خليلي: إني لا أرى غير شاعر ... فكم منهم الدعوى، وبنى القصائد.
فلا تعجبا؛ إن السيوف كثيرة ... ولكن سيف الدولة اليوم واحد.
وقوله - أيضاً - يمدح المغيث العجلى:
مرت بنا بين ترسيها، فقلت لها: ... من أين جالس هذا الشأن العرسا؟
فاستضحكت، ثم قالت: كالمغيث يرى ... ليت الشرى وهو من عجل إذا انتسبا!
الاقتضاب:
على أن حسن التخلص مما اعتز به المتأخرون من الجاهليين والمخصريين، فلم تكن العرب تهتم به كثيراً بل كانت تقول عند فراغها من نعت الإبل وذكر القفار، وما هم بسبيله: (دع ذا) و (عد عن ذا) ويأخذون فيما يريدون، أو يأتون بأن المشددة ابتداء للكلام الذي يقصدونه (١) وإن كنا نجد بعض التخلصات الجيدة لزهير بن أبي سلمى - في
стр. 247
هرم بن سنان -:
أن البخيل ملوم حيث كان ولكن الكريم - على علاته -هريم
ومن اقتضاب المتأخرين قول أبي تمام:
لو رأى الله في الشيب خيراً ... جاورته الأبرار ف الخلد شيباً
كل يوم تبدي صروف الليالي ... خلقاً من أبي سعيد غريباً
فقد اقتضب الشاعر هنا حديثه عن الشيب وانتقل إلى المدح دون تخلص.
وقول البحتري:
لولا الرجاء لمت من ألم الهوى ... لكن قلبي بالرجاء موكل،
إن الريبة لم تزل في سيرة ... عمرية مذ ساسها المتوكل.
فقد انتقل البحتري من حديثه عن الهوى إلى مدحه للمتوكل دون وسط بين المعنيين، أو إيجاد نوع من العلاقة بينهما.
على أن هناك نوعاً من الاقتضاب قريباً من حسن التخلص، لأنه لا يخلو من وجود مناسبة أو ملاءمة، كقولهم، - بعد حمد الله - أما بعد، لأنه لم يؤت بما بعدها فجأة من غير قصد إلى ربطه بما قبله على نوع من الربط، لأنها بمعنى: مهما يكن من شيء بعد الحمد أو نحوه فإنه كذا وكذا.
стр. 248
وإنما كان هذا النوع اقتضاباً: لأن الإنتقائي فيه من الحمد أو نحوه إلى غيره من غير ملائمة أو مناسبة.
ومنه قول الله تعالى: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآَبٍ﴾ أي: الأمر هذا، أو: هذا كما ذكر.
وقوله تعالى: ﴿هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآَبٍ﴾.
والموضع الثالث:
الانتهاء، لأنه آخر ما يعيه السمع ويرتسم في النفس ويسمونه: (حسن الانتهاء) فإذا كان مختاراً جيداً، جبر ما قد يكون قد وقع فيه الشاعر من تقصير، وإن كان غير مختار ولا جيد، لم يجبر شيئاً مما وقع فيه الشاعر، بل إنه برما أنسى السامع محاسن القصيدة كلها.
ومن حسن الانتهاء قول أبي نواس:
فبقيت للعلم الذي تهدى له ... وتقاعست عن يومك الأيام
وقول أبي تمام - في خاتمة قصيدة فتح عموريه -:
إن كان بين صروف الدهر من رحم، ... موضولة، أو ذمام غير مقتضب
فبين أيامك اللاتي نصرت بها ... وبين أيام بدر أقرب النسب
أبقت بني الأصفر المراض كاسمهم ... صفرا الوجوه، وجلت أوجه العرب.
стр. 249
والبيت الأخير من حسن الختام، لأنه أفاد نهاية الفتح فآذن بانتهاء الكلام.
على أن أحسن الانتهاءات ما آذن منها بانتهاء الكلام، كأن يكون لفظاً موضوعاً للدلالة على الانتهاء عادة أو عرفاً، كالدعاء والسلام ويسمونه: (براعتا المقطع)، كقول الشاعر:
بقيت بقاء الدهر يا كهف أهله ... وهذا دعاء للبرية شامل.
وقول أبي الطيب - في مدح سيف الدولة -:
فلاحظت لك الهيجاء سرجا ... ولا ذاقت لك الدنيا فراقا
وجميع فواتح السور وخواتمها واردة على أحسن وجوه البلاغة وأكملها.
ومن المحسنات اللفظية:
١) الجناس:
وهو: ما اتفق فيه اللفظان في وجه من الأوجه الآتية: وهي: نوع الحروف وعددها، وهيئتها، وترتيبها، مع اختلافهما في المعنى، وهو نوعان: تام، وغير تام.
стр. 250
فأما الجناس التام:
فهو ما اتفق فيه اللفظان في الوجوه الأربعة السابقة.
ومثاله: قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾، فقد اتفقت لفظتا (ساعة) في الآية الكريمة في الوجوه - الأربعة المذكورة، مع اختلافهما في المعنى، لأنه قد أريد بالأولى (القيامة) وبالثانية (الساعة الزمنية).
وهو ثلاثة أنواع: مماثل، ومستوفي، ومركب:
أ- فالمماثل: ما اتفق فيه اللفظان في نوع الكلمة، كأن يكونا اسمين، أو فعلين، أو حرفين:
فالاسمان: كالآية السابقة
وكقول أبي تمام:
إذا الخيل جابت قسطل الحرب صدعوا ... صدور العوالي في صدور الكتائب.
جابت بمعنى اخترقت. والقسطل: الغبار الساطع في الحرب. وصدعوا: بمعنى: أمالوا، والعوالي: الرماح والشاهد هو: أن صدور العوالي: هي أعاليها، ولكن صدور الكتائب هي نحورها
стр. 251
وهما: اسمان.
والفعلان: كقولك (فلان يضرب في البيداء فلا يضل، ويضرب في الهيجاء فلا يكل) فلفظ (يضرب) الأول بمعنى قطع المسافة، ولفظ (يضرب) الثاني بمعنى الحمل على الأعداء وهما فعلان.
والحرفان: كقولك: تذرك بالصبر تظفر به، فالباء، الأولى للتعدية والثانية للتسمية:
ب- والمستوفي: ما اختلف فيه اللفظان في نوع الكلمة، كأن يكون أحدهما اسماً، والأخر فعلاً، أو أحدهما حرفاً والآخر اسماً، أو فعلاً.
فمثال الاسم مع الفعل قول أبي تمام:
ما مات من كرم الزمان فإنه يحيا لدى يحيى بن عبد الله.
(فيحيا) الأول: فعل مضارع، والثاني: اسم علم.
وقول الآخر:
وسميته (يحيى) (ليحيا) فلم يكن إلى رد أمر الله فيه سبيل.
(فيحيى) الأولى اسم علم، (يحيا) الثانية: فعل مضارع بمعنى يعيش
стр. 252
وكقول بعضهم:
إذا رماك الدهر في معشر ... قد أجمع الناس على بغضهم
فدارهم ما دمت في دارهم ... وأرضهم ما دمت في أرضهم
فكنى من (دارهم) و (أرضهم) قد ذكر فعلاً، ثم ذكر اسماً.
ومثال الاسم مع الحرف قولهم: (رب رجل شرب رب رجل آخر).
فرب الأولى: حرف جر، ورب الثانية: اسم للعصير المستخرج من العنب.
ومثال الفعل مع الحرف قولك: علا محمد ﷺ على جميع الأنام. (فعلا) الأولى فعل ماض، و (على) الثانية: حرف جر.
جـ- والمركب: هو: أن يكون اللفظان مركبين، أو يكون أحدهما مركباً والآخر مفردا.
فمثال ما كان اللفظان فيه مركبين: قول الشاعر:
فلم تضع الأعادي قدر شأني ... ولا قالوا: فلان قد رشاني.
стр. 253
فاللفظ الأول مركب من القدر والشأن، واللفظ الثاني مركب من (قد) ومن الفعل المشتق من الرشوة.
والثاني: وهو ما كان أحد اللفظين فيه مركباً - بتنوع إلى ثلاثة الأنواع الآتية: مرفو، ومتشابه، ومفروق.
فالمرفو:
هو ما كان اللفظ المركب فيه مكوناً من كلمة وجزء كلمة، كقولهم: (أهذا مصاب هلم طعم صاب) فاللفظ الأول وهو (مصاب) بمعنى: اسم مفعول من أصاب، والثاني مركب من كلمة هي (صاب) بمعنى: العلقم، وجزء كلمة: هي الميم من (طعم).
والمتشابه:
هو ما كان اللفظ المركب فيه مكوناً من كلمتين وكان اللفظان متفقين في الخط، كقول الشاعر:
إذا ملك لم يكن ذا هبة فدعه، قد ولته ذا هبة
فاللفظ الأول مركب من كلمتين هما: (ذا) بمعنى صاحب و (هبة) بمعنى عطية.
يعني: كريم، واللفظ الثاني مفرد، وهو اسم فاعل من الذهاب،
стр. 254
وقد اتفق اللفظان في الخط.
وكقولهم: يا مغرور: أمسك، وقسى يومك باسمك، فاللفظ الأول مفرد، لأنه فعل أمر من الإمساك بمعنى: كف عن غرورك هو اللفظ الثاني مركب من كلمتين هما: (أمس) بمعنى اليوم الذي قبل يومك، وكان الخطاب وقد اتفق اللفظان في الخط - كما رأيت -.
والمفروق:
هو ما كان اللفظ المركب فيه مركباً من كلمتين، وكأن اللفظان مختلفين في الخط، كقول أبي الفتح البستي،
كلكم قد أخذ الجام ولا جام لنا: ما الذي ضر مدير الجام لو جاملنا؟ !
فاللفظ الأول مركب من (جام) بمعنى كأس و (لنا) الجار والمجرور، واللفظ الثاني مفرد وهو: جاملنا والضمير كالجزء من الكلمة، لاتصال الضمير فيها بالفعل.
وكقول أبي حفص عمر بن علي المطوعي:
لا تعرضن على الرواة قصيدة ما لم تبالغ قبل في تهذيبها
فمتى عرضت الشعر غير مهذب عدوه منك وساوساً تهذى بها.
стр. 255
فاللفظ الأول مفرد وهو: مصدر (هذب) بالتضعيف، والضمير المضاف إليه كالجزء من الكلمة، والثاني مركب من كلمتين هما: - (تهذي) و (بها) من الهذيان وهو: الاختلاط في القول، وقد اختلف اللفظان في الخط.
ووجه حسن هذا القسم، أي التام: حسن الإفادة مع أن الصورة صورة الإعادة.
وأما الجناس غير التام:
وهو ما اختلف فيه اللفظان في واحد من الوجوه الأربعة التي اشترط وجودها في الجناس التام.
وله بحسب حالات الاختلاف - أربع حالات:
الحالة الأولى: الاختلاف في نوع الحروف:
فإذا كان اللفظان مختلفين في نوع الحروف فالجناس بينهما إما أن يكون مضارعاً، وإما أن يكون لاحقاً.
أ- فالمضارع: ما كان الحرفان اللذان وقع بينهما الخلاف متقاربين في المخرج، سواء أكانا في أول اللفظ أو في وسطه، أو في
стр. 256
نهايته، وسمى مضارعاً، لمضارعه المخالف من اللفظين لصاحبه في المخرج.
والحرفان المختلفان إما أن يكونا في الأول، كقول الحريري: (بيني وبين كنى ليل وأمس، وطريق طامس) والدامس: شديد الظلمة والطامس: الذي ليس فيه أثر يهتدي به.
وأما أن يكونا في الوسط: كقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ فالهمزة والهاء من الحلق.
وأما أن يكونا في الآخر: كقول النبي ﷺ "الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة".
ب- واللاحق: ما كان الحرفان اللذان وقع بينهما الخلاف غير متقاربين في المخرج، سواء أكانا في الأول أو في الوسط، أو في الآخر.
وسمى لاحقاً: لأن أحد اللفظين ملحق بالآخر في الجناس.
فمثال الأول: قول الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ والهمزة واللام غير متقاربين في المخرج، لأن الهاء حلقية، واللام لسانية.
ومثال الثاني قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ والهاء والدال غير متقاربتين في المخرج، لأن الهاء
стр. 257
حلقية، والدال لسانية.
ومثال الثالث: قول البحتري:
هل لما فات من تلاق تلاقي؟ ... أم لشاك من الصبابة شافي؟
والتلاقي: مصدر من تلاقي الأمر: تداركه، والصبابة: الشوق، بالجناس بين "تلاق" و"تلاقي" والقاف والفاء في آخرهما متباعدتان في المخرج.
على أنه يشترط في اللفظتين المختلفين في نوع الحرب ألا يقع الاختلاف في أكثر من حرف واحد، وإلا لم يبق بينهما تجانس لفظي، (كفتح وفقد) و (علم وعرف) و (خبز وخرج) إذ ليس بين تلك الألفاظ تجانس لفظي، لأن الاختلاف في نوع الحرب قد وقع في أكثر من حرف.
والحالة الثانية:
وهي حالة الاختلاف في عدد الحروف:
فإذا ما اختلف اللفظان في عدد الحروف بأن كان عدد أحد اللفظين زائداً، سمى (الجناس الناقص)، وذلك لنقصان أحد اللفظين عن الآخر في عدد الحروف، وهو أنواع: (مطرف، ومكتنف، ومذيل).
стр. 258
فالمطرف:
ما كانت الزيادة فيه في أول اللفظ، كما في قوله تعالى:
﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ فالجناس بين (الساق) و (المساق) جناس ناقص، لأن باللفظ الثاني زيادة هي الميم في أوله.
والمكتنف:
ما كانت الزيادة فيه في وسط اللفظ نحو قولهم: (جدى جهدي) بفتح الجيم فيهما، والهاء زائدة في وسط اللفظ الثاني.
والمذيل:
ما كانت الزيادة فيه في آخر اللفظ، كقول أبي تمام:
يمدون من أيدي عواص عواصم تصول بأسياف قواض قواضب.
أي: عاصيات على أعدائهم، عاصمات لأوليائهم، وقواض، أي مهلكات، وقواضب: أي قاطعات.
فبين (عواص وعواصم) جناس ناقص، لزيادة حرف الميم في آخر اللفظ الثاني، وكذلك بين (قواض وقواضب) جناس ناقص، لزيادة حرف الباء في اللفظ الثاني.
стр. 259
وكقول الخنساء:
إن البكاء هو الشفا ... من الجوى بين الجوانح
والجوى: حرقة القلب، والجوانح: الضلوع: فبين (الجوى، والجوانح) جناس ناقص لزيادة حرفي النون والحاء في آخر اللفظ الثاني.
وقد يسمى ما كان الاختلاف فيه بزيادة أكثر من حرف في الآخر (مذيلاً).
والحالة الثالثة:
هي حالة الاختلاف في هيئة الحروف:
فإذا اختلف اللفظان في هيئة الحروف كان الجناس نوعين (محرفاً، ومصحفاً).
فالمحرف:
ما اختلف فيه اللفظان في الحركات والسكنات: نحو قولهم: جبسة البرد، جنة البرد)، إذ بين (البَرد والبُرد) جناس محرف، لاختلافهما في الهيئة، فالأول بضم الباء، وهو نوع من الثياب، والثاني: ضد الحر.
стр. 260
والمصحف:
ما اختلف فيه اللفظان نقطاً، بحيث لو زال إعجام أحدهما أو كليهما لم يتميز أحدهما عن الآخر، كقول أبي نواس:
من بحر شعرك أغترف ويفيض علمك أعترف.
فبين (أعترف واعترف) جناس "مصحف"، إذ ليس بينهما خلاف إلا بالنقط، بحيث لو تجرد اللفظان عنه لما تميز أحدهما عن الآخر.
والحالة الرابعة:
حالة الاختلاف في ترتيب الحروف:
فإذا اختلف اللفظان في ترتيب حروفهما سمى "جناس القلب": وهو أربعة أنواع: (قلب كل وقلب بعض، ومجنح، ومستو).
فالقلب الكلي:
ما انعكس فيه ترتيب الحروف، كقولهم: حسابة فتح لأوليائه وحتف لأعدائه، فبين (فتح وحتف) جناس قلب كلي، لأن الترتيب فيها قد انعكس كلياً، لأن (حتف) مقلوب (فتح).
والقلب الجزئي: ما انعكس فيه ترتيب بعض الحروف، كما في قولك:
стр. 261
(اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا) لأن انعكاس الترتيب فيه ليس في كل الحروف.
والمجنح:
ما كان فيه أحد اللفظين اللذين وقع بينهما القلب في أول البيت والآخر في آخره، كأن له جناحين، كما في قول الشاعر:
لاح أنوار الهدى من كفه في كل حال
فلفظ لاح مقلوب حال، ولفظ حال مقلوب لاح، وقد وقع أولهما في أول المصراع الأول وثانيهما في آخر المصراع الثاني.
والمستوى:
ما كان اللفظ فيه، بحيث لو عكس، وبدئ بحرفه الأخير إلى الأول لم يتغير نحو: "كل في فلك"، لأنك لو عكست هذا الترتيب، فبدأت من الكاف في (فلك) كان هو بعينه.
ومنه قول الشاعر:
مودته تدوم لكل هول وهل كل مودته تدوم؟
فإنك لو بدأت بآخر حرف من البيت إلى أوله لما تغير اللفظ ولا المعنى.
стр. 262
بلاغة الجناس:
في أثناء احتجاج عبد القاهر الجرجاني للمعنى على اللفظ - في أول أسرار البلاغة - ذكر أن هناك أقساماً قد يتوهم في بدء الفكرة، وقبل إتمام العبرة أن الحسن والقبح فيها لا يتعدى اللفظ والجرس إلى ما يناجى فيه العقل النفسي، ولكنها إذا حققت النظر، وأمعنت الفكر ترجع إلى هذا الذي يناجى فيه العقل النفسي ثم بين أن من هذه الأقسام التجنيس والحشو.
أما التجنيس: فقد كشف النقاب عن سر إعجابك به قائلاً: "أما التجنيس فإنك لا تستحسن اللفظتين إلا إذا كان موقع معنييهما من العقل حميداً، ولم يكن مرمى الجامع بينهما مرمى بعيداً، أتراك استضعفت تجنيس أبي تمام في قوله - من قصيدة يمدح بها الحسن بن وهب -:
ذهبت بمذهب السماحة فالتوت ... فيه الظنون: أمذهب أم مذهب؟
واستحسنت تجنيس القائل "حتى نجا من خوفه وما نجا"، وقول المحدث:
ناظراه فيما جنى ناظراه ... أو دعاني أمت بما أودعاني!
لأمر يرجع إلى اللفظ علم لأنك رأيت الفائدة ضعفت عن الأول وقويت في الثاني ورأيتك لم يزدك بمذهب ومذهب على أن أسمعك حروفاً مكررة
стр. 263
تدوم لها فائدة فلا تجدها إلا مجهولة منكرة، ورأيه الآخر قد أعاد عليك اللحظة كأنه يخدعك عن الفائدة وقد أعطاها، ويوهمك كأنه لم يزدك وقد أحسن الزيادة ووفاها، فبهذه الصريرة صار التجنيس وخصوصاً المستوفى منه، الشفق في الصورة من حلى الشعر ومعدوداً في أقسام البديع.
فقد تبين لك أن ما يعطي التجنيس من الفضيلة لم يتم إلا بنصرة المعنى، إذ لو كان باللفظ وحده لما كان فيه إلا مستحسن ولما وجد فيه معيب مستهجن، ولذلك؟ ؟ ؟ الاستكثار منه والولوع به، وذلك لأن المعاني لا تدين في كل موضع لما يجذبها التجنيس إليه، إذ الألفاظ خدم المعاني، والمعرفة في حكمها، وكانت المعاني هي المالكة سياستها المستحقة طاعتها (١).
فالحسن في التجنيس - عند عبد القاهر - حسن معنوي قبل أن يكون لفظياً، لأنك لا تستحسن اللفظتين إلا إذا كان موقع معنييهما من العقل موقعاً حميداً، ولم يكن مرمى الجامع بينهما فرمى بعيداً، ولأن الفضيلة في التجنيس إذا كانت باللفظ وحده، لكان التجنيس مستحسناً في كل حال، مع أن الأمر ليس كذلك، "لأن المعاني لا تدين في كل موضع لما يجذبها لتجنيس إليه".
وعلى هذا فإن التجنيس لا يستحسن إلا إذا كان مطابقاً لمقتضى الحال، ولهذا فإنه في البلاغة من الصميم.
стр. 264
أما سر استحسان التجنيس - عند عبد القاهر أيضاً - فهو: هذا الخداع اللفظي الذي يخدعك به الشاعر أو الأديب ويبدي لك الكلام في صورة التكرير والإعادة، مع أنه قد تضمن حسن الإفادة والزيادة.
ومع أن عبد القاهر الجرجاني قد ذكر هذه الفائدة للتجنيس - وهي حسن الإفادة مع أن الصورة صورة التكرير والإعادة - فإن بهاء الدين السبكي ينقل عن صاحب كنز البلاغة، عماد الدين إسماعيل بن الأثير الحلبي - وهو من علماء القرن الثامن الهجري - أنه قال: "لم أر من ذكر فائدة الجناس، وخطر لي أنها الميل إلى الإصغاء إليه فإن مناسبة الألفاظ تحدث ميلاً وإصغاء إليها، ولأن اللفظ المشترك إذا حمل على معنى ثم جاء والمراد به معنى آخر كان للنفس تشوف إليه (١). وكأنه لم يطلع على أسرار البلاغة على أنك لا تجد تجنيساً مقبولاً، ولا سجعاً حسناً حتى يكون المعنى هو الذي طلبه واستدعاه وساق المتكلم نحوه، وحتى تجده لا تبتغي به بدلاً، ولا تجد عنه حولاً.
ومن هنا كان أحلى تجنيس تسمعه وأعلاه وأحق بالحسن وأولاه: ما وقع من غير قصد من المتكلم إلى اجتلابه وتأهب لطلبه، أو ما هو لحسن ملاءمته - وإن كان مطلوباً -، بهذه المنزلة وفي هذه الصورة، وذلك
стр. 265
كما يمثلون به - أبداً - من قول الشافعي - رحمه الله تعالى - وقد سئل عن النبيذ، فقال: "أجمع أهل الحرمين على تحريمه". ومما تجده كذلك قول البحتري - من قصيدة يمدح بها ابن نويخت -:
يمشي عن المجد الغبي ولن ترى في سؤدد أربا لغير أريب
وبعد: فقد رأيت أن التجنيس مما يكسو الأسلوب جمالاً، ويزيد المعنى قبولاً وتمكيناً، وبهذا كان من صميم البلاغة.
٢) السجع:
هو: توافق الفاصلتين من النثر على حرف واحد في الآخر.
وتسمى كل واحدة من العبارتين اللتين وردت بهما الفاصلتان المتفقتان قرينة، لمقارنتها لصاحبتها كما أنها تسمى أيضاً - فقرة.
وللسجع أنواع ثلاثة هي: المطرف، والمرصع، والمتوازي:
فأما المطرف:
فهو: ما اختلفت فيه الفاصلتان في الوزن العروضي، كما في قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾؟
فقوله: "وقارا" هو الفاصلة الأولى، وقوله: "أطوارا" هي الفاصلة الثانية، وقد اختلفت الفاصلتان في الوزن العروضي، لأن
стр. 266
الأولى على وزن (فعولي) والثانية على وزن (مستفعل).
وإنما سمى هذا النوع باسم (المطرف) لأن الذي وقع به التوافق إنما هو الطرف وهو الحرف الأخير.
وأما المرصع:
فهو ما كانت فيه ألفاظ إحدى الفقرتين، أو أغلبها مثل ما يقابلها من ألفاظ الفقرة الأخرى في الوزن والتقفيه (ص ٢٦٣)، كما في قول الحريري: (فهو يطبع الاسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه) وكقول أبي الفضل الهمذاني: (أن بعد الكدر صفوا، وبعد المطر صحوا) وقول أبي الفتح البستي: (ليكن أقدامك توكلا، واحجامك تأملا).
وإنما سمى هذا النوع باسم (المرصع) تشبيهاً له بالعقد الذي ترصع فيه اللآلئ.
وأما المتوازي:
فهو ما لم تكن فيه ألفاظ أحدى الفقرتين ولا أغلبها مثل ما يقابلها من ألفاظ الفقرة الأخرى فطابع الفقرتين يسوده الاختلاف، وليس الاتفاق، وهذا الاختلاف إما أن يكون في الوزن والتقفيه معاً، وإما أن يكون في التقفيه دون الوزن، وإما أن يكون في الوزن دون التقفيه.
стр. 267
فمثال ما كان الاختلاف فيه في الوزن والتقفيه معاً: قول الله تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾.
فالقرينتان، هما: (سرر مرفوعة) و (أكواب موضوعة) لأن لفظ (فيها) لا يوجد ما يقابله، فلا اعتبار به (فسرو) - وهو نصف القرينة الأولى - يقابله أكواب) من القرينة الأخرى، وقد اختلفتا في الوزن والتقفيه.
فوزن (سرو) (متفا) ووزن (أكواب) (مستفعل) وتقفيه الأولى بالراء أما الثانية فبالهاء.
ومثال ما كان الاختلاف فيه في التقفيه دون الوزن: قولهم: (حصل الناطق والصامت، وهلك الحاسد والشامت)، أي: أنعم الله علي فحصل عندي وملكت الناطق وهو الرفيق، والصامت كالخيل ونحوها والمغار (فحصل) على وزن (هلك) وقافتيهما مختلفة، لأن قافية الأولى هي اللام ولكن قافية الثانية هي الكاف وكذك يقال في ناطق وحاسد، وأما (صامت) و (شامت) فلابد فيها من التوافق وزناً وقافية، لأنهما فاصلتان.
وأما ما كان الاختلاف في الوزن دون التقفيه: فقد مثل له السعد في شرحه للتلخيص بقوله تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾ لأن وزن (المرسلات) - في نظره - مخالف لوزن
стр. 268
(العاصفات).
والحق ما قاله المحقق ابن يعقوب المغربي (١): من أن المعتبر هنا هو الوزن الشعري لا الوزن النحوي، وعليه فهما متوافقان إذا المتحرك في مقابلة المتحرك، والساكن في مقابلة الساكن، وعدد الحروف المنطوق بها واحد فيهما، فهما في الوزن العروضي (فاعلات) وإن كان وزن - المرسلات في النحو (المفعلات) والعاصفات (الفاعلات).
ويبدو أنهم لم يجدوا مثالاً لهذا الفرع من تقسيمهم العقلي، فأعرضوا عنه صفحاً.
ويشترط لحسن السجع اختلاف قرينته في المعنى، ولهذا فإن قول الصاحب بن عباد في قوم مهزومين "طاروا واقين بظهورهم صدورهم، بأصلابهم نحورهم" لا يعد سجعاً حسناً، لعدم اختلاف قرينتيه في المعنى لأن أصلابهم بمعنى ظهورهم، ونحورهم بمعنى صدورهم.
وأحسن السجع ما تساوت قرائنه، كقوله تعالى: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾. فهذه قرائن ثلاث تساوت في أن كلاً منها مركب من كلمتين.
стр. 269
ويليه ما طالت قرينته الثانية: أو الثالثة، كما في قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ فهاتان قرينتان ثانيتهما أكثر عدداً من الأولى، وكقوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ فقوله: ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ قرينة ثالثة، وهي أطول من سابقتها.
على أنه لا يحسن أن يؤتى بالقرينة الثانية أو الثالثة أقصر من سابقتها، لأن السجع قد استوفى أمده في الأولى فإذا جاءت الثانية أو الثالثة أقصر، بقى الإنسان عند سماعه؟ ؟ ؟ ؟ ؟ (ص ٢٦٦) من يريد الانتهاء إلى غاية فيعثر دونها.
بلاغة السجع:
سبق أن أسلفنا لك عند الحديث عن بلاغة الجناس: أن عبد القاهر الجرجاني قد سوى بين الجناس والسجع في أنهما لا يكونان مقبولين إلا إذا كان المعنى هو الذي قد طلبهما، وساق المتكلم إليهما حتى يجدهما فلا ينبغي بهما بدلاً، ولا يجد عنهما حولاً.
وهنا نقول لك: أن عبد القاهر الجرجاني بعد أن أورد أمثلة للجناس المقبول، ساق أمثلة أخرى لما جاء من السجع هذا المجيء، وجرى هذا المجرى، وحل هذا المحل من الحسن والقبول:
стр. 270
ومما أورده في هذا المجال قول قيس بن سعد بن عبادة: "اللهم هب لي حمداً، هب لي مجداً، فلا مجد إلا بفعال، ولا فعال إلا بمال". وقول النبي ﷺ : "يا أيها الناس: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام".
ثم قال: "فأنت لا تجد في جميع ما ذكرت لفظاً اجتلب من أجل السجع، وترك ما هو أحل بالمعنى منه وأبريه، وأهدى إلى مذهبه، ولذلك أنكر الأعرابي - حين شكا إلى عاملي الماء بقوله: (حلات (ص ٢٦٧) ركابي، وشققت ثيابي وضربت صحابي) فقال له العامل: وتسجع أيضاً؟ - إنكار السجع حتى قال: فكيف أقول؟ وذاك أنه لم يعلم أصلح لما أراد من هذه الألفاظ، ولم يره بالسجع مخلاً بمعنى أو محدثاً في الكلام أو تكرارها، أو خارجاً إلى تكلف، واستعمال لما ليس معتاد في فرضه. وقال الجاحظ: لأنه لو قال: حلأت أبلى أو جمال، أو نوقى، أو بعرائي، أو صرمتي، لكان لم يعبر عن خفي معناه، وإنما حلئت ركابه فكيت بدع الركاب إلى غير الركاب؟ وكذلك قوله: وشققت ثيابي، وضربت صحابي (١).
ويقول الدكتور احمد موسى - في الصبع البديعي -: "وإذ كانت للسجع فائدة ونكتة لا تقل عما ذكروه للجناس إذ أنه يخامر العقول
стр. 271
مخامرة الخمر، ويخدر الأعصاب أخدار الغناء، ويؤثر في النفوس تأثير السحر، ويلعب بالأفهام لعب الريح بالهشيم، لما يحدثه من النغمة المؤثرة والموسيقى القوية التي تطرب لها الآذان، وتهش لها النفس، فتقبل على السماع من غير أن يداخلها ملل أو يخالطها فتور، فيتمكن المعنى في الأذهان ويقر في الأفكار، ويعز لدى العقول، وكان كل أولئك مما يتوخاه البلغاء، ويقصده ذووا البيان واللسن كان السجع مما يستدعيه المقام، وتوجيه البلاغة (١).
وبعد: "فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله" وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم".
حسن إسماعيل عبد الرازق
стр. 272
" مراجع البحث ومصادره "
١) القرآن الكريم.
٢) أسرار البلاغة، لعبد القاهر الجرجاني.
٣) أسس النقد الأدبي عند العرب للدكتور أحمد بدوي.
٤) إعجاز القرآن للباقلاني.
٥) الأطول للعلامة عصام الدين.
٦) الإيضاح، للخطيب القزويني.
٧) البديع، لعبد الله بن المعتز.
٨) البلاغة تطور وتاريخ للدكتور شوقي ضيف.
٩) البيان العربي للدكتور بدوي طبانة.
١٠) البيان والتبيين: للجاحظ.
١١) التصوير البياني، للدكتور محمد أبو موسى.
١٢) الحيوان، للجاحظ.
١٣) الخصائص، لابن جني.
١٤) الصبع البديعي في اللغة العربية للدكتور احمد موسى.
١٥) الصناعتين، لأبي هلال العسكري.
١٦) العمدة في صناعة الشعر ونقده، لابن رشيق.
١٧) الكشاف، للزمخشري.
١٨) القاموس المحيط، للفيروزبادي.
١٩) المطول، لسعد الدين التفتازاني.
стр. 273
٢٠) المغني في أبواب التوحيد والعدل، للقاضي عبد الجبار.
٢١) المفتاح، للسكاكي.
٢٢) المنهاج الواضح في البلاغة للأستاذ حامد عوني.
٢٣) النقد الأدبي الحديث للدكتور محمد غنيمي هلال.
٢٤) الوساطة بين المتنبي وخصومه للقاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني.
٢٥) أنباه الرواة، للقبطي.
٢٦) بيان إعجاز القرآن للخطابي (مطبعة دار التأليف).
٢٧) بغية الوعاة، للسيوطي.
٢٨) تاريخ الأمم الإسلامية، للخضري.
٢٩) ثلاث رسائل في إعجاز القرآن (دار المعارف).
٣٠) خزانة الأدب، للبغدادي.
٣١) خصائص التراكيب للدكتور محمد أبو موسى.
٣٢) دلائل الإعجاز، لعبد القاهر الجرجاني.
٣٣) شذرات الذهب.
٣٤) شرح الإيضاح.
٣٥) شروح التلخيص.
٣٦) طبقات الشافعية للسبكي.
٣٧) عبد القاهر الجرجاني للدكتور احمد بدوي.
٣٨) فوات الوفيات.
٣٩) لسان العرب، لابن منظور.
стр. 274
٤٠) مجمع الأمثال للميداني.
٤١) مراحل البحث البلاغي للدكتور حسن إسماعيل عبد الرازق.
٤٢) معجم الأدباء، لياقوت.
٤٣) مواهب الفتاح، لابن يعقوب المغربي.
٤٤) نظرية البيان للدكتور حسن إسماعيل عبد الرازق.
٤٥) نقد الشعر، لقدامة.
٤٦) وفيات الأعيان، لابن خلكان.
٤٧) يتيمة الدهر، للثعالبي.
* * * * *