Полный текст (255 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
صون المنطق والكلام عن فني المنطق والكلام
للإمام جلال الدين السيوطي
تحقيق الدكتور/
علي سامي النشار
السيدة سعاد علي عبد الرازق
стр. 2
تقديم بقلم الدكتور عبد الحليم محمود الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين -والصلاة والسلام -على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين. وبعد:
فتتسم الحضارة الإسلامية بالشمول والكلية.
إنها شاملة لمجالات الروح والبدن تعطى كل واحد منهما قسطه من الحياة في تناغم متناسق منسجم يحقق للفرد وللجماعة الأمن والطمأنينة والاستقرار. وهى كلية تهب الإنسان رحابه في الحياة يتجدد له بها عيش مرضياً عنه من الله والملائكة والناس أجمعين.
والحضارة الإسلامية بهذا تخلق أمة عملاقة في صنع الخير لجميع الناس.
ولقد زخرت المكتبة العربية الإسلامية بالكثير من إنتاج علماء الإسلام في مجال المعرفة والثقافة الإسلامية.
لقد ملأ علماء الإسلام مكتبات الدنيا بعلمهم ومعارفهم وكان في هذا العلم وفي هذه المعرفة درس وتعاليم عن المنهج وطرق البحث فغرف كل ظامئ من هذه المناهل فكانت حضارات الأمم في هذا المجال الفكري نبتاً يترعرع على ري علماء الإسلام.
لقد ولدت الحضارة الإسلامية حضارات في الغرب والشرق، حضارات
стр. 3
قلدت حضارة الإسلام في أن تقدم للإنسانية الخير والطمأنينة والأمن والاستقرار، لكنها لم تفلح.
لقد تركزت حضارة الإسلام في جوهر العقيدة وخلقت الفرد المطمئن المستقر في وجدانه وعقليته وعواطفه.
لكن التقليد غالبًا ما يكون داء، لذا أخفقت الحضارات التقليدية لأنها جذور على السطح دائمًا ولأنها خلو من الإيمان بربها فكانت زيدًا زيداً يذهب جفاء.
﴿وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض﴾ بإذن الله تعالى.
ولقد كانت المخطوطات الإسلامية علمًا ينفع الله به، وكان من حق أجيال ستأتي، أن تربط حبائل الفكر عندها بركائز الفقه والعلم والمعرفة عند أسلافهم، فكان من أقدس الأعمال وأنفسها أحياء هذا التراث الذي كان عمادًا الحضارات قامت ويكون عمادًا لحضارة أمةً يجب أن تستمر في رحاب من رضوان ربها، وسعة من أمن دينها وفسحة من الثقة برسالتها.
ويسر الأمانة العامة لمجمع البحوث الإسلامية أن تقدم للعالم الإسلامي سلسلة جيدة في إحياء التراث الإسلامي، خدمة للدين والعلم وإحياء لمجد جدير بالتقدير والاحترام خليق بالاعزاز ونستفتح هذه السلسلة على بركة بكتاب: «صور المنطق» لمؤلفه الإمام السيوطي.
وهو كتاب غني عن التعريف به والإشادة بذكره.
والله نسأل أن ينفع به وهو وحده الموفق والمعين.
الدكتور عبد الحليم محمود
الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية
стр. 4
مقدمة الطبعة الثانية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وعلى المسلمين أجمعين.
وبعد: فهذه هي مقدمة الطبعة الثانية لكتاب صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام. وقد سبق أن أستاذي الدكتور على سامي النشار بتحقيق هذا الكتاب ونشره عام ١٣٦٦ هـ - ١٩٤٦ م.
وكان قد أتم ذلك عن نسخة وحيدة بالمكتبة الأزهرية بالقاهرة. وقد رأى أستاذنا الكبير الدكتور عبد الحليم محمود: أمين عام مجمع البحوث الإسلامية. وعالم الإسلام العظيم. أن يقدم للقارئ العربي طبعة جديدة في صورة محدثة أنيقة. ومراجعات جديدة في ضوء مجموعة كبيرة من الكتب لم تكن قد ظهرت حين ظهور الطبعة الأولى ومن أهم هذه الكتب "كتاب الشريعة للآجدى عام ١٩٥٢" وقد أورد السيوطي نصوصا كثيرة منه كذلك كتاب "الرعاية للمحاسبي" وقد نشره الأستاذ الدكتور عبد الحليم محمود والأستاذ طه عبد الباقي سرور وقد نقل السيوطي أيضا نصوصا منه .. وكتاب البخاري في خلق أفعال العباد وقد نقل السيوطي فقرة منه.
وحين قررنا للقيام بنشره هذه الطبعة الثانية -بناء على رغبة الأستاذ الدكتور عبد الحليم محمود كما قامت -بدأت وأستاذي الدكتور علي النشار
стр. 5
بمراجعة الطبعة الأولى على مخطوط (صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام) ولدينا للصورة الفوتوغرافية لهذا المخطوط .. وسننشر منها صفحتين في هذه الطبعة .. ثم أتبعنا هذا بمراجعة كتاب (صون المنطق والكلام) على الكتب المنشورة التي أشرنا إليها آنفًا .. وكذلك قمت بتنظيم الكتاب تنظيمًا دقيقًا فقسمت الفقرات الكبيرة التي ظهرت في الطبعة الأولى مسترسلة إلى فقرات أصغر. حتى تسهل القراءة على القارئ .. مما جعل الكتاب يبدو في صورة جديدة تختلف عن صورته الأولى ..
أما عن مادة الكتاب، فإننا نعلم أن الكتاب قد ألفه السيوطي لكي يثبت إتقانه للمنطقة .. وكان المنطق قد أعتبر شرطًا من شروط الاجتهاد وكان السيوطي يدعي الاجتهاد المطلق .. فكتب كتابه هذا (صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام) وهو صرخة حضارية، قامت بها الروح الإسلامية تجاه علم من علوم الأوائل .. وهو المنطق الأرسططاليس وتجاه علم يستند على العقل والرأي .. وهو علم الكلام.
أما عن موقف الروح الإسلامية عن المنطق اليوناني .. فإن النقد الباطني للنصوص المختلفة التي أوردها السيوطي تبين:
أولا: أن هذا المنطق ترف عقلى .. لجأ إليه اليونان .. ولم يصل بهم إلى علم يقيني.
ثانيًا: أن هذا المنطق لا يمكن أن يكون الصورة الوحيدة لليقين، فهناك صورة أخرى لليقين .. لا يعرفها هذا المنطق ولا أصحابه الأصليون وأتباعهم من المشائين الإسلاميين ..
ثالثا: إن هذا المنطق المستند على اللغة اليونانية ويسميها السيوطي هنا -لسان يونان -لا يتفق أبدًا مع المنطق الذي يجب أن يصدر من الروح الإسلامية نفسها .. مستندًا على "عبقرية اللغة العربية".
стр. 6
وقد استند السيوطي في نقده الأخير هذا على "الإمام الشافعي". والشافعي أعظم من أدرك بيقين نافذ استناد المنطق اليوناني على عبقرية اللغة اليونانية وخصائصها مما يحول دون تطبيقه على أبحاث تقوم أساس على العربية. ونحن نعلم أن الشافعي قد وضع أصول الفقه .. وطريقه الكبير "القياس الأصولي" بلغة الأصوليين الفقهاء .. وقياس الغائب على الشاهد .. بلغة الأصوليين المتكلمين .. " وهو طريق يختلف في كلياته وفي جزئياته عن القياس الأرسططاليس المشهور. كان الأول يمثل المنهج الاستقرائي .. بينما يمثل الثاني المنهج القياسي أو الاستنباطي.
وكل من المنهجين يمثل حضارة مختلفة عن الأخرى أشد الاختلاف .. أما عن موقف الروح الإسلامية من علم الكلام. فهو موقف يختلف عن المنطق فقد كان علم الكلام في بدئه عالما حادثا في الإسلام .. احتيج إليه زمنا ما لرد عادية التيارات الخارجية التي هاجمت الإسلام .. وكان أهم هذه التيارات المسيحية واليهودية والغنوصية والفلسفة اليونانية .. ولكن ما لبث علم الكلام أن تشقق أصحابه وتفيهقوا.: وكانت ميزاته إثارة الجدل الميتافيزيقي الذي لا طائل تحته. والجدل السياسي الذي استقر أوراه وقضى على سلطان المسلمين. وكان الكلام يستند على العقل ويخوض في المسائل الإلهية .. ويخلط فلسفة اليونان بعقائد المسلمين .. ورأي أهل الفقه من ناحية وأهل الحديث من ناحية أخرى أن هذا الكلام المستند على هوى العقل قد أفسد الحياة الإسلامية .. وفرق المسلمين فرقا وشيعا .. فشغلوا به عن كل شيء وما أجمل عبارة أمام دار الهجرة "مالك بن أنس" -والتي أوردها السيوطي -والكلام في الدين أكرهه. ولا أحب الكلام إلا فيما تحته عمل" .. هذه هي الروح العملية البرجمندكية .. التي ينبغي أن تسود
стр. 7
الحياة الإسلامية .. وتسيطر على تطورها .. ولقد رأى السيوطي أن يقدم لنا نصوصا نادرة .. وفي تسلسل تاريخي وموضوعي عن أقوال وآراء السلف في تحريم النظر في الالهيات ..
* * *
وأخيرًا أود أن أقدم شكري مرة ثانية للأستاذ الأكبر الدكتور الشيخ عبد الحليم محمود .. الذي تفضل مشكورًا وطلب منا إعداد هذه الطبعة الثانية .. ولعل الله أن ينفع بها العلم والعلماء .. وأن يستبصر بهديها المستبصرون .. وأن يفتح بها للمسلمين والمسلمات آفاقا جديدة من الفكر ..
وأن يعلموا أن للعقل حدوده وأن له قيوده .. والله من ورائهم محيط ..
ومنه وحده الهدى والتوفيق.
سعاد على عبد الرازق
الإسكندرية
١١ ذي القعدة سنة ١٣٨٩ هـ
الموافق ١٩ يناير سنة ١٩٧٠ م
стр. 8
تقديم
لحضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر
الشيخ مصطفى عبد الرازق شيخ الجامع الأزهر
ولم تنل دراسة تاريخ المنطق عند الإسلاميين حقها من عناية الباحثين. وإذا كان الرأي السائد أن منطق أرسططاليس نقل إلى العربية فيما نقل من فلسفة يونان -فظل على مر الأيام منطقا أرسططاليسيا في أصوله وقواعده، وفي جملته وتفصيله. فإن هذا الرأي السائد ليس وليد بحث عميق ولا اطلاع واسع على الاتجاهات المختلفة للمنطق في ألوان الثقافات الإسلامية. كأبحاث أصول العقائد وأبحاث أصول الأحكام.
ولقد كنت أيام اشتغالي بتدريس المنطق في الجامعة المصرية معنيا بأن أوجه الهمم إلى دراسة تاريخ المنطق في الثقافة الإسلامية وتتبع أطواره ومذاهبه، وأعرف أن ذلك يحتاج إلى تقصى المراجع في مظانها وفي غير مظانها أحيانا، وإلى التماس المؤلفات النافعة في هذا الباب بين المخطوطات التي لم تتناولها الأيدي.
وكنت عثرت في دار الكتب الأزهرية على مجموعة رسائل للسيوطي في ضمنها كتاب "صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام" يتبعه كتاب "جهد القريحة في تجريد النصيحة" الذي لخصه السيوطي من كتاب "نصيحة أهل الإيمان في الرد على منطق اليونان" لتقي الدين بن تيمية. ووجدت في الكتابين نفعا محققا فيما أحاوله، فشرعت يومئذ في تدارسهما مع بعض الطلاب، غير أن ذلك لم يطل، فقد صرفتني الأقدار عن حياة المنطق إلى حياة ليست بمنطقية.
стр. 9
ولئن كنت أسفت على ما فاتنى من متابعة ما بدأته من الدرس، فإني جد مغطبط بأن أرى صفوة مختارة من أبنائنا يأخذون بقوة، يسعدها شباب زاك، ما كنا حاولناه بعزم تخلى عنه الشاب.
وهذا الأستاذ علي سامي النشار، تلميذي بالأمس، وصديقي اليوم، يوجه همته إلى متابعة البحث ويمهد السبيل للباحثين.
ولقد عانى الأستاذ النشار في إعداد كتاب السيوطي للنشر مشقة "وأنفق جهدا يدركه تمام الإدراك من عانى نشر كتاب استنادا على مخطوط واحد".
وهو يصف في مقدمته طريقته في تصحيح النص ومقارنة ما لخصه السيوطي من الكتب بأصولها مطبوعة ومخطوطة. وقارن كتاب تجريد النصيحة في كثير من مواضعه بما ورد في كتب مختلفة لابن تيمية.
وإن مجهود الأستاذ علي سامي النشار لجدير بالتنويه والشكر والثناء.
وإذ كان قد وقع في بعض الصفحات أخطاء مطبعية وغيرها -فما كان ذلك لبعض من هذا العمل الجليل الممتاز الذي سيجد من كل معنى بالدراسات الإسلامية تقديرا عظيما.
وأسأل الله أن ينفع الأستاذ بما علمه، ويعلمه ما ينفعه، وأن يزيده علما.
القاهرة في ٢٥ صفر سنة ١٣٦٦
١٨ يناير سنة ١٩٤٧ مصطفى عبد الرازق
стр. 10
مقدمة الناشر
١ - في مكتبة الأزهر مخطوط هام في تاريخ الفكر الإسلامي اسمه "صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام" وهذا المخطوط هو الرسالة الثانية في مجموعة هناك برقم ٢٠٤ مجاميع تحتوى على ١٩ رسالة في موضوعات مختلفة جد الاختلاف وكلها كما يبدو -مما كتب على ظاهر الغلاف -من تأليف الحافظ المشهور عبد الرحمن بن أبى بكر السيوطي عالم مصر في العهد الأوسط من عهود المماليك. أما ما كتب على الغلاف فهو: "مجموع من مؤلفات السيوطي -نفعنا الله تعالى به -بخطه".
والخط الذي كتبت به المجموعة دقيق ولا يظهر فيه تفاوت، والورق من صنف واحد، والصفحات مملوءة بالكتابة، تكاد تكون خالية من البياض، وفي كل صفحة ٥٢ سطرًا تقريبًا.
وفي آخر الرسالة التاسعة ما نصه:
"تم من خط مصنفه بآخر يوم الاثنين الحادي والعشرين من شهر رمضان المعظم سنة ٨٨٩. والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى جميع الأنبياء والمرسلين".
وفي آخر الرسالة التاسعة.
"آخر الجزء -ألفته يوم السبت تاسع عشر من صفر سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة أحسن الله عقباها".
وتنتهي الرسالة الحادية عشرة كما يأتي:
"علقه مؤلفه يوم الأربعاء لعشر خلون من ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة -وكتب سنة ٨٨٦".
стр. 11
أما باقي الرسائل فليس فيه تاريخ.
لكن هل كتبت المجموعة حقًا بخط السيوطي كما تذكر تلك العبارة التي نقلناها من ظاهر الغلاف -يبدو أن ثمت أسبابًا قوية تنفي نفيًا باتًا كتابة السيوطي للمجموعة التي بين أيدينا بخطه -وهاكم الأسباب:
أولا: ما كتب في الصحيفة الثالثة سطر ٣٥ "صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام للفقير إلى عفو ربه عبد الرحمن بن أبى بكر السيوطي الشافعي غفر الله لنا وله" وقد كتبت هذه العبارة بخط لا يختلف بتاتًا عن باقي خطوط المجموعة، وهي تدل دلالة صريحة على أنها لم تكتب بخط السيوطي -وبالتالي لم تكتب المجموعة بخطه.
ثانيًا: ما كتب في آخر الرسالة السابعة "تم من خط مصنفه، أي تم نقله من نسخة بخط المؤلف.
ثالثًا: في المجموعة أخطاه نحوية متعددة -ولا يمكن على الإطلاق -أن يقع السيوطي -وهو عالم اللغة الممتاز في أمثال تلك الأخطاء -أو أن يسهو في الكتابة -فيفلت منه بعض منها -وقد لاحظت في جميع ما ترك من مجموعاته الخطية أنه لا يخطئ خطًا لغويًا أو نحويًا -ولم يؤد به النسيان أو السهو -وهو الحافظ المشهور -إلى أي خطأ من نوع تلك الأخطاء.
رابعًا: وأخيرًا نصل إلى رابع الأسباب وأقطعها -هو أن مجموعات السيوطي الخطية تسير على قاعدة لا تخف عنها إطلاقًا -وهي أنها "غير منقوطة" بينما المجموعة التي بين أيدينا منقوطة.
ومن هنا يتبين أن هذه المجموعة لم تكتب بخط السيوطي. ولكن إذا ما حاولنا أن نحدد العصر الذي كتبت فيه الرسائل، لتوصلنا إلى أنه القرن العاشر الهجري، وهو القرن الذي مات السيوطي في أولى العقد الثاني
стр. 12
منه، وأكاد أرجح أن هذه المجموعة نقلت مباشرة عن مجموعة بخط السيوطي نفسه وفي عصر قريب جدًا منه.
والكتاب الذي تقوم بنشره الآن من هذه المجموعة هو كما قلت -الرسالة الثانية منها -وقد كتب اسم الكتاب على الهامش وبخط غير مشابه لخط المتن "كتاب صون المنطق والكلام عن فن المنطق للجلال السيوطي" وكتب في صدر المتن صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام للفقير إلى عفو ربه عبد الرحمن بن أبى بكر السيوطي الشافعي غفر الله لنا وله" ومن المؤكد أن هذا هو إسم الكتاب الحقيقي -أما ما كتب على الهامش فقدسها كاتبه عن كتابه لفظ الكلام في المقطع الثاني من العبارة -وليس ثمت فاصل في الكتابة بين هذا الكتاب والرسالة السابقة لها وهي رسالة "إيمان أم النبي".
أما آخر الكتاب فقد كتب فيه "تم كتاب صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام للجلال السيوطي.
ثم كتب بخط مغاير لخط المتن "الحمد لله -وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم -وبعد فقد طالعه العبد الفقير إليه سبحانه أحمد بن عبد الحي الحسني القدسي داعيًا لمالكه بحسن الختام ولجميع المسلمين" ويوجد فاصل كبير بين نهاية رسالة صون المنطق والرسالة الثالثة، ولا نعرف على وجه اليقين من هو أحمد بن عبد الحي الحسيني هذا. ولعله أحد طلبة العلم من أهل القدس كما هو ظاهر من الاسم، كما أننا لم نصل إلى تاريخ المخطوط، من امتلكه من الناس، ومن هو مالكه الذي يشير إليه القدسي، على أننا نستطيع أن نؤكد أن أيدي قليلة جدًا تناولت هذا الكتاب، إذ أن هوامشها قليلة، والورق على العموم نظيف وليس هناك تعليقات في نهاية
стр. 13
الكتاب ولا في أوله ولا أسماء من تناولوه أو قرأوه سوى الحسيني القدسي المذكور. والكتاب في ٣٥ صحيفة من القطع المتوسط -وصحائفه مملوءة بالكتابة الدقيقة الواضحة -وقد ذكرت أن عدد الأسطر في كل صحيفة من المجموعة حوالي ٥٢ سطرًا.
٢ - هل الكتاب للسيوطي حقا؟ هنا تقابلنا المشكلة الثانية في بحث المخطوط. وقد رجعنا إلى ترجمة السيوطي التي كتبها لنفسه، فلم نعثر لهذا الكتاب على ذكر ولكن حاجى خليفة ذكره فقال "صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام -مجلة للسيوطي -ذكره في فهرست مؤلفاته في فن الفقه".
فهل معنى أن السيوطي ذكره في كتاب آخر غير حسن المحاضرة؟ قد رجعنا إلى فهارست مؤلفاته في كتبه المطبوعة، فلم نجد لهذا الكتاب ذكرا أيضًا. ولكن وجدت في حسن المحاضرة ذكرًا لرسالتين ثانيتين تفصلان أو ثق صلة بموضوع كتابنا هذا، وهما "القول المشرق في تحريم الاشتغال بالمنطق، فصل الكلام في ذم الكلام".
وقد ذكر اسم الكتاب الأول في الكتاب الذي بين أيدينا الآن "كنت قديما في سنة سبع وثمان وستين وثمانمائة ألف كتابا في تحريم الاشتغال بفن المنطق سميته القول المشرق ضمنته نقول أئمة الإسلام في ذمه وتحريمه"
стр. 14
وذكر أيضًا اسم الكتاب الثاني "ولما شرعت في ذلك -أي في الكلام عن المنطق -ولزم منه الانجرار إلى نقل نصوص الأئمة في منع النظر في علم الكلام -لما بينهما من التلازم، سميت الكتاب صون المنطق والكلام"
فهل نستطيع أن نفهم من هذا أن كتاب صون المنطق والكلام، هو مجموع هاتين الرسالتين، أو أن السيوطي ضمن كتابه هذا هاتين الرسالتين مع نصوص أخرى أضافها -من المحتمل هذا كثيرا، ومن المحتمل أيضا أن يكون كتاب صون المنطق تصنيفا مستقلا عن هذين الكتابين.
على أنه بالرغم من أن السيوطي لم يذكر اسم هذا الكتاب في مؤلفاته التي بين أيدينا فإنه من المحقق -استنادا على النقد الخارجي والداخلي للنص الذي بين أيدينا -أن كتاب صون المنطق والكلام له أسباب متعددة. أهمها:
أولا: ما ذكره صاحب كشف الظنون -وهو ثبت ثقة في تاريخ الكتاب الإسلامي.
ثانيها: أسلوب الجمع في الكتاب -تسيطر على الكتاب الروح السيوطيه والتأليف جليلة واضحة -روح الجمع وتلخيص الكتب وقد كان هذا أسلوب السيوطي وعمله الذي تميزيه.
ثالثها: أسلوب أهل الحديث -ألف السيوطي صون المنطق والكلام على أسلوب المحدثين. وهذا ظاهر في جميع أجزاء الكتاب.
رابعها: كان كتابة هذا الكتاب ضرورة قصوى اضطر إليها السيوطي
стр. 15
وقد كانت تكتنف حياته الروحية عوامل غريبة، فقد ادعى الرجل الاجتهاد سنة ٨٨٨، ويبدو أن بعض أعدائه هاجموه بأنه لا يتقن المنطق -وهو شرط من شروط الاجتهاد منذ دعا الغزالي إلى هذا -خاصة وأنه ذكر في ترجمته لنفسه في حسن المحاضرة أنه لم يحب المنطق ولم يتمكن من إجادته وقد كنت في مبادئ الطلب قرأت شيئا في علم المنطق، ثم ألقى الله كراهته في قلبي، وسمعت أن ابن الصلاح أفنى بتحريمه -فتركته لذلك -فعوضني الله تعالى عنه علم الحديث الذي هو أشرف العلوم، فاضطر إلى أن يكتب كتابه هذا. يقول في مقدمة كتابه "لما كان هذا العام -ومن المحتمل أن يكون ٨٨٧ أو ٨٨٨ - وتحدثت بما أنعم الله به على من الوصول إلى رتبة الاجتهاد ذكر ذاكر أن من شروط الاجتهاد معرفة فن المنطق يعني وقد فقد هذا الشرط عندي بزعمه وما شعر المسكين أني أحسنه أكثر ممن يدعيه ويناضل عليه، وأعرف أصول قواعده وما بنيت عليه".
كل هذه الأسباب -التي لجأنا فيها إلى النقد الخارجي والداخلي للكتاب الذي بين أيدينا -تثبت اثباتا قاطعا صحة نسبة هذا الكتاب للسيوطي.
أما تاريخ كتابه صون المنطق والكلام فيبدو أنه سنة ٨٨٧ أو ٨٨٨ على أكثر تقدير -وهي السنة التي عيب عليه فيها عدم معرفته للمنطق.
٣ - كتاب ابن تيمية: ذكر السيوطي في مقدمة كتابه أنه لخص كتاب ابن تيمية: يقول "تطلبت كتاب ابن تيمية حتى وقفت عليه فرأيته سماه نصيحة أهل الإيمان في الرد على منطق اليونان، وأحسن فيه القول
стр. 16
ما شاء من نقض قواعده -قاعدة، قاعدة وبيان فساد أصولها، فلخصته في تأليف لطيف سميته، جهد القريحة في تجريد النصيحة.
ويفتتح كتاب جهد القريحة بما نصه "ذكر ما لخصته من كتاب ابن تيمية الذي ألفه في نقض قواعد المنطق -كتاب جهد القريحة في تجريد النصيحة للفقير إلى عفو ربه عبد الرحمن بن أبى بكر السيوطي الشافعي لخصته من كتاب نصيحة أهل الإيمان في الرد على منطق اليونان للعلامة تقي الدين بن تيمية.
ثم يبدأ الكتاب بالبسملة والحمد له -ويذكر أن لابن تيمية كتابين أحدهما صغير والآخر كبير هو "نصيحة ... " ثم يذكر أنه سيقوم بتلخيصه وسيسميه "جهد القريحة ... " ومع أن السيوطي لخص لنا في "صون المنطق" كتابا كثيرة، غير أنه لم يبدأها بالحمدله ولا بالبسملة كما فعل في هذا الكتاب فهل يعني هذا أننا بصدد كتاب مستقل عن الكتاب الأصلي.
إذا ما رجعنا إلى ما كتب عن هذا الكتاب لم تجد له ذكرا في حسن المحاضرة. أما صاحب كشف الظنون فقال "نصيحة أهل الإيمان في الرد على منطق اليونان لابن تيمية -اختصره السيوطي وسماه جهد القريحة في تجريد النصيحة" ومن هذا النص يتبين لنا أن هذا الكتاب مستقل تمام الاستقلال عن كتاب صون المنطق والكلام وأنه ليس جزءا منه.
ودليل آخر -هو أنه يوجد مخطوط لمختصر السيوطي منفصل عن صون المنطق والكلام في مكتبة ليدن في مجموعة فارنر المشهورة، وهذه المجموعة برقم ٤٧٤، وفيها كتب أخرى للسيوطي غير كتابنا هذا.
стр. 17
ودليل أخير -فقد ذكر السخاوى في ترجمته للسيوطي "وأول ما أبرز جزء له في تحريم المنطق جرده من مصنف لابن تيمية" فنحن إذن أمام كتابين للسيوطي أحدهما كتابه الأصلي، صون. والآخر مختصر لكتاب ابن تيمية، أما عن كتاب ابن تيمية الأصلي، فقد ذكره ابن عبد الهادي في في ترجمته المشهورة فقال "وله كتال في الرد على المنطق، مجلد كبير وله مصنفان آخران في الرد على المنطق نحو المجلد" وهذا ما ذكره أيضا ابن القيم الجوزية في كتابه مفتاح دار السعادة كما ذكره صاحب كشف الظنون كما بينا من قبل.
والكتاب الأصلي موجود في الهند -على ما ذكر السيد سليمان بدوي في بحث له هام.
ولكن يبدو أن المخطوط رديء الخط مخروم في كثير من أجزائه بحيث لم يتمكن من نشره بالرغم من أنه أعلن منذ مدة بعيدة أن دائرة المعارف النظامية بحيدر آباد الدكن ستقوم بطبعه.
فالسيوطي إذن قد قدم لنا فائدة علمية لا تقدر إذ أنه حفظ لنا صورة قريبة جدًا من النص الأصلي لابن تيمية. كما حفظ لنا صور الكتب أخرى مفقودة أو متعذر الوصول إليها -ولقد كانت هذه إحدى أيادي السيوطي السابغة على الفكر الإسلامي.
стр. 18
لكن ما الذي دعا السيوطي إلى انتهاج هذا النهج في كتبه. قد لا يتضح هذا على أتم وجه إلا في ضوء تحليل موجز لحياة الرجل.
٤ - حياة السيوطي. عاش السيوطي في عصر المماليك في طوره الأوسط وفي عهد من عهود العلم الزاهرة لا من ناحية طرفة تراثها العلمي -إنما من ناحبة قدرة علماء هذا العصر ومفكريه على الجمع وتلخيص الكتب -كان العقل الإسلامي قد توقف في هذه الفترة عن الإبداع -في نطاق العلوم الفكرية وانتهى فيه عهد الأصالة المطلقة التي انبثقت آخر مرة، وفي صورة زاهية لامعة في تقي الدين بن تيمية. اتجه العلماء نحو كتب المفكرين الذين سبقوهم يتدارسونها ويلخصونها. ويضفون عليها أحيانًا بعض الابتكار غير الكثير وأحيانًا ينقلونها كما هي في ملخصات تقترب كثيرًا من النص الأصلي، وكان السيوطي واحدًا من هؤلاء الأخيرين، خلت كتبه حقًا من الطراقة والأبداع ولكنها كانت حافظة ممتازة حوت نصوصًا من مختلف العلوم والفنون لا يعرفها العالم الإسلامي الآن عن طريقه، هذا علاوة عن أهميتها الكبرى في ملء فجوات في تاريخ الفكر الإسلامي، وقد أفرغ السيوطي جهده في هذا العمل الشاق -وأرهفت حواسه له لكي يحقق تلك الأمنية الملحة التي ترددت في نفسه. والتي أعلنها في فترات متعددة في صور مختلفة حتى وصل إعلانه لها إلى حد الجدال واللجاج وأنكرها عليه علماء عصره أشد إنكار وحاربوه أشد محاربة -أما تلك الأمنية فهي كونه مجتهد الأمة الإسلامية -ثم مناداته بعد ذلك بأنه المبعوث من الله على رأس التاسعة ليجدد شباب دينه ...
أما اسم السيوطس الكامل -فهو أبو الفضل عبد الرحمن بن محمد بن أبى بكر جلال الدين الخضيري السيوطي؛ وأما عن نسبته للخضيرية -فيقول
стр. 19
هو في ترجمته لنفسه في حسن المحاضرة "وأما نسبته للخضيرى فلا أعلم ما تكون إليه هذه النسبة، ألا الخضيرية محلة بغداد، وقد نشأ السيوطي من أسرة فارسية من ناحية الأب، عاشت في بغداد، أما أمة فكانت أمة تركية ثم انتقلت أسرته من بغداد إلى أسيوط، وبرز كثير من أفرادها على ما يذكر هو أيضًا لكن لم يشتغل بالعلم من أفرادها سوى والد السيوطي. وقد ولد السيوطي ليلة الأحد مستهل رجب سنة تسع وأربعين وثمانية - (٣ أكتوبر ١٤٥٥) وتوفي والده وله من العمر خمس سنوات وسبعة أشهر فقام بأمره صوفي من أصدقاء والده -وختم القرآن وهو دون ثمان سنين -ثم بدأ في دراساته على علماء عصره -حتى أجاد جميع فروع العلم الإسلامي.
وقد تركت لنا المصادر المختلفة أسماء شيوخه الكثيرين: الجلال المحلي والزين العقبي والشمس السيرامي. والشمس المرزباني والشهاب الشارمساحي والعلم البلقينى والشرف المناوى وعدد كبير من العلماء. يقول صاحب شذرات الذهب "وقد ذكر تلميذه الدودى في ترجمته أسماء شيوخه إجازة وقراءة وسماعا مرتين على حروف المعجم فبلغت عدتهم أحدًا وخمسين نفسا.
وقد أجيز السيوطي بتدريس العربية سنة ٨٦٦. وذلك بعد عودته من زيارة لبعض مدن مصر والحج إلى مكة. وقد بدأ التأليف في هذه
стр. 20
السنة وفي سنة ٨٧٢ تولى بواسطة أستاذه علم الدين البلقينى التدريس في الشيخونية مكان والده في سنة (٨٩١ هـ - ١٤٨٦ م) قرر التدريس في البيبرسية يقول بن إياس "قرر شيخنا السيوطي في مشيخة البيبرسية عوضا عن الجلال البكري بحكم وفاته وكان الساعي له السيد الخليفة عبد العزيز" ويبدو أن صلته بالخليفة العباسي المتوكل على الله عبد العزيز كانت صلة طيبة إذا أن السيوطي أوحى إليه سنة في ٩٠٢ هـ = ١٤٦٦ م "أن يجعله قاضيًا كبيرًا على القضاة يولى منهم من يشاء ويعزل منهم من يشاء مطلقا في سائر ممالك الإسلام وهذه الوظيفة لم ينلها قط القاضي تاج الدين بن بنت الأعز في دولة بني أيوب".
علم القضاة بالأمر "فثاروا واستخفوا عقل الخليفة في ذلك. وقالوا ليس للخليفة مع وجود السلطان حل ولا ربط ولا ولاية ولا عزل ولكن الخليفة استخف السلطان لكونه صغيرًا" وعلم الخليفة بثورة القضاء وخشى مغبة الأمر فتراجع وأعلن أن السيوطي خدعه -ثم رجع عن عهده -وبعث من يأخذ العهد الذي كتبه للشيخ.
يقول ابن إياس "وكادت أن تكون فتنة بسبب ذلك ووقعت أمور يطول شرحها. ثم سكن الحال بعد مدة".
وفي سنة ٩٠٦ قامت ضجة أخرى ضد السيوطي إذ أنه تلاعب بأموال الصوفية الحانفاه البيبرسية -وقد رمى المؤرخون السيوطي بالطمع -فثاروا
стр. 21
عليه وكادوا أن يقتلوه ثم حملوه بأثوابه ورموه في الفسقية.
عزل السيوطي من وظيفته -ورأى الدنيا قد أدبرت عنه وجمع من معاصريه يهاجمونه بكل الوسائل. فاعتكف في جزيرة الروضة. يقول صاحب شذرات الذهب: "أخذ في التجرد للعبادة والانقطاع لله تعالى والاشتغال به صرفا والأعراض عن الدنيا وأهلها كأنه لم يعرف أحدا منهم":
وكان الأمراء والأغنياء يأتون إلى زيارته ويعرضون عليه الأموال" النفسية فيردها. وأهدى إليه الغورى هدايا لم يقبلها. وطلبه مرارًا فلم يحضر إليه".
وفي سحر ليلة الجمعة تاسع عشر جمادى الأول (١٧ أكتوبر سنة ١٠٥٥) توفي جلال الدين السيوطي عن إحدى وستين سنة وعشرة أشهر وثمانية عشر يوما ودفن في حوش قوصون خارج باب القرافة. ومازال قبره في مكانه إلى الآن. وقد حقق وجوده العالم المشهور تيمور باشا في بحث لطيف له.
إن ما يستخلصه الإنسان من حياة السيوطي في فتراته المتعددة هو أنه كان رجلا من العلماء، حاول أن يصل بكل ما لديه من وسائل إلى أوج المجد سواء كان علميا أو ماديا -فاتصل بالخليفة والسلطان وكبراء عصره وكانت له صلات طيبة بهم حتى عهد إليه الخليفة بالمنصب الذي ذكرنا، ولكن القضاة ثاروا عليه وفوتوا عليه غرضه.
أما عن مجده العلمي -فقد ادعى السيوطي أنه مجتهد الأمة الإسلامية
стр. 22
وأنه أحاط بعلوم عصره جميعها.
يقول في حسن المحاضرة "رزقت التبحر في سبعة علوم: التفسير والحديث والفقه والنحو والمعاني والبيان والبديع على طريقة العرب والبلغاء لا على طريقة العجم وأهل الفلسفة. والذي أعتقده أن الذي وصلت إليه من هذه العلوم الستة، سوى الفقه والنقول التي اطلعت عليها منها، لم يصل إليه ولا يوقف عليه أحد من الأشخاص. فضلا عمن هو دونهم.
وأما علم الحساب فهو أعسر شيء على وأبعده عن ذهني وإذا نظرت في مسألة تتعلق به فكأنما أحاول جبلا أحمله، وقد كملت عندي آلات الجهاد" وقد أفاض في هذا في كثير من كتبه الأخرى.
ولم يسلم له علماء عصره بهذا وساعدهم على ذلك حدة أخلاقه وغروره في بعض الأحيان فهاجموه وانتقصوا من قدره وقدر مؤلفاته هاجمه السخاوى في الضوء اللامع هجوما عنيفا كما حدثت بينه وبين معاصريه ابن ظهير، والقاضي برهان الدين محمود محدث دمشق والقسطلاني عداوات ومنازعات ولكن برغم هذا كله، بقى السيوطي كاتب العربية الكبير وأحد حفاظ العلم الإسلامي في مختلف فروعه. وكانت كتبه معينا لا ينضب للباحثين قد احتوت الثقافة الإسلامية المتعددة النواحي، بالرغم من خلوها من الابتكار وقد اختلف الباحثون في عدد هذه الكتب. فذهب فلو جل إلى أنها تبلغ ٥٦١ كتابًا أما بروكلمن فقد عدله ٤١٥ كتابا ويقول العيدروسي "ولكن
стр. 23
كثيًرا من مؤلفاته هذه المذكورة صغيرة وبعضها في كراس وكراسين".
وقد ذكر الباحثون قوائم بأسماء كتبه -وبقى معظم تلك الكتب -ومازال لها في العالم الإسلامي أكبر اعتبار. ونحن لا نجد على سبيل المثال كتابا يضارع "الإتقان في علوم القرآن" في شهرته عند الناس وأحاطته بالموضوع الذي حرر فيه ومن كتبه الهامة تفسير للقرآن وقد نشر هذا التفسير وعلى هامشه، لباب النقول في أسباب النزول. ومن المعروف أن الجلال المحلي (المتوفي سنة ٨٦٤ = ١٤٥٩) كان قد بدأ هذا الكتاب ثم توفي فأتمه السيوطي وسمى هذا الكتاب تفسير الجلالين، وهو كتاب له شهرة هامة في العالم الإسلامي وغير هذين الكتابين من كتب هامة ذكرها السيوطي في حسن المحاضرة كما ذكرها صاحب النور السافر والداودى تلميذه في بحث لم ينشر بعد عن حياة أستاذه ومؤلفاته. ونحن نعلم أن للسيوطي كتبا هامة أخرى كالمزهر وغيره.
٥ - وأما عن الكتاب الذي نقوم بنشره الآن فهو وثيقة فريدة في التراث العربي، حوت نصوصا كثيرة غير معروفة عن موقف علماء المسلمين من الكلام والمنطق، وحاولت تتبع تلك للدراسة التي حاربت البحث النظري في العقائد من ناحية وأنكرت المنطق اليوناني -العنصر المميز للفتنة اليونانية في العالم الإسلامي -من ناحية أخرى. ونحن لا نجد في تاريخ العصور الوسطى محاولة لنقد المنطق الأرسططالى، فالمسلمون إذن هم أصحاب تلك المحاولة الفريدة في العصور الوسطى -وقد سبقوا بهذا Roger Bacn, Bawus وقد أتى هذان الأولان في أعقاب العصور الوسطى و Flanci Bac pn
стр. 24
وغيرهم من مفكري أوربا المحدثين -وقد صور السيوطي نزعة النقد عند طائفة من علماء المسلمين، الفقهاء -وإن كان هذا النقد يبدو في صورة ساذجة أحيانًا -غير أنه كان في كثير من الأحيان على جانب من الطرافة -ولن نحاول نحن هنا تحليل عناصر هذا الكلام. فإن هذا جزء من محاولة كبرى قمت بها في بحث هام تحت الطبع هو: نقد مفكري الإسلام للنطق الأرسططالى. يتناول موقف المسلمين عامة -من فلاسفة ومتكلمين وأصوليين وفقهاء وصوفية -من المنطق الأرسططالى. يتناول موقف المسلمين عامة -من فلاسفة ومتكلمين وأصوليين وفقهاء وصوفية -من المنطق الأرسططاليسى ومحاولتهم هدمه؛ وإقامة منطق جديد مع روح الحضارة الإسلامية. ولقد ذهب الباحثون إلى مختلف الآراء والنظريات في بحث هذا الروح وحاولوا -بطرائقهم المختلفة من فيلولوجية وروحية وغيرها -اكتناء العنصر المميز لهذه الحضارة. ولكنهم لم يصلوا -فيما اعتقد -إلى رأى راجع في حل المشكلة، وبقيت معلقة إلى أكبر حد.
وإني لأعتقد أن بحثي الذي ذكرت، قد يلقى شجاعا جديدًا على هذه المشكلة العميقة.
وأياما كان الأمر -فإن كتاب السيوطي "صون المنطق والكلام" وتلخيصه لكتاب ابن تيمية "نصيحة أهل الإيمان" يعاونان الباحثين في تاريخ الحضارة الإسلامية -على اختلاف طرقهم وغاياتهم معاونة كبيرة -على الكشف عن العبقرية الإسلامية في أرفع مظاهرها العقلية.
٦ - طريقة نشر المخطوط. كانت بيدي نسخة واحدة هي نسخة المجموعة الأزهرية التي ذكرتها آنفًا وهي النسخة الوحيدة الموجودة من هذا الكتاب في مكتبات العالم -وقد عثر على هذه النسخة منذ سنوات مضت أستاذي الجليل الأستاذ الأكبر الشيخ مصطفى عبد الرازق شيخ الجامع الأزهر وسيد الباحثين
стр. 25
المعاصرين في الفلسفة الإسلامية وقد قرأت عليه كتاب ذم الكلام للهروى الذي أورده السيوطي في مقدمة كتابه.
ثم بدأنا العمل في إعداد المخطوط للطبع ولكن فضيلته تولى الوزارة بعدئذ وحالت أعمالها دون إشرافه على العمل في إخراج الكتاب كله فقمت بالعمل بمفردي.
وقد اتجهت أولا إلى محاولة تقديم النص سليما من الأخطاء، كاملا غير منقوص. وقد تبين لي أن بالنسخة أغلاطا لغوية ونحوية كثيرة، وعبارات كثيرة ساقطة وأخرى غير مفهومة وقطعا كبيرا.
أما الأغلاط اللغوية والنحوية فقد أصلحتها، وهي في غالب الأحيان سهو من الناسخ. ثم اجتهدت في إضافة عبارات مكان السقط والجمل المحذوفة ووضعت هذه العبارات بين معقوفتين دلالة على إضافة من الناشر وعلى أنها لم تكن في صلب المتن، ثم حذفت بعض العبارات غير المفهومة إذا تعذر على فهمها أصلا -وأبقيت البعض في المتن إذا ما شككت في المعنى، غير أنني في كل تلك الحالات أثبت في الهوامش أو في نهاية الكتاب ما قمت به من تصحيح لخطأ أو إضافة أو حذف لحرف أو لكلمة أو لعبارة، ثم أكملت القطع الكبير في المخطوط.
ولقد عاينت في هذا العمل كثيرًا، وأنفقت جهدًا يدركه تمام الإدراك من عانى نشر كتاب استنادًا على محظوظ واحد. وحين انتهيت من تصحيح النص، بدأت في عمل آخر لا يقل عناءا عن العمل السابق، فقد نقل السيوطي أو لخش لنا في كتابه الأول "صون المنطق، كتبا كثيرة بعضها موجود وبعضها مفقود والموجود منها بعضه مطبوع والبعض الآخر مخطوط فرجعت
стр. 26
إلى جميع ما ذكر من كتب موجودة مطبوعة وبخثت عن الفقرات التي ذكرها وقمت بمقارنة دقيقة بين هذه الفقرات من كتابه وبينها في كتبها المنشورة ونصصت على ما قصد يوجد من اختلافات بينها في حواشي الكتاب وقد كان عدد هذه الكتب كبيرًا، ولكنني لم آل جيدًا في حصرها وتوصلت في حالات كثيرة إلى تصحيح نص السيوطي في ضوء النص المنشور.
أما عن الكتاب الثاني -وهو تلخيص السيوطي لكتاب ابن تيمية -فقد لجأت إلى طريقة أخرى في تاريخه. فقد قمت بمقارنة كثير من المواضع التي ذكرها ابن تيمية في كتابه بما يشبهها في كتبه الأخرى، فهو على سبيل المثال يتكلم في الكتاب الذي بين أيدينا عن قياس التمثيل وقياس الشمول ص ٣٠٢ - فأشرت إلى أنه يتكلم عن نفس الموضوع في كتابه "شرح العقيدة الأصفهانة" من ٣٠٢ - وهكذا ... وقد اضطررت إلى قراءة التراث التيمى كله الذي بين أيدينا، حتى تمكنت من إيراد المواضع المتشابهة بين كتابنا هذا وبين كتبه الأخرى.
ولم تم إلى هذا العمل المقارن في الكتابين، بدأت بمراجعة الآيات القرآنية على المصحف الشريف. وعينت مواضعها آية وسورة، ثم أرخت لكثير من الأعلام في الكتاب الأول. ولسائرها في الكتاب الثاني ولسائر لكتب في الكتابين.
* * *
ويؤسفني بعد ذلك أن بعض الأخطاء المطبعية قد حدثت، لأسباب خارجة عن إرادتي، وقد أثبتنا في آخر الكتاب أغلب هذا الخطأ غير مقصود.
стр. 27
وإني لأشكر من هاونوني على نشر هذا الكتاب وطبعه، وأخص بالذكر والدي رحمة الله عليه -فقد عاونتى معاونة جليلة في مراجعة النص، رحمة الله رحمة واسعة وأجزل له عنى خير الجزاء. ثم أشكر صديقي العزيز الأستاذ مصطفى طريح شرف، على إشرافه على طبع جزء من الكتاب أثناء تغيبي في الإسكندرية -ثم أشكر السيد محمد نجيب أمين الخانجي على قيامه بطبع الكتاب على نفقته.
الإسكندرية في ٢٩ محرم ١٣٦٦ هـ
و٢٣ ديسمبر ١٩٤٦ م ... على سامي النشار
مدرس تاريخ الفلسفة بكلية الآداب
جامعة فاروق الأول
стр. 28
مصادر التحقيق
(١) الكتب العربية
الاسفراييني: التبصير في الدين (طبعة الشيخ الكوثرى ١٣٥٩ هـ)
ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء في طبقات الأطباء (مصر ١٨٨١ م)
الألوسي: جلاء العينين (طبعة بولاق سنة ١٢٩٨ هـ)
البيهقى: تتمة صيوان الحكمة (طبعة الهند ١٣٥١)
التهانوى: كشاف اصطلاحات الفنون (طبعة استامبول ١٣١٧ هـ -١٣١٨)
ابن تيمية: منهاج السنة (المطبعة الأميرية سنة ١٣٢١ هـ)
" " موافقة صريح المعقول لصريح المنقول (على هامش الكتاب السابق)
" " كتاب تفسير سورة الإخلاص (المطبعة الحسينية المصرية ١٣٢٣)
" " مجموعة الرسائل والمسائل مطبعة المنار ١٣٤٩ هـ"
" " شرح العقيدة الاصفهانية (الجزء الخامس من الفتاوى)
" " السبعينية (نفس الجزء السابق والطبعة)
الجاحظ. أدب الجاحظ (طبع السندوبي)
ابن الجوزى: تلبيس إبليس (طبعة الخانجي سنة ١٣٤٠ هـ)
حاجي خليفة: كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
(طبع دار السعادة وطبع القاهرة)
الحارث المحاسبي: الرعاية (طبعة لندن)
ابن حجر: تهذيب التهذيب (طبعة حيدر أباد سنة ١٣٢٧)
حسن صديق خان: أبجد العلوم (طبعة الهند ١٢٩٦)
أبو حيان التوحيدي: الإمتاع والمؤانسة (طبعة السندوبي القاهرة ١٩٣٩)
стр. 29
أبو حيان التوحيدى المقايسات (طبعة السندوبي -القاهرة ١٩٣٠)
ابن خلكان: وفيات الأعيان (طبعة باريس ١٨٣٨ هـ)
الدرامي: مقدمة الدرامي هامش المنتقى من أخبار المصطفى (الطبعة الهندية)
الذهبي: ميزان الاعتدال (طبعة الخانجي)
" تذكرة الحفاظ (طبعة الهند)
الخزرجي: خلاصة تذهيب تهذيب الكمال (طبعة بولاق سنة ١٣٠١ هـ)
الرازي: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (طبعة النشار ١٩٣٨)
" محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين (طبعة الخانجي)
ابن سعد: الطبقات الكبير (طبعة ليدن)
السبكي: طبقات الشافعية الكبرى (الطبعة الأولى)
السيوطي: حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة (بدون ذكر تاريخ الطبعة)
" طبقات المفسرين (طبعة ليدن ١٨٣٩ هـ)
" بغية الوعاة من طبقات اللغوبين والنحاة (طبعة الخانجي ١٣٢٦)
الشهرزورى: نزهة الأرواح وروضة الأقراح من تاريخ حكماء المتقدمين والمتأخرين (مصور مكتبة جامعة فؤاد)
الشهر ستاني: الملل والنحل طبع المطبعة الأدبية ١٣٢٠ هـ، الصلاح الهندي شرح لامية العجم (طبع المطبعة الأزهرية المصرية ١٣٠٥ هـ)
ابن الصلاح: فتاوى ابن الصلاح في التفسير والحديث والأصول والعقائد
(طبع القاهرة سنة ١٣٤٨ هـ)
طاش كبرى زاده: مفتاح السعادة ومصباح السيادة (طبعة حيدر آباد)
أبو طالب المكي: قوت القلوب (المطبعة المصرية ١٣٥١)
ابن عبد البر: جامع بيان العلم وفضله (المطبعة المنيرية سنة ١٤٣٦)
ابن عبد الهادي: العقود الدرية في مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية
(طبعة القاهرة ١٣٥٦ - ١٩٣٨)
стр. 30
ابن عساكر: تبيين كذب المفترى فيما نسب إلى الأشعرى
(طبعه الشام ١٣٤٧)
عبد الرازق الرسعنى: مختصر الفرق بين الفرق (طبعة الدكتور حتى)
علي سامي النشار نقد مفكري الإسلام للمنطق الارسططاليسى (تحت الطبع)
الغزالي: فيصل التفرقة بين الإيمان والزندقة (طبعة الخانجى ١٢٤٣)
الغزالي إحياء علوم الدين (الطبعة الأزهرية المصرية ١٣٠٢)
فلوجل: نجوم الفرقان في أطراف القرآن (طبعه ١٨٤٢)
ابن قيم الجوزية: مفتاح درا السعادة (طبعه الخانجي)
الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم
(طبعة دار الكتب المصرية ١٣٦٤ هـ - ١٩٤٥ م)
ابن مطرف الكتابي: القرطين: (طبعة الخانجى ١٣٥٥)
ابن النديم: الفهرست (طبعة لبزج)
ياقوت: معجم الأدباء (طبعة مرحليوث)
وكتب أخرى: كلسان العرب، والقاموس المحيط (المطبعة اليمنية سنة ١٣١٩)
[ب] الكتب الأروبية
Messignon. Recieul des texts Concernant L. histoire La mystique eu pays d' Islam.
Inc. of Islam, art Suyuti.
Broaklemann: Geschtc Arabischen Literatur
[ج] مصادر عن حياة السيوطي ومؤلفاته
السيوطي. مجموع مؤلفاته -حسن المحاضرة -وبغية الوعاة -وطبقات ألحفاظ وطبقات المفسرين، وصون المنطق والكلام، ونظم العقيان في أعيان الأعيان.
стр. 31
ابن اياس: تاريخ مصر (المطبعة الأميرية ١٣١١ هـ)
السخاوي: الضوء اللامع في أخبار القرن التاسع (طبعة القاهرة ١٣٥٤)
عبد القادر الشهير بالعيدروس: النور السافر عن أخبار القرن العاشر
(طبعة بغداد ١٣٥٣ هـ)
محمد للشلش اليماني: السنا الباهر بتكميل النور السافر.
الخوانسارى. روضات الجنات -وذيل طبقات الشعراني.
ابن العماد. شذرات الذهب في أخبار من ذهب (طبعة القدسي)
وقد نقل ابن العماد عن ابن الداودي تلميذ السيوطي، وقد ترجم ابن الداودي لشيخه ترجمة طويلة -ومازالت هذه الترجمة مخطوطة
وهناك مصادر أخرى ذكرت في الحواشي.
[د] خط المؤلف
هناك صور منه في المخطوطات الآتية.
(١) ألفية السيوطي في مصطلح الحديث. عليها أجازات بخط المؤلف لناسخ النسخة تلميذه الأمير جرامرد الناصري.
وانظر أيضا خطه على الحواشي بالصفحات: ٥، ١٦، ٢٠، ٣١، ٤٢، ٥٠، ٥٦ مصطلح الحديث -خوانة تيمور ٣١٥.
(٢) جياد المسلسلات للسيوطي واسم الكتاب في أوله بخطه -وتحته شهادة لأحد العلماء أنه خط المؤلف -رقم ٣١٣ حديث خزانة تيمور باشا.
(٣) مجموعة نفسيه للسيوطي. غالبها كتب في عصره -وطرف الرسالة الأولى بخط المؤلف رقم ٢٠٢ مجاميع خرانة تيمور باشا.
стр. 32
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
"صون المنطق والكلام"
عن فن المنطق والكلام
مقدمة في سبب تأليف الكتاب
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. "وبعد" فقد كنت قديما في سنة سبع أو ثمان وستين وثمانمائة ألفت كتابا في تحريم الاشتغال بفن المنطق، سميته "القول المشرق" ضمنته نقول أئمة الإسلام في ذمه وتحريمه وذكرت فيه أن شيخ الإسلام أحد المجتهدين تقي الدين بن تيمية ألف كتابا في نقض قواعده، ولم أكن إذ ذاك وقفت عليه، ومضى على ذلك عشرون سنة فلما كان في هذا العام وتحدثت بما أنعم الله به علي من الوصول إلى رتبة الإجتهاد، ذكر ذاكر أن من شروط الاجتهاد معرفة فن المنطق يعني وقد فقد هذا الشرط عندي بزعمه. وما شعر المسكين أنى أحسنه أكثر ممن يدعيه، ويناضل عليه. وأعرف أصول قواعده، وما بنيت عليه وما
стр. 33
يتولد منها معرفة ما وصل إليها شيوخ المناطقة الآن -إلا شيخنا العلامة محيى الدين الكافيجى فقط -فطلبت كتاب ابن تيمية، حتى وقفت عليه فرأيته سماه (نصيحة أهل الإيمان في الرد على منطق اليونان) وأحسن فيه القول ما شاء من نقض قواعده قاعدة وبيان فساد أصولها. فلخصته في تأليف لطيف سميته "جهد القريحة في تجريد النصيحة" ثم إن كثيرًا من المخبطين، الذين هم عن تحقيق العلم بمعزل، لهجوا بأن يقولوا ما الدليل على تحريمه؟ وما مستند ابن الصلاح في إفتائه بذلك؟ ونحو ذلك من العبارات. والعجب أنهم يناضلون عن المنطق ولا يتقنونه، ويدأبون فيه وفي أبحاثهم لا يستعملونه، فيخبطون فيه خبط عشواء ولا يهتدون عند المناظرة والإستدلال إلا عمياء.
ولقد اجتمع بي بعض من قطع عمره في المنطق فرأي قول ابن الصلاح في فتاويه -وليس الاشتغال بتعلمه وتعليمه مما أباحه الشارع ولا استباحه أحد
стр. 34
من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين والسلف الصالحين فقال: هذه شهادة على نفى فلا تقبل. فقلت. يا سبحان الله لا طريق أهل الشرع سلكتم ولا طريق أهل المنطق اعتمدتم.
أما أهل الشرع فيقولون: إن النفي إذا كان من أهل الاستقراء التام فإنه يقبل ويعتمد. وقد جرى على ذلك أهل الحديث وأهل الفقه وأهل العربية، لغة ونحوا وتصريفًا. وأهل البلاغة معاني وبيانا وبديعًا، وأهل العروض في مسائل يطول سردها.
وأما أهل المنطق فإنهم يقول: إن السالبة الكلية إنما تنقض بموجبة جزئية. وهو أن يقال بل أباحه فلان الصحابي أو التابعي أو المجتهد، فيحصل بذلك نقض كلام ابن الصلاح ولا سبيل إلى وجود ذلك عن أحد من المذكورين حتى يلج الجمل في سم الخياط.
وأما الدفع بالصدر وهو أن يقال ما هو صحيح أو من أين له ذلك فما هو طريقة أحد لا متشرع ولا متفلسف.
وقد رأيت أن أصنف كتابا مبسوطا [في تحريمه] على طريقة الاجتهاد والاستدلال جامعًا مانعًا، وبالحق صادعًا، أبين فيه صحة ما ادعاه ابن الصلاح من نسبة نفي الإباحة إلى المذكورين.
ولما شرعت في ذلك ولزم منه الانجرار إلى نقل نصوص الأئمة في
стр. 35
منع النظر في علم الكلام، لما بينهما من التلازم. سميت الكتاب "صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام" والله الموفق للمرام.
ذكر ابتداء وضع المنطق وابتداء دخوله في ملة الإسلام
وابتداء من جمع كتب الأصول به وابتداء فشوه في المتأخرين
أول من وضع فن المنطق أرسطاطاليس من أهل اصطخر في عهد أزدشير ابن دارا ذكره الشهرستانى في الملل والنحل، وابن
стр. 36
الصلاح والنووي في الطبقات، والكندي وابن زولاق في بتاريخ مصر وغيرهم، وإليه الإشارة بقول من قال:
قطعنا الأخوة من من معشر ... بهم مرض من كتاب الشفا
فماتوا على دين رسطاطليس ... ومتنا على ملة المصطفى
وقال ابن تيمية في كتابه المذكور وقول الآخر:
إذا شوركت في أمر بدون ... فلا يلحقك عار أو نفور
ففي الحيوان يشترك اضطرارًا ... أرسطاليس والكلب العقور
خص أرسطاليس بالذكر، لكونه واضع المنطق الذي قرر فيه أن في كل نوع حصة من جنسه، وأن الإنسان يشاركه الكلب وغيره من الحيوانات في الحيوانية. وقال ابن تيمية في كتابه المذكور: واضع المنطق أرسطو طاليس رجل من اليونان وهو أول من قال بقدم العالم. قال: وكان اليونان مشركين كفارًا يعبدون الكواكب والأصنام شرًا من اليهود والنصارى
стр. 37
بعد النسخ والتبديل بكثير، وكانوا قبل المسيح بأكثر من ثلثمائة سنة. ثم لما بعث المسبح تمسكوا بدينه، ثم لما غيرت ملة المسيح صاروا في دين مركب من حنيفية وشرك. بعضه حق وبعضه باطل، وهو خير من الدين الذي كان عليه أسلافهم انتهى.
وقال في موضع آخر من هذا الكتاب: كانت اليونان من المشركين يعبدون الأوثان ويعانون السحر كما ذكروا ذلك عن أرسطو وغيره.
وكانت الشياطين، تضلهم وبهم يتم سحرهم، ولا يعرفون هم أن ذلك من الشياطين، وقد لا يقرون بالشياطين بل يفتون أن ذلك كله من قوة النفس أو من أمور طبيعية أو من قوة فلكية، فإن هذه الثلاثة هي أسباب عجائب العالم عندهم (وعند) ابن سينا وموافقيه وهم جاهلون بما سوى ذلك من أفعال الشياطين الذين هم أعظم تأثيرًا في العالم في الشر من هذا كله.
وقال في موضع آخر: كان مبدأ وضع المنطق من الهندسية فجعلوه أشكالا كالأشكال الهندسية، وسموه حدود لحدود تلك الأشكال، لينتقلوا من الشكل المجسوس إلى الشكل المعقول. قال وهذا لضعف عقولهم وتعذر المعرفة عليهم إلا بالطريق البعيدة والله تعالى يسر للمسلمين من العلم والبيان والعمل الصالح والإيمان ما برزوا به على كل نوع من أنواع جنس الإنسان والحمد لله رب العالمين. انتهى.
стр. 38
وأما ابتداء دخوله في ملة الإسلام، فقال الشيخ نصر المقدسي: من أئمة أصحابنا في كتابه "الحجة على تارك الحجة أنبأني أبو محمد عبد الله بن الوليد بن سعد الأنصاري قال سمعت أبا محمد عبد الله بن أبي زيد الفقيه المالكي بالقيروان يقول: رحم الله بني أمية لم يكن فيهم قط خليفة ابتدع في الإسلام بدعة، وكان أكثر عمالهم وأصحاب ولايتهم العرب، فلما زالت الخلافة عنهم. ودارت إلى بني العباس قامت دولتهم بالفرس وكانت الرياسة فيهم، وفي قلوب أكثر الرؤساء منهم الكفار والبغض للعرب ودولة الإسلام. فأحدثوا في الإسلام الحوادث التي تؤذن بهلاك الإسلام ولولا أن الله ﵎ وعد نبيه ﷺ -أن ملته وأهلها هم الظاهرون إلى يوم القيامة لأبطلوا الإسلام ولكنهم قد ثلموه، وعوروا أركانه، والله منجز وعده إن شاء الله.
فأول الحوادث التي أحدثوها إخراج كتب اليونانية إلى أرض الإسلام فترجمت بالعربية وشاعت في أيدي المسلمين وسبب خروجها من أرض الروم إلى بلاد الإسلام يحيى بن خالد بن يرمك وذلك أن كتب اليونانية كانت ببلد الروم، وكان ملك الروم خاف على الروم إن نظروا في كتب
стр. 39
اليونانية أن يتركوا دين النصرانية، ويرجعوا إلى دين اليونانية، وتتشتت كلمتهم وتتفرق جماعتهم. فجمع الكتب في موضع وبني عليها بناء مطمسة بالحجر والجص حتى لا يوصل إليها.
فلما أفضت رياسة دولة بني العباس إلى يحيى بن خالد، وكان زنديقا، بلغة خبر الكتب التي في البناء ببلد الروم، فصانع ملك الروم الذي كان في وقته الهدايا، ولا يلتمس منه حاجة فلما أكثر عليه جمع الملك بطارقته وقال لهم: إن هذا الرجل خادم العربي قد أكثر على من هداياه، ولا يطلب مني حاجة، وما أراه إلا يلتمس حاجة، وأخاف أن تكون حاجته تشق على. وقد شغل بالي فلما جاءه رسول يحيى قال له: قل لصاحبك إن كانت له حاجة، فليذكرها، فلما أخبر الرسول يحيى رده إليه وقال له: حاجتي الكتب التي تحت البناء يرسلها إلى، أخرج منها بعض ما أحتاج وأردها إليه فلما قرأ الرومي كتابه استطار فرحًا، وجمع البطارقة والأساقفة والرهبان وقال لهم: قد كنت ذكرت لكم عن خادم العربي أنه لا يخلو من حاجة، وقد أفصح بحاجته، وهي أخف الحوائج على. وقد رأيت رأيا سمعوه، فإن رضيتموه أمضيته، وإن رأيتم خلافه تشاورنا في ذلك حتى تتفق كلمتنا. فقالوا: وما هو قال: حاجته الكتب اليونانية يستخرج منها ما أحب ويردها. قالوا: فما رأيك؟ قال قد علمت أنه ما بني عليها من كان قبلنا إلا أنه خاف إن وقعت في أيدي النصاري وقرأوها كان سببا لهلاك دينهم، وتهديد جماعتهم رأنا أرى أن أبعث بها إليه وأسأله أن لا يردها، يبتلون بها، ونسلم نحن
стр. 40
من شرها؛ فإني لا آمن أن يكون بعدى من يجترئ على إخراجها إلى الناس فيقعوا فيما خيف عليهم. فقالوا: نعم الرأي رأيت أيها الملك، فأمضه.
فبعث بالكتب إلى يحيى بن خالد. فلما وصلت إليه جمع عليها كل زنديق وفيلسوف، فلما أخرج منها كتاب حد المنطق، قال أبو محمد بن أبي زيد: وقل من أنعم النظر في هذا الكتاب وسلم من زندقة. قال: ثم جعل يحيى المناظرة في داره والجدال فيما لا ينبغي، فيتكلم كل ذي دين في دينه، ويجادل عليه آمنا على نفسه.
قلت مقتضى هذا الكلام أن ذلك حدث في خلافة الرشيد فإن البرمكي كان وزيرا له، ثم أنه نكب في أيامه. وقتل في سنة سبع وثمانين ومائة.
وقال الصلاح الصفدى في شرح لامية العجم: حكى أن المأمون لما هادن بعض ملوك النصاري -أظنه صاحب جزيرة قبرص -كتب يطلب منه خزانة كتب اليونان وكانت عندهم مجموعة في بيت لا يظهر عليه أحد. فجمع الملك خواصه من ذوي الرأي واستشارهم في ذلك، فكلهم أشار عليه بعدم تجهيزها إليه، إلا بطراق واحد، فإنه قال: جهزها إليهم، فما دخلت هذه العلوم على دولة شرعية إلا أفسدتها وأوقعت بين علمائها.
حدثني من أثق به أن الشيخ تقي بن تيمية -رحمة الله تعالى -كان
следующие страницы →