واستقص في النظر، فإنك تعلم ضرورة أن ليس إلا أنه قدم وأخر وعرف ونكر، وحذف واضمر، وأعاد وكرر، وأتى مأتى يوجب الفضيلة، أفلا ترى أن أول شيء "يروقك منها: قوله: (هو المرء أبدت له الحادثات) ثم قوله: (تنقل في خلق سودد) بتنكير السودد، وإضافة الخلقين إليه، ثم قوله: (فالكسيف) وعطفه بالفاء، مع حذفه المبتدأ، لأنه المعنى -لا محالة -: فهو كالسيف لم تكرير الكاف في قوله (وكالبحر) ثم أن قرن إلى كل واحد من التشبيهين شرطاً جوابه فيه - ثم أن أخرج من كل واحد من الشرطين حالاً على مثال ما أخرج من الآخر وذلك قوله: (صارخاً) هنالك و (مستثيباً) ههنا؟ " (١)
وكأن عبد القاهر قد عنى أستاذه القاضي الجرجاني بقوله: "وإذا عرفت ذلك فاعمد إلي ما تواصفوه بالحسن وتشاهدوا له بالفضل ثم جعلوه كذلك من أجل النظم خصوصاً دون غيره".
على أن عبد القاهر قد أخذ من أستاذه القاضي الجرجاني فصلاً من وساطته، هو الذي سمى "مواقع الكلام" (٢) فحوره عبد القاهر ووضحه وجعل عنوانه "فصل في أن هذه المزايا في النظم بحسب المعاني
стр. 37
والأغراض التي توم (١) "فقد بين فيه أن مزية النظم ليست للفروق التي تحدث منه من حيث هي، وإنما تجب لها بحسب المعاني والأغراض التي يوضع لها الكلام، وإنما تجب لها بحسب المعاني والأغراض التي يوضع لها الكلام، ثم بحسب موقع بعضها من بعض، واستعمال بعضها مع بعض، وقد استشهد في ذلك بالصور الحسية كما استشهد القاضي الجرجاني، ثم بدأ بطبقة على الأسلوب، شأنه في ذلك شأن أستاذة، وإليك قطعة من هذا الفصل تؤيد صحة ما نذهب إليه:
قال الإمام عبد القاهر الجرجاني "وإذا عرفت أن مدار النظم على معاني النحو، وعلى الوجوه والفروق التي من شأنها أن تكون فيه فاعلم أن الفروض والوجوه كثيرة ليس لها غاية تقف عندها، ونهاية لا تجد لها ازدياداً بعدها، ثم أعلم أن ليست المزية واجبة لها في نفسها، ومن حيث هي على الإطلاق، ولكن تعرض بسبب المعاني والأغراض التي يوضع لها الكلام، ثم بحسب موقع بعضها من بعض، واستعمال بعضها مع بعض، تفسير هذا: أنه ليس إذا راقك التنكير في (سودد) من قوله: (تنقل في خلقي سودد) وفي (دهر) من قوله (فلو أذنبا دهر) فإنه يجب أن يروقك أبداً في كل شيء، ولا إذا استحسنت لفظ ما لم يسم فاعله في قوله: (وأنكر صاحب) فإنه ينبغي ألا تراه في مكان إلا أعطيته مثل استحسانك ههنا، بل ليس من فضل ومزيه إلا بحسب
стр. 38
الموضع، وبحسب المعنى الذي تريده، والغرض الذي توم، وإنما سبيل هذه العاني سبيل الاصباغ التي تعمل منها الصورة والنقش فكما أنك ترى الرجل قد تهدي في الأصباغ التي عمل منها الصورة والنقش في ثوبه الذي نسج إلى ضرب من التخير والتدبر في أنفس الأصباغ وفي موقعها، ومقاديرها، وكيفية مزجه لها، وترتيبه إياها إلى ما لم يتهد إليه صاحبه، فجاء نقشه من أجل ذلك أعجب، وصورته أغرب كذلك حال الشاعر والشاعر في توخيها معاني النحور ووجوهه التي علمت أنها محصول النظم" (١).
فعبد القاهر الجرجاني يدرك الفروق والوجوه التي تنشأ عن توخي معاني النحو فيما بين الكلم، أي الناشئة عن النظم، والتي أدركها القاضي الجرجاني، بطبعه، ولم يستطع الإفصاح عنها، ولكنه يستدرك فيبين أن المزية ليست لتلك الفروق في أنفسها ولكنها تعرض لها بحسب المعاني والأغراض التي يصاغ لها الكلام بحسب موقع بعضها من بعض، واستعمال بعضها مع بعض.
وهذا ما يقصده القاضي الجرجاني بقوله: (ولا يقابل بين الألفاظ ومعانيها ولا يسبر ما بينهما من نسب ولا يمتحن ما يجتمعان
стр. 39
فيه من سبب" (١) وبقوله "فإن خلص إليهما فبأن يسهل بعض الوسائل إذنه، ويمهد عندهما حاله، فأما بنفسه وجوهره، وموقعه ومكانه فلا" (٢).
ذلك لأن معنى قول القاضي الجرجاني "ولا يقابل بين الألفاظ ومعانيها .. الخ" أنه يعيب على الناقد الذي لا يعبأ بمقابلة الألفاظ بمعانيهما، وليست هذه المعاني إلا الأغراض التي يصاغ لها الأسلوب والتي ذكرت في مقدمة وساطته فقال: "ولا أمرك بإجراء أنواع الشعر كله مجرى واحداً ولا أن تذهب بجميعه مذهب بعضه، بل أرى لك أن تقسم الألفاظ على رتب المعاني، فلا يكون غزلك كافتخارك، ولا مديحك كوعيدك، ولا هجاوك كاستبطائك، ولا هزلك بمنزله جدك، ولا تعرضك مثل تصريحك، بل ترتب كلا مرتبته، فتلطف إذا تغزلت وتفخم إذا افتخرت، وتتصرف للمديح تصرف مواقعه، فإن لمدح بالشجاعة والباس يتميز عن المدح باللباقة والظرف، ووصف الحرب والسلاح ليس كوصف المجلس والمدام، فلكل واحد من الأمرين نهج هو أملك به وطريق لا يشاركه الآخر فيه، وليس ما رسمته لك في هذا الباب بمقصود
стр. 40
على الشعر دون الكتابة، ولا بمختص بالنظم دون النثر، بل يجب أن يكون كتابك في الفتح أو الوعيد خلاف كتابك في التشوق والتهنئة واقتضاء المواصلة، وخطابك إذا حذرت وزجرت أفخم منه إذا وعدت ومنيت" (١)، وعبد القاهر يضرب مثالاً للأسلوبيين يفرق بينهما جمال النظم بما يشاهد من الصور المرئية (٢) تماماً كما فعل القاضي الجرجاني (٣) ثم يعقب ذكر الصورتين المرئيتين بذكر الشاعر والشاعر يفرق بينهما توخي معاني النحو (٤)، كما فعل القاضي الجرجاني، إذا أردف ذكر الصورتين المرئيتين بذكر منثور الكلام ومنظومة (٥).
وقد سبق أن عرفت أن عبد القاهر الجرجاني قد فسر نظرية النظم بما استشهد به القاضي الجرجاني، وجعله مثالاً لما استجاده وأستحسنه للبحتري (٦).
стр. 41
وإذا كان عبد القاهر الجرجاني قد فسر "النظم" بأنه "توخي معاني النحو فيما بين الكلم "فإن القاضي الجرجاني قد كشف عن هذا المعنى، حيث أنه جعل فساد النظم نتيجة لعدم الجري على قوانين النحو، وإذا كان فساد النظم والإخلال به نتيجة لعدم العمل بقوانين النحو، فإن حسن النظم وسلامته، إنما هو في العمل بقوانين النحو، فقد قال: في بيت أبي الطيب:
كالريح أشجاه طاسمة بأن تسعدا والد مع أشفاه ساجمه
"و" من يرى هذه الألفاظ الهائلة، والتعقيد المفرط، فيشك أن وراءها كنزاً من الحكمة، وأن في طيها الغنيمة الباردة حتى إذا فتشها وكشف عنها سترها، وسهر ليالي متوالية فيها حصل على أن "وفاء كما يا عاذلي بأن تسعداني إذا درس شجاي، وكلما ازداد تدارساً ازددت له شجوا، كما أن الربع شأشجاه دارسه "فما هذا من المعاني التي يضيع لها حلاوة اللفظ وبهاء الطبع، ورونق الاستهلال، حتى يهلهل لأجلها النسج ويفسد النظم، ويفصل بين الباء ومتعلقها بخبر الابتداء قبل تمامه ويقدم ويؤخر، ويعمى ويعوص، ولو احتمل الوزن ترتيب الكلام على صحته فقيل: "وفاؤكما بأن تسعدا أشجاه طاسمة كالربع" أو" وفاكما بأن تسعدا كالربع أشجاه طاسمة" لظهر هذا المعنى الضنون به، المتنافس فيه، فأما قوله "والد مع أشفاه ساجمه "فخطاب مستأنف، وفصل منقطع عن الأول، وكأنه قال "وفاوكما والربع أشجاه ماطسم، والد مع
стр. 42
أشفاه مأسجم" (١).
ويعيب على أبي تمام قوله:
يدي لمن شاء رهن لم يذق جرعاً من راحتيك دري ما الصاب والعسل
معلقاً عليه بقوله: طفحذف عمدة الكلام، وأخل بالنظم، وإنما أراد يدي لما شاء رهن (إن كان) فحذف (إن كان) من الكلام فأفسد الترتيب، وأحال الكلام عن وجهه (٢).
وذلك معناه: أن أبا تمام - لعدم جريه على قوانين النحو بحذفه عمدة الكلام - قد أخل بالنظم، ولو جرى على قوانين النحو، فلم يحذف عمدة الكلام لكان النظم سليماً.
ويعلق على من أخذ قول أبي العطاء:
حلت وزيته، فعم مصابها فالناس فيه كلهم مأجور
فقال: ولقد أصاب غليلها من لم يصب وتصيرت فقداً لهن لم يفقد
بقوله: "وبين الكلامين في صحة النظم، وعذوبة المنطق ما تراه" (٣).
ومعنى ذلك - أيضاً - أن البيتين - وأن كان معناهما واحداً - إلا أنهما قد اتفقا في صحة النظم، وكان لهما من عذوبة المنطق قدر كبير، وليس
стр. 43
بخاف أن كلا البيتين قد جرى على مقتضى قواعد النحو، وبالتالي فإن الجرى على ما تقتضي هذه القواعد تتم به صحة النظم، وتنشأ عذوبة الكلام".
هكذا يجعل القاضي الجرجاني صحة النظم في العمل بقوانين النحو، وفساده في عدم العمل بها، ومعنى ذلك بوضوح أن النظم عنده: هو العمل بقوانين النحو، وبعبارة أخرى: هو: توخي معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يوضع لها الكلام - على حد تعبير عبد القاهر الجرجاني -.
وليس ذلك استنتاجنا نحن فحسب -ولكنه - أيضاً - استنتاج عبد القاهر الجرجاني نفسه، فقد استنبط ذلك من تصرف القاضي الجرجاني في كتاب الوساطة، فذكر أن العلماء - وأن كان يعني القاضي الجرجاني -قد كشفوا عن وجه النظم، فبعد أن بين أطباق العلماء على تعظيم شأن النظم بقوله "وقد علمت أطباق العلماء على تعظيم شأن النظم وتفخيم قدره، والتنويه بذكره، وأجماعهم على أن لأفضل مع عدمه، ولا قدر لكلام إذا هو لم يستقم له، ولو بلغ في غرابة معناه ما بلغ، ويتهم الحكم بأنه الذي لا تمام دونه، ولا قوام إلا به، وأنه القطب الذي عليه المدار والعمود الذي به الاستقلال (١)، وبعد أن بين أن النظم ليس
стр. 44
إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقضتيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت، فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك فلا تخل بشيء منها" (١).
ذكر الاستنتاج الذي أوضحناه أنفاً، فقال: "هذا هو السبيل فلست بواجد شيئاً يرجع صوابه - إن كان صواباً - وخطؤه - إن كان خطأ - إلى النظم ويدخل تحت هذا الاسم إلا وهو معنى من معاني النحو، قد أصيب به موضعه، ووضع في حقه، وعومل بخلاف هذه المعاملة، فأزيل عن موضعه، واستعمل في غير ما ينبغي له، فلا ترى كلاماً قد وصف بصحة نظم أو فساده، أو وصف بمزيه وفضل فيه إلا وأنت تجد مرجع تلك الصحة، وذلك الفساد، وتلك المزيه، وذلك الفضل إلى معاني النحو وأحكامه، ووجدته يدخل في أصل من أصوله، ويتصل بباب من أبوابه" (٢).
ثم يقول "ويكفيك أنهم قد كشفوا عن وجه ما أردناه، حيث ذكروا فساد النظم، فليس يخالف في نحو قول الفرزدق:
وما مثله في الناس إلا مملكاً أبو أمه حي أبوه يقاربه
стр. 45
وقول المتنبي:
ولذا اسم أغطية العيون جفونها من أنها عمل السيوف عوامل
وقوله:
الطيب أنت إذا أصابك طيبه والماء أنت إذا اغتسلت -الغاسل
وقوله:
وفاوكما كالربع أشجاه طاسمة بأن تسعدا، والدمع مع أشفاه ساجمة
وقول أبي تمام:
ثانية في كبد السماء ولم يكن كاثنين ثان إذهما في الغار
وقوله:
يدي لمن شاء رهن لم يذق جرعاً ... من راحتيك دري ما الصاب والعمل
وفي نظائر ذلك مما تواصفوه بفساد النظم، وعابوه من جهة سوء التأليف، أن الفساد والخلل كانا من أن تعاطي الشاعر ما تعاطاه من هذا الشأن على غير الصواب، وصنع في تقديم أو تأخير، أو حذف وأضمار أو غير ذلك مما ليس له أن يصنعه، وما لا يسوغ ولا يصح على أصول العلم، وغذا ثبت أن سبب فساد النظم واختلاله إلا يعمل بقوانين هذا الشأن ثبت أن الحكم كذلك في مزيته والفضيلة التي تعرض فيه، وإذا ثبت جميع ذلك ثبت أن ليس هو شيئاً غير توخي معاني هذا العلم وأحكامه فيما بين الكلم" (١).
стр. 46
فعبد القاهر الجرجاني يذكر أن العلماء - والقاضي الجرجاني منهم - قط كشفوا عن وجه ما أراده، حيث ذكروا فساد النظم، وبينوا أسبابه، وهي تنحصر في عدم العمل بقوانين النحو، ويستشهد ما ذكروه في هذا الشأن، وستة الأبيات السابقة قد ذكرها القاضي الجرجاني في وساطته - عدا البيت الخامس - وجعلها في عداد ما عيب من أجل سوء النظم، لعدم جريها على حسب قواعد النحو (١).
ثم يقول: "وإذا قد عرفت ذلك فاعمد إلى ما تواصفوه بالحسن، وتشاهدوا له بالفضل، ثم جعلوه كذلك من أجل النظم خصوصاً دون غيره مما يستحسن له الشعر أو غير الشعر من معنى لطيف، أو حكمه، أو أدب، أو استعاره أو تجنيس، أو غير ذلك مما لا يدخل في النظم، وتأمله، فإذا رأيتك قد ارتحت، واهتززت، واستحسنت، فأنظر إلى حركات الأريحية مم كانت، عندما ذا ظهرت، فإنك ترى عياناً أن الذي قلت لك كما قلت أعمد إلى قول البحتري: ... ثم يورد أبيات البحتري التي سبق أن ذكرها، وبينت أن القاضي الجرجاني قد استحسنها واستجادها، ولكنه
стр. 47
لم يبين لنا سبب تلك الاستجادة، ولا سر ذلك الاستحسان، وأن عبد القاهر الجرجاني قد تكفل بذلك (١).
ولهذا كله: فإننا نعتقد أن نظرية النظم التي جعلها عبد القاهر الجرجاني أساساً لعلم المعاني - كما سمي من بعده- والتي فتح مغاليتها وبين أقسامها، وذكر شواهدها، كانت مستوحاه من كلام القاضي في كتاب الوساطة، وأن عبد القاضي الجرجاني أساس فكرة النظم، ثم تكفل بتفسيرها، وتوضيحها، وذكر شواهدها، ولعل عبد القاهر الجرجاني - وهو النحوي البارع الذكي - قد قرأ - أيضاً - ما دار بين أبي سعيد السيرافي وبين أبي بشر منتى بن يوسف في مجلس أبي الفتح بن جعفر بن الفرات في مناظره حادة بينهما حول جدوى علم النحو وفيها يقول أبو سعيد - السيرافي "إذا كانت الأغراض المعقولة والمعاني المدركة لا يتوصل إليها إلى باللغة الجامعة للأسماء والأفعال والحروف، أفليس قد لزمت الحاجة إلى معرفة اللغة .. معاني النحو منقسمة بين حركات اللفظ وسكناته وبين وضع الحروف في مواضتها المقتضية لها وبين تأليف الكلام بالتقديم والتأخير، وتوخي الصواب في ذلك، وتجنب الصواب في ذلك، وأن زاع عن التعنت فإنه لا يخلو من أن يكون سائغاً بالاستعمال النادر والتأويل البعيد، أو مردوداً لخروجه عن عادة القوم
стр. 48
الجارية عن فطرتهم، فأما يتعلق باختلاف لغات القبائل فذلك شيء مسلم به ومأخوذ عنهم، وكل ذلك محصور بالتتبع والرواية والسماع والقياس المطرد على الأصل المعروف من غير تحريف، وإنما دخل العجب على المنطقيين لظنهم أن المعاني لا تعرف ولا تستوضح إلا بطريقتهم ونظرهم وتكلفهم. إذا قال لك القائل: كن نحوياً لغوياً فصيحاً فإنما يريد: أفهم عن نفسك ما تقول، ثم رم أن يفهم عنك غيرك، وقدر اللفظ على المعنى، فلا ينقص عنه.
هذا إذا كنت في تحقيق شيء على ما هو به، فأما إذا حاولت فرش المعنى وبسط المراد، فأجل اللفظ بالرواد في الموضحة، والأشباه المقربة والاستعارات الممتعة، وسدد المعاني بالبلاغة (١).
لا بد أن عبد القاهر قد قرأ هذا، فقد وردت في العبارة السابقة عبارة "معاني النحو" ولفظه "التتبع" تلك التي نجد لها أثراً في قوله: عندما يعرف النظم بقوله: تتبع معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يوضع لها الكلام.
ولعله قد قرأ -أيضاً - ما نقلناه لك عن القاضي عبد الجيار - حول فكره النظم والتي كان متأثراً فيها هو الآخر بفكرة القاضي الجرجاني عن جوهر الكلام، وموقعه، ومكانه من النظم.
стр. 49
نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني
لما كانت نظرية النظم التي اهتدى إليها عبد القاهر الجرجاني مستقاة من كلام النقاد السابقين عن صحة النظم، وفساده عند الشعراء كالذي رأيته من حديث القاضي الجرجاني، عن روعة النظم وقبحه عند بعض الشعراء، من أمثال: أبي تمام، والبحتري، وأبي الطيب المتنبي وغيرهم، وكان اهتمامه منصرفاً كلية إلى فهم نقاد الشعر لتلك النظرية لأنهم هم الذين استطاعوا أن يكشفوا عن وجه النظم - على حد تعبير عبد القاهر الجرجاني - كما سبق أن أسلفنا -، وكان عليه أن ينوه بمكانة الشعر، وأن يرد على من زهد فيه ولما كانت نظرية النظم قائمة على أساس نحوي، وكان هنالك من يحاول في جدوى النحو وفائدته - كما في مناظرة أبي سعيد السيرافي ويونس بن متى - كان عليه - أيضاً - أن ينوه بعلم النحو وأن يرد على من زهد فيه.
على أنه من الطبيعي أن يتوجه النقد إلى نتاج قرائح الشعراء وإلى ما تضمنته حصائد ألسنتهم من مدح أو هجاء، أو غيرها من أغراض الشعر الأخرى، وأن يعرض كل ذلك على ميزان النقد بإظهار محاسنه ومساوئه بإبراز ما في أشعارهم من سلامة النظم وحسنه أو من فساد، وقبحه
стр. 50
فإذا ما أحسن البعض وسلم نظمه، فإن علة الحسن، وسلامة النظم، ربما لم تكن ظاهرة بينة في ذلك الوقت وإذا ما أساء البعض الآخر وفسد نظمه فإن علة القبح وفساد النظم تبدو بينة جلية، وذلك بمقارنة السيء بالحسن والفاسد بالسليم إذ يبدو الفرق واضحاً جلياً عند المقارنة والموازنة.
وذلك بخلاف ما إذا كانت المقارنة بين أسلوبين كل منهما سليم النظم صحيح التأليف، لأنه ما دام النظم سليماً والتأليف صحيحاً فإن الفرق بين الأسلوبيين لا يبدو واضحاً جلياً، كالذي قالوه من قولهم (قد يخفي سببه عن البحث، ويظهر اثره في النفس لأنك تجد كلامين أحدهما يهزك ويطربك وتنتشي له، والآخر ليس كذلك وهم فصيحان، ثم لا يوقف على شيء مسمن ذلك على علة) (١).
ولهذا كانت المقارنة بين أساليب الشعراء والموازنة بينهم من حيث الإحسان والإساءة - والإجادة والتقصير وعلى الأخص: من حيث سلامة النظم وحسنه وفساده وقبحه، مبينة وموضحة لعلل السلامة والفساد وأسباب الحسن والقبح، ومن ثم فإنها كانت كاشفة عن وجه النظم على حد تعبير عبد القاهر الجرجاني، ولهذا كله فإن عبد القاهر الجرجاني قد أشاد بالشعر، وهي على من زهد في روايته، لأنه عن طريق نقده - وبيان جيده من رديئة، وحسنه من قبيحة يظهر ميزان البلاغة ومعيارها، وهو النظم السليم، الذي غذا ما عرفت طريقة الصحيح، وسبيلة القويم، فقد عرفت معيار النقد الأدبي السليم
стр. 51
الذي به تظهر بلاغة القرآن الكريم، وتكشف دلائل إعجازه.
ذلكم هو السر في حديثه عبد القاهر الجرجاني عن الشعر ورد على من زهد فيه، في مطلع كتابه "دلائل الإعجاز" تمهيداً للحديث عن نظرية النظم.
على أن من فضلاء النقاد في العصر الحديث من ذهب إلى غير هذا السبيل الذي سلكناه في بيان السبب الذي من أجله قدم عبد القاهر الجرجاني حديثاً عن الشعر في مستهل كتابة دلائل الإعجاز.
فقد رأي الدكتور أحمد بدوي أن السر في هذا أن عبد القاهر "يرى محاسن الكلام والبلاغة الأخاذة تبدو في الشعر في صورة بارعة ويرى من الخطأ حرمان نفسه، وحرمان كتابه من هذا المورد العذب الذي تتجلى فيه البلاغة، وتتبرج في زينتها، فكان من الضروري أن يبدأ كتابه بالدفاع عن هذا المورد العذب الذي سيستمد منه نماذجه وأمثلته (١) ولو كان الأمر كما ذكر الدكتور أحمد بدوي، لما خص عبد القاهر الشعر بالتمثيل وإعطاء النماذج - حيث تجد عبد القاهر لا يمثل بأي القران إلا نادراً - ولأكثر من التمثيل بالقرآن الكريم الذي تتجلى فيه البلاغة بأروع ما تتجلى في الشعر.
وقد شرح عبد القاهر الجرجاني نظريته في النظم على هذا النحو:
стр. 52
أولاً: لا تفاضل بين كلمة وأخرى في الدلالة على المعنى قبل دخلوهما في نظم الكلام:
فإذا ما رأيتهم قد وصفوا اللفظ بالفصاحة والبلاغة والبراعة وما شاكلها مما يعبر عن فضل بعض القائلين على بعض، وينسب فيه الفضل والمزية إلى اللفظ دون المعنى، فليس ذلك إلا وصفاً للكلام بحسن الدلالة وتمامها فيما كانت له دلالة، ثم تبرجها في صورة إيهي وأزين وآنق وأعجب، وأحق بأن تستولى على النفوس، وتأخذ بمجامع القلوب، ولا سبيل إلى ذلك إلا بأن يؤتي المعنى من جبهته التي هي أصح لتأديته، ويختار له اللفظ الذي هو أخص به، وأكشف عنه، وأحرى بأن يكسبه النيل، ويظهر فيه المزية.
ولهذا فإنه يجب أن ينظر إلى الكلمة قبل دخولها في التأليف وقبل أن تصير إلى الصورة التي بها يكون الكلام خبراً أو إنشاء وتؤدي في الجملة معنى من المعاني التي لا سبيل إلى إفادتها إلا بضم كلمة، وبناء لفظه على أخرى:
فإنه لا يتصور أن يكون للفظتين تفاضل في الدلالة - قبل دخولهما في التأليف - بأن تكون كلمة أدل على معناها الذي وضعت له من صاحبتها على ما وسمت به، كان يقال: أن رجلاً - مثلاً - أدل على معناه من فرس على ما سمى به.
стр. 53
وبأن يتصور في الاسمين الموضوعين لشيء واحد أن يكون احدهما أحسن نبأ عنه، وأبين كشفاً عن صورته من الآخر كما أنه لا يقع في وهم أن تتفاضل الكلمتان المفردتان من غير أن ينظر إلى مكان تقمان فيه من التأليف والنظم بأكثر من أن تكون إحداهما مألوفة مستعملة والأخرى غريبة، أو أن تكون هذه أخف نطقاً من تلك.
ولهذا فإنك لا تجد أحداً يقول: هذه اللفظة فصيحة، إلا وهو يعتبر مكانها من النظم وحسن ملاءمة معناها لمعاني جارتها وفضل موانستها لأخواتها.
وما رأيتهم قالوا في لفظة: أنها متمكنة ومقبولة وفي الأخرى: أنها قلقة نابية إلا لأنهم أرادوا أن يعبروا بالتمكن عن حسن الاتفاق لبين هذه وتلك من حيث معناها، وبالقلق والتنبؤ عن سوء التلاؤم، وأن الأولى لم تكن لائقة بالثانية في معناها، وأن السابقة لم تجيء مناسبة للتالية في يوادها.
فلا تفاضل بين كلمة أخرى في الدلالة على المعنى قبل دخولهما في التأليف، ولهذا فإن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة ولا من حيث هي كلم مفردة، وإنما تثبت لها الفضيلة والمزية إذا لاءمت معانيها معاني التي تليها.
والدليل على ذلك: أنك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع، ثم تراها بعيناها تثقل عليك وتوحشك في موضع آخر.
стр. 54
ثانياً: ترتيب الألفاظ في النطق على حسب ترتيب المعاني في النفس:
هناك فرق بين نظم الحروف، ونظم الكلمات: إذا نظم الحروف هو تواليها في النطق فقط دون أن يكون هناك معنى اقتضى هذا النظم، ولا أن يكون ناظمها قد تحرى رسماً من العقل في نظمها أما نظم الكلمات فإن الأمر ليس كذلك، لأنك تقتضى في نظمها أثار المعاني، وترتيبها في النفس، فهو نظم يعتبر فيه حال المنظوم بعضه مع بعض، وليس بمعناها ضم الشيء إلى شيء كيف جاء واتفق.
فإذا ما عرفت الفرق بين نظم الحروف ونظم الكلمات على هذا النحو عرفت أن ليس الغرض وينظم الكلمات أن توالت ألفاظها في النطق، ولكن أن تناسقت وتلاقت معانيها على الوجه الذي اقتضاها العقل.
والدليل على ذلك:
أولاً: أن الألفاظ لا تستحق من حيث هي ألفاظ أن تنظم على وجه دون وجه ، لأنك لو فرضت أن تنخلع من هذه الألفاظ دلالتها لما كان شيء منها أحق بالتقديم من شيء، ولا يتصور أن يجب فيها ترتيب ونظم.
ثانياً: أنه لو كان القصد بالنظم إلى اللفظ نفسه، دون أن يكون الغرض هو ترتيب المعاني في النفس ثم النطق بالألفاظ على حذوها ، لكان ينبغي أن لا يختلف حال اثنين في العلم بحسن النظم أو غير الحسن فيه لأنهما يحسان بتوالي الألفاظ إحساساً واحداً، ولا يعرف واحداً منهما في ذلك ما يجهله الآخر.
стр. 55
ثالثاً: أن النظم الذي يتواصفه البلغاء وتتفاضل مراتب البلاغة من أجله صنعة يستعان عليها بالفكرة لا محالة ، ويستخرج بالروية، فينبغي أن تنظر في الفكر بماذا تلبس؟ بالمعاني أم بالألفاظ؟ (أي شيء وجدته تلبس به فكرك من بين المعاني والألفاظ فهو الذي تحدث فيه صنعتك وتقع فيه صياغتك ونظمك وتصويرك ومحال أن تفكر في شيء وأنت لا تصنع فيه شيئاً وإنما تصنع في غيره.
رابعاً: أن الألفاظ - كما يقولون - أوعية للمعاني، ولهذا فإنها تتبع المعاني في مواقعها ، فإذا وجب لمعنى أن يكون أولاً في النفس وجب للفظ الدال عليه أن يكون مثله أولاً في النطق، ولهذا فإن المعاني هي المقصودة بالنظم والترتيب قبل الألفاظ، والفكر في النظم الذي يتواصفه البلغاء إنما هو فكر في المعاني، ولهذا فإنك لا تحتاج بعد ترتيب المعاني في نفسك إلى فكر تستأنفه لتجيء بالألفاظ على حذوها وأما الثمرة التي يخرج بها عبد القاهر من هذا الفصل فإنها تتمثل لك فيما يلي:
أ - لا يتصور أن تعرف للفظ موضعاً من غير أن تعرف معناه، كما أنه لا يتصور أن تتوخي في الألفاظ من حيث هي ألفاظ ترتيباً ونظماً.
ب - عليك أن تتوخي الترتيب في المعاني وأن تعمل فكرك هناك، فإذا ما تم لك ذلك اتبعتها الألفاظ، وقفوت بها آثارها.
стр. 56
جـ - إذا ما فرغت من ترتيب المعاني في نفسك وجدت الألفاظ مرتبة على حذوها في نطقك، ولم تحتج إلى أن تستأنف فكراً في ترتيبها لأن الألفاظ خدم للمعاني وتابعة لها، ولاحقة بها.
د - العلم بمواقع المعاني في النفس علم بمواقع الألفاظ الدالة عليها في النطق.+
ثالثاً: لا نظم في الكلم حتى يعلق بعضها ببعض وبيني بعضها على بعض:
وهذه هي المرحلة الثالثة من مراحل بناء النظم في فكر المتكلم، وهي مرحلة وضع اللينات الأساسية لعملية النظم، وبها يبدأ الإمام عبد القاهر في بيان كيفية بناء النظم على أساس من قواعد النحو المعروفة فإذا كنت قد نظرت في الكلمات، واخترتها اختياراً موفقاً، بحيث تكون ملائمة لمعانيها التي هي بها أخص، وأعملت فكرك ورويتك في المعاني التي تريدها لنظم كلامك، فرتبتها في نفسك ترتيباً موفقاً، فترتب لك ألفاظها على حسب ترتيبها في نفسك، فما عليك إلا أن تربط هذه الألفاظ برباط النظم وما هو إلا أن تعلق بعضها ببعض وتبني بعضها على بعض.
ومعنى هذا: أن تعمد إلى اسم، فتجعله فاعلاً لفعل، أو مفعولاً له أو تعمد إلى أسمين فتجعل احدهما خبراً عن الآخر، أو تتبع الاسم أسماً، على أن يكون صفة للأول، أو توكيداً له، أو بدلاً منه، أو تجئ باسم
стр. 57
بعد تمام كلامك على أن يكون الثاني في صفة، أو حالاً، أو تمييزاً، أو تتوخي في كلام هو لا ثبات معنى، أن يصير نفياً، أو استفهاماً، أو تمنياً، فتدخل عليه الحروف الموضوعة لذلك، أو تريد في فعلين: أن تجعل احدهما شرطاً في الآخر، فتجيء بهما بعد الحرف الموضع لهذا المعنى، أو بعد اسم من الأسماء التي ضمنت معنى ذلك الحرف، وعلى هذا القياس.
رابعاً: المزية في النظم للمعنى وليست للفظ:
ينعي عبد القاهر الجرجاني على من يرجعون المزية إلى الألفاظ ويثمر عن ساعد الجد في الرد عليهم مبطلاً حججهم ومزيلاً شبهاتهم، فيقول: أنه إذا ما أدعى أحد بأن لا معنى للفصاحة سوى التلاؤم اللفظي وتعديل مزاج الحروف حتى لا تتلاقي حروف في النطق تثقل على اللسان زاعماً: أن الكلام في ذلك طبقات: فمنه المتناهي في الثقل، ومنه ما هو أخف منه، ومنه ما فيه بعض الكلفة على اللسان إلا أنه لا يبلغ مبلغ ما يعاب من الكلام، وأن الكلام إذا خلا منه، وصفاً مما يشوبه، كان الفصيح المشاهد به، وأن الصفاء - أيضاً - يكون على مراتب يعلو بعضها بعضاً وأن له غاية إذا انتهى إليها كان الإعجاز، فإن الذي يبطل هذه الشبهة - أن ذهب إليها ذاهب - أننا إذا قصرنا صفة الفصاحة على هذه الصفات، لزم أن تخرج الفصاحة من حيز البلاغة.
وإذا فعلنا ذلك لم نخل من أحد أمرين: أما أن نجعلها العمدة في المفاضلة بين العبارتين، وأما أن نجعلها أحد ما نفاضل به، ووجهاً
стр. 58
من الوجوه التي تقتضى تقديم كلام على كلام.
فإن أخذنا بالأول، لزمنا أن نقصر الفضيلة عليها حتى لا يكون إعجاز إلا بها، وفي ذلك من الفساد ما لا يخفي، لأنه يؤدي إلى إخراج البلاغة من حيز الإعجاز، لأن ذلك يخرج المعاني التي ذكروها في حدود البلاغة من: وضوح الدلالة وصواب الإشارة، وتصحيح الأقسام، وحسن الترتيب والنظام، والإبداع في طريقته التشبيه والتمثيل، والإجمال ثم التفصيل ووضع الفصل والوصل موضعها، وتوفيه الحذف والتأكيد والتقديم والتأخير شروطها، لأنه لا تعلق لشيء من هذه المعاني بتلاؤم الحروف.
وأن جعلنا الفصاحة أحد ما نفاضل به، ووجهاً من الوجوه التي تقتضى المفاضلة بين كلام وكلام، لم يكن لهذا الخلاف ضرر، لأنه ليس بأكثر من أن نعمد إلى الفصاحة فنخرجها من حيز البلاغة والبيان، وأن تكون نظيره لهما، أو نجعلها أسماً مشتركاً، يقع تارة لما يقع له تلك وتارة أخرى لما يرجع إلى اللفظ مما يثقل على اللسان، وليس واحد من الأمرين بقادح فيما نحن بصدده.
ويمضى عبد القاهر في الرد على من يرجعون المزية في النظم للألفاظ مبطلاً، حججهم، ومزيلاً شبهاتهم، حتى يتفرغ لتفضيل أمر هذه المزية، وبيان الجهات التي تعرض منها.
стр. 59
خامساً: ثمرة النظم هي: تصوير المعنى:
بعد أن أثبت عبد القاهر بما لا يدع مجالاً لأدنى شك، أن المزية إنما هي من حيز المعنى، وليست من حيز اللفظ أراد أن يفصل أمر هذه المزية، وأن يبين الجهات التي منها تعرض هذه المزية، فذكر أن ذلك أمر صعب ومطلب عسير، ولولا أنه كذلك لما وجدت الناس فيه بين منكر له أصلاً، ومتخيل له وجهاً غير وجهه، ومعتقد أنه لا تقوى عليه العبارة ولا تملك فيه إلا الإشارة، ولكنه استعان بالله تعالى: وتدرج في بيان ثمرة النظم، فبين أن تصوير المعنى إنما هو الهدف من النظم، وأن هذا التصوير يتألق في أروع صورة إذا جاء عن طريق الصور البيانية الأخاذة، كالكناية، والمجاز.
وقد ضمن ذلك فصلاً من دلائل الإعجاز جعله فصلاً في اللفظ يطلق والمراد به غير ظاهرة)، وافتتحه مبيناً أن لهذا الضرب من الكلام تفننه واتساعاً لا ينتهيان، إلا أنه على اتساعه وتفننه يدور في الأمر الأعم على موضوعين أثنين هما: الكناية، والمجاز.
فأما الكناية: فهي أن يريد المتكلم إثبات معنى من المعاني، فلا يذكره بلفظه الموضوع له في اللغة بل يجيء إلى معنى هو تاليه ورد في الوجود، فيروي إليه ويجعله دليلاً عليه.
ومثال ذلك: قولهم: (هو طويل النجاد) يريدون أنه طويل القامة و (كثير رماد القدر) يريدون أن كثير القرى، وقولهم في المرأة:
стр. 60
(ثووم الضحى) والمراد أنها مترفة مخدومة، لها من يكيفها أمرها، فقد أرادوا في ذلك كله - كما ترى - معنى ثم لم يذكروه بلفظه الخاص به، ولكنهم توصلوا إليه بذكر معنى آخر من شأنه أن يرد في الوجود، وأن يكون إذا كان، أفلا ترى أن القامة إذا طالت طال النجاد، وإذا كثر القرى كثر رماد القدر، وإذا كانت المرأة مترفة، لها من يكفيها أمرها ردف ذلك أن تنام إلى الضحى؟ .
وأما المجاز: فقد ذكر أن السابقين قد عولوا فيه على حديث النقل، فذكروا أن كل لفظ نقل عن موضوعه مجاز وهذا غير صحيح، يقول عبد القاهر، وقد ذكرت ما هو الصحيح من ذلك في موضع آخر (يقصد أسرار البلاغة، وفيه دليل على تأخر الدلائل عن الأسرار).
غير أنه ذكر هنا ما هو الأشهر منه والأظهر، وأن الاسم والشهرة فيه لشيئين اثنين هما: الاستعارة والتمثيل، وإنما يكون التمثيل مجازاً إذا جاء على حد الاستعارة.
وأما الاستعارة: فهي "أن تريد تشبيه الشيء بالشيء فتدع أن تفصح بالتشبيه وتظهره وتجيء إلى اسم المشبه به، فتعيره المشبه به، وتجربه عليه، فإذا أردت أن تقول: رأيت رجلاً هو كالأسد في شجاعته وقوة بطشة، تركت ذلك كله وقلت: (رأيت أسداً) وهذه الاستعارة هي التي سماها المتأخرون باسم "الاستعارة التصريحية".
стр. 61
وهناك ضرب آخر من الاستعارة: وهو ما كان كقول لبيد:
وغداة ريحٍ قد كشف وقرةٍ ... إذا أصبحت بيد الشمال زمامها
حيث جعل للشمال يداً، وهذا الضرب هو ما سمى عند المتأخرين باسم الاستعارة المكنية، وكان العلماء حتى عصر عبد القاهر يضمونه إلى الضرب الأول من الاستعارة، ولكنه فرق بينهما بما يلي:
أنك في الضرب الأول "أي في الاستعارة التصريحية" "تجعل الشيء ليس به" فإذا قلت "رأيت أسداً" كنت قد أدعيت في إنسان أنه أسد، وجعلته إياه، ولا يكون الإنسان أسداً.
ولكنك في الضرب الثاني: (أي في الاستعارة المكنية) "تجعل للشيء الشيء ليس له "فإذا قلت "إذا أصبحت بيد الشمال زمامها "فقد أدعيت أن للشمال يداً، ومعلوم أنه لا يكون للريح يد".
الفرق بين الاستعارة والتشبيه البليغ:
وههنا وضع عبد القاهر ضابطاً للتفريق بين الاستعارة والتشبيه على حد المبالغة - أو التشبيه البليغ - على حد تعبير المتأخرين، لخصه فيما يلي:
أن جعلك المشبه المشبه به على ضربين:
أولهما: أن تنزله منزلة شيء وتذكره بأمر قد ثبت له، فأنت لا تحتاج إلى أن تعمل في إثبات وتزجيته، وذلك حيث تسقط ذكر المشبه من الشيئين
стр. 62
ولا تذكره بوجه من الوجوه، كقولك: رأيت أسداً).
وثانيهما: أن تجعل ذلك كالأمر الذي يحتاج إلى أن تعمل في إثباته وتزجيته، وذلك حيث تجرى اسم المشبه به صراحة على المشبه، فتقول (زيد أسد) و (زيد هو الأسد) أو تجيء به على وجه يرجع إلى هذا، كقولك: أن لقيته لقيت به أسداً وأن لقيته ليلقينك منه الأسد، فأنت في هذا كله تعمل في إثبات كونه أسداً أو الأسد وتضع كلامك له.
وأما الأول فتخرجه مخرج ما لا يحتاج فيه إلى إثبات وتقرير.
والقياس يقتضى أن يقال في هذا الضرب، أعني ما تعمل في إثباته وتزجيته: أن تشبيه على حد المبالغة، ويقتصر على هذا القدر، ولا يسمى استعارة (١).
وأما التمثيل: وهو الذي يكون مجازاً لمجيئك قبه على حد الاستعارة، فمثاله "قولك للرجل يتردد في الشيء بين فعله وتركه: (أراك تقدم رجلا ًوتؤخر أخرى) (٢) والأصل في هذا: أراك في ترددك كمن يقدم رجلاً ويؤخر أخرى، ثم اختصر الكلام وجعل كأنه يقدم الرجل ويؤخرها على الحقيقة، كما كان الأصل في قولك: رأيت أسداً: (رأيت رجلاً كالأسد) ثم جعل كأنه الأسد على الحقيقة.
وكذلك تقول للرجل يعمل غير معمل: (أراك تنتفخ في غير فحم) - و (تخط على الماء) فتجد ظاهر الأمر كأنه ينفخ ويخط والمعنى
стр. 63
أنك في فعلك كمن يفعل ذلك.
وتقول للرجل يعمل الحيلة - حتى يميل صاحبه إلى الشيء قد كان ياباه - ويمتنع منه: (ما زال يفتل في الذروة والغارب حتى بلغ منه ما أراد) فتجعله بظاهر اللفظ كأنه كان منه قتل في ذروة وغارب والمعنى على أنه لم يزل يرفق بصاحبه رفقاً يشبه حاله فيه حال الرجل يجيء إلى البعير الصعب فيحكه ويفتل الشعر في ذروته وغاربه حتى يسكن ويستأنس.
ونظير ذلك قولهم: (١) (فلان يقود فلاناً) يعني: أنه يتطلف له فعل الرجل ينزع القراد من البعير ليلذه ذلك فيسكن ويثبت في مكانه حتى يتمكن من أخذه.
وهكذا كل كلام رأيتهم نحواً فيه التمثيل، ثم لم يفصحوا بذلك، وأخرجوا اللفظ مخرجه إذا لم يريدوا تمثيلاً (٢)، وهكذا تدرك أن عبد القاهر الجرجاني قد جعل الصور البيانية الرائعة أداة لتصوير المعنى الذي تضمنه نظم الكلام، ولم يفصل بينهما وبين المعاني - كما فعل المتأخرون - اللهم إلا ما قالوه من أن المعاني من البيان بمنزلة المفرد من المركب (٣)
стр. 64
ومن هنا تدرك خطأهم في تصورهم للبلاغة، فقد قسموها علوماً ثلاثة، هي (المعاني) و (البيان) و (البديع)، لأنهم لم ينظروا إلى البلاغة نظرة عبد القاهر الجرجاني إليها، فقد كان عبد القاهر ينظر إلى البلاغة على أنها علم واحد أساسه النظم الذي تتفرع منه مسائل المعاني، ومن هذه المعاني تتكون الصور البيانية الرائعة، من تشبيه ومجاز، وكناية، واستعارة، وتمثيل - على حد الاستعارة - متضمنة قيماً جمالية، راجعة إلى جمال المعاني قبل أن تكون زينة للألفاظ (١).
سادساً: نظرية النظم:
وبعد أن تدرج عبد القاهر الجرجاني بالقارئ في بيان فكرة النظم وفي كيفية بنائها، وبيان هدفها الاسمي، وهو: تصوير المعنى في صورة رائعة جذابة، وأن هذه الصور، إنما تتبرج وتتزين، وتلوح في أبهى حللها، وأجمل مظاهرها عندما تكون في صورة بيانية رائعة كالمجاز والاستعارة، والتمثيل، صاغ هذا كله في نظرية متكاملة أجملها في قوله: (تتبع معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يصاغ لها الكلام) مستنبطاً هذه النظرية - كما أسلفنا - من تصرف النقاد السابقين، وبخاصة من وساطة القاضي الجرجاني بين المتنبي وخصومه، جاعلاً شطر النظرية وهو (تتبع معاني النحو فيما بين الكلم) - في فصل، وشطرها الثاني وهو "على حسب الأغراض التي يصاغ لها الكلام" - في فصل آخر.
стр. 65
وإليك ما قاله عبد القاهر الجرجاني في بيان هذه النظرية:
"أعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيع عنها وتحفظ الرسوم التي رسمت لك فلا تخل بشيء منها، وذلك أنا لا نعلم شيئاً يبتغيه الناظم بنظمه غير أن ينظر في وجوه كل باب، وفروقه، فينظر
في الخبر إلى الوجوه التي قرأها في قولك: زيد منطلق، وزيد ينطلق، وينطلق زيد، وزيد المنطلق، ومنطلق زيد، والمنطلق زيد، وزيد هو المنطلق، وزيد هو منطلق،
وفي الشرط والجزاء: إلى الوجوه التي تراها في قولك: أن تخرج أخرج، وأن خرجت خرجت وأن تخرج فأنا خارج وأنا خارج أن خرجت، وأنا أن خرجت خارج.
وفي الحال: إلى الوجوه التي تراها في قولك: جاءني زيد مسرعاً وجاءني يسرع، وجاءني وهو مسرع، أو وهو يسرع، وجاءني قد أسرع، وجاءني وقد أسرع.
فيعرف لكل من ذلك موضعه، ويجيء به حيث ينبغي له.
وينظر في الحروف التي تشترك في المعنى ثم ينفرد كل واحد منها بخصوصية في ذلك المعنى: فيضع كلا من ذلك في خاص معناه نحو: أن يجيء "بما" في نفي الحال، و"بلا" إذا أراد نفي الاستقبال، و"بأن" فيما يترجح بين أن يكون وإلا يكون "وبإذا" فيما علم أنه كائن.
وينظر في الجمل التي تسرد: فيعرف موضع الفصل فيها من موضع الوصل
стр. 66
ثم يعرف فيما حقه الوصل: موضع الواو من موضع الفاء، وموضع الفاء من موضع "ثم"، وموضع "أو" من موضع "أم" وموضع "لكن" من موضع "بل".
ويتصرف في التعريف والتفكير، والتقديم والتأخير في الكلام كله، وفي الحذف والتكرار، والإضمار والإظهار، فيضع كلا من ذلك مكانه، ويستعمله على الصحة، وعلى ما ينبغي له.
هذا هو السبيل: فلست يواجد شيئاً يرجع صوابه إن كان صواباً وخطوة إن كان خطأ إلى النظم، ويدخل تحت هذا الاسم، إلا وهو معنى من معاني النحو، قد أصيب به موضعه، ووضع في حقه، أو عومل بخلاف هذه المعاملة فأزيل عن موضعه، واستعمل في غير ما ينبغي له: فلا ترى كلاماً قد وصف بصحة نظم أو فساده، أو وصف بمزيه وفضل فيه إلا وأنت تجد مرجع تلك الصحة، وذلك الفساد، وتلك المزيه، وذلك الفضل، إلى معاني النحو وأحكامه ووجدته يدخل في أصل من أصوله، ويتصل بباب من أبوابه.
هذه جملة لا تزداد فيها نظراً إلا ازددت لها تصوراً، وازدادت عندك صحة، وازددت بها ثقة وليس من أحد تحركه لأن يقول في أمر النظم شيئاً إلا وجدته قد اعترف لك بها أو ببعضها، ووافق فيها دري ذلك أو لم يدر.
стр. 67
ويكفيك أنهم قد كشفوا عن وجه ما أردناه، حيث ذكروا فساد النظم فليس من أحد يخالف في نحو قول الفرزدق:
وما مثله في الناس إلا مملكاً أبو أمه أبوه يقاربه
وقول المتنبي:
ولذا اسم أغطية العيون جفونها من أنها عمل كسيوف عوامل
وقوله:
الطيب أنت إذا أصابك طيبه والماء أنت إذا اغتسلت الغاسل
وقوله:
وقاوكما كالربع أشجاه طاسمه بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمة
وقول أبي تمام:
ثانية في كبد السماء ولم يكن: كاثنين ثان اذهما في الغار
وقوله:
يدي لمن شاء رهن لم يذق جرعاً من راحتيك دري ما الصاب والعمل
وفي نظائر ذلك مما وصوفوه بفساد النظم - وعابوه من جهة سوء التأليف أن الفساد والخلل كانا من أن تعاطي الشاعر ما تعاطاه في هذا الشأن على غير صواب وصنع في تقديم أو تأخير، أو حذف أو أضمار أو غير ذلك
стр. 68
مما ليس له أن يصنعه، وما لا يسوغ ولا يصح على أصول هذا العلم.
وإذا ثبت أن سبب فساد النظم، واختلاله، ألا يعمل بقوانين هذا الشأن، ثبت أن سبب صحته أن يعمل عليها، ثم إذا ثبت أن مستنبط صحته وفساده من هذا العلم، ثبت أن الحكم كذلك في مزيته، والفضيلة التي تعرض فيه، وإذا ثبت جميع ذلك ثبت أن ليس هو شيئاً غير توخي معاني هذا العلم، وأحكامه فيما بين الكلم والله الموفق للصواب.
وإذا قد عرفت ذلك فاعمد إلى ما تواصفوه بالحسن وتشاهدوا له بالفضل ثم جعلوه كذلك من أجل النظم خصوصاً دون غيره مما يستحسن له الشعر أو غير الشعر من معني لطيف، أو حكمه، أو أدب، أو استعاره أو تجنيس، أو غير لك مما لا يدخل في النظم، وتأمله: فإذا رأيتك قد ارتحت واهتززت واستحسنت، فأنظر إلى حركات الأربحية مم كانت؟ وعندما ذا ظهرت؟ فإنك ترى عياناً أن الذي قلت لك كما قلت أعمد إلى قول البحتري:
بلونا ضرائب من قد نرى فما أن رأينا لفتح ضريباً
هو المرء أبدت له الحادثات عزماً وشيكا هورايا صليباً
تنقل في خلقي اسودد سماحاً مرجي، وبأساً مهيباً
فكالسيف أن جئنته صارخاً وكالبحر أن جئته مستثيباً
فإذا رأيتها قد راقتك، وكثرت عندك، ووجدت لها اهتزاز في نفسك
стр. 69
فعد فأنظر في السبب، واستقص في النظر فإنك تعلم ضرورة أن ليس إلا أنه قدم وآخر، وعرف ونكر وحذف واضمر، وأعاد وكرر، وتوخي على الجملة وجها من الوجوه التي يقتضيها علم النحو، فأصاب في ذلك كله ثم لطف موضع صوابه، وأتى مأتى يوجب الفضيلة: أفلا ترى أن أول شيء يروقك منها: قوله: (هو المرء أبدت له الحادثات) ثم قوله: (تنقل في خلقي سودد) بتنكير السودد، وأضافه الخلقين إليه، ثم قوله: "فكالسيف" وعطفه بالفاء مع حذفه المبتدأ، لأن المعنى لا محاله - فهو كالسيف، ثم تكريره الكاف في قوله "وكالبحر" ثم أن قرن إلى كل واحد من التشبيهين شرطاً جوابه فيه، ثم أن أخرج من كل واحد من الشرطين حالاً على مثال ما أخرج من الأخر وذلك قوله (صارخاً) هناك و (مستثيباً) ههنا، لا ترى حسناً تنسبه إلى النظم ليس سببه ما عددت، أو ما هو في حكم ما عددت فاعرف ذلك.
وأن أردت أظهر أمراً في هذا المعنى، فأنظر إلى قول إبراهيم بن عباس:
فلو إذ نبا دهر، وأنكر صاحب وسلط أعداء، وغاب نصير
تكون عن الأهواز داري بنجوة ولكن مقادير جرت وأمور
وإني لأرجو بعد هذا محمداً لأفضل ما يرجى أخر ووزير
فأنت ترى ما ترى من الرونق والطلاوة والحلاوة، ثم تتفقد السبب في ذلك فتجده إنما كان من أجل تقديمه الظرف الذي هو (إذ نبا) على عامله الذي هو تكون، وأن لم يقل، فلو عن الاهواز دارى بنجوه إذ
стр. 70
نبا دهر، ثم قال: (تكون) ولم يقل كانت، ثم أن نكر الدهر ولم يقل (فلو إذ نبا الدهر) ثم أن ساق هذا التنكير في جميع ما أتى به من بعد، ثم أن قال: (وأنكر صاحب) ولم يقل (وأنكرت صاحبا) لا ترى في البيتين الأولين شيئاً غير الذي عددته لك تجعله حسناً في النظم، وكله من معاني النحو - كما ترى - وهكذا السبيل أبداً في كل حسن ومزية رأيتهما قد نسبا إلى النظم، وفضل وشرف أحيل فيهما عليه (١).
وهكذا يبين عبد القاهر الجرجاني - بعد أن ذكر إجماع العلماء على تفخيم شأن النظم وتعظيم قدره - أنه ليس إلا أن تتوخى معاني النحو فيما بين الكلم، كأن تفطر في أوجه الخبر، والشرط والجزاء، والحال والحروف التي تشترك في معنى ثم ينفرد كل واحد منها بخصوصية، وفي الجمل التي تسرد، فيعرف فيها موضع الفصل، من موضع الوصل.
وتتصرف في التعريف والنتكير والتقديم والتأخير، في الكلام كله، وفي الحذف والتكرار، والإظهار والاضمار، فتضع كل ذلك في مكانه وموقعه وتستعمله استعمالا صحيحاً موفقاً.
ولم يفته أن يبين لك: أنه قد استنتج نظريته في النظم من تصرف النقاد السابقين، إذ أنهم جعلوا النظم السليم معياراً نقدياً أصيلاً، فمن خلال نقدهم للأشعار التي استجادوها واستحسنوها، والإشعار التي ردوها واستقحموها، كشفوا عن وجه النظم، إذا أنهم أرجعوا حسن الشعر وجودته إلى سلامة النظم وجودته، وأرجعوا قبح الشعر ورداءته
стр. 71
إلى فساد النظم وسوء تأليفه، كما أنهم قد رأوا سلامة النظم في العمل بقوانين النحو، ورأوا فساد النظم في عدم العمل بها فبإن له بذلك أن النظم ليس إلا تتبع معاني النحو فيما بين الكلم.
ولعلك على ذكر مما أسلفناه لك من أن عبد القاهر الجرجاني قد استنبط هذا القول من تصرف القاضي الجرجاني في وساطته بين المتبني وخصومه وأنه قد استشهد بما استحسنه القاضي الجرجاني من أبيات للبحتري وغيره، وبما استقبحه من أبيات أخرى لبعض الشعراء، وأن الأولى قد أرجع القاضي الجرجاني حسنها إلى سلامة النظم، ولم يزد على هذا وأن الثانية قد أرجع قبحها إلى فساد النظم وهلهلة النسج وسوء التأليف، وأنها لم تجس على قوانين النحو.
وفي هذا الفصل الذي نعرضه عليك الآن: يذكر أن مزايا النظم إنما تكون وتحدث بسبب المعاني والأغراض التي يقصدها البليغ، غذ ليس للفروق والوجوه التي تحدث في النظم، من تعريف، وتنكير، وتقديم، وتأخير غيرها، مزيه حتى تكون ملائمة ومناسبة للأغراض التي يقصدها البليغ.
وقد اسلفنا لك أن هذا المعنى قد استقاه من فصل عقده القاضي الجرجاني عن مواقع الكلام، حيث ذكر أن النقد الأدبي السليم أنما هو ذلك الذي يوجه إلى جوهر الكلام وموقعه، ومكانه من النظم، ثم اهتمامه بمناسبة الألفاظ لمعانيها، ومعرفة ما بينهما من أسباب ووشائج قربي،
стр. 72
وأن القاضي الجرجاني قد كان يقصد بهذه المعاني: الأغراض التي يقصدها الأديب بشعره أو نثره، والتي أشار غليها في مقدمة وساطته بقوله "ولا آمرك بإجراء أنواع الشعر كله مجرى واحداً، ولا أن تذهب بجميعه مذهب بعضه، بل أرى لك أن تقسم الألفاظ على رتب المعاني فلا يكون غزلك كافتخارك، ولا مديحك كوعيدك، ولا هجاؤك كاستبطائك ولا هزلك بمنزلة جدك ولا تعرضك مثل تصريحك، بل ترتب كلا مرتبته وتوفيه حقه، فتلطف إذا تغزلت، وتفخم إذا افتخرت، وتتصرف للمديح تصرف مواقعه، فإن المدح بالشجاعة والباس بيتميز عن المدح باللباقة والظرف، ووصف الحرب والسلاح ليس كوصف المجلس والمدام، فلكل واحد من الأمرين نهج هو أملك به، وطريق لا يشاركه الآخر فيه" (١).
وهذا المعنى هذا الذي عبر عنه المتأخرون من البلاغيين في تعريفهم للبلاغة أنهم: مطابقة الكلام لمقتضى الحال (٢).
يقول عبد القاهر الجرجاني: "فصل في أن هذه المزايا بحسب المعاني والأغراض التي توم".
"وغذا عرفت أن مدار أمر النظم على معاني النحو، وعلى الوجوه والفروق التي من شأنها أن تكون فيه فاعلم أن الفروق والوجوه كثيرة ليس لها غاية تقف عندها، ونهاية لا تجد لها ازدياداً بعدها، ثم أعلم أن ليست
стр. 73
المزية واجبة لها في أنفسها ومن حيث هي على الإطلاق، ولكن تعرض بسبب المعاني والأغراض التي يوضع لها الكلام، ثم بحسب موقع بعضها من بعض، واستعمال بعضها مع بعض.
تفسير هذا: أنه ليس إذا راقك التفكير في (سودد) من قوله (تنقل في خلفي سودد) وفي (دهر) من قوله: (فلو أذنبا دهر) فإنه يجب أن يروقك أبداً وفي كل شيء ولا غذا استحسنت لفظ ما لم يسم فاعلة في قوله: (وأنكر صاحب) فإنه ينبغي إلا تراه في مكان إلا أعطيته مثل استحسانك ههنا، بل ليس من فضل ومزية إلا بحسب الموضع، ويحسب المعنى الذي تريد والغرض الذي توم، وإنما سبيل هذه المعاني سبيل الأصباغ التي تعمل منها الصور والنقوش، فكما أنك ترى الرجل قد تهدي في الأصباغ التي تعمل منها الصورة والنقش في ثوبه الذي نسج إلى ضرب من التخير والتدبر في أنفس الأصباغ وفي موقعها ومقاديرها، وكيفية مزجه لها، وتركيبة إياها إلى ما لم يتهد إليه صاحبه، فجاء نقشه من أجل ذلك أعجب، وصورته أغرب: كذلك حال الشاعر والشاعر في توخيهما معاني النحو ووجوهه التي علمت أنها محصول النظم".
سابعاً: تفاوت درجات النظم بتفاوت صنعته:
إذا كان الحاذقون بصنعة الكلام يختلفون في طريقة صياغتهم للمعاني ويتفاوتون في طريقة تعبيرهم عن الأغراض والمقاصد التي يعبرون عنها
стр. 74
فإن أساليبهم تختلف باختلاف مهاراتهم في صياغة هذه المعاني، وفي التعبير عن أغراض ومقاصدهم، ومن ثم فإن النظم يختلف ويتفاوت باختلاف الصنعة والمهارة، والحذق وتفاوتها من أديب إلى آخر.
ولهذا فإن عبد القاهر الجرجاني قد وجد أن النظم يتفاوت بتفاوت الصنعة فنوفه إلى هذه الأنماط:
الأول: النمط العالي من النظم:
وهو ذلك النظم الذي تتحد فيه أجزاء الكلام، وتتماسك ويدخل بعضها في بعض، ويشتد ارتباط ثان منها بأول ويحتاج في الجملة إلى أن تضعها في النفس وصنعاً واحداً، وأن يكون حالك فيها حال الباني، يضع بيمينه ههنا في الوقت الذي يضع بيساره هناك وفي حال ما يبصر مكان ثالث ورابع يضعهما بعد الأولين.
وليس لهذا اللون من الكلام حصر، ولا قانون يحيط به، ولكنه يأتي على وجوه شتى منها:
المزاوجة بين معنيين في الشرط والجزاء، كقول البحتري:
إذا ما نهى الناهي فلج بي الهوى ... أصاخت إلى الواشي فلج بها الهجر
وقوله أيضاً:
إذا احتربت يوماً ففاضت دماؤها ... تذكرت القربى ففاضت دموعها
стр. 75
ومنها العكس، كما في قول سليمان بن داود القضاعي:
فبينا المرء في علياء أهوى ... ومنحط أتيح له اعتلاء
وبينا نعمة، إذا حلا يؤس ... وبؤس إذا تعقبه ثراء
ومنها التمثيل، كما في قول كثير:
وأني وتهيامي بعزة بعدما ... تخيلت مما بيننا وتخلت:
لكالمرتجي ظل الغمامة كلما ... تبوأ منها للمقيل اضمحلت
وكقول البحتري:
لعمرك أنا والزمان كما حنت ... على الأضعف الموهون عادية الأقوى
ومنها التقسيم - وخصوصاً إذا قسمت ثم جمعت - كقول حسان:
قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم ... أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
سجية تلك فيهم غير محدثة ... إن الخلائق - فأعلم - شرها البدع
ومن التقسيم - وهو في غاية الحسن - قول القائل:
لو أن ما أنتم فيه يدوم لكم ... ظننت ما أنا فيه دائماً أبداً
لكن رأيت الليالي غير تاركة ... ما سر من حادث، أوساء مطرداً
فقد سكنت إلى أني وأنكم ... سنستجد خلاف الحالتين غداً
فقوله: (سنستجد خلاف الحالتين غدا) جمع لما قسم لطيف، وقد ازداد لطفاً بحسن ما بناه عليه ولطف ما توصل به غليه من قوله: