← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 151019

صون المنطق والكلام عن فني المنطق والكلام

الجلال السيوطي

Полный текст (255 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

في المهالك والورطات، وهل زاغ من زاغ، وهلك من هلك، وألحد من ألحد إلا بالرجوع إلى الخواطر والمعقولات، وإتباع الآراء في قديم الدهر وحديثه. وهل نجا من نجا إلا بإتباع سنن المرسلين، والأئمة الهادية من الأسلاف المتقدمين. وإذا كان هذا النوع من العلم لطلب زيادة في الدين، فهل تكون الزيادة بعد الكمال إلا نقصانًا عائدًا على الكمال، مثل زيادة الأعضاء والأصابع في اليدين والرجلين. فليتق امرؤ به ، ولا يدخلن في دينه ما ليس منه، وليتمسك بآثار السلف والأئمة المرضية، وليكونن على هديهم وطريقهم، وليعض عليها بنواجذه، ولا يوقعن نفسه في مهلكة يضل فيها الدين، ويشتبه عليه الحق، والله حسيب أئمة الداعين إ لى النار، ويوم القيامة لا ينصرون. فصل الجواب عن قولهم أن أخبار الآحاد لا تقبل فيما طريقه العلم ونشتغل الآن بالجواب عن قولهم فيما سبق أن أخبار الآحاد لا تقبل فيما طريقه العلم، وهذا رأس شعب المبتدعة في رد الأخبار، وطلب الدليل من النظر والاعتبار، فنقول وبالله التوفيق. إن الخبر إذا صح عن رسول الله " ﷺ " ورواه الثقات والأئمة، وأسنده خلفهم عن سلفهم إلى رسول الله " ﷺ "، وتلقته الأمة بالقبول فإنه يوجب العلم فيما سبيله العلم، هذا عامة قول أهل الحديث والمقنين من القائمين على السنة وإنما هذا القول الذي يذكر أن خبر الواحد لا يفيد العلم بحال ولابد من نقله بطريق التواتر لوقوع العلم به.

стр. 212

شيء اخترعته القدرية والمعتزلة وكان قصدهم منه رد الأخبار وتلقفه منهم بعض الفقهاء الذين لم يكن لهم في العلم قدم ثابت ولم يقفوا على مقصودهم من هذا القول. ولو أنصف الفرق من الأمة لأقروا بأن خبر الواحد يوجب العلم فإنك تراهم مع اختلافهم في طرائقهم وعقائدهم يستدل كل فريق منهم على صحة ما يذهب إليه بالخبر الواحد. ترى أصحاب القدر يستدلون بقول النبي " ﷺ " كل مولود يولد على الفطرة وبقوله " ﷺ " خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم. وترى أهل الأرجاء يستدلون بقوله " ﷺ " من قال لا إله إلا الله دخل الجنة. قالوا: وإن زنى وإن سرق؟ قال نعم وإن زنى وإن سرق. وترى الرافضة يستدلون بقوله " ﷺ ": جاء بقوم من أصحابي فيسلك بهم ذات الشمال. فأقول أصيحابي أصيحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم لن يزالوا مرتدين على أعقابهم. الخبر. وترى الخوارج يستدلون بقوله " ﷺ " سباب المسلم فسق وقتاله كفر، وبقوله " ﷺ ": لا يزنى الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، إلى غير هذا من الأحاديث التي يستدل بها أهل الفرق. ومشهور معلوم استدلال أهل السنة بالأحاديث ورجوعهم إليها فهذا إجماع منهم على القول بأخبار الآحاد، وكذلك أجمع أهل الإسلام متقدموهم ومت أخروهم عن رواية الأحاديث في صفات الله وفي مسائل القدر والرؤية وأصل الإيمان، والشفاعة، والحوض، وإخراج الموحدين

стр. 213

المذنبين من النار، وفي صفة الجنة والنار في الترغيب والترهيب والوعد والوعيد في فضائل النبي " ﷺ " ومناقب أصحابه وأخبار الأنبياء المتقدمين عليه وكذلك أخبار الرقائق والعظات، وما أبه ذلك مما يكثر عده وذكره. وهذه الأشياء كلها علمية لا عملية، وإنما تروى لوقوع علم السامع بها. فإذا قلنا إن خبر الواحد بها لا يجوز أن يوجب العلم حملنا أمر الأمة في نقل هذه الأخبار على الخطأ. وجعلناهم لاغين هاذين مشتغلين بما لا فيد أحدًا شيئًا، ولا ينفعه ويصير كأنهم قد دونوا في أمور الدين ما لا يجوز الرجوع إليه والاعتماد عليه. وربما يترقى هذا القول إلى أعظم من هذا. فإن النبي " ﷺ " أدى هذا الدين إلى الواحد فالواحد من أصحابه ليؤدوه إلى الأمة وينقلوا عنه، فإذا لم يقبل قول الراوي لأنه واحد رجع هذا العيب إلى المؤدي، نعوذ بالله من القفول الشنيع والاعتقاد القبيح. ويدل عليه أن الأمر مشتهر في أن النبي " ﷺ " بعث الرسل إلى الملوك: إلى كسرى وقيصر وملك الإسكندرية وإلى أكيدر دومه وغيرهم من ملوك الأطراف، وكتب إليهم كتبًا على ما عرف ونقل واشتهر. وإنما بعث واحدًا واحدًا ودعاهم إلى الله تعالى وإلى التصديق برسالته لالتزام الحجة وقطع العذر لقوله ﴿ر سلًا مبشرين ومنذرين لئلًا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾. وهذه المعاني لا تحصل إلا بعد وقوع العلم المن أرسل إليه بالإرسال والمرسل وان الكتاب من قبله والدعوة منه، وقد كان نبينا " ﷺ " بعث إلى الناس كافة وكثير من الأنبياء بعثوا إلى قوم دون قوم،

стр. 214

وإنما قصد بإرسال إلى هؤلاء الملوك والكتاب إليهم؟ الدعوة في جميع الممالك ودعاء الناس عامة إلى دينه على حسب ما أمره الله تعالى بذلك، فلو لم يقع العلم بخبر الواحد من أصحابه في هذا الأمر وكذلك في أمور كثيرة اكتفى " ﷺ " بإرسال الواحد من أصحابه، منها أنه " ﷺ " بعث عليًا ﵁ لينادي في الموسم بمنى: ألا لا يحجن بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان ومن كان بينه وبين النبي ﷺ عهد فمدته إلى أربعة أشهر ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة. ولابد في هذه الأشياء من وقوع العلم للقوم الذين كان يناديهم حتى إن أقدموا على شيء من هذا بعد سماع هذا القول كان رسول الله ﷺ مبسوط العذر في قتالهم. وكذلك بعث معاذًا ﵁ إلى اليمن ليدعوهم إلى الإسلام ويعلمهم إذا أجابوا شرائعه. وبعث إلى أهل خيبر في أمر القتيل واحدًا يقول لهم: إما أن تؤدوا أو تؤذنوا مجرب من الله ورسوله. وبعث إلى قريظة أبا لبابة بن عبد المنذر يستنزلهم على حكمه وجاء أهل قباء واحد وهم في مسجدهم يصلون فأخبرهم بصرف القبلة إلى المسجد الحرام فانصرفوا إليه في صلاتهم واكتفوا بقوله. ولا بد في مثل هذا من وقوع العلم به وكان النبي ﷺ يرسل الطلائع والجواسيس في ديار الكفر ويقتصر على الواحد في ذلك

стр. 215

ويقبل قوله إذا رجع، وربما أقدم عليهم بالقتل والنهب بقوله وحده. ومن تدبر أمور النبي ﷺ وسيره وسيرته، لم يخف عليه ما ذكرنا، وما يرد هذا إلا معاند مكابر، ولو أنك وضعت في قلبك أنك سمعت الصديق أو الفاروق أو غيرهما من وجوه الصحابة ﵃ يروى لك حديثًا عن النبي ﷺ في أمر من الاعتقاد مثل جواز الرؤية على الله تعالى، أو إثبات القدر. أو غير ذلك، لوجدت قلبك مطمئنًا إلى قوله: لا يتداخلك شك في صدقة، وثبوت قوله. وفي زماننا هذا: ترى الرجل يسمع من أستاذه الذي يختلف إليه ويعتقد فيه التقدمة والصدق أنه سمع أستاذه يخبر عن شيء من عقيدته التي يريد أن يلقى الله تعالى بها ويرى نجاته فيها، فيحصل للسامع علم بمذهب من نقل عنه أستاذه ذلك، بحيث لا يختلجه شبهة، ولا يعتريه شك، وكذلك في كثير من الأخبار التي قضيتها العلم يوجد بين الناس فيحصل لهم العلم بذلك الخبر، ومن رجع إلى نفسه علم ذلك. واعلم أن الخبر وإن كان يحتمل الصدق والكذب، وللظن والتجوز فيه مدخل، ولكن هذا الذي قلناه لا يناله أحد إلا بعد أن يكون معظم أوقاته وأيامه مشتغلًا بعلم الحديث، والبحث عن سيرة النقلة والرواة، ليقف على رسوخهم في هذا العلم، وكنه معرفتهم به، وصدق ورعهم في أحوالهم وأقوالهم، وشدة حذرهم من الطغيان والزلل، وما بذلوه من شدة العناية في تمهيد هذا الأمر، والبحث عن أحوال الرواة. والوقوف على صحيح الأخبار وسقيمها. ولقد كانوا ﵏، وأنزل رضوانه عليهم، بحيث لو قتلوا لم يسامحوا أحدًا في كلمة يتقولها على رسول الله ﷺ ولا فعلوا هم بأنفسهم ذلك، وقد نقلوا هذا الدين إلينا كما نقل إليهم، وأدوا على ما أدى إليهم، وكانوا في صدق العناية والاهتمام بهذا الشأن بما

стр. 216

يجل عن الوصف ويقصر دونه الذكر، وإذا وقف المرء على هذا من شأنهم، وعرف حالهم، وخبر صدقهم وورعهم، وأمانتهم، وظهر له العلم فيما نقلوه، ورووه، ولا يحتج إلى شيء من هذا الذي قلناه، والله ولي التوفيق والمعونة. والذي يزيد ما قلناه إيضاحًا: أن النبي ﷺ حين سئل عن الفرقة الناجية. قال: ما أنا عليه وأصحابي، بمعنى من كان على ما أنا عليه وأصحابي، فلابد من تعرف ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، وليس طريق معرفتنا إلا النقل فيجب الرجوع إلى ذلك، وقد قال النبي ﷺ ، لا تنازعوا الأمر أهله، فكما يرجع في معرفة مذاهب الفقهاء الذين صاروا قدوة في هذه الأمة إلى أهل الفقه، ويرجع في معرفة اللغة إلى أهل اللغة ويرجع في معرفة النحو إلى أهل النحو، فكذلك يجب أن يرجع في معرفة ما كان عليه رسول الله " ﷺ " وأصحابه إلى أهل النقل والرواية، لأنهم عنوا بهذا الشأن، واشتغلوا بحفظه والتفحص عنه ونقله، ولولاهم لا ندرس علم النبي " ﷺ " ولم يقف أحد على سنته وطريقته. فإن قال قائل: إن أهل الفقه مجمعون على قول الفقهاء، وطريق كل واحد منهم في الفروع. وأهل النحو مجمعون على طريق البصريين والكوفيين في النحو وكذلك أهله الكلام مجمعون على طريق كل واحد منهم من متقدميهم وسلفهم. فأما ما يرجع إلى العقائد فلم يجتمع أهل الإسلام على ما كان رسول الله " ﷺ " وأصحابه بل كان كل فريق يدعى دينه وينتسب إلى ملته ويقول نحن الذين تمسكنا بملة رسول الله " ﷺ " واتبعنا

стр. 217

طريقته، ومن كان على غير ما نحن عليه، فهو مبتدع صاحب هوى، فلم يجز اعتبار الذي تنازعنا فيه بما قلتم. الجواب أن كل فريق من المبتدعة إنما يدعى أن الذي يعتقده هو ما كان عليه رسول الله " ﷺ " لأنهم كلهم يدعون شريعة الإسلام، ملتزمون في الظاهر شعائرها، يرون أن ما جاء به محمد " ﷺ " هو الحق، غير أن الطرق تفرقت بهم بعد ذلك، وأحدثوا في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله فزعم كل فريق أنه هو المتمسك بشريعة الإسلام، وأن الحق الذي قام به رسول الله " ﷺ " هو الذي يعتقده وينتحله، غير أن الله تعالى أبى أن يكون الحق والعقيدة الصحيحة، إلا مع أهل الحديث والآثار، لأنهم أخذوا دينهم وعقائدهم خلفًا عن سلف، وقرنًا عن قرن، إلى أن انتهوا إلى التابعين، وأخذه التابعون عن أصحاب رسول الله " ﷺ " وأخذ أصحاب رسول الله " ﷺ " عن رسول الله " ﷺ " ولا طريق إلى معرفة ما دعا إليه رسول الله " ﷺ " الناس من الدين المستقيم؛ والصراط القويم إلا هذا الطريق، الذي سلكه أصحاب الحديث. وأما سائر الفرق فطلبوا الدين لا بطريقة لأنهم رجعوا إلى معقولهم، وخواطرهم وآرائهم فطلبوا الدين من قبله، فإذا سمعوا شيئًا من الكتاب والسنة عرضوه على معيار عقولهم، فإن استقام قبلوه، وإن لم يستقم في ميزان عقولهم ردوه، فإن اضطروا إلى قبوله حرفوه بالتأويلات البعيدة، والمعاني المستنكرة، فجادوا عن الحق، وزاغوا عنه ونبذوا الدين وراء

стр. 218

ظهورهم، وجعلوا السنة تحت أقدامهم، تعالى الله عما يصفون. وأما أهل الحق، فجعلوا الكتاب والسنة أمامهم، وطلبوا الدين من قبلهما وما وقع لهم من معقولهم وخواطرهم، عرضوه على الكتاب والسنة فإن وجدوه موافقًا لهما قبلوه، وشكروا الله حيث أراهم ذلك ووفقهم عليه، وإن وجدوه مخالفًا لهما تركوا ما وقع لهم وأقبلوا على الكتاب والسنة ورجعوا بالتهمة على أنفسهم، فإن الكتاب والسنة لا يهديان إلا إلى الحق ورأى الإنسان قد يرى الحق وقد يرى الباطل، وهذا معنى قول أبي سليمان الداراني، وهو واحد زمانه في المعرفة، ما حدثتني نفسي بشيء إلى طلبت منه شاهدين من الكتاب والسنة، فإن أتى بهما وإلا رددته في نحره، أو كلام معناه. ومما يدل على أن أهل الحديث هم على حق؛ أنك لو طالعت جميع كتبهم المصنفة من أولهم إلى آخرهم قديمهم وحديثهم مع اختلاف بلدانهم وزمانهم وتباعد ما بينهم في الديار؛ وسكون كل واحد منهم قطرًا من الأقطار، وجدتهم في بيان الاعتقاد على وتيرة واحدة ونمط واحد يجرون في على طريقة لا يحيدون عنها ولا يميلون فيها قولهم في ذلك واحد وفعلهم واحد لا ترى بينهم اختلافًات ولا تفرقًا في شيء ما وإن قل. بل لو جمعت جميع ما جرى على ألسنتهم نقلوه عن سلفهم، وجدته كأنه جاء من قلب واحد وجرى على لسان واحد وهو على الحق دليل أبين من هذا. قال الله تعالى ﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا﴾؛ وقال تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا﴾.

стр. 219

وأما إذا نظرت إلى أهل الأهواء والبدع رأيتهم متفرقين مختلفين وشيعًا وأحزابًا لا تكاد تجد اثنين منهم على طريقة واحدة في الاعتقاد يبدع بعضهم بعضًا بل يترقون إلى التفكير يكفر الابن أباه والرجل أخاه والجار جاره. تراهم أبدًا في تنازع وتباغض واختلاف تنقضي أعمارهم ولما تتفق كلماتهم "تحسيهم جميعًا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون". أو ما سمعت أن المعتزلة مع اجتماعهم في هذا اللقب يكفر البغداديون منهم البصريين والبصريون منهم يكفر البغداديين ويكفر أصحاب أبي علي الجباثي ابنه أبا هاشم وأصحاب أبي هاشم يكفرون أباه أبا علي وكذلك سائر رؤوسهم وأرباب المقالات منهم. إذا تدبرت أقوالهم رأيتهم متفرقين يكفر بعضهم بعضًا ويتبرأ بعضهم من بعض. وكذلك الخوارج والروافض فيما بينهم وسائر المبتدعة بمثابتهم وهل على الباطل دليل أظهر من هذا قال تعالى ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله﴾. وكان السبب في اتفاق أهل الحديث أنهم أخذوا الدين من الكتاب والسنة وطريق النقل فأورثهم الاتفاق والايتلاف وأهل البدعة أخذوا الدين من المعقولات والآراء فأورثهم الافتراق والاختلاف، فإن النقل والرواية من الثقات والمتقنين قلما يختلف، وإن اختلف في لفظ أو كلمة فذلك اختلاف لا يضر الدين ولا يقدح فيه. وأما دلائل العقل فقلما يتفق بل عقل كل واحد يرى صاحبه غير ما يرى الآخر وهذا بين والحمد لله. وبهذا يظهر مفارقة الاختلاف في مذاهب الفروع اختلاف العقائد في الأصول فإنا وجدنا أصحاب رسول الله " ﷺ " ورضي

стр. 220

عنهم من بعده واختلفوا في أحكام الدين. فلم يفترقوا ولم يصيروا شيعًا. لأنهم لم يفارقوا الدين ونظروا فيما أذن لهم فاختلفت أقوالهم وآراؤهم في مسائل كثيرة مثل مسألة الحد والمشركة وذوي الأرحام ومسألة الحرام وفي أمهات الأولاد، وغير ذلك مما يكثر تعداده من مسائل البيوع والنكاح والطلاق، وكذلك في مسائل كثيرة من باب الطهارة وهيآت الصلاة وسائر العبادات فصاروا باختلافهم في هذه الأشياء محمودين وكان هذا النوع من الاختلاف رحمة من الله لهذه الأمة حيث أيدهم باليقين. ثم وسع على العلماء النظر فيما لم يجدوا حكمة في التنزيل وللسنة فكانوا مع هذا الاختلاف. أهل مودة ونصح، وبقيت بينهم أخوة الإسلام ولم ينقطع عنهم نظام الألفة، فلما حدثت هذه الأهواء المردية الداعية صاحبها إلى النار، ظهرت العداوة وتباينوا وصاروا أحزابًا فانقطعت الأخوة في الدين، وسقطت الألفة، فهذا يدل على أن هذا التباين والفرقة، إنما حدثت من المسائل المحدثة التي ابتدعها الشيطان، فألفاها على أهواء أوليائه، ليختلفوا ويرمي بعضهم بعضًا بالكفر. فكل مسألة حدثت في الإسلام فخاض فيها الناس فتفرقوا واختلفوا فلم يورث الاختلاف بينهم عداوة ولا بغضًا ولا تفرقًا وبينهم بقيت الألفة والنصيحة والمودة والرحمة والشفقة علمًا أن ذلك من مسائل الإسلام، يحل النظر فيها، والأخذ بقول من تلك الأقوال لا يوجب تبديعًا ولا تكفيرًا، كما ظهر مثل هذا الاختلاف بين الصحابة والتابعين، مع بقاء الألفة والمودة، وكل مسألة حدثت فاختلفوا فيها، فأورث اختلافهم في ذلك التولي والإعراض والتدابر والتقاطع وربما ارتقى إلى التكفير، علمت أن ذلك ليس في أمر الدين في شيء بل يجب على كل ذي عقل أن يجتنبها ويعرض عن الخوض فيها لأن الله شرط تمسكنا بالإسلام أنا نصبح في ذلك إخوانًا و

стр. 221

فقال تعالى ﴿واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا﴾. فإن قال قائل: إن الخوض في مسائل القدر، والصفات وشرط الإيمان يورث التقاطع والتدابر والاختلاف، فيجب طرحها، والإعراض عنها على ما زعمتم. الجواب: إنما قلنا هذا في المسائل المحدثة، فأما الإيمان في هذه المسائل من شرط أصل الدين فلابد من قبولها على نحو ما ثبت فيه النقل عن رسول الله " ﷺ " وأصحابه، ولا يجوز لنا الإعراض عن نقلها وروايتها وبيانها لتفرق الناس في ذلك، كما في أصل الإسلام والدعاء إلى التوحيد، وإظهار الشهادتين، وقد ظهر بما قدمنا، وذكرنا بحمد الله ومنه أن الطريق المستقيم مع أهل الحديث، وأن الحق ما نقلوه ورووه، ومن تدبر ما كتبناه وأعطى من قلبه النصفة وأعرض عن هواه واستمع وأصغى بقلب حاضر، وكان مسترشدًا متهديًا ولم يكن متعنتًا وأمده الله بنور اليقين عرف صحة جميع ما قلناه ولم يخف عليه شيء من ذلك، والله الموفق، من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم. وقد أجاب بعض أهل السنة عن قولهم: إن الخبر الواحد لا يوجب العلم بجواب آخر سوى ما قلناه، وقد بيناه في كتاب القدر، وإن كان الجواب الصحيح ما ذكرناه، وهو طريق أهل الحق ولا معدل بنا عن طريقهم، بل لا نختار عليه شيئًا غيره، ولا نطلب طريقًا سواه، نسأل الله تعالى

стр. 222

أن يثبتنا عليه، وأن يمدنا بتوفيق بعد توفيق من قبله وأن يجعل ما قصدناه من بيان الحق لوجهه، وسعينا لطلب ما عنده إنه عليم قدير وولي كريم. أصل الدين هو الاتباع "فصل" سؤال قالوا قد جعلتم أصل الدين هو الإتباع، ورددتم على من يرجع إلى المعقول ويطلب الدين من قبله، وهذا خلاف الكتاب لأن الله ذم التقليد في القرآن وندب الناس إلى النظر والاستدلال والرجوع إلى الاعتبار، وأمر بمحادثة المشركين بالدلائل العقلية، وإنما ورد السمع مؤيدًا لما يدل عليه العقل، ومن تدبر القرآن، ونظر في معانيه وجد تصديق ما قلناه فيه. الجواب: قلنا قد دللنا فيما سبق أن الدين هو الإتباع، فذكرنا في بيانه ودلائله ما يجد المؤمن شفاء الصدر وطمأنينة القلب بحمد الله منه وتوفيقه. وأما لفظ التقليد فلا نعرفه جاء في شيء من الأحاديث وأقوال السلف، فيما يرجع إلى الدين، وإنما ورد الكتاب والسنة بالإتباع، وقد قالوا إن التقليد قبول الغير من فير حجة وأهل السنة إنما اتبعوا قول رسول الله " ﷺ " وقوله نفس الحجة فكيف يكون هذا قبول قول الغير من غير حجة فإن المسلمين قد قامت لهم الدلائل السمعية على نبوة الرسول " ﷺ " لما نقل إلينا أهل الإتقان والثقات من الرواة ما لا يعد كثرة من المعجزات والبراهين والدلالات التي ظهرت عليها وقد نقلها أصحاب الحديث في كتبهم ودونوها. وليس المقصود من ذكرها في هذا الموضع بيانها بتفاصيلها، وإنما قصدنا بيان طريق أهل السنة فلما صحت عندهم نبوته، ووجدوا صدقه

стр. 223

في قلوبهم، وجب عليهم تصديقه فيما أنباهم من الغيوب ودعاهم إليه من وحدانية الله وإثبات صفاته وسائر شرائط الإسلام وعلى أنا لا ننكر النظر قدر ما ورد به الكتاب والسنة لينال المؤمن بذلك زيادة اليقين وثلج الصدور وسكون القلب. وإنما أنكرنا طريقة أهل الكلام فيما أسسوا، فغنهم قالوا أوال ما يجب على الإنسان النظر المؤدي إلى معرفة الباري ، وهذا قول مخترع، لم يسبقهم إليه أحد من السلف وأئمة الدين، ولو انك تدبرت جميع أقوالهم وكتبهم لم تجد هذا في شيء منها منقولًا من النبي " ﷺ " ولا من الصحابة، وكذلك من التابعين بعدهم وكذلك يجوز أن يخفى عليهم أول الفرائض، وهم صدر هذه الأمة، والسفراء بيننا وبين رسول الله " ﷺ " ولئن جاز أن يخفى العرض الأول على الصحابة والتابعين حتى لم يبينوه لأحد من هذه الأمة مع شدة اهتمامهم بأمر الدين، وكان عنايتهم، حتى استخرجه هؤلاء بلطف فطنتهم في زعمهم. فلعله خف عليهم فرائض آخر، ولئن كان هذا جائزَا، فلقد ذهب الدين فاندرس، لأنا إنما نبني أقوالنا على أقوالهم. فإذا ذهب الأصل، فكيف يمكن البناء عليه. نعوذ بالله من قول يؤدي إلى هذه المقالة الفاحشة القبيحة، التي تؤدي إلى الانسلاخ من الدين، وتضليل الأئمة الماضين. هذا وقد تواترت الأخبار أن النبي ﷺ ، كان يدعو الكفار إلى الإسلام والشهادتين. قال ﷺ لمعاذ ﵁ حين بعثه إلى اليمن ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله. وقال ﷺ أيضًا: أمرت أنت أقاتل الناس؛ حتى يقولوا لا إله إلا الله؛ وقال ﷺ أيضًا: إذا نازلتم أهل حصن، أو مدينة فادعوهم إلى شهادة لا إله إلا الله، ومثل هذا كثير.

стр. 224

ولم يرو أنه دعاهم إلى النظر والاستدلال، وإنما يكون حكم الكافر في الشرع أن يدعى إلى الإسلام، فإن أبى وسال النظرة والإمهال لإيجاب إلى ذلك، ولكنه إما أن يسلم أو يعطي الجزية أو يقتل، وفي المرتد إما أن يسلم أو يقتل، وفي مشركي العرب على ما عرف. وإذا جعلنا الأمر على ما قاله أهل الكلام لم يكن الأمر على هذا الوجه، ولكن ينبغي أن يقال له: اعني الكافر، عليك النظر والاستدلال لتعرف الصانع بهذا الطريق ثم تعرف الصفات بدلائلها وطرقها. ثم مسائل كثيرة إلى أن يصل الأمر إلى النبوات، ولا يجوز على طر يقهم الإقدام على هذا الكافر بالقتل والسبي إلا بعد أن يذكر له هذا ويمهل، لان النظر والاستدلال لا يكون إلا بمهلة. خصوصًا إذا طلب الكافر لذلك. وربما يتفق النظر والاستدلال في مدة يسيرة فيحتاج إلى إمهال الكفار مدة طويلة تأتي على سنين ليتمكنوا من النظر على التمام والكمال، وهو خلاف إجماع المسلمين. وقد حكي عن أبي العباس بن سريح أنه قال: "لو أن رجلًا جاءنا. وقال: إن الأديان كثيرة فخلوني انظر في الأديان، فما وجدت الحق فيه قبلته، وما لم أجد فيه تركته. لم تخله، وكلفناه الإجابة إلى الإسلام، وغلا أوجبنا عليه القتل. وقد جعل أهل الكلام من تخلف ناظرًا فيه وفي غيره من الأديان، مقيمًا على الطاعة، مؤتمرًا بأمره. محمودًا في فعله، وهذا جهل عظيم في الإسلام وينبغي على قولهم: إذا مات في مدة النظرة والمهلة قبل قبول الإسلام أنه مات مطيعًا لله مقيمًا على أمره. لابد من إدخاله الجنة كمال يدخل المسلمون. وقد جعلوا غير المسلم مطيعًا لله، مؤتمرًا بأمره في باب الدين. وأوجبوا إدخاله الجنة. وقد قال تعالى: ﴿ومن يتغ غير الإسلام دينًا فلن

стр. 225

يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾. وقال النبي " ﷺ ": "لا دخل الجنة إلا نفس مؤمنة"، وهذال حديث ثابت لا شك فيه. ومما يدل على صحة ما ذهبنا إليه من أن الدين طريقة الإتباع: أنا إذا سلكنا طريق الإنصاف، وطرحنا التباغي والمكابرات من جانب، فلابد من الانقياد لما قلناه، لان المقصود من النظر في الابتداء، إذا كان هو إصابة الحق، فليتدبر المرء المسترشد أحوال هؤلاء الناظرين، وكيف تحيروا في نظرهم وارتكسوا فيه، فلئن نجا واحد بنظره، فقد هلك فيه الألوف من الناس، وغلى أن يبصر واحد فواحد بنظرة طريق الحق بنظر رحمة سبق من الله له، فقد ارتطم ب طريق الكفر والضلالات والبدع بنظرهم أضعاف عدد الأولين. وهل كانت الزندقة والإلحاد وسائر أنواع الكفر والضلالات والبدع منشؤها وابتداؤها إلا من النظر، ولو أنهم أعرضوا عن ذلك، وسلكوا طريق الإتباع، ما أداهم إلى شيء منها، فما من هالك في العالم، إلا وبدو هلاكه من النظر ن ومات من ناج في الدين سالك سبيل الحق إلا وبدو نجاته عن حسن الإتباع. أفيستجيز مسلم أن يدعو الخلق إلى مثل هذا الطريق المظلم، ويجعله سبيل منجاتهم فكيف يجد ذولب وبصيرة أن يسلك مثل هذا الطريق وأنى له الأمان من هذه المهالك وكيف له المنجاة من أودية الكفر وعامتها بل جميعًا إنما يهبط عليها من هذه المرقاة، أعني طلب الحق من النظر، ولو أعطى الخصم النصفة لا يجد بدًا من الإقرار أن من كان غوره في النظر أكثر كان حيرته في الدين أشد وأعظم.

стр. 226

وهل رأى أحد متكلمًا أداه نظره وكلامه إلى تقوى في الدين أو ورع في المعاملات أو سداد في الطريقة أو زهد في الدنيا أو إمساك عن حرام أو شبهة أو خشوع في عبادة، أو ازدياد من طاعة، أو تورع من معصية إلا الشاذ النادر. بل لو قلبت القصة كنت صادقًا تراهم أبدًا منهمكين في كل فاحشة، متلبسين لكل قاذورة، لا يرعوون عن قبيح ولا يرتدعون من باطل إلا من عصمة الله فأين دلهم النظر على اليقين وحقيقة التوحيد، فبئس ثمرة اليقين هذا، وتعسًا لتوحيد إلى مثل هذه الأشياء، وأوردهم هذه المتالف في الدين، ومن الله التوفيق وحسن المعونة لإصابة طريق الحق والثبات عليه بمنه. وقالوا أيضًا وهو الأصل الذي يؤسسه المتكلمون والطريق الذي يجعلونه قاعدة علومهم وربما قالوا من لم يحكم هذا الأصل لم يمكنه إثبات: حدث العالم وذلك مسألة العرض والجوهر وإثباتهما. فإنهم قالوا: إن الأشياء لا تخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يكون جسمًا أو عرضًا أو جوهرًا، فالجسم ما اجتمع من الافتراق، والجوهر ما احتمل الأعراض، والعرض ما لا يقوم بنفسه، وإنما يقوم بغيره، وجعلوا الروح من الأعراض، وردوا أخبار رسول الله " ﷺ " في خلق الروح قبل الجسد، لأنه لم يوافق نظرهم وأصولهم واختراعهم، وردوا خبره " ﷺ " في خلق العقل قبل الخلق وإنما ردوا هذه الأخبار لأن العقل عندهم عرض كالروح، والعرض لا يقوم بنفسه فردوا الأخبار بهذه الطريق. وكذلك ردوا الخير الذي روى عن النبي " ﷺ " أن الموت يذبح على الصراط، لأن الموت عرض لا ينفرد بنفسه. فهذا أصلهم الثاني الذي أدى إلى رد الأخبار الثابتة عن رسول الله " ﷺ ". ومثل هذا كثير يأتي بيانه.

стр. 227

ولهذا قال بعض السلف: إن أهل الكلام أعداء الدين، لأن اعتمادهم على حدسهم وظنونهم وما يؤدي إليه نظرهم وذكرهم، ثم يعرضون عليه الأحاديث، فما وافقه قبلوه، وما خالفوه ردوه على ما سبق بيانه. وأما أهل السنة سلمهم الله، فإنهم يتمسكون بما نطق به الكتاب ووردت به السنة، ويحتجون له بالحجج الواضحة والدلائل الصحيحة على حسب ما أذن فيه الشرع وورد به السمع، ولا يدخلون بآرائهم في صفات الله تعالى ولا في غيرها من أمور الدين، وعلى هذا وجدوا سلفهم وأئمتهم. وقد قال الله تعالى ﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا. وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا﴾ وقال أيضًا ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته). وقال رسول الله " ﷺ " في خطبة الوداع، وفي مقامات له شتى، وبحضرته عامة أصحابه ﵃: ألا هل بلغت، وكان مما أنزل إليه وأمر بتبليغه أمر التوحيد، وبيانه بطريقته، فلم يترك النبي " ﷺ " شيئًا من أمور الدين وقواعده وأصوله وشرائعه وفصوله إلا بينه وبلغه على كماله وتمامه؛ ولم يؤخر بيانه عن وقت الحاجة إليه، إذ لو آخر فيها البيان لكان قد كلفهم ما لا سبيل لهم إليه. وإذا كان الأمر على ما قلناه، وقد علمنا أن النبي " ﷺ " لم يدعهم في هذه الأمور إلى الاستدلال بالأعراض والجواهر وذكر ماهيتهما. ولا يمكن لأحد من الناس أن يروي في ذلك عنه ولا عن أحد من الصحابة من هذا النمط حرفًا واحدًا فما فوقه، لا في طريق تواتر ولا آحاد. فعلمنا

стр. 228

أنهم ذهبوا خلاف مذهب هؤلاء، وسلكوا غير طريقهم، وأن هذا طريق محدث مخترع لم يكن عليه رسول الله " ﷺ " ولا أصحابه ﵃، وسلوكه يعود عليهم بالطعن والقدح، ونسبتهم إلى الجهل وقلة العلم في الدين واشتباه الطريق عليهم. وبلغني أنه كان لأبي هاشم الجبائي ابنة تسمى فاطمة، وكان أصحابه يقولون: إن فاطمة بنت أبي هاشم أعلم بالله وبطريق الحق من فاطمة بنت محمد " ﷺ " ورضي عنها فنعوذ بالله من طريق يؤدي إلى مثل هذا القول. ونسأله التوفيق لما يحب ويرضى. وإياك رحمك الله أن تشتغل بكلامهم، ولا تغير بكثرة مقالاتهم فإنها سريعة التهافت كثيرة التناقض، وما من كلام تسمعه لفرقة منهم إلا ولخصومهم عليه كلام يوازيه أو يقاربه، فكل بكل معارض، وبعض ببعض مقابل، وإنما يكون تقدم الواحد منهم، وفلجه على خصمه بقدر حظه من البيان، وحذقه في صناعة الجدل والكلام. وأكثر ما يغلب بعضهم بعضًا. إنما هو إلزام من طريق الجدل على أصول لهم ومناقضات على أقوال حفظوها عليهم، فهم يطالبونهم بقودها وطردها. فمن تقاعد عن ذلك سموه من طريق الجدل منقطعًا وجعلوه مبطلًا، وحكموا بالفلج لخصمه، والجدل لا يتبين به حق. ولا تقوم به حجة وقد يكون الخصمان على مقالتين مختلفتين، كلتاهما باطلة، ويكون الحق في ثالثة غيرهما. فمناقضة أحدهما صاحبة لا تصحح مذهبه، وإن أفسد به قول خصمه لأنهما مجتمعان في الخطأ مشتركان فيه. يقول الشاعر: حجج تهافت كالزجاج تخالها ... حقًا وكل كاسر مكسور

стр. 229

وإنما كان الأمر كذلك لأن واحدًا من الفريقين لا يعتمد في مقالته أصلًا صحيحًا وإنما هو آراء تتقابل وأوضاع تتكافأ وتتعادل ولو أنصفوا في المحاجة لزم الواحد منهم أن يتنقل عن مذهبه يوم كل كذا وكذا مرة لما يورد عليه من الإلزامات، وتراهم ينقطعون في الحجاج وينتقلون. وهذا على أنه ليس قصدهم طلب الحق، إنما طريقهم إتباع الهوى فحسب. فإذا ألزم قال: هذا إلزام توجه على لا على مذهبي، وسنأتي بعد بالجواب أو يوجد من يفصل عن هذه الشبهة ممن ينتحل ديني ومذهبي، فإذا راعينا مثل هذا لم تقم حجة على كافر أبدًا، وما هذا إلا طريق يوهم جميع الكافرين أنهم على الحق، قاتلهم الله أنى يؤفكون، وتعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. ومن قبيح ما يلزمهم في اعتقادهم أنا إذا بنينا الحق على ما قالوا وأوجبنا طلب الدين بالطريق الذي ذكروه، وجب من ذلك تكفير العوام بأجمعهم لأنهم لا يعرفون إلا الإتباع المجرد، ولو عرض عليهم طريق المتكلمين في معرفة الله تعالى ما فهمه أكثرهم. فضلًا من أن يصير فيه صاحب استدلال وحجاج ونظر، وإنما غاية توحيدهم التزام ما وجدوا عليه سلفهم وأتمتهم في عقائد الدين. والعض عليها بالنواجذ، والمواظبة على وظائف العبادات وملازمة الأذكار، بقلوب سليمة طاهرة عن الشبهات والشكوك تراهم لمن يحيدون عما اعتقدوه. وإن قطعوا إربًا إربًا، فهنيئًا لهم هذا اليقين، وطوبي لهم هذه السلامة. فإن كفروا هؤلاء الناس فهم السواد الأعظم، وجمهور الأمة، فماذا الاطى بساط الإسلام، وهدم منار الدين وأركان الشريعة. وأعلام الإسلام، والحلق هذه الدار -أعني دار الإسلام- بدار الكفر وجعل أهليهما بمنزلة واحدة، ومتى يوجد في الألوف.

стр. 230

من المسلمين على الشرط الذي يراعونه لتصحيح عرفة الله. أو لا يجد مسلم ألم هذه المقالة القبيحة الشنيعة في قلبه؟ بل لو تقطع حسرات من عظيم ما اخترعوه في الدين؟ وموهوه على الناس، كان جديرًا بذلك، وإن قالوا إنا لا نكفر العوام، فقد ناقضوا أصولهم، حين أثبتوا حقيقة المعرفة والإيمان بغير طريقها على أصولهم، وأظن أن من قال عنهم ذلك فإنما هو سلوك طريق التقية. ورد تشنيع الناس عليهم، وإلا فاعتقادهم وطريقتهم في أصولهم ما ذكرنا، والله يكفي أهل السنة والجماعة شرهم، ويرد كيدهم في نحرهم، ويلحق بهم عاقبة مكرهم بقدرته وعظيم سطوته. فصل معنى العقل ومقامه من الدين عند أهل السنة فصل: ونشتغل الآن بذكر معنى العقل ومقامه من الدين عند أهل السنة. اعلم أن مذهب أهل السنة أن العقل لا يوجب شيئًا على أحد، ولا يرفع شيئًا عنه. ولاحظ له في تحليل أو تحريم، ولا تحسين ولا تقبيح ولو لم يرد السمع ما أوجب على أحد شيء، ولا دخلوا في ثواب ولا عقاب. واستدلوا على هذا بقوله تعالى ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا﴾. وبقوله تعالى ﴿رسلًا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للنا على الله حجة بعد الرسل﴾. وقال تعالى حاكيًا عن الملائكة غيما خاطبوا به أهل النار ﴿ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا؟ قالوا بلى﴾

стр. 231

فأقام عليهم الحجة ببعثة الرسل فلو كانت الحجة لازمة بنفس العقل لم يكن بعثه للرسل شرطًا لوجوب العقوبة. وقال " ﷺ ": أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله: فدل أنه الداعي إلى الإيمان وعندهم أن الداعي إلى الإيمان هو العقل؛ وجاء الكتاب مؤيدًا لهذا. قال الله تعالى ﴿قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا الذي له ملك السموات والأرض﴾ ... الآية. فدل على أن الدعوة له وأن الحجة تقوم به، وأمثال هذه الآيات في القرآن كثيرة. وما أوحش قول من يقول إنه لا دعوة لأحد من النبيين والمرسلين إلى الإيمان على الحقيقة، وإن وجودهم وعدمهم في هذا بمنزلة واحدة. ولو لم يكونوا كان وجوب الإيمان على الناس على الجهة التي وجبت عليهم بعد وجودهم. ولاحظ لدعوتهم في هذا، وإنما الحظ لدعوتهم في الشرائع وفروع العبادات. فقد جعلوا عقولهم دعاة إلى الله تعالى. ووضعوها موضع الرسل فيما بينهم، ولو قال قائل: لا إليه إلا الله عقلي رسول الله، لم يكن مستكفرًا عند المتكلمين من جهة المعنى. فظهر فساد قول من سلك هذا. ثم نقول والله الهادي والموفق: إن الله تعالى أسس دينه وبناه على الإتباع وقبوله بالعقل. فمن الدين معقول وغير معقول، والإتباع في جميعه واجب. ومن أهل السنة من قال بلفظ آخر. قال: إن الله لا يعرف بالعقل ولا يعرف مع عدم العقل، ومعنى هذا أن الله تعالى هو الذي يعرف العبد ذاته، فيعرف الله بالله لا بغيره لقوله تعالى ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكنت الله يهدي من يشاء﴾ ولم يقل ولكن العقل، وقال تعالى ﴿يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم﴾ والآيات في هذا المعنى كثيرة. وقد ثبت أن

стр. 232

النبي " ﷺ " قال "والله لولا الله ما اهتدينا، ولا تصدقنا، ولا صلينا". فهذه الدلائل دلت أن الله تعالى هو المعرف. إلا أنه إنما يعرف العبد نفسه مع وجود العقل، لأنه سبب الإدراك والتمييز، لا مع عدمه، لأن الله تعالى قال ﴿إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون﴾. وقال ﴿إن في لك لذكرى لمن كان له قلب﴾. وقال تعالى مخبرًا عن أصحاب النار ﴿وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير﴾. والله يعطي العبد المعرفة لهدايته إلا أنه لا يحصل ذلك مع فقد العقل، وهذا كما أن العبد لا يعرف الله تعالى بجسمه ولا بشخصه ولا بروحه ولا يعرفه مع عدم شخصه وجسمه وروحه كذلك لا يعرف الله بالعقل ولا يعرفه مع عدم العقل ونظير هذا أن الولد لا يكون مع فقد الوطء، ولا يكون بالوطء، بل يكون بإنشاء الله تعالى وخلقه. وكذلك لا يكون الزرع إلا في أرض وببذر وماء، ولا يكون بذلك؛ بل يكون بقدرة الله وإنباته. قال الله تعالى ﴿أفرأيتم مات تحرثون. أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون﴾ معناه أنتم تنبتونه أم نحن المنبتون. يقال للولد زرعه الله: أي أنبته الله تعالى، وأمثال هذا كثير، والموفق يكتفي باليسير والمخذول لا يشفيه الكثير. وقد قال بعض أهل المعرفة: إنما أعطينا العقل لإقامة العبودية، لا لإدراك الربوبية فمن شغل ما أعطى لإقامة العبودية بإدراك الربوبية فأتته العبودية ولم يدرك الربوبية. ومعنى قولنا: إنما أعطينا العقل لإقامة العبودية هو انه آلة التمييز بين القبيح والحسن والسنة والبدعة، والرياء والإخلاص، ولولاه لم يكن تكليف، ولا توجه أمر ولا نهي، فإذا استعمله على قدره ولم يجاوز به حده: أداة ذلك إلى العبادة الخالصة، والثبات على السنة، واستعمال

стр. 233

المستحسنات، وترك المستقبحات. فهذا يكون معنى قول النبي " ﷺ " في الرجل يكثر الصلاة والصيام إنما يجازي على قدر عقله، وقال بعضهم العقل مدبر يدبر لصاحبه أمر دنياه وعقباه. بأول تدبيره الإشارة إلى المدبر الصائع ثم إلى معرفة النفس ثم يشير إلى صاحبه بالخضوع والطاعة لله والتسليم لأمره والموافقة له. وهذا معنى قولهم: العاقل من عقل عن الله أمره ونهيه. وقال بعضهم: العقل حجة الله على جميع الخلق لأنه سبب التكليف أن صاحبه لا يستغنى عن التوفيق في كل وقت ونفس العقل بالتوفيق كان والعاقل محتاج في كل وقت إلى توفيق جديد تفضلًا من الله تعالى ولو لم يكن كذلك لكان العقلاء مستغنين عن الله بالعقل فيرتفع عنهم الخوف والرجاء ويصيرون آمنين من الخذلان وهذا تجاوز عن درجة العبودية وتعد عنها ومحال من الأمر. إذ ليس من الحكمة أن ينزل الله تعالى أحدًا غير منزلته. فإذا أغنى عبيده عن نفسه فقد أنزلهم غير منزلتهم وجاوز بهم حدودهم ولو كان هذا هكذا لاستوى الخلق والخالق في معنى من معاني الربوبية والله تعالى ليس كمثله شيء في جميع المعاني. وقال بعضهم: العقل على ثلاثة أوجه: عقل مولود مطبوع وهو عقل بيني آدم الذي به فضل على أهل الأرض وهو محل التكليف والأمر والنهي وبه يكون التدبير والتمييز. والعقل الثاني هو عقل التأييد الذي يكون مع الإيمان معًا وهو عقل الأنبياء والصديقين. وذلك تفضل من الله تعالى

стр. 234

والعقل الثالث هو عقل التجارب والعبر وذلك ما يأخذه الناس بعضهم من بعض، ومن هذا قول من قال ملاقاة الناس تلقيح العقول. وقال بعض أهل المعرفة: مقدار العقل في المعرفة كمقدار الإبرة عند ديباج أو خز فإنه لا يمكن لبس ديباج ولا خز إلا أن يخاط بالإبرة فإذا خيط ب الإبرة فلا حاجة بها إلى الإبرة كذلك تضبط المعرفة بالعقل، لا أن المعرفة تحصل من العقل أو تثبت فيه. واعلم أن فصل ما بينتنا وبين المبتدعة هو مسألة العقل فإنهم أسسوا دينهم على المعقول وجعلوا الإتباع والمأثور تبعًا للمعقول. وأما أهل السنة قالوا: الأصل في الدين الأتباع والعقول تبع، ولو كان أساس الدين على المعقول لاستغنى الخلق عن الوحي وعن الأنبياء صلوات الله عليهم، ولبطل معنى الأمر والنهي، ولقال من شاء وما شاء. ولو كان الدين مبنى على المعقول، وجب ان يجوز للمؤمنين ان يقبلوا أشياء حتى يعقلوا. ونحن إذا تدبرنا عامة ما جاء في أمر الدين من ذكر صفات الله وما تعبد الناس من اعتقاده، وكذلك ما ظهر بين المسلمين وتداولوه بينهم، ونقلوه عن سلفهم، إلى أن أسندوه إلى رسول الله ﷺ منذ كر عذاب القبر وسؤال الملكين والحوض والميزان والصراط وصفات الجنة وصفات النار، وتخليد الفرقين فيهما، أمور لا تدرك حقائقها بعقولنا. وإنما ورد الأمر بقبولها والإيمان بها، فإذا سمعنا شيئًا من أمور الدين وعقلناه وفهمناه، فلله الحمد في ذلك والشكر ومنه التوفيق، وما لم يمكننا إدراكه وفهمه، ولم تبلغه عقولنا آمنات به وصدقنا واعتقدنا أن هذا من قبل ربوبيته وقدرته واكتفينا في ذلك بعلمه ومشيئته. وقال تعالى في مثل هذا ﴿ويسألونك عن الروح قل

стр. 235

الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا﴾ وقال الله تعالى ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء﴾. ثم نقول لهذا القائل الذي يقول بني ديننا على العقل وأمرنا بإتباعه أخبرنا إذا أتاك أمر من الله تعالى يخالف عقلك فبأيهما تأخذ؟ بالذي تعقل أو بالذي تؤمر؟ فإن قال بالذي أعقل فقد أخطأ، وترمك سبيل الإسلام وإن قال: إنما آخذ بالذي جاء من عند الله فقد ترك قوله. وإنما علينا أن نقبل ما عقلناه إيمانًا وتصديقًا، وما لمك نعقله قبلناه تسليمًا واستلامًا، وهذا معنى قول القائل من أهل السنة: إن الإسلام قنطرة لا تعبر إلا بالتسليم. فنسأل الله التوفيق فيه والثبات عليه وان يتوفانا على ملة رسول الله النبي " ﷺ " بمنه وفضله. هذا آخر ما لخصته من كلام ابن السمعاني. ذكر كلام إمام الحرمين ذكر كلام إمام الحرمين أبي المعالي الجويني في ذلك" قال ابن السمعاني في تاريخه سمعت أبا روح الفرج بن أبي بكر الأرموي يقول سمعت الفقيه غانمًا يقول سمعت إمام الحرمين أبا المعالي الجويني يقول: لو استقبلت من

стр. 236

أمري ما استدبرت ما اشتغلت بالكلام، وقال الإسنوي في طبقاته في ترجمة أبي الغنائم بن حسين الإرموي: جلس إلي إمام الحرمين وسأله أن يقرأ عليه شيئًا من علم الكلام فنهاه عن ذلك وقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما قرأته. وقال ابن الجوزي في تلبيس إبليس: كان أبو المعالي الجويني يقول: ل قد خليت أهل الإسلام وعلومهم وركبت البحر الأعظم وغصت في كل ذلك في طلب الحق وهربًا من التقليد، والآن فقد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق: عليكم بدين العجائز فإن لم يدركني الحق بلطف فأموت على دين العجائز وتختم علي فيه أمري بكلمة الإخلاص فالويل لابن الجويني. وكان يقول لأصحابه. لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما تشاغلت به. ذكر كلام الغزالي في التفرقة بين الإيمان والزندقة "ذكر كلام حجة الإسلام أبي حامد الغزالي في ذلك" قاله في كتابه التفرقة بين الإيمان والزندقة.

стр. 237

"فصل" من أشد الناس غلوًا وإسرافًا طائفة من المتكلمين كفروا عوام المسلمين. وزعموا أن من لا يعرف الكلام معرفتنا، ولم يعرف العقائد الشرعية بأدلتها التي حررناها، فهو كافر. فهؤلاء ضيقوا رحمة الله على عباده أولًا. وجعلوا الجنة وقفًا على شرذمة يسيرة من المتكلمين، ثم جهلوا ما تواتر من السنة ثانيًا. إذ ظهر رسول الله " ﷺ " وعصر الصحابة حكمهم بإسلام طوائف من أجلاف العرب كانوا مشتغلين بعبادة الوثن، ولم يشتغلوا بتعليم الدليل. ولو اشتغلوا بها لم يفهموها ومن ظن أن مدرك الإيمان الكلام والأدلة المحررة والتقسيمات المرتبة فقد أبعد لا: بل الإيمان نور يقذفه الله في قلب عبده عطية وهدية من عنده؛ تارة بتنبيه من الباطن لا يمكن التعبير عنه، وتارة يسبب رؤيا في المنام، وتارة بمشاهدة حال رجل متدين وسراية نوره إليه عند صحبته ومجالسته، وتارة بقرينة حال. فقد جاء أعرابي إلى النبي ﵇ جاحدًا له منكرًا، فلما وقع بصره على طلعته البهية، فرآها تتلألأ منها أنوار النبوة قال: والله ما هذا بوجه كذاب. وسأل أن يعرض عليه الإسلام وجاء ﵇ آخر فقال: أنشدك الله: الله بعثك نبيًا؟ فقال: أي والله، الله بعثني نبيًا، فصدقه بيمينه وأسلم. وهذا وأمثاله مما لا حصى ولم يشتغل واحد منهم بالكلام ويعلم الأدلة بل كان يبدو نور الإيمان أولًا بمثل هذه القرائن في قلوبهم لمعة بيضاء. ثم لا تزال تزداد إشراقًا بمشاهدة

стр. 238

تلك الأحوال العظيمة وبتلاوة القرآن وتصفية القلب. فليت شعري متى نقل عن الرسول ﵇ وعن الصحابة إحضار أعرابي أسلم وقولهم له: الدليل على أن العالم حادث أن لا يخلو عن الأعراض، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث. وان الله تعالى عالم بعلم وقادر بقدرة زائد على الذات لا هو ولا هو غيره، إلى غير ذلك من رسوم المتكلمين. ولست أقول لم تجر هذه الألفاظ، بل لم يجر أيضًا ما معناه معنى هذه الألفاظ، بل كان لا تنكشف ملحمة إلا عن جماعة من الأجلاف، يسلمون تحت ظلال السيوف، وجماعة من الأساري يسلمون واحدًا واحدًا بعد طول الزمان أو على القرب. فكانوا إذا نطقوا بكلمة الشهادة علموا الصلاة والزكاة وردوا إلى صناعتهم من رعاية الغنم أو غيرها. نعم لست أنكر أن يكون ذكر أدلة المتكلمين أحد أسباب الإيمان في حق بعض الناس ولكن ليس ذلك بمقصور عليه وهو أيضًا نادر بل لا ينفع إلا الكلام الجاري في معر ض الوعظ كما يشتمل عليه القرآن. فأما الكلام المحرر على رسم المتكلمين فإنه يشعر نفوس المستفهمين بأن فيه صنعة جدل يعجز عنه العامي لا لكونه حقًا في نفسه، وبه يكون ذلك سببًا لرسوخ العبادة في قلبه: ولذلك لا يرى مجلس مناظرة المتكلمين ولا الفقهاء يكشف عن واحد انتقل من الاعتزال إلى غيره، ولا عن مذهب الشافعي إلى مذهب أبي حنيفة، ولا على العكس. وتجرى هذه الانتقالات بأسباب آخر، حتى في القتال بالسيف. ولذلك، لم تجر عادة السلف بالدعوة بهذه

стр. 239

المجادلات - بل شددوا القول على من يخوض في الكلام ويشتغل بالبحث والسؤال. وإذا تركنا المداهنة، ومراقبة الجوانب، صرحنا بأتن الخوض في الكلام حرام لكثرة الآفات. إلا لأحد شخصين: رجل وقعت له شبهة، ليست نزول بكلام قريب وعظى عن قلبه، ولا يخبر نقلي، فيجوز أن يكون القول المرتب رافعًا شبهة تدخل له في مرضه فليستعمل معه ويحرس عنه سمع الصحيح الذي ليس به ذلك المرض. فإنه يوشك أن يحرك في نفسه إشكالًا، ويثير له شبهة تمرضه، وتستنزله عن اعتقاده المجزوم الصحيح، والثاني: شخص كامل العقل راسخ القدم في الدين، ثابت الإيمان بأنوار النفس يريد أن يحصل هذه الصنعة ليداوي بها مريضًا إذا وقعت له شبهة. وليفحم ب ها مبتدعًا إذا - نبغ الله - وليحرس ب هـ معتقده، إذا قصد مبتدع إغواءه، فتعلم ذلك - لهذا الغرض - من فروض الكفايات، وتعلم قدر ما يزيل الشك والشبهة في حق المشكك، فرض عين إذا لم يكن إعادة اعتقاده المحرم بطريق آخر سواه. والحق الصريح أن كل منه اعتقد ما جاء به الرسول " ﷺ " واشتمل عليه القرآن اعتقادًا حتميًا فهو مؤمن. وإن لمي عرف أدلته، بل الإيمان المستفاد من الدليل الكلامي ضعيف جدًا، مشرف على التزلزل

стр. 240

بكل شبهة، بل الإيمان الراسخ، إيمان العوام، الحاصل في قلوبهم من الصبي بتواتر السماع والحاصل بعد البلوغ بقران لا يمكن التعبير عنها، وتمام تأكده بملازمة العبادة والذكر. فإن تأدت به العبادة إلى حقيقة التقوى وتطهير الباطن عن كدورات الدنيا وملازمة ذكر الله تعالى دائمًا، تجلت له أنوار المعرفة وصارت الأمور التي كان قد أخذها تقليدًا عنده كالمعاينة والمشاهدة. وذلك حقيقة المعرفة التي لا تحصل إلا بعد انحلال عقدة الاعتقادات وانشراح الصدر بنور الله ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام فهو على نور من ربه﴾ كما سئل رسول الله " ﷺ " عن معنى شرح الصدر فقال: نور يقذف في قلب المؤمن. فقيل وما علامته؟ فقال: التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود. فبهذا يعلم أن المتكلم المقبل على الدنيا، المتهالك عليها، غير مدرك حقيقة المعرفة ولو أدركها لتجافى عن دار الغرور قطعًا. كلام الغزالي في الإحياء وقال: في الإحياء: المقصود من الكلام حماية المعتقدات التي نقلها أهل السنة عن السلف لا غيره، وما وراء ذلك طلب لكشف حقائق الأمور منه بمعتقد مختصر، وهو القدر الذي أوردناه في كتاب قواعد العقائد من جملة هذه الكتب، والاقتصار فيه ما يبلغ قدر مائة ورقة، وهو القدر

стр. 241

الذي أوردناه في كتاب الاقتصاد في الاعتقاد، ويحتاج إليه لمناظرة مبتدع، ومعارضة بدعة بما يفسدها، وينزعها عن قلب العامي، وذلك لا ينفع إلا مع العوام قبل اشتداد بعضهم. وأما المبتدع بعد أن تعلم من الجدل ولو شيئًا يسيرًا فقل ما ينفع معه الكلام فإنك [إن أفحمته] لم يترك مذهبه، وأحال بالقصور على نفسه وقدر أن عند غيره جوابًا ما هو عاجز عنه، وإنما أنت ملبس بقوة المجادلة. وأما العامي إذا صرف عن الحق بنوع جدل فيمكن أن يرد إليه بمثله قبل أن يشتد التعصب في الأهواء - فإذا اشتد تعصبهم- انقطع الناس عنهم إذ التعصب سبب ترسخ العقائد في القلوب وهذا أيضًا من آفات علماء السوء فإنهم يبالغون في التعصب للحق وينظرون إلى المخالفين بعين الازدراء فينبعث منهم الدعاوي بالمكافأة والمقابلة- ويتوفر بواعثهم على طلب نصرة الباطل- ويقوي غرضهم في التمسك بما نسبوا إليه. ولو جاءوا من جانب اللطف والرحمة، والنصح في الخلوة لا في معرض الغضب والتحقير لأنجحوا فيه، ولكن لما كان الجاه لا يقوم إلا بالاستتباع ولا يستميل الأتباع مثل الغضب واللعن والشتم للخصوم، اتخذوا التعصب عادتهم وآلهتهم.

стр. 242

(وسموه ذبا عن الدين ونضالًا عن المسلمين وفيه على التحقيق هلاك الخلق ورسوخ البدعة في النفوس). مناظرة جرت بين متى بن يونس القنائي الفيلسوف وبين أبي سعيد السيرافي رحمة الله عليه قال أبو حيان: ذكرت للوزير مناظرة جرت في مجلس الوزير أبي الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات بين أبي سعيد السيرافي وأبي بشر متى واختصرتها فقال لي: أكتب هذه المناظرة على التمام، فإن شيئًا يجري في ذلك المجلس النبيه ومن هذين الشيخين بحضرة أولئك الأعلام ينبغي أن يغتنم سماعه، وتوعى فوائده ولا يتهاون بشيء منه، فكتبت:

стр. 243

حدثني أبي سعيد بلمع من هذه القصة. فأما علي بن عيسى النحوي الشيخ الصالح، فإنه رواها مشروحة. قال: لما انعقد المجلس سنة عشرين وثلثمائة قال الوزير ابن الفرات للجماعة- وفيهم الخالدي وابن الأخشيد والكندي وابن أبي بشر وابن رباح وابن كعب وأبو عمر وقدامة بن جعفر والزهري وعلي بن عيسى بن الجراح وأبو فراس وابن رشيد وابن عبد العزيز الهاشمي وابن يحيى العلوي ورسول ابن طغج من مصر والمرزباني صاحب بني سامان- أريد أن ينتدب منكم إنسان لمناظرة متى في حديث المنطق فإنه يقول: لا سبيل إلى معرفة الحق من الباطل، والصدق من الكذب، والخير من الشر، والحجة من الشبهة، والشك من اليقين، إلا بما حويناه من المنطق وملكناه من القياس- واستفدناه من واضعه على مراتبه وحدوده وأطلعنا عليه من جهة اسمه على حقائقه فأحجم القوم وأطرقوا. فقال ابن الفرات: والله إن فيكم لمن يفي بكلامه ومناظرته - وكسر ما يذهب إليه- وإني لأعدكم في العلم بحارًا، وللدين وأهله أنصارًا، وللحق وطلابه منارًا- فما هذا التغامز والتلامز، اللذات تجلون عنهما؟ فرفع أبو سعيد السيرافي رأسه - وقال: أعذر أيها الوزير. فإن العلم المصون في الصدور- غير العلم المعروض في هذا المجلس؟ على الأسماع المصيخة، والعيون المحدقة، والعقول الجامدة- والألباب النافذة- لأن هذا يستصحب الهيبة، والهيبة مكسرة - ويجتلب الحيا - والحيا مغلبة، وليس البراز في معركة غاضة، كالمصراع في بقعة خاصة- فقال ابن الفرات: أنت لها

стр. 244

يا أبا سعيد: باعتذارك عن غيرك، يوجب عليك الانتصار لنفسك - والانتصار لنفسك راجع على الجماعة بفضلك. فقال أبو سعيد: مخالفة الوزير فيما يأمره حجنة، والاحتجان عن رأيه إخلاد إلى التقصير. ونعوذ بالله من زلة القدم، وإياه نسأل عن حسن التوفيق في الحرب والسلم. ثم واجه متى فقال: حدثني عن المنطق ما تعني به؟ فإنا إذا فهمنا مرادك فيه، كان كلامنا معك في قبول صوابه، ورد خطئه، على سنن مرضي وعلي طريقة معروفة. قال متى: أعني به أنه آلة من الآلات يعرف به صحيح الكلام من سقيمه، وفاسد المعنى من صالحه، كالميزان، فإني أعرف به الرجحان من النقصان والشائل من الجانح. فقال له أبو سعيد: أخطأت لأن صحيح الكلام من سقيمه، يعرف بالعقل إن كنا نبحث بالعقل- هبك عرفت الراجح من الناقص من طريق الوزن من ذلك بمعرفة الموزون؟ أهو حديد، أو ذهب، أو شبة، أو رصاص؟ وأراك بعد معرفة الوزن، فقيرًا إلى معرفة جوهر الموزون، وإلى معرفة قيمته، وسائر صفاته، التي يطول عدها. فعل هذا لم ينفعك الوزن الذي كان عليه اعتمادك، وفي تحقيقه، كان اجتهادك، إلا نفعًا يسيرًا من وجه واحد، وبقيت عليك وجوه، كانت كما قال الأول: حفظت شيئًا وضاعت منك أشياء وبعد: فقد ذهب عليك شيء هاهنا، ليس كل ما في الدنيا بوزن، بل منها ما يوزن ومنها ما يكال: وفيها ما يذرع، وفيها ما يمسح، وفيها ما يحزر، وهذا- وإن كان هكذا في الأجسام المرئية -فإنه أيضًا على ذلك في المعقولات

стр. 245

المقروءة، والأجسام ظلال العقول. وهي تحكيها بالتبعيد والتقريب، مع الشبه المحفوظ والمماثلة الظاهرة، ودع هذا- إذا كان المنطق وضعه رجل من يونان على لغة أهلها واصطلاحهم عليها، وما يتعارفون هبها من رسومها وصفاتها، من أين يلزم الترك والهند والفرس والعرب أن ينظروا فيه؟ ويتخذوه حكمًا لهم وعليهم؛ وقاضيًا بينهم، ما شهد له، قبلوه، وما أنكره رفضوه. قال متى: إنما لزم ذلك لأن المنطق بحث في الأعراض المعقولة، والمعاني المدركة، وتصفح للخواطر السانحة، والسوانح الهاجسة. والناس في المعقولات سواء. ألا ترى أن أربعة وأربعة ثمانية عند جميع الأمم - وكذلك ما أشبهه. قال أبو سعيد: لو كانت المطلوبات بالعقل والمذكورات باللفظ ترجع مع شعبها المختلفة وطرائقها المتباينة إل هذه المرتبة البينة في أربعة وأربعة أنهما ثمانية، زال الاختلاف، وحضر الاتفاق. ولكن ليس الأمر هكذا - ولقد موهت بهذا المثال. ولكم عادة في مثل هذا التمويه- ولكن ندع هذا أيضًا، إذا كانت الأغراض المعقولة والمعاني المدركة لا يوصل إليها إلا باللغة الجامعة للأسماء والأفعال والحروف. أفليس قد لزمت الحاجة إلى معرفة اللغة؟ قال: نعم. قال: أخطأت، قل في هذا الموضع: بلى. قال متى: بلى. أنا أقلدك في مثل هذا - قال أبو سعيد: فأنت إذًا لست تدعونا إلى تعلم علم المنطق- بل إلى تعلم اللغة اليونانية، وأنت لا تعرف لغة يونان، فكيف صرت

стр. 246

تدعونا إلى لغة لا تفي بها وقد عفت منذ زمان طويل، وباد أهلها، وانقرض القوم الذين كانوا يتفاوضون بها، ويتفاهمون أغراضهم بتصرفها. على أنك تنقل من السريانية، فما تقول في معان متحولة بالنقل من لغة يونان إلى لغة أخرى سريانية، ثم من هذه إلى لغة أخرى عربية؟ . قال متى: يونان وإن بادت مع لغتها، فإن الترجمة قد حفظت الأغراض وأدت المعاني، وأخلصت الحقائق. قال أبو سعيد: إذا سلمنا لك أن الترجمة صدقت، وما كذبت، وقومت، وما حرفت ووزنت، وما خزمت، وأنها التاثت، ولا حافت، ولا نقصت، ولا زادت، ولا قدمت، ولا أخرت - ولا أخلت بمعنى الخاص والعام، ولا بأخص الخاص ولا بأعم العالم - وإن كان هذا لا يكون - وليس في طبائع اللغات ولا في مقادير المعاني. فكأنك تقول بعد هذا لا حجة إلا عقول يونان، ولا برهان إلا ما وصفوه، ولا حقيقة إلا ما أبرزوه. قال متى: لا - ولكنهم من بين الأمم أصحاب عناية بالحكمة، والبحث عن ظاهر هذا العالم وباطنه، وعن كل ما يتصل به وينفصل عنه، وبفضل عنايتهم ظهر ما ظهر، وانتشر ما انتشر، وفشا ما فشا، ونشأ ما نشأ من أنواع العلم وأصناف الصناعة - ولم نجد هذا لغيرهم. قال أبو سعيد: أخطأت وتعصبت، وملت مع الهوى، فإن العلم مبثوث في هذا العالم. ولهذا قال القائل: العلم في العالم مبثوث ... ونحوه العاقل محثوث

стр. 247

وكذلك في الصناعات مفضوضة على وجه الأرض، ولهذا غلب علم في مكان دون مكان، وكثرت صناعة في بقعة دون صناعة، وهذا واضح والزيادة عليه مشغولة ومع هذا فإنما كان يصح قولك، وتسلم دعواك، لو كانت يونان معروفة من بين جميع الأمم بالعصمة العالية، والفطرة الظاهرة، والبنية المخالفة. وأنهم لو أرادوا أن يخطئوا ما قدروا، ولو قصدوا أن يكذبوا ما استطاعوا، وأن السكينة نزلت عليهم، والحق تكفل بهم، والخطأ تبرأ منهم، والفضائل لصقت بأصولهم وفروعهم، والرذائل بعدت عن جواهرهم وعروقهم. وهذا جهل ممن يظنه، بهم، وعناد ممن يدعيه عليهم، بل كانوا كغيرهم من الأمم يصيبون في أشياء، ويصدقون في أمور ويكذبون في أمور، ويحسنون في أحوال ويسيئون في أحوال. وليس واضع المنطق يونان بأسرها، إنما هو رجل منهم. وقد أخذ عمن قبله، كما أخذ عنه من بعده. وليس هو حجة على هذا الخلق الكثير، وله مخالفون منهم ومن غيرهم. ومع هذا فالاختلاف في الرأي والنظر والبحث والمسألة والجواب طبيعة، فكيف يجوز أن يأتي رجل بشيء رفع به هذا الخلاف، أو يخلخله، أو يؤثر فيه؟ هيهات هذا محال ولقد بقي العالم بعد منطقه، على ما كان قبل منطقه. فامسح وجهك بالسلوى

стр. 248

عن شيء لا يستطاع، لأنه معتقد بالفطرة والطباع. وأنت فلو فرغت بالك، وصرفت عنايتك إلى معرفة هذه اللغة التي تحاورنا بها، وتجاربنا فيها، لعلمت أنك غني عن معاني يونان، كما أنك غني عن لغة يونان. وههنا مسألة أتقول: إن الناس عقولهم مختلفة وأنصباؤهم منها متفاوتة؟ قال متى: نعم. قال: فهذا الاختلاف والتفاوت بالطبيعة أو الاكتساب؟ قال: بالطبيعة. قال: فمكيف يجوز أن يكون هاهنا شيء يرتفع به الاختلاف الطبيعي والتفاوت الأصلي؟ قال متى: هذا قد مر في جملة كلامك آنفًا. قال أبو سعيد: فهل فصلته بجواب قاطع وبيان ناصع؟ ودع هذا. أسألك عن حرف واحد، هو دائر في كلام العرب، ومعانيه متميزة عند أهل العقل، فاستخرج أنت معانيه، من ناحية منطق أرسطاطاليس، الذي تدل به، وتباهى بتفخيمه وهو الواو، ما أحكامه، وكيف مواقعه، وهل هو على وجه واحد أو على وجوه؟ فبهت متى وقال: هذا نحو والنحو لم أنظر فيه لأنه لا حاجة بالمنطقي إلى النحو، وبالنحو حاجة إلى المنطق لان المنطق يبحث عن المعنى

стр. 249

والنحو يبحث عن اللفظ، فإن مر المنطقي باللفظ، فبالعرض. وإن عبر النحوي بالمعنى، فبالعرض. والمعنى أشرف من اللفظ، واللفظ أوضع من المعنى. قال أبو سعيد: أخطأت. لأن المنطق واللغة واللفظ والإفصاح والإعراب والإنباء والحديث والأخبار كلها من واد واحد بالمشاكلة والمماثلة ألا ترى أن رجلًا لو قال: نطق زيد بالحق، ولكن ما تكلم بالحق، وتكلم بالفحش، ولكن ما قال الفحش، لكان محرفًا وواضعًا للكلام في غير حقه، ومستعملًا للفظ على غير شهادة من عقله وعقل غيره. والنحو منطق، ولكنه مسلوخ من العربية، والمنطق نحو، ولكنه مفهوم باللغة. وإنما الخلاف بين اللفظ والمعنى: أن اللفظ طبيعي، والمعنى عقلي. وقد بقيت أنت، بلا اسم لصناعتكم التي تنتحلها، وآلتك التي تزهى إلا أن تستعير من العربية لها اسمًا فتعار. وإذا لم يكن لك بد من قليل هذه اللغة، من أجل الترجمة، فلابد لك أيضًا من كثيرها من أجل تحقيق الترجمة، والتوقي من الخلة اللاحقة لك. قال متى: يكفيني من لغتكم هذا الاسم والفعل والحرف، فإني أتبلغ بهذا القدر إلى أغراض قد هذبتها إلى يونان. قال أبو سعيد: أخطأت. لأنك في هذا الاسم والفعل والحرف فقير إلى وضعها وبيانها، على الترتيب الواقع في غرائز أهلها. وكذلك أنت محتاج بعد هذا إلى حركات هذه الأسماء والأفعال والحروف. فإن الخطأ والتحريف في الحركات كالخطأ والفساد في المتحركات، وهذا باب أنت وأصحابك ورهطك عنه في غفلة. على أن هاهنا سرًا ما علق بك: وهو أن

стр. 250

لغةً من اللُّغات لا تطابق لغة أخرى من جميع جهاتها بحدود صفاتها من في أسمائها وأفعالها وحروفها وتأليفها وتقديمها وتأخيرها واستعارتها وتحقيقها وتشديدها وسعتها وضيقها ونظمها ونثرها وسجعها ووزنها وميلها وغير ذلك مما يطول ذكره. وما أظن أحدًا يدفع هذا الحكم، ويشك في صوابه ممن يرجع إلى مسكة من عقل أو نصيب من إنصاف فمن أين يجب أن تثق بشيء ترجم لك على هذا الوصف؟ بل أنت إلى أن تعرف اللغة العربية، أحوج منك إلى أن تعرف المعاني اليونانية. وحدثني عن قائل قال لك: حالي في معرفة الحقائق والتصفح لها والبحث عنه، حال قوم كانوا قبل واضع المنطق، أنظر كما نظروا، وأتدبر كما تدبروا، لأن اللغة كما عرفتها بالمنشأ والوراثة، والمعاني نقرت عنها بالنظر والرأي، ما تقول له؟ لا يصح له هذا الحكم، ولا يستتب هذا الأمر، لأنه لم يعرف هذه الموجودات من الطريقة التي عرفتها أنت. ولعلك تفرح بتقليدك، وإن كان على باطل، أكثر مما تفرح باستبداده، وإن كان على حق، وهذا هو الجهل المبين، والحكم الغير مستبين، ومع هذا فحدثني عن الواو ما حكمه؟ فإني أريد أن أبين أن تفخيمك للمنطق لا يغني عنك شيئًا، وقد سألتك عن معنى حرف واحد، فكيف لو نثرت عليك الحروف كلها وطالبتك بمعانيها ومواضعها التي لها بالحق، والتي لها بالتجوز.
следующие страницы →