← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 151020

جهد القريحة في تجريد النصيحة

الجلال السيوطي

Полный текст (164 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فلما كان تحريم هذا النبيذ مندرجًا في تحريم كل مسكر قال: من قال إنه استدلال بالكلي على الجزئي، والتحقيق أن ما ثبت للكلي فقد ثبب لكل واحد من جزئياته، والتحريم هو أعم من الخمر، وهو ثابت لها، فهو ثابت لكل فرد من جزئياتها فهو استدلال بكلي على ثبوت كلي آخر لجزئيات ذلك الكلي. وذلك الدليل هو كالجزئي بالنسبة إلى ذلك الكلي، وهو كلي بالنسبة إلى تلك الجزئيات. وهذا مما لا ينازعون فيه. فإن الدليل هو ((الحد الأوسط)) وهو أعم من ((الأصغر)) أو مساو له، ((والأكبر)) أعم منه أو مساو له، ((والأكبر)) هو الحكم والصفة والخبر وهو محمول النتيجة، ((والأصفر)) هو المحكوم عليه الموصوف المبتدأ وهو موضوع النتيجة. وأما قولهم في ((التمثيل)) إنه استدلال بجزئي على جزئي، فإن أطلق ذلك وقيل إنه استدلال بمجرد الجزئي على جزئي))، فهذا غلط، فإن ((قياس التمثيل)) إنما يدل بحد أوسط وهو اشتراكهما في علة الحكم أو دليل الحكم مع العلة فإنه قياس علة أو قياس دلالة. وإما قياس الشبه. فإذا قيل به لم يخرج عن أحدهما، فإن الجامع المشترك بين الأصل والفرع إما أن يكون هو ((العلة)) أو ما يستلزم ((العلة)) (وإلا) لم يكن الاشتراك فيه مقتضيًا للاشتراك في الحكم، بل كان المشترك قد تكون معه العلة، وقد لا تكون، فلا نعلم صحة القياس، بل لا يكون صحيحًا إلا إذا اشتراكا فيها ونحن لا نعلم الاشتراك فيها، إلا إذا علمنا اشتراكهما فها، أو في ملزومها فإن ثبوت الملزوم يقتضي ثبوت اللازم

стр. 107

فإذا قدرنا أنهما لم يشتركا في الملزوم ولا فيها، كان القياس باطلًا قطعًا لأنه حينئذ تكون ((العلة)) مختصة بالأصل، وإن لم نعلم ذلك لم نعلم صحة القياس. وقد نعلم صحة القياس بانتفاء الفارق بين الأصل والفرع، وإن لم نعلم عين العلة ولا دليلها فإنه يلزم من انتفاء الفارق اشتراكهما في الحكم. وإذا كان (قياس التمثيل) إنما يكون إما بانتفاء الفارق أو بإثبات جامع، وهو كلي يجمعهما يستلزم الحكم، كل منهما ممكن تصويره بصور (قياس الشمول) وهو يتضمن لزوم الحكم الكلي لجزئياته، وهذا حقيقة (قياس الشمول). ليس ذلك استدلالًا بمجرد ثبوته لجزئي على ثبوته لجزئي آخر. فأما إذا قيل (بم نعلم أن المشترك مستلزم للحكم) قيل بما نعلم به القضية الكبرى في (القياس) ببيان الحد الأوسط (الذي) هو المشترك الجامع ولزوم الحد الأكبر له هو لزوم الحكم للجامع المشترك كما تقدم التنبيه على هذا. وقد يستدل بجزئي على جزئي. إذا كانا متلازمين أو كان أحدهما ملزوم الآخر من غير عكس، فإن كان اللزوم عن الذات، كانت الدلالة على الذات وإن كان في صفة أو حكم كانت الدلالة على الصفة أو الحكم. فقد تبين ما في حصرهم من الخلل، وأما تقسيمهم إلى الأنواع الثلاثة، فكلها تعود على ما ذكر في استلزام الدليل للمدلول. وما ذكروه في (الاقتراني) يمكن تصويره بصورة (الاستثنائي) يمكن

стр. 108

تصويره بصورة (الاقتراني)، فيعود الأمر إلى معنى واحد. وهو مادة الدليل والمادة لا تلعم من صورة ((القياس)) الذي ذكروه، بل من عرف المادة بحيث يعلم أن هذا مستلزم لهذا، علم الدلالة سواء صورت بصورة ((قياس أو لم تصور))، وسواء عبر عنها بعبارتهم أو بغيرها، بل العبارات التي صقلتها عقول المسلمين وألسنتهم خير من عباراتهم بكثير كثير. ((والاقتراني)) كله يعود إلى لزوم هذا، لهذا وهذا لهذا، كما ذكره بعينه هو الاستثنائي المؤلف من ((المتصل)) و ((المنفصل)) فإن الشرطي ((المتصل)) استدلال باللزوم بثبوت الملزوم الذي هو المقدم وهو الشرط على ثبوت اللازم الذي هو التالي وهو المشروط وبانتفاء اللازم وهو بالتالي الذي هو الجزاء على انتفاء الملزوم الذي هو المقدم وهو الشرط. وأما الشرطي المنفصل وهو الذي يسميه الأصوليون ((السبر والتقسيم) وقد يسميه أيضًا الجدليون (التقسيم والترديد)، فمضمونه الاستدلال بثبوت أحد النقيضين على انتفاء الآخر؛ وبانتفائه على ثبوته وأقسامه أربعة. ولهذا كان في (مانعة الجمع والخلو) والاستثناءات الأربعة وهو- إنه إن ثبت انتفى نقيضه وكذا الآخر وإن انتفى هذا ثبت نقيضه وكذا الآخر. و(في) مانعة الجمع الاستدلال بثبوت أحد الضدين على انتفاء الآخر والأمران متنافيان. ومانعة الخلو فيها (تناقض) (ولزم) (و) النقيضان لا يرتفعان، فمنعت الخلو منهما ولكن مسماها وجود شيء وعد آخر، ليس هو وجود الشيء

стр. 109

وعدمه، ووجود شيء وعدم آخر قد يكون أحدهما لازمًا للآخر. وإن كانا يرتفعان لأن ارتفاعهما يقتضي ارتفاع وجود شيء وعدمه معًا. وبالجملة ما من شيء إلا وله لازم لا يوجد بدونه، وله مناف مضاد لوجوده، فيستدل عليه بثبوت ملزومه وعلى انتفائه بانتفاء لازمه، ويستدل على انتفائه بوجود منافيه، ويستدل بانتفاء منافيه على وجوده. وإذا انحصر الأمر فيهما فلم يمكن عدمهما جميعًا، كما لم يمكن وجودهما جميعًا. وهذا الاستدلال يحصل من العلم بأحوال الشيئين وملزومهما ولوازمهما. وإذا تصورته الفطرة عبر بأنواع من العبارات وصورته في أنواع من صور الأدلة، لا يختص شيء من ذلك بالصورة التي ذكروها في ((القياس)) فضلًا عما سموه ((البرهان)). فإن ((البرهان)) شرطوا له مادة معينة وهي القضايا التي ذكروها، وأخرجوا من الأوليات ما سموه وهميات وما سموه (شهورات) وحكم بالفطرة بهما لاسيما بما سموه (وهميات) أعظم من حكمها بكثير من ((اليقنات)) التي جعلوها مواد ((البرهان)). وقد بسط القول على هذا وبينت كلامهم في ذلك وتناقضهم وأن ما أخرجوه تخرج به ما تنال به أشرف العلوم من العلوم النظرية والعلوم العملية، ولا يبقى بأيديهم إلا أمور مقدرة في الأذهان لا حقيقة لها في الأعيان. ولولا أن هذا الموضع لا يتسع لحكاية ألفاظهم في هذا. وما أوردته عليهم لذكرته، فقد ذكرت ذلك كله في مواضعه من العلوم الكلية والإلهية فإنها هي المطلوبة. والكلام في المنطق إنما وقع لما زعموا أنه آلة قانونية تعصم مراعاتها

стр. 110

الذهن أن يزل في فكره، فاحتجنا أن ننظر في هذه الآلة هل هو كما قالوا أو ليس الأمر كذلك؟ ومن شيوخهم من إذا تبين له من فساد أقوالهم ما يبين به ضلالهم وعجز عن دفع ذلك: يقول ((هذه علوم قد صقلتها الأذهان أكثر من ألف سنة وقبلها الفضلاء)) فيقال له: عن هذا أجوبه. أحدهما: أنه ليس الأمر كذلك. فما زال العقلاء الذين هم أفضل من هؤلاء ينكرون عليهم ويثبتون خطأهم وضلالهم. فأما القدماء فالنزاع بينهم كثير معروف وفي كتب أخبارهم ومقالاتهم من ذلك ما ليس هذا موضع ذكره. فأما أيام الإسلام فإن كلام نظار المسلمين في بيان فساد ما أفسدوه من أصولهم المنطقية والإلهية بل والطبيعية والرياضية كثير قد صنف فيه كل طائفة من طوائف نظار المسلمين حتى الرافضة وأما شهادة سائر العلماء بضلالهم وكفرهم فهذا اللسان عام لا يدفعه إلا معاند، والمؤمنون شهداء الله في الأرض. فإذا كان أعيان الأذكياء الفضلاء من الطوائف وسائر أهل العلم والإيمان معلنين تخطئتهم وتضليلهم إما تفصيلًا. امتنع أن يكون العقلاء قاطبة تلقوا كلامهم بالقبول. أوجه الثاني: أن هذا ليس بحجة، فإن الفلسفة كانت قبل أرسطو وتلقاها من قبله بالقبول طعن أرسطو في كثير منها وبين خطأهم، وابن سينا وأتباعه خالفوا القدماء في طائفة من أناويلهم المنطقية وغيرها بينوا خطأهم، ورد الفلاسفة بعضهم على بعض أكثر من رد كل طائفة بعضهم على بعض، وأبو

стр. 111

البركات وأمثاله قد ردوا على أرسطو ما شاء الله لأنهم يقولون: إنما قصدنا الحق ليس قصدة التعصب لقائل معين ولا لقول معين. والثالث أن دين عباد الأصنام أقدم من فلسفتهم، وقد دخل فيه من الطوائف أعظم ممن دخل في فلسفتهم، وكذلك دين اليهود المبدل أقدم من فلسفة أرسطو. ودين النصارى المبدل أقرب من زمن أرسطو، فإن أرسطو كان قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة فإنه كان في زمن الإسكندر أن فيلبس الذي يؤرخ به تاريخ الروم الذي يستعمله اليهود والنصارى. الرابع: أن يقال: فهب أن الأمر كذلك فهذه العلوم عقلية محضة ليس فيها تقليد لقائل، وإنما تعلم بمجرد العقل، فلا يجوز أن يصحح بالنقل- بل لا يتكلم فيها إلا بالمعقول المجرد- فإذا دل المعقول الصريح على بطلان الباطل منها لم يجز رده، فإن أهلها لم يدعوا أنها مأخوذة عن شيء يجب تصديقه، بل عن عقل محض، فيجب التحاكم فيها إلى موجب العقل الصريح. [قياس الشمول والاستقراء] فصل: وقد احتجوا بما ذكروه من أن ((الاستقراء)) دون ((القياس)) الذي هو ((قياس الشمول)) وأن ((قياس التمثيل)) دون ((الاستقراء))، فقالوا: إن ((قياس التمثيل)) لا يفيد إلا الظن، وإن المحكوم عليه قد يكون جزئيًا، بخلاف ((الاستقراء)) فإنه قد يفيد اليقين والمحكوم عليه لا يكون (إلا) كليًا. قالوا: وذلك أن ((الاستقراء)) هو الحكم على كلي بما يحقق في جزئياته، فإن كان في جميع الجزئيات كان الاستقراء تامًا كالحكم على المتحرك ((بالجسمية)) لكونها محكومًا ما بها على جميع جزئيات المتحرك من الجماد والحيوان والنبات،

стр. 112

(والناقص) كالحكم على الحيوان بأنه إذا أكل، تحرك فكه الأسفل عند المضغ لوجود ذلك في أكثر جزئياته. ولعله فيما لم يستقرأ على خلافه كالمساح، والأول ينيقع في (اليقينات) بخلاف الثاني وإن كان منتفعًا به في (الجدليات). وأما (قياس التمثيل) فهو الحكم على شيء بما حكم به على غيره بناء على جامع مشترك بينهما، كقولهم العالم موجود، فكان قديمًا كالباري)، أو هو جسم فكان محدثًا كالإنسان). وهو مشتمل على (فرع وأصل وعلة وحكم) فالفرع ما هو مثل (العالم) في هذا المثل، والأصل ما هو مثل (الباري) أو (الإنسان). والعلة الموجود أو الجسم). والحكم (القديم أو المحدث) فقالوا: ويفارق (الاستقراء) من جهة أن المحكوم عليه فيه قد يكون جزئيًا، والمحكوم عليه في (الاستقراء) لا يكون إلا كليًا، قالوا: وهو غير مفيد لليقين. فإنه ليس من ضرورة اشتراك أمرين فيم يعمهما اشتراكهما فيما حكم به على أحدهما، إلا أن يبين الاشتراك علة لذلك الحكم وكل ما يدل عليه فظني، فإن المساعد على ذلك في العقليات عند القائلين به لا يخرج عن (الطرد) والعكس (والسبر والتقسيم). أما (الطرد والعكس) فلا معنى غير تلازم الحكم والعلة؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ولابد في ذلك من (الاستقراء) ولا سبيل إلى دعواه في الفراغ إذ هو غير المطلوب فيكون (الاستقراء) ناقصًا ولاسيما ويجوز أن تكون علة الحكم في الأصل مركبة من أوصاف مشتركة ومن غيرها، ويكون وجودها في الأوصاف. متحققًا فيها، فإذا وجد المشترك في الأصل ثبت الحكم لكمال علته، وعند انتفائه فينتفي لنقصان العلة، وعند ذلك فلا يلزم من وجود المشترك في الفرع، ثبوت الحكم لجواز تخلف باقي الأوصاف أو بعضها.

стр. 113

وأما (السبر والتقسيم) فحاصله يرجع إلى دعوى حصر أوصاف الأصل في جملة معينة. وإبطال كل ما عدا المستبقي، وهو أيضًا غير يقيني لجواز أن يكون الحكم ثابتًا في الأصل لذات الأصل لا لخارج، وإلا لزم التسلسل، وإن ثبت الخارج فمن الجائز أن يكون لغيرها أبدًا، وإن لم يطلع عليه مع البحث عنه، وليس الأمر كذلك في العاديات. فإنا لا نشك مع سلامة البصر وارتفاع الموانع في عدم (بحر من زئبق) (وجبل من ذهب) بين أيدينا، ونحن لا نشاهده، وإن كان منحصرًا فمن الجائز أن يكون معللًا بالمجموع أو بالبعض الذي لا تحقق له في الفروع، وثبوت الحكم مع المشترك في صورة مع تخلف غيره من الأوصاف المقارنة له في الأصل. مما لا يوجب استقلاله بالتعليل، لجواز أن يكون في تلك معللًا بعلة أخرى، ولا امتناع فيه، وإن كان لا علة له سواه فجائز أن يكون علة لخصوصه لا لعمومه، وإن بين أن ذلك الوصف يلزمه لعموم ذات الحكم، فمع بعده يستغنى عن التمثيل. قالوا: والفراسة البدنية هي عين (التمثيل)، غير أن الجامع فيها بين الأصل والفرع دليل العلة لا نفسها وهو المسمى في عرف الفقهاء (بقياس الدلالة)، فإنها استدلال بمعلول العلة على ثبوتها، ثم الاستدلال بثبوتها على معلولها الآخر، إذ مبناها على أن المزاج علة لخلق باطن وخلق ظاهر فيستدل بالخلق الظاهر على المزاج، ثم بالمزاج على الخلق الباطن. كالاستدلال (يعرض الأعلى) على (الشجاعة) بناء على كونهما معلولى مزاج واحد كما يوجد مثل ذلك في الأسد. ثم إثبات العلة في الأصل لابد فيها من (الدوران) أو (التقسيم) كما تقدم وإن قدر أن علة الحكمين في الأصل واحدة فلا مانع من ثبوت أحدهما في الفرع بغير علة الأصل وعند ذلك فلا يلزم الحكم الآخر.

стр. 114

[اليقين والظن] هذا كلامهم. فيقال: تفريقهم بين ((قياس الشمول)) ((وقياس التمثيل)) بأن الأول قد يفيد اليقين والثاني لا يفيد إلا الظن، فرق باطل. بل من حيث أفاد أحدهما اليقين أفاد الآخر اليقين، وحيث لا يفيد أحدهما إلا الظن لا يفيد الآخر إلا الظن. فإن إفادة ((الدليل)) لليقين أو الظن ليس لكونه على صورة أحدهما دون الآخر، بل باعتبار تضمن أحدهما لما يفيد اليقين. فإن كان أحدهما اشتمل على أمر مستلزم للحكم يقينًا يحصل به اليقين، وإن لم يشتمل إلا على ما يفيد الحكم ظنًا لم يفد إلا الظن والذي يسمى في أحدهما ((حدًا أوسط)) هو في الآخر ((الوصف المشترك)). والقضية الكبرى المتضمنة لزوم الحد الأكبر للأوسط هو بيان تأثير الوصف المشترك بين الأصل والفرع. فما به يتبين صدق القضية الكبرى به يتبين أن الجامع المشترك مستلزم للحكم، فلزوم الأكبر الأوسط هو لزوم الحكم للمشترك. فإذا قلت: ((النبيذ حرام قياسًا على الخمر))، لأن ((الخمر إنما حرمت لكونها مسكرة)). وهذا الوصف موجود في النبيذ. كان بمنزلة قولك: ((كل نبيذ مسكر: ((وكل مسكر حرام)). فالنتيجة: ((قولك النبيذ حرام))، ((والنبيذ)) هو موضوعها وهو الحد الأصغر ((والحرام)) محمولها وهو الحد الأكبر، ((والمسكر)) هو المتوسط بين الموضوع والمحمول وهو الحد الأوسط، المحمول في الصغرى الموضوع في الكبرى. فإذا قلت: ((النبيذ حرام قياسًا على خمر العنب))، ((لأن العلة في الأصل هو الإسكار وهو

стр. 115

موجود في الفرع))، فتبت التحريم لوجود علته فإنما استدللت على تحريم ((النبيذ بالسكر)) وهو الحد الأوسط، لكن زدت في ((قياس التمثيل)) ذكر الأصل الذي يثبت به الفرع، وهذا لأن شعور النفس بنظر الفرع، أقوى في المعرفة من مجرد دخوله في الجامع الكلي. وإذا قام الدليل على تأثير الوصف المشترك لم يكن ذكر الأصل محتاجًا إليه. ((والقياس)) لا يحلو إما أن يكون ((بإبداء الجامع)). أو ((بإلغاء الفارق)) (و) هو ((الحد الأوسط)). فإذا قيل: ((هذا مساوى لهذا، ومساوى المساوى مساو))، كانت ((المساواة هي الحد الأوسط))، وإلغاء الفارق عبارة عن ((المساواة)). فإذا قيل: ((لا فرق بين الفرع والأصل إلا كذا وهو متعذر))، فهو بمنزلة قولك. ((هذا مساو لهذا، وحكم المساوى حكم مساويه)). وأما قولهم: ((كل ما يدل على (أن) ما به الاشتراك علة للحكم فظني)) فيقال: لا نسلم فإن هذه دعوى كلية ولم تقيموا عليها دليلًا. ثم نقول: الذي يدل به على علية المشترك هو الذي يدل به على صدق القضية الكبرى، وكل ما يدل به على صدق الكبرى في ((قياس الشمول)) يدل به على علية المشترك في ((قياس التمثيل)) سواء كان علميًا أو ظنيًا. فإن الجامع المشترك في ((التمثيل)) هو الحد الأوسط، ولزوم الحكم له هو لزوم الأكبر للأوسط. ولزوم الأوسط للأصغر هو لزوم الجامع المشترك للأصغر، وثبوت العلة في الفرع. فإذا كان الوصف المشترك وهي المسمى ((بالجامع)) ((والعلة)) أو ((دليل

стр. 116

العلة)) أو ((المناط)) أو ما كان من الأسماء إذا كان ذلك الوصف ثابتًا في الفرع، لازمًا له، كان ذلك موجبًا لصدق المقدمة الصغرى وإذا كان الحكم ثابتًا للوصف مستلزمًا له، كان ذلك موجبًا لصدق الكبرى. وذكر الأصل ليتوصل به إلى إثبات إحدى المقدمتين. فإن كان ((القياس)) بإلغاء ((الفارق))، وهو الحد الأوسط (أو) إن كان ((القياس)) ((بإبداء العلة))، فقد يستغنى عن ذكر الأصل إذ كان الاستدلال على علية الوصف لا يفتقر إليه. وأما إذا احتاج إثبات علية الوصف إليه، فيذكر الأصل لأنه من تمام ما يدل على علية المشترك، وهو الحد الأكبر. وهؤلاء الذين فرقوا بين ((قياس التمثيل)) ((وقياس الشمول)) أخذوا يظهرون كون أحدهما ظنيًا في مواد معينة، وتلك المواد التي لا تفيد إلا الظن في ((قياس التمثيل)) لا تفيد إلا الظن في ((قياس الشمول))، وإلا فإذا أخذوه فيما يستفاد به اليقين من ((قياس الشمول))، أفاد اليقين في ((قياس التمثيل)) أيضًا وكان ظهور اليقين به هناك أتم. فإذا قيل في ((قياس الشمول)): ((كل إنسان حيوان))، ((وكل حيوان جسم))، فكل إنسان جسم))، كان ((الحيوان)) هو الحد الأوسط وهو المشترك في ((قياس التمثيل))، بأن يقال ((الإنسان جسم)) قياس على الفرس وغيره من الحيوانات))، فإن كون تلك الحيوانات حيوانًا، هو مستلزم لكونه جسمًا

стр. 117

إذا نوزع في علية الحكم في الأصل، فقيل: ((له لا نسلم أن الحيوانية تستلزم الجسمية))، كان هذا نزاعً في قوله: ((كل حيوان جسم. وذلك أن المشترك بين الأصل والفرع إذا سمي ((علة))، إنما يراد به ((ما يستلزم أن الحكم)) سواء كان هو ((العلة الموجبة لوجوده في الخارج)) أو كان ((مستلزمًا لذلك.)) ومن الماس من يسمي الجميع ((علة)) لاسيما من يقول: ((إن العلة إنما يراد بها المعرف وهو الأمارة والعلامة والدليل. لا يراد بها ((الباعث والداعي))، ومن قال: إنه يراد بها ((الداعي)) وهو ((الباعث)) فإنه يقول ذلك في علل الأفعال. وأما غير الأفعال فقد تفسر ((العلة)) فيها ((بالوصف المستلزم)) كاستلزام ((الإنسانية والحيوانية للجسمية)) وإن لم يكن أحد الوصفين هو المؤثر في الآخر. على أنا قد بينا في غير هذا الموضع، إن ما به يعلم ((كون الحيوان جسمًا))، به يعلم أن الإنسان جسم))، حيث بنيا أن ((قياس الشمول)) الذي يذكرونه قليل الفائدة أو عديمها، وأن ما به يعلم صدق الكبرى في العقليات به يعلم صدق أفرادها التي منها الصغرى، بل وبذلك يعلم صدق النتيجة. ثم قال: وتناقضهم فساد قولهم أكثر من أن يذكر، والمقصود هنا الكلام على المنطق وما ذكروه من ((البرهان)) وأنهم يعظمون ((قياس الشمول))، ويستخفون ((بقياس التمثيل)) ويزعمون أنه إنما يفيد الظن، وأن العلم لا يحصل إلا بذاك وليس الأمر كذلك، بل هما في الحقيقة من جنس واحد، ((وقياس التمثيل)) الصحيح أولى بإفادة المطلوب- علمًا كان لأو ظنًا- من مجرد (قياس الشمول، ولهذا كان سائر

стр. 118

العقلاء يستدلون ((بقياس التمثيل)) أكثر مما يستدلون ((بقياس الشمول))، بل لا يصح ((قياس الشمول)) في الأمر العام إلا توسط ((قياس التمثيل)). وكل ما يحتج به على صحة ((قياس التمثيل)) في تلك الصورة ومثلنا هذا بقولهم: ((الواحد (لا يصدر عنه) إلا واحد)). فإنه من أشهر أقوالهم الإلهية الفاسدة. وأما الأقوال الصحيحة. فهذا أيضًا ظاهر فيها. فإن ((قياس الشمول)) لابد فيه من قضية كلية موجبة، فلا إنتاج عن سالبتين ولا عن جزئيتين باتفاقهم. والكلي لا يكون كليًا إلا في الذهن فإذا عرف تحقيق بعض أفراده في الخارج، كان ذلك مما يعين على العلم بكونه كليًا موجبًا، فإنه إذا أحس الإنسان ببعض الأفراد الخارجية، انتزع منه وصفًا كليًا لاسيما إذا كثرت أفراده، والعلم بثبوت الوصف المشترك الأصل في الخارج هو أصل العلم بالقضية الكلية. وحينئذ ((فالقياس التمثيل أصل، للقياس الشمولي)). إما أن يكون سببًا في حصوله، وإما أن يقال لا يوجد بدونه، فكيف يكون وحده أقوى منه؟ وهم يمثلون الكليات بمثل قول القائل: الكل أعظم من الجزء، والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، والأشياء والمساوية لشيء واحد متساوية ونحو ذلك وما من كلي من هذه الكليات إلا وقد علم من أفراده أمور كثيرة، إذا أريد تحقيق هذه الكلية في النفس ضرب لها المثل لفرد من

стр. 119

أفرادها وبين انتفاء الفارق بينه وبين غيره أو ثبوت الجامع، وحينئذ يحكم العقل بثبوت الحكم لذلك المشترك الكلي وهذا حقيقة (قياس التمثيل). ولو قدرنا أن (قياس الشمول) لا يفتقر إلى (التمثيل) وإلى العلم بمعين أصلًا فلا يمكن أن يقال: (إذا علم الكلي مع العلم بثبوت أفراداه في الخارج. كان أكمل منه أن يعلمه بدون العلم بذلك المعين) فإن العلم بالمعين ما زاده إلا كمالًا، فتبين أن ما نفوه من صورة (القياس) أكمل مما أثبتوه. واعلم أنهم في المنطق الإلهي بل والطبيعي غيروا بعض ما ذكره أرسطو، لكن ما زادوه في الإلهي هو خير من كلام أرسطو، فإني قد رأيت الكلامين وأرسطو وأتباعه في الألهيات أجهل من اليهود والنصارى بكثير كثير. وأما في الطبيعات فغالب كلامه جيد، وأما المنطق فكلامه فيه خير من كلامه في الإلهي. وأظن ما ذكره في تضعيف ((قياس التمثيل)) إنما هو من كلام متأخريهم لما رأوا استعمال الفقهاء له غالبًا، والفقهاء يستعملونه كثيرًا في المواد الظنية، وهناك الظن حصل من المادة لا من صور القياس، فلو صوروا تلك المادة (بقياس الشمول) لم يفد أيضًا إلا الظن لكن هؤلاء لهؤلاء ظنوا أن الضعف من جهة الصورة فجعلوا صورة قياسهم يقينًا وصورة قياس الفقهاء ظنيًا. ومثلوه بأمثلة كلامية ليقرروا أن المتكلمين يحتجون علينا بالأقيسة الظنية، كما مثلوه من الاحتجاج عليهم بأن الفلك جسم أو مؤلف فكان محدثًا قياسيًا على الإنسان وغيره من المولدات، ثم أخذوا يضعفون هذا القياس

стр. 120

لكن إنما ضعفوه بضعف مادته، فإن هذا الدليل الذي ذكره الجهمية والقدرية ومن وافقهم من الأشعرية وغيرهم على حدوث الأجسام أدلة ضعيفة لأجل مادتها لا تكون صورتها ظنية. ولهذا لا فرق بين أن يصوروها بصورة ((التمثيل)) أو ((الشمول)).

стр. 121

المقام الرابع: البرهان يفيد العلم بالتصديقات فصل- وأما المقام الرابع وهو قولهم إن القياس أو البرهان يفيد العلم بالتصديقات فهو أدق المقامات. وذلك أن خطأ المنطقيين في المقامات الثلاثة وهي منع إمكان التصور إلا بالحد، وحصول القصور بالحد ومنع حصول التصديق بالحد، ومنع حصول التصديق إلا بالقياس، واضح بأدنى تدبر، ومدركه قريب والعلم به ظاهر. وإنما يلبسون على الناس بالتهويل والتطويل وأظهرها خطأ دعواهم أن التصورات المطلوبة لا تحصل إلا بما ذكروه من الحد، ويليه قولهم إن شيئًا من التصديقات المطلوبة لا تنال إلا بما ذكروه من القياس فإن هذا النفي العام أمر لا سبيل إلى العلم به. لوا يقوم عليه دليل أصلًا، مع أنه معلوم البطلان بما يحصل من التصديقات المطلوبة بدون م ذكروه من القياس، كما تحصل تصورات مطلوبة بدون ما يذكرونه من الحد. بخلاف هذا المقام الرابع، فإن كون (القياس) المؤلف من المقدمتين يفيد (النتيجة)، هو أمر صحيح في نفسه. كون القياس المنطقي عديم التأثير في العلم لكن الذي بينه نظار المسلمين في كلامهم على هذا المنطق اليوناني المنسوب إلى أرسطو أن ما ذكروه من صور (القياس) ومواده مع كثرة التعب العظيم ليس فيه فائدة علمية. بل [و] كل ما يمكن علمه (بقياسهم) يمكن علمه

стр. 122

بدون (قياسهم) فلم يكن في (قياسهم) ما يحصل العلم بالمجهول الذي لا يعلم بدونه ولا حاجة إلى ما يمكن العلم بدونه. فصار عديم التأثير في العلم وجودًا وعدمًا، وفيه تطويل كثير متعب، فهو مع أنه لا ينفع في العلم فيه إتعاب الأذهان وتضييع لزمان وكثرة الهذيان. والمطلوب من الأدلة والبراهين بيان العلم وبيان الطرق المؤدية إلى العلم وقالوا: هذا لا يفيد العلم المطلوب، بل قد يكون من الأسباب المعوقة له لما فيه من كثرة تعب الذهن، كمن يريد أن يسلك الطريق ليذهب إلى مكة أو غيرها من البلاد، فإذا سلك الطريق المستقيم المعروف، وصل في هذه مدة قريبة بسعي معتدل، فإذا تبين له مما يسلك به التعاسيف ((والعسف في اللغة الأخذ: على غير طريق بحيث يدور طرقًا دائرة ويسلك به مسالك منحرفة)) فإنه يتعب تعبًا كثيرًا، حتى يصل إلى الطريق المستقيم إن وصل، وإلا فقد يصل إلى غير المطلوب. فيعتقد اعتقادات فاسدة، وقد يعجز بسبب ما يحصل له من التعب والإعياء، فلا هو نال مطلوبه ولا هو استراح. هذا إذا بقى في الجهل البسيط، وهكذا هؤلاء. ولهذا حكى من كان حاضرًا عند موت إمام المنطقيين في زمانه الخونجي أنه قال: عند موته: (أموت وما أعلم شيئًا إلا علمي بأن الممكن يفتقر إلى الواجب). ثم قال: (الافتقار وصف سلبي، أموت وما علمت شيئًا) فهذا حالهم إذا كان منتهى أحدهم الجهل البسيط. وأما من كان منتهاه الجهل

стр. 123

المركب فكثير. والواصل منهم إلى علم، يشبهونه بمن قيل له: أين أذنك)؟ فأدار يده على رأسه. ومدها إلى أذنه بكلفة وقد كان يمكنه أن يوصلها إلى أذنه من تحت رأسه وهو أقرب وأسهل. والأمور النظرية متى جعل لها طرق غير النظرية كان تعذيبًا للنفوس بلا منفعة لها. كما لو قيل لرجل: أقسم هذه الدراهم بين هؤلاء النفوس بالسورية) فإن هذا ممكن بلا كلفة، فلو قال له قائل: اصبر فإنه لا يمكنك القسمة حتى تعرف حدها، وتميز بينها وبين الضرب، فإن القسمة عكس الضرب، فإن الضرب هو تضعيف آحاد أحد (العددين بقدر آحاد) العدد الآخر والقسمة توزيع آحاد أحد العددين على آحاد العدد الآخر. ولهذا إذا ضرب الخارج (بالقسمة) في المقسوم عليه، عاد المقسوم وإذا قسم المرتفع بالضرب على أحد المضروبين خرج المضروب الآخر. ثم يقال ما ذكرته في حد الضرب لا يصح، فإنه إنما يتناول ضرب العدد (الصحيح دون) المكسور، بل الحد الجامع لهما أن يقال: (الضرب طلب جملة- تكون نسبتها إلى أحد المضروبين- كنسبة المضروب الآخر إلى الواحد فإذا قيل: (اضرب النصف في الربع فالخارج هو الثمن ونسبته إلى الربع كنسبة النصف إلى الواحد). فهذا وإن كان كلامًا صحيحًا لكن من المعلوم أن (من) معه ما لا يريد أن يقسمه بين عدد يعرفهم بالسوية إذا ألزم نفسه أن لا يقسمه حتى يتصور هذا كله، كان هذا تعذيبًا له بلا فائدة، وقد لا يفهم هذا الكلام، وقد تعرض له فيه إشكالات.

стр. 124

[الدليل ما كان موصلًا إلى المطلوب] فكذلك (الدليل) هو المرشد إلى المطلوب، والموصل إلى المقصود، وكلما كان مستلزمًا لغيره فإنه يمكن أن يستدل به عليه. ولهذا قيل: الدليل ما يكون النظر الصحيح فيه موصلًا إلى علم أو ظن، فالمقصود أن كل ما كان مستلزمًا لغيره بحيث يكون ملزومًا له، فإنه يكون دليلًا عليه وبرهانًا له- سواء كانا وجوديين أو عدميين أو أحدهما وجوديًا والآخر عدميًا، فأبدا الدليل ملزوم للمدلول عليه، والمدلول لازم للدليل. [عود إلى مقدمات الدليل] ثم قد يكون الدليل مقدمة واحدة متى علمت، علم المطلوب، وقد يحتاج المستدل إلى مقدمتين، وقد يحتاج إلى ثلاث مقدمات وأربع وخمس وأكثر ليس لذلك حد ومقدار يتساوى فيه جميع الناس في جميع المطالب، بل ذلك بحسب علم المستدل للطالب بأحوال المطلوب، والدليل ولوازم ذلك وملزوماته فإذا قدر أنه قد عرف ما به يعلم المطلوب إلا مقدمة واحدة، كان دليله تلذي يحتاج إلي بياناته له تلك المقدمة، كمن علم أن الخمر محرم، وعلم أن النبيذ المتنازع فيه مسكر، لكن لم يعلم أن كل مسكر هو خمر، فهو لا يحتاج إلا إلى هذه المقدمة. فإذا قيل: ثبت في الصحيح عن النبي ( ﷺ ) أنه قال: كل مسكر خمر حصل مطلوبه، ولم يحتج إلى أن يقال. كل نبيذ مسكر، وكل مسكر خمر، ولا أن يقال: كل مسكر خمر، وكل خمر حرام، فإن هذا كله معلوم له لم يكن يخفي عليه، إلا أن اسم الخمر هل هو مختص

стр. 125

ببعض المسكرات، كما ظنه طائفة من علماء المسلمين، أو هو شامل لكل مسكر، فإذا ثبت له عن صاحب الشرع أنه جعله عامًا لا خاصًا حصل مطلوبه، وهذا الحديث في صحيح مسلم ويروى بلفظين: (كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام)، ولم يقل: (كل مسكر خمر وكل خمر حرام)، كالنظم اليوناني، فإن النبي ﷺ أجل قدرًا في علمه وبيانه من أن يتكلم بمثل هذيانهم، فإنه إن قصد مجرد تعريف الحكم لم يحتج مع قوله إلى دليل. وإن قصد بيان الدليل كما بين الله في القرآن عامة المطالب الإلهية التي تقرر الإيمان بالله ورسله واليوم الآخر. فهو ( ﷺ ) أعلم الخلق بالحق، وأحسنهم بيانًا له. فعلم أنه ليس جميع المطالب تحتاج إلى مقدمتين، ولا يذكر في جميعها مقدمتان، بل يذكر ما يحصل به البيان والدلالة، سواء كان مقدمة أو مقدمتين أو أكثر. وما قصد به هدى عام كالقرآن الذي أنزله بيانًا للناس يذكر فيه (من) الأدلة ما ينتفع به الناس عامة. وهذه إنما يمكن بيان أنواعها العامة، وأما ما يختص به كل شخص فلا ضابط له حتى يذكر في كلام، بل هذا يزول بأسباب تختص بصاحبه كرعاية نفسه ومخاطبة شخص معين له بما يناسب حاله ونظره فيما يخص حاله ونحو ذلك. وأيضًا فما يذكرونه من القياس لا يفيد إلا العلم بأمور كلية لا يفيد العلم بشيء معين من الموجودات، ثم تلك الأمور الكلية يمكن العلم بكل واحد منها بما هو أيسر من (قياسهم)، فلا تعلم كلية (بقياسهم إلا والعلم بجزئياتها ممكن بدون قياسهم الشمولي) وربما كان أيسر، فإن العلم بالمعينات قد يكون أبين من العلم (بالكليات) وهذا مبسوط في موضعه.

стр. 126

[الدليل] والمقصود هنا: أن المطلوب هو العلم والطريق إليه هو الدليل. فمن عرف دليل مطلوبه، عرف مطلوبه، سواء نظمه بقياسهم أم لا، ومن لم يعرف دليله لم ينفعه قياسهم. ولا يقال إن قياسهم يعرف صحيح الأدلة من فاسدها، فإن هذا إنما يقوله جاهل لا يعرف حقيقة قياسهم، فإن حقيقة قياسهم ليس فيه إلا شكل الدليل وصورته. وأما كون الدليل المعين مستلزمًا لمدلوله، فهذا ليس في قياسهم ما يتعرض له بنفي ولا إثبات، وإنما هذا بحسب علة بالمقدمات ولا فسادها. وإنما يتكلمون في هذا إذا تكلموا في مواد القياس وهو الكلام في المقدمات من جهة ما يصدق بها. [وكلامهم] في هذا فيه خطأ كثير، كما نبه عليه في موضع آخر. والمقصود هنا أن الحقيقة المعتبرة في كل برهان ودليل في العالم هو ((اللزوم)) فمن عرف أن هذا لازم لهذا، استدل بالملزوم على اللازم. وإن لم يذكر لفظ ((اللزوم)) ولا تصور معنى هذا اللفظ. بل من عرف أن كذا لابد من كذا، أو أنه إذا كان كذا كان كذا، وأمثال هذا، فقد علم ((اللزوم)). كما يعرف أن كل ما في الوجود فهو آية لله، فإنه مفتقر إليه محتاج إليه لابد له منه فيلزم من وجوده وجود الصانع. وكما يعلم أن المحدث لابد له من محدث، كما قال تعالى: (أم خلقوا

стр. 127

من غير شيء أم هم الخالقون). قال جبير بن مطعم: لما سمعت هذه الآية أحسست بفؤادي قد انصدع)). فإن هذا تقسيم حاضر يقول: أخلقوا من غير خالق خلقهم؟ ، فهذا ممتنع في بداية العقول. أم هم خلقوا أنفسهم؟ فهذا أشد امتناعًا، فعلم أن لهم خالقًا خلقهم. وهو ذكر الدليل بصيغة استفهام الإنكار، ليبين أن هذه القضية التي استدل بها فطرية بديهية مستقرة في النفوس، لا يمكن لأحد إنكارها، فلا يمكن صحيح الفطرة أن يدعي وجود حادث بدون محدث أحدثه، ولا يمكنه أن يقول: هذا أحدث نفسه. وكثير من النظار يسلك طريقًا في الاستدلال على المطلوب ويقول: لا يوصل إلى مطلوب إلا بهذا الطريق، ولا يكون الأمر كما قاله في النفي، وإن كان مصيبًا في صحة ذلك الطريق، فإن المطلوب كلما كان الناس إلى معرفته أحوج، يسر الله على عقول الناس معرفة أدلة له، فأدلة إثبات الصانع وتوحيده وأعلام النبوة وأداتها كثيرة جدًا، وطرق الناس في معرفتها كثيرة، وكثير من الطرق لا يحتاج إليه أكثر الناس، وإنما يحتاج إليه من لم يعرف غيره، أو من أعرض عن غيره. وبعض الناس يكون كلما كان الطريق أدق وأخفى وأكثر مقدمات وأطول، كان أنفع له، لأن نفسه اعتادت النظر الطويل في الأمور الدقيقة. فإذا كان الدليل قليل المقدمات أو كانت جلية لم تفرح نفسه به، ومثل هذا قد تستعمل معه الطرق الكلامية المنطقية وغيرها لمناسبتها لعادته، لا لكون العلم بالمطلوب متوقفًا عليها مطلقًا، فإن من الناس من إذا عرف

стр. 128

ما يعرفه جمهور الناس وعمومهم أو ما يمكن غير الأذكياء معرفته، لم يكن عند نفسه قد امتاز عنهم بعلم. فيجب معرفة الأمور الخفية الدقيقة الكثيرة المقدمات. ولهذا يرغب كثير من علماء السنة في النظر في العلوم الصادقة الدقيقة كالجبر والمقابلة وعويص الفرائض والوصايا والدور وهو علم صحيح في نفسه وعلم الفرائض نوعان: أحكام وحساب، فالأحكام ثلاثة أنواع، علم الأحكام علة مذهب بعض الفقهاء، وهذا أولها. ويليه علم أقاويل الصحابة والعلماء فيما اختلف فيه منها، ويليه علم أدلة ذلك من الكتاب والسنة. وأما حساب الفرائض فمعرفة أصول المسائل وتصحيحها والمناسخات وقسمة التركات. وهذا الثاني كله علم معقول يعلم بالعقل كسائر حساب المعاملات وغير ذلك من الأنواع التي يحتاج إليها الناس، ثم قد ذكروا حساب المجهول الملقب بحساب الجبر والمقابلة وهو علم قديم، لكن إدخاله في الوصايا والدور ونحو ذلك، أول من عرف أنه أدخله فيها محمد بن موسى الخوارزمي وبعض الناس يذكر عن علي بن أبي طالب أنه تكلم فيه؛ وأنه تعلم ذلك يهودي، وهذا كذب على علي ﵁ ((الدور)) يقال على ثلاثة أنواع: ((الدور الكوني)) الذي يذكر في الأدلة العقلية أنه ((لا يكون هذا حتى يكون هذا))، وطائفة من النظار كانوا يقولون هو ممتنع، والصواب أنه نوعان كما يقوله الآمدي وغيره: دور قبلي ودور

стр. 129

معي. ((فالقبلي)) ممتنع وهو الذي يذكر في العلل وفي الفاعل والمؤثر ونحو ذلك، مثل أن يقال: ((لا يجوز أن يكون كل من الشيئين فاعلًا للآخر، لأنه يفض إلى الدور))، وهو أنه يكون هذا قبل ذاك وقبل هذا. والدور المعي وهو دور الشروط وأخذ المتضايفين مع الآخر مثل: ((لا تكون الأبوة إلا مع البنوة ولا تكون البنوة إلا مع الأبوة. النوع للثاني: ((الدور الحكمي الفقهي)) المذكور في المسألة السريحية وغيرها، وقد أفردنا فيه مؤلفًا وبينا أنه باطل عقلًا وشرعًا، وبينا هل في الشريعة شيء من هذا الدور أم لا. الثالث: الدور الحسابي، وهو أن يقال لا يعلم هذا حتى يعلم هذا، ((فهذا هو الذي يطلب حله الجبر والمقتلة)). وقد بينا أنه يمكن الجواب عن كل مسألة شرعية جاء بها الرسول ﷺ بدون حساب الجبر والمقابلة. وإن كان حساب الجبر والمقابلة صحيحًا. [ليست شريعة الإسلام موقوفة على شيء من علومهم] فنحن قد بينا أن شريعة الإسلام ومعرفتها ليست موقوفة على شيء يتعلم من غير المسلمين أصلًا، وإن كان طريقًا صحيحًا، بل طريق الجبر

стр. 130

والمقابلة فيها تطور، يغني الله عنه بغيره كما ذكرنا في المنطق. وهكذا كل ما بعث به النبي ﷺ مثل العلم بجهة القبلة والعلم بمواقيت الصلاة والعلم بطلوع الفجر والعلم بالهلال، فكل القبلة هذا يمكن العلم به بالطرق التي كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان يسلكونها ولا يحتاجون معها إلى شيء آخر. وإن كان كثير من الناس قد أحدثوا طرقًا أخر، وكثير منهم يظن أنه لا يمكن معرفة الشريعة إلا بها، وهذا من جهلهم. كما يظن طائفة من الناس أن العلم بالقبلة لا يمكن إلا بمعرفة ((أطوال البلاد وعروضها)). وهو إن كان علمًا صحيحًا حسابيًا يعرف بالعقل، لكن معرفة المسلمين بقبلتهم ليست موقوفة على هذا. بل قد ثبت عن صاحب الشرع ﷺ إنه قال: ((ما بين المشرق والمغرب قبلة)). قال الترمذي: حديث صحيح. ولهذا كان عند جماهير العلماء أن المصلي ليس عليه أن يستدل ((بالقطب)) ولا بالجدي ولا غير ذلك بل إذا [من في] جعل الشام ونحوها المغرب عن يمينه والمشرق عن شماله صحت صلاته. وكذلك لا يمكن ضبط وقت طلوع الهلال بالحساب فإنهم وإن عرفوا أن نور القمر مستفاد من الشمس وأنه إذا اجتمع القرصان عند الاسترار لا يرى له ضوء فإذا فارق الشمس صار فيه النور، فهم أكثر ما يمكنهم أن يضبطوا بالحساب كم بعد من غروب الشمس عن الشمس. هذا إذا قدر صحة تقويم الحساب وتعديله، فإنهم يسمعونه علم التقويم والتعديل لأنهم

стр. 131

يأخذون أعلا مسير الكواكب وأدناه فيأخذون معدله، فيحسبونه فإذا قدر أنهم حزروا ارتفاعه عند مغيب الشمس. لم يكن في هذا ما يدل على ثبوت الرؤية ولا انتفائها لأن الرؤية أمر حسي لها أسباب متعددة من صفاء الهواء وكدره وارتفاع النظر وانخفاضه وحد البصر وكلاله، فمن الناس من لا يراه. ويراه من هو أحد بصرًا منه ونحو ذلك فلهذا كان قدماء علماء الهيئة كبطليموس صاحب المجسطي وغيره، لم يتكلموا في ذلك بحرف وإنما تكلم فيه بعض المتأخرين مثل كوشيار الديلمى ولمحوه كم رأوا الشريعة جاءت باعتبار الرؤية. فأحبوا أن يعرفوا ذلك بالحساب، فضلوا وأضلوا. ومن قال إنه لا يرى على إثنى عشرة درجة أو عشر ونحو ذلك، فقد أخطأ. فإن من الناس من يراه على أقل من ذلك. ومنهم من لا يراه على ذلك، فلا العقل اعتبروا ولا الشرع عرفوا، لهذا أنكر ذلك عليهم حذاق صناعتهم. ثم قال: فصورة القياس لا تدفع صحتها، لكن تبين أنه لا يستفاد منه فصل: القياس مع صحته لا يستفاد به علم بالموجودات: كما أن اشتراطهم للمقدمتين دون الزيادة والنقص شرط باطل. فهو وإن حصل به يقين فلا يستفاد بخصوصه يقين مطلوب بشيء من الموجودات. فنقول إن صورة (القياس) إذا كانت مواده معلومة لا ريب أنه يفيد اليقين إذا قيل كل أب وكل ب ج، وكانت المقدمتان معلومتين، فلا ريب أن هذا التأليف يفيد العلم بأن كل أج، لكن يقال ما ذكروه من كثرة الأشكال وشرط نتاجها تطويل

стр. 132

قليل الفائدة كبير التعب ............................................................. فإنه متى كانت المادة صحيحة أمكن تصويرها بالشكل الأول الفطري، فبقية الإشكال لا تحتاج إليها، وهي إنما تفيد بالرد إلى الشكل الأول، إما بإبطال النقيض الذي يتضمنه قياس (الخلف). وإما بالعكس المستوى أو عكس النقيض، فإن ثبوت أحد المتناقضين يستلزم نفي الآخر، إذا روعي التناقض من كل جهة، فهم يستدلون بصحة القضية على بطلان نقيضها وعلى ثبوت عكسها المستوي وعكس نقيضها، بل تصور الذهن لصورة الدليل يشبه حساب الإنسان لما معه من الرقيق والعقار. والفطرة تتصور القياس الصحيح من غير تعلم. وإن الناس بفطرهم يتكلمون بالأنواع الثلاثة: التداخل، والتلازم، والتقسيم، كما يتكلمون بالحساب ونحوه والمنطقيون يسلمون ذلك. والحاصل أنا لا ننكر أن (القياس) يتحصل به علم إذا كانت مواده يقينية، لكن نقول: إن العلم الحاصل به لا يحتاج فيه إلى (القياس المنطقي) بل يتحصل بدون ذلك. فلا يكون شيء من العلم متوقفًا على هذا (القياس) وتبين المواد اليقينية التي ذكروها بها علم بالأمور الموجودة، فلا يتحصل بها مقصود تزكو به النفوس. بل ولا علم بالحقائق الموجودة في الخارج على ما هو عليه إلا من جنس ما يحصل (بقياس التمثيل) فلا يمكن قط أن يتحصل بالقياس الشمولي المنطقي الذي يسمونه (البرهان) علم إلا وذلك يحصل (بقياس التمثيل) الذي يستضعفونه. فإن ذلك القياس لابد فيه من قضية

стр. 133

كلية. والعلم يكون الكلية كلية، لا يمكن الجزم به إلا مع الجزم بتماثل فأراده في القدر المشترك. وهذا يحصل بقياس التمثيل. ونحن نبين ذلك بوجوه: الأول: أن المواد اليقينية قد حصروها في الأصناف المعروفة عندهم، أحدها الحسيات: ومعلوم أن الحس لا يدرك أمرًا كليًا عامًا أصلًا فليس في الحسيات المجردة قضية كلية عامة تصلح أن تكون مقدمة في (البرهان اليقيني). وإذا مثلوا ذلك: بأن النار تحرق ونحو ذلك، لم يكن لهم علم بعموم هذه القضية. وإنما يفهم بالتجربة والعادة التي هي من جنس (قياس التمثيل). وإن علم ذلك بواسطة اشتمال النار على قوة محرقة، فالعلم بأن كل نار لابد فيها من هذه القوة هو أيضًا حكم كلي، وإن قيل: إن الصورة النارية لابد أن تشتمل على هذه القوة، وأن مالا قوة له ليس بنار. فهذا الكلام إن صح لا يفيد الجزم بأن كل ما فيه هذه القوة يحرق ما لاقاه (يحترق) وإن كان هذا هو الغالب، فهذا يشترك فيه قياس، والتمثيل والشمول والعادة والاستقراء الناقص. إذا سلم لهم ذلك. كيف وقد علم أنها لا تحرق السمندل والياقوت والأجسام المطلية بأمور مصبوغة. ولا أعلم في القضايا الحسية كلية لا يمكن نقضها، مع أن القضية الكلية ليست حسية، وإنما القضية الحسية: أن هذه النار تحرق فإن الحس لا يدرك الأشياء خاصًا، وأما الحكم العقلي فيقولون: إن النفس عند رؤيتها هذه المعينات مستعدة لأن تفيض عليها قضية كلية بالعموم ومعلوم أن هذا من جنس قياس التمثيل، ولا يوثق بعمومه إن لم يعلم أن الحكم العام لازم

стр. 134

للقدر المشترك. وهذا إذا علم، علم في جميع المعينات. فلم يكن العلم بالمعينات موقوفًا على هذا، مع أنه ليس من القضايا العاديات، قضية كلية لا يمكن نقضها باتفاق العقلاء. الثاني: الوجدنيات الباطنة. كإدراك كل أحد جوعه وألمه ولذته، وهذه كلها جزئيات، بل هذه لا يشترك الناس في إدراك كل جزء منها، كما قد يشتركون في إدراك بعض ((الحسيات)) المنفصلة كالشمس والقمر، ففيها من الخصوص في المدرك والمدرك ما ليس في ((الحسيات المنفصلة))، وإن اشتركوا في نوعها فهي تشبه ((العاديات)). ولم يقيموا حجة على وجوب تساوي النفوس في هذه الأحوال بل ولا عن النفس الناطقة، أنها مستوية الأفراد. الثالث: المجربات وهي كلها جزئية. فإن التجربة إنما تقع على أمور معينة، وكذلك المتواترات فإن المتواتر إنما هو ما علم بالحس من مسموع أو مرئي. فالمسموع قول معين، والمرئي جسم معين أولون معين أو عمل معين أو أمر معين. وأما الحدسيات إن جعلت يقينية فهي نظير المجربات إذ الفرق بينهما لا يعود إلى العموم والخصوص، وإنما يعود إلى (أن) المجربات تتعلق بما هو من أفعال المجربين والحدسيات (لا) تكون عن أفعالهم وبعض الناس يسمى الكلي تجربيات فلم يبق

стр. 135

معهم إلا "الأوليات" التي هي البديهيات العقلية، "والأوليات الكلية" إنما هي قضايا مطلقة في الأعداد والمقادير ونحوها مثل قولهم: "الواحد نصف الاثنين"، "والأشياء المساوية لشيء واحد متساوية" ونحو ذلك. وهي مقدرات في الذهن ليست في الخارج كلية. فقد تبين أن القضايا الكلية البرهانية التي يجب القطع بكليتها التي يستعملونها في قياسهم لا يستعمل في شيء من الأمور الموجودة، وإنما تستعمل في مقدرات ذهنية، فإذن لا يمكنهم معرفة الأمور الموجودة المعينة بالقياس البرهاني، "وهذا هو المطلوب ولهذا لم يكن لهم علم بحصر أقسام الموجود. بل أرسطو لما حصر أجناس الموجودات في المقولات العشر": الجوهر والكم والكيف والابن ومتى والوضع وأن يفعل وأن ينفعل والملك (والإضافة اتفقوا على أنه لا سبيل إلى معرفة صحة هذا الحصر. الوجه الثاني: إنما يقال إذا كان لابد في كل قياس من قضية كلية فتلك القضية الكلية لابد أن تنتهي إلى أن تعلم بغير قياس، وإلا لزم الدور والتسلسل فإذا كان لابد أن تكون لهم قضايا كلية معلومة بغير قياس فيقول: ليس في الموجودات ما تعلم له الفطرة قضية كلية بغير قياس، إلا وعلمها بالمفردات المعينة من تلك القضية الكلية أقوى من علمها بتلك القضية الكلية، مثل قولنا: "الواحد نصف الإثنين"، "والجسم لا يكون في مكان"، "والضدان لا يجتمعان، فإن العلم بأن هذا الواحد نصف الإثنين في الفطرة، أقوى من العلم بأن كل واحد نصف كل اثنين، وهكذا

стр. 136

على ما يفرض من الآحاد، فيقال: المقصود بهذه القضايا الكلية إما أن يكون العلم بالموجود الخارجي أو العلم بالمقدرات الذهنية. أما الثاني ففائدته قليلة، وأما الأول فما من موجود معين إلا وحكمه يعلم تعينه أظهر وأقوى من العلم به عن قياس كلي يتناوله فلا يتحصل بالقياس كثير فائدة، بل يكون ذلك تطويلا. وإنما استعمل القياس في مثل ذلك لأجل الغالط والمعاند فنضرب له المثل وتذكر الكلية ردًا لغلطه وعناده بخلاف من كان سليم الفطرة. وكذلك قولهم: "الضدان لا يجتمعان"، فأي شيئين علم تضادهما، فإنه يعلم أنهما لا يجتمعان قبل استحضار قضية كلية بأن كل ضدين لا يجتمعان، وما من جسم معين إلا يعلم أنه لا يكون في مكانين قبل العلم بأن "كل جسم لا يكون في مكانين" وأمثال ذلك كثير. فما من مطلوب معين علم بهذه القضايا الكلية إلا وهو يعلم قبل أن تعلم هذه القضية، ولا يحتاج في العلم به إليها. وإنما يعلم بها ما يقدر في الذهن من أمثال ذلك مما لم يوجد في الخارج. وأما الموجودات الخارجية فتعلم بدون هذا القياس فيكون مبناه على "قياس التمثيل" الذي ينكرون أنه يقيني. فهم بين أمرين: إن اعترفوا بأن "قياس التمثيل" من جنس "قياس الشمول" ينقسم إلى يقيني وظني بطل تفريقهم، وإن ادعوا الفرق بينهما وأن "قياس الشمول" يكون يقينيا دون "التمثيل" منعوا ذلك، وبين لهم أن اليقين لا يحصل في هذه الأمور إلا أن يتحصل بالتمثيل. فيكون العلم بما لم يعلم من المفردات الموجودة في الخارج قياسًا على ما علم منها، وهذا حق لا ينازع فيه عاقل.

стр. 137

بل هذا من أخص صفات العقل التي فارق بها الحس لا يعلم إلا معينًا" والعقل يدركه كليًا مطلقًا، لكن بواسطة التمثيل، ثم يدركها كلها مع غروب الأمثلة المعينة عنه، لكن هي في الأصل إنما بعد عن الذهن المفردات المعينة. فقد يغلط كثيرًا، بأن يجعل الحكم إما أعم وإما أخص، وهذا يعرض للناس كثيرًا، حيث يظن أن ما عنده من القضايا الكلية صحيح، ويكون عند التحقيق ليس كذلك، وهم يتصورون الشيء بعقولهم، ويكون ما يتصوره معقولًا بالعقل، فيتكلمون عليه ويظنون أنهم تكلموا في ماهية مجردة بنفسها من حيث هي هي، من غير أن تكون ثابتة في الخارج ولا في الذهن فيقولون: الإنسان من حيث هو هو، والوجود من حيث هو هو والسواد من حيث هو هو ونحو ذلك. ويظنون أن هذه الماهية التي جردوها عن جميع القيود السلبية والثبوتية محققة في الخارج على هذا النحو؛ وذلك غلط كغلط أولهم فيما جردوه من العدد والمثل الأفلاطونية وغيرها، بل هذه المجردات لا تكون إلا مقدرة في الذهن: وليس كل ما فرضه الذهن أمكن وجوده في الخارج، وهذا الذهن يسمى (الإمكان الذهني). فإن (الإمكان) على وجهين ذهني، وهو أن يعرض الشيء على الذهن فلم يعلم إمتناعه. بل يقول يمكن هذا، لا لعلمه بإمكانه بل لعدم علمه بإمتناعه (مع) أن ذلك الشيء قد يكون: ممتنعًا في الخارج. وخارجي: وهو أن يعلم إمكان الشيء في الخارج، وهذا يكون: بأن يعلم وجوده في الخارج أو وجود نظيره، أو وجود ما هو أبعد عن

стр. 138

الوجود منه، فإذا كان الأبعد عن قبول الوجود موجودًا ممكن الوجود، فالأقرب إلى الوجود منه أولى. [طريقة القرآن في بيان إمكان المعاد] وهذه طريقة القرآن في بيان إمكان المعاد. فقد بين ذلك بهذه الطريقة فتارة يخبر عمن أماتهم، ثم أحياهم. كما أخبر عن قوم موسى الذين قالوا: "أرنا الله جهرة" قال ﴿فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون * ثم بعثناكم من بعد موتكم﴾ وعن ﴿الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم﴾ وعن ﴿الذي مر على قرية فأماته الله مائة عام ثم بعثه﴾ وعن إبراهيم إذ قال رب أرني كيف تحيي الموتى القصة. وكما أخبر عن المسيح ﵇ أنه كان يحيي الموتى بإذن الله وعن أصحاب الكهف: أنهم بعثوا بعد ثلاثمائة سنة وتسع سنين. وتارة يستدل على ذلك بالنشأة الأولى فإن الإعادة أهون من الإبتداء كما في قوله ﴿إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب﴾ الآية) وقوله ﴿قل يحيها الذي أنشأها أول مرة * قل الذي فطركم أول مرة وهو الذي يبدؤ الخلق ثم يعيده، وهو أهون عليه﴾

стр. 139

وتارة يستدل بذلك على خلق السموات والأرض، فإن خلقهما أعظم من إعادة الإنسان كما في قوله: ﴿أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحي الموتى﴾. وتارة يستدل على إمكانه بخلق النبات كما في: ﴿وهو الذي يرسل الرياح بشرًا .. إلى قوله: كذلك يخرج الموتى﴾. فقد تبين أن ما عند أئمة النظار أهل الكلام والفلسفة من الدلائل العقلية على المطالب الإلهية، فقد جاء القرآن بما فيها من الحق وما هو أبلغ وأكمل منها على أحسن وجه، مع تنزهه عن الأغاليط الكثيرة الموجودة عند هؤلاء فإن خطأهم فيها كثير جدًا، ولعل ضلالهم أكثر من هداهم وجهلهم أكثر من علمهم. ولهذا قال أبو عبد الله الرازي في آخر عمره في كتابه "أقسام الذات" لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلًا ولا تروي غليلًا ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن إقرأ في الإثبات ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ واقرأ في النفي ﴿ليس كمثله شيء * ولا يحيطون به علمًا﴾ ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي. والمقصود أن الإمكان الخارجي يعرف بالوجود لا بمجرد عدم العلم بالإمتاع، كما يقوله طائفة منهم الآمدي. وأبعد من إثبات الإمكان الخارجي بالإمكان الذهني ما يسلكه المتفلسفة كابن سينا من إثبات

стр. 140

الإمكان الخارجي بمجرد إمكان تصوره في الذهن، كما أنهم لما أرادوا إثبات موجود في الخارج معقول، لا يكون محسوسًا بحال، استدلوا على ذلك بتصور الإنسان الكلي المطلق المتناول للأفراد الموجودة في الخارج، وهذا إنما يفيد إمكان وجود هذه المعقولات في الذهن، فإن الكلي لا يوجد كليًا إلا في الذهن، فإن طرق هؤلاء في إثبات الإمكان الخارجي من طريقة القرآن. ثم إنهم تمثل بهذه الطرق الفاسدة يريدون خروج الناس عما فطروا عليه من المعارف اليقينية والبراهين العقلية، وما جاءت به الرسل من الأخبار الإلهية عن الله واليوم الآخر. ويريدون أن يجعلوا مثل هذه القضايا الكاذبة والخيالات الفاسدة أصولًا عقلية يعارض بها ما أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه من الآيات، وما فطر الله عليه عباده. وما تقوم عليه الأدلة العقلية التي لا شبهة فيها. وأفسدوا بأصولهم العلوم العقلية والسمعية، فإن مبني العقل على صحتها وسلامتها، ومبني السميع على تصديق الأنبياء صلوات الله عليهم. يحملون للناس الأمرين، فدلوهم على الأدلة العقلية التي بها نعم المطالب التي يمكنهم علمهم بها بالنظر والاستدلال. وأخبروهم مع ذلك من تفاصيل الغيب بما يعجزون عن معرفته بمجرد نظرهم واستدلالهم. وليس تعليم الأنبياء صلوات الله عليهم مقصورًا على مجرد الخبر، كما يظنه كثير، بل هم بينوا من البراهين العقلية التي بها تعلم العلوم الإلهية، ما لا يوجد عند هؤلاء البتة. فتعليمهم صلوات الله عليهم جامع للأدلة العقلية والسمعية. وهؤلاء على الفساد والقصور مع تأثير نفوسهم من الكبر الذي ما هم بالغيه، كما قال تعالى ﴿الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان آتاهم

стр. 141

إن في صدورهم إلا كبر ماهم ببالغيه فاستعذ بالله إنه السميع البصير﴾ وقال: ﴿الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتًا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار﴾ وقال: ﴿فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون﴾ ومثل هذا كثير من القرآن. وقد ألف كتاب تعارض الشرع والعقل. ولهذا لما كانوا يتصورون في أذهانهم ما يظنون وجوده في الخارج كان أكثر علومهم مبنيًا على ذلك في الإلهي والرياضي. وإذا تأمل الخبير بالحقائق كلامهم في أنواع علومهم، لم يجد عندهم علمًا بمعلومات موجودة في الخارج، إلا القسم الذي يسمونه الطبيعي، وما يتبعه من الرياضي المجرد في الذهن، فهو الحكم بمقادير ذهنية لا وجود لها في الخارج والذي سموه علم ما بعد الطبيعة إذ تدبر، لم يوجد فيه علم بمعلوم موجود في الخارج وإنما تصوروا أمورًا مقدرة في أذهانهم لا حقيقة لها في الخارج ولهذا (كان) منتهى نظرهم وآخر فلسفتهم وحكمتهم هو الوجود المطلق الكلي والمشروط بسلب جميع الأمور الوجودية. والمقصود أنهم كثيرًا ما يدعون في المطالب البرهانية والأمور العقلية ما يكونون قدروه في أذهانهم. ويقولون نحن نتكلم في الأمور الكلية والعقليات المحضة. وإذا ذكر لهم شيء قالوا نتكلم فيما هو أعم من ذلك، وفي الحقيقة من حيث هي هي، ونحو هذه العبارات فيطالبون بتحقيق ما ذكروه

стр. 142

في الخارج، ويقال: بينوا هذا أي شيء هو؟ فهنالك يظهر جهلهم. وإنما يقولون هو أمر مقدر في الأذهان لا حقيقة له في الأعيان مثل أن يقال لهم: اذكروا مثال ذلك والمثال أمر جزئي، فإذا عجزوا عن التمثيل وقالوا: نحن نتكلم في الأمور الكلية، فاعلم أنهم يتكلمون بلا علم. وفيما لا يعلمون أن له معلومًا في الخارج، بل فيما ليس له معلوم في الخارج، وفيما يمتنع أن يكون له معلوم في الخارج، وإلا فالعلم بالأمور الموجودة إذا كان كليًا كانت معلوماته ثابتة في الخارج. وقد كان الخسر وشاهي من أعيانهم ومن أعيان أصحاب الرازي، وكان يقول: ما عثرنا إلا على هذه الكليات، وكان قد وقع في حيرة وشك حتى كان يقول: والله ما أدري ما أعتقد، والله ما أدري ما أعتقد. والمقصود أن الذي يدعونه من الكليات، هو إذا كان علمًا، فهو مما يعرف بقياس التمثيل لا يقف على القياس المنطقي الشمولي أصلًا، بل ما يدعون ثبوته بهذا القياس، تعلم أفراده التي يستدل عليها بدون هذا القياس، وذلك أيسر وأسهل. ويكون الاستدلال عليها بالقياس الذي يسمونه البرهاني استدلالًا على الأجلي بالأخفى. وهم يعيبون في صناعة الحد أن يعرف الجلي بالخفي، وهذا في صناعة البرهان أشد عيبًا؟ فإن البرهان لا يراد به إلا بيان المدلول عليه وتعريفه وكشفه وإيضاحه، فإذا كان هو أوضح وأظهر، كان بيانًا للجلي بالخفي. قال: ثم إن الفلاسفة أصحاب هذا المنطق البرهاني الذي وضعه أرسطو وما يتبعه من الطبيعي والإلهي ليسوا أمة واحدة، بل أصناف متفرقون وبينهم من التفرق والاختلاف ما لا يحصيه إلا الله، أعظم مما بين الملة

стр. 143

الواحدة كاليهود والنصارى أضعافًا مضاعفة، فإن القوم كلما بعدوا عن اتباع الكتب والرسل كان أعظم في تفرقهم واختلافهم، فإنهم يكونون أضل، كما في الحديث الذي رواه الترمذي عن أبي أمامة عن النبي ﷺ أنه قال: (ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل) ثم قرأ قوله تعالى ﴿ما ضربوه لك إلا جدلًا بل هم قوم خصمون﴾ إذ لا يحكم بين الناس فيما تنازعوا إلا كتاب منزل ونبي مرسل كما قال تعالى ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه .. الآية﴾ وقال ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط﴾ وقال ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول .. الآية﴾ وقد بين الله في كتابه من الأمثال المضروبة والمقاييس العقلية ما يعرف به الحق والباطل وأمر الله بالجماعة والائتلاف ونهى عن الفرقة والإختلاف وأخبر أن أهل الرحمة لا يختلفون فقال ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك﴾ ولهذا يوجد أتبع الناس للرسول أقل اختلافًا من جميع الطوائف المنتسبة للسنة وكل من قرب للسنة كان أقل اختلافًا ممن بعد عنها كالمعتزلة والرافضة فتجدهم أكثر الطوائف إختلافًا. وأما اختلاف الفلاسفة فلا يحصره أحد، وقد ذكر الإمام أبو الحسن الأشعري في كتاب المقالات، مقالات غير الإسلاميين، فأتى بالجم الغفير سوى ما ذكره الفارابي وابن سينا وكذلك القاضي أبو بكر بن الطيب في

стр. 144

كتاب الدقائق الذي رد فيه على الفلاسفة والمنجمين ورجح فيه مذاهب المتكلمين من العرب على منطق اليونان. وكذلك متكلمة المعتزلة والشيعة وغيرهم في ردهم على الفلاسفة. وصنف الغزالي كتاب التهافت في الرد عليهم، وما زال نظار المسلمين يصنفون في الرد عليهم في المنطق ويبينون خطأهم فيما ذكروه في الحد والقياس جميعًا، كما يبينون خطأهم في الإلهيات وغيرها ولم يكن أحد من نظار المسلمين يلتفت إلى طريقهم بل الأشعرية والمعتزلة والكرامية والشيعة وسائر الطوائف من أهل النظر كانوا يعيبونها ويعيبون فسادها. وأول من خلط منطقهم بأصول المسلمين أبو حامد الغزالي وتكلم فيه علماء المسلمين بما يطول ذكره. وهذا الرد عليهم مذكور في كثير من كتب الكلام. [رد أشكال القياس إلى الشكل الأول] وفي كتاب الآراء والديانات لأبي محمد الحسن بن موسى النوبختي فصل جيد من ذلك، فإنه بعد أن ذكر طريقة أرسطو في المنطق قال: وقد اعترض قوم من متكلمي أهل الإسلام على أوضاع المنطقيين هذه، وقالوا: ما قول صاحب المنطق إلى القياس لا يبني من مقدمة واحدة، فغلط. لأن القاتل إذا أراد مثلًا أن يستدل على أن الإنسان جوهر، فله أن يستدل على نفس

стр. 145

الشيء المطلوب من غير تقديم المقدمتين، بأن يقول الدليل على أن الإنسان جوهر أنه يقبل المتضادات في أزمان مختلفة. وليس يحتاج إلى مقدمة ثانية وهي أن يقول: إن كان قابل للمتضادات في أزمان مختلفة جوهر، لأن الخاص داخل في العام، فعلى أيهما دل، استغنى عن الآخر: وقد يستدل الإنسان إذا شاهد الأثر أن له مؤثرًا؛ والكتابة أن لها كاتبًا، من غير أن يحتاج في استدلاله على صحة ذلك إلى مقدمتين. قالوا فنقول: أنه لابد من مقدمتين. فإذا ذكرت إحداهما استغنى بمعرفة المخاطب عن الأخرى، فترك ذكرها. لأنه مستغن عنها. قلنا لسنا نجد مقدمتين كليتين يستدل بهما على صحة نتيجة لأن القائل إذا قال: الجوهر لكل حي، والحياة لكل إنسان، فتكون النتيجة أن الجوهر لكل إنسان فسواء في العقول قول القائل: الجوهر لكل حي، وقوله لكل إنسان. ولا يجدون في المطالب العلمية أن المطلوب يقف على مقدمتين ببنتين بأنفسهما، وإذا كان الأمر كذلك، كانت إحداهما كافية. ونقول لهم: أرونا مقدمتين أوليتين لا تحتاجان إلى برهان يتقدمهما، يستدل بهما على شيء مختلف فيه. وتكون المقدمتان في العقول أولى بالقبول من النتيجة، فإذا كنتم لا تجدون ذلك، بطل ما ادعتيموه. قال النوبختي: وقد سألت غير واحد من رؤسائهم أن يوجدنيه، فما أوجدنيه فما ذكروه أرسطاطا ليس غير موجود ولا معروف قال: فأما ما ذكره بعد ذلك من الشكلين الباقيين، فهما غير مستعملين على ما بناهما
следующие страницы →