالتخفيف، وأيضًا قول النبي ﷺ : (دعوا الحبشة، وما ودعوكم) وسمع منه المصدر في قوله ﷺ : (لينتهين أقوام عن ودعهم الجماعات، أو لأحرقن عليهم بيوتهم) أي عن تركهم إياها، وقال الشاعر:
وثم ودعنا آل عمرو وعامر ... فرائس أطراء المثقفة السمر
وسمع منه اسم الفاعل واسم المفعول في أبيات من الشعر، قال خفاف بن ندبة:
إذا ما استحمت أرضه من سمائه ... جرى، وهو مودوع، وواعد مصدق
هذا رأي أكثر النحاة، وقال محب الدين الخطيب، شارح شواهد الكشاف: فقد رويت هذه الكلمة، أي (ودع) عن أفصح العرب، ونقلت عن طريق القراء، فكيف تكون إماتة؟ وقد جاء الماضي في بعض الأشعار، وما هذه سبيله، فيجوز القول يقلة الاستعمال، ولا يجوز القول بالأماتة، وأضيف أن كثيرًا من النحاة يقولون في ماضي (عم ويعم) ما قيل في ماضي (دع وذر) كما سأشير إلى ذلك في البيت ٦ من معلقة زهير إن شاء الله تعالى.
شيئًا: الشيء هو في اللغة عبارة عن كل شيء موجود، إما حسًا كالأجسام، وإما حكمًا كالأقوال، نحو قلت شيئًا، وجمع الشيء أشياء غير منصرف، واختلف في علته اختلافًا كثيرًا، والأٌرب ما حكي عن الخليل أن وزنه شيآء وزان حمراء، فاستثقل وجود همزتين في تقدير الاجتماع، فنقلت
стр. 38
الأولى إلى أول الكلمة، فبقيت وزان لفعاء، كما قلبوا أدؤرًا، فقالوا: أدر وشبهه، وجمع الأشياء أشايا.
السبيل: الطريق يذكر ويؤنث بلفظ واحد، فمن التذكير قوله تعالى: ﴿وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلًا، وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلًا﴾ ومن التأنيث قوله تعالى: ﴿قل: هذه سبيل أدعو إلى الله﴾ والجمع على التأنيث سبول، وعلى التذكير سبل بضمتين، وسبل بسكون الباء. غالك: أصله أهلكك وأخذك من حيث لا تدري، واغتاله قتله غيلة، وأراد به هنا ما نالك وأصابك من خير أوشر. اليوم: انظر شرحه في البيت رقم -٥ - .
المعنى يقول: إن أصحابه بعد أن نهوه في البيت السابق عن الحزن، وأمروه بإظهار الصبر وعدم الجزع، قالوا له: اترك الشيء الذي قد مضى وانقضى، وأعرض عنه، وأقبل على الذي ينوبك في يومك الحاضر من خير أو شر.
الإعراب: الفاء: حرف عطف. دع: فعل أمر مبني على السكون، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنت. عنك: جار ومجرور متعلقان بالفعل دع، هذا وإن الأخفش يعتبر (عن) في مثل هذا البيت اسمًا بمعنى جانب، انظر الشاهد ٢٦٧ من كتابنا فتح القريب المجيب. شيئًا: مفعول به. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. مضى: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى شيئًا. لسبيله: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (دع ... إلخ) معطوفة على ما قبلها في البيت السابق، فهي في محل نصب مقول القول أيضًا. والواو: حرف عطف. لكن: حرف استدرك مهمل لا عمل له. على: حرف جر. ما: اسم
стр. 39
موصول مبني على السكون في محل جر بعلى، والجار والمجرور متعلقان بالفعل أقبل بعدهما. غالك: فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى ما، وهو العائد، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. اليوم: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. أقبل: فعل أمر مبني على السكون، وانظر تجمل في البيت السابق، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على رأي ابن أبي الربيع، ويرى غيره أن (لكن) حرف ابتداء، والجملة الفعلية بعدها مستأنفة. تأمل وتدبرن وربك أعلم، وأجل وأكرم.
٨ - وقفت بها حتى إذا ما ترددت ... عماية محزون بشوق موكل
المفردات: بها: الضمير يعود إلى الأمكنة المذكورة في البيت الأول والثاني، ترددت: تكررت مرة بعد مرة. العماية: الغواية والجهالة. الشوق: هو الحب الشديد، ويقال: هو نزاع النفي إلى الشيء.
المعنى يقول: وقفت بتلك الأمكنة متحيرًا لا أدري ما أفعل حتى تكررت مرة مرة جهالة وغواية عاشق العشق والغرام، شديد الحزن على فقد أحبابه صحوت من حيرتي، ورجع إلى صوابي.
الإعراب: وقفت: فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. بها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. حتى: حرف ابتداء، ويقول الأخفش في مثل هذا البيت هي حرف جر جارًا إذًا، والأول قول الجمهور وهو المعتمد. إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه صالح لغير ذلك. ما: زائدة. ترددت: فعل ماض شرط إذا، والتاء للتأنيث. عماية: فاعل ترددت، والجملة الفعلية في محل جر
стр. 40
بإضافة إذا إليها، وجواب إذا محذوف كما رأيت تقديره في المعنى، وعماية مضاف ومحزون مضاف إليه وهو صفة لموصوف محذوف. بشوق: جار ومجرور متعلقان بموكل بعدهما. موكل: صفة ثانية للموصوف المحذوف.
٩ - وإن شفائي عبرة إن سفحتها ... وهل عند رسم دارس من معول ؟
المفردات: شفائي: برئي مما أعانيه من تباريح الشوق. العبرة: الدمعة تسقط من العين عند البكاء. مهراقة: مصبوبة، مثل مراقة، يقال: أرقت الماء، وهرقته، وأهرقته لغات، والكل بمعنى صببته، والهمزة في أرقت مبدلة من الهاء في هرقت، وانظر البيت ٢٦ من معلقة زهير، وهذا الإبدال كثير مستعمل في لغة العرب، مثل (آل) فإن أصله أهل، وكما في هيهات، فيقال: أيهات، وكما قيل: إن أصل إياك هياك، وقد جيء به على الأصل في قول طفيل الغنوي، وقيل: هو لمضرس بن ربعي:
فهياك والأمر الذي إن تراحبت ... موارده ضاقت عليك مصادره
ويورى صدر البيت (وإن شفائي عبرة إن سفحتها) ومعنى سفحتها صببتها، قال تعالى: ﴿أو دمًا مسفوحًا﴾ أي مصبوبًا. رسم: انظر البيت رقم ٢ دارس: اسم فاعل من درس الرسم إذا عفا وانمحى. معول: يحتمل معنيين: الأول أن يكون موضع عويل، أي بكاء، كأنه قال: هل عند رسم دارس من مبكى، والثاني أن يكون بمعنى الملجأ والمستغاث والمعتمد، فإن قال قائل: كيف قال في البيت الثاني (لم يعف رسمها)؟ فأخبر أن الرسم لم يدرس، وقال في هذا البيت (فهل عند رسم دارس من معول) قيل له في هذا: غير قولٍ. قال الأصمعي: معناه قد درس بعضه، ولم يدرس كله كما تقول: درس كتابك، أي ذهب بعضه وبقي بعضه. وقال أبو عبيدة: رجع فأكذب نفسه بقوله (فهل عند رسم دارس من معول؟ ) كما قال زهير:
стр. 41
قف بالديار التي لم يعفها القدم ... بلى وغيرها الأرواح والديم
وقال آخرون: ليس قوله في هذا البيت مناقضًا لقوله في البيت الثاني، لأن معناه: لم يدرس رسمها من قلبي، وهو في نفسه دارس، وقالوا: أردا زهير في بيته: قف بالديار التي لم يعفها القدم من قلبي، ثم رجع إلى معنى الدروس، فقال: (بلى وغيرها الأرواح والديم) وقال آخرون معنى (فهل عند رسم دارس) الاستقبال كأنه قال: فهل عند رسم سيدرس بمرور الدهر عليه، وهو الساعة باق، كما تقول: زيد قائم غدًا، معناه زيدٌ يقوم غدًا.
المعنى يقول: إن مخلصي مما بي، وأقاسيه من الآلام دمعة تراق وتصب في ديار الأحبة، ثم استدرك، وقال: لا يوجد ملجأ ومعتمد، أو لا فائدة من البكاء في ديار الأحبة الذاهبة الآثار، والمنمحية الرسوم، ولا طائل في البكاء في هذا الموضع، لأنه لا يرد حبيبًان ولا يشفي قلبًا من وجده.
الإعراب: الواو: حوف استئناف. إن: حرف مشبه بالفعل. شفائي: اسم إن منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، ومتعلقه محذوف، تقديره، مما بي. عبرة: خبر إن. مهراقة: صفة عبرة، وجملة (إن شفائي عبرة) جملة اسمية مستأنفة لا محل لها (فهل) الفاء، ويورى بالواو، وكلاهما حرف عطف. هل: حرف استفهام بمعنى النفي هنا. عند: ظرف مكان متعلق بمحذوف في محل رفع خبر مقدم، وعند مضاف ورسم مضاف إليه. دارس: صفة رسمن وفاعله ضمير مستتر فيه. من: حرف جر زائد. معول: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الاسمية السابقة لا محل لها مثلها.
стр. 42
١٠ - كدأبك من أم الحويرث قبلها ... وجارتها أم الرباب بمأسل
المفردات: الدأب: العادة والحال والشأن، قال تعالى: ﴿كدأب آل فرعون﴾ وهو مصدر دأب في العمل إذا جد فيه واجتهد، وروى أبو عبيدة (كدينك) وهو بمعنى الأول. الحويرث: تصغير الحارث، وأم الحويرث هي أم الحارث بن حصن بن ضمضم الكلبي التي كان كثير الذكر لها في أشعاره. أم الرباب: امرأة من بني كلب أيضًا، وقيل: هما امرأتان من قضاعة. مأسل: موضع بنجد يقال له: مأسل الحمار، وقيل: هو جبل بعينه، وقيل: هو ماء بعينه.
المعنى يقول: لقيت من وقوفك في هذه الديار، وتذكرك أهلها كما لقيت من أم الحويرث وجارتها أم الرباب، وقيل بل المعنى: لقد أصابك من التعب والنصب من هذه المرأة كما أصابك من هاتين المرأتين.
هذا وإن في هذا البيت التفاتًا بالنسبة للأبيات السابقة، فقد التفت من التكلم إلى الخطاب، وفيه أيضًا تجريد، والتجريد أن ينتزع من أمر ذي صفة آخر مثله فيها مبالغة، فهنا قد جرد من نفسه شخصًا، وخاطبه بذلك.
الإعراب: كدأبك: جار ومجرور، قيل: متعلقان بقوله (قفا نبك) وقيل: الكاف اسم بمعنى مثل صفة لمفعول مطلق محذوف، والتقدير: قفا نبط بكاء مثل عادتك، وقيل: يجوز تعلقهما بشفائي، وأرى أن الجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير حالك وشأنك فيما تقدم كحالك من أم الحويرث، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. من أم: جار ومجرور متعلقان بالمصدر قبلهما، وأم مضاف والحويرث مضاف إليه. قبلها: ظرف زمان متعلق بمحذوف في محل نصب حال من أم الحويرث، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. الواو: حرف عطف. جارتها: معطوف على أم
стр. 43
الحويرث، وها: في محل جر بالإضافة، أم: بدل من جارتها بدل كل من كل، أو عطف بيان عليه، وأم مضاف والرباب مضاف إليه. بمأسل: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من أم الباب، وقيل: متعلقان بالمصدر دأب، والمعى لا يؤيده.
١١ - إذا قامتا تضوع المسك منهما ... نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل
المفردات: قامتا: نهضتا، فألف التثنية تعود إلى أم الحويرث وأم الرباب المذكورتين في البيت السابق. تضوع: فاح وانتشر المسك يذكر ويؤنث، وكذلك العنبر، وقيل: من أنت ذهب به إلى معنى الريح، ويروى (تضوع) يريد تتضوع، فحذف إحدى التاءين كما في قوله تعالى: ﴿فأنت له تصدى﴾ إذ كل مضارع مصدر بتاءين يجور حذف إحداهما للتخفيف. نسيم الصبا: أردا تنسمها، وهو هبوبها لينة هادئة، وانظر أنواع الرياح في البيت رقم -٢ - . جاء: يستعمل لازمًا ومتعديًا، فإن كان بمعنى حضر فهو لازم، قال تعالى: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ وإن كان بمعنى وصل فهو معتد، قال تعالى: ﴿إذا جاءك المؤمنات﴾ ريا القرنفل: رائحتها، والقرنفل ثمر شجرة كالياسمين، وهو أفضل الأفاويه الحارة، واحدته قرنفلة وقرنفولة.
المعنى يقول: إن أم الحويرث وأم الرباب إذا نهضتا من مكانهما، فاحت ريح المسك منهما مثل ريح الصبا الهادئة اللينة حالة كونها حاملة رائحة القرنفل الطيبة.
الإعراب: إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه صالح لغير ذلك. قامتا: فعل ماض، شرط إذا، والتاء للتأنيث، وحركت بالفتح لالتقائها ساكنة مع ألف التثنية، وألف الاثنين ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذا إليها. تضوع:
стр. 44
فعل ماض، أو فعل مضارع مرفوع. المسك: فاعل، والجملة الفعلية جواب إذا لا محل لها من الإعراب. منهما: جار ومجرور متعلقان بالفعل تضوع، أو هما متلقان بمحذوف حال من المسلك، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. نسيم: مفعول مطلق، وهو في الأصل مضاف إليه، فخذف المضاف الواقع صفة لمفعول مطلق محذوف أيضًا، وأصل الكلام: تضوع المسك منهما تضوعًا مثل نسيم الصبا، فحذف المصدر، ثم صفته، وأقيم المضاف إليه مقامه، فانتصب انتصابه، ونسيم مضاف والصبا مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. جاءت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الصبا، والجملة الفعلية يجوز أن تكون في محل نصب حال من الصبا، إن كانت أل للتعريف، ويجوز أن تكون في محل جر صفة للصبا، إن كانت (أل) للجنس، وذلك على حد قوله تعالى: ﴿مثل الذين حملوا التوراة، ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارًا﴾ فجملة (يحمل أسفارًا) صالحة للحالية والوصفية للحمار، ولا بد من تقدير (قد) قبل الفعل (جاءت) بريا: جار ومجرور متعلقان بالفعل جاء، وريا مضاف والقرنفل مضاف إليه.
١٢ - ففاضت دموع العين مني صبابة ... على النحر حتى بل دمعي محملي
المفردات: فاضت: سالت. الصبابة: رقة الشوق. النحر: موضع القلادة من الصدر، والنحر في اللبة كالذبح في الحلق. المحمل: السير الذي يحمل به السيف، والجمع حمائل على غير قياس، وليس للحمائل واحد من لفظها، ولو كان لها واحد لكان حميلة، ولكنه لم يسمع، قال التبريزي: ومما يسأل عنه في هذا البيت أن يقال: كيف يبل الدمع محمله،
стр. 45
وإنما المحمل على عاتقه؟ فيقال: قد يكون منه على صدره، فإذا بكى وجرى عليه الدمع ابتل.
المعنى يقول: لقد سالت دموع عيني من فرط وجدي بالمرأتين المذكورتين في البيت السابق، ومن شدة حنيني إليهما حتى بل دمعي حمالة سيفي.
الإعراب: الفاء: حرف عطف وسبب. فاضت: فعل ماض، والتاء للتأنيث. دموع: فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في البيت السابق، وهو جواب إذا لا محل لها أيضًا، ودموع مضاف والعين مضاف إليه. مني: جار ومجرور متعلقان بالفعل فاضت، أو هما متعلقان بمحذوف في محل نصب حال من دموع العين. صبابة: مفعول لأجله، وقيل: هو مفعول مطلق، مثل أقبل عبد الله ركضًا، وهذا يعني أنه مصدر مرادف، وقيل هو مصدر وضع موضع الحال، مثل قولك: جاء زيد مشيًا، أي ماشيًا، قال تعالى ﴿قل: أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورًا فمن يأتيكم بماءٍ معين؟ ﴾ أي غائرًا. على النحر: جار ومجرور متعلقان بالفعل فاضت. حتى: حرف غاية وجر بعدها أن مضمره، وبعضهم يعتبرها حرف ابتداء. بل: فعل ماض. دمعي: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة. محملي: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم ... إلخ، وياء المتكلم مضاف إليه، وأن المضمرة بعد حتى والفعل بل في تأويل مصدر في محل، جر بحتى، والجار والمجرور متعلقان بالفعل فاضت، وعلى اعتبار حتى حرف ابتداء، فالجملة الفعلية بعدها مستأنفة لا محل لها، والأول أقوى معنى وأتم سبكًا.
١٣ - ألا رب يوم لك منهن صالح ... ولا سيما يوم بدارة جلجل
стр. 46
المفردات: رب: حرف جر، معناه التقليل أحيانًا، والتكثر أحيانًا أخرى، وهو الأكثر، وتختص رب بوجوب تصديرها، ووجوب تنكر مجرورها، ونعته إن كان ظاهرًا، وإفراده وتذكيره وتمييزه بما يطابق المعنى إن كان ضميرًا. يوم: انظر البيت رقم ٥ ولا سيما يوم ... إلخ، معناه التعجب من فضل هذا اليوم، أي هو يوم يفضل الأيام. دارة جلجل: هو اسم لغدير ماء معين يقع عند غمر ذي كندة، وقال الأصمعي وأبو عبيدة: دارة جلجل في الحمى، قال في القاموس المحيط: ودارات العرب تنيف على مائة وعشر لم تجتمع لغيري مع بحثهم وتنقيرهم عنها، ولله الحمد، انظر القاموس (الدار)، ويقال: دار ودارة، وغدير وغديرة، ويوم دارة جلجل له قصة تتمثل بما يلي:
كان أمرؤ القيس يعشق ابنة عمه عنيزة بنت شرحبيل، وكان يحب لقاءها، فلم يتمكن من ذلك، فكان محتالًا لطلب الغرة من أهلها حتى كان يوم الغدير، وهو يوم دارة جلجل، وذلك أن الحي ارتحلوا، فتقدم الرجال، وخلفوا النساء والصبيان والثقل وراءهم ليسيروا على هينتهم، فلما رأى ذلك تخلف بعد قومه غلوة، وكمن في غيابة من الأرض حتى مر به النساء، فإذا فتيات فيهن عنيزة، فلما رأين الغدير قلن: لو نزلنا في هذا الغدير واغتسلنا ليذهب عنا بعض الكلال، فقالت إحداهن: افعلن، فعدلن إلى الغدير، فنزلن ودخلن الغدير، فأتاهن أمرؤ القيس مخاتلًا، وهن غوافل، فأخذ ثيابهن وهن في الغدير، ثم جمعها وقعد عليها، وقال: والله لا أعطي واحدة منكن ثوبها حتى تخرج متجردة فتأخذه، فأبين ذلك عليه حتى ارتفع النهار، فخشين أن يقصرن دون المنزل الذي يردنه، فخرجت إحداهن، فوضع لها ثوبها ناحية، فمشت إليه فأخذته ولبسته، ثم تتابعن على ذلك حتى بفيت عنيزة، فناشدته الله تعالى أن يضع لها ثوبها، فقال: والله لا تمسينه حتى تخرجي عريانة كما خرجن، فخرجت ونظر إليها مقبلة ومدبرة فوضع لها
стр. 47
ثوبها، فأخذته ولبستهن فاجتمعن إليه، وقلن له: غدّنا حبستنا وجوعتنا، فنحر لهن ناقته، وجمع الخدم حطبًا كثيرًا، فأجج نارًا عظيمة، فجعل يقطع لهن من كبدها وسنامها وأطايبها، فيرميه على الجمر، وهن يأكلن منه، ويشربن من فضلة كانت معه في زكرة له، ويغنيهن حتى شبعن وطربن، فلما ارتحلوا حملت مل واحدة شيئًا من متاعه، وبقيت عنيزة لم يحملها شيئًا، فقال لها: يا ابنة الكرام ليس لك بد من أن تحمليني معك، فإني لا أطيق المشي، ولم أتعوده، فحملته على بعيرها، فكان يميل إليها ويدخل رأسه في خدرها ويقلبها، فإذا مال الهودج، قالت: يا امرأ القيس قد عقرت بعيري حتى إذا كان قريبًا من الحي نزل، فأقام حتى إذا أجنه الليل أتى أهله، والأبيات الآتية تمثل لك هذا الفجور، وهذا الفسوق.
المعنى يقول: إنه ظفر من النساء في أيام كثيرة بالعيش الناعم الرغد، لكن يوم دارة جلجل كان أحسن تلك الأيام، وفي البيت التفات وتجريد كما في البيت رقم -١٠ - .
الإعراب: ألا: حرف تنبيه يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. رب: حرف تكثير وجر شبيه بالزائد لا يتعلق بشيء. يوم: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الشبيه بالزائد. لك: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة يوم، أو هما متعلقان بصالح الآتي. منهن: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب حال من الضمير المستقر في الجار والمجرور (لك) صالح: صفة يوم مجرور تبعًا للفظ، ويجوز رفعه تبعًا للمحل، وخبر المبتدأ الذي هو مجرور لفظًا برب محذوف تقديره: موجود (ولا سيما) الواو: حرف اعتراض، وقيل: هي واو الحال، وقيل: واو الاستئناف، وقيل: زائدة، وهو ضعيف. لا: نافية للجنس تعمل عمل إن. سي: اسم لا مبني أو هو
стр. 48
منصوب على ما ستعرفه. ما: فيها أقوال: الأول الزيادة على جر يوم ونصبه، والثاني اسم موصول، أو نكرة موصوفة على رفعه. يوم: إن كان مجرورًا فهو مجرور بإضافة سي إليه وما زائدة، وفتحة سي فتحة إعراب، وأجيز أن تكون بدلًا من (ما) على اعتبارها نكرة موصوفة مجرورة بإضافة سي إليها، وإن كان منصوبًا فهو تمييز، وما كافة لسي، وفتحتها فتحة بناء، وأجيز في ما أن تكون نكرة غير موصوفة في محل جر بإضافة سي إليها، ويومًا بالنصب مفعول به لفعل محذوف، وإن كان يوم مرفوعًا، فهو خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو يوم، وتكون (ما) اسمًا موصولًا، أو نكرة موصوفة، وعلى الوجهين فهي في محل جر صفة، وفتحة سي فتحة إعراب، بدارة: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة يوم على جميع أوجه إعرابه، ودارة مضاف وجلجل مضاف إليه، وإن اعتبرت (دارة جلجل) مركبًا تركيبًا مزجيًا فلست مفندًا، وتكون (دارة) مبنية على الفتح، وخبر لا النافية للجنس محذوف تقديره موجود، والجملة الاسمية المؤلفة من لا واسمها وخبرها يكون محلها بحسب إعراب الواو الواقعة قبلها.
١٤ - ويوم عقرت للعذارى مطيتي ... فيا عجبا من رحلها المتحمل
المفردات: يوم: انظر البيت رقم -٥ - عقرت: جرحت، وأراد به ذبحت كما تبين لك في البيت السابق، وأصل العقر أن يعند أحدهم إلى قوائم الناقة، فيضربها بسيفه حتى لا تقوى على مقاومة الذابح لها. العذارى: جمع عذراء، ويراد بها الشابة الفتية البكر، وتجمع العذراء أيضًا على عذاري، كما تقول: صحارى وصحاري في صحراء، وذفارى وذفاري في جمع الذفري، ومدارى ومداري في جمع مدرى، وأصل الأول في الكل بكسر الراء، فقلبت الكسرة فتحة، ثم قلبت الياء ألفًا مقصورة لتحركها وانفتاح ما قبلها، وذلك للتخفيف، ويمكن أن تقول: عذارٍ وصحارٍ وذفارٍ
стр. 49
ومدارٍ، وهو أخلف من سابقه، فيكون قد دخله الإعلال المذكور في البيت رقم -٦٠ - الآتي. المطية: انظر شرحها في البيت رقم -٦ - العجب: هو انفعال نفساني يعتري الإنسان عند استعظامه، أو استطرافه، أو إنكاره ما يرد عليه ويشاهده. الكور: الرحل بأداته، والجمع أكوار وكيران، ويروى من رحلها. المحتمل: اسم مفعول بمعنى المحمول.
المعنى يقول: إن يوم دارة جلجل الذي فعل فيه ما فعل، ويوم عقر فيه ناقته للأبكار الشابات أفضل الأيام الصالحة التي ظفر بها من حبائبه وخليلاته، ثم هو يتعجب كل العجب من حملهن رحل ناقته وأداته بعد ذبحها، واقتسامهن متاعه بعد ذلك.
الإعراب: الواو: حرف عطف. يوم: معطوف على يوم في البيت السابق على جميع أوجه إعرابه، ولم يظهر الجر والرفع في المعطوف على جر يوم الأول ورفعه، لأنه مبني على الفتح بسبب إضافته للفعل الماضي المبني بناء أصليًا كما هو معلوم. عقرت: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة يوم إليها. للعذارى: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. مطيتي مفعول به منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة، (فيا عجبًا) الفاء: حرف استئناف، يا: حرف نداء ينوب مناب أدعو. عجبًا: منادى مضاف منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المنقلبة ألفًا، وقد ظهرت هنا لمناسبة الألف، وياء المتكلم المنقلبة ألفًا ضمير متصل في محل جر بالإضافة، إذ أصل الكلام: فيا عجبي، إذ يجوز قلب ياء المتكلم ألفًا في النداء كما في قولك: يا غلاما في يا غلامي، فإن قيل: كيف ينادي العجب، وهو مما لا يعقل؟ أجيب بأن العرب إذا أرادت أن تعظم أمر الخبر جعلته نداء، قال سيبويه، إذا قلت: يا عجبًا، فكأنك
стр. 50
قلت: تعال يا عجب، فإن هذا إبانك، فهذا أبلغ من قولك: تعجبت، وهذا بالطبع على الاتساع، قال تعالى حكاية عن قول المجرم: ﴿يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله﴾ وقيل: بل المنادى محذوف، والتقدير: يا هؤلاء، أو يا قوم اشهدوا عجبي من كورها المحتمل، وفحوى هذا أن عجبًا مفعول به لفعل محذوف تقديره: اشهدوا، وإن قلت تقديره أعجبوا عجبًا، فيكون مفعولًا مطلقًا محذوف كما رأيت. من كورها: جار ومجرور متعلقان بعجبًا، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. المحتمل: صفة كورها، ونائب فاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى كورها، وجملة (يا عجبًا ... إلخ) مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
١٥ - ويا عجبًا من حلها بعد رحلها ... ويا عجبا للجازر المتبذل
هذا البيت لم يذكره أحد من شراح المعلقة، وإنما ذكر في الديوان بعد البيت السابق، ونقله الدكتور فخر الدين قباوة في تعليقه على شرح التبريزي عن الجمهرة.
المفردات: ويا عجبًا: انظر شرحه في البيت السابق. حلها: نزولها من حل في المكان نزل فيه. رحلها وسفرها. الجازر: الذابح.
المبتذل: هو الذي يلبس ثياب البذلة، وهي ثياب العمل، أو هو الباذل الذي يجود ويعطي، وأراد بالجازر المبتذل نفسه، وبذله ناقته للعذارى.
المعنى يقول: وإني أعجب كل العجب من نزول العذارى بدارة جلجل بعد رحيلهن وسفرهن، وأعجب كل العجب من الذابح ناقته، والباذل لها، وأراد بذلك نفسه كما رأيت.
الإعراب: ويا عجبًا: انظر إعراب هذا التركيب في البيت السابق. من حلها:
стр. 51
جار ومجرور متعلقان بعجبًا، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. بعد: ظرف زمان متعلق بحلها، وبعد مضاف ورحلها مضاف إليه، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ويا عجبًا: إعرابه كإعراب سابقه. للجازر: جار ومجرور متعلقان بعجبا. المتبذل: صفة ثانية للموصوف المحذوف، والصفة الأولى هي الجازر، وفاعلهما ضمير مستتر تقديره هو، وجملة (يا عجبا) في الشطرين عطوفة على مثلها في البيت السابق لا محل لها مثلها أيضًا.
١٦ - فظل العذارى يرتمين بلحمها ... وشحم كهداب الدمقس المفتل
المفردات: ظل: أصله ظلل، فأسكنت اللام الأولى بعد إسقاط حركتها، وأدغمت في الثانية، وذلك كراهة أن يجمع بين حرفين متحركين من جنس واحد في كلمة واحدة، وهذا يطرد في كل مضعف، فإذا اتصل بضمير رفع متحرك وجب الفك، مثل قولك: ظللت وظللنا ... إلخ، وتقول: ظللت أفعل ذلك، وظلت أفعله، وظلت أفعله إذا كنت تفعله نهارًا، وقد قرئ قوله تعالى: ﴿فظلتم تفكهون﴾ بقراءات ثلاث: وقد يراد به عدم التوقيت في النهار، ويستفاد منه الاستمرار كما في قوله تعالى: ﴿فيظللن رواكد على ظهره﴾. العذارى: انظر شرحه في البيت رقم -١٤ - يرتمين: يناول بعضهم بعضًا. الهداب والهدب: اسمان لما استرسل من الشيء، نحو ما يسترسل من الشعر، ومن أطراف الثوب، واحدته هدابة وهدبة، ويجمع الهداب والهدب على أهداب. الدمقس، والمدقس: الإبريسم، وقيل: هو الأبيض منه خاصة، المفتل: المبرم من طاقين أو أكثر.
المعنى يقول: ظل العذارى طوال نهارهن يتعاورن لحم الناقة المشوي، ويلقيه بعضهن إلى بعض، وشحمها أيضًا حالة كون لحمها مثل
стр. 52
الإبرسيم الذي أجيد فتله فيه، وهن فرحات مسرورات بذلك.
الإعراب: الفاء: حرف تفريع. ظل: فعل ماض ناقص. العذارى: اسمها مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. يرتمين: فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، والنون ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ظل، وجملته (ظل العذارى يرتمين) معطوفة على جملة (عقرت) في البيت رقم -١٤ - فهي في محل جر مثلها. بلحمها: جار ومجرور متعلقان بالفعل يرتمين. وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. وشحم: معطوف على لحمها بالواو العاطفة، كهداب: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من لحمها، ولا يجوز تعليقهما بمحذوف صفة شحم، لأن الشحم لا يكون مفتلًا وإنما التفتيل للحم، وهداب مضاف والدمقس مضاف غليه. المفتل: صفة الهداب.
١٧ - تدار علينا بالسديف صحافنا ... ويؤتى إلينا بالعبيط المثمل
هذا البيت لم يذكره أحد من شراح المعلقة، وإنما ذكر في الديوان بعد البيت السابق، ونقله الدكتور فخر الدين قباوة في تعليقه على شرح التبريزي عن الجمهرة.
المفردات: ندار: من دار الشيء إذا تحرك وعاد إلى حيث كان، أو إلى ما كان عليه، وأراد يطاف علينا، وأصل تدار تدور، فيقال في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن وحرف علة متحرك، الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى الدال بعد سلب سكونها، ثم قلبت الواو ألفًا لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها الآن، فصار تدار. السديف: شحم السنام. الصحاف: جمع صحفة، وهي القصعة، قال
стр. 53
الكسائي: أعظم القصاع الجفنة، ثم القصعة تليها، تشبع العشرة، ثم الصفحة تشبع الخمسة، ثم المئكلة تشبع الرجلين والثلاثة، ثم الصحيفة تشبع الرجل. أتى: يستعمل لازمًا إن كان بمعنى حضر وأقبل، ومتعديًا إن كان بمعنى ول وبلغ، فمن الأول قوله تعالى: ﴿أتى أمر الله فلا تستعجلوه﴾ ومن الثاني قوله تعالى ﴿قل: أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة، أو جهرة، هل يهلك إلا القوم الظالمون؟ ﴾. العبيط: اللحم الطري. المثمل: المصلح أو المشوي، وقيل: هو المخلوط بالسويق.
المعنى يقول: يدور علينا الخدم بالصحاف، وهي ملآى بشحم سنام الناقة التي نحرتها من أجل العذارى، ويقدم إلينا لحمها الطري المشوي، أو المخلوط بالسويق.
الإعراب: تدار: فعل مضارع مبني للمجهول. علينا: جار ومجرور متعلقان بالفعل تدار. بالسديف: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب حال من صحافنا، والتقدير: تدار علينا صحافنا ملأى بالسديف. صحافنا: نائب فاعل تدار، والجملة الفعلية مستأنفة، أو معترضة بين المتعاطفات لا محل لها من الإعراب. الواو: حرف عطف. يؤتى: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. إلينا: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع نائب فاعل، أو هما متعلقان بالفعل يؤتى. بالعبيط: جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل يؤتى، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها لا محل لها مثلها. المثمل: صفة العبيط، ونائب فاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى العبيط.
١٨ - ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة ... فقالت: لك الويلات، إنك مرجلي
стр. 54
المفردات: الخدر: الهودج، وهو المحمل، له قبة يصنع من أعواد، كانت النساء تركب فيه على ظهور الإبل، وأصل الخدر في اللغة البيت، ويستعار لكل ما يستر من خيمة وغيرها، ومنه قولهم: جارية مخدرة، أي مقصورة في خدرها لا تبرز منه، وذلك من أمارات الشرف والمروءة عندهم، وأما في زماننا هذا فالخروج والبروز بالعري المفضوح هو التقدمية، ولا حساب للمروءة ولا للنخوة والحمية. عنيزة: هي المرأة التي حملته في هودجها، فكان يحاول منها ما يحاول، فقيل: عنيزة لقب لفاطمة التي سيذكرها في البيت ٢٦ الآتي، وقيل: عنيزة امرأة غير فاطمة، ويروى البيت (يوم دخلت الخدر يوم عنيزة) فعلى هذه الرواية، فعنيزة اسم مكان، قيل: هو هضبة سوداء بالشجر ببطن فلج، قال ابن حبيب: والدليل على أن عنيزة موضع قوله (أفاطم مهلًا) الويلات: جمع ويلة، والويلة والويل شدة العذاب، وقد اختلف في قولها. (لك الويلات) فقيل: هو داء منها عليه في الحقيقة، إذ كانت نخاف أن يعقر بعيرها، وقيل: هو دعاء منها له في معرض الدعاء عليه، والرب تفعل ذلك كثيرًا، ومنه قولهم: قاتله الله ما أفصحه، وقاتله الله ما أرماه، يقال ذلك للرجل إذا تكلم بكلام فصيح، أو إذا رمى فأجاد، كما يطلب منه لفت النظر إلى شيء هام إذا بدت من المخاطب غباوة، وما قول الرسول ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁ (ثكلتك أمك) إلا من ذلك. مرجلي: جاعلي أمشي علي رجلي، ولا تنس أن الويلات جمع ويلة، وهي الهلاك الشديد، والعذاب الأليم، والويل الذي يكثر في القرآن الكريم مثلها، وأنظر ما ذكرته في البيت رقم -٢١ - من معلقة الأعشى تجد ما يسرك ويثلج صدرك.
المعنى يقول: إن يوم دارة جلجل الذي فعل فيه ما فعل، واليوم الذي عقر فيه ناقته للعذارى، واليوم الذي دخل فيه خدر عنيزة، فدعت عليه، أو دعت له، وقالت: إنك تصيري راجلة لعقرك بعيري كان من أفضل الأيام
стр. 55
حيث نال بغيته ومطلبه فيه.
الإعراب: الواو: حرف عطف. يوم: معطوف على مثله في البيت رقم -١٤ - ويقال فيه ما قيل في ذاك. دخلت: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بالإضافة يوم إليها. الخدر: بعض النحاة ينصب مثل هذا على الظرفية المكانية، والمحققون ينصبونه على التوسع في الكلام بإسقاط الخافض لا على الظرفية، فهو منتصب انتصاب المفعول به على السعة بإجراء الفعل اللازم مجرى المتعدي، ومثل ذلك يقال في (دخلت المدينة، ونزلت البلد، وسكنت الشام). خدر: بدل من سابقه بدل كل من كل على حد قوله تعالى: ﴿إهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم﴾ وخدر مضاف وعنيزة مضاف إليه مجرور، وصرف لضرورة الشعر، إذ حقه أن يمنع من الصرف للعلمية والتأنيث، فيجر بالفتحة نيابة عن الكسرة. الفاء: حرف عطف. قالت: فعل ماض. والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى عنيزة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة دخلت، فهي في محل جر بالإضافة مثلها. لك: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. الويلات: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب اسمها. مرجلي: خبر إن مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت، والجملة الاسمية (إنك مرجلي) تعليل للدعاء عليه، فهي في محل نصب مقول القول:
١٩ - تقول، وقد مال الغبيط بنا معا ... عقرت بعيري، يا امرأ القيس، فانزل
المفردات: تقول: انظر البيت رقم ٦. مال: انحرف وهوى إلى
стр. 56
السقوط، وهو أحد الأفعال التي يتغير معناها بتغير الجار الذي يتعلق بها، تقول: ملت إليه، وملت عنه، وأيضًا عدل وانحرف وانصرف، ومنها رغب، تقول: رغبت في الأمر ورغبت عنه، ولذا كان قول القائل:
ويرغب أن يبني المعالي خالد ... ويرغب أن يرضى صنيع الألائم
محتملًا للمدح والذم، كما يجوز تقدير (عن) أو (في) في قوله تعالى: ﴿وترغبون أن تنكحوهن﴾ ومنها ادعى، يقال: ادعى فلان في بني هاشم إذا انتسب إليهم، وأدعى عنهم إذا عدل بنسبه عنهم، ومثل ذلك كثير، وهذا مما يدل على اتساع اللغة العربية. الغبيط: الهودج بعينه، وقيل: هو قتب الهودج، وقيل: هو مركب من مراكب النساء غير الهودج. عقرت: جرحت، واعتقر وانعقر ظهر الدابة من الرحل أو السرج دبر. بعيري: يقع البعير على الذكر والأنثى، وإذا كان كذلك، فلا فرق بين أن تقول: بعيري، وأن تقول: ناقتي لن البعير يقع عليهما، خلافًا لأبي عبيدة القائل: وإنما قالت: عقرت بعيري، ولم تقل: ناقتي لأنهم يحملون النساء على الذكور، لأنها أقوى وأضبط وإنما يسمى بعيرًا إذا بزل نابه، أي ظهر، ويجمع على أبعرة وبعران، وجمع الجمع أباعر وأباعير. امرأ: هذه الكلمة أصلها المرء، ولما كثر استعمالهم لها حتى أصبحت تستخدم للدلالة على الإنسان، وعلى الحيوان مجازًا، وكان الهمز في آخرها ثقيلًا بعد السكون، حففوها كثيرًا بحذف الهمزة، وإلقاء حركتها على الراء، فقالوا: المر، وبذلك أشبهت الراء منها النون من (ابن) في تلقي حركات الإعراب، ولإعلالهم هذه الكلمة كثيرًا بحذف الهمز شبهوها بما حذف آخره، نحو (اسم، ابن، است) فجبروها بهمزة وصل في حالة التنكير، ثم ردوا إليها الهمزة، فقالوا: أمرؤ، وبذلك أصبحت تعرب من مكانين، فتظهر حركات الإعراب فيها على الراء والهمزة، فتقول: هذا أمرؤ القيس، ورأيت امرأ
стр. 57
القيس، ومررت بامرئ القيس، قال تعالى: ﴿إن أمرؤ هلك﴾ ﴿ما كان أبوك امرأ سوءٍ﴾ ﴿لكل امرئ منهم يومئذٍ شأن يغنيه﴾.
المعنى يقول: إن عنيزة كانت تقول لي بعد دخولي الخدر معها، وفي حالة إمالة الهودج، لأنني أنثي عليها، واقبلها فنصير في شق واحد: قد أدبرت ظهر بعيري، فانزل عنه، ودعني وحدي.
الإعراب: تقول: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى عنيزة، والجملة الفعلية معطوفة بواو محذوفة على جملة (قالت: لك الويلات) وهي على تأويل المضارع بالماضي، وهو أقوى من الاستئناف والحال، هذا ما ظهر لي، والله الموفق. الواو: واو الحال. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. مال: فعل ماض. الغبيط: فاعله. بنا: جار ومجرور متعلقان بالفعل مال. معصا: حال من (نا) وهو بمعنى جميعًا، فهي حال متداخلة، فهو منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على مذهب سيبويه والخليل والمقدرة على الألف على مذهب يونس والأخفش. وجملة (قد مال الغبيط ... إلخ) في محل نصب حال من فاعل تقول، والرباط الواو فقط على حد قوله تعالى: ﴿قالوا: لئن أكله الذئب، ونحن عصبة﴾ عقرت: فعل وفاعل. بعيري: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم ... إلخ، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (عقرت بعيري) في محل نصب مقول القول. يا: حرف نداء ينوب مناب أدعو. امرأ: منادى منصوب، وهو مضاف والقيس مضاف إليه (فانزل) الفاء: حرف عطف على قول من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها في مثل ذلك للسببية المحضة، وأراها الفاء الفصيحة لأنها أفصحت عن شرط مقدر، تقديره: وإذا كان ذلك حاصلًا فانزل. انزل: فعل أمر مبني على السكون، وحرك بالكسر لضرورة الشعر،
стр. 58
وانظر البيت رقم ٦ والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنت، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول إجمالًا مع الجملة الندائية قبلها لأن ذلك كله من مقولها.
٢٠ - فقلت لها سيري وأرخي زمامه ... ولا تبعديني من جناك المعلل
المفردات: قلت: أصل الفعل قول، فلما اتصل به ضمير متحرك صار قولت، فقل في إعلاله: تحركت الواو وانفتح ما قبلها صار قالت: فخذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار قلت، ثم أبدلت الفتحة ضمة لتدل على الواو المحذوفة، فصار قلت، وهناك إعلال آخر، وهو أن تقول: أصل الفعل قول، فلما اتصل بضمير رفع متحرك نقل إلى باب فعل، فصار قولت، ثم نقلت حركة العين إلى الفاء فصار قولت، فالتقى ساكنان: العين المعتلة ولام الفعل، فحذفت العين لالتقائهما، فصار قلت، وهكذا قل في إعلال كل فعل أجوف واوي مسند إلى ضمير متحرك، مثل كان وقام ونحوهما. الزمام: الخيط الذي يشد في برة البعير، ثم يشد في طرفه المقود، وقد يسمى المقود زماما. الجنى: هو في الأصل اسم لما يجتنى من ثمر الشجر، قال تعالى: ﴿وجنى الجنتين دانٍ﴾ فقد جعل محبوبته بمنزلة الشجرة التي يجتنى جناها، وجعل ما نال من عناقها وتقبيلها وشمها بمنزلة الثمرة. المعلل: المكرر، من قولهم: عله يعله إذا كرر سقيه، وعلله للتكثير والتكرير، والمعلل الملهي من قولك: عللت الصبي بشيء، أي ألهيته به، ويروى بكسر اللام وفتحها والمعنى واحد.
المعنى يقول: قلت للحبيبة بعد أن أمرتني بالنزول عن بعيرها: سيري وأرخي زمامه على غار به، ولا تبالي أعقر أم سلم؟ ولا تبعديني مما أنال من عناقك وشمك وتقبيلك الذي أكرره، ولا أمل منه، أو الذي يلهمني عما أنابني من الهموم.
стр. 59
الإعراب: الفاء: حرف عطف. قلت: فعل فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة (تقول) في البيت السابق. لها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. سيري: فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بياء المؤنثة المخاطبة، ويقال لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، وياء المخاطبة ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. وأرخي: معطوف على سابقه بواو العطف، وهو مثله، إعرابًا ومحلًا. زمامه: مفعول به، والهاء ضمير تصل في محل جر بالإضافة، الواو: حرف عطف. لا: ناهية جازمة، تبعديني: فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، وياء المخاطبة ضمير متصل في محل رفع فاعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب مفعول به. منك حرف جر. جناك: اسم مجرور بمن، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المقصورة منع من ظهورها التعذر، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، المعلل: صفة جناك، وجملة (لا تبعديني ... إلخ) معطوفة على جملة (سيري وأرخي) فهي في محل نصب مقول القول أيضًا.
٢١ - دعي البكر، لا ترثي له من ردافنا ... وهاتي أذيقينا جناة القرنفل
هذا البيت ولاحقه لم يذكرهما أحد من شراح المعلقة، ووجدتهما في الديوان بعد البيت السابق، وقد ذكرهما الدكتور فخر الدين قباوة في تعليقه على شرح التبريزي نقلًا عن الجمهرة.
المفردات: دعي: اتركي، وانظر البيت رقم -٧ - البكر: الفتي من الإبل وهو بفتح الباء، والأنثى بكرة، والجمع أبكر وبكران وبكار. ترثي: أراد ترقي وتشفقي. ردافنا: أصل الردف أن يكب شخص خلف آخر على دابة واحدة، وأراد اجتماعنا على ظهر البعير. هاتي: أعطي.
стр. 60
قال ابن هشام في قطر الندى: وأما (هات) و (تعالى) فعدهما جماعة من النحويين في أسماء الأفعال والصواب انهما فعلا أمر، بدليل أنهما دالان على الطلب، وتلقحهما ياء المخاطبة، تقول: هاتي وتعالى: ثم قال: واعلم أن آخر (هات) مكسورة أبدًا إلا إذا كان لجماعة المذكرين، فإنه يضم، فتقول: هات يا زيد، وهاتي يا هند، وهاتيا يا زيدان، أو يا هندان، وهاتين يا هندات كل ذلك بكسر التاء، وتقول: هاتوا يا قوم بضمها، قال تعالى: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ أقول: ومما ينبغي التنبيه له أنهما لا ماضي ولا مضارع لهما.
جناة القرنفل: رائحة القرنفل، انظر الجنى في البيت السابق، وانظر شرح القرنفل في البيت رقم -١١ - .
المعنى يقول: اتركي الجمل الفتي يسير كيف شاء؟ ولا تشفقي عليه من ركوبنا واجتماعنا على ظهره، وهاتي نولينا من رائحتك الطيبة التي تشبه رائحة القرنفل الطيبة.
الإعراب: دعي: فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بياء المؤنثة المخاطبة، ويقال لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، والياء ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية ابتدائية، أو مستأنفة لا محل لها من الإعراب. البكر: مفعول به، لا: ناهية جازمة. ترثي: فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، وياء المخاطبة فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها من الإعراب، وهي بمنزلة التوكيد للجملة السابقة، أو البدل منها، مثل قول الشاعر (أقول له: ارحل لا تقيمن عندنا) والحالية لا تجوز لأن الجملة إنشائية. له: جار ومجرور متعلقان بالعفل قبلهما. من ردافنا: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما أيضًا: ونا: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. الواو: حرف عطف.
стр. 61
هاتي: فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بياء المؤنثة المخاطبة وياء المؤنثة ضمير متصل في محل رفع فاعل. وهو قول ابن هشام في الشذور، خلافًا للزمخشري في زعمه أنه اسم فعل أمر، وهو فعل جامد لم يأت منه ماض ولا مضارع، مثل (هب وتعلم) لكنه يتصرف مع الضمائر، تقول: هات يا رجل بكسر التاء، وللاثنين أو الاثنتين هاتيا بوزن آتيا، وللجمع هاتوا، وهاتين مثل آنين. أذيقينا: فعل أمر مبني على حذف النون مثل (دعي) وياء المخاطبة فاعله، ونا: ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. جناة: مفعول به ثان، وهو مضاف والقرنفل مضاف إليه، وجملة (أذيقينا ... إلخ) بدل من جملة (هاتي) أو توكيد لها لا محل لها مثلها، لأن الأولى معطوفة على جملة (دعي):
٢٢ - بثغر كمثل الأحوان منور ... نقي الثنايا أشنب غير أثعل
المفردات: الثغر: هو مقدم الإنسان، وقد يطلق على الفم جميعًا، والثغر أيضًا موضع مخافة هجوم العدو، وأما الثغرة فهي ثغرة النحر بين الترقوتين، والجمع ثغر، وعلى الأول ثغور. الأقحوان: نبات أوراق زهره مفلجة صغيرة يشبهون بها الأسنان، واحدته أقحوانة وقحوانة، والجمع أقاحي، ويعرف بالبابونج طيب الريح والنكهة. منور: مشرق مضيئ، نقي: نظيف. الثنايا: هي أسنان مقدم الفم، ثنتان من فوق، وثنتان من أسفل، ومفرد الثنايا ثنية، والثنية أيضًا طريق في الجبل. أشنب: الشنب عبارة عن رقة الأسنان وعذوبتها، وقيل: أشنب معناه صافي الريق. أثعل: متراكب الأسنان بعضها فوق بعض.
المعنى: يقول لعشيقته: أذيقينا رائحتك الطيبة التي تشبه رائحة القرنفل المنعشة، وهذه الرائحة موجودة بثغر مثل الأقحوان، مشرق مضيء، نظيف الثنايا، رقيقها، أسنانه غير متراكبة.
стр. 62
الإعراب: بثغر: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب حال من جناة القرنفل في البيت السابق على اعتبار (أل) للتعريف، أو في محل نصب صفة له على اعتبار (أل) للجنس، ويكون في البيتين تضمين (كمثل) الكاف: زائدة. مثل: صفة ثغر، ومثل مضاف والأقحوان مضاف إليه، وهذه الإضافة لم تفد مثل تعريفًا لشدة إبهامها. منور: صفة ثانية لتغر. نقي: صفة رابعة. غير: صفة خامسة، وغير مضاف وأثعل مضاف إليه مجرور، وصرف أشنب وأثعل لضرورة الشعر، إذ حقهما أن يمنعا من الصرف للصفة ووزن أفعل، فيحجران بالفتحة نيابة عن الكسرة.
٢٣ - فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعٍ ... فألهيتها عن ذي تمائم محول
المفردات: مثلك: الخطاب لعنيزة. طرقت: ليلًا، والطروق الإتيان في الليل، ومنه تسمية النجم بالطارق في قوله تعالى: ﴿والسماء والطارق، وما أدراك ما الطارق؟ النجم الثاقب﴾ لأنه يطلع ليلًا. مرضع: هي التي لها طفل ترضعه، ولم تؤنث لأن المراد النسبة، أي ذات إرضاع، أو ذات رضيع، ومثلها حائض وطالق وحامل، والاسم إذا كان من هذا القبيل عرته العرب من علامة التأنيث، كما قالوا: امرأة لابن تامر، أي ذات لبن، وذات تمر، ورجل لابن تامر، أي ذو لبن وذو تمر، ومنه قوله تعالى: ﴿السماء منفطر به﴾ نص الخليل على أن المعنى: السماء ذات انفطار به، لذلك تجرد لفظ منفطر من علامة التأنيث، وقوله تعالى: ﴿قال يقول: إنها بقرة لا فارض، ولا بكر عوان بين ذلك﴾ أي لا ذات فرض، بخلاف ما إذا بني الوصف على الفعل أنت، فتقول: أرضعت، فهي مرضعة ... إلخ. قال تعالى: ﴿يوم ترونها تذهل كل مرضعةٍ عما أرضعت﴾.
стр. 63
وفي مختار الصحاح، ويقال: امرأة حامل وحاملة، إذا كانت حبلى، فمن قال: حامل قال: هذا نعت لا يكون إلا للإناث، ومن قال: حاملة بناه على حملت، فهي حاملة، وأنشد:
تمخضت المنون له بيومٍ ... أتى، ولكل حاملة تمام
فإذا حملت المرأة شيئًا على ظهرها أو على رأسها، فهي حاملة لا غير، لأن الهاء إنما تلحق للفرق، فما لا يكون للمذكر لا حاجة فيه إلى علامة التأنيث، فإن أتي بها فإنما هو على الأصل، هذا قول أهل الكوفة. وقال أهل البصرة: هذا غير مستمر لأن العرب تقول: رجل أيم وامرأة أيم، ورجل عانس وامرأة عانس مع الاشتراك، وقالوا: امرأة مصيبة وكلبة مجرية مع الاختصاص، قالوا: والصواب أن يقال: إن قولهم: حامل وطالق وحائض ونحوها أوصاف مذكرة وصفت بها الإناث كما أن الربعة والراوية والخجأة أوصاف مؤنثة وصف به الذكور، وانظر ما ذكرته في عاقر في البيت رقم -٧٤ - من معلقة لبيد ﵁.
ألهيتها: شغلتها وصرفتها، تمائم: جمع تميمة، وهي المعاذة التي تعلق على جبهة الصبي، وقاية من العين أو السحر، محول: اسم فاعل من أحول الصبي، إذا تم له حول من عمره، ويروى مكانه (مغيل) وهو الذي تؤتى أمه، وهي ترضعه، أو هو الذي يرضع على حمل، وإنما خص الحبلى والمرضع بالذكر لأنهما أزهد النساء في الرجال، ولا تنس أن كل حامل تمنع الذكر إلا المرأة.
المعنى يقول: فرب امرأة مثلك يا عنيزة حبلى قد أتيتها ليلًا، ورب مرأة مثلك يا عنيزة مرضع قد طرقتها ليلًا أيضًا، فشغلتها عن ولدها الصغير صاحب التعاويذ والتمائم المعلقة عليه وقاية من العين، والذي تم له حول،
стр. 64
ومع كونهما أزهد النساء في الرجال تعلقتا بي، ومالتا إلي لحسني وجمالي، فكيف تتخلصين أنت مني؟
الإعراب: الفاء: حرف استئناف. مثل: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الشبيه بالزائد، وهو (رب) المقدرة بعد الفاء، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. حبلى: بدل من مثل بدل كل من كل، فإن كان من اللفظ فهو مجرور، وعلامة حره الفتحة المقدرة على الألف للتعذر، وهذه الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف لألف التأنيث المقصورة، وإن كان بدلًا من المحل، فهو مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. طرقت: فعل وفاعل، ومفعول، ومفعوله محذوف، تقديره: طرقتها، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، وقال ابن الأنباري: قد طرقت صلة حبلى، أي صفة لها، ولا وجه له، وعليه يكون الخبر محذوفًا، هذا ويجوز أن يكون (مثل) مفعولًا به مقدمًا للفعل طرقت، فيكون منصوبًا، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الشبيه بالزاد، ويكون (حبلى) منصوبًا أيضًا. الواو: حرف عطف. مرضع: يروى بالرفع والجر، فهو معطوف على حبلى على الوجهين المعتبرين فيه، ويجوز فيه أيضًا النصب على اعتبار (مثل) مفعولًا به مقدمًا كما رأيت في الإعراب، فيكون معطوفًا على حبلى، أي في حالة نصبه، كما جوز أن يكون معطوفًا على مفعول طرقت المحذوف، أي في حالة رفع مثل، ويكون التقدير: طرقتها، وطرقت مرضعًا، ومع ذلك لم يرو أحد النصب. فألهيتها: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة بالفاء العاطفة على جملة (طرقت) عن: حرف جر. ذي: اسم مجرور بعن، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأنه من الأسماء الخمسة، وهو في الأصل صفة لموصوف محذوف، إذ التقدير عن صبي ذي
стр. 65
تمائم، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وذي مضاف وتمائم مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع، وهي علة تقوم مقام علتين. محول: صفة ثانية للموصوف المحذوف، وفاعله ضمير مستتر فيه لأنه اسم فاعل.
٢٤ - إذا ما بكى من خلفها انصرفت له ... بشق وتحتي شقها لم يحول
المفردات: بكى: انظر شرح البكاء في البيت رقم -١ - . خلفها: ورائها. انصرفت: هو في الأصل انقلبت، وأراد مالت وانحرفت، انظر البيت ١٩. الشق: هو نصف الشيء. يحول: يروى مكانه لم يحلحل، أي لم يحرك.
المعنى يقول: إن المرضع التي يخلو بها إذا بكى صبيها من خلفها انحرفت إليه بنصفها الأعلى، فأرضعته وأرضته، بينما تحته نصفها الأسفل لم تحوله عنه، فقد رصف غاية ميلها غليه، وكلفها به حيث لم يشغلها عن مرامه ما يشغل الأمهات عن كل شيء.
قال أبو جعفر النحاس: معنى البيت أنه لما قبلها أقبلت تنظر إليه وإلى ولدها، وإنما يريد بقوله (انصرفت له بشق) يعني أنها أمالت طرفها إليه، وليس يريد أن هذا من الفاحشة، لأنها لا تقدر أن تميل إلى ولدها في وقت يكون منه إليها ما يكون، وإنما يريد أن يقبلها، وخدها تحته. أهـ.
أقول: أي كان، فإن ذلك يمثل فجوره وفسوقه ومجونه ورعونته.
الإعراب: إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه صالح لغير ذلك. ما: زائدة. بكى: فعل ماض شرط إذا مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى الصبي المذكور في البيت السابق، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذا
стр. 66
إليها. من خلفها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. انصرفت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى المرضع، والجملة الفعلية لا محل لها من الإعراب جواب إذا. له: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وإذا ومدخولها كلام مستأنف لا محل لها من الإعراب، وهو أولى من اعتباره في محل جر صفة للصبي الموصوف بذي تمائم. بشق: جار ومجرور متعلقان بالفعل انصرفت أيضًا. الواو: واو الحال، تحتي: ظرف مكان متعلق بمحذوف في محل رفع خبر مقدم منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة. شقها: مبتدأ، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل انصرفت، والرابط الواو والضمير. لم: حرف نفي وقلب وجزم. يحول: فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم بلم، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى شقها، والجملة الفعلية في محل نصب حال من شقها، والرابط الضمير فقط، وهذا على مذهب سيبويه المجوز وقوع الحال من المبتدأ، والجمهور لا يجوزون مجيء الحال من المبتدأ، لأن الحال عندهم لا تجيء إلا من الفاعل، أو المفعول وأشباههما، وعلى قولهم فالجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المستتر في الظرف الواقع خبرًا، والذي تقديره هو الذي يعود إلى شقها لكونه متقدمًا في الحكم، إذ هو مبتدأ كما رأيت، وإن اعتبرتها في محل رفع خبر ثان فالمعنى لا يأباه.
٢٥ - ويومًا على ظهر الكثيب تعذرت ... علي، وآلت حلفة لم تحلل
стр. 67
المفردات: يومًا: انظر شرحه في البيت رقم -٥ - الكثيب: الرمل المجتمع المرتفع، والجمع أكثبة وكثب وكتبان. تعذرت: تعسرت وتصعبت، والتعذر التشدد والالتواء، وقيل: تعذرت جاءت بالمعاذير من غير عذر، آلت: حلفت. قال تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ أي يحلفون، وأصل آلت آلي، فلما دخلت تاء التأنيث صار آليت، فتركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفًا، فالتقى ساكنان، الألف وتاء التأنيث، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار آلت، وهذا الإعلال يجري في كل فعل ماض معتل الآخر بالألف، واتصلت به تاء التأنيث الساكنة، لم تحلل: لم تستثن، أي لم تقل: عن شاء الله فترجع إلي، وأصل تحلل تتحلل، فحذفت منه إحدى التاءين تخفيفًا كما حذفت من قوله تعالى: ﴿فأنت له تصدى﴾ إذ كل مضارع مبدوء بتاءين زائدتين، يجوز حذف إحداهما، ونحو ذلك كثير في القرآن الكريم، وفي الفصيح المستعمل من لغة العرب.
المعنى يقول: إن العشيقة قد تشددت وتصعبت علي في يوم من الأيام على ظهر الكثيب المعروف، وحلفت يمينًا لم تستثن فيه أنها تقاطعني وتهجرني، فيحتمل أن يكون صفة حال اتفقت له مع عنيزة، كما يحتمل أنها مع المرضع التي وصفها في البيتين السابقين.
الإعراب: الواو: حرف استئناف، أو حرف عطف على الكلام السابق. يومًا: ظرف زمان متعلق بالفعل (تعذرت) الآتي. على ظهر: جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما أيضًا، وقيل: متعلقان بمحذوف صفة يوما، وظهر مضاف والكثيب مضاف إليه. تعذرت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى عنيزة، أو إلى المرضع المذكورة في البيتين السابقين، والجمل الفعلية لا محل لها من الإعراب، سواء أكانت
стр. 68
مستأنفة، أم معطوفة على ما قبلها؟ علي: جار ومجرور متعلقان بالفعل تعذرت. الواو: حرف جر. آلت: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء ساكنين، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي، يعود إلى ما عاد إليه فاعل تعذرت، والجملة الفعلية معطوفة على جملة (تعذرت) لا محل لها مثلها. حلفة: مفعول مطلق عامله آلت، إذ هو بمعناه كما رأيت، كأنه قال: آلت إيلاء، أو حلفت حلفة. لم: حرف نفي وقلب وجزم، تحلل: فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى ما عاد إليه فاعل (آلت) والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل (آلت) المستتر، والربط الضمير فقط، هذا ويروى البيت (ويوم على ظهر الكثيب ... إلخ) فتكون الواو واو رب، ويوم مبتدأ، وجملة (تعذرت) صفته، والخبر محذوف تقديره موجود تأمل.
٢٦ - أفاطم مهلا بعض هذا التدلل ... وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
المفردات: فاطم: مرخم فاطمة، قال ابن الكلبي: هي فاطمة ابنة عبيد بن ثعلبة بن عامر، وهي التي قال لها مرة:
لا وأبيك ابنة العامري ... لا يدعي القوم أني أفر
وقيل: إن فاطمة هي عنيزة المذكورة في البيت -١٨ - وعنيزة لقب لها. مهلًا: رفقًا مصدر مهل يمهل في العمل إذا عمله برفق، ولم يعجل فيه: ومهلًا مصدر نائب مناب فعله يستوي فيه المذكر والمؤنث، مفردا ومثني وجمعًا، ويروى مكان (مهلًا) (أبقي)، وقال البغدادي: أصله أمهلي
стр. 69
إمهالًا فحذف عامله، وحذف زائده، وجعل نائبًا عن فعله. التدلل والإدلال: هو أن تتيه المرأة، فتسيء إلى من يحبها، والتدلل الإعراض مع نوع من الكبر، ويفسر بالتمانع على المحب، ولذا قيل: هو لإظهار المرأة أنها تخالف، وما بها مخالفة. أزمعت: قال الأصمعي: يقال: قد أزمعت على الأمر، وأجمعت عليه، وعزمت عليه سواء، أي جزمته وصممت على فعله. صرمي: قطيعتي وهجري، يقال: صرمت الشيء أصرمه صرمًا إذا قطعته، قال تعالى: ﴿إذ أقسموا ليصر منها مصبحين﴾، ويروى مكان (صرمي) هجري كما يروى قتلي: أجملي: أحسني وترفقي.
المعنى يقول: يا فاطمة اتركي بعض هذا الدلال والإعراض، وإن كنت قد عزمت على قطيعتي وهجري فترفقي بي وأحسني إلي وأجملي الهجران، قال تعالى: ﴿واهجرهم هجرًا جميلًا﴾ قالوا: الهجر الجميل هو الذي لا أذية معه.
الإعراب: (أفاطم) الهمزة، حرف نداء ينوب مناب أدعو. فاطم: منادى مرخم مبني على الضم المقدر على الحرف المحذوف، وهو التاء للترخيم على لغة من ينتظر الحرف الأخير، أو هو مبني على الضم على الحرف الموجود، وهو الميم على لغة من لا ينظر الحرف الأخير في محل نصب بهمزة النداء. مهلًا: مفعول مطلق نائب عن فعله، وفاعله ضمير مستتر فيه. بعض: مفعول به للمصدر، أو هو منصوب بالفعل (أبقي) على هذه الرواية (هذا) الهاء: حرف تنبيه. ذا: اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بإضافة بعض إليه. التدلل: بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه وجوزت الوصفية. الواو: حرف عطف. إن: حرف شرط جازم
стр. 70
يجزم فعلين. كنت: فعل ماض ناقص، مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء ضمير متصل في محل رفع اسمها. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. أزمعت: فعل وفاعل. صرمي: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، وانظر البيت رقم -١٥ - من معلقة عنترة، وجملة (قد أزمعت صرمي) في محل نصب خبر كان الناقصة، وجملة (كنت ... إلخ) ابتدائية لا محل لها من الإعراب ويقال لأنها جملة شرط غير ظرفي. (فأجملي) الفاء: واقعة في جواب الشرط. أجملي: فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بياء المؤنثة المخاطبة، ويقال لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، والياء ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، وقال الدسوقي: والحق أن جملة جواب الشرط لا محل لها مطلقًا، كان الشرط جازمًا، أو غير جازم، كان الجواب غير مقترن بإذا الفجائية أو الفاء، أو كان مقترنًا بأحدهما، وذلك لأن كل جملة لا تقع موقع المفرد لا محل لها. أهـ، وهو كلام له نصيب من الصحة، وإن الشرطية ومدخولها كلام معطوف على جملة (أمهلي مهلًا) الابتدائية لا محل له مثلها.
٢٧ - وإن كنت قد ساءتك مني خليقة ... فسلي ثيابي من ثيابك تنسل
المفردات: كنت: إعلاله مثل إعلال (قلت) في البيت رقم -٢٠ - يروى (تك) بدل كنت، وإعلاله كما يلي: أصله تكون، فلما دخل الجازم
стр. 71
صار تكون، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، فصار تكن، ثم حذفت النون الساكنة للتخفيف، ولهذا الحذف شروط أنظرها في البيت رقم -٧٥ - من معلقة طرفة. ساءتك: آذتك، إذ الإساءة الإيذاء. خليقة: قال ابن الأنباري: الخليقة والطبيعة والسجية والسليقة، والسوس والنوس كله واحد، أي هو بمعنى الخلق. سلي: شدي واستخرجي. تنسل: بكسر السين وضمها تخرج وتبين عنها، قال تعالى: ﴿ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم يسلون﴾ قال خالد بن كلثوم: كان طلاق أهل الجاهلية أن يسل الرجل ثوبه من امرأته، وتسل المرأة ثوبها منه، وقال أبو عبيدة: غنام الثياب تنسل، وهو مثل للصريمة، كقولك: ثيابي من ثيابك حرام، وأقول: هو مثل قول أبي بن خلف لعقبة بن أبي معيط وجهي من وجهك حرام إن لم تكفر بمحمد ﷺ ، وقيل: إن الثياب هنا كناية عن القلب، وعليه حمل بعض المفسرين قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ معناه طهر قلبك، كما أراد أمرؤ القيس بالثياب القلوب في قوله:
ثياب بني عوفٍ طهارى نقية ... وأوجههم عند المشاهد غران
وما قول عنترة في البيت ٦٦ عنك ببعيد.
المعنى يقول: أيتها الحبيبة إن آذاك شيء من أخلاقي ففارقيني كما تريدين وتحبين، فإني لا أريد إلا ما أردت، فأنا طوع لك، فإن أردت فراقي أدته، وإن كان يسبب هلاكي، ويجلب موتي، والمعنى على التفسير الثاني للثياب استخرجي قلبي من قلبك يفارقه إن ساءك خلق من أخلاقي، وكرهت خلة من خلالي، فأنا راض بما تفعلين لا أعارضك بشيء فيه سرورك وارتياحك.
стр. 72
الإعراب: الواو: حرف عطف. إن: حرف شرط جازم. كنت: فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء ضمير متصل في محل رفع اسمها. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.
ساءتك: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به. مني: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من خليقة، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالًا على القاعدة (نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالًا) خليقة: فاعل ساءتك، والجملة الفعلية في محل نصب خبر كان الناقصة، وعلى الرواية الثانية. فتك: فعل مضارع ناقص فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه السكون على النون المحذوفة للتخفيف، وخليقة اسمه مؤخر، والجملة الفعلية (قد ساءتك) في محل نصب خبر تقدم على الاسم، ويكون فاعل ساء ضميرًا مستترًا تقديره هي يعود إلى خليقة المؤخر من تقديم (فسلي) الفاء: واقعة في جواب الشرط، سلي: فعل أمر مبني على حذف النون لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، وانظر البيت السابق، وإن ومحذوفها معطوف على إن ومدخولها في البيت السابق. ثيابي: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. من ثيابك: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل تصب حال من ثيابي، والكاف ضمي متصل في محل جر بالإضافة. تنسل: فعل مضارع مجزوم بجواب الطلب، وحرك بالكسر لضرورة الشعر كما في البيت ٢٤ و ٢٥ والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى ثيابك، وإن علقت الجار والمجرور (من ثيابك) به فيكون الفاعل عائدًا إلى ثيابي، ومن رواه (تنسلي) بإثبات ياء المخاطبة وفتح السين، وجعل الإنسلاء بمعنى التسلي، فتكون علامة النصب حذف النون، وياء المخاطبة فاعله، والرواية الأولى أصح، وعلى
стр. 73
كل فالجملة الفعلية لا محل لها من الإعراب، لأنها واقعة في جواب الطلب، وانظر رأي الجمهور في جزم مثل هذا الفعل في البيت رقم -١ - .
٢٨ - أغرك مني أن حبك قاتلي ... وأنك مهما تأمري القلب يفعل ؟
المفردات: غرك: خدعك وحملك على الاغترار، قال تعالى: ﴿وغركم بالله الغرور﴾ ورجل غر وغرير مجرب للأمور، والغرة الغفلة. قاتلي: مذللي ومستعبدي، والقتل التذليل والاستبعاد. القلب: قيل أراد قلبه، ويكون الاستفهام للتقرير، وقيل: أراد قلبها.
المعنى يقول: قد غرك مني أن حبي لك مذللي ومستعبدي، وأن قلب منقاد لأوامرك بحيث تأمرينه لا يعصيك بشي، أو المعنى قد غرك مني ظان حبك مذللي، وأنك تملكين قلبك بحيث تأمرينه لا يعصيك بشيء، فتظنين أني أملك عنان قلب كما ملكت عنان قلبكن حتى يسهل على فراقك كما يسهل عليك فراقي، ومن الناس من حمله على مقتضى الظاهر، وقالك معنى البيت: أتوهمت وظننت أن حبك يقتلني، وأنك مهما أمرت قلبي بشيء فعله؟ أي ليس الأمر كام تظنين، فإني مالك قلبي، ولا أسأل عنك، والقول الأول هو الأليق بالمقام.
الإعراب: الهمزة: حرف استفهام وتقدير على المعنى الأول في البيت، وحرف استفهام على المعنى الثاني فيه، والأول أولى. غرك: فعل ماض، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به. مني: جار ومجرور
متعلقان بالفعل قبلهما. أن: حرف مشبه بالفعل. حبك: اسم أن منصوب، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، إذ التقدير: حبي إياك. قاتلي: خبر أن مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها
стр. 74
اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى حبك، وأن واسمها وخبرها في تأويل مصد في محل رفع فاعل (أغرك) والجملة الفعلية هذه مستأنفة لا محل لها من الإعراب، الواو: حرف عطف. أنك: حرف مشبه، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. مهما: اسم شرط جازم يجزم فعلين، مبني على السكون في محل نصب مفعول مطلق عامله الفعل بعده، والتقدير: أي أمر ... إلخ، وزعم السهيلي وتبعه ابن يسعون أن (مهما) في مثل ذلك حرف، ويري ابن مالك أنها شرطية ظريفة زمانية، والصواب الأول انظر مبحث (مهما) وشواهدها في كتابنا فتح القريب المجيب. تأمري: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها من الأعراب. القلب: مفعول به. يفعل: فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وحرك بالكسر لضرورة الشعر، انظر البيت رقم ٢٤ والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى القلب، ومفعوله محذوف تقديره يفعله، وهو عائد على المفعول المطلق المؤول من (مهما) كما رأيت، والجملة الفعلية لا محل لها من الإعراب، لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية، ومهما ومدخولها في محل رفع خبر أن، وأن واسمها وخبرها في تأويل مصدر معطوف على المصدر المؤول السابق، الواقع فاعلا لغر، فهو في محل رفع مثله.
٢٩ - وأنك قسمت الفؤاد، فنصفه ... قتيل، ونصف بالحديد مكبل
هذا البيت لم يذكره أحد من شراح المعلقة، وقد وجدته في الديوان بعد البيت السابق، وذكره الدكتور فخر الدين قباوة في تعليقه علي شرح التبريزي، نقلًا عن الجمهرة.
стр. 75
المفردات: قسمت: قسم الشيء جزأه وفرقه أجزاء. الفؤاد: القلب. قتيل: اسم مفعول بمعنى مقتول، يستوي فيه المذكر والمؤنث، وأراد بقتيل التذليل والاستبعاد كما في البيت السابق. مكبل: مقيد من كبله يكبله كبلًا إذا قيده، والكبل القيد، أو أعظم ما يكون من القيود، والجمع كبول وأكبل.
والمعني يقول: وقد طمعك في كونك جزأت قلبي جزأين، أو نصفين، فنصف منه مذلل ومستبعد، ونصف منه مقيد في قيود حبك، لا يستطيع أن يلتفت إلى غيرك، ولا يزال ينبض بالشوق إليك، وفي البيت استعارة ظاهرة.
الإعراب: الواو: حرف عطف. أنك: حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. قسمت: فعل وفاعل. الفؤاد: مفعول به، وجملة (قسمت الفؤاد) في محل رفع خبر أن، وأن واسمها وخبرها في تأويل مصدر معطوف على المصدر المؤول في البيت السابق، والواقع فاعلًا للفعل (غر) الفاء: حرف دال على التفريغ. نصفه: مبتدأ، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. قتيل: خبر المبتدأ، والجملة الأسمية لا محل لها من الأعراب. الواو: حرف عطف. نصف: مبتدأ مرفوع، سوغ الابتداء به، وهو نكرة عطف على المبتدأ الأول، وأيضا وصف مقدر كما رأيت في المعني. بالحديد: ويري في الحديد جار ومجرور متعلقان بمكبل بعدهما. مكبل: خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بالكسرة التي جلبها حركة الجوار قبله، ونائب فاعله ضمير مستتر فيه، انظر مبحث الجر على الجوار في الشاهد ٩٠٨ من كتابنا فتح القريب المجيب تجد ما يسرك، ولا يجوز رفع (مكبل) لأنه يحصل في أبيات القصيدة إقواء، وهو عيب من عيوب القافية انظر الشاهد ٥٥ فتح رب البرية تجد ما يسرك.
?
следующие страницы →