Полный текст (164 стр.). Показаны 141–164 · переход к 146.
стр. 141
إن في صدورهم إلا كبر ماهم ببالغيه فاستعذ بالله إنه السميع البصير﴾ وقال: ﴿الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتًا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار﴾ وقال: ﴿فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون﴾ ومثل هذا كثير من القرآن. وقد ألف كتاب تعارض الشرع والعقل.
ولهذا لما كانوا يتصورون في أذهانهم ما يظنون وجوده في الخارج كان أكثر علومهم مبنيًا على ذلك في الإلهي والرياضي.
وإذا تأمل الخبير بالحقائق كلامهم في أنواع علومهم، لم يجد عندهم علمًا بمعلومات موجودة في الخارج، إلا القسم الذي يسمونه الطبيعي، وما يتبعه من الرياضي المجرد في الذهن، فهو الحكم بمقادير ذهنية لا وجود لها في الخارج والذي سموه علم ما بعد الطبيعة إذ تدبر، لم يوجد فيه علم بمعلوم موجود في الخارج وإنما تصوروا أمورًا مقدرة في أذهانهم لا حقيقة لها في الخارج ولهذا (كان) منتهى نظرهم وآخر فلسفتهم وحكمتهم هو الوجود المطلق الكلي والمشروط بسلب جميع الأمور الوجودية.
والمقصود أنهم كثيرًا ما يدعون في المطالب البرهانية والأمور العقلية ما يكونون قدروه في أذهانهم. ويقولون نحن نتكلم في الأمور الكلية والعقليات المحضة. وإذا ذكر لهم شيء قالوا نتكلم فيما هو أعم من ذلك، وفي الحقيقة من حيث هي هي، ونحو هذه العبارات فيطالبون بتحقيق ما ذكروه
стр. 142
في الخارج، ويقال: بينوا هذا أي شيء هو؟ فهنالك يظهر جهلهم. وإنما يقولون هو أمر مقدر في الأذهان لا حقيقة له في الأعيان مثل أن يقال لهم: اذكروا مثال ذلك والمثال أمر جزئي، فإذا عجزوا عن التمثيل وقالوا: نحن نتكلم في الأمور الكلية، فاعلم أنهم يتكلمون بلا علم. وفيما لا يعلمون أن له معلومًا في الخارج، بل فيما ليس له معلوم في الخارج، وفيما يمتنع أن يكون له معلوم في الخارج، وإلا فالعلم بالأمور الموجودة إذا كان كليًا كانت معلوماته ثابتة في الخارج.
وقد كان الخسر وشاهي من أعيانهم ومن أعيان أصحاب الرازي، وكان يقول: ما عثرنا إلا على هذه الكليات، وكان قد وقع في حيرة وشك حتى كان يقول: والله ما أدري ما أعتقد، والله ما أدري ما أعتقد.
والمقصود أن الذي يدعونه من الكليات، هو إذا كان علمًا، فهو مما يعرف بقياس التمثيل لا يقف على القياس المنطقي الشمولي أصلًا، بل ما يدعون ثبوته بهذا القياس، تعلم أفراده التي يستدل عليها بدون هذا القياس، وذلك أيسر وأسهل. ويكون الاستدلال عليها بالقياس الذي يسمونه البرهاني استدلالًا على الأجلي بالأخفى.
وهم يعيبون في صناعة الحد أن يعرف الجلي بالخفي، وهذا في صناعة البرهان أشد عيبًا؟ فإن البرهان لا يراد به إلا بيان المدلول عليه وتعريفه وكشفه وإيضاحه، فإذا كان هو أوضح وأظهر، كان بيانًا للجلي بالخفي.
قال: ثم إن الفلاسفة أصحاب هذا المنطق البرهاني الذي وضعه أرسطو وما يتبعه من الطبيعي والإلهي ليسوا أمة واحدة، بل أصناف متفرقون وبينهم من التفرق والاختلاف ما لا يحصيه إلا الله، أعظم مما بين الملة
стр. 143
الواحدة كاليهود والنصارى أضعافًا مضاعفة، فإن القوم كلما بعدوا عن اتباع الكتب والرسل كان أعظم في تفرقهم واختلافهم، فإنهم يكونون أضل، كما في الحديث الذي رواه الترمذي عن أبي أمامة عن النبي ﷺ أنه قال: (ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل) ثم قرأ قوله تعالى ﴿ما ضربوه لك إلا جدلًا بل هم قوم خصمون﴾ إذ لا يحكم بين الناس فيما تنازعوا إلا كتاب منزل ونبي مرسل كما قال تعالى ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه .. الآية﴾ وقال ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط﴾ وقال ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول .. الآية﴾ وقد بين الله في كتابه من الأمثال المضروبة والمقاييس العقلية ما يعرف به الحق والباطل وأمر الله بالجماعة والائتلاف ونهى عن الفرقة والإختلاف وأخبر أن أهل الرحمة لا يختلفون فقال ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك﴾ ولهذا يوجد أتبع الناس للرسول أقل اختلافًا من جميع الطوائف المنتسبة للسنة وكل من قرب للسنة كان أقل اختلافًا ممن بعد عنها كالمعتزلة والرافضة فتجدهم أكثر الطوائف إختلافًا.
وأما اختلاف الفلاسفة فلا يحصره أحد، وقد ذكر الإمام أبو الحسن الأشعري في كتاب المقالات، مقالات غير الإسلاميين، فأتى بالجم الغفير سوى ما ذكره الفارابي وابن سينا وكذلك القاضي أبو بكر بن الطيب في
стр. 144
كتاب الدقائق الذي رد فيه على الفلاسفة والمنجمين ورجح فيه مذاهب المتكلمين من العرب على منطق اليونان. وكذلك متكلمة المعتزلة والشيعة وغيرهم في ردهم على الفلاسفة. وصنف الغزالي كتاب التهافت في الرد عليهم،
وما زال نظار المسلمين يصنفون في الرد عليهم في المنطق ويبينون خطأهم فيما ذكروه في الحد والقياس جميعًا، كما يبينون خطأهم في الإلهيات وغيرها ولم يكن أحد من نظار المسلمين يلتفت إلى طريقهم بل الأشعرية والمعتزلة والكرامية والشيعة وسائر الطوائف من أهل النظر كانوا يعيبونها ويعيبون فسادها. وأول من خلط منطقهم بأصول المسلمين أبو حامد الغزالي وتكلم فيه علماء المسلمين بما يطول ذكره. وهذا الرد عليهم مذكور في كثير من كتب الكلام.
[رد أشكال القياس إلى الشكل الأول]
وفي كتاب الآراء والديانات لأبي محمد الحسن بن موسى النوبختي فصل جيد من ذلك، فإنه بعد أن ذكر طريقة أرسطو في المنطق قال: وقد اعترض قوم من متكلمي أهل الإسلام على أوضاع المنطقيين هذه، وقالوا: ما قول صاحب المنطق إلى القياس لا يبني من مقدمة واحدة، فغلط. لأن القاتل إذا أراد مثلًا أن يستدل على أن الإنسان جوهر، فله أن يستدل على نفس
стр. 145
الشيء المطلوب من غير تقديم المقدمتين، بأن يقول الدليل على أن الإنسان جوهر أنه يقبل المتضادات في أزمان مختلفة. وليس يحتاج إلى مقدمة ثانية وهي أن يقول: إن كان قابل للمتضادات في أزمان مختلفة جوهر، لأن الخاص داخل في العام، فعلى أيهما دل، استغنى عن الآخر: وقد يستدل الإنسان إذا شاهد الأثر أن له مؤثرًا؛ والكتابة أن لها كاتبًا، من غير أن يحتاج في استدلاله على صحة ذلك إلى مقدمتين.
قالوا فنقول: أنه لابد من مقدمتين. فإذا ذكرت إحداهما استغنى بمعرفة المخاطب عن الأخرى، فترك ذكرها. لأنه مستغن عنها.
قلنا لسنا نجد مقدمتين كليتين يستدل بهما على صحة نتيجة لأن القائل إذا قال: الجوهر لكل حي، والحياة لكل إنسان، فتكون النتيجة أن الجوهر لكل إنسان فسواء في العقول قول القائل: الجوهر لكل حي، وقوله لكل إنسان.
ولا يجدون في المطالب العلمية أن المطلوب يقف على مقدمتين ببنتين بأنفسهما، وإذا كان الأمر كذلك، كانت إحداهما كافية. ونقول لهم: أرونا مقدمتين أوليتين لا تحتاجان إلى برهان يتقدمهما، يستدل بهما على شيء مختلف فيه. وتكون المقدمتان في العقول أولى بالقبول من النتيجة، فإذا كنتم لا تجدون ذلك، بطل ما ادعتيموه.
قال النوبختي: وقد سألت غير واحد من رؤسائهم أن يوجدنيه، فما أوجدنيه فما ذكروه أرسطاطا ليس غير موجود ولا معروف قال: فأما ما ذكره بعد ذلك من الشكلين الباقيين، فهما غير مستعملين على ما بناهما
стр. 146
عليه. وإذا كان يصحان بقلب مقدماتهما حتى تعود إلى الشكل الأول فالشكل الأول هو الكلام منهما .. انتهى.
قال ابن تيمية: ومقصوده أن سائر الأشكال إنما تنتج بالرد إلى الشكل الأول على ما تقدم بيانه فسائر الأشكال وانتاجها منه كلفة ومشقة، مع أنه لا حاجة إليها، فإن الشكل الأول يمكن أن يستعمل. جميع المواد الثبوتية والسلبية الكلية والجزئية. وقد علم انتفاء فائدته، فانتفاء فائدة فروعه التي لا تفيد إلا بالرد إليه أولى وأخرى.
والمقصود أن هذه الأمة ولله الحمد لم يزل فيها من يتفطن لما في كلام أهل الباطل ويرده. ولهم لما هداهم الله به يتوافقون في قبول الحق ورد الباطل رأيا ورواية من غير تشاعر ولا تواطؤ.
وهذا الذي نبه عليه هؤلاء النظار يوافق ما نبهنا عليه، وتبين أنه يمكن الاستغناء عن القياس المنطقي، بل يكون استعماله تطويلًا وتكثيرًا للفكر والنظر والكلام بلا فائدة.
[القضايا الكلية العامة]
الوجه الثالث: أن القضايا الكلية العامة لا توجد في الخارج كلية عامة، وإنما تكون كلية في الأذهان لا في الأعيان. وأما الموجودات في الخارج فهي أمور معينة، كل موجود له حقيقة تخصه، متميز بها عما سواه لا يشركه فيها غيره، فحينئذ لا يمكن الاستدلال بالقياس على خصوص وجو معين، وهم معترفون بذلك. وقائلون إن القياس لا يدل على أمر معين وقد يعبرون عن ذلك بأنه لا يدل على جزئي وإنما يدل على كلي. فإذن القياس لا يفيد
стр. 147
معرفة أمر موجود بعينه. وكل موجود فإنما هو موجود بعينه، فلا يفيد معرفة شيء من حقائق الموجودات. وإنما يفيد أمورًا كلية مطلقة مقدرة في الأذهان لا محققة في الأعيان.
فيما يذكره النظار من الأدلة القياسية التي يسمونها براهين على إثبات الصانع سبحانه، لا يدل شيء منها على عينة. وإنما يدل على أمر مطلق لا يمنع من وقوع الشركة فيه.
فإذا قال: هذا محدث، وكل محدث فلا بد له من محدث، وإنما يدل هذا على محدث مطلق كلي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، وإنما تعلم عينه بعلم آخر يجعله الله في القلوب، وهم معترفون بهذا لأن النتيجة لا تكون أبلغ من المقدمات، والمقدمات فيها قضية كلية لابد من ذلك. والكلي لا يدل على معين.
[الآيات]
وهذا بخلاف ما يذكره الله في كتابه من الآيات كقوله تعالى ﴿إن في خلق السموات والأرض .. الآية﴾ إلى غير ذلك يدل على المعين كالشمس التي هي آية النهار. والدليل أعم من القياس فإن الدليل قد يكون بمعين على معين. كما يستدل بالنجم وغيره من الكواكب على الكعبة.
فالآيات تدل على نفس الخالق سبحانه، لا على قدر مشترك بينه وبين غيره فإن كل ما سواه مفتقر إليه، فيلزم من وجوده وجود عين الخالق نفسه.
стр. 148
[عود إلى اليقين والظن]
الوجه الرابع: أن الحد الأوسط المكرر في قياس الشمول وهو الخمر؟ ؟ ؟ ؟ ؟ قولك: كل مسكر خمر، وكل خمر حرام، هو مناط الحكم في قياس التمثيل، وهو القدر المشترك الجامع بين الأصل والفرع، فالقياسان متلازمان، كل ما علم بهذا القياس، يمكن عليه بهذا القياس. ثم إن كان الدليل قطعيًا فهو قطعي في القياسين، أو ظنيًا فظني فيهما. وأما دعوى من يدعي من المنطقيين وأتباعهم أن اليقين إنما يحصل بقياس الشمول دون التمثيل فهو قول في غاية الفساد، وهو قول من لم يتصور حقيقة القياسين.
وقد يعلم بنص على أن كل مسكر حرام، كما ثبت في الحديث الصحيح وإذا كان كذلك، لم يتعين قياس الشمول لإفادة الحكم بل ولا قياس من الأقيسة. فإنه قد يعلم بلا قياس، فبطل قولهم لا علم تصديقي إلا بالقياس المنطقي كما تقدم.
والمقصود هنا: بيان قلة منفعة أو عدمها، فإن المطلوب إن كان ثم قضية علمت من جهة الرسول تفيد العموم وهو أن كل مسكر حرام حصل مدعاه. فالقضايا الكلية المتلقاة عن الرسول تفيد العلم في المطالب الإلهية:
وأما ما يستفاد من علومهم فالقضايا الكلية فيه إما متيقنة وإما أنها بمنزلة قياس التمثيل، وإما أنها لا تفيد العلم بالموجودات المعينة، بل بالمقدرات الذهنية كالحساب والهندسة، فإنه وإن كان ذلك يتناول ما وجد على ذلك المقدار فدخول المعين فيه لا يعلم بالقياس بل بالحس، فلم يكن القياس محصلًا للمقصود ويكون مما لا اختصاص لهم بها، بل يشترك فيها سائر الأمم بدون حضور منطقهم بالبال مع استواء قياس التمثيل وقياس الشمول وإثبات العلم
стр. 149
بالصانع والنبوات ليس موقوفًا على الأقيسة، بل يعلم بالآيات الدالة على شيء معين لا شركة فيه ويحصل بالعلم الضروري الذي لا يفتقر إلى نظر وما يحصل منها بالشمول فهو بمنزلة ما يحصل بالتمثيل أمر كلي، لا يحصل به العلم بما يختص به الرب. وما يختص به الرسول إلا بانضمام علم أخر إليه.
[بديهة ثبوت بعض الأحكام لبعض الأفراد]
الوجه الخامس: أن يقال هذا القياس الشمولي وهو العلم بثبوت الحكم لكل فرد من الأفراد -فنقول قد علم؟ ويسلمون أنه لابد أن يكون العلم بثبوت بعض الأحكام لبعض الأفراد بديهيًا. فإن النتيجة إذا افتقرت إلى مقدمتين فلابد أن ينتهي الأمر إلى مقدمتين تعلمان بدون مقدمتين والإ لزم الدور أو التسلسل الباطلان وإذا فرض مقدمتان طريق العلم بهما واحد، لم يحتج إلى القياس كالعلم بأن كل إنسان حيوان، وكل حيوان حساس متحرك بالإرادة. فالعلم بأن كل إنسان متحرك بالإرادة، أبين وأظهر. فالمقدمتان إن كان طريق العلم بهما واحدًا، "وقد علمتا" فلا حاجة إلى بيانهما. وإن كان طريق العلم بهما مختلفًا فمن لم يعلم إحداهما احتاج إلى بيانها، ولم يحتج إلى بيان الأخرى التي علمها. وهذا ظاهر في كل ما يقدره. فتبين أن منطقهم يعطي تضييع الزمان وكثرة الهذيان وإتعاب الأذهان.
стр. 150
[التوصل إلى القضايا العامة]
(مقدمات القياس الكبرى)
الوجه السادس، لا ريب أن المقدمة الكبرى أعم من الصغرى أو مثلها، لا تكون أخص منها، والنتيجة أخص من الكبرى أو فسادية لها وأعم من الصغرة أو مثلها لا تكون أخص منها. والحس يدرك المعينات أولًا، ثم ينتقل منها إلى القضايا العامة. فيرى هذا الإنسان وهذا الإنسان وكل مما رآه حساس متحرك بالإرادة فيكون العلم بالقضية العامة. إما أن يكون بتوسط قياس والقياس لابد فيه من قضية عامة. لزوم أن لا يعلم العام إلا بعام، وذلك يستلزم الدور أو التسلسل، فلابد أن ينتهي الأمر إلى قضية كلية عامة معلومة بالبديهة. وهم مسلمون ذلك.
وإن أمكن علم القضية العام بغير توسط قياس، أمكن علم الأخرى، فإن كون القضية بديهية أو نظرية ليست وصفًا لازمًا لها يحب استواء جميع الناس فيه. بل هو أمر نسبي إضافي بحسب حال علم الناس بها فمن علمها بلا دليل كانت بديهية له، ومن احتاج إلى نظر واستدلال كانت نظرية له، وهكذا سائر الأمور. فإذا كانت القضايا الكلية منها ما يعلم بلا دليل ولا قياس وليس لذلك حد في نفس القضايا بل ذلك بحسب أحوال بني آدم، لم يمكن أن يقال فيما علمه زيد بالقياس، أنه لا يمكن غيره أن يعلمه بلا قياس، بل هذا نفي كاذب.
стр. 151
قياس الشمول وقياس التمثيل متساويان
الوجه السابع: قد تبين فيما تقدم أن قياس الشمول يمكن جعله قياس تمثيل وبالعكس، فإن قيل: من أين تعلم بأن الجامع يستلزم الحكم؟ قيل: من حيث تعلم القضية الكبرى في قياس الشمول. فإذا قال القائل: هذا فاعل محكم لفعله، وكل محكم لفعله فهو عالم. فأي شيء ذكر في علة هذه القضية الكلية فهو موجود في قياس التمثيل. وزيادة أن هناك أصلًا تمثل به قد وجد فيه الحكم مع المشترك. وفي الشمول لم يذكر شيء من الأفراد التي ثبت الحكم فيها ومعلوم أن ذكر الكلي المشترك مع بعض أفراده أثبت في العقل من ذكره مجردًا عن جميع الأفراد باتفاق العقلاء. ولهذا قالوا: إن العقل تابع للحس فإذا أدرك الحس الجزئيات، أدرك العقل منها قدرًا مشتركًا كليًا، فالكليات تقع في النفس بعد معرفة الجزئيات المعينة، فمعرفة الجزئيات المعينة من أعظم الأسباب في معرفة الكليات، فكيف يكون ذكرها مضعفًا للقياس، وعدم ذكرها موجبًا لقوله؟ وهذه خاصة العقل، فإن خاصة العقل معرفة الكليات بتوسط معرفة الجزئيات. فمن أنكرها أنكر خاصة عقل الإنسان، ومن جعل ذكرها بدون شيء من محالها المعينة، أقوى من ذكرها مع التمثيل بمواضعها المعينة، كان مكابرًا. وقد اتفق العقلاء على أن ضرب المثل مما يعين على معرفة الكليات، وأنه ليس الحال إذا ذكر مع المثل كالحال إذا ذكر مجردًا عنه.
ومن تدبر جميع ما يتكلم فيه الناس من الكليات المعلومة بالعقل في الطب والحساب والطبيعيات والصناعات والتجارات وغير ذلك، وجد الأمر
стр. 152
كذلك. والإنسان قد ينكر أمرًا حتى يرى واحدًا من جنسه فيقر بالنوع ويستفيد بذلك حكمًا كليًا ولهذا يقول سبحانه ﴿كذبت قوم نوح المرسلين * كذبت عاد المرسلين﴾ ونحو ذلك. وكل من هؤلاء إنما جاءه رسول واحد. ولكن كانوا مكذبين بجنس الرسل، لم يكن تكذيبهم بالواحد بخصوصه.
ومن أعظم صفات العقل معرفة التماثل والإختلاف. فإذا رأى الشيئين المتماثلين، علم أن هذا مثل هذا فجعل حكمهما واحدًا، كما إذا رأى الماء والماء والتراب والتراب والهواء والهواء ثم حكم بالحكم الكلي على القدر المشترك. وإذا حكم بعض الأعيان ومثله بالنظير، وذكر المشترك كان أحسن في البيان، فهذا قياس الطرد. وإذا رأى المختلفين كالماء والتراب فرق بينهما وهذا قياس العكس.
وما أمر الله به من الاعتبار في كتابه يتناول قياس الطرد وقياس العكس، فإنه لما أهلك المكذبين للرسل بتكذيبهم، كان من الاعتبار أن يعلم أن من فعل مثل ما فعلوا أصابه مثل ما أصابهم فيبقى تكذيب الرسل حدًا من العقوبة، وهذا قياس الطرد. ويعلم أن من لم يكذب الرسل لا يصيبه ذلك، وهذا قياس العكس، وهو المقصود من الإعتبار بالمكذبين فإن المقصود إن ثبت في الفرع عكس حكم الأصل لا نظيره. والإعتبار يكون بهذا وبهذا قال تعالى ﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب﴾ وقال ﴿لقد كان لكم آية في فئتين ... إن قوله ... إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار﴾ وقد قال تعالى ﴿الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان﴾ وقال ﴿لقد أرسلنا
стр. 153
رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط﴾ والميزان فسره السلف بالعدل، وفسره بعضهم بما يوزن به وهما متلازمان. وقد أخبر تعالى أنه أنزل ذلك كما أنزل الكتاب ليقوم الناس بالقسط. فما يعرف به تماثل المتماثلات من الصفات والمقادير هو من الميزان وكذلك ما يعرف به اختلاف المتخالفات. فإذا علمنا أن الله تعالى حرم الخمر لما ذكره من أنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وتوقع بين المؤمنين العداوة والبغضاء، ثم رأينا النبيذ يماثلها في ذلك، كان القدر المشترك الذي هو العلة، هو الميزان الذي أنزله له الله في قلوبنا لنزن به هذا ونجعله مثل هذا. فلا نفرق بين المتماثلين. فالقياس الصحيح هو من العدل الذي أمر الله به.
ومن علم الكليات من غير معرفة المعين فمعه الميزان فقط. والمقصود بها وزن الأمور الموجودة في الخارج وإلا فالكليات لولا جزئياتها المعينة لم يكن بها اعتبار. كما أنه لولا الموزونات لم يكن بالميزان حاجة. ولا ريب أنه إذا حصر أحد الموزونين واعتبر بالآخر بالميزان كان أتم في الوزن من أن يكون الميزان وهو الوصف الكلي المشترك في العقل، أي شيء حضر من الأعيان المفردة وزن بها مع مغيب الآخر ولا يجوز لعاقل أن يظن أن الميزان العقلي الذي أنزله الله هو منطق اليونان لوجوه أحدها: أن الله أنزل الموازين مع كتبه قبل أن يخلق اليونان من عهد نوح وإبراهيم وموسى وغيرهم وهذا المنطق اليوناني وضعه أرسطو قبل المسيح بثلاثماية سنة فكيف كانت الأمم المتقدمة تزن به. الثاني: أن أمتنا أهل الإسلام مازالوا يزنون بالموازين العقلية. ولم نسمع سلفًا بذكر هذا المنطق اليوناني، وإنما ظهر في الإسلام
стр. 154
لما عربت الكتب الرومية في عهد دولة المأمون أو قريبًا منها. الثالث. أن ما زال نظار المسلمين بعد أن عرب وعرفوه، يعيبونه ويذمونه ولا يلتفون إليه ولا إلى أهله في موازينهم العقلية والشرعية. ولا يقول ليس مما انفردوا به إلا اصطلاحات لفظية، وإلا فالمعاني العقلية مشتركة بين الأمم، فأنه ليس الأمر كذلك بل فيه معاني كثيرة فاسدة. ثم هذا جعلوه ميزان الموازين العقلية التي هي الأقيسية العقلية. وزعموا أنه آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن أن يزل في فكره. وليس الأمر كذلك، فإنه لو احتاج الميزان إلى ميزان، لزم التسلسل. وأيضًا فالفطرة إن كانت صحيحة وزنت بالميزان العقلي، وإن كانت بليده أو فاسدة لم يزدها المنطق إلا بلادة وفسادًا. ولهذا توجد عامة من يزن به علومه، لابد أن يتخبط ولا يأتي فالأدلة العقلية على الوجه المحمود. ومتى أتى بها على الوجه المحمود أعرض عن اعتبارها بالمنطق لما فيه من العجز والتطويل وتبعيد الطريق وجعل الواضحات خفيات وكثرة الغلط والتغلط، فإنهم إذا عدلوا عن المعرفة النظرية العقلية للمعينات إلى أمور كلية، وضعوا ألفاظها وصارت مجملة تتناول حقًا وباطلًا، يحصل بها من الضلال ما هو ضد المقصود من الموازين. وصارت هذه الموازين عائلة لا عادلة وكانوا فيها من المطففين ﴿الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون﴾ وأبن البخس، بل هم بمنزلة من وزن بموازين من الله يزن بها تارة له وتارة عليه. ولا يعرف أهي عادلة أم عائلة والميزان التي أنزلها الله مع الكتاب ميزان عادله تتضمن اعتبار الشيء بمثله،
стр. 155
وخلافه، فتسوى بين المتماثلين وتفرق بين المختلفين مما جعله الله في فطر عباده وعقولهم من معرفة التماثل والاختلاف. فإذا قيل إن كان هذا مما يعرف بالعقل. فكيف جعله الله مما أرسل به الرسل؟
قيل لأن الرسل ضربت للناس الأمثال العقلية التي يعرفون بها التماثل والاختلاف، فإن الرسل دلت الناس وأرشدتهم إلى ما به يعرفون العدل ويعرفون الأقيسة العقلية الصحيحة التي يستدل بها على المطالب الدينية. فليست العلوم النبوية مقصورة على الخبر بل الرسل صلوات الله عليهم بينت العلوم العقلية التي بها يتم دين الله علمًا وعملًا. وضربت الأمثال. فكملت الفطرة بما نبهتها عليه وأرشدتها. مما كانت الفطرة معرضة عنه، أو كانت الفطرة قد فسدت بما يحصل لها من الآراء والأهواء الفاسدة فأزالت ذلك الفساد. والقرآن والحديث مملوءان من هذ، يبين الله الحقائق بالمقاييس العقلية والأمثال المضروبة ويبين طريق التسوية بين المتماثلين والفرق بين المختلفين. وينكر على من يخرج عن ذلك كقوله ﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ... الآية﴾ وقوله ﴿أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون﴾ أي هذا حكم جائر لا عادل، فإن فيه تسوية بين المختلفين. ومن التسوية بين المتماثلين قوله ﴿أكفاركم خير من أولئكم الآية﴾ وقوله ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ... الآية﴾ والمقصود التنبيه على أن الميزان العقلي حق كما ذكر الله في كتابه. وليست هي مختصة بمنطق
стр. 156
اليونان، بل هي الأقيسة الصحيحة المتضمنة للتسوية بين المتماثلين والفرق بين المختلفين، وسواء صيغ ذلك بصيغة قياس الشمول أو بصيغة قياس التمثيل وصيغ التمثيل هي الأصل وهي أكمل القدر المشترك وهو الجامع.
[المادة القياسية واليقين]
الوجه الثامن: أنهم كما حصروا اليقين في الصورة القياسية حصروه في المادة التي ذكروها من القضايا الحسيات والأوليات والمتوترات والمجربات والحدسيات، ومعلوم أنه لا دليل على نفي ما سوى هذه القضايا.
ثم مع ذلك إنما اعتبروا في الحدسيات والعقليات وغيرهما ما جرت العادة باشتراك بني آدم فيه وتناقضوا في ذلك، فإن بني آدم إنما يشتركون كلهم في بعض المرئيات وبعض المسموعات، فإنهم كلهم يرون عين الشمس والقمر والكواكب، ويرون جنس السحاب والبرق. وإن لم يكن ما يراه هؤلاء هو عين ما يراه هؤلاء وكذلك يشتركون في سماع صوت الرعد، وأما ما يسمعه بعضهم من كلام بعض صوته، فهذا لا يشترك بنو آدم في عينه، بل كل قوم يسمعون ما لم يسمع غيرهم. وكذا أكثر المرئيات. وأما الشم والذوق واللمس فهذا لا يشترك جميع الناس في شيء معين فيه، بل الذي يشمه هؤلاء ويذوقونه ويلمسونه، ليس هو الذي يشمه ويذوقه ويلمسه هؤلاء. لكن قد يتفقان في الجنس لا في العين وكذلك ما يعلم بالتواتر والتجريب والحدس فإنه قد يتواتر عند هؤلاء ويجر هؤلاء مالم
стр. 157
يتواتر عند غيرهم ويجرب آخرون جنس تلك الأدوية فيتفق في معرفة الجنس لا في معرفة عين المجرب، ثم هم مع هذا يقولون في المنطق إن المتواترات والمجربات والحدسيات تختص بمن علمها فلا يقوم منها برهان على غيره فيقال لهم: وكذلك المشمومات والمذوقات والملموسات، بل اشتراك الناس في المتواترات أكثر، فإن الخبر المتواتر ينقله عدد كثير، فيكثر السامعون له، ويشتركون في سماعه من العدد الكثير، بخلاف ما يدرك بالحواس، فإنه يختص بمن أحسه، فإذا قال: رأيت أو سمعت أو ذقت أو لمست أو شمت، فكيف يمكنه أن يقيم مع هذا برهانًا على غيره؟ ولو قدر أنه شاركه في تلك الحسيات عدد، فلا يلزم من ذلك أن يكون غيرهم أحسها. ولا يمكن علمها لمن لم يحسها إلى بطريق الخبر.
[كون العلوم الفلسفية من المجربات]
فعامة ما عندهم من العلوم الكلية بأحوال الموجودات هي من العلم بعادة ذلك الموجود، وهو ما يسمونه الحدسيات. وعامة ما عندهم من العلوم العقلية الطبيعية والعلوم الفلكية كعلم الهيئة، فهو من قسم المجربات وهذه لا يقوم فيها برهان، فإن كون هذه الأجسام الطبيعية جربت، وكون الحركات جربت، لا يعرفه أكثر الناس إلا بالنقل، والتواتر في هذا قليل. وغاية الأمر أن ينقل التجربة في ذلك عن بعض الأطباء أو بعض أهل الحساب.
وغاية ما يوجد. أن يقول بطليموس: هذا مما رصده فلان، وأن يقول جالينوس: هذا مما جربته أو ذكر لي فلان أنه جربه، وليس في هذا شيء
стр. 158
من المتواتر. وإن قدر أن غيره جربه أيضًا، فذاك خبر واحد، وأكثر الناس لم يجربوا جميع ما جربوه، ولا علموا بالإرصاد ما ادعوا أنهم علموه. وإن ذكروا جماعة رصدوا. فغايته أنه من المتواتر الخاص الذي تنقله طائفة فمن زعم أنه لا يقوم عليه برهان بما تواتر عن الأنبياء كيف يمكنه أن يقيم على غيره برهانًا بمثل هذا التوتر. ويعظم علمي الهيئة والفلسفة، ويدعى أنه علم عقلي معلوم بالبرهان. وهذا أعظم ما يقوم عليه البرهان العقلي عندهم. هذا حاله، فما الظن بالإلهيات التي إذا نظر فيها كلام معلمهم الأول أرسطو. وتدبره الفاضل العاقل لم يفده إلا العلم بأنهم كانوا من أجهل الخلق برب العالمين، وأن كفار اليهود والنصارى أعلم منهم بالأمور.
الوجه التاسع. أن الأنبياء والأولياء لهم من علم الوحي والإلهام ما هو خارج عن قياسهم الذي ذكروه، بل الفراسة أيضًا وأمثالها. فإن أدخلوا ذلك فيما ذكروه من الحسيات والعقليات، لم يمكنهم نفي ما لم يذكروه. ولم يبق لهم ضابط.
وقد ذكر ابن سينا وأتباعه أن القضايا الواجب قبولها التي هي مادة البرهان الأوليات والحسيات والمجربات والحدسيات والمتواترات. وربما ضموا إلى ذلك قضايا معها حدودها، ولم يذكروا دليلًا على هذا الحصر. ولهذا اعترف المنتصرون لهم أن هذا التقسيم منتشر غير منحصر يتعذر إقامة دليل عليه، وإذا كان كذلك، لم يلزم أن كل ما يدخل في قياسهم لا يكون معلومًا. وحينئذ فلا يكون المنطق آلة قانونية تعصم مراعاتها من الخطأ. فإنه إذا ذكر له قضايا يمكن العلم بها بغير هذا الطريق، لم يمكن وزنها بهذه الأدلة وعامة هؤلاء المنطقيون، يكذبون بما لم يستدل عليه بقياسهم، وهذا في غاية الجهل لا سيما إن كان الذي كذبوا به من أخبار الأنبياء. فإذا كان أشرف
стр. 159
العلوم لا سبيل إلى معرفتها بطريقهم، لزوم أمران: أحدهما: أن لا حجة لهم على ما يكذبون به مما ليس في قياسهم دليل عليه. والثاني أن ما علموه خسيس بالنسبة إلى ما جهلوه فكيف إذا علم أنه لا يفيد النجاة ولا السعادة؟ .
الوجه العاشر: أنهم يجعلون ما هو علم يجب تصديقه ليس علمًا، وما هو باطل وليس بعلم، يجعلونه علمًا. فزعموا أن ما جاءت به الأنبياء في معرفة الله وصفاته والمعاد لا حقيقة له في الواقع، وأنهم إنما أخبروا الجمهور بما يتخيلونه في ذلك، لينتفعوا به في إقامة مصلحة دنياهم، لا ليعرفوا بذلك الحق، وأنه من جلس الكلب لمصلحة الناس. ويقولون إن النبي حاذق بالشرائع العملية دون العلمية. ومنهم من يفضل الفيلسوف على كل نبي وعلى نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام ولا يوجبون اتباع نبي بعينه لا محمد ولا غيره. ولهذا لما ظهرت التتار، وأراد بعضهم الدخول في الإسلام قيل إن هولاكو أشار عليه بعض من كان معه من الفلاسفة بأن لا يفعل، قال: ذاك لسانه عربي ولا يحتاجون إلى شريعته. ومن تبع النبي منهم في الشرائع العملية لا يتبعه في أصول الدين والاعتقاد، بل النبي عندهم بمنزلة أحد الأئمة الأربعة عند المتكلمين، فإن أئمة الكلام إذا قلدوا مذهبًا من المذاهب الأربعة اقتصروا في تقليده على القضايا الفقهية ولا يلتزمون موافقته في الأصول ومسائل التوحيد، بل قد يجعلون شيوخهم المتكلمين أفضل منهم في ذلك. وقد أخبروا النبي ﷺ عن الله بأسمائه وصفاته المعينة وعن الملائكة والعرش والكرسي والجنة والنار، وليس في ذلك شيء يمكن معرفته بقياسهم. وكذا أخبر عن أمور معينة مما كان وسيكون وليس
стр. 160
شخص ذلك ممكن معرفته بقياسهم لا البرهاني ولا غيره، أن أقيستهم لا تفيد إلا أمورًا كلية، وهذه أمور خاصة، وقد أخبر ﷺ بما يكون من الحوادث المعينة حتى أخبر عن التتر الذين جاءوا بعد ستماية سنة من أخباره، وكذلك عن النار التي خرجت قبل مجئ التتر سنة ٦٨٨. فهل يصور أن قياسهم وبرهانهم يدل على آدمي معين أو أمة معينة، فضلًا عن موصوف بالصفات التي ذكرها؟ ثم من بلاياهم وكفرياتهم أنهم قالوا إن الباري تعالى لا يعلم الجزئيات ولا يعرف عين موسى وعيسى ولا غيرهما ولا شيئًا من تفاصيل الحوادث، والكلام والرد عليهم في ذلك مبسوط في موضعه والمقصود أن يعرف الإنسان أنهم يقولون من الجهل والكفر ما هو في غاية الضلال، فرارًا من لازم ليس لهم قط دليل على نفيه.
الوجه الحادي عشر: أنهم معترفون بالحسيات الظاهرة والباطنة كالجوع والألم واللذة. ونفوا وجود ما يمكن أن يختص برؤيته بعض الناس كالملائكة والجن وما تراه النفس عند الموت. والكتاب والسنة ناطقان باثبات ذلك. ولبسط هذه الأمور موضع آخر، وإنما المقصود أن ما تلقوه من القواعد الفاسدة المنطقية من نفي ما لم يعلم نفيه، أوجب لهم من الجهل والكفر حاجبًا وأنهم أسوأ حالًا من كفار اليهود والنصارى.
الوجه الثاني عشر: أن يقال كون القضية برهانية معناه عندهم أنها معلومة للمستدل بها. وكونها جدلية معناه كونها مسلمة وكونها خطابية معناه كونها مشهورة أو مقبولة أو مظنونة. وجميع هذه الفروق هي نسب وإضافات عارضة للقضية ليس فيها ما هو صفة ملازمة لها، فضلًا عن أن تكون ذاتية.
стр. 161
لها على أصلهم، بل ليس فيها ما هو صفة لها في نفسها، بل هذه صفات نسبية باعتبار شعور الشاعر بها. ومعلوم أن القضية قد تكون حقًا، والإنسان لا يشعر بها فضلًا عن أن يظنها أو يعلمها، وكذلك قد تكون خطابية أو جلية وهي حق في نفسها، بل تكون برهانية أيضًا كما قد سلموا ذلك، وإذا كان كذلك، فالرسل صلوات الله عليهم أخبروا بالقضايا التي هي حق في نفسها لا تكون كذبًا باطلًا قط. وبينوا من الطرق العلمية التي يعرف بها صدق القضايا ما هو مشترك، فينتفع به جنس بني آدم، وهذا هو العلم النافع للناس. وأما هؤلاء المتفلسفة فلم يسلكوا هذا المسلك، بل سلكوا في القضايا الأمر النسبي فجعلوا البرهانيات ما علمه المستدل وغير ذلك لم يجعلوه برهانيًا، وإن علمه مستدل آخر. وعلى هذا فيكون من البرهانيات عند إنسان وطائفة، ماليس من البرهانيات عند آخرين. فلا يمكن أن تحد القضايا العلمية بحد جامع بل تختلف باختلاف أحوال من علمها ومن لم يعلمها- عند أهل كل صناعة من الحق والباطل ومن الصدق والكذب-. ويمتنع أن تكون منفعتها مشتركة بين الآدميين بخلاف طريقة الأنبياء، فإنهم أخبروا بالقضايا الصادقة التي تفرق بين الحق والباطل والصدق والكذب، فكل ما ناقض الصدق فهو كذب وكل ماناقض الحق فهو باطل. فلهذا جعل الله ما أنزله من الكتاب حاكمًا بين الناس فيما اختلفوا فيه. وأنزل أيضا الميزان وما يوزن به. ويعرف به الحق من الباطل. ولكل حق منه أن يوزن به بخلاف ما فعله الفلاسفة المنطقيون، فإنه لا يمكن أن يكون هاديًا للحق، ولا مفرقًا بين الحق والباطل، ولا هو ميزان يعرف بها الحق من الباطل، وأما المتكلمون فما كان في كلامهم موافقًا لما جاءت به الأنبياء، فهو منه. وما خالفه فهو من
стр. 162
البدع الباطلة شرعًا وعقلًا، فإن قيل نحن نجعل البرهانيات إضافية. فكل ما عليه الإنسان بمقدماته فهو برهاني عنده وإن لم يكن برهانيًا عند غيره، قيل لم يفعلوا ذلك، فإن من سلك هذا السبيل لم يجد مواد البرهان في أشياء معينة مع إمكان علم كثير من الناس لأمور أخرى بغير تلك المواد المعينة التي عينوها. وإذا قالوا نحن لا نعين المواد، فقد بطل أحد أجزاء المنطق وهو المطلوب.
الوجه الثالث عشر. أنهم لما ظنوا أن طريقهم كلية محيطة بطرق العلم الحاصل لبني آدم، مع أن الأمر ليس كذلك، وقد علم الناس إما بالحس وإما بالعقل وإما بالأخبار الصادقة معلومات كثيرة، لا تعلم بطرقهم التي ذكروها ومن ذلك ما علمه الأنبياء صلوات الله عليهم من العلوم، أرادوا إجراء ذلك على قانونهم الفاسد. فقالوا: النبي له قوة أقوى من قوة غيره. وهو أن يكون بحيث ينال الحد الأوسط من غير تعليم معلم، فإذا تصور، أدرك بتلك القوة الحد الذي قد يتعسر أو يتعذر على غيره إدراكه بلا تعليم لأن قوى الأنفس في الإدراك غير محدودة، فجعلوا ما يخبر به الأنبياء من أنباء الغيب إنما هو بواسطة القياس المنطقي، وهذا في غاية الفساد، فإن القياس المنطقي إنما تعرف به أمور كلية كما تقدم، وهم يسلمون ذلك والرسل أخبروا بأمور معينة مختصة جزئية ماضية وحاضرة ومستقبلة، فعلم بذلك أن ما علمه الرسل لم يكن بواسطة القياس المنطقي. بل جعل ابن سينا علم الرب بمعقولاته من هذا الباب، تعالى الله عن قوله علوًا كبيرًا.
وقد تبين بما تقرر، فساد ما ذكروه من المنطق من حصر طريق العلم مادة وصورة، وتبين أنهم أخرجوا من العلوم الصادقة أجل وأعظم وأكثر مما اثبتوه وأن ما ذكروه من الطريق، إنما يفيد علو ما قليلة خسيسة لا كثيرة
стр. 163
ولا شريفة. وهذه مرتبة القوم، فإنهم من أخس الناس علمًا وعملًا وكفار اليهود والنصارى أشرف علمًا وعملًا منهم من وجوه كثيرة. والفلسفة كلها لا يصير صاحبها في درجة اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل، فضلًا عن درجتهم قبل ذلك وقد أنشد ابن القشيري في الرد على الشفا لابن سينا.
قطعنا الأخوة من معشر ... بهم مرض من كتاب الشفا
وكم قلت يا قوم أنتم على ... شفا جرف من كتاب الشفا
فلما استهانوا بتنبيهنا ... رجعنا إلى الله حتى كفى
فماتوا على دين رسطاطليس ... وعشنا على ملة المصطفى
فإن قيل: ما ذكره أهل المنطق من حصر طرق العلم، يوجد نحو منه في كلام متكلمي المسلمين. بل منهم من يذكره بعينه إما بعباراتهم، وإما بتغيير العبارة فالجواب. أن ليس كل ما يقوله المتكلمون حقًا، بل كل ما جاء به الرسل فهو حق. وما قاله المتكلمون وغيرهم مما يوافق ذلك فهو حق. وما قالوه مما يخالفه فهو باطل. وقد عرف ذم السلف والأئمة لأهل الكلام المحدث.
قال: والعجب من قوم أرادوا بزعمهم نصر الشرع بعقولهم الناقصة وأقيستهم الفاسدة. فكان ما فعلوه، مما جرأ الملحدين أعداء الدين عليه فلا الإسلام نصروا ولا الأعداء كسروا. ثم من العجائب أنهم يتركون أتباع الرسل المعصومين الذين لا يقولون إلا الحق ويعرضون عن تقليدهم ويقلدون ويساكنون مخالف ما جاؤا به من يعلمون أنه ليس بمعصوم، وأنه يخطئ تارة ويصيب أخرى، والله الموفق للصواب.
стр. 164
هذا آخر ما لخصته من كتاب ابن تيمية. وقد أوردت عبارته بلفظه من غير تصرف في الغالب. وحذفت من كتابه الكثير، فإنه في عشرين كراسًا. ولم أحذف من المهم شيئًا، إنما حذفت ما لا تعلق له بالمقصود، مما ذكر إستطرادًا أو ردًا على مسائل من الإلهيات ونحوها أو مكررًا أو نقضًا لعبارات بعض المناطقة، وليس راجعًا لقاعدة كلية في الفن أو نحو ذلك. وإذا طالع كل أحد كتاب هذا المختصر، استفاد منه المقصود بسهولة أكثر مما يدركه من الأصل فإنه وعر صعب المآخذ ولله الحمد والمنة.