← Баляга

Баляга · id 151018

من قضايا البلاغة والنقد عند عبد القادر الجرجاني

حسن إسماعيل عبد الرازق

Полный текст (274 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

دكتور حسن إسماعيل عبد الرازق من قضايا البلاغة والنقد عند عبد القادر الجرجاني

стр. 2

دكتور حسن إسماعيل عبد الرازق من قضايا البلاغة والنقد عند عبد القادر الجرجاني

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ــ " الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا ومَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ "ـ ((صدق الله العظيم)) ــ

стр. 4

[مقدمة] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وأصحابه والتابعين: وبعد: فقد جارت أقلام كثيرة بالشكوى من منهج المتأخرين لدراسة البلاغة، لأنهم اعتمدوا في فهمهم لها على التلخيصات والشروح والتقريرات التي من شأنها أن تفرق الأفهام في بحار الخلافات التي لا طائل تحتها، وأن ترس بالعقول في متاهات المناقشات الجدلية التي لا تجدي في توعية الذوق البلاغي، ولا في تنمية الإحساس بجمال الأساليب العربية الأصيلة، ولا في التفريق بين أنماط التعبير بها. واشتطت أقلام أخرى فاتخذت من جفاف منهج المتأخرين ذريعة للنيل من اللغة العربية، فنادت بوجوب التخلي عن بذل الجهد، وتضييع الوقت في التعرف على البلاغة العربية التي أصبحت - في نظرهم - لا تواكب العصر. وجدت أقلام مخلصة في الرد على هؤلاء وأولئك، واصمة هؤلاء بالمكر والخبث وسوء القصد، وناعته أولئك بالجهل وضحالة الثقافة وسطحية التفكير، ومناديه - في الوقت نفسه - بوجوب

стр. 5

العودة إلى منهج القدماء - وبخاصة عبد القاهر الجرجاني - دراسة البلاغة. وهذه الدراسة - وأن كانت تقدر لهذا الرأي جديته الفكرية - ألا أنها - في الوقت نفسه - لا تغمط المتأخرين حقهم من الإجلال، والتقدير، لما أفنوا فيه أعمارهم من محاولة الغوص إلى أعماق اللسان العربي، لاستخراج ما فيه من درر الفكر، وجواهر التعبير وأن أخطأ الكثيرون منهم مقاصدهم، ولم يتبينوا سبيلهم فما عرفوا وجه الحق فيما اختلفوا فيه، ولا تبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود! على أن منهج القدماء إنما هو منهج الباحث المتخصص، ومنهج المتأخرين هو منهج الدارس المبتدئ إذا استثنينا منه ما يحتويه من خلافات لا تفيد في الوقوف على أسرار التراكيب ولا تجدي في تذوق جمال الأساليب. بيد أن منهج المتأخرين منهج"ناقص" مبتور، لأنه عدم الصلة بينه وبين المنابع الأصلية التي أستقى منها أفكاره، فشكل بها أبوابه ونوع فصوله، وفرع مسائله وأبرز قضاياه! . وغني عن البيان أن تراث عبد القاهر الجرجاني كان أهم المنابع التي أستقى منها المتأخرون بلاغتهم، كالرازي، والسكاكي والخطيب القزويني، وأهل طبقتهم، ولكنهم لم يبينوا لنا كيف أخذوا من عبد القاهر، ولا كيف كان تصوره للبلاغة وأنما اخذوا أفكاره

стр. 6

دون أن يتبينوا نظريته التي نشأت عنها هذه الأفكار، وهي نظرية النظم التي فرعوا منها مسائل علم المعاني. وهذه الدراسة التي نقدمها بين يديك الآن: تبين لك كل هذا فتوضح كيف أخذ المتأخرون عن عبد القاهر الجرجاني"علم المعاني" وكيف كان تصوره للبلاغة والفرق بين تصورهم، وتصوره لها، فهي، أذن - تزجى إليك ما فرط فيه المتأخرون، وتبين لك ما أغفلوا تبيينه وتعقد الصلة بين منهجهم وبين منابعهم الحقيقية من تراث عبد القاهر الجرجاني. على أن سبيل الكتابة عن البلاغة في فكر عبد القاهر الجرجاني مخالف لسبيلها عند المتأخرين ممن لم يهتموا بدراسة تراثه البلاغي إلا من حيث استخراج القاعدة البلاغية، والتبويب العلمي، والتقسيم المنطقي لأنهم بذلك قد أهملوا الظروف الفكرية، والعقلية التي صنف فيهما كتابيه "أسرار البلاغة" و"دلائل الإعجاز" وحاولوا قياس فكره بفكرهم، ووزن عقليته النادرة بعقليتهم، فحادوا بذلك عن جادة الطريق! وما مثلهم في هذا الذي تكلفوه، من محاولة فرض مقاييسهم البلاغية وتحكيم عقليتهم العلمية في ما أثمرته عقليته النادرة، وما أنتجته قريحته الفياضة إلا مثل من يضع العربة أمام الحصان - أن صح هذا التعبير - على أن الباحث الذي يريد أن يتصدى لدراسة الفكر البلاغي في كتابي عبد القاهر الجرجاني: دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة يحتاج - أولاً وقبل كل شيء - لكي يفهم مقاصد،

стр. 7

ومراميه من عباراته وإيماءاتها، أن يراعي أموراً ثلاثة على قدر كبير من الأهمية: الأمر الأول: دراسة البذور النقدية، والأفكار الأدبية - والاتجاهات الفكرية التي كان لها في تكوين عقلية عبد القادر وإثراء فكرة البلاغي آثار جعلته فارس حلبة البلاغة والنقد الأدبي، وذلك بتتبعها في كتابيه وإرجاع كل فكرة إلى مظانها من كتب الأقدمين. والأمر الثاني: هو دراسة تطور الأفكار البلاغية في ذهن عبد القاهر بحيث يتتبع المراحل الزمنية لهذه الأفكار في كتابيه - من مقتبل حياته حتى أخريات أيامه، ويستتبع هذا الأمر، دراسة أسبقية أحد الكتابين على الآخر، لأن عبد القاهر لم يصرح بأسبقية أحدهما، وان كانت دراسة تطور الأفكار البلاغية في ذهن عبد القاهر ستؤدي بالباحث إلى معرفة أيهما أسبق في التأليف. ومن أمثلة هذه الدراسة: ما لاحظه الدكتور محمد أبو موسى من أن عبد القاهر قد تطور بتعريف الاستعارة في كتابيه فعرفها بعدة تعريفات، بادئاً في أولهما في أول الأسرار ومنهياً بآخرها في نهايته وأن هذا التعريف الأخير هو الذي تجده في أول الدلائل (١) ثم علق على هذا بقوله" " وربما كان هذا الترقي في تحديد الفكرة على هذا النحو في الكتابين أعني ذكر الاستعارة في صدر أسرار البلاغة

стр. 8

بهذا التحديد الشامل للمجاز، تم تحديدها في نهاية الكتاب ثم عرضها محددة في صدر الدلائل مما يغري بالقول بأن كتاب دلائل الإعجاز كتب بعد أسرار البلاغة." وما ذكره - أيضاً - في تعليق له على قول عبد القاهر في أول الأسرار" وفي ثبوت هذا الأصل ما تعلم به أن المعنى الذي كانت له هذه الكلم بيت شعر، أو فصل خطاب، هو ترتيبها على طريقة معلومة وحصولها على صورة من التأليف مخصوصة، وهذا الحكم أعني الاختصاص في الترتيب مرتباً على المعاني المرتبة في النفس المنتظمة على قضية العقل، ولن يتصور في الألفاظ وجوب تقديم وتأخير، وتخصص في ترتيب وتنزيل، وعلى ذلك وضعت المراتب والمنازل في الجمل المركبة وأقسام الكلام المدونة، فقيل: من حق هذا أن يسبق ذلك، ومن حكم ما ههنا أن يقع هنالك، كما قيد في المبتدأ والخبر والمفعول والفاعل حتى حظر في جنس من الكلام بعينه أن يقع إلا سابقاً وفي آخر أن يوجد ألا مبنياً على غيره وبه لاحقاً، كقولنا: أن الاستفهام له الكلام، وأن الصفة لا تتقدم على الموصوف إلا أن تزال عن الوصفية لغيرها من الأحكام" يقول الدكتور محمد أبو موسى" وهذا الكلام شيء كبير وعلينا أن نلاحظ أن الشيخ قذف بهذه الحقيقة في أول كتاب أسرار البلاغة الذي يظن أنه كتبه قبل دلائل الإعجاز، وبهذا يكون ذلك تقديماً لدراسته في الكتابين وتصوراً قائماً في نفسه وهو يبدأ تجربته في دراسة أحوال الكلام وخصائصه ومراجع مزاياه، وهذا يشير

стр. 9

إلى طبيعة النظر في هذا الحقل، ويوجه قارئ عبد القاهر من أول الطريق إلى تطلب أشياء وراء الذي يقول ثم أنه في هذا النص يقودنا إلى مسالك في البحث اللغوي يكون فيها أشبه بالبحث في الجنس والمزاج والأحوال النفسية والروحية، وهذا يجعل خصائص تراكيب لغوية، لأنه كما يقول: لا يتصور في الألفاظ وجوب تقديم وتأخير، وتخصيص في ترتيب وتنزيل، وإنما هي خصائص أفكار وخواطر يتصور فيها وجوب ترتيب". ثم يقول: "وهذا بين إلى أي مدى عجز المخالفون عن تمثل هذا الدرس بطريقته التي أرشد إليها هذا الشيخ منذ ثمانية قرون وأن هذا الذي نقدمه ليس إلا قشوراً بجانب اللباب الذي ينتظر نقاباً نابهاً يبحث عنه. (١) وهكذا تنبه الدكتور محمد أبو موسى إلى أن عبد القاهر إنما وضع أرضية قوية بالغة الأهمية لدراسة كتابيه، وهو يبدأ تجربته في دراسة البلاغة إذ بها يستطيع قارئ عبد القاهر أن يتفهم ما يريد، من بين كلماته، ويلمح ما يوحي إليه من خلال عباراته ويصل إلى الغاية التي يتطلبها، والطلبة التي ينشدها، فلا يحيد عن جادة الطريق التي رسمها، ولا يضل ضلال أولئك الذين عجزوا عن تمثل هذا الدرس بطريقته التي لأرشد إليهما عبد القاهر منذ ثمانية قرون!

стр. 10

وتسوق إليك ما تلاحظه هذه الدراسة من أن عبد القاهر يتحدث عن التمثيل في "الأسرار" ويدخل فيه الأمثال كقولهم: "أخذ القوس بإربها" وقولهم" ومازال يفتل له في الذروة والغارب حتى بلغ منه ما أراد" (١) ولكنه يعدل عن هذه التسمية في الدلائل، ويسمى هذا النمط من القول" تمثيلاً - على حد الاستعارة" بعد أن أدرك أن المثل من قبيل المجاز. كما أنه لم يورد الكتابة" ذكراً في "الأسرار" مع أنها أحد أعمدة البيان، ويقول في مقدمته" وأول ذلك وأولاه وأحقه بأن يستزفيه النظر ويتقصاه: القول على التشبيه والتمثيل (يقصد التشبيه التمثيلي) والاستعارة، فإن هذه أصول كثيرة كأن جل محاسن الكلام - أن لم نقل كلها - متفرعة "عنها وراجمة إليها" وكأنها أقطاب" تدور عليها المعاني في متصرفاتها، وأقطار" تحيط بها من جهاتها (٢). ولكنه يعدل عن هذا التصور في الدلائل فيقول - في فصل (في اللفظ يطلق والمراد بغير ظاهره): " وأعلم أن لهذا الضرب أتساعاً وتفنناً لا إلى غاية، إلا أنه على أتساعه يدور في الأمر الأعم على شيئين: الكتابة، والمجاز"ثم يقول" وأما المجاز

стр. 11

فقد عول الناس في حده على النقل، وأن كل لفظ نقل عن موضوعه فهو مجاز، والكلام في ذلك يطول وقد ذكرت ما هو الصحيح من ذلك في موضع آخر (يقصد أسرار البلاغة) وأنا نقتصر ههنا على ذكر ما هو أشهر منه واظهر، والاسم والأشهر فيه لشيئين: الاستعارة، والتمثيل، وإنما يكون التمثيل مجازاً إذا جاء على حد الاستعارة" (١) وفي هذا الذي قال عبد القاهر من الأهمية بمكان. فقد ألف عبد القاهر" أسرار البلاغة" في مرحلة فكرية مبكرة من حياته، ولهذا فإن بعض أفكاره البلاغية لم تكن ناضجة موجهاً في الدلائل، ولهذا فإنه قد ذكر - في الأسرار - أن ما هو أحق باسم التمثيل: ما كان منتزعاً من هيئات مركبة، ومثل له بأمثلة جمع فيها بين ما كان تشبيهاً فقط، وبين ما كان استعارة دون أن يتنبه إلى هذا الخلط، ولكنه عندما نضجت أفكاره البلاغية وضحت له الرؤية، وتميزت لديه أنماط التعبير، ووصل إلى مرحلة فكرية متأخرة من حياته - وهو يكتب الدلائل - أدرك أن من التمثيل أن يكون تمثيلاً فقط، ومنه ما يكون تمثيلاً على حد الاستعارة، وتنوع لتمثيل أمام ناظريه إلى هذين النوعين، وقد سمى المتأخرون النوع الأول تشبيهاً تمثيلياً، والنوع الآخر استعارة تمثيلية.

стр. 12

ولأن عبد القاهر وهو يكتب الأسرار كان في مرحلة فكرية مبكرة من حياته فإنه لم يكن وقتها على ذكر من أن الكتابة هي أحد أعمدة البيان، لأن فكرته عن نظرية البيان إنما استلهمها من كتاب" نقد الشعر" لقدامة، (١) وعبد القاهر - وهو يكتب الأسرار - لم يكن قد أطلع على كتاب "نقد الشعر" لقدامه، لأنه في تلك المرحلة المبكرة من حياته لم يكن قد أتيح له الحصول على ما كان يريد قراءته من كتب، وقد أجمع المؤرخون على أنه قد أقام بجرجان ولم يبرحها، (٢) فربما كانت الظروف السياسية التي كانت سائدة في تلك الفترة قد حالت بينه وبين أن يقصد بغداد بحثاً عن كتاب قدامه وقد كان العصر الذي عاش فيه عبد القاهر عصر حروب ومغامرات بين طلاب الملك والسلطان في الرقعة الواسعة التي كانت الدولة العباسية تحكمها، وتاريخ تلك الفترة مصبوغ بالدماء - كما يقولون - فلعله آثر الحياة الهادئة في ظلال العلم فعكف عليها وأخلص لها (٣) وربما كان السبب في عدم استطاعته الحصول على كتاب نقد الشعر في مقتبل عمره، هو ضيق ذات اليد، فقد كان عبد القاهر مقتراً عليه في الرزق ولم يكن يحيا حياة سعيدة، وما خلفه لنا من شعر ينبض بالسخط على حظ العلماء في هذه الحياة. (٤)

стр. 13

ولسنا ندري مورد رزق عبد القاهر، فلعله هبات بعض الأثرياء الذين أهدى إليهم كتبه، (١) ولعله لم يستطع أن يحصل على كتاب قدامه إلا في فترة متأخرة بعد أن استقرت الحياة السياسية التي كانت مضطربة، وبعد أن أهدى إلى بعض الأثرياء بعض كتبه، ولعله هو نظام الملك أبو الحسن بن علي وزير السلاجقة، إذ ليس بين أيدينا شعر "مدح به أحداً سوى هذا الوزير الذي أسس المدرسة النظامية ببغداد سنة تسع وخمسين وأربعمائة. (٢) وأزال لعن الأشعرية من المنابر وقد كان عبد القاهر أشعرياً، ولعل نظام الملك قد أنعم عليه فأهداه بعض الكتب التي كانت ببغداد، وكان من بينها كتاب "نقد الشعر" لقدامه بن جعفر، إذ كان نظام الملك مجا للعلماء، مقدراً لمكانتهم. (٣) ولهذا فإنه من المرجح أن يكون حصول عبد القاهر على كتاب نقد الشعر، ومن ثم بداية تأليفه "الدلائل" قد كانت بعد سنة ٤٥٩ هـ لأنه الوقت الذي هيئت له فيه الظروف للاطلاع على ما فيه من قضايا بلاغية ونقدية كان لها أثرها في تكوين فكرته عن نظرية البيان التي لاحت عند قدامه متمثلة في الإرداف (أي الكتابة)

стр. 14

والتمثيل (أي الاستعارة التمثيلية)، فالتقطها عبد القاهر، وصاغ منها نظرية البيان التي لخصها في عبارته الوجيزة الشهيرة (المعنى ومعنى المعنى) ومعنى ذلك: أن عبد القاهر قد ألف كتابه "دلائل الإعجاز" في العقد السابع من حياته، وهي مرحلة متأخرة من عمره الذي أمتد إلى سنة ٤٧١ هـ. وهذا التوقيت موافق لقوله في "دلائل الإعجاز" هذه مسألة كنت قد عملتها قديماً، وقد كتبتها ههنا، لأن لها اتصالاً بهذا الذي صار بنا القول إليه: قوله تعالى: " إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ" أي لمن كان أعمل قلبه فيما خلق القلب له من التدبر والتفكر والنظر فيما ينبغي أن ينظر فيه." (١) فإذا ما تصفحنا "أسرار البلاغة" وجدنا هذه المسألة ذاتها، إذ يقول "ومثل من توقف في التفات هذه الأسامي إلى معانيها الأولى وظن أنها مقطوعة" عنها قطعاً يرفع الصلة بينها وبين ما جازت إليه، مثل من نظر في قوله تعالى: (إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ) فرأى أن المعنى على الفهم والعقل، أخذه ساذجاً، وقبله غفلاً، وقال: القلب ههنا بمعنى العقل، وترك أن يأخذه من جهته، ويدخل إلى المعنى من طريق المثل، فيقول: أنه حين لم ينتفع بقلبه ولم يفهم بعد أن كان القلب للفهم جمل كأنه عدم القلب جملة وخلع من صدره خلعاً كما جعل الذي لا يعي الحكمة ولا يعمل الفكر فيما تدركه

стр. 15

عينه وتسمعه أذنه كأنه عادم للسمع والبصر، وداخل في العمى والصم، ويذهب عن أن الرجل إذا قال: قد غاب عني قلبي وليس يحضر لي قلبي فإنه يريد أن يخيل إلى السامع أنه قد فقد قلبه دون أن يقول: غاب عني علمي وعزب عقلي، وأن كان المرجع عند التحصيل إلى ذلك، كما أنه إذا قال: لم أكن ههنا: يريد شدة غفلته عن الشيء فهو يضع كلامه على تخييل أنه كان غاب هكذا بجملته وبذاته دون أن يريد الرجل الأخبار بأن علمه لم يكن هناك". (١) فقوله: (كنت قد عملتها قديماً) أشارة واضحة إلى قدم عهده بتأليف الأسرار الذي من المرجح أن يكون قد ألفه في مقتبل حياته الفكرية، وبداية عهده بالتأليف في البلاغة، في الوقت الذي لم تمكنه الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية من الحصول على كتاب نقد الشعر لقدامه، للاطلاع على ما فيه من أفكار نقدية بلاغية، فجاء كتابه "الأسرار" - وهو الذي يبحث فيه موضوعات البيان - خالياً من الكتابة، ومن الاستعارة التمثيلية - وهما الموضوعان اللذان بنى عليهما عبد القاهر نظرية البيان في "دلائل الإعجاز". وقريب من هذا الذي تراه: ما لاحظه الدكتور غنيمي هلال (٢) من أن عبد القاهر - وهو يكتب الأسرار - لم تكن قد نضجت عنده بصفة حاسمة نظرية النظم، إذ رأى عبد القاهر - في الأسرار - يقسم الكلام إلى

стр. 16

ما هو شريف في جوهره، وما هو شريف بصنعته (١) ولكنه في نظرية النظم - وهو يكتب الدلائل - قد أولى الصورة الأدبية كل حصن ولم يعتد بالكلام الذي لا يتآزر لتتم هذه الصورة، وقسم الكلام إلى حسن للنظم ومعناه، وحسن لنظمه. (٢) فإذا ما أضفنا إلى هذا إلى هذا أن عبارة "توخي معاني النحو فيما بين الكلم" - وهي الصيغة التي ارتضاها عبد القاهر ترجمة أمينة لنظرية النظم - لم ترد أصلاً في الأسرار علمنا بأن هذه الصيغة لم يكن قد توصل إليها وهو يكتب الأسرار. هذه الدراسة شيقة ممتعة حقاً، لأنها تفتح لنا آفاقاً جديدة لدراسة التراث البلاغي والنقدي لعبد القاهر الجرجاني، وتتيح لنا الاستمتاع برؤية حقيقية لأفكاره، وآرائه واتجاهاته، وتهيئ لنا الجو الصحي الذي تفهم فيه عباراته فهماً طبيعياً، لا فهماً متكلفاً، ونرى فيه معالم نظرياته الأدبية والنقدية عن كثب، دون أن تحجبها عن عقولنا دياجير الغيب، وأستار الإهمال! والأمر الثالث: هو دراسة التصور العام للبلاغة في ذهن عبد القاهر والأطر العامة التي تصورها ممثلة لخصائص النظم، وصور البيان وقيم الجمال.

стр. 17

وهذه الدراسة التي نقدمها بين يديك الآن تجمع بين هذه الأمور الثلاثة، فهي لم تأل جهداً في تتبع البذور النقدية التي كان لها شأن في إلهام عبد القاهر أسس نظرية النظم وإرجاعها إلى مظانها من تراث سابقيه. ثم أنها قد تتبعت أفكاره البلاغية والنقدية عن هذه النظرية وتطورت معها من بداية عهده بالتأليف في البلاغة حتى نهاية اكتمالها في عقله وفكره، ومن ثم بداية تطبيقها تطبيقاً عملياً على التراكيب العربية. كما أنها قد حاولت ما وسعتها المحاولة إبراز الصورة الحقيقية التي كان عبد القاهر يتمثلها للبلاغة في عقله وفكره ومن ثم مقارنتها بما صنعه المتأخرون بهذه النظرية إذ صاغوها في تعريفات ثلاثة لعلوم: المعاني، والبيان والبديع. على أن هذه المحاولة إنما هي ثمرة جهود أساتذتنا الإجلاء، الذين بثوا في أرواحنا من عزائمهم الصادقة ما جعلنا نستمسك بتراثنا العربي في البلاغة والنقد، لكي نستقي من منابعها الأصلية الصحيحة فنروي ظمأ عقولنا، ونطفئ غلة نفوسنا. وأرجوا من الله تعالى أن يوفقني لما إليه قصدت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب." حسن إسماعيل عبد الرازق الزيتون في يوم الجمعة غرة صفر سنة ١٤٠٢ هـ الموافق ٢٧/ ١١/١٩٨١.

стр. 18

الفصل الأول (قضية النظم) ويشتمل على ما يأتي: (١) المنابع التي أستقى منها عبد القاهر فكرة النظم. (٢) نظرية النظم عند عبد القاهر: أ- الأسس التي قامت عليها النظرية ب- درجات النظم عند عبد القاهر جـ- صنيع المتأخرين بهذه النظرية

стр. 19

المنابع التي أستقى منها عبد القاهر فكرة المنظم عندما تحدى القرآن الكريم العرب أن يأتوا ولو بمثل أقصر سورة منه، وعجزوا عن ذلك ضاع صوابهم، وضربوا أخماساً في أسداساً من حيراتهم، لأنهم لم يستطيعوا مجاراة القرآن الكريم في بلاغته، وهم أرباب الفصاحة وفرسان البلاغة، وسادة الكلام! ووصفوا القرآن تارة بأنه شعر، وتارة أخرى بأنه سحر. أما أنه شعر: فلأنهم رأوه منظوماً، ولكنه نظم خاص، فلا هو بالشعر، وفيهم الشعراء المغلقون، ولا هو بالنثر وفيهم الخطباء المفوهون! . وأما أنه سحر: فلأنهم وجدوا له وقعاً في قلوبهم لم يستطيعوا مغالبته، وتأثيراً في نفوسهم لم يقدروا على التخلص منه. على أنه أحد خصوم الرسول الألداء - ويقال أنه الوليد بن المغيرة المخزومي - قد استمع إلى النبي ﷺ -وهو يتلو بعض أي القرآن الكريم: فقال: " والله لقد سمعت من محمد كلاماً ما هو من كلام الأنس، ولا هو من كلام الجن " وأن له لحلاوة وأن عليه لطلاوة" (١)

стр. 20

وقد جاء في حديث أبي ذر - في سبب أسلامه - أنه قال - قال لي أخي أنيس: أن لي حاجة إلى مكة، فأنطلق فراث فقلت: ما حبسك؟ قال: لقيت رجلاً يقول أن الله تعالى أرسله: فقلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون: شاعر، ساحر، كاهن، قال أبا ذر: وكان أنيس أحد الشعراء فقال: تالله لقد وضعت قوله على أقراء الشعراء فلم يلتئم على لسان أحد، ولقد سمعت الكهنة فما هو بقولهم، والله أنه لصادق، وأنهم لكاذبون. (١) والحق أن القرآن الكريم ليس شعراً، وليس سحراً، فقد أقسم الله تعالى للعوب في محكم كتابه قائلاً لهم: فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) ومَا لا تُبْصِرُونَ (٣٩) إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) ومَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ (٤١) ولا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ" (٢) ولما بحث العلماء مسألة الإعجاز القرآني، لم تغب عن أذهانهم فكرة النظم القرآني - على الرغم من أن منهم من ذهب إلى أن القرآن الكريم معجزة لتضمنه أخباراً غيبية، كالأخبار عن الأمم السابقة، وكالأخبار عما سيحدث في المستقبل ومنهم من ذهب إلى أن الله تعالى قد صرف العرب عن معارضة القرآن الكريم - وأن كانت في مقدورهم - ألا أن فكرة النظم هي التي انتصرت في النهاية كسر

стр. 21

عظيم لإعجاز القرآن الكريم. فها هو أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ المتوفى سنة ٢٥٥ هـ يؤديه إحساسه العميق بروعة النظم، وما يكسبه الكلام من الماء والرونق والحيوية والنضرة والروعة إلى أن يصيح في معاصريه: أن أعجاز القرآن الكريم في نظمه، ويؤلف في ذلك كتاباً، ولكنه يسقط من يد الزمن، (١) ولكنه يكرر هذا المعنى في كتاباته، كقوله" في كتابنا المنزل الذي يدلنا على أنه صدق نظمه البديع الذي لا يقدر على مثله العباد. (٢) وها هو الأديب اللغوي المحدث أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي المولود في سنة ٣١٩ هـ، والمتوفى سنة ٣٨٨ هـ يصنف رسالة في " بيان إعجاز القرآن". وفي هذه الرسالة يقرر أن الناس قديماً وحديثاً قد ذهبوا في هذا الموضوع من القول كل مذهب، ولكنهم لم يصدروا عن رى ثم يناقش فكرة الصرفة، ويد حصنها ولا يرتضيها، ثم يناقش فكرة تضمن القرآن الكريم للأخبار المستقبلة، ولكنه لا يرتضيها شرحاً لأسرار الإعجاز.

стр. 22

وأما القول بأن السر في إعجاز القرآن الكريم إنما هو بلاغته التي أعجزت العرب، فهو رأي صحيح، غير إن أصحاب هذا الرأي - وهم الغالبية العظمى - لم يحاولوا أن يتبينوا مرجع هذه البلاغة قائلين: قد يخفى سببه عن البحث، ويظهر أثره في النفس، لأنك تجد كلامين: أحدهما يهزك ويطريك وتنتشي له، والآخر لا يهزك ولا يطريك، وهما معاً فصيحان، ثم لا يوقف لشيء من ذلك على علة! ومثل هذا القول لا يقنع في مثل هذا العلم، ولا يشفي من داء الجهل به، وقد أستشهد بعضهم على هذا بمثل ما فعل ذو الرمة وجرير: فقد ذكرت الرواة أن جريراً مر بذي الرمة وقد عمل قصيدته التي أولها: نبت عيناك عن طلل بحزوى ... عفتة الريح وامتننح القطارا فقال: ألا أنجدك بأبيات تزيد فيها! ، فقال: نعم، فقال: يعد الناسبون بني تميم ... بيوت المجد أوسمة كباراً يعدون الرباب وآل تميم ... وسعداً ثم حنظلة الخيارا ويذهب بينها المرئي لغوا ... كما ألغيت في الدية الحوارا فوضعها ذو الرمة في قصيدته، ثم مر به الفرزدق، فسأله عما أحدث من الشعر، فأنشد القصيدة، فلما بلغ هذه الأبيات

стр. 23

قال: ليس هذا من بحرك: مضغها أشد لحين منك! قال: فاستدركها بطبعه، وفطن لها بلطف ذهنه. (١) فلابد - أذن - من سبب لاستحسان كلام دون آخر: وبحث عن السبب فوجده، ولم يتعد هذا السبب النظم. فالسبب الحقيقي - في رأي الخطابي - إن أجناس الكلام مختلفة فمنها البليغ الرصين الجزل، ومنها: الفصيح القريب السهل، ومنها الجائز الطلق الرسل. والقسم الأول: هو أعلى طبقات الكلام وأرفعه، والقسم الثاني هو أوسط الكلام وأقصده، والقسم الثالث: هو أدناه وأقربه. وقد حازت بلاغة القرآن الكريم من كل هذه الأقسام الثلاثة حصة، وأخذت من كل نوع من أنواعها شعبة، فانتظم بامتزاج هذه الأوصاف الثلاثة نمط من الكلام يجمع بين الفخامة والعذوبة، فكان اجتماع هذين الأمرين الفخامة والعذوبة - في نظمه - مع نبو كل واحد منهما عن الآخر فضيلة خص بها القرآن الكريم. ولا تقوم أجزاء الكلام إلا على هذه الأمور الثلاثة: (لفظ حامل، ومعنى قائم، ورباط لهما ناظم).

стр. 24

ومن هنا كانت فكرة النظم - كما نرى - وهي الفكرة التي أستقى منها عبد القاهر الجرجاني، ومن كتابات أخرى تالية لها حتى نضجت في ذهنه فكرة النظم، وأصبحت نظرية متكاملة واضحة المعالم والخطوط في كتابه "دلائل الإعجاز". وأما أن النظم هو أساس صور البيان - كما يتضح عند الحديث عن النظم عند عبد القاهر - فقد استقاها عبد القاهر من قول الخطابى: " وأما رسوم النظم فالحاجة إلى الثقافة والحذق فيها أكثر، لأنها لجام الألفاظ، وزمام المعاني، وبه تنتظم أجزاء الكلام ويلتئم بعضه ببعض، فتقوم له صورة في النفس يتشكل بها البيان". (١) على أن الخطابي قد وجد لإعجاز القرآن وجهاً آخر: وهو صنيعة بالقلوب وتأثيره في النفوس، فإنك لا تسمع كلاما غير القرآن منظوماً ولا منثوراً إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة في حال، ومن الروعة والمهابة في أخرى ما يخلص منه إليه، تستبشر به النفوس، وتنشرح له الصدور، حتى إذا أخذت حظها منه عادت مرتاعة، قد عراها الوجيب والقلق، وتغشاها الخوف والغرق، تقشعر منه الجلود، وتنتزع له القلوب، يجول بين النفس ومضمراتها وعقائدها الراسخة فيها، فكم من عدو للرسول ﷺ من رجال العرب وفتاكها أقبلوا يريدون اغتياله وقتله، فسمعوا آيات

стр. 25

من القرآن الكريم، فلم يلبثوا حين وقعت في مسامعهم أن يتحولوا عن رأيهم الأول، وأن يركنوا إلى مسالمته، ويدخلوا في دينه وصارت عداوته موالاة، وكفرهم إيماناً "وقصة إسلام عمر بن الخطاب ﵁ خير شاهد على هذا. (١) ولعلك لاحظت أن الخطابي قد ركز على أمرين لبيان أعجاز القرآن الكريم، وهما: النظم وتأثير القرآن في النفوس، وأن هذين الأمرين قد لاحظهما هو بدوره من وصف العرب للقرآن الكريم حين تحداهم - تارة بأنه شعر، لأنهم رأوه منظوماً (٢) - على حد تعبير الخطابي نفسه - وتارة بأنه سحر وذلك لتأثيره في نفوسهم تأثيراً لم يستطيعوا دفعه عنها. ولعلك تلاحظ - أيضاً - أن هذين الأمرين هما اللذان أدار عليها عبد القاهر كتابيه: دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة، فقد أراد أولهما على نظرية النظم، وأدار الثاني على مدى تأثير صور البيان في النفوس ويمضي في نفس الطريق أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني المتوفى سنة ×××× وهو من المتكلمين على مذهب الأشاعرة - في كتابه "إعجاز القرآن"، فيرد على مطاعن الملاحدة على أسلوب القرآن الكريم، مبيناً أن الحاجة

стр. 26

إلى الحديث عن إعجاز القرآن أمس من الحاجة إلى البحوث اللغوية والنحوية، وأن الجاحظ قد صنف في نظم القرآن كتاباً، غير أنه لم يزد فيه على ما قاله المتكلمون من قبله، أما هو فيصرح بأنه سيضيف إلى من سبقوه ما يجب وصفه من طرق البلاغة وسبل البراعة. وفي أول فصل من كتابه يبين أن القرآن الكريم معجز ببلاغته ثم يعقد فصلاً ثانياً يرد على القائلين بفكرة الصرفة، كالنظام والرمانى. وفي فصل أخر يبين وجوه الإعجاز القرآني - في رأيه ورأي أصحابه الأشعريين - فيرجعها إلى أمور ثلاثة: أولهما: ما تضمنه القرآن الكريم من الأخبار عن الغيوب وثانيهما: ما تضمنه من القصص الديني وسير الأنبياء، مع أن الرسول ﷺ كان أمياً، لا يقرأ ولا يكتب. وثالثهما: بلاغته. وهنا يتحدث عن نظرية الإعجاز القرآني، فيقول عن القرآن الكريم "أنه بديع النظم عجيب التأليف، متناه في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه. ولا يزيد على هذا القدر في رويته لفكرة النظم، ولم يتعمق في الوقوف على خصائص النظم - كما فعل عبد القاهر من بعده - اللهم إلا أن يقرر أن القرآن الكريم لا تتفاوت آية ولا تتباين، بخلاف كلام الفصحاء فأنه يتفاوت من موضوع إلى موضوع. وأن القرآن الكريم يخرج في

стр. 27

بلاغة صياغته عن طوق الأنس والجن. ثم يذكر أنه مما يبين لك روعة القرآن الكريم: أن الكلمة منه إذا ذكرت في تضاعيف كلام فإنهما تتألق بين جاراتها تألقاً، وأنه قد وضع في أوائل بعض صوره حروفاً مجموعها: أربعة عشر حرفاً هي نصف حروف المعجم، ليبين بذلك أن كلامه منتظم من نفس الحروف التي يستخدمها العرب، ومع ذلك فأنهم قد عجزوا عن معارضته. هذا إلى أنه قد خلا من الغريب الوحشي المستكره، ومن الصنعة المتكلفة السقوتة. وبهذا فإن الباقلاني لم يخرج عن قوله: أن القرآن الكريم معجز ببلاغته، وأن بلاغته ترجع إلى نظمه الفريد، ولم يستطع الولوج إلى نظرية النظم لبيان أسرارها وخصائصها. غير أن أدبياً معاصراً له هو القاضي على بن عبد العزيز الجرجاني المتوفى سنة ٣١٢ هـ قد تحدث عن النظم في كتابه " الوساطة بين المتنبي وخصومه" واستطاع أن يزيل شيئاً من الغموض الذي كان يحيط بنظرية النظم، وأن يزيح الستار قليلاً عن بعض جوانبها، وأن يلهم تلميذه، عبد القاهر من بعده كيفية الوصول إلى معالمها، وأن يعطيه النبراس الذي يهتدي به للوقوف على أسرارها. ومع أن القاضي الجرجاني لم يكن يتعرض لنظرية الإعجاز القرآني

стр. 28

في كتابه هذا، إلا أنه قد تحدث عن النظم باعتباره معياراً من معاييره البلاغية في وساطته بين المتنبي وخصومه. أورد القاضي الجرجاني - في وساطته - كلمة "النظم" كثيراً، كقوله "فما هذا من المعاني التي يضيع لها حلاوة اللفظ، وبهاء الطبع ورونق الاستهلال - ويشيح عنها حتى يهلهل لأجلها النسج ويفسد النظم" (١) وكقوله: وهو يعيب على قول أبي تمام: بدى لمن شاء رهن لم يذق جرعاً من راحتيك درى ما الصاب والعسل فحذف عمدة الكلام وأخل بالنظم" (٢) وكقوله "وهلا بلغ أقصى ما يحتمله الوزن وأكثر ما يمكنه النظم" (٣) وكقوله: ومنها ما خانه السبك، فساء ترتيبه، وأخل نظمه" (٤) وكقوله: "وبين الكلامين في صحة النظم وعذوبة المنطق ما تراه" (٥) وكقوله: " وتتبين تفاوتها في سوء الترتيب واختلال النظم" (٦).

стр. 29

وكقوله في قول الأعشى: إذا كان هادئ الفتى في البلاد صدر القناة - أطاع الأمير "فإن هذا البيت - كما تراه - سليم النظم من التعقيد - بعيد اللفظ عن الاستكراه" (١) وكقوله في بيت الطيب: إذا ما ضربت القرن ثم أجزتني فكل ذهباً لي مرة منه بالكلم فلم يحفل بسواه النظم، وهلهلة النسج لما حصل له الغرض في أنهار الطعنة" (٢) وبعد: فماذا قصد الجرجاني من كلمة النظم في المواضع التي ذكرها فيها؟ في الواقع أنه لم يكن يقصد منها - إلا ما قصده تلميذه عبد القاهر الجرجاني من بعده، وهو تتبع معاني النحو فيما بين الكلم، إذ من المستبعد أن يكون قد قصد بها وزن الشعر مثلاً، لأن الأبيات التي نقدها في هذه المواضع لم تكن مختلة الوزن، كما أنه لا يمكن أن يكون قد قصد بها مجرد ترتيب لا يكون على حسب معاني النحو، لأن الترتيب إذا كان بهذه المثابة أدى إلى هلهلة النسج التي يأباها فلم يبق إلا أن يكون قد قصد بها تتبع معاني النحو فيما بين الكلم - كما قصد عبد القاهر الجرجاني تلميذه من بعده

стр. 30

ولقد شد انتباهي طويلاً ذلك الفصل الذي عقده في وساطته وعنوان له بعبارة "مواقع الكلام". فلقد حاول أن يثبت فيه أن مزية الكلام إنما ترجع إلى نظمه، لا إلى جزالته وقوته، ولا إلى ما فيه من تنسيق وتزويق، ولكنه لا يستطيع أن يبين لنا أسباب تلك المزية كما بينها عبد القاهر من بعده - إذ هو لا يستطيع أن يفصح لنا عن تلك الأسباب بأكثر من أن هذا أمر تستخبر به النفوس المهذبة وتستشهد عليه الأذهان المثقفة، بل أنه يجهر بأنك لا تستطيع أن تذكر لهذه المزية سبباً، بل ويقيم الدليل على هذا من الأمور الحسية المشاهدة، فيقول، وأنت قد ترى الصورة تستكمل شرائط الحسن، وتستوفى أوصاف الكمال، وتذهب في الأنفس كل مذهب، وتقف من التمام بكل طريق، ثم تجد أخرى دونها في انتظام المحاسن والتئام الخلقة وتناصف الأجزاء، وتقابل الأقسام وهي أحظى بالحلاوة، وأدنى إلى القبول، وأعلق بالنفس، وأسرع ممازجة للقلب، ثم لا تعلم - وإن قاسيت واعتبرت ونظرت وفكرت - لهذه المزية سبباً، ولما خصت به مقتضياً". فالقاضي الجرجاني يدرك جمال الأساليب، ولكنه لا يكلف نفسه عناء البحث عن أسبابه، وكيف لا؟ وهو الذي يعتبر السائل عن

стр. 31

هذا السبب متعنتا متجافا؟ ولو قيل لك: كيف صارت هذه الصورة وهي مقصورة عن الأولى في الأحكام والصفة وفي الترتيب والصنعة، وفيما يجمع أوصاف الجمال، وينتظم أسباب الاختيار أحلى وأرشق وأحظى وواقع؟ لأقمت السائل مقام المتعنت المتجانف، ورد دثه رد المستبهم الجاهل، ولكان أقصى ما في وسعك وغاية ما عندك أن تقول: موقعه في القلب الطف، وهو بالطبع أليق، ولم تعدم مع هذه الحال معارضاً يقول لك: فما عبث من هذه الأخرى؟ وأي وجه عدل بك عنها؟ ألم يجتمع لها كيت وكيت، تتكامل فيه ذيه وذيه؟ وهل للطاعن إليها طريق؟ وهل فيها لغامز مغمز؟ يحاجك بظاهر تحسه النواظر، وأنت تحيله على باطن تحصله الضمائر" (١). وهكذا يذكر الجرجاني أن من يحاجك في مثل هذه الصور السابقة إنما ينظر إلى ظاهر تحسه النواظر، وأنت ترجعه إلى باطن تحصله الضمائر، فما ذلك الظاهر الذي يقصده من الكلام؟ وما ذلك الباطن الذي يقصده منه؟ أن الظاهر الذي يقصده هو: ما يجتمع للكلام من جزالة وقوة، وما يتوافر فيه من تزويق وتنميق، وكان تكتمل فيه نواحي الجمال الظاهرة من صور بيانية، أو بديعية وأما الباطن الذي يريده فهي المعاني اللطيفة والدقائق الخفية التي تحصل عليها من النظم أو من نفس الكلام وجوهره،

стр. 32

وموقعه، ومكانه - على حد تعبيره - كما سيصرح بذلك فهو يطبق تلك النظرية على الكلام بعد أن طبقها على الصور الحسية التي تدركها الأبصار، فيقول: "كذلك الكلام منثورة منظومة مجملة ومفصلة: تجد منه المحكم الوثيق، والجزي القوي، والمصنع المحكم، والمنسق الموشح، قد هذب كل التهذيب، وثقف غاية التثقيف، وجهد فيه الفكر، وأتعب لأجله الخاطر، حتى احتمى ببراءته عن المعائب واحتجز بصحته عن المطاعن، ثم تجد لفؤادك عنه نبوة، وترى بينه وبين ضميرك فجوة، فأن خلص إليهما فإن يسهل بعض الوسائل إذنه، ويمهد عندهما حاله، فأما بنفسه وجوهره، وبمكانه، وموقعه فلا" (١). فالمدار عند القاضي الجرجاني - في مجال تفضيل نظم على آخر - هو جوهر الكلام، ومكانه، وموقعه - كما ترى - وقد تأثر بهذه العبارة الأخيرة معاصرة القاضي عبد الجيار المتوفي سنة ٤١٥ فقال: "أعلم أن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلام، وإنما تظهر في الكلام بالضم على طريقة مخصوصة، ولا بد مع الضم من أن يكون لكل كلمة صفة، وقد يجوز في هذه الصفة أن تكون بالمواضعة التي تتناول الضم، وقد تكون بالإعراب الذي له مدخل فيه، وقد تكون بالموقع، وليس لهذه الأقسام الثلاثة رابع، لأنه أما أن تعتبر فيه الكلمة، أو حركاتها، أو موقعها

стр. 33

ولا بد من هذا الاعتبار في كل كلمة، ثم لا بد من اعتبار مثله في الكلمات، إذا انضم بعضها إلى بعض، لأنه قد يكون لها عند الانضمام صفة، وكذلك لكيفية إعرابها وحركاتها، وموقعها، فعلى هذا الوجه الذي ذكرناه إنما تظهر مزية الفصاحة بهذه الوجوه دون ما عداها" (١). وهكذا ألهمه القاضي الجرجاني بفصله الذي عقده في وساطته لمواقع الكلام أن يخطو بنظرية النظم خطوة أخرى. وربما كان أصرح مما ذكرناه وأكثر وضوحاً وأحسن شاهداً على تمثل القاضي الجرجاني لنظرية النظم التي كانت تدور بخلده، ولا يستطيع الإفصاح عن مزاياها، قوله: "واقل الناس حظاً في هذه الصناعة (النقد) من اقتصر في اختياره ونفيه، وفي استجادته، واستسقاطه على سلامة الوزن، وإقامة الإعراب، وأداء اللغة، ثم كان همه وبغيته أن يجد لفظاً مروقاً وكلاماً مزوقاً، قد حشى تجنيساً وترصيعاً، وشحن مطابقة وبديعاً، أو معنى غامضاً قد تعمق فيه مستخرجه وتغلغل إليه مستنبطه، ثم لا يعبأ باختلاف الترتيب، واضطراب النظم، وسوء التأليف وهلهله النسج، ولا يقابل بين الألفاظ ومعانيها، ولا يسير ما بينهما من نسب، ولا يمتحن ما يجتمعان فيه من سبب، ولا يرى

стр. 34

اللفظ إلا ما أدى إليه المعنى، ولا الكلام إلا ما صوره له الغرض ولا الحسن إلا ما أفاده البديع، ولا الرونق إلا ما كساه التصنيع" (١). وهكذا يعتبر القاضي الجرجاني أن النقد الأدبي السليم هو الذي يوجه إلا سلامة النظم وحسن الترتيب، لا إلى مظاهر التزويق ومشاهد التنسيق، ولا إلى ألوان البديع المختلفة، من تجنيس وترصيع ومطابقة، وهو حريص كل الحرص على تأكيد هذا المعنى، مهتم كل الاهتمام بمحاولة إبرازها يدور بخلده عن النظم، ولكنه - كما قلنا لا يستطيع أن يبين أسباب جماله، وأسرار حسنه" وقد حملني حب الإفصاح عن هذا المعنى على تكرير القول فيه، وإعادة الذكر له ولو احتمل مقدار هذه الرسالة استقصاوه، واتسع حجمها للاستيفاء له، لاسترسلت فيه، ولا شرفت بك على معظمه" (٢). ولكن الذي نريد أن نثبته هنا هو أن المعاني اللطيفة، والدقائق التي تنشأ عن نظم الكلام، هي تلك التي أدركها القاضي الجرجاني بقلبه، ولم يستطع الإفصاح عنها، والتي أدركها تلميذه عبد القاهر بقلبه، وبحث عنها فوجدها، وبين أسبابها.

стр. 35

ولم لا؟ ألم يور القاضي الجرجاني من الأبيات التي استحسنها للبحتري هذه الأبيات: بلونا ضرائب من قد نرى فما أن رأينا لفتح ضريباً هو المرء أبدت له الحادثات عزماً وشيكاً، ورايا صليباً تنفل في خلقي سودد سماحاً مرجى وبأساً مهيباً ولكنه لم يعلق عليها مبيناً سبب استحاسنه لها واستجادته إياها فأتي عبد القاهر الجرجاني، فيبين ذلك السبب؟ فلا يرجعه إلى صور بيانية أو بديعية، أو غيرهما مما هو راجع إلى الصنعه الخارجية وإنما يرجع إلى المعاني الناشئة عن النظم فيقول "وإذا قد عرفت ذلك فأعبد إلى ما تواصفوه بالحسن، وتشاهدوا له بالفضل، ثم جعلوه كذلك من أجل النظم خصوصاً دون غيره مما يستحسن له الشعر أو غير الشعر من معنى لطيف أو حكمه، أو أدب، أو استعاره أو تجنيس أو غير ذلك مما لا يدخل في النظم، وتأملهن فإذا رأيتك قد ارتحت واهتززت، واستحسنت، فانظر إلى حركات الإريحية مم كانت؟ وعندما ظهرت؟ فإنك ترى عياناً أن الذي قلت لك كما قلت: أعمد إلى قول البحتري: بلوناً ضرائب من قد نرى فما أن رأينا لفتح ضريباً ويتم الأبيات السابقة، ثم يقول: "فإذا رأيتها قد راقتك، وكثرت عندك، ووجدت لها اهتزازاً في نفسك، فعد فأنظر في السبب

стр. 36

واستقص في النظر، فإنك تعلم ضرورة أن ليس إلا أنه قدم وأخر وعرف ونكر، وحذف واضمر، وأعاد وكرر، وأتى مأتى يوجب الفضيلة، أفلا ترى أن أول شيء "يروقك منها: قوله: (هو المرء أبدت له الحادثات) ثم قوله: (تنقل في خلق سودد) بتنكير السودد، وإضافة الخلقين إليه، ثم قوله: (فالكسيف) وعطفه بالفاء، مع حذفه المبتدأ، لأنه المعنى -لا محالة -: فهو كالسيف لم تكرير الكاف في قوله (وكالبحر) ثم أن قرن إلى كل واحد من التشبيهين شرطاً جوابه فيه - ثم أن أخرج من كل واحد من الشرطين حالاً على مثال ما أخرج من الآخر وذلك قوله: (صارخاً) هنالك و (مستثيباً) ههنا؟ " (١) وكأن عبد القاهر قد عنى أستاذه القاضي الجرجاني بقوله: "وإذا عرفت ذلك فاعمد إلي ما تواصفوه بالحسن وتشاهدوا له بالفضل ثم جعلوه كذلك من أجل النظم خصوصاً دون غيره". على أن عبد القاهر قد أخذ من أستاذه القاضي الجرجاني فصلاً من وساطته، هو الذي سمى "مواقع الكلام" (٢) فحوره عبد القاهر ووضحه وجعل عنوانه "فصل في أن هذه المزايا في النظم بحسب المعاني

стр. 37

والأغراض التي توم (١) "فقد بين فيه أن مزية النظم ليست للفروق التي تحدث منه من حيث هي، وإنما تجب لها بحسب المعاني والأغراض التي يوضع لها الكلام، وإنما تجب لها بحسب المعاني والأغراض التي يوضع لها الكلام، ثم بحسب موقع بعضها من بعض، واستعمال بعضها مع بعض، وقد استشهد في ذلك بالصور الحسية كما استشهد القاضي الجرجاني، ثم بدأ بطبقة على الأسلوب، شأنه في ذلك شأن أستاذة، وإليك قطعة من هذا الفصل تؤيد صحة ما نذهب إليه: قال الإمام عبد القاهر الجرجاني "وإذا عرفت أن مدار النظم على معاني النحو، وعلى الوجوه والفروق التي من شأنها أن تكون فيه فاعلم أن الفروض والوجوه كثيرة ليس لها غاية تقف عندها، ونهاية لا تجد لها ازدياداً بعدها، ثم أعلم أن ليست المزية واجبة لها في نفسها، ومن حيث هي على الإطلاق، ولكن تعرض بسبب المعاني والأغراض التي يوضع لها الكلام، ثم بحسب موقع بعضها من بعض، واستعمال بعضها مع بعض، تفسير هذا: أنه ليس إذا راقك التنكير في (سودد) من قوله: (تنقل في خلقي سودد) وفي (دهر) من قوله (فلو أذنبا دهر) فإنه يجب أن يروقك أبداً في كل شيء، ولا إذا استحسنت لفظ ما لم يسم فاعله في قوله: (وأنكر صاحب) فإنه ينبغي ألا تراه في مكان إلا أعطيته مثل استحسانك ههنا، بل ليس من فضل ومزيه إلا بحسب

стр. 38

الموضع، وبحسب المعنى الذي تريده، والغرض الذي توم، وإنما سبيل هذه العاني سبيل الاصباغ التي تعمل منها الصورة والنقش فكما أنك ترى الرجل قد تهدي في الأصباغ التي عمل منها الصورة والنقش في ثوبه الذي نسج إلى ضرب من التخير والتدبر في أنفس الأصباغ وفي موقعها، ومقاديرها، وكيفية مزجه لها، وترتيبه إياها إلى ما لم يتهد إليه صاحبه، فجاء نقشه من أجل ذلك أعجب، وصورته أغرب كذلك حال الشاعر والشاعر في توخيها معاني النحور ووجوهه التي علمت أنها محصول النظم" (١). فعبد القاهر الجرجاني يدرك الفروق والوجوه التي تنشأ عن توخي معاني النحو فيما بين الكلم، أي الناشئة عن النظم، والتي أدركها القاضي الجرجاني، بطبعه، ولم يستطع الإفصاح عنها، ولكنه يستدرك فيبين أن المزية ليست لتلك الفروق في أنفسها ولكنها تعرض لها بحسب المعاني والأغراض التي يصاغ لها الكلام بحسب موقع بعضها من بعض، واستعمال بعضها مع بعض. وهذا ما يقصده القاضي الجرجاني بقوله: (ولا يقابل بين الألفاظ ومعانيها ولا يسبر ما بينهما من نسب ولا يمتحن ما يجتمعان

стр. 39

فيه من سبب" (١) وبقوله "فإن خلص إليهما فبأن يسهل بعض الوسائل إذنه، ويمهد عندهما حاله، فأما بنفسه وجوهره، وموقعه ومكانه فلا" (٢). ذلك لأن معنى قول القاضي الجرجاني "ولا يقابل بين الألفاظ ومعانيها .. الخ" أنه يعيب على الناقد الذي لا يعبأ بمقابلة الألفاظ بمعانيهما، وليست هذه المعاني إلا الأغراض التي يصاغ لها الأسلوب والتي ذكرت في مقدمة وساطته فقال: "ولا أمرك بإجراء أنواع الشعر كله مجرى واحداً ولا أن تذهب بجميعه مذهب بعضه، بل أرى لك أن تقسم الألفاظ على رتب المعاني، فلا يكون غزلك كافتخارك، ولا مديحك كوعيدك، ولا هجاوك كاستبطائك، ولا هزلك بمنزله جدك، ولا تعرضك مثل تصريحك، بل ترتب كلا مرتبته، فتلطف إذا تغزلت وتفخم إذا افتخرت، وتتصرف للمديح تصرف مواقعه، فإن لمدح بالشجاعة والباس يتميز عن المدح باللباقة والظرف، ووصف الحرب والسلاح ليس كوصف المجلس والمدام، فلكل واحد من الأمرين نهج هو أملك به وطريق لا يشاركه الآخر فيه، وليس ما رسمته لك في هذا الباب بمقصود

стр. 40

على الشعر دون الكتابة، ولا بمختص بالنظم دون النثر، بل يجب أن يكون كتابك في الفتح أو الوعيد خلاف كتابك في التشوق والتهنئة واقتضاء المواصلة، وخطابك إذا حذرت وزجرت أفخم منه إذا وعدت ومنيت" (١)، وعبد القاهر يضرب مثالاً للأسلوبيين يفرق بينهما جمال النظم بما يشاهد من الصور المرئية (٢) تماماً كما فعل القاضي الجرجاني (٣) ثم يعقب ذكر الصورتين المرئيتين بذكر الشاعر والشاعر يفرق بينهما توخي معاني النحو (٤)، كما فعل القاضي الجرجاني، إذا أردف ذكر الصورتين المرئيتين بذكر منثور الكلام ومنظومة (٥). وقد سبق أن عرفت أن عبد القاهر الجرجاني قد فسر نظرية النظم بما استشهد به القاضي الجرجاني، وجعله مثالاً لما استجاده وأستحسنه للبحتري (٦).
следующие страницы →