البرقع الجميل.
٨) المبالغة:
وهي: أن يدعي لوصف بلوغه - في الشدة أو الضعف - حداً مستحيلاً، أو مستبعداً.
وتنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول:
التبليغ: وهو من بلغ الفارس إذا مد يده بعنان فرسه ليزيد من جريه (١)، وهو أن يدعى لوصف بلوغه في الشدة أو الضعف جداً ممكناً عقلاً وعادة.
ومثاله قول امرئ القيس:
فعادى عداء بين ثور ونعجة ... دراكاً، فلم ينضح بماء فيغسل
ومعنى عادي: أنه والى بينهما بأن صرع الثاني أثر الأول في شرط واحد، والثور: ذكر الوحش، ولا نعجة: أنثاه وقوله: دراكا بمعنى: متتابع، ومعنى لم ينضح: لم يرشح بعرق فيغسل به جسده
стр. 212
أو يفصل منه لما يصحب العرق من الوسخ.
فقد وصف الدرس بأنه أدرك ثوراً، وبقرة وحشيين في مضمار واحد، ولم يعرق، وهذا وصف ممكن عقلاً وعاد.
وقول أبي الطيب المتنبي:
واصرع أي الوحش قفيته به ... وأنزل عنه مثله حين أركب.
قفيته: بمعنى أتبعته، وضمير المفعول في؟ ؟ ؟ ؟ للوحش، والضمير في به: لفرسه.
والمعنى: أنه يصرع بفرسه بقر الوحش، ثم ينزل عنه وهو في نشاطه حين ركبه، وهذا وصف ممكن عقلاً وعادة.
القسم الثاني:
الإغراق: وهو من قولهم: أغرق الفرس، إذا استوفى الحد في جريه، وهو: أن يدعى لوصف بلوغه في الشدة أو الضعف حداً ممكناً عقلاً ولكنه مستحيل عادة.
ومثاله قول عمير بن الإيهم التغلبي:
ونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتعه الكرامة حيث مالا
стр. 213
فقد ادعى الشاعر أن جاره لا يميل عنه إلى جهة ألا وهو يتبعه الكرامة، وهذا وصف ممكن عقلاً ولكنه مستحيل عادة.
وقول أبي الطيب المتنبي:
كفي بجسمي نحولاً أنني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني!
فقد ادعى أبو الطيب أنه بلغ من الضعف والحول إلى درجة لا يستطيع معها أحد أن يستدل عليه إلا بالكلام.
وهذا وصف ممكن عقلاً، ولكنه مستحيل عادة.
ومثله قول ابن الفارض:
كأني هلال الشك لولا تأوهي ... خفيت، فلم تهد العيون لرؤيتي!
على أن التبليغ والأعراق مقبولان، وذلك لإمكان الوصف في التبليغ عقلاً وعادة، ولا مكان الوصف في الإغراق وعقلاً وإن لم يكن ممكناً عادة.
والقسم الثالث:
الغلو: من قولهم: غلا في الأمر، إذا جاوز الحد فيه، وهو: أن يدعى لوصف بلوغه في الشدة أو الضعف حداً مستحيلاً عقلاً وعادة.
ومثاله قول أبي نواس:
стр. 214
وأخفت أهل الشرك حتى إنه لتخافك النطف التي لم تخلق!
فقد ادعى أبو نواس أن ممدوحه قد أخاف أهل الشرك قاطبة، حتى أنه قد أخاف من لم يخلق منهم وهذا وصف مستحيل عقلاً وعادة، ولهذا فإنه غير مقبول.
وإنما يقبل العلو في حالات ثلاث:
الأولى: أن يدخل عليه ما يقربه إلى الصحة، نحو لفظة (يكاد) في قول الله تعالى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ فإضاءة الزيت من غير أن تمسه النار، أمر مستحيل عقلاً وعادة، ولكن الذي قربه من الإمكان لفظه (يكاد) ومن هنا كان الغلو في الآية الكريمة مقبولاً.
وفي قول ابن حمد يس الصقلي - يصف فرساً -:
ويكاد يخرج مسرعة من ظله ... لو كان يرغب في فراق رفيق.
فخروج الفرس عن ظله من شدة السرعة وصف مستحيل عقلاً وعادة، ولكن الذي قربه إلى الصحة هو قوله (ويكاد) ولهذا كان الغلو هنا مقبولاً.
ومما يقرب الغلو إلى الصحة: لفظ (لو) و (لولا)، وحرف التشبيه، و (يخيل) وما أشبهها.
стр. 215
والثانية: أن يتضمن الغلو نوعاً حسناً من التخييل، كما في قول أبي الطيب المتنبي:
أقبلت تبسم، والجياد عوابس ... يخببن بالحلق المضاعف والقنا
عقدت سنابكها عليها عثيراً ... لو تبتغي عنقاً عليه لأمكنا
والخبب: ضرب من العدو، وسنابك الخيل أطراف حوافرها، والعثير: الغبار، والعنق: السير السريع يقول: أنك أقبلت مبتسماً، وجيادك عوابس لكثرة ما عليها من حديد الدروع والقنا، وقد بلغت سرعتها أن سنابكها أثارت غباراً انعقد فوقها وأصبح كالأرض، حتى أنها لو أرادت أن تسير مسرعة عليه لأمكنها ذلك، وهذه مبالغة مقبولة، لأن الذي سوغها ما فيها من تخييل حسن، وهو ادعاؤه كثرة الغبار وجعله كالأرض في الهواء.
وقد جمع القاضي الارجاني بين التخييل الحسن ووجود ما يقرب إلى الصحة - في قوله - يصف الليل بالطول -
يخيل لي: أن سمر الشهب في الدجى ... وشدت بأهدابي إليهن أجفاني
وسمر الشهب بالدجى: أحكمت فيها بالمسامير، والدجى: جمع دجية وهي الظلمة، والأهداب: جمع هدب، وهو شعر أشفار العينين.
стр. 216
وقد ادعى الشاعر هنا أن طول الليل وصل إلى حالة أن الشهب أحكمت في ظلماته بالمسامير، وأن أهداب عينيه قد شدت إلى النجوم بحبال، وهذا وصف غير ممكن عقلاً وعادة، ولكن الذي قربه من الإمكان: هو هذا التخييل الحسن الناشئ عن ادعاء أن هناك حبالاً ومسامير كانت سبباً في وقوف الشهب وشد الأجفان إليها، مع دخول ما يقرب إلى الصحة وهو (يخيل)، ولهذا كان الغلو هنا مقبولاً.
والثالثة: أن يخرج الغلو مخرج الهزل والخلاعة، لأن صاحبهما لا يعد موصوفاً بنقيصة الكذب، كما بعد في الحد.
وذلك مثل قول الشاعر:
أمر بالكرم إن عبرت به ... تأخذني نشوة من الطرب
أسكر بالأمس أن عزمت على ... الشرب غداً إن ذا من العجب!
فقد ادعى الشاعر أنه يسكر بالأمس إن عزم على الشرب غداً وهذا أمر غير ممكن عقلاً وعادة، لما فيه من تقدم المعلول على علته، غير إن إخراجه مخرج الهزل والخلاعة، هو الذي جعل الغلو هنا مقبولاً.
على أن (أل) في (الأمس) للجنس، فيشمل أفراده المقدرة في المستقبل، وكذلك المراد بغد، وبهذا صح قوله: أسكر بالأمس، بالمضارع مع أمس، وقوله (أن عزمت) بأن التي تقلب الماضي إلى المستقبل.
والمراد سكره من مروره بالكرام.
стр. 217
آراء العلماء في المبالغة
للعلماء - في المبالغة - آراء ثلاثة:
الرأي الأول:
أن المبالغة مقبولة مطلقاً ، سواء أكانت تبليغاً، أو اغراقاً، أو غلواً، لأنها واردة في كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ وفصيح كلام العرب.
وهذا من شأنه أن يتيح الفرصة أمام الكتاب والشعراء - لاتساع مجال القول - أن يبدعوا، ويكثروا من اختراع الصور البيانية.
ولو ردت المبالغة، لبطل التشبيه، وغيبت الاستعارة - ورد المجاز، وذهب كثير من محاسن الكلام لأن أعذب الشعر - عندهم - أكذبه - كما يقولون -.
فقد سئل النابغة الذبياني: من أشعر الناس؟ فقال: "من استجيد كذبه، وأضحك رديئه".
ويقول ابن قتيبة في كتابه (تأويل مشكل القرآن): "وكان بعض أهل اللغة يأخذ على الشعراء أشياء من هذا الفن، وينسبها فيه إلى الإفراط وتجاوز المقدار، وما أرى ذلك إلا جائزاً حسناً".
стр. 218
ومن رأيه أن كل ما وقع في القرآن الكريم من أساليب اللغة اقترنت به (كاد) ظاهرة أو مقدورة.
فمن الأول: قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ أي ينظرون إليك نظراً قوياً شزراً ملؤه - العداوة والحقد حتى يكاد هذا النظر يزحزحك عن مكانك.
الرأي الثاني:
أن المبالغة مردودة مطلقاً: لأن في الحقائق متسعاً لمن يريد القول.
ولأن المبالغة دليل عجز الشاعر عن الظفر بمحاسن الكلام، وهي تنافي الغرض من الكلام الذي هو الإفصاح والإبانة.
ولأن أعذب الشعر - عندهم - أصدقه - كما يقولون - وكما يقول حسان بن ثابت:
وإنما الشعر لب المرء يعرضه ... على المجالس، إن كيساً وإن حمقاً
وإن شعر بيت أنت قائله ... بيت يقال - إذا أنشدته - صدقاً
يروي المبرد وغيره: أن الاقتصاد في أداء المعاني هو الأفضل، وإن أحسن الشعر: ما قارب فيه القائل إذا شبه، وأحسن منه ما أصاب به الحقيقة، ونبه - بفطنته - على ما يخفى على غيره، وساقه بوصف
стр. 219
قوى واختصار.
والرأي الثالث:
أن المبالغة إذا كانت تبليغاً ، وإغراقاً، فهي مقبولة، وإن كانت غلواً، فإن جاءت بلفظ يقربها من الصحة والإمكان، بأن جاءت متضمنة تخييلاً حسناً، أو جاءت في معرض الهزل والخلاعة، فهي مقبولة - أيضاً - وإن لم تتضمن شيئاً مما ذكر فهي مردودة.
وهذا هو رأي الكثير من البلاغيين، كأبي هلال العسكري، والخطيب القزويني، وغيرهما.
والمبالغة في الصميم من البلاغة، لأن أكثر الصور البيانية مبنية عليها، كالتشبيه - على حد المبالغة - والاستعارة لأنها مبنية على المبالغة في التشبيه، وكالمجاز بجميع صوره.
٩) حسن التعليل:
وهو: أن يدعى لوصف علة مناسبة له باعتبار لطيف غير حقيقي، لا يدركه إلا من له بصر بالتعرف على لطائف المعاني، ودقائقها.
وإنما كان حسناً، لأنه يظهر ما ليس واقعاً متخيلاً كأنه الواقع الحقيقي.
стр. 220
وقد قسموا حسن التعليل إلى أربعة أقسام: لأن الوصف المراد، إما أن يكون ثابتاً، وإما أن يكون غير ثابت أريد إثباته والوصف الثابت: أما ألا تظهر له علة عادة، وإما أن تظهر له علة غير المذكورة، والوصف غير الثابت: أما أن يكون ممكناً، وإما أن يكون غير ممكن، فكانت الأقسام أربعة على النحو التالي:
القسم الأول:
وهو حسن التعليل للوصف الثابت التي لا تظهر له علة في العادة .
ومثاله: قول أبي الطيب المتنبي:
لم تحك نائلك السحاب، وإنما ... حمت به فصبيبها الرحضاء.
لم تحك: بمعنى لم تشابه، ونائلة: عطاؤه، وحمت: أصابتها الحمى، والصبيب: ما صب م المطر، والرحضاء: عرق الحمى.
يقول: أن السحاب لم تشابه عطاءك بغزارة مطرها، وإنما أصابتها الحمى، لأنها لم تجار عطاءك في غزارته فما الصيب المتدفق منها إلا عرق الحمى التي أصابتها.
فنزول المطر لا يظهر له في العادة علة - وإن كانت له علة حقيقية، ولكن الناس لا ينظرون إليها
وكقول أبي تمام:
стр. 221
لا تنكري عطل الكريم من الغنى ... فالسيل حرب للمكان العالي
وعطل الرجل من المال ونحوه: خلا منه، وحرب للمكان العالي: أي عدوله لا يجامعه.
فقد علل أبو تمام: عدم إصابة الغني الكريم بالقياس على عدم إصابة السيل المكان العالي، لأن الكريم لعلو قدره كالمكان العالي، أو كالطود الأشم، والغنى - لحاجة الناس إليه - كالسيل.
ومن لطيف هذا القسم: قول أبي هلال العسكري:
زعم البنفسج أنه كعذاره ... حسناً فسلوا من قفاه لسانه!
والبنفسج: نبات طيب الرائحة، وله هنة تحت ورقه، جعلها الشاعر كلسان له صل (ص ٢١٨) من قفاه، والعذار: أول ما يبدو على الحسن من الشعر.
والشاهد: أن خروج هنة ورقة البنفسج إلى الخلف مما لا تظهر له علة، ولكن الشاعر جعل علة ذلك: أن البنفسج قد افترى كذباً على محبوبه بأنه يشبه عذاره.
وقول ابن نباته - في صفة فرس -:
стр. 222
وأدهم يستمد الليل منه ... وتطلع بين عينيه الثريا
سرى خلف الصباح يطير مشياً ... ويضوي خلفه الأفلاك طياً
فلما خاف وشك الفوت منه ... تشبث بالقوائم والمحيا
الأدهم: اللون الأسود، والثريا: سبعة كواكب في عنق الثورة وقد استعارها الشاعر لغرته، وسرى: مشى ليلاً، والضمير في سرى: للأدهم، والضمير في خاف، للصباح والقوائم: جمع قائمة، وهي رجل الفرس أو يده، والمحيا: الوجه.
يقول الشاعر: أن فرسه الأدهم الشديد السواد الذي لشده سواده كأن الليل يستمد ظلمته منه، والذي له غرة بين عينيه كأنها الثريا تطلع بين ظلام الليل، وقد مشى ليلاً بسرعة كانت لها الأفلاك تطوى من خلفه طياً، فلما خاف الصباح من أن يسبقه الأدهم ويفوته تعلق بقوائمه ومحياه متشبثاً بهما.
وبهذا أرجع الشاعر سبب البياض في غرة فرسه، وقوائمه إلى تشبث الصبح بهما، وهذه علة غير حقيقية.
القسم الثاني:
وهو حسن التعليل للوصف الثابت الذي تظهر له في - العادة - علة غير المذكورة .
ومثاله: قول أبي الطيب المتنبي - في مدح بدر بن عمار -:
стр. 223
ما به قتل أعاديه، ولكن ... يتقي إخلاف ما ترجو الذئاب!
بمعنى أن ممدوحه لا يقتل أعداءه خوفاً منهم لأنهم - عاجزون عنه -، إنما يقتلهم، لأنه يخاف أن يخلف ما ترجوه الذئاب منه، من أنهم يطعمون من قتلاه في الحرب.
فقتل الملوك أعداءهم - عادة - إنما يكون لإرادة هلاكهم لدفع مضارهم عن أنفسهم حتى يصفو لهم ملكهم من منازعتهم، وليس لما ادعاه من أن طبيعة الكرم قد غلبت عليه، ومحبته أن يصدق رجاء - الراجين.
وتلك مبالغة منه في وصفه بالجود، كما أنها تتضمن مبالغة أخرى في وصفه بالشجاعة - على وجه تخييلي - أي أنه تناهى في الشجاعة حتى ظهر ذلك للحيوانات العجم، حتى أنه إذا غدا للحرب رجت الذئاب أن تنال من لحوم أعدائه هذا إلى أن هذا المدح بالجود، والشجاعة قد تضمن مدحاً آخر، وهو: أنه ليس ممن يسرف في القتل طاعة للغيظ والحنق.
وقول أبي طالب المأموني - في بعض الوزراء ببخارى:
مغرم بالثناء فصب بكسب ... المجد يهتز للسماح ارتياحاً
لا يذوق الإغفاء إلا رجاءً ... أن يرى طيف مستميح رواحاً.
стр. 224
والصب: ذو الولع الشديد، والإغفاء: النوم الخفيف، والمستميح: طالب العطاء، والرواح: العشى.
يقول: أن ممدوحه لولوعه الشديد بإكتساب المحامد التي تورث الإنسان مجداً فإنه لا ينام إلا رغبة منه في رؤية طيف لطالب نواله في وقت العشى.
فقد علل الإغفاء برغبته في رؤية طيف طالب نواله، مع أن للإغفاء علة حقيقية غيرها.
على أن هذا المعنى مأخوذ من قول قيس بن الملوح، المعروف بالمجنون:
وإني لأستغشى - وما بي نعسة - لعل خيالاً منك يلقى خياليا.
وليس بمستبعد أن يكون هذا البيت من القسم، ولكنه لا يبلغ في الغرابة والبعد عن العادة - ذلك المبلغ وذلك لأنه قد يتصور أن ينام الحب - إذا بعد عهده بحبيبه - لكي يراه في منامه.
ومن لطيف هذا الضرب قول احمد بن محمد بن ثوابه:
أتتني تؤنبني بالبكاء ... فأهلاً بها، وبتأنيها
تقول - وفي قولها حشمة - ... أتبكي بعين تراني بها؟
فقلت: إذا استحسنت غيركم ... أمرت الدموع بتأنيبها!
والحشمة: الغضب، أو الاستحياء، والأول هو الأظهر هنا.
стр. 225
فالعادة قد جرت على أن دموع الحب إنما هي بسبب أعراض الحبيب، أو اعتراض الرقيب أو غيرهما مما يوجب الاكتئاب والحزن، وليس ما ذكره من التأديب على الاساءة باستحسان غير الحبيب.
القسم الثالث:
وهو: حسن التعليل للوصف غير الثابت الذي أريد إثباته، وكان ممكناً .
ومثاله: قول مسلم بن الوليد:
يا واشياً حسنت فينا اساءته ... نجى حذارك إنساني من الغرق!
الواشي: هو الساعي بالفساد، وإنساني: يعني به إنسان عينه، وهو سوادها.
فقد استحسن إساءة الواشي، وذلك أمر خالف فيه الناس، ولهذا فإنه قد عقبه بتعليل هذا الاستحسان بأن حذاره من الواشي منعه من البكاء، فسلم إنسان عينيه من الغرق، وما كان كذلك فهو حسن.
فاستحسان إساءة الواشي لم يقل به أحد، ولكنه ممكن.
وقول الطغرائي:
عداي لهم فضل علي ومنة ... فلابد أبعد الرحمن عني الأعاديا
هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها ... وهم نافسوني فاجتنيت المعاليا.
стр. 226
فثبوت الفضل والمنة للأعداء أمر ممكن، ولكن الناس لا يعترفون بذلك، ولكن الشاعر لما خالف الناس في هذا، بحث عن علتين طريقتين صوغ بهما هذه المخالفة، وقربها من العقل.
القسم الرابع:
وهو حسن التعليل للوصف غير الثابت الذي أريد إثباته، وكان غير ممكن !
ومثاله قول عبد القاهر الجرجاني - في معنى بيت فارسي:
لو لم تكن فيه الجوزاء خدمته ... لما رأيت عليها عقد منتطق.
فنية الجوزاء خدمة الممدوح صفة غير ثابتة، وممتنعة، لأن النية إنما تكون ممن يعقل، ولكنه أدعى ثبوتها بأنها منتطقة، أي قد رشدت النطاق في وسطها شأن الخدم عادة.
ومنه قول الشاعر:
سألت الندى والجود: مالي أراكما ... تبدلتما ذلاً بعز مؤبد
وما بال ركن المجد أمسى مهدماً ... فقالا: أصبنا بابن يحيى محمد.
فقلت: فهلا متما عند موته ... فقد كنتما عبديه في كل مشهد
فقالا: أقمنا كي نعزي بفقده ... مسافة يوم ثم نتلوه في غد!
فكل ما ذكره الشاعر غير واقع، ولا ممكن الوقوع، وليس له من علة.
стр. 227
فالندى والجود لم يذلا، وركن المجد لم ينهدم، ولم يكن الندى والجود عبدين للمرثي، ولا أقاما بعده للعزاء ثم يلحقان به في الغد ولكن الشاعر تخيل كل هذا وعلل له من عند نفسه.
ما يلحق بحسن التعليل:
إذا كانت العلة التي يوردها الشاعر أو الأديب مبنية على الشك لا على الإدعاء والإصرار، لم تكن العلة من حسن التعليل، وإنما تكون ملحقة به.
ومثال ما يلحق بحسن التعليل قول أبي تمام:
ربى شفعت ريح الصبا لرياضها ... إلى المزن حتى جادها وهو هامع
كأن السحاب الغرغيين تحتها ... حبيباً فما ترقا لهن مدامع!
الربى: جمع ربوة، وهي التل المرتفع من الأرض، والصبا: ريح تهب من الشرق، والمزن: واحدة مزنة، وهي السحاب الأبيض وجادها: بمعنى أمطرها، والهامع: السائل بكثرة، والسحاب الغر: السحاب الممطرة الغزيرة الماء، وترقا مخفف ترقاًّ بمعنى تسكن.
يقول أبو تمام: أن ريح الصبا قد شفعت لرياض الربا عند السحاب، ؟ ؟ ؟ (ص ٢٢٤) السحاب الرياض - بسبب هذه الشائعة - أمطاراً غزيراً، حتى
стр. 228
كأن السحاب قد غيبت حبيباً تحت ثرى هذه الرياض، ولهذا فإنها ما تنفك تبكيه ولا ينقطع لها دمع عليه.
فقد علل الشاعر أمطار السحاب بما ذكر، ولكنه قد بنى هذا التعليل على الشك بلفظة (كأن) لأنها تفيد الشك ولهذا لم يكن من حسن التعليل، وإنما هو ملحق به.
ومنه قول ابن الرومي:
لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وإلا فما يبكيه منها؟ وإنها ... لاوسع ما كان فيه وأرغد
إذا أبصر الدنيا استهل، كأنه ... لما سوف يلقى من أذاها مهدد!
فقد علل الشاعر بكاء الطفل ساعة إبصار الدنيا - في البيت الثالث - بأنه مهدد بما سوف يلقاه من أذاها ولكنه قد بنى العلة على الشك، فكان ملحقاً بحسن التعليل وليس به.
بلاغة حسن التعليل:
في قول أبي هلال الذي أسلفناه لك:
زعم البنفسج أنه كعذاره ... حسناً فسلوا من قفاه لسانه!
والبنفسج به زائدة تحت ورقة لا يظهر لوجودها على هذا الوضع
стр. 229
علة تعلل بها، فادعى أبو هلال أنها كاللسان له وقد سل من قفاه عقاباً له على زعمه أنه يشبه عذار محبوبه.
وهذا تعليل خيالي؟ ؟ ؟ (ص ٢٢٦) استدعاه مقام الغزل والبلوغ بالمحبوب إلى أعلى قمم الحسن والجمال حتى عوقب البنفسج على زعمه مشابهته هذا العقاب الشنيع بسل لسانه من قفاه.
والصنعة - كما يقول عبد القاهر الجرجاني - إنما يمد باعها، وينشر شعاعها، ويتسع ميدانها، وتتفرع أعنانها حيث تعتمد الاتساع والتخييل، ويدعي الحقيقة فيما أحله التقريب والتمثيل، وحيث يقصد التلطف والتأويل، ويذهب بالقول مذهب المبالغة والإغراق في المدح والذم والوصف والبث، والفخر والمباهاة، وسائر المقاصد والأغراض، وهناك يجد الشاعر سبيلاً إلى أن يبد ويزيد، ومدداً من المعاني متتابعاً، ويكون كالمغترف من غدير لا ينقطع والمستخرج من معدن لا - ينتهي (١) "والتماس علة لطيفة لشيء" غير معلل مما يؤكد هذا المعنى ويقويه (٢).
стр. 230
على أنك إذا استعرضت أساليب حسن التعليل التي عرض لها عبد القاهر الجرجاني (١)، وجدتها عنده من البلاغة في أكرم مكان.
١٠) تأكيد المدح بما يشبه الذم:
هو: أن يبالغ المتكلم في المدح، فيعمد إلى الإتيان بعبارة يتوهم السامع منها في بادئ الأمر أنه ذم، فإذا هو مدح مؤكد.
وهو ثلاثة أضرب:
الضرب الأول:
وهو أفضلها: أن يستثني من صفة ذم منفية عن الشيء صفة مدح بتقدير دخولها فيها ، وذلك كقول النابغة الذبياني:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب.
يقول: أنهم سلموا من العيوب غير أن سيوفهم قد تثلمت من مقارعة الأبطال في ميادين النزال، ولكن تثلم السيوف في مثل هذه المواطن مما يفتخر به، وبهذا يكون قد أتى بدليل ظاهر على شجاعتهم، فأكد مدحهم، ونفى ما كان السامع يترقبه بعد ذكر كلمة "غير " من أنه سيذكر صفة ذم.
стр. 231
وسر بلاغة هذا الضرب من وجوه ثلاثة:
أولها: أنه كدعوى الشيء بينه: فكأن النابغة - في البيت السابق - قد استدل على سلامتهم من العيب، بأن ثبوت العيب فيهم معلق بكون فلول السيوف من مقارعة الأبطال في ميادين النزال عيباً، وهو محال، والمعلق على المحال محال، فيكون عدم العيب محققاً.
وثانيها: أن الأصل في الاستثناء الاتصال، وذكر أداة الاستثناء قبل ذكر ما بعدها يوم إخراج شيء مما قبلها، وأنه إثبات عيب، فإذا جاء المدح بعدها، تأكد المدح، لأنه إثبات مدح بعد مدح.
وثالثها: أن هذا الخداع الذي يأتي به الأديب أو الشاعر من إيهام الذم بذكره أداة الاستثناء، وتلك الخلابة التي يبعثها في أسلوبه بذلك الإيهام، مما ينبه السامع إلى الاهتمام بما يقوله، وينشط ذهنه لاستقبال المعاني التي يضمنها مدحه.
ومن هذا الضرب: قوله تعالى - في السابقين من أهل الجنة- ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾. وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾. فكلمة السلام التي جاءت بعد (إلا) في الآيتين، ليست من اللغو والتأثيم، وإنما هي ألفاظ تحية ورحمة.
стр. 232
ومنه قول ابن الرومي:
ليس به عيب سوى أنه لا تقع العين على شبهه!
فذكر أنه خالص من العيوب، ولكنه لما ذكر أداة الاستثناء (سوى) أوهم أنه سيثبت له عيباً، ولكنه لما ذكر أن العين لا تقع على شبهه، أي أنه لا شبيه له في الحسن، وهذه صفة مدح لا صفة ذم، كان هذا الصنيع مؤكداً لمدحه الذي بدأه.
ومنه. قول صفي الدين الحلي:
لا عيب فيهم سوى أن النزيل بهم يسلو عن الأهل والأوطان والحشم.
أي أنهم مبرأون من العيوب، غير أنهم يكرمون نزيلهم حتى يسلوا أهله، ووطنه، وحشمه، وتلك صفة مدح لا صفة ذم فتأكد بهذا مدحهم وبلغت العبارة أسمى درجات البلاغة.
لأنه قد استدل على سلامتهم من العيوب بأن علق ثبوت العيب فيهم على كون إكرامهم لنزيلهم عيباً، وهو محال والمعلق على محال محال، وهذا أشبه بقولهم: حتى يبيض القار، وحتى يشيب الغراب.
ولأنه لما ذكر أداة الاستثناء قبل ذكر إكرامهم لنزيلهم - والأصل في الاستثناء الاتصال - أوهم صنيعه هذا أنه سيخرج شيئاً مما نفاه عنهم، وأنه سيثبت لهم عيباً، فلما أثبت لهم صفة إكرام النزيل تأكد
стр. 233
مدحه لهم، لأنه مدح بعد مدح.
ولأن هذه الخلابة التي بعثها في أسلوبه بهذا الخداع اللفظي نبهت السامع إلى أن يتجه إلى طريقته في مدحه، فينشط لسماع ما يثبته لهم من جليل الصفات وحميد الخصال.
والضرب الثاني:
أن يثبت لشيء صفة مدح، ويعقبها بأداة استثناء تليها صفة مدح أخرى ومثاله: قول النبي ﷺ : "أنا أفصح العرب بيد أني من قريش".
بيد كغير لفظاً ومعنى، وهي أداة استثناء: لما أثبت النبي ﷺ لنفسه أنه أفصح العرب أشعر بهذا أن هذه الصفة قد كملت فيه، فلما عقب هذه الصفة بأداة استثناء - وهي بيد - أوهم هذا الصنيع أنه سيخرج شيئاً مما قبل الاستثناء، فلما لم يجد إلا صفة مدح أخرى مماثلة للتي أثبتها، وهي أنه من قريش، وقريش أفصح العرب، أثبتها هي الأخرى، فجاءت مدحاً بعد مدح، فتأكد المدح الأول.
ووجه بلاغة هذا الضرب يرجع إلى الوجهين الأخيرين من ثلاثة الوجوه التي أسلفناها للضرب الأول: وهذا الوجهان هما ما يلي: -
стр. 234
الأول: أن الأصل في الاستثناء الاتصال، وذكر أداة الاستثناء قبل ذكر ما بعدها يوهم إخراج شيء مما قبلها، وأنه إثبات عيب، فإذا جاء المدح بعدها تأكد المدح الأول، لأنه إثبات مدح بعد مدح.
والثاني: أن هذا الخداع اللفظي الذي يأتي به الشاعر أو الأديب من إيهام الذم بذكره أداة الاستثناء، وتلك الخلابة التي يبعثها في أسلوبه بذلك الإيهام، مما ينبه السامع إلى الاهتمام بما يقوله، وينشط ذهنه لاستقبال المعاني التي يضمنها مدحه.
ولم يتضمن هذا الضرب الوجه الأول الذي أثبتناه للضرب الأول - وهو أنه كدعوى الشيء ببينة -، ولهذا كان الضرب الأول أفضل من الثاني وأبلغ منه.
والضرب الثالث: وهو أن يؤتى بمستثنى فيه معنى المدح معمول لفصل فيه معنى الذم، فيتفرغ للعمل فيه ، ويكون الاستثناء مفرغاً، كما في قول الله تعالى: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِآَيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾. وكقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾. أي ما تعيبون منا إلا أصل المناقب والمفاخر كلها وهو الإيمان بآيات الله، فالاستفهام في الآية للإنكار.
١١) تأكيد الذم بما يشبه المدح:
هو أن يبالغ المتكلم في ذمه، فيعمد إلى الإتيان بعبارة يتوهم
стр. 235
منها السامع في بادئ الأمر أنه مدح، فإذا هو ذم مؤكد.
وهو ضربان:
أحدهما: أن يستثنى من صفة مدح منفية عن الشيء صفة ذم بتقدير دخولها فيها ، كقولك: "فلان لا خير فيه إلا أنه يسئ إلى من يحسن إليه".
فقد نفيت الخير عن فلان، وهذه صفة ذم، ثم استثنت بعد هذا النفي صفة ذم أخرى وهي أنه يسيء إلى من يحسن إليه، فجاء ذماً بعد ذم، فتأكد الذم الأول.
ولهذا فإنه يجري فيه ما يجري في الضرب الأول، من أنه كدعوى الشيء ببينه، وأنه ذم على ذم، وأن به خداعاً لفظياً ينبه السامع، وينشط ذهنه لاستقبال ما يذم به.
وثانيهما: أن يثبت للشيء صفة ذم، ويعقبها أداة استثناء تليها صفة ذم أخرى له ، كقولك: "فلان فاسق إلا أنه جاهل".
ويجري فيه ما يجري في نظيره من تأكيد المدح بما يشبه الذم.
ومنه قول الشاعر:
يا حبيب الإله جد لي بقرب ... منك يا صفوة العزيز الرحيم
стр. 236
يا رسولاً أعداؤه أراذل النا ... س جميعاً لكنهم في الجحيم.
فقد وصف الشاعر أعداء رسول الله ﷺ بأنهم أراذل الناس وأحقرهم وهذه صفة ذم؛ فلما استدرك بقوله (لكنهم) أوهم السامع أنه سيأتي بعدها بصفة مدح، فلما قال: في الجحيم - ولا يدخل الجحيم إلا أراذل الناس - علم السامع أنه أتى بصفة ذم أكدت صفة الذم الأولى، لأنها أتت ذماً بعد ذم.
стр. 237
مواضع التأنق في الكلام
وقف نقاد العرب طويلاً عند مطلع القصيدة، وعند الانتقال من فاتحتها إلى الغرض منها، ثم عند خاتمتها.
ولهذا قالوا: أنه ينبغي للشاعر أو الأديب أن يتأنق في ثلاثة مواضع من كلامه حتى تكون أعذب لفظاً وأحسن سبكاً، وأصح معنى:
الموضع الأول:
الابتداء، ويسمونه (حسن الابتداء) ، لأنه أولها يقرع السمع، فإن أحسن الشاعر أو الأديب ابتداء كلامه، أقبل السامع على كلامه، وأحسن الإصغاء إليه فوعاه، وإن كان غير ذلك أعرض عنه ولم يلتفت إليه، وإن كان في غاية الحسن.
وضربوا لحسن الابتداء أمثلة كثيرة من المطالع الجيدة، فمنها قول النابغة:
كليني لهم - يا أميمة - ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب.
قالوا: أنه أحسن ابتداءات الجاهلية (١)، وذلك لأنه دل من أول الأمر
стр. 238
على حال الشاعر عندما غضب عليه النعمان وتوعده، وصور ما يعتلج في قلبه من هم أعياه، وأقض مضجعه، وحرمه النوم الهانئ، فألم به أرق جعل ليله طويلاً، وكل ذلك قد وضع في أسلوب بين واضح، وارتباط قوي بين شطري البيت وتناسب في القوة والجزالة.
كما أنهم قالوا: أن أحسن مرئية جاهلية ابتداء قول أوس بن حجر:
أيتها النفس: اجملي جزعاً ... إن الذي تحذرين قد وقعا (١)
ولعل حسن هذا المطلع راجع إلى تعبيره عما كان يضمره الشاعر لهذا الذي يرئيه من حب وإعزاز، وما كان يخضى عليه من عدوان الموت، ونزل الحام بساحته، أما وقد نزل هذا الحذو، فإنه نفسه قد مضت في الحزن إلى أبعد الغايات، واستسلمت إلى البكاء والنحيب والجزع، وهو لذلك يطلب إليها أن تتحمل المصاب في صبره، وألا تسترسل في آلامها برغم أن ما تحذره من المكروه قد نزل بساحتها وألم بها.
ومن المطالع الجيدة التي أعجب بها القاضي الجرجاني لأبي الطيب المتنبي:
أتراها لكثرة العشاق ... تحسب الدمع خلقه في المآقي؟
стр. 239
فالشاعر محب متيم، يذرف دموعه لينال وصال محبوبه، ولكنها لاهية عنه، ومحبوبته جميلة، رائعتا الجمال، يعشقها كل من يراها، كأنها لكثرة عشاقها الذي يذرفون دموعهم في سبيل رضاها، قد ظنت أن الدموع في عيون الناس أمر طبيعي جبل عليه الناس جميعاً، ولهذا أنها لا تثير انتباهها، ولا تستعطف قلبها دموع أبي الطيب.
وربما كان سر إعجاب القاضي الجرجاني بهذا المطلع راجعاً - بالإضافة إلى جمال الأسلوب ووضوح المعنى وجدته - إلى إيراد، في صيغة تساؤل يثير في النفوس الانتباه، وتحريك الأذهان، وإصغاء الأذان، وإلى تعبيره عن محبوبته بالضمير الذي يثير في النفوس كل هذه الأمور، ويثير فيها الشوق إلى معرفة هذه المحبوبة من تكون؟ أو كان الشاعر عندما عبر عنها بالضمير قد افترض أن الناس جميعاً يعلمون جبه وأنه لن يكون إلا لمن فتن الجميع بجمالها، وتعلقوا بمحاسنها.
ولهذا فإن الجرجاني قد عبر عن إعجابه بهذا المطلع فقال: "فإنه ابتداء ما سمع مثله، ومعنى انفرد باختراعه (١) ومن المطالع التي أعجب بها الجرجاني قول أبي الطيب:
إذا كان مدح فالنسيب المقدم ... أكل فصيح قال شعراً متيم؟ !
стр. 240
ولعل سر إعجابه بهذا المطلع راجع إلى طرافته وجدته، فقد فاجأ السامع بما لم يكن متوقعاً منه ومن غيره من الشعراء، فقد كان النسيب في قصائد المدح أمراً أجرى عليه العرف، واستساغته النفوس، ولكنه بدأ قصيدته هذه المرة ساخراً من أولئك الشعراء الذين يدعون الحب والصبابة كلما مدحوا أحداً، والسخرية من الشعراء الذين يبدأون - قصائدهم في المدح بالنسيب - وإن كان أبو نواس قد سبق إليها - إلا أن سخريته كانت منصبة على حياة العرب الاجتماعية قاصداً تحقيرهم، والنيل من مكانتهم، فهناك فرق بين اتجاه أبي نواس، واتجاه أبي الطيب.
قبح الابتداء:
ينبغي أن يتجنب الشاعر في مديحه كل ما يتطير منه حتى لا يتشاءم منه الممدوح أو بعض الحاضرين، : وذلك كمطلع قصيدة أبي نواسن يهنئ بها بعض بني برمك بدار بذل في تجمليها كل ما يملك من الجهد، إذ بدأها أبو نواس بقوله:
أربع البلى؛ إن الخشوع لباد ... عليك وإني لم أخنك ودادي.
فتطير منها البرمكي وأشمأز حتى ظهر الوجوم عليه (١).
стр. 241
ومن هذا القبيل: ما يروى أن المعتصم بنى قصراً فخماً جلس فيه، وجمع الناس من أهله وأصحابه وصعد إلى العرش، فاستأذنه اسحق ابن إبراهيم الموصلي في النشيد فأذن له، فأنشده شعراً بالغ الجودة في وصفه ووصف المجلس إلا أن أوله تشبيب بالديار القديمة وبقية آثارها فكان أول بيت منها:
يا دار، غيرك البلى؛ فمحاك ... يا ليت شعري ما الذي أبلاك؟
فتطير المعتصم منها (١).
واعترض عبد الملك بن مروان على جرير، عندما بدأ ينشد قصيدته، فقال:
أتصحوا أم فؤادك غير صاح ... عشية هم صحبك بالرواح؟
فقال له عبد الملك: "بلى فؤادك" كأنه استثقل هذه المواجهة، وإلا فهو يعلم أن الشاعر يخاطب نفسه (٢).
كما اعترض على ذي الرمة عندما دخل عليه، فاستشده شيئاً من شعره، فأنشده قصيدته التي يقول في مطلعها:
стр. 242
ما بال عينك منها الماء يسكب؟
وكانت عين عبد الملك تدمع دائماً، فتوهم أنه خاطبه، أو عرض به، فقال: وما سؤالك عن هذا؟ ومقته (١) وشبيه بهذا: ما يذكر من أن شاعراً يدعى: أبا مقاتل: افتتح قصيدة يمدح بها (الداعي) بقوله:
لا تقل بشرى، ولكن بشريان غرة الداعي ويوم المهرجان.
فانتبه الداعي، وقال له: هلا قلت: "إن تقل: بشرى فعندي بشريان (٢) ".
ومن ابتداءات أبي الطيب التي عيبت عليه قوله في مخاطبة كافور:
كفى بك داء: أن ترى الموت شافياً وحسب المنايا أن يكن أمانيا
قالوا: ففي الابتداء بذكر الداء والموت ما فيه من الطيرة اليت تنفر منها السوقة، فضلاً عن الملوك (٣) ونحن مع من قال: "إن هذا المطلع .. ". كان صادق التعبير إلى مدى بعيد عن نفسية المتنبي بعد هذا الأزمة التي مرت به بعد أن فارق مغضباً سيف الدولة، فقد رأى الحياة لا خير فيها، ووجد الموت شافياً له من آلامه (٤) ".
стр. 243
وإذا صح ما يقال من أن أبا الطيب لم يكن يعتبرا بالمسك كافوراً أهلاً لمدائحه - وذلك هو ما يغلب على ظننا - وإن مدائحه فيه لم تكن إلا هجاء في صورة مدح، فإن أي اعتراض على مطلعه هذا يكون ساقطاً من أساسه.
براعة الاستهلال:
وأحسن الابتداءات: ما ناسب الفرض الذي قصد إليه الشاعر بقصيدته، والمعنى الذي تضمنته هذه القصيدة، ويسمى هذا (براعة الاستهلا) كقول أبي تمام يهنئ المعتصم بالله بفتح عمورية - وكان أهل التنجيم قد زعموا أنها لا تفتح في ذلك الوقت: -
السيف أصدق أنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب.
بيض الصفائح لأسود الصحائف في متونهن جلاء الشك والريب.
وقول أبي محمد الخازن، يهنئ ابن عباد بمولود لبنته:
بشرى، فقد أنجز الإقبال ما وعدا ... وكوكب المجد في أفق العلا صعدا.
ومن ألطف البراعات: براعة مهيار والديلمي، فقد بلغه أنه وشى به إلى ممدوحه، فتنصل عن ذلك بألطف عذر، وأبرزه في معرض النسيب، فقال:
стр. 244
أما وهواها حلقة وتنصلا ... لقد نقل الواشي إليها، فامحلا
ثم قال بعده:
سعى جهده لكن تجاوز حده ... وكثر فارتابت ولو شاء قللا!
ومن براعة الاستهلال: قول أبي الطيب المتبي في عتاب سيف الدولة:
وأحر قلباً من قلبه شيم ومن بجسمي وحالي عنده سقم.
فهو واضح الدلالة عل الغرض المقصود من قصيدته وهو: الشكوى والعتاب.
وقوله - في رثاء أم سيف الدولة -:
نعد المشرفية والعوالي ... وتقتلنا المنون بلا قتال.
المشرفية: السيوف، والعوالي: الرماح، والمنون: الموت.
وقول التهامي - في رثاء ابنه -:
حكم المنية في البرية جاري ما هذه الدنيا بدار قرار!
والموضع الثاني: التخلص: ويقصدون به: الانتقال من المعنى الذي ابتدأت به القصيدة كالنسيب ونحوه إلى الغرض المقصود منها، مع مراعاة الملاءمة بينهما، ويسمونه (حسن التخلص):
стр. 245
وذلك بأن يخرج الشاعر مما بدأ كلامه به من النسيب - مثلاً - إلى المدح أو غيره بلطف نحيل، ومع رعاية الملاءمة بينهما، بحيث لا يشعر السامع بالانتقال من المعنى الأول إلا وقد وقع في الثاني، لشدة الممازجة والالتئام والانسجام بينهما، حتى كأنهما قد افرغا في قالب واحد (١).
فمن حسن التخلص قول أبي تمام:
يقول في (قومس) قومي - وقد أخذت ... منا السرى، وخطا المهرية القود -:
أمطلع الشمس تبغي أن تؤم بنا؟ ... فقلت: كلا! ولكن مطلع الجود!
وقول البحتري:
سقيت رباك بكل نوء عاجل ... من ويله حقاً لها معلوما
ولو أنني أعطيت فيهن المنى ... لسقيتهن بكف إبراهيما.
وقول المتنبي - في مدح سيف الدولة -:
стр. 246
خليلي: إني لا أرى غير شاعر ... فكم منهم الدعوى، وبنى القصائد.
فلا تعجبا؛ إن السيوف كثيرة ... ولكن سيف الدولة اليوم واحد.
وقوله - أيضاً - يمدح المغيث العجلى:
مرت بنا بين ترسيها، فقلت لها: ... من أين جالس هذا الشأن العرسا؟
فاستضحكت، ثم قالت: كالمغيث يرى ... ليت الشرى وهو من عجل إذا انتسبا!
الاقتضاب:
على أن حسن التخلص مما اعتز به المتأخرون من الجاهليين والمخصريين، فلم تكن العرب تهتم به كثيراً بل كانت تقول عند فراغها من نعت الإبل وذكر القفار، وما هم بسبيله: (دع ذا) و (عد عن ذا) ويأخذون فيما يريدون، أو يأتون بأن المشددة ابتداء للكلام الذي يقصدونه (١) وإن كنا نجد بعض التخلصات الجيدة لزهير بن أبي سلمى - في
стр. 247
هرم بن سنان -:
أن البخيل ملوم حيث كان ولكن الكريم - على علاته -هريم
ومن اقتضاب المتأخرين قول أبي تمام:
لو رأى الله في الشيب خيراً ... جاورته الأبرار ف الخلد شيباً
كل يوم تبدي صروف الليالي ... خلقاً من أبي سعيد غريباً
فقد اقتضب الشاعر هنا حديثه عن الشيب وانتقل إلى المدح دون تخلص.
وقول البحتري:
لولا الرجاء لمت من ألم الهوى ... لكن قلبي بالرجاء موكل،
إن الريبة لم تزل في سيرة ... عمرية مذ ساسها المتوكل.
فقد انتقل البحتري من حديثه عن الهوى إلى مدحه للمتوكل دون وسط بين المعنيين، أو إيجاد نوع من العلاقة بينهما.
على أن هناك نوعاً من الاقتضاب قريباً من حسن التخلص، لأنه لا يخلو من وجود مناسبة أو ملاءمة، كقولهم، - بعد حمد الله - أما بعد، لأنه لم يؤت بما بعدها فجأة من غير قصد إلى ربطه بما قبله على نوع من الربط، لأنها بمعنى: مهما يكن من شيء بعد الحمد أو نحوه فإنه كذا وكذا.
стр. 248
وإنما كان هذا النوع اقتضاباً: لأن الإنتقائي فيه من الحمد أو نحوه إلى غيره من غير ملائمة أو مناسبة.
ومنه قول الله تعالى: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآَبٍ﴾ أي: الأمر هذا، أو: هذا كما ذكر.
وقوله تعالى: ﴿هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآَبٍ﴾.
والموضع الثالث:
الانتهاء، لأنه آخر ما يعيه السمع ويرتسم في النفس ويسمونه: (حسن الانتهاء) فإذا كان مختاراً جيداً، جبر ما قد يكون قد وقع فيه الشاعر من تقصير، وإن كان غير مختار ولا جيد، لم يجبر شيئاً مما وقع فيه الشاعر، بل إنه برما أنسى السامع محاسن القصيدة كلها.
ومن حسن الانتهاء قول أبي نواس:
فبقيت للعلم الذي تهدى له ... وتقاعست عن يومك الأيام
وقول أبي تمام - في خاتمة قصيدة فتح عموريه -:
إن كان بين صروف الدهر من رحم، ... موضولة، أو ذمام غير مقتضب
فبين أيامك اللاتي نصرت بها ... وبين أيام بدر أقرب النسب
أبقت بني الأصفر المراض كاسمهم ... صفرا الوجوه، وجلت أوجه العرب.
стр. 249
والبيت الأخير من حسن الختام، لأنه أفاد نهاية الفتح فآذن بانتهاء الكلام.
على أن أحسن الانتهاءات ما آذن منها بانتهاء الكلام، كأن يكون لفظاً موضوعاً للدلالة على الانتهاء عادة أو عرفاً، كالدعاء والسلام ويسمونه: (براعتا المقطع)، كقول الشاعر:
بقيت بقاء الدهر يا كهف أهله ... وهذا دعاء للبرية شامل.
وقول أبي الطيب - في مدح سيف الدولة -:
فلاحظت لك الهيجاء سرجا ... ولا ذاقت لك الدنيا فراقا
وجميع فواتح السور وخواتمها واردة على أحسن وجوه البلاغة وأكملها.
ومن المحسنات اللفظية:
١) الجناس:
وهو: ما اتفق فيه اللفظان في وجه من الأوجه الآتية: وهي: نوع الحروف وعددها، وهيئتها، وترتيبها، مع اختلافهما في المعنى، وهو نوعان: تام، وغير تام.
стр. 250
فأما الجناس التام:
فهو ما اتفق فيه اللفظان في الوجوه الأربعة السابقة.
ومثاله: قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾، فقد اتفقت لفظتا (ساعة) في الآية الكريمة في الوجوه - الأربعة المذكورة، مع اختلافهما في المعنى، لأنه قد أريد بالأولى (القيامة) وبالثانية (الساعة الزمنية).
وهو ثلاثة أنواع: مماثل، ومستوفي، ومركب:
أ- فالمماثل: ما اتفق فيه اللفظان في نوع الكلمة، كأن يكونا اسمين، أو فعلين، أو حرفين:
فالاسمان: كالآية السابقة
وكقول أبي تمام:
إذا الخيل جابت قسطل الحرب صدعوا ... صدور العوالي في صدور الكتائب.
جابت بمعنى اخترقت. والقسطل: الغبار الساطع في الحرب. وصدعوا: بمعنى: أمالوا، والعوالي: الرماح والشاهد هو: أن صدور العوالي: هي أعاليها، ولكن صدور الكتائب هي نحورها