Полный текст (255 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الصلاح والنووي في الطبقات، والكندي وابن زولاق في بتاريخ مصر وغيرهم، وإليه الإشارة بقول من قال:
قطعنا الأخوة من من معشر ... بهم مرض من كتاب الشفا
فماتوا على دين رسطاطليس ... ومتنا على ملة المصطفى
وقال ابن تيمية في كتابه المذكور وقول الآخر:
إذا شوركت في أمر بدون ... فلا يلحقك عار أو نفور
ففي الحيوان يشترك اضطرارًا ... أرسطاليس والكلب العقور
خص أرسطاليس بالذكر، لكونه واضع المنطق الذي قرر فيه أن في كل نوع حصة من جنسه، وأن الإنسان يشاركه الكلب وغيره من الحيوانات في الحيوانية. وقال ابن تيمية في كتابه المذكور: واضع المنطق أرسطو طاليس رجل من اليونان وهو أول من قال بقدم العالم. قال: وكان اليونان مشركين كفارًا يعبدون الكواكب والأصنام شرًا من اليهود والنصارى
стр. 37
بعد النسخ والتبديل بكثير، وكانوا قبل المسيح بأكثر من ثلثمائة سنة. ثم لما بعث المسبح تمسكوا بدينه، ثم لما غيرت ملة المسيح صاروا في دين مركب من حنيفية وشرك. بعضه حق وبعضه باطل، وهو خير من الدين الذي كان عليه أسلافهم انتهى.
وقال في موضع آخر من هذا الكتاب: كانت اليونان من المشركين يعبدون الأوثان ويعانون السحر كما ذكروا ذلك عن أرسطو وغيره.
وكانت الشياطين، تضلهم وبهم يتم سحرهم، ولا يعرفون هم أن ذلك من الشياطين، وقد لا يقرون بالشياطين بل يفتون أن ذلك كله من قوة النفس أو من أمور طبيعية أو من قوة فلكية، فإن هذه الثلاثة هي أسباب عجائب العالم عندهم (وعند) ابن سينا وموافقيه وهم جاهلون بما سوى ذلك من أفعال الشياطين الذين هم أعظم تأثيرًا في العالم في الشر من هذا كله.
وقال في موضع آخر: كان مبدأ وضع المنطق من الهندسية فجعلوه أشكالا كالأشكال الهندسية، وسموه حدود لحدود تلك الأشكال، لينتقلوا من الشكل المجسوس إلى الشكل المعقول. قال وهذا لضعف عقولهم وتعذر المعرفة عليهم إلا بالطريق البعيدة والله تعالى يسر للمسلمين من العلم والبيان والعمل الصالح والإيمان ما برزوا به على كل نوع من أنواع جنس الإنسان والحمد لله رب العالمين. انتهى.
стр. 38
وأما ابتداء دخوله في ملة الإسلام، فقال الشيخ نصر المقدسي: من أئمة أصحابنا في كتابه "الحجة على تارك الحجة أنبأني أبو محمد عبد الله بن الوليد بن سعد الأنصاري قال سمعت أبا محمد عبد الله بن أبي زيد الفقيه المالكي بالقيروان يقول: رحم الله بني أمية لم يكن فيهم قط خليفة ابتدع في الإسلام بدعة، وكان أكثر عمالهم وأصحاب ولايتهم العرب، فلما زالت الخلافة عنهم. ودارت إلى بني العباس قامت دولتهم بالفرس وكانت الرياسة فيهم، وفي قلوب أكثر الرؤساء منهم الكفار والبغض للعرب ودولة الإسلام. فأحدثوا في الإسلام الحوادث التي تؤذن بهلاك الإسلام ولولا أن الله ﵎ وعد نبيه ﷺ -أن ملته وأهلها هم الظاهرون إلى يوم القيامة لأبطلوا الإسلام ولكنهم قد ثلموه، وعوروا أركانه، والله منجز وعده إن شاء الله.
فأول الحوادث التي أحدثوها إخراج كتب اليونانية إلى أرض الإسلام فترجمت بالعربية وشاعت في أيدي المسلمين وسبب خروجها من أرض الروم إلى بلاد الإسلام يحيى بن خالد بن يرمك وذلك أن كتب اليونانية كانت ببلد الروم، وكان ملك الروم خاف على الروم إن نظروا في كتب
стр. 39
اليونانية أن يتركوا دين النصرانية، ويرجعوا إلى دين اليونانية، وتتشتت كلمتهم وتتفرق جماعتهم. فجمع الكتب في موضع وبني عليها بناء مطمسة بالحجر والجص حتى لا يوصل إليها.
فلما أفضت رياسة دولة بني العباس إلى يحيى بن خالد، وكان زنديقا، بلغة خبر الكتب التي في البناء ببلد الروم، فصانع ملك الروم الذي كان في وقته الهدايا، ولا يلتمس منه حاجة فلما أكثر عليه جمع الملك بطارقته وقال لهم: إن هذا الرجل خادم العربي قد أكثر على من هداياه، ولا يطلب مني حاجة، وما أراه إلا يلتمس حاجة، وأخاف أن تكون حاجته تشق على. وقد شغل بالي فلما جاءه رسول يحيى قال له: قل لصاحبك إن كانت له حاجة، فليذكرها، فلما أخبر الرسول يحيى رده إليه وقال له: حاجتي الكتب التي تحت البناء يرسلها إلى، أخرج منها بعض ما أحتاج وأردها إليه فلما قرأ الرومي كتابه استطار فرحًا، وجمع البطارقة والأساقفة والرهبان وقال لهم: قد كنت ذكرت لكم عن خادم العربي أنه لا يخلو من حاجة، وقد أفصح بحاجته، وهي أخف الحوائج على. وقد رأيت رأيا سمعوه، فإن رضيتموه أمضيته، وإن رأيتم خلافه تشاورنا في ذلك حتى تتفق كلمتنا. فقالوا: وما هو قال: حاجته الكتب اليونانية يستخرج منها ما أحب ويردها. قالوا: فما رأيك؟ قال قد علمت أنه ما بني عليها من كان قبلنا إلا أنه خاف إن وقعت في أيدي النصاري وقرأوها كان سببا لهلاك دينهم، وتهديد جماعتهم رأنا أرى أن أبعث بها إليه وأسأله أن لا يردها، يبتلون بها، ونسلم نحن
стр. 40
من شرها؛ فإني لا آمن أن يكون بعدى من يجترئ على إخراجها إلى الناس فيقعوا فيما خيف عليهم. فقالوا: نعم الرأي رأيت أيها الملك، فأمضه.
فبعث بالكتب إلى يحيى بن خالد. فلما وصلت إليه جمع عليها كل زنديق وفيلسوف، فلما أخرج منها كتاب حد المنطق، قال أبو محمد بن أبي زيد: وقل من أنعم النظر في هذا الكتاب وسلم من زندقة. قال: ثم جعل يحيى المناظرة في داره والجدال فيما لا ينبغي، فيتكلم كل ذي دين في دينه، ويجادل عليه آمنا على نفسه.
قلت مقتضى هذا الكلام أن ذلك حدث في خلافة الرشيد فإن البرمكي كان وزيرا له، ثم أنه نكب في أيامه. وقتل في سنة سبع وثمانين ومائة.
وقال الصلاح الصفدى في شرح لامية العجم: حكى أن المأمون لما هادن بعض ملوك النصاري -أظنه صاحب جزيرة قبرص -كتب يطلب منه خزانة كتب اليونان وكانت عندهم مجموعة في بيت لا يظهر عليه أحد. فجمع الملك خواصه من ذوي الرأي واستشارهم في ذلك، فكلهم أشار عليه بعدم تجهيزها إليه، إلا بطراق واحد، فإنه قال: جهزها إليهم، فما دخلت هذه العلوم على دولة شرعية إلا أفسدتها وأوقعت بين علمائها.
حدثني من أثق به أن الشيخ تقي بن تيمية -رحمة الله تعالى -كان
стр. 41
يقول: ما أظن أن الله يغفل عن المأمون ولابد أن يقابله على ما اعتمده مع هذه الأمة من إدخاله هذه العلوم الفلسفية بين أهلها. أو كما قال.
ثم قال الصفدى: إن المأمون لم يبتكر النقل والتعريب بل نقل قبله كثير فإن يحيى بن خالد بن برمك عرب كثيرًا من كتب الفرس مثل كليله ودمنة، وعرب لأجله كتاب المجصطى من كتب اليونان.
والمشهور أن أول من عرب كتب اليونان خالد بن يزيد بن معاوية لما أولع يكتب الكيما.
وللتراجمة في النقل طريقان أحدهما طريق يوحنا بن الطريق وابن الناعمة الحصى وغيرهما وهو أن ينظر إلى [كل] كلمة مفردة من الكلمات اليونانية، وما تدل عليه من المعنى، فيأتي بكلمة مفردة من الكلمات العربية ترادفها في الدلالة على ذلك المعنى فيبينها، وينتقل إلى الكلمة الأخرى كذلك، حتى يأتي على جملة ما يريد تعريبه وهذه الطريقة رديئة لوجهين: أحدهما أنه لا يوجد في الكلمات العربية كلمات تقابل جميع الكلمات اليونانية، ولهذا وقع في خلال هذا التعريب كثير من الألفاظ اليونانية على خلافها. والثاني أن خواص التركيب والنسب الاسنادية لا تطابق نظيرها من لغة أخرى دائمًا، وأيضا يقع الخلل من جهة استعمال المجازات وهي كثير في جميع اللغات.
стр. 42
(الطريق الثاني في التعريب) طريق حنين بن إسحاق والجوهري وغيرهما وهو أن يأتي إلى الجملة، فيحصل معناها في ذهنه، ويعبر عنها من اللغة الأخرى بجملة تطابقها سواء ساوت الألفاظ الألفاظ أم خالقتها وهذه الطريق أجود، ولهذا لم تحتج كتب حنين بن إسحاق إلى تهذيب إلا في العلوم الرياضية، لأنه لم يكن قيما بها بخلاف كتب الطب والمنطق والطبيعي والإلهي، فإن ماعربه منها لم يحتج إلى إصلاح. فأما أر قليدس فقد هذبه ثابت بن قرة الحرانى، وكذلك المجصطى والمتوسطات بينهما.
ثم قال: والخلاف مازال في هذه الأمة منذ توفي رسول الله ( ﷺ ) في موته ودفنه وأمر الخلافة بعده وأمر ميراثه وأمر قتال مانعي الزكاة إلى غير ذلك، بل في نفس مرضه ( ﷺ ) لما قال: ائتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي -على ما هو مذكور في مواطنه. وقد روى أنس بن مالك أنه ﵇ -قال: إن
стр. 43
بني إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتى ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة وهو ( ﷺ ) الصادق المصدوق الذي ما ينطق عن الهوى قد أخبر أن الأمة ستفترق ومتى افترقت خالف بعضها بعضا ومتى حالفت تمسكت بشبه وحجج، وناظرت كل فرقة من تخالفها، فانفتح باب الجدل واحتاج كل أحد إلى ترجيح مذهبه، وقوله بحجة عقلية أو نقلية أو مركبة منهما.
فهذا الأمر كان غير مأمون قبل المأمون، نعم زاد الشر شرا، والضر ضرا، وقويث به حجج المعتزلة وغيرهم، وأخذ أصحاب الأهواء مخالفوا السنة مقدمات عقلية من الفلاسفة، فأدخلوها في مباحثهم، وفرجوا بها مضايق جدالهم وبنوا عليها قواعد بدعهم، فاتسع الخرق على الواقع، وكاد منار الحق الواحد يشتبه بالثلاث الأثافي والرسوم البلاقع. انتهى كلام الصفدي.
وفي تاريخ ابن كثير في ترجمة خالد بن يزيد بن أمير المؤمنين معاوية ابن أبي سفيان أنه كان عالما شاعرًا وبنسب إليه شيء من علم الكيمياء وأنه كانت له معرفة بشيء من علوم الطبيعة، وأنه مات سنة تسعين من الهجرة.
فالحاصل من هذا كله أن علوم الأوائل دخلت إلى المسلمين في القرن الأول
стр. 44
لما فتحوا بلاد الأعاجم، ولكنها لم تكثر فيهم، ولم تشتهر بينهم لما كان السلف يمنعون من الخوض فيها، ثم اشتهرت في زمن البرمكى، ثم قوى انتشارها في زمن المأمون لما أثاره من البدع وحث علته من الاشتغال بعلوم الأوائل وإخماد السنة.
وفي تاريخ الذهبي أن أول من أدخل الفلسفة الأندلس أمير الأندلس عبد الرحمن ابن الحكيم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان الأموى، وأنه كان يشبه بالمأمون العباسي في طلب الكتب الفلسفية وبالوليد بن عبد الملك في جبروتيته، وأنه أول من فخم الملك بالأندلس من الأموية وكساه أبهة الجلالة، وأحدث بالأندلس لبس الطرز وضرب الدراهم ولم يكن فيها دار ضرب منذ فتحها العرب، وكانت وفاته سنة ٢٣٩.
وقال الغزالي في الإحياء: وأما الفلسفة فليست علما برأسها، بل هي أربعة أجزاء أحدها الهندسة والحساب والثاني المنطق والثالث الإلهيات والرابع الطبيعات، وسيأتي سوق عبارته بحروفها.
[أول من مزج كتب الأصول بالمنطق]
وأول من مزج كتب الأصول به، فقال ابن تيمية في كتابه: لم يكن
стр. 45
أحد من نظار المسلمين يلتفتون إلى طريق المنطقيين، بل الأشعرية والمعتزلة والكرامية والشيعة وسائر الطوائف كانوا يعيبونها ويثبتون فسادها، وأول من خلط المنطق بأصول المسلمين أبو حامد الغزالي وتكلم فيه علماء المسلمين بما يطول ذكره.
وأما ابتداء فشوه في المتأخرين، فقال الحافظ عماد الدين بن كثير في تاريخه سنة ٦٨٧. بعد أخذ التتار ببغداد سنة عمل الخواجا نصير الطوسى، الرصد، وعمل دار حكمة فيها فلاسفة، لكل واحد في اليوم ثلاثة دراهم، ودار طب فيها للحكيم درهمان، وصرف لأهلي دار الحديث لكل محدث نصف درهم في اليوم، ومن ثم فشا الاشتغال بالعلوم الفلسفية وظهر. ولم يكن الناس يشتغلون بها إلا الآحاد في خفية وبدلت بغداد بعد تلاوة القرآن بالنغمات والألحان وإنشاد الأشعار، وكان وبعد سماع الأحاديث النبوية، يدرس الفلسفة اليونانية، والمناهج الكلامية، والتأويلات القرمطية، وبعد العلماء بالحكماء، وبعد الخليفة العباسي بشر الولاة من الأناسي، وبعد الرياسة والنباهة بالخساسة والسفاهة، وبعد الطلبة المشتغلين بالظلمة والعيارين، وبعد الاشتغال بفنون العلم من التفسير والحديث والفقه وتعبير الرؤيا بالزجل والموشح ودويت ومواليا، وما أصابهم ذلك إلا ببعض ذنوبهم ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾ هذا كلام ابن كثير.
стр. 46
ذكر من صرح بذم المنطق أو تحريمه من أئمة المسلمي ن
لا شك أن المجتهد يحرم عليه إحداث قول لم يقل به أحد، واختراع رأى لم يسبق إليه ولهذا كان من شروط الاجتهاد معرفة أقوال العلماء من الصحابة فمن بعدهم اجماعا واختلافا، لئلا يخرق الإجماع فيما يختاره. فوجب ذكر أقوال العلماء في هذه المسألة، قبل إقامة الدليل، لكون الكتاب مؤلفا على طريق الاجتهاد.
فأقول: أما الصحابة ﵃ -والتابعون وأتباعهم فلم يرد عنهم فيه التصريح بشيء لكونه لم يكن موجودا في زمنهم، وإنما حدث في أواخر القرن الثاني كما تقدم. وكان الإمام الشافعي ﵁ -حيا إذ ذاك فتكلم فيه. وهو أقدم من رأيته حط عليه.
ذكر النص الذي ورد عن الإمام الشافعي
في تحريم المنطق
في ذلك قال أبو الحسن بن مهدي: حدثنا محمد بن هارون ثنا هميم بن
стр. 47
همام ثنا حرملة قال سمعت الشافعي يقول: ما جهل الناس ولا اختلفوا إلا لتزكهم لسان العرب وميلهم إلى لسان أرسطاطيس. أورد هذا النص من هذا الطريق قاضى المسلمين الحافظ عز الدين عبد العزيز بن قاضي القضاة بدر من الدين بن جماعة في تذكرته.
وأشار الشافعي بذلك إلى ما حدث في زمن المأمون من القول بخلق القرآن ونفى الرؤية وغير ذلك من البدع، وأن سببها الجهل بالعربية والبلاغة الموضوعة فيها من المعاني والبيان والبديع الجامع لجميع ذلك قوله لسان العرب الجاري عليه نصوص القرآن والسنة، وتخريج ما ورد فيها على لسان يونان ومنطق أرسطاطاليس الذي هو في حيز ولسان العرب في حيز، ولم ينزل القرآن ولا أتت السنة إلا على مصطلح العرب ومذاهبهم في المحاورة والتخاطب والإحتجاج والاستدلال لا على مصطلح يونان، ولكل قوم لغة واصطلاح. وقد الق تعالى
﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم﴾.
فمن عدل عن لسان الشرع إلى لسان غيره وخرج الوارد من نصوص الشرع عليه جهل وضل. ولم يصب القصد. ولهذا كثيرًا من أهل المنطق إذا نكلم في مسألة فقهية، وأراد تخريجها على قواعد علمه. أخطأ ولم يصب ما قالته الفقهاء ولا جرى على قواعدهم. وقد علم الناس ما كان يقع بين
стр. 48
شيخنا المذكور في الخطبة وبين فقهاء الحنفية من كثرة التنازع والاختلاف في الفتاوى الفقهية، ونسبتهم إياه إلى أنها غير جارحة على قوانين الفقه، وما ذاك إلا لكونه كان يخرجها على قواعد الإستدلال المنطقي. وللشريعة قواعد أخرى لا يخرج الفقه إلا عليها. فمن تركها وخرج على غيرها لم يدرك غرض الفقه، والشيخ ﵀، أستاذي ونعله تاج رأسي، ولكن هذا هو الحق الذي لابد منه. وقد أراد مني مرات أن أوافقه في فتاوى نتعلق بالأوقاف ولم أوافقه على شيء منها.
والغرض بهذا الكلام شرح قول الشافعي ﵁، وأنه من أراد تخريج القرآن والسنة والشريعة على مقتضى قواعد المنطق، ولم يصب غرض الشرع ألبتة، فإن كان في الفروع نسب إلى الخطأ، وإن كان في الأصول نسب إلى البدعة وهذا أعظم دليل على تحريم هذا الفن فإنه سبب للأحداث والابتداع ومخالفة السنة ومخالفة غرض الشارع وكفى بهذا دليلا وهو مستنبط من كلام الشافعي ﵁.
ونظيره تحريم النظر في متشابه القرآن خوف الزيغ والفتنة أخرج الشيخان وغيرهما عن عائشة قالت: "تلا رسول الله ﷺ -هذه الآية" هو أنزل عليك الكتاب إلى قوله أولوا الألباب قال: فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم﴾.
وأخرج الطبراني في الكبير عن أبى مالك الأشعري أنه سمع رسول الله ﷺ -يقول "لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا
стр. 49
فيقتتلوا وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾.
أول من سأل عن متشابه القرآن عبد الله بن صبيغ
وأخرج الدرامي في مسنده عن سليمان بن يسار أن رجلا يقال له صبيغ، قدم المدينة، فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر، وقد أعد له عراجين النخل فقال: من أنت؟ قال: أنا عبد الله بن صبيغ، فأخذ عرجونا من تلك العراجين فضربه حتى دمى رأسه. وفي رواية عنه، فضربه بالجريد، حتى ترك ظهره دبره، ثم تركه حتى برئ ثم عاد له ثم تركه، حتى برأ، فدعا به ليعود فقال: إن كنت تريد قتلي، فاقتلني قتلا جميلا، فأذن له إلى أرضه وكتب إلى (أبى) موسى الأشعري أن لا يجالسه أحد من المسلمين.
وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن أنس أن عمر بن الخطاب جلد صبيغا الكوفي في مسألأة عن حرف من القرآن، حتى اطردت الدماء في ظهره.
وأخرج نصر المقدسي في الحجة وابن عساكر عن الصائب بن يزيد أن
стр. 50
رجلا قال لعمر: إني مررت برجل يسأل عن (بعض) مشكل القرآن، فقال عمر اللهم أمكني منه، فدخل الرجل يومًا على عمر فسأله، فقام عمر فحسر عن ذراعيه وجعل يجلده ثم قال ألبسوه تبانًا واحملوه على قتب وابلغوا به حيه، ثم لقيم خطيب فليقل: إن صبيغًا طلب العلم، فأخطاه، فلم يزل وضيعًا في قومه، بعد أن كان سيدًا فيهم.
وأخرج نصر المقدسي وابن عساكر عن أبى عثمان النهدى أن عمر كتب إلى آل البصرة أن لا يجالسوا صبيغًا، قال فلو جاء ونحن مائة لتفرقنا.
وأخرج ابن عساكر عن محمد بن سيرين، قال كتب عمر بن الخطاب إلى أبى موسى الأشعري أن لا يجالس صبيغا، وأن يحرم عطاؤه ورزقه.
وأخرج نصر في الحجة وابن عساكر عن زرعة، قال رأيت صبيغ ابن عسل بالبصرة كأنه بعير أجرب، يجيء إلى الحلقة، ويجلس وهم لا يعرفونه، فتناديهم الحلقة الأخرى: عزمة أمين المؤمنين عمر، فيقومون ويدعونه وأخرج الشيخ نصر المقدسي في الحجة عن أبى إسحاق أن عمر كتب إلى أبى موسى الأشعرى: أما بعد فإن الأصبغ تكلف ما كفى وضيع ماولى فإذا جاء كتابي هذا فلا تبايعوه، وإن مرض فلا تعودوه، وإن مات فلا تشهدوه.
وأخرج نصر أيضًا عن أبى هريرة قال: كنا عند عمر بن الخطاب إذ جاءه رجل يسأله عن القرآن، أمخلوق هو أو غير مخلوق؟ فقال علي: هذه كلية وسيكون لها ثمرة، ولو وليت، من الأمر ما وليت، ضربت عنقه
стр. 51
[تحريم الشافعي النظر في علم الكلام]
ولهذه العلة بعينها حرم الشافعي ﵁ -النظر في علم الكلام، أخرج الهروى في كتاب ذم الكلام بسنده عن الشافعي، قال: حكي في أهل الكلام وحكم عمر صبيغ، دل ذلك منه على أن العلة عنده في تحريم النظر في علم الكلام ما يخنثى منه من إثارة الشبه والابحرار إلى البدع، فحرمه قياسًا على تحريم النظر في المتشابه، وهذا قياس صحيح.
وهذه العلة بعينها موجودة في المنطق، كما ذكره الشافعي، فيكون الدليل على تحريم النظر فيه القياس على الأصل المقيس عليه علم الكلام، وهو المتشابه المنصوص على تحريم النظر فيه وهذا قياس صحيح لا يتطرق إليه قدح بنقض ولا معارضة -نعم قد يمنع الخصم وجود العلة المذكورة في المنطق، ولكن منعه هذا مكابرة فلا يسمع لأن المشاهدة والاستقراء تكذبه.
قال الذهبي في الميزان في ترجمة أبى الحسن بن الزاغونى الفقيه الحنبلي، له تصانيف فيها أشياء من بحوث المعتزله، يدعوه بها لكونه نصرها، وما هذا من خصائصه، بل قل من أمعن النظر في علم الكلام، إلا وأداه اجتهاده إلى القول بما يخالف محط السنة.
стр. 52
ولهذا ذم علماء السلف النر في علم الأوائل: فإن علم الكلام مولد من علم الحكماء الدهرية، فمن أراد الجمع بين علم الأنبياء وبين علم الفلاسفة بذكائه، فلابد وأن يخالف هؤلاء وهؤلاء، ومن كف ومشى خلف ما جاءت به الرسل من إطلاق ما أطلقوا ولم يتخذلق ولا عمق فإنهم صلوات الله عليهم أطلقوا وما عمقوا فقد سلك طريق السلف الصالح، وسلم له دينه ويقينه، نسأل الله السلامة في الدين انتهى.
وقد يدعى دخول هذه الصورة بخصوصها -أعنى تحريم النظر في المنطق -تحت عموم النصوص الدالة على تحريم كل ما جر إلى فساد، أو خشى منه فتنة، فيكون التحريم مستفادًا عن عموم النصوص لا من خصوص القياس وللمستدل أن يستعمل كلا من الأمرين ويكون الدليلان تعاونا، طابق خصوص القياس، عموم النصوص.
[القرآن ورد على مذهب العرب واصطلاحهم]
تنبيه -يشهد لصحة ما أشار إليه الشافعي ما ذكره بعض أئمة المعقولات عند قوله تعالى: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا". حيث قال هذا دليل إقناعي، وذلك لأنه رام تخريجه على قواعد الاستدلال المنطقي. والقرآن ورد على مذهب العرب واصطلاحهم في الاحتجاج، وقد أطبق أئمة البلاغة على إيراد هذه الآية في النوع البديعي المسمي عند المتأخرين بالمذهب الكلامي وبالاحتجاج النظري وأطبق العرب الذين نزل عليهم
стр. 53
القرآن، فمن بعدهم من المسلمين، على أن هذه الآية من أعظم الأدلة على الوحدانية. فإذا استحيا الإنسان من الله، لم يقل فيها مثل هذا الكلام، وليس غرضي بهذا الحط على الرجل المذكور، لكن بيان أن المنطق لا يجر إلى خير، وأن من لاحظه كان بعيدًا عن إدراك المقاصد الشرعية، فإن بينه وبين الشرعيات منافرة.
ونظير ذلك ما وقع للرجل المذكور أيضًا عند قوله تعالى ﴿يسألونك عن الأهلة ... ﴾ الآية. قال: سألوا عن الهلال لم يبدو دقيقًا، ثم متزايد حتى يمتلئ، فأجيبوا ببيان حكمة ذلك، وعدل عن جواب ما سألوا عنه، لأنهم ليسوا ممن يطلعون على دقائق الهيئة. بسهولة. وهذا الكلام منه خطأ صراح.
أما أولا، فلأن أسباب النزول دل على أنهم سألوا عن الحكمة لا عن ما ذكره ..
أما ثانيًا، فلا يليق أن يظن بالصحابة ﵃ -الذين هم أدق فهما من جميع العجم ومن كل الأمة، أنهم ليسوا ممن يطلع على دقائق الهيئة بسهولة وقد اطلع عليها آحاد العجم المتأخرين.
وأما الثالثًا: فلم يسكن في القدرة الإلهية توصيل ذلك إلى أذهانهم بعبارة يفهمونها.
وأما رابعًا: فقد اطلع الصحابة -رضوان الله عليهم -على دقائق جمة من الفقه، وعويص الفرائض وأعمال القلوب، فأي شيء علم الهيئة بالنسبة إلى ذلك، هو أخس وأحقر، لو كان له أصل معتبر، فكيف وأكثره
стр. 54
فاسد لا دليل عليه، بل قامت الأدلة من الأحاديث والآنا، على خلافه، كما أفردته في تأليف مستقل. والذي جرأ صاحب هذه المقالة عليها وعلى مثلها الإنهماك في العلوم الفلسفية والإعجاب بالدقائق العقلية، حتى ظن أنه لا يسهل إلا عليه وعلى نظرائه واستبعد أن يصل إليها أحد بسهولة، حتى الصحابة، فإنا الله وإنا إليه راجعون.
وقد سأل القطب الرازي الشيخ نقي الدين السبكي عن حديث "كل مولود يولد على الفطرة" وأورد عليه تشكيكات منطقية، فأجاب الشيخ تقي الدين بأن المحمول فيه مساو للموضوع لا أخص منه" (واستدل) على مساواته بنور إلهي من المؤيد بالنبوة.
ثم ساق كلامً طويلا وقال في آخره: هذا لا يمكن حمل الحديث عليه لكن لو جاء في كلام غير النبي ﷺ -أمكن حمله، فأعاد له القطب الرازي الكلام، وقال فيه: إنك نفيت إمكان حمل الحديث عليه وأثبت إمكان حمل كلام آخر عليه، فما الفرق؟ فأجابه السبكي بأن قائل هذا إما مجنون وإما مطبوع قلبه. حتى لا يفرق بين كلام النبوة وغيره.
فصل [إن سبب الابتداع الجهل بلسان العرب]
وقد وجدت السلف قبل الشافعي أشاروا إلى ما أشار إليه من أن سبب
стр. 55
الابتداع الجهل بلسان العرب. وأخرج البيهقي في البعث عن الأصمعي قال: جاء عمرو بن عبيد إلى أبى عمرو بن العلاء يناظره في وجوب عذاب الفاسق، فقال له: يا أبا عمرو. الله يخلف وعده؟ فقال: لن يخلف الله وعده، فقال عمرو فقد قال: وذكر آية وعيد، فقال أبو عبيد: من العجمة أتيت، الوعيد غير الإبعاد، ثم أنشد:
وإني وإن أوعدته أو أوعدته ... لمخلف إيعادى ومنجز موعدي
وأخرج البخاري في تاريخه الكبير عن الحسن البصري، قال: إنما أهلكتهم العجمة.
[ابن قتيبة في كتابه تأويل مشكل القرآن]
وقال ابن قتيبة في كتابه "تأويل مشكل القرآن" إنما يعرف فضل القرآن من كثر نظره، واتسع علمه، وفهم مذاهب العرب، واقتنانها
стр. 56
في الأساليب وما خص الله به لغتها دون جميع اللغات، فإنه ليس في جميع الأمم أمة أوتيت من العارضة والبيان واتساع المجال ما أوتيته العرب خصيصًا من الله، لما أرهصه في الرسول ﷺ -وأراده من إقامة الدليل على نبوته بالكتاب، فجعله علمه كما جعل علم كل نبي من المرسلين من أشبه الأمور لما في زمانه المنبعث فيه، فكان لموسى ﷺ -قلق البحر واليد والعصا وتفجر البحر في التيه بالماء الرواء إلى سائر أعلامه زمن السحر، وكان لعيسى ﵇ -إحياء الموتى وخلق الطير من الطين وإبراء الأكمه والأبرص إلى سائر أعلامه زمن الطب، وكان لمحمد ﷺ الكتاب الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لم يأتو بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، إلى سائر أعلامه زمن البيان.
كان الخطيب من العرب إذا ارتجل كلامًا في نكاح أو تخصيص أو صلح أو ما أشبه ذلك، لم يأت به واد واحد، بل يفتن، فيختصر تارة. إرادة التخفيف، ويطيل تارة إرادة الإفهام، ويكرر تارة إرادة التوكيد، ويخفى بعض معانيه حتى تغمض على أكثر السامعين
стр. 57
ويكشف بعضها حتى يفهمه بعض الأعاجم؛ ويشير إلى الشيء ويكنى عن الشيء، وتكون عنايته بالكلام على حسب الحال وقدر الحفل وكثرة الحشد وجلالة المقام، ثم لا يأتي بالكلام كله مهذبًا كل التهذيب. ومصفى كل التصفية، بل تجده يمزج ويشوب، ليدل بالناقص على الوافر، وبالغث على الثمين، ولو جعله كله بحرًا واحدًا لبخسه بهاءه ولسلبه ماءه. ومثل ذلك الشهاب من القبس تبرزه للشعل والكوكبان يقتربان فينقص النوران، والسحاب ينظم بالياقوت والمرجان والعقيق والعقبان، ولا يجعل كله جنسًا واحدًا من الرفيع بالثمين ولا النفيس المصون.
وألفاظ العرب مبنية على ٢٨ حرفا -وهي أقصى طرف اللسان، وألفاظ جميع الأمم قاصرة عن ثمانية وعشرين حرفا -، ولست واجدًا في سيء من كلامهم حرفًا ليس في حروفنا إلا معدو لا مخرجه شيئًا مثل الحرف المتوسط مخرجى القاف والكاف والحرف المتوسط مخرجي الباء والفاء، فهذه حال العرب في سيأتي ألفاظها، ولها الأعراب الذي جعله الله وسيلة لكلامها وحيلة لنظامها وفارقًا في بعض الأحوال بين الكلامين المتكافئين والمعنيين المختلفين كالفاعل والمفعول. لا يفرق بينهما إذا تساوت حالاهما في إمكان الفعل أن يكون لكل واحد منهما إلا بالإعراب.
ولو أن قائلا قال هذا قاتل أخي بالتنوين. وقال آخر هذا قاتل أخي بالإضافة "لدل التنوين على أنه لم يقتله، ودل حذف التنوين على أنه قتله.
стр. 58
ولو أن قارئًا قرأ. "فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون" بالفتح وترك طريق الابتداء بأنا، وأعمل القول فيها بالنصب على مذهب من ينصب ألف أن بالقول، كما ينصبها بالظن، لقلب المعنى عن جهته وإزاله عن طريقته، وجعل النبي ﷺ -محزونا لقولهم: إن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون، وهذا كفر ممن تعمده. وضرب من اللحن لا تجوز الصلاة به ولا يجوز للمأمومين أن يتجوزوا فيه.
وقد قال رسول الله ﷺ " لا يقتل قريش صبرًا بعد اليوم "فمن رواه جزمًا أوجب ظاهر الكلام للقرشي أن لا يقتل إن ارتد، ولا يقتص منه إن قتل. ومن رواه رفعًا انصرف التأويل إلى الخبر عن قريش أنه لا يريد منها أحد عن الإسلام فيستحق القتل، أما ترى أن الإعراب كيف فرق بين هذين المعنيين.
وقد يفرقون بحركة البناء في الحرف الواحد بين المعنيين فيقولون: رجل لعنة إذا كان يلعنه الناس، فإن كان هو يلعن الناس قالوا هو رجل لعنة فحركوا اللعين بالفتح ورجل سبه إذا سبه الناس، وإذا كان هو يسب قالوا رجل سببه وكذلك هزأه: هزًا، وسخرة وسخرة، وضحكة، وخدعة وخدعة.
وقد يفرقون بين المعنيين المتقاربين بتغيير حرف في الكلمة حتى يكون
стр. 59
تقارب ما بين اللفظين كتقارب ما بين المعنيين، كقولهم للماء الملح الذي لا يشرب إلا عند الضرورة شروب ولما كان دونه مما قد يتجوز فيه شريب، وكقولهم لما ارفض على الثوب من البول، إذا كان مثل رءوس الابر، نصح. ورش الماء عليه يجزي من الغسل فإذا زاد على ذلك قيل له نضج ولم يجزئ منه إلا الغسل، وكقولهم بأطراف الأسنان قضم وبالفحم خضم. ولما ارتفع من الأرض حزن فإن زاد قليلا قبل حزم، وللذي يجد البرد خصر، فإن كان مع ذلك جوع خرص وللنار إذا اطفئت هامدة فإن سكن اللهب وبقى من جمرها شيء قبل خامدة، وللقائم من الخليل صائم، فإن كان ذلك من حفى أورجا قيل صافر وللعطاء ابتداء شكل، فإن كان مكافأة قيل شكم، وللخطأ من خير تعمد غلط، فإن كان في الحساب قيل غلت، وللضيق في العين خوص -يقال خرصت عينه تخوص خوصًا، ورجل أخوص وامرأة خوصاه. ويقال مثل ذلك كله في
стр. 60
الحوص أيضا وأصل الحوص من الحوص وهو حياطة العين -فإن كان ذلك في مؤخرها قيل حوص.
وقد يكتتف الشيء معان فيشق لكل معنى منها اسم من اسم ذلك الشيء، كاشتقافهم من البطن الخميص مبطن. وللعظيم البطن إذا كان خلقة بطين، فإذا كان من كثرة الأكل قيل مبطان، وللمنهوم بطن وللعليل البطن مبطون.
ويقولون وجدت الضالة ووجدت في القصب ووجدت في الحزن ووجدت في الاستغناء كله بالفتح ثم يجعلون الاسم في الضالة وجودًا ووجدانا، وفي الحزن وجدًا، وفي الغضب موجدة، وفي الاستغناء وجدًا إلى أشياء كثيرة.
وللعرب المجازات في الكلام ومعناها طرق القول ومأخذه فمنها الاستعارة والتمثيل والقلب والتقديم والتأخير والحذف والتكرار والإخفاء والإظهار والتعريض والإفصاح والكناية والإيضاح، ومخاطبة الواحد مخاطبة الجميع والجميع خطاب الواحد والواحد، والجميع خطاب الاثنين. والقصد بلفظ الخصوص لمعنى العموم وبلفظ العموم لمعنى الخصوص، مع أشياء كثيرة ستراها في باب المجاز إن شاء الله.
стр. 61
وبكل هذه المذاهب نزل القرآن. فلذلك لا يقدر أحد من التراجمة على أن ينقله إلى شيء من الألسنة كما نقل الإنجيل عن السريانية إلى الحبشية والرومية "وترحمت التوراة والزبور وسائر كتب الله -بالعربية، لأن العجم لم تتسع في المجاز اتساع العرب. ألا ترى أنك لو أردت أن تنقل قوله: ﴿وما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء﴾ لم تستطيع أن تأتي بهذه الألفاظ مؤدية عن المعنى الذي أودعته حتى تبسط مجموعها، وتصل مقوعها وتظهر مستورها.
فنقول: إن كان بينك وبين قوم هدنة وعهد، فخفت منهم خيانة ونقضا، فأعلمهم أنك قد نقضت ما شرطت لهم، وأذنهم الحرب لتكون أنت وهم في العلم بالنقض على سواء وكذلك قوله: ﴿فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددًا﴾ إن أردت أن تنقله بلفظه لم يفهمه المنقول إليه، وإن قلت أمتناهم سنين عددا كنت مترجمًا للمعنى دون اللفظ، وكذلك قوله : ﴿والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا أن ترجمته بمثل لفظه استغلق، وأن قلت لم يتغافلوا أديت المعنى بلفظ آخر.
وقد اعترض كتاب الله بالطعن ملحدون ولغوا فيه وهجروا واتبعوا ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله بأفهام كليلة وأبصار عليلة ونظر
стр. 62
مدخول، فحرفوا الكلم عن مواضعه، وعدلوه عن سبله، ثم قضوا عليه بالتناقض والاستحالة واللحن وفساد النظم والاختلاف وأدلوا في ذلك بعلل ربما أمالت الضعيف العمر والحديث الغر واعترضت بالشبه في القلوب وقد حلت بالشكوك في الصدور، ولو كان ما نحو إليه على تقديرهم وتأويلهم لسبق إلى الطعن به من لم يزل رسول الله ﷺ -يحتج بالقرآن عليه، ويجعله العلم لنبوته، والدليل على صدقه، ويتجداه في موطن بعد موطن عن أن أتى بسورة من مثله، وهم الفصحاء والبلغاء والخطباء والشعراء والمخصوصون من بين جميع الأنام بالألسنة الحداد، واللدد في الخصام مع اللبل والنهيي وإصابة الرأي وقد وصفهم الله بذلك في غير موضع من الكتاب وكانوا يقولون مرة هو سحر، ومرة هو شعر ومرة هو قول الكهنة، ومرة أساطير الأولين.
ولم يحك القرآن عنهم، ولا بلغنا في شيء من الروايات أنهم جذبوه من الجهة التي جذبه منه الطاعنون، فأحببت أن أنصح عن كتاب الله وأرمى من ورائه بالحجج النيرة والبراهين البينة وأكشف للناس ما يلمسون فألفت هذا الكتاب جامعًا لتأويل مشكل القرآن، مستنبطًا ذلك من التفسير بزيادة في الشرح والإيضاح وحاملا ما لم أعلم فيه مقالا لإمام متبع على لغات العرب .. لأرى فيه المعاند موضع المخاز وطريق الإمكان ممن غير أن أحكم برأي أو أقضي عليه بتأويل.
стр. 63
فصل [علة في تحريم الكلام للشافعي تأتي في المنطق]
(كونه لم يرد الأمر به في كتاب ولا سنة)
وقد أشار الشافعي إلى علة أخرى في علم الكلام. تأتي في المنطق. فأخرج النووي في ذم الكلام من طريق الكرابيسي قال: شهدت الشافعي ودخل عليه بشر المريسى. فقال لبشر: أخبرني عما تدعو إليه: أكتاب ناطق، وفرض مفترض، وسنة قائمة، ووجدت عن السلف البحث فيه والسؤال، فقال بشر: لا إلا أنه لا يسعنا خلافه فقال الشافعي. أقررت بنفسك على الخطأ. فأين أنت من الكلام في الفقه والأخبار، فلما أخرج قال الشافعي: لا يفلح.
دل هذا النص على أن من العلة في تحريم النظر في علم الكلام، كونه لم يرد الأمر به في كتاب ولا سنة، ولا وجد عن السلف البحث فيه. وهذا بعينه موجود في المنطق فإنه لم يرد الأمر به في كتاب ولا سنة، ولا يوجد عن السلف البحث فيه، بخلاف العربية فإنه ورد الأمر بها في الحديث، ووجد عن السلف البحث فيها. وهذه العلة هي التي اعتمدها ابن الصلاح، حيث أفتى بتحريم المنطق حيث قال: وليس الاشتغال بتعلمه وتعليمه مما أباحه الشارع، ولا استباحه أحد من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين وكأن ابن الصلاح استنبط هذه العلة من تعليل الشافعي لعلم الكلام.
стр. 64
فصل [علة أخرى في تحريم الكلام للشافعي تأتي في المنطق]
(كونه أسلوبًا مخالفا لأسلوب الكتاب والسنة)
وقد أشار الشافعي إلى علة ثالثة في علم الكلام تأتي في المنطق فأخرج الهروى أيضًا من طريق أبى ثور قال سمعت الشافعي يقول: "حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد، ويحملوا على الإبل ويطاف بهم في العشائر والقبائل وينادي عليهم، هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام".
وأخرج من طريق آخر عن الشافعي قال: "مذهبي في أهل الكلام تقميع برؤوسهم بالسياط وتشريدهم من البلاد. دل نصه على أن مما يعلل به تحريم النظر في علم الكلام كونه أسلوبا مخالفًا لأسلوب الكتاب والسنة، أو كونه سببًا لترك الكتاب والسنة ونسيانهما، وذلك جار في المنطق أيضًا.
[إشارة إلى تحريم العلوم الفلسفية نص للشافعي]
قال الهروي في ذم الكلام: أنا غالب بن علي. أنا محمد بن الحسين
стр. 65
أنا الحسن بن رشيق ثنا سعيد بن أحمد بن زكريا اللخمي ثنا يونس بن عبد الأعلا قال سمعت الشافعي يقول: إذا سمعت الرجل يقول الاسم غير المسمى، والشيء غير الشيء، فاشهد عليه بالزندقه.
[نص لأبي خنيفة في ذم العلوم الفلسفية]
ذكر نص عن أبي حنيفة ﵁ -صريح في ذم العلوم الفلسفية. قال الهروى في ذم الكلام: أخبرني طيب بن أحمد. أنا محمد بن الحسين. أنا أبو القاسم بن متوية ثنا حامد بن رستم ثنا الحسن بن المطيع ثنا إبراهيم بن رستم عن ... قال قلت لأبي حنيفة: ما تقول فيما أحدث الناس من الكلام في الأعراض والأجسام؟ فقال: مقالات الفلاسفة، عليك بالأثر وطريقة السلف، وإياك وكل محدثة، فإنها بدعة" أخرجه أبو المظفر بن السمعاني، في كتاب الانتصار قال أخبرنا الثقة من أصحابنا أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي أنا أبو القاسم بن متويه به.
فصل
[تحريم المتأخرين من أرباب المذاهب للمنطق]
والذي يخرج على أصول بقية أرباب المذاهب المتبوعة تحريم المنطق
стр. 66
فإنهم نصوا على تحريم علم الكلام. وعللوه بما هو موجود في المنطق. ولهذا صرح المتأخرين من أصحابهم بتحريمه، تخريجًا على أصولهم.
أخرج الهروى من طريق عبد الرحمن بن مهدي قال دخلت على مالك وعنده رجل يسأله فقال: لملك من أصحاب عمرو بن عبيد. لعن الله عمرا فإنه ابتدع هذه البدع من الكلام. ولو كان الكلام علما لتكلم فيه الصحابة والتابعون، كما تكلموا في الأحكام والشرائع.
هذا النص من مالك يصرح بالعلة في تحريم الكلام، كما تقدم عن الشافعي واعتمدها ابن الصلاح في المنطق، وكذا سائر أثمة المسلمين، الذين نصوا على تحريم علم الكلام عللوه بكون السلف لم يتكلموا فيه، فيخرج على أصولهم تحريم المنطق لوجود هذه العلة فيه، وقد تعين بسبب ذلك أن نسق نصوص الأثمة في تحريم الكلام وألفاظهم في ذلك ثم نعقبه بما نحن بصدده.
стр. 67
نصوص الأئمة في تحريم الكلام
تلخيص مقاصد كتاب ذم الكلام
لشيخ الإسلام إسماعيل الهروي
إعلم أن أثمة أهل السنة ما زالوا يصنفون الكتب في ذم علم الكلام، والإنكار على متعاطبه. وأجل كتاب ألف في ذلك كتاب ذم الكلام وأهله لشيخ الإسلام أبى إسماعيل الهروى، وهو مجلد كله مخرج بالأسانيد، وأنا ألخص هنا جميع مقاصده تلخيصًا حسنًا.
قال: أما بعد فإن هذه الأمة لم يؤتوا في دينها من شيء ما أوتوا فيه من قبل التكلف والجدال، وهما داء الأمم السالفة، ولم يأتيا بخير قط. وكتاب الله أنهى شيء عنهما. والرسول المصطفى " ﷺ " أكره الخلق لهما، وأن الله لم يقبض إليه رسوله حتى خار له وأغنى به، وأكمل له الدين، وأتم به النعمة، فتترك الأمة على واضحة ليلها كنهارها، وما من طائر يقلب جناحيه إلا وعندها فيه من نبيها علم. فكان من أواخر ما أنزل على نبيه:
"اليوم أكملت لكم دينكم الآية، سمعت أحمد بن المحسن بن محمد البزاز الفقيه الحنبلي الرازي يقول كل ما أحدث بعد نزول هذه الآية فهو فضل وزادة وبدعة، فضل أي فضول مذموم.
ثم أخرج حديثًا عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله -صلى الله
стр. 68
عليه وسلم-: العلم ثلاثة فما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة، أخرجه أبو داود قال عبد الله بن عروة: الفريضة العادلة ما اتفق عليه المسلمون. وسمعت علي بن بشرى وغيره يقولون سمعنا عبد الله ببن عدي الصابوني يقول: الكتاب والسنة والإجماع أو الزنار والغل والجزية.
ثم أخرج حديث عائشة قالت: قال رسول الله ( ﷺ ): من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد. أخرجه الشيخان قال أبو مروان العثماني يعني البدع. وقال أبو عبيد: جمع النبي ﷺ -جميع أمر الآخرة في كلمة "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد، وجميع أمر الدنيا في كلمة "إنما الأعمال بالنيات، يدخلان في كل باب".
[باب البيان]
ثم قال باب البيان إن الأمم السالفة إنما استقاموا على الطريقة ما اعتصموا بالتسليم والاتباع وأنهم لما تكلفوا وخاصموا اختلفوا وهلكوا، وأخرج من حديث أبى هريرة مرفوعًا. إنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم. وأخرج عن طريق أبى عمران الجونى عن أبى فراس، رجل من أسلم قال: قال رسول الله -صلى الله عليه
стр. 69
وسلم-: لا إياى والبدع والذي نفسي بيده، ما ابتدع رجل في الإسلام شيئًا، ليس في كتاب الله منزلا، إلا لما خلف خير له مما ابتدع إن أملك الأعمال خواتيمها، ومن شق شق عليه، فدعوني ما ودعتكم إنما هلكت الأمم باختلافهم على أنبيائهم.
وأخرج عن أبى أمامة عن النبي ﷺ -قال: ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ثم تلا رسول الله ﷺ "ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون" أخرجه.
وأخرج من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال خرج رسول الله ﷺ -على أصحابه ذات يوم، وهم يتراجعون في القدر، فخرج مغضبا، حتى وقف عليهم، فقال يا قوم بهذا أضلت الأمم قبلكم باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكتاب بعضه بعض، وإن القرآن لم ينزل لنضرب بعضه بعض، ولكن نزل القرآن نصدق بعضه بعضا ما عرفتم منه. فاعلموا به. وما تشابه فآمنوا به.
وأخرج عن أبى هريرة قال خرج علينا رسول الله ﷺ -ونحن نتنازع في القدر فغضب حتى أحمر وجهه. ثم قال أبهذا أمر تم أم بهذا أرسلت إليكم إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم أن لا تنازعوا.
وأخرج عن أبى الدرداء وأبى أمامة وأنس بن مالك وواثلة بن
стр. 70
الأسقع قالوا: خرج إلينا رسول الله ﷺ -ونحن نتنازع في شيء من الدين فغضب غضبا شديدًا لم يغضب مثله، ثم انتهزنا وقال. يا أمة محمد لا تهيجوا على أنفسكم وضح النهار ثم قال: أبهذا أمرتكم أو ليس عن هذا نهيتكم. إنما هلك من كان قبلكم بهذا.
ثم قال ذروا المراء لقلة خيره، ذروا المراء، فإن نفعه قليل، ويهيج العداوة بين الأخوان. ذروا المراء، فإن المراء لا تؤمن فتنتة. ذرو المراء فإن المراء يورث الشك، ويحبط العمل. ذروا المراء، فإن المؤمن لا يمارى فكفى بك إنما أن لا تزل مماريا. ذروا المراء فإن الممارى لا أشفع له يوم القيامة ذروا المراء. فأنا زعيم بثلاثة أبيات في الجنة في وسطها ورياضها وأعلاها لمن ترك المراء وهو صادق ذروا المراء. فإنه أول ما نهاني الله عنه بعد عبادة الأوثان وشرب الخمر. ذروا المراء فإن الشيطان قد يئس من أن يعبد، ولكن رضى بالتحريش وهو المراء في الدين. ذروا المراء فإن بني إسرائيل افترقو على إحدى وسبعين فرقة. والنصارى على اثنين وسبعين فرقه، وأن أمتي ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلهم على الضلال إلا السواد الأعظم قالوا -يا رسول الله -ومن السواد الأعظم؟ قال: من كان على ما أنا عليه وأصحابي.
ثم قال إن الإسلام بدا غريبا وسيعود غريبا فطوبي للغرباء: قالوا: يا رسول الله، ومن الغرباء؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس، ولا يمارون في دين الله.
وأخرج عن مرة الهمذاني أن أباقرة الكندي أتى ابن مسعود بكتاب فقال: إني قرأت هذا بالشام فأعجبني، فإذا هو كتاب من كتب أهل الكتاب.
стр. 71
فقال ابن مسعود: إنما هلك من كان قبلكم باتباعهم الكتب وتركهم كتاب الله، فدعا بطست وماء فوضعه فيه وأماته بيده حتى رأيت سواد المداد.
وأخرج عن زيد بن رفيع قال: بعث الله نوحا وشرع له الدين، فكان الناس في شريعة نوح، فما أطفأها إلا الزندقة.
ثم بعث الله موسى وشرع له الدين، فكان الناس في شريعة موسى، فما أطفأها إلا الزندقة.
ثم بعث الله عيسى، وشرع له الدين فما أطفاها إلا الزندقة.
قال زيد بن رفيع ولا يخاف على هذا الدين إلا الزندقة. وأخرج عن منصور بن المعتمر قال ما هلك (أهل) دين قط حتى يخلف فيهم الزنادقة.
وأخرج عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ : إنما هلكت بنو إسرائيل حين حدث فيهم المولدون أبناء سبابا الأمم، فوضعوا الرأي فضلوا، وأخرج عن عروة: أن بني إسرائيل لم يزل أمرهم معتمدا حتى نشأ فيهم المولدون أبناه سبايا الأمم فأخذهم بالرأي فهلكوا، وقال أخبرنا الحسن بن أحمد بن محمد الفراش أنا شافع بن محمد أنا أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي ثنا المرنى ثنا الشافعي سمعت عبد الله بن المؤمل المخزومي يحدث عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: لم يزل أمر بني إسرائيل مستقيما، حتى حدث فيهم المولودون أبناء سبايا الأمم، فقالوا فيهم بالرأي فضلوا وأضلوا.
وأخرج عن إبراهيم النخعي في قوله تعالى ﴿فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء﴾. قال أغرى بعضهم بعض في الجدال في الدين. أخرجه سعيد بن
стр. 72
منصور في سننه، وأخرج عن عمر بن الخطاب قال: أناس من أهل الكتاب من قبلكم قد كتبوا مع كتاب الله كتبا فأكبوا عليها، وتركوا كتاب الله.
وأخرج عن ابن سيرين قال: كانوا يروون أن بني إسرائيل إنما ضلوا بكتب قرأوها، وأخرج عن ابن عمرو قال: لتركبن سنة من كان قبلكم حلوها ومرها.
[باب] (شدة ما كان رسول الله ﷺ -يخاف على هذه الأمة من الأئمة المضلين والمجادلين في الدين)
ثم قال "باب" شدة ما كان رسول الله ﷺ -يخاف على هذه الأمة من الأئمة المضلين والمجادلين في الدين، وأخرج فيه عن أبى جعفر قال قال رسول الله ﷺ : إنما يهلكون بعد البينات بالمحدثات المخالفات، وتزيين الضالات المضلات، وبالأهواء المغريات وتحريف المحكمات.
وأخرج عن ابن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : أشد ما أتخوف على أمتي ثلاث، زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، ودنيا تقطع أعناقكم فاخشوها على أنفسكم. وأخرج عن معاذ بن جبل سمعت رسول الله ﷺ -يقول: إني أخاف عليكم ثلاثا وهي كائنة، زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، ودنيا تعم عليكم. وأخرج عن عمر بن الخطاب قال يهدم الإسلام ثلاث: زلة عالم وجدال منافق بالقرآن وأئمة مضلون. وأخرج عن عثمان بن أبي شيبة قال، فساق أصحاب الحديث خير من عباد غيرهم.
[باب كراهية تشقيق الخطب وتدقيق الكلام والتكلم بالأغاليط]
ثم قال "باب كراهية" تشقيق الخطب وتدقيق الكلام والتكلم بالأغاليط.
стр. 73
وأخرج فيه عن أبى ذر قال: قال رسول الله ﷺ : إنكم اليوم في زمان كثير علماؤه، قليل خطباؤه ويأتي من بعد زمان كثير خطباؤه قليل علماؤه. وأخرج عن مجاهد أن رسول الله ﷺ -قلا: إن الله لم يبعث نبيا إلا مبلغا وأن تشقيق الكلام من الشيطان وأخرج عن معاوية قال: لعن رسول الله ﷺ -الذين يشققون الكلام تشقيق الشعر. وأخرج عن فاطمة الزهراء قالت قال رسول الله ﷺ -شرار أمتي الذين يتشدقون في الكلام وأخرج عن سعد ابن أبى وقاص قال سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: في هذه الأمة أقوام يتخللون الكلام كما تتخلل الباقورة الخلا بألسنتها. وأخرج عن أبى هريرة رفعه. قال: ألا أخبركم بشرار هذه الأمة الثرثارون المتشدقون المتفيهقون.
وأخرج عن إبراهيم النخمى قال: كانوا يكرهون غريب الكلام وغريب الحديث. وأخرج عن الأوزاعي قال: عليك بآثار السلف وإباك وآراء الرجال، وإن زخرفوها بالقول.
باب ذم الجدال والتغليظ فيه وذكر شؤمه
ثم قال "باب ذم الجدال والتغليظ فيه وذكر شؤمه" وأخرج فيه حديث عائشة مرفوعا. أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم، أخرجه
стр. 74
البخاري وحديث على أن النبي ﷺ -طرقة وفاطمة ليلا، فقال: ألا تصليان؟ قال فقلنا: يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا فولى -وهو يضرب فخذه -ويقول: وكان الإنسان أكثر شيء جدلا أخرجه.
وحديث أنس وكعب وابن عمر وجابر أن رسول الله ﷺ -قال: من طلب العلم ليباهي به العلماء، أو يمارى به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار. وأخرج عن ابن مسعود قال: لا تعلموا العلم لثلاثة: لتماروا به العلماء، أو تجادلوا به السفهاء، أو تصرفوا به وجوه الناس إليكم.
باب ذم اتباع متشابه القرآن والجدال به
ثم قال "باب" ذم اتباع متشابه القرآن والجدال به. وأخرج فيه عن عائشة قالت: تلا رسول الله ﷺ -هذه الآية: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب﴾ فقال: إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه. فأولئك الذين سمى الله، فاحذورهم.
وأخرج عن ابن عباس في قوله: فأما الذين في قلوبهم زيغ قال: هم أصحاب الخصومات والمراء في دين الله.
وأخرج عن أبى. قال: ما استبان لك، فاعمل به، وانتفع به، وما شبه عليك فآمن به وكله إلى عالمه.
وأحرج عن عثمان بن حاضر قال سألت ابن عباس عن شيء فقال عليك بالاستقامة واتباع الأثر وإياك والبدع.
стр. 75
وأخرج من طريق، عطاء عن ابن عباس قال: لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، فإن ذلك يوقع الشك في قلوبكم قلت هذه العلة التي علل بها ابن عباس منع النظر في المتشابه بها علل النووي في شرح المهذب منع النظر في علم الكلام، وهو أنه يثير الشكوك وها قد سبقه إلى ذلك هذا المؤلف.
وأخرج عن جبير بن نفير عن رسول الله ﷺ -قال: لا تجادلوا بالقرآن، ولا تكذبوا كتاب الله بعضه ببعض، فو الله إن المؤمن ليجادل به فيغلب.
وأخرج عن اياس بن عامر أن علي بن أبي طالب قال: إنك إن بقيت فسترى القرآن على ثلاثة أصناف: صنف لله، وصنف للدنيا، وصنف للجدال.
وأخرج عن حميد الأعرج قال سمع أنس بن مالك ابنه عبد الله يخاصم الأشتر فقال: لا تخاصم بالقرآن وخاصم بالسنة.
وأخرج عن عمر بن الخطاب قال إنه سيأتي قوم يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله.
وأخرج عن مسروق قال: ما أحد من أصحاب الأهواء إلا في القرآن ما يرد عليهم ولكنا لا نهتدي له.
следующие страницы →