Полный текст (164 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وما عرفت شيئًا (إلا) علمي بأن الممكن يفتقر إلى المؤثر. ثم قال: الافتقار وصف سلبي، فأنا أموت، وما عرفت شيئًا. وكذلك حدثونا عن آخر من أفاضلهم- وهذا أمر يعرفه كل من خبرهم ويعرف أنهم أجهل أهل الأرض بالطرق التي ينال بها العلوم العقلية والسمعية، إلا من علم منهم علمًا من غير الطرق المنطقية، فتكون علومه من تلك الجهة لا من جهتهم، مع كثرة تعبهم في البرهان الذي، يزعمون أنهم يزنون به العلوم، ومن عرف منهم شيئًا من العلوم لم يكن ذلك بواسطة ما حرره في المنطق، ومما بين أن حصول العلوم اليقينية الكلية والجزئية لا يفتقر إلا برهانهم (أن يقال: إذا كان لابد في برهانهم) من قضية كلية، فالعلم بتلك القضية الكلية لابد له من سبب، فإن عرفوها باعتبار الغائب بالشاهد، فإن حكم الشيء حكم مثله، كما إذا عرفنا أن هذه (النار محرقة) فالنار الغائبة محرقة لأنها مثلها. وحكم الشيء حكم مثله، فيقال هذا استدلال بقياس التمثيل وهم يزعمون أنه لا يفيد اليقين بل الظن، فإذا كانوا إنما علموا القضية الكلية بقياس التمثيل، يرجعوا في اليقين إلى ما يقولون إنه لا يفيد إلا الظن، وإن قالوا بل عند الإحساس بالجزئيات لأن يفيض عليها الكلي من واهب العقل أو قالوا: من العقل الفعال. عندهم ونحو ذلك- قيل لهم: الكلام فيها به يعلم أن الحكم الكلي الذي في النفس علم لا ظن ولا جهل. فإن قالوا هذا العلم بالبديهة والضرورة، كان هذا قولًا بأن هذه القضايا الكلية معلومة بالبديهة والضرورة، وأن النفس مضطرة إلى هذا العلم. وهذا إن
стр. 37
كان حقًا فالعلم بالأعيان المعينة وبأنواع الكليات يحصل أيضًا في النفس بالبديهة والضرورة كما هو الواقع، فإن جزم العقلاء بالشخصيات من الحسيات، أعظم من جزمهم بكلية الأنواع أعظم من جزمهم بكلية الأجناس، والعلم بالجزئيات أسبق إلى الفطرة. فجزم الفطرة بها أقوى. ثم كلما قوي العقل، اتسعت الكليات وحينئذ فلا يجوز أن يقال: إن العلم بالأشخاص، وقوف على العلم بالأنواع والأجناس، ولا أن العلم بأنواع موقوف على العلم بالأجناس، بل قد يعلم الإنسان أنه حساس متحرك بالإرادة قبل أن يعلم أم كل إنسان كذلك ويعلم أن الإنسان كذلك قبل أن يعلم أن كل حيوان كذلك فلم يبق علمه بأن غيره من الحيوان حساس متحرك بالإرادة، موقوفًا على البرهان وإذا علم حكم سائر الناس وسائر الحيوان، فالنفس تحكم بذلك بواسطة علمها أن ذلك الغائب مثل هذا الشاهد، أو أنه يساويه في السبب الموجب لكونه (حساسًا) متحركًا بالإرادة ونحو ذلك من قياس التمثيل والتعليل الذي يحتج به الفقهاء في إثبات الأحكام الشرعية.
[مادة الأقيسة]
وهؤلاء يزعمون أن ذلك القياس إنما يفيد الظن، وقياسهم هو الذي يفيد اليقين، وقد بينا في غير هذا الموضع أن قولهم هذا من أفسد الأقوال، وأن قياس التمثيل وقياس الشمول سواء وإنما يختلفان بالمادة المعينة فإن كانت
стр. 38
يقينية (في أحدهما كانت يقينية) في الآخر وإن كانت ظنية في أحدهما كانت ظنية في الآخر. وذلك أن قياس الشمول مؤلف من الحدود الثلاثة، الأصغر والأوسط والأكبر، والحد الأوسط فيه هو الذي يسمى في قياس التمثيل علة ومناطًا وجامعًا [ومشتركًا ووصفًا ومقتضيًا]. فإذا قال في مسألة النبيذ: كل نبيذ مسكر وكل مسكر حرام، فلابد له من إثبات المقدمة الكبرى، وحينئذ يتم البرهان، وحينئذ فيمكنه أن يقول النبيذ مسكر، فيكون حرامًا قياسًا على خمر العنب، بجامع ما يشتركان فيه من الإسكار، هو مناط التحريم في الأصل، وهو موجود في الفرع فيما به (يقرر) أن كل مسكر حرام، به يقرر أن السكر مناط التحريم بطريق الأولى، بل التفريق في قياس التمثيل أسهل عليه لشهادة الأصل له بالتحريم، فيكون الحكم قد علم ثبوته في بعض الجزئيات. ولا يكفي في قياس التمثيل إثباته في أحد الجزأين لثبوته في الجزء الآخر، لاشتراكهما في أمر لم يقم دليل على استلزامه للحكم، كما يظنه بعض للطالبين، بل لابد أن يعلم أن المشترك بينهما مستلزم للحكم والمشترك بينهما هو الحد الأوسط. وهذا ما يسميه الفقهاء وأهل أصول الفقه المطالبة بتأثير الوصف في الحكم؛ وهذا السؤال أعظم سؤال يرد على القياس وجوابه هو الذي يحتاج إليه غالبًا في تقدير صحة القياس، فإن المعترض قد يمنع الوصف في الأصل، وقد يمنع الحكم في الأصل، وقد يمنع الوصف في الفرع، وقد يمنع كون الوصف علة في الحكم ويقول: لا نسلم أن ما ذكرته في الوصف المشترك هو العلة أو دليل
стр. 39
العلة، فلابد من دليل بدل على ذلك من نص أو اجتماع أو سبر وتقسيم أو المناسبة أو الدوران عند من يستدل بذلك، فما دل على أن الوصف المشترك مستلزم للحكم إما علة، وإما دليل العلة: هو الذي يدل على أن الحد الأوسط مستلزم الأكبر، وهو الدال على صحة المقدمة الكبرى، فإن أثبت العلة كان برهان علة، وإن أثبت دليلها، كان برهان دلالة. وإن لم يفيد العلم بل أفاد الظن، فكذلك المقدمة الكبرى في ذلك القياس لا تكون إلا ظنية، وهذا أمر بين. ولهذا صار كثير من الفقهاء يستعملون في الفقه القياس الشمولي، كما يستعمل في العقليات القياس التمثيلي، وحقيقة أحدهما هو حقيقة الآخر.
ومن قال من متأخري أهل الكلام والرأي كأبي المعالي وأبي حامد والرازي وأبي محمد المقدسي وغيرهم من أن العقليات ليس فيها قياس وإنما القياس في الشرعيات، ولكن الاعتماد في العقليات على الدليل الدال على ذلك مطلقًا، فقولهم مخالف لقول نظار المسلمين، بل وسائر العقلاء، فإن القياس يستدل به في العليات كما يستدل به في الشرعيات، فإنه إذا ثبت أن الوصف المشترك مستلزم للحكم كان هذا دليلًا في جميع العلوم. وكذلك إذا ثبت أنه ليس بين الفرع والأصل فرق مؤثر كان هذا دليلًا في جميع العلوم، وحيث لا يستدل بالقياس التمثيلي، لا يستدل بالقياس الشمولي.
وأبو المعالي ومن قبله من النظار لا يسلكون طريقة المنطقيين ولا يرضونها بل يستدلون بالأدلة المستلزمة عندهم لمدلولاتها من غير اعتبار ذلك بميزان المنطقيين ((لكن جمهور النظار يقيسون الغائب على الشاهد إذا كان المشترك مستلزمًا للحكم، كما يمثلون به في الجمع بالحد والعلة والشرط والدليل، ومنازعهم
стр. 40
يقول لم يثبت الحكم في الغائب لأجل ثبوته في الشاهد؛ بل نفس القضية الكلية كافية في المقصود من غير احتياج إلى التمثيل، فيقال لهم: وهكذا في الشرعيات، فإنه متى قام الدليل على أن الحكم معلق بالوصف الجامع لم يحتج إلى الأصل، بل نفس الدليل الدال على أن الحكم يتعلق بالوصف كاف لكن لما كان هذا كليًا والكلي لا يوجد إلا معينًا كان تعيين الأصل، مما يعلم به تحقيق هذا الكلي، وهذا أمر نافع في الشرعيات والعقليات، فعلمت أن القياس حيث قام الدليل على أن الجامع مناط الحكم، أو على إلغاء الفارق بين الأصل والفرع، فهو قياس صحيح، ودليل صحيح، في أي شيء كان.
[مسمى القياس]
وقد تنازع الناس في مسمى القياس فقالت طائفة من أهل الأصول هو حقيقة في قياس التمثيل، مجاز في قياس الشمول، كأبي حامد الغزالي وأبي محمد المقدسي، وقالت طائفة بل هو بالعكس حقيقة في الشمول، مجاز في التمثيل كابن حزم وغيره. وقال جمهور العلماء: بل هو حقيقة فيهما والقياس العقلي يتناولهما جميعًا، وهذا قول أكثر من تكلم في أصول الدين وأصول الفقه وأنواع العلوم العقلية، وهو الصواب، فإن حقيقة أحدهما هو حقيقة الآخر وإنما تختلف صورة الاستدلال.
والقياس في اللغة تقدير الشيء بغيره، وهذا يتناول تقدير الشيء المعين
стр. 41
بنظيره المعين وتقديره بالأمر الكلي المتناول ولأمثاله؛ فإن الكلي هو مثال في الذهن لجزئياته؛ ولهذا كان مطابقًا وموافقًا له. وقياس الشمول هو انتقال الذهن من المعين إلى المعنى العام المشترك الكلي المتناول له ولغيره والحكم عليه بما يلزم المشترك الكلي بأن ينتقل من ذلك الكلي اللازم إلى الملزوم الأول، وهو المعين فهو انتقال من خاص إلى عام، ثم انتقال من ذلك العام إلى الخاص من جزئي إلى كلي، ثم من ذلك الكلي إلى الجزئي الأول، فيحكم عليه بذلك الكلي، ولهذا الدليل أخص من مدلوله الذي هو الحكم، فإن يلزم من وجود الدليل وجود الحكم واللازم ولا يكون أخص من لازمه، بل أعم منه أو مساويه، وهو المعني بكونه أعم. والمدلول عليه الذي هو محل الحكم وهو المحكوم عليه المخبر عنه الموصوف الموضوع، إما أخص من الدليل أو مساويه، فيطلق عليه القول بأنه أخص منه، لا يكون أعم من الدليل. إذ لو كان أعم منه، لم يكن الدليل لازمًا له، فلا يعلم ثبوت الحكم له، فلا يكون الدليل دليلًا، وإنما يكون إذا كان لازمًا للمحكوم عليه الموصوف المخبر عنه الذي يسمى الموضوع والمبتدأ مستلزمًا للحكم الذي صفة وخبر وحكم، وهو الذي يسمى المحمول والخبر، وهذا كالسكر الذي هو أعم من النبيذ المتنازع فيه وأخص من التحريم.
وقد يكون الدليل مساويًا في العموم والخصوص للحكم لازمًا للمحكوم
стр. 42
عليه. فهذا هو جهة دلالته سواء صور قياس شمول وتمثيل أو لم يصور كذلك. وهذا أمر يعقله القلب وإن لم يعبر عنه اللسان. ولهذا كانت أذهان بني آدم تستدل بالأدلة على المدلولات، وإن لم يعبروا عن ذلك بالعبارات المبينة لما في نفوسهم، وقد يعبرون بعبارات مبينة لمعانيهم، وإن لم يسلكوا اصطلاح طائفة معينة من أهل الكلام ولا المنطق ولا غيرهم، فالعلم بذلك الملزوم، لابد أن يكون بينًا بنفسه أو بدليل آخر.
[قياس التمثيل]
وأما قياس التمثيل فهو انتقال الذهن من حكم معين إلى حكم معين لاشتراكهما في ذلك المعنى المشترك الكلي، لأن ذلك الحكم يلزم المشترك الكلي. ثم العلم بذلك اللزوم لابد له من سبب، إذا لم يكن بيننا كما تقدم، فهو يتصور المعينين أولًا، وهما الأصل والفرع إلى لازمهما وهو المشترك، ثم إلى لازم اللازم وهو الحكم، ولابد أن يعرف أن الحكم لازم المشترك وهو الذي يسمى هناك قضية كبرى، ثم ينتقل إلى إثبات هذا اللازم للملزوم الأول المعين فهذا هو هذا في الحقيقة، وإنما يختلفان في تصوير الدليل ونظمه وإلا فالحقيقة التي بها صار دليلًا، وهو أنه مستلزم للمدلول حقيقة واحدة.
ومن ظلم هؤلاء وجهلهم أنهم يضربون المثل في قياس التمثيل بقول القائل السماء مؤلفة، فتكون محدثة قياسًا على الإنسان. ثم يوردون على هذا القياس ما يختص به، فإنه لو قيل السماء مؤلفة، وكل مؤلف محدث، لورد عليه هذه الأسئلة وزيادة. ولكن إذا أخذ قياس الشمول في مادة بينة، لم يكن فرق
стр. 43
بينه وبين قياس التمثيل، فإن الكلي هو مثال في الذهن لجزئياته، ولهذا كان مطابقًا موافقًا له، بل قد يكون التمثيل أبين. ولهذا كان العقلاء يثبتون به كذلك فقولهم في الحد إنه لا يحصل بالمثال إنما ذاك في المثال الذي يحصل به التمييز بين المحدود وغيره. بحيث يعرف به ما يلازم لمحدود طردًا وعكسًا، بحيث يوجد حيث وجد، وينتفي حيث انتفى، فإن الحد المميز للمحدود هذا فقد ميز المحدود من غيره. وهذا هو الحد عند الجماهير النظار.
ولا يسوغون إدخال الجنس العام في الحد، فإذا كان المقصود الحد بحسب الاسم فسأل بعض العجم عن مسمى الخبز، فرأى رغيفًا وقيل له هذا، فقد يفهم أن هذا لفظ يوجد فيه كل ما هو خبز سواء كان على صورة الرغيف أو غير صورته. وقد بسط الكلام على ما ذكروه وذكره المنطقيون في الكلام على المحصل وغير ذلك وجد هذا في الأسئلة المجردة، إذا كان المقصود إثبات الجيم للألف والحد الأوسط هو الباء فقيل كل ألف باء وكل باء جيم أنتج كل ألف جيم. وإذا قيل كل ألف جيم قياسًا على الدال لأن الدال هي جيم وإنما كان جيمًا لأنها باء والألف أيضًا باء، فيكون الألف جيمًا لاشتراكهما في المستلزم للجيم وهو الباء، كان هذا صحيحًا في معنى الأول، لكن فيه زيادة مثال قيست عليه الألف مع أن الحد الأوسط وهو الباء موجود فيها.
فإن قيل ما ذكر ثموه من كون البرهان لابد فيه من قضية كلية صحيح، ولهذا لا يثبتون به إلا مطلوبًا كليًا.
стр. 44
البرهان لا يفيد إلا الكليات
ويقولون: البرهان لا يفيد إلا الكليات. ثم أشرف الكليات هي العقليات المحضة التي لا تقبل التغيير والتبديل، وهي التي تكمل بها النفس فتصير عالمًا معقولًا موازيًا للعالم الموجود بخلاف القضايا التي تتبدل وتتغير. وإذا كان المطلوب هو الكليات العقلية التي لا تقبل التبديل والتغيير، فتلك إنما تحصل بالقضايا العقلية الواجب قبولها بل إنما يكون في القضايا التي جهتها الوجوب، كما يقال: كل إنسان حيوان وكل موجود فإما واجب وإما ممكن. ونحو ذلك من الكلية التي لا تقبل التغيير. ولهذا كانت العلوم ثلاثة إما علم لا يتجرد عن المادة لا في الذهن ولا في الخارج وهو الطبيعي وموضوعه الجسم وإما مجرد عن المادة في الذهن لا في الخارج وهو الرياضي كالكلام في المقدار والعدد، وإما يتجرد عن المادة منها وهو إلهي، وموضوعها الوجود المطلق بلواحقه التي تلحقه من حيث هو وجود، كانقسامه إلى واجب وممكن، وجوهر وعرض، وانقسام الجوهر إلى ما هو حال وإلى ما هو محل، وما ليس بحال ولا محل، بل هو يتعلق بذلك تعلق التدبير، وإلى ما ليس بحال ولا محل ولا هو متعلق بذلك. فالأول هو الصورة، والثاني هو المادة وهو الهيولي، ومعناه في لغتهم المحل، والثالث: هو النفس، والرابع: هو العقل. والأول: يجعله أكثرهم من مقولة الجوهر، ولكن طائفة من متأخريهم كابن سينا امتنعوا من تسميته جوهرًا، وقالوا: الجوهر ما إذا وجد، كان وجوده لا في موضوع، أي لا في محل، يستغني عن الحال فيه، وهذا إنما يكون فيما وجوده غير ماهيته، والأول ليس كذلك فلا يكون جوهرًا. وهذا مما خالفوا
стр. 45
فيه سلفهم، ونازعوهم فيه نزاعًا لفظيًا، ولم يأتوا بفرق صحيح معقول فإن تخصيص اسم الجوهر بما ذكروه أمر اصطلاحي، وأولئك يقولون بل هو (كل ما) ليس في موضوع كما يقول المتكلمون، كل ما هو قائم بنفسه، أو كل ما هو متحيز، أو كل ما قامت به الصفات، أو كل ما حمل الأعراض، ونحو ذلك. وأما الفرق المعنوي فدعواهم أن وجود الممكنات زائد على ماهيتها في الخارج باطل. ودعواهم أن الأول وجود مقيد بالسلوب أيضًا باطل، كما هو مبسوط في موضعه. والمقصود هنا الكلام على البرهان.
فيقال هذا الكلام وإن ضل به طوائف؛ فهو كلام مزخرف، وفيه من الباطل (ما يطول) وصفه، لكن ننبه هنا على بعض ما فيه، وذلك من وجوه:
الأول: أن يقال إذا كان البرهان لا يفيد إلا العلم بالكليات والكليات إنما تتحقق في الأذهان لا في الأعيان، وليس في الخارج إلا وجود معين، لم يعلم بالبرهان شيء من المعينات، فلا يعلم به موجود أصلًا، بل إنما يعلم به أمور مقدرة في الأذهان، ومعلوم أن النفس لو قدر أن كمالها في العلوم فقط، وإن كانت هذه قضية كاذبة، كما بسط في موضعه، فليس هذا علمًا تكمل به النفس، إذ لم تعلم شيئًا من الموجودات، ولا صارت عالمًا معقولًا موازيًا للعالم الموجود بل صارت عالمًا لأمور كلية مقدرة، لا نعلم بها شيئًا من العالم الموجود، وأي خير في هذا، فضلًا عن أن يكون كمالًا.
والثاني: أن يقال أشرف الموجودات هو واجب الوجود، ووجوده
стр. 46
معين لا كلي، فإن الكلي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، وواجب الوجود يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، وإن لم يعلم منه ما يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، بل إنما علم أمر كلي مشترك بينه وبين غيره لم يكن قد علم واجب الوجود، وكذلك الجواهر العقلية عندهم، وهي العقول العشرة أو أكثر من ذلك عند من يجعلها أكثر من ذلك عندهم كالسهر وردي المقتول وأبي البركات وغيرهما منهم، كلها جواهر معينة، لا أمور كلية، فإذا لم نعلم إلا الكليات لم نعلم شيئًا منها، وكذلك الأفلاك التي يقولون إنها أزلية أبدية، فإذا لم نعلم إلا الكليات، لم تكن معلومة، فلا نعلم واجب الوجود ولا العقول ولا شيئًا من النفوس ولا الأفلاك ولا العناصر ولا المولدات، وهذه جملة الموجودات عندهم، فأي علم هنا تكمل به النفس؟
الثالث: إن تقسيمهم العلوم إلى الطبيعي والرياضي والإلهي وجعلهم (الرياضي) أشرف من الطبيعي، والإلهي أشرف من الرياضي، هو مما قلبوا به الحقائق، فإن العلم الطبيعي وهو العلم بالأجسام الموجودة في الخارج؟ دأ حركاتها وتحويلاتها من حال إلى حال، وما فيها من الطبائع أشرف من مجرد تصور مقادير مجردة وأعداد مجردة، فإن كون الإنسان لا يتصور إلا شكلًا مدورًا أو مثلثًا أو مربعًا، ولو تصور كل ما في إقليدس، أو لا يتصور إلا أعدادًا مجردة ليس فيه علم بموجود في الخارج، وليس ذلك كمال النفس
стр. 47
ولولا أن ذلك طلب فيه معرفة المعدودات والمقدرات الخارجية التي هي أجسام وأعراض لما جعل علمًا.
وإنما جعلوا علم الهندسة مبدأ تعلم الهيئة ليستعينوا به على براهين الهيئة أو ينتفعوا به في عمارة الدنيا. هذا مع أن براهينهم القياسية لا تدل على شيء دلالة مطردة يقينية سالمة عن الفساد إلا في هذه المواد الرياضية. فإن علم الحساب الذي هو علم بالكم المنفصل، والهندسة التي هي علم بالكم المتصل، علم يقيني لا يحتمل النقيض البتة، مثل جمع الأعداد وقسمتها وضربها ونسبة بعضها إلى بعض. فإنك إذا جمعت مائة إلى مائة علمت أنهما مائتان، فإذا قسمتها على عشرة، كان لكل واحد عشرة، وإذا ضربتها في عشرة، كان المرتفع مائة، والضرب مقابل للقسمة، فإن ضرب الأعداد الصحيحة تضعيف آحاد أحد العددين بآحاد العدد الآخر، (والقسمة توزيع أحد العددين على آحاد العدد الآخر) فإذا قسم المرتفع بالضرب على أحد العددين، خرج المضروب الآخر، وإذا ضرب الخارج بالقسمة في المقسوم عليه خرج المقسوم، فالمقسوم نظير المرتفع بالضرب، فكل واحد من المضروبين نظير المقسوم والمقسوم ليه، والنسبة تجمع هذه كله، فنسبة أحد المضروبين إلى المرتفع، كنسبة الواحد إلى المضروب الآخر، ونسبة المرتفع إلى أحد المضروبين كنسبة الآخر إلى الواحد. فهذه الأمور وأمثالها مما يتكلم فيه الحساب أمر معقول كنسبة مما يشترك فيه ذوو العقول.
وما من أحد من الناس إلا يعرف منه شيئًا فإنه ضروري في العلم، ولهذا يمثلون به في قولهم: الواحد نصف الاثنين ولا ريب أن قضاياه كلية واجبة القبول لا تنتقض البتة.
стр. 48
وهذا كان مبدأ فلسفتهم التي وضعها فيثاغورث، وكانوا يسمون أصحابه أصحاب العدد، وكانوا يظنون أن الأعداد المجردة موجودة خارجة عن الذهن. ثم تبين لأفلاطون وأصحابه غلط ذلك. وظنوا الماهيات المجردة كالإنسان المطلق والفرس المطلق موجودات خارج الذهن وأنها أزلية أبدية ثم تبين لأرسطو وأصحابه غلط ذلك. فقالوا بل هذه الماهيات المطلقة موجودة في الخارج مقارنة لوجود الأشخاص، ومشى من مشى من أتباع أرسطو من المتأخرين على هذا، وهو أيضًا غلط. فإن ما في الخارج ليس بكلي أصلًا، وليس في الخارج إلا ما هو كلي في الذهن يوجد في الخارج، لكن إذا وجد في الخارج، لا يكون إلا معينًا، لا يكون كليًا، فكونه كليًا مشروط بكونه في الذهن، ومن أثبت ماهية لا في الذهن ولا في الخارج فتصور قوله تصورًا تامًا، يكفي في العلم بفساد قوله، وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا أن هذا العلم وهو الذي تقوم عليه براهين صادقة، لكن لا تكمل بذلك نفس ولا تنجو به من عذاب ولا تنال به سعادة. ولهذا قال أبو حامد الغزالي وغيره في علوم هؤلاء: هي بين علوم صادقة لا منفعة فيها، ونعوذ بالله من علم لا ينفع، وبين ظنون كاذبة لا ثقة بها، وإن بعض الظن إثم، يشيرون بالأولى إلى العلوم الرياضية، وبالثاني إلى ما يقولونه في الآلهيات وفي أحكام النجوم ونحو ذلك. لكن تلتذ النفس بذلك كما تلتذ بغير ذلك، فإن الإنسان يلتذ بعلم ما لم يكن علمه، وسماع ما لم يكن سمعه، إذا لم يكن مشغولًا عن ذلك بما هو أهم عنده منه، كما قد يلتذ بأنواع من الأفعال التي هي من جنس اللهو واللعب. وأيضًا ففي الإدمان على معرفة ذلك تعتاد
стр. 49
النفس العلم الصحيح والقضايا الصحيحة الصادقة والقياس المستقيم. فيكون في ذلك تصحيح الذهن والإدراك. وتعود النفس أنها تعلم الحق وتقوله، لتستعين بذلك على المعرفة التي هي فوق ذلك.
ولهذا يقال: إنه كان أوائل الفلاسفة، أول ما يعلمون أولادهم العلم الرياضي وكثير من شيوخهم في آخر أمره إنما يشتغل بذلك. لأنه لما نظر في طرقهم وطرق من عارضهم من أهل الكلام الباطل، ولم يجد في ذلك ما هو حق، أخذ يشغل نفسه بالعلم الرياضي، كما كان يتحرى مثل ذلك من هو من أئمة الفلاسفة كابن واصل وغيره. وكذلك كثير من متأخري أصحابنا يشتغلون وقت بطالتهم بحكم الفرائض والحساب والجبر والمقابلة والهندسة ونحو ذلك لأن فيه تفريحًا للنفس، وهو علم صحيح لا يدخل فيه غلط. وقد جاء عن عمر بن الخطاب أنه قال إذا لهو تم فالهوا بالرمي وإذا تحدثتم فتحدثوا بالفرائض. فإن حساب الفرائض علم معقول مبني على أصل مشروع، فتبقى فيه رياضة العقل وحفظ الشرع. لكن ليس هو علمًا يطلب لذاته، ولا تكمل به النفس.
وأولئك المشركون كانوا يعبدون الكواكب ويبنون لها الهياكل ويدعونها بأنواع الدعوات. كما هو معروف من أخبارهم وما صنف على طريقهم من الكتب الموضوعة في الشرك والسحر ودعوة الكواكب
стр. 50
والعزائم والأقسام التي بها يعظم إبليس وجنوده. وكان الشيطان بسبب الشرك والسحر، يغويهم بأشياء هي التي دعتهم إلى ذلك الشرك والسحر، وكانوا يرصدون الكواكب ليتعلموا مقاديرها ومقادير حركاتها وما بين بعضها من الاتصالات. مستعينين بذلك على ما يرونه مناسبًا لهذا ولما كانت الأفلاك مستديرة، ولم يمكن معرفة حسابها إلا بمعرفة الهندسة وأحكام الخطوط المستقيمة والمنحنية، تكلموا في الهندسة لذلك، ولعمارة الدنيا. فلهذا صاروا يتوسعون في ذلك، وإلا فلو لم يتعلق بذلك غرض إلا مجرد تصور الأعداد والمقادير، لم تكن هذه الغاية مما يوجب طلبها بالسعي المذكور وربما كانت هذه غاية لبعض الناس الذين يتلذذون بذلك، فإن لذات النفوس أنواع، ومنهم من يلتذ بالشطرنج والنرد والقمار، حتى يشغله ذلك عما هو أنفع له منه. وكان مبدأ وضع المنطق من الهندسة، وسموه حدود، حدود تلك الأشكال لينتقلوا من الشكل المحسوس إلى شكل المعقول وهذا لضعف عقولهم وتعذر المعرفة عليهم إلا بالطريق البعيدة. والله تعالى يسر للمسلمين من العلم والبيان والعمل الصالح والإيمان ما برزوا به على كل نوع من أنواع جنس الإنسان. والحمد لله رب العالمين.
وأما العلم الإلهي الذي هو عندهم مجرد ن المادة في الذهن والخارج. فقد تبين لك أنه ليس له معلوم في الخارج، وإنما هو علم بأمور كلية مطلقة لا توجد كلية إلا في الذهن. وليس في هذا من كمال النفس شيء. وإن عرفوا واجب الوجود بخصوصه، فهو علم بمعين يمنع تصوره من وقوع الشركة
стр. 51
(فيه) وهذا مما يدل عليه القياس الذي يسمونه البرهان، فبرهانهم لا يدل على شيء معين بخصوصه، لا واجب الوجود ولا غيره، وإنما يدل على أمر كلي. والكلي لا يمنع تصوره من وقو الشركة فيه، وواجب الوجود يمنع العلم به من وقوع الشركة فيه. ومن لم يتصور ما تمتنع الشركة فيه؛ لم يكن قد رف الله، ومن لم يثبت للرب إلا معرفة الكليات، كما يزعمه ابن سينا وأمثاله، ولأن ذلك كمال للرب، فذلك يظنه كمالًا للنفس بطريق الأولى، سليمًا إذا قال: إن النفس لا تدرك إلا الكليات. وإنما يدرك الجزئيات البدن، فهذا في غاية الجهل وهذه الكليات التي لا تعرف الجزئيات الموجودة لا كمال فيها البتة والنفس إنما تحب معرفة الكليات، لتحيط بها بمعرفة الجزئيات، فإذا لم يحصل ذلك، لم تفرح النفس بذلك الوجه.
الرابع: أن يقال هب أن النفس تكمل بالكليات المجردة كما يزعمون، فما يذكرون في العلم الأعلى عندهم، الناظر في الوجود ولواحقه، ليس كذلك فإن تصور معنى الوجود فقط أمر ظاهر حتى يستغني عن الحد عندهم لظهوره فليس هو المطلوب. وإنما المطلوب أقسامه، ونفس أقسامه إلى واجب وممكن وجوهر وعرض وعلة ومعلول وقديم وحادث، هو أخص من مسمى الوجود. وليس في مجرد معرفة انقسام الأمر العام في الذهن إلى أقسام بدون معرفة الأقسام ما يقتضي علمًا كليًا عظيمًا عاليًا على تصور الوجود. فإذا عرفت الأقسام، فليس فيها ما هو علم بمعلوم لا يقبل التغيير والاستحالة، وليس معهم دليل أصلًا يدلهم على أن العالم لم يزل ولا يزال.
стр. 52
هكذا. وجميع ما يحتاجون به على دوام الفاعل والفاعلية والزمان والحركة وتوابع ذلك فإنما يدل على قدم نوع ذلك ودوامه، لا قدم شيء معين ولا دوام شيء معين. فالجزم بأن مدلول تلك الأدلة هو (العلم) بهذا أو شيء منه، جهل محض، لا مستند له، إلا عدم العلم بموجود غير هذا العالم. ودم العلم ليس علمًا بمعلوم.
ولهذا لم يكن ند القوم إيمان بالغيب الذي أخبرت به الأنبياء، فهو لا يؤمنون لا بالله ولا بملائكته ولا كتبه ولا رسله ولا البعث بعد الموت. وإذا قالوا: نحن نثبت العالم العقلي أو المعقول الخارج عن (العالم) المحسوس وذلك هو الغيب. فإن هذا وإن كان قد ذكره طائفة من المتكلمة فالمتفلسفة، خطأ وضلال، فإن ما يثبتونه من المعقولات، إنما يعود عند التحقيق إلى أمور مقدرة في الأذهان لا موجودة في الأعيان.
والرسل أخبرت عما هو موجود في الخارج، وهو أكمل وأعظم وجودًا مما نشهده في الدنيا. فأين هذا من هذا، وهم لم كانوا مكذبين بما أخبرت به الرسل، قالوا: إن الرسل قصدوا إخبار الجمهور بما يتخيل إليهم، لينتفعوا بذلك في العدل الذي أقاموه لهم، ثم منهم من يقول: إن الرسل عرفت ما عرفناه من نفي هذه الأمور. ومنهم من يقول بإن لم يكونوا يعرفون هذا وإنما كان كمالهم في القوة العملية لا النظرية. وأقل أتباع الرسل إذا تصور حقيقة ما عندهم وجده مما لا يرضى به قل تباع الرسل.
وإذا علم بالأدلة العقلية أن هذا العالم يمتنع أن يكون شيء منه قديمًا أزليًا، وعلم بأخبار الأنبياء المؤيدة بالعقل أنه كان قبله عالم آخر منه خلق، وأنه سوف يستحيل وتقوم القيامة، ونحو ذلك، علم أن عامة ما عندهم
стр. 53
من الأحكام الكلية ليست مطابقة، بل هي جهل لا علم، وهب أنهم لا يعلمون ما أخبرت به الرسل، فليس في العقل ما يوجب ما ادعوه من كون هذه الأنواع الكلية في هذا العالم أزلية أبدية لم تزل ولا تزال. فلا يكون العلم بذلك علمًا بكليات ثابتة، وعامة فلسفتهم الأولى وحكمتهم العليا من هذا النمط وكذلك من صنف على (طريقتهم) كصاحب المباحث المشرقية وصاحب حكمة الإشراق وصاحب دقائق الحقائق ورموز الكنوز وصاحب كشف الحقائق وصاحب الأسرار الحقيقية في العلوم العقلية، وأمثال هؤلاء مما لم يجرد القول لنصرر مذهبهم مطلقًا ولا تخلص من أشراك ضلالهم مطلقًا. بل شاركهم في كثير من ضلالهم، وشكلهم في كثير من محالهم، وتخلص من بعض وبالهم، وإن كان أيضًا لم ينصفهم في بعض ما أصابوا، وأخطأ لعدم علمه بمرادهم، أو بعدم معرفته أن ما قالوا (غير صواب، ثم إن هؤلاء إنما يتبعون كلام ابن سينا، وابن سينا تكلم في أشياء من الإلهيات والنبوات والمعاد والشرائع، ولم يتكلم فيه سلفه، ولا وصلت إليها عقولهم ولا بلغتها علومهم، فإنه استفادها من المسلمين، وإن كان إنما أخذ عن الملاحدة المنتسبين إلى المسلمين كالإسماعيلية
стр. 54
وإن كان أهل بيته وأتباعهم معروفين عند المسلمين بالإلحاد، وحسن ما يظهرون دين الرفض، وهم في الباطل يبطنون الكفر المحض.
وقد صنف المسلمون في كشف أسرارهم وهتك أستارهم كتبًا كبارًا وصغارًا وجاهدوهم باللسان واليد إذ كانوا بذلك حق من اليهود والنصارى ولو لم يكن إلا كتاب كشف الأسرار وهتك الأستار للقاضي أبي بكر محمد بن الطيب وكتاب عبد الجبار بن أحمد وكتاب أبي حامد الغزالي وكلام أبي إسحاق وكلام بن فورك والقاضي أبي يعلى والشهر ستاني. وغير هذا مما يطول وصفه.
والمقصود هنا أن ابن سينا أخبر عن نفسه أن أهل بيته وأباه وأخاه كانوا من هؤلاء الملاحدة، وإنه إنما اشتغل بالفلسفة بسبب ذاك، فإنه كان يسمعهم يذكرون العقل والنفس. وهؤلاء المسلمون الذين ينسب إليهم، وهم مع الإلحاد الظاهر والكفر الباطن، أعلم بالله من سلفه الفلاسفة
стр. 55
كأرسطو وأتباعه، فإن أولئك ليس عندهم من العلم بالله إلا ما عند عباد مشركي العرب ما هو خير منه.
وقد ذكرت كلام أرسطو نفسه الذي ذكره في علم ما بعد الطبيعة في مقالة اللام وغيرها، وهو آخر منتهى فلسفته، وبينت بعض ما فيه من الجهل. فإنه ليس في الطوائف المعروفين الذين يتكلمون في العلم الإلهي مع الخطأ والضلال مثل علماء اليهود والنصارى وأهل البدع من المسلمين وغيرهم أجهل من هؤلاء، وأبعد عن العلم بالله تعالى منهم.
نعم لهم في الطبيعيات كلام غالبه جيد. وهو كلام كثير واسع، ولهم عقول عرفوا بها ذلك، وهم قد يقصدون الحق، لا يظهر عليهم العناد، لكنهم جهال بالعلم الإلهي إلى الغاية ليس عندهم إلا قليل كثير الخطأ.
وابن سينا لما عرف شيئًا من دين المسلمين، وكان قد تلقاه عن الملاحدة وعمن هو خير منهم من المعتزلة والرافضة، أراد أن يجمع بين ما عرفه بعقله من هؤلاء، وبين ما أخذه من سلفه. ومما أحدثه مثل كلامه في النبوات وأسرار الآيات والمنامات، بل كلامه في بعض الطبيعيات وكلامه في واجب الوجود، ولا شيء من الأحكام التي لو أجب الوجود وإنما يذكرون العلة الأولى، ويثبتونه من حيث هو على غنائية للحركة الفلكية يتحرك الفلك للتشبه به فابن سينا أصلح تلك الفلسفة الفاسدة بعض إصلاح حتى راجت على من يعرف دين الإسلام من الطلبة النظار وصاروا يظهر لهم بعض ما فيها من التناقض، فيتكلم كل منهم بحسب ما عنده ولكن سلموا لهم أصولًا
стр. 56
فاسدة في المنطق والطبيعيات والإلهيات، ولم يعرفوا ما دخل فيها من الباطل فصار ذلك سببًا إلى ضلالهم في مطالب عالية إيمانية، ومقاصد سامية قرآنية، خرجوا بها عن حقيقة العلم والإيمان، وصاروا بها في كثير من ذلك لا يسمعون ولا يعقلون، بل يسفسطون في العقليات، ويقرمطون في السمعيات.
والمقصود هنا التنبيه على أنه لو قدر أن النفس تكمل بمجرد العلم. كما زعموه، مع أنه قول باطل فإن النفس لها قوتان: قوة علمية نظرية، وقوة إرادية عملية، فلابد من كمال القوانين بمعرفة الله وعبادته، بجمع محبته والذل له، فلا تكمل النفس فقط. إلا بعبادة الله وحده لا شريك له.
والعبادة تجمع معرفته ومحبته والعبودية له، وبهذا بعث الله الرسول، وأنزل الكتب الإلهية كلها يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وهؤلاء يجعلون العبادات التي أمرت بها الرسل. مقصودها إصلاح أخلاق النفس. لتستعد للعلم الذي زعموا أنه كمال النفس، أو مقصودها إصلاح المنزل والمدينة وهو الحكمة العلمية، فيجعلون العبادات وسائل محصنة إلى ما يدعونه من العلم. ولذلك يرون هذا ساقطًا عمن حصل المقصود، كما يفعل الملاحدة الإسماعيلية، ومن دخل في الإلحاد أو بعضه وانتسب إلى الصوفية أو المتكلمين أو الشيعة أو غيرهم فالجهمية قالوا. الإيمان مجرد معرفة الله. وهذا القول وإن كان خيرًا من قولهم فإنه جعله معرفة الله بما يلزم ذلك من معرفة ملائكته وكتبه ورسله. وهؤلاء جعلوا الكمال معرفة الوجود المطلق ولواحقه. وهذا أمر لو كان له حقيقة في الخارج، لم يكن كمالًا للنفس إلا معرفة خالقها فهؤلاء الجهمية من أعظم المبتدعة بل جعلهم غير واحد
стр. 57
خارجين عن الثنتين وسبعين فرقة كما يروى ذلك عن عبد الله بن المبارك ويوسف بن أسباط. وهو قول طائفة من المتأخرين من أصحاب أحمد وغيرهم، وقد كفر غير واحد من الأئمة كوكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل وغيرهما من يقول هذا القول وقالوا هذا يلزم منه أن يكون إبليس وفرعون واليهود الذين يعرفونه؛ كما يعرفون أبناءهم، مؤمنين. فقول الجهمية خير من قول هؤلاء، فإن ما ذكروه هو أصل ما تكمل به النفوس. لكن لم يجمعوا بين علم النفس وبين إرادتها التي هي مبدأ القوة العلمية وجعلوا الكمال في نفس العلم، وإن لم يعضده قول ولا عمل، ولا اقتران به الخشية والمحبة والتعظيم وغير ذلك، مما هو من أصول الإيمان ولوازمه. وأما هؤلاء فبعدوا عن الكمال غاية البعد، والمقصود هنا الكلام على برهانهم فقط، وإنما ذكرنا بعض ما لزمهم بسبب أصولهم الفاسدة.
واعلم أن بيان ما في كلامهم من الباطل والنقص، لا يستلزم كونهم أشقياء في الآخرة، إلا إذا بعث الله إليهم رسولًا فلم يتبعوه، بل يعرف به أن من جاءته الرسل بالحق، فعدل عن طريقهم إلى طريق هؤلاء. كان من الأشقياء في الآخرة. والقوم لولا الأنبياء، لكانوا أعقل من غيرهم.
стр. 58
لكن الأنبياء جاءوا بالحق وبقاياه في الأمم وإن كفروا ببعضه. حتى مشركي العرب كان عندهم بقايا من دين إبراهيم فكانوا خيرًا من الفلاسفة المشركين الذين يوافقون أرسطو وأمثاله على أصولهم.
الوجه الخامس: أنه إن كان المطلوب بقياسهم البرهاني معرفة الموجودات الممكنة، فتلك ليس فيها ما هو واجب البقاء على حال واحد أزلاء وأبدًا. بل هي قابلة للتغير والاستحالة، وما قدر أنه من اللازم لموصوفه فنفس الموصوف ليس واجب البقاء. فلا يكون العلم به علمًا بموجود واجب الوجود، وليس لهم على أزلية شيء من العالم دليل صحيح، كما بسط في موضعه وإنما غاية أدلتهم، تستلزم دوام نوع الفاعلية ونوع المادة والمدة، وذلك ممكن بوجود عين بعد عين من ذلك النوع أبدًا، مع القول بأن كل مفعول محدث مسبوق بالعدم، كما هو مقتضي العقل الصريح والنقل الصحيح، فإن القول بأن المفعول المعين مقارن لفاعله أزلًا وأبدًا مما يقضي صريح العقل بامتناعه (في) أي شيء قدر فاعله، لا سيما إذا كان فاعلًا باختياره، كما دلت عليه الدلائل اليقينية، ليست التي يذكرها المقصرون في معرفة أصول العلم والدين، كالرازي وأمثاله، كما بسط في موضعه.
وما يذكرون من اقتران المعقول بعلته، فإذا أريد بالعلة، ما يكون مبتدعًا للمعلول فهذا (باطل بصريح العقل. ولهذا يقر بذلك جميع الفطر السليمة التي لم تفسد بالتقليد الباطل. ولما كان هذا مستقرًا في الفطر كان
стр. 59
نفس الإقرار بأنه خالق كل شيء، موجبًا لأن يكون ما سواه محدثًا، مسبوقًا بالعدم وإن قدر دوام الخالقية لمخلوق بعد مخلوق فهذا لا ينافي أن يكون خالقًا لكل شيء أو ما سواه محدث مسبوق بالعدم، ليس معه شيء سواه، قديم بقدمه، بل ذلك أعظم في الكمال والجود والإفضال. وأما إذا أريد بالعلة ما ليس كذلك كما يمثلون به من حركة الخاتم بحركة اليدو وحصول الشعاع عن الشمس فليس هذا من باب الفاعل في شيء بل هو من المشروط، والشروط قد يقارن المشروط وأما الفاعل فيمتنع أن يقارنه مفعوله المعين، وإن لم يمتنع أن يكون فاعلًا لشيء بعد شيء، فقدم نوع كقدم نوع الحركة. وذلك لا ينافي حدوث كل جزء من أجزائها، بل يستلزمه لامتناع قدم شيء منها بعينه.
وهذا مما عليه جماهير العقلاء من جميع الأمم حتى أرسطو وأتباعه، فإنهم وإن قالوا بقدم العالم، فهم لم يثبتوا له مبتدعًا، ولا علة فاعلية، بل علة غائية يتحرك الفلك للتشبه بها، لأن حركة الفلك إرادية.
وهذا القول وهو أن الأول ليس مبدعًا للعالم وإنما هو علة غائية للتشبه به، وإن كان في غاية الجهل والكفر، فالمقصود أنهم وافقوا سائر العقلاء في أن الممكن المعلوم لا يكون قديمًا بقدم علته، كما يقول ذلك ابن سينا وموافقوه.
стр. 60
ولهذا أنكر هذا القول ابن رشد وأمثاله من الفلاسفة الذين اتبعوا طريقة أرسطو وسائر العقلاء في ذلك سواه أما ما ذكره ابن سينا مما خالف به سلفه وجماهير العقلاء، وكان قصده أن يركب مذهبًا من مذاهب المتكلمين ومذهب سلفه، فيجعل الموجود الممكن معلول الواجب، مع كونه أزليًا قديمًا بقدمه. واتبعه على إمكان ذلك أتباعه في ذلك كالسهر وردي الحلبي والرازي والآمدي والطوسي وغيرهم. وزعم الرازي ما ذكره في أن القول يكون- المفعول المعلول للواجب بالذات يكون قديمًا، مما اتفق عليه الفلاسفة المتقدمون الذين نقلت إلينا أقوالهم كأرسطو وأمثاله. وإنما قاله ابن سينا وأمثاله والمتكلمون إذ قالوا بقدم ما يقوم بالرب من الصفات ونحوها فلا يقولون إنها مفعولة ولا معلولة لعلة فاعلة، بل الذات القديمة هي الموصوفة بتلك الصفات عندهم، فصفاتها من لوازمها يمتنع تحقق كون الواجب واجبًا قديمًا إلا بصفاته اللازمة له، كما قد بسط في موضعه. ويمتنع عندهم قدم ممكن يقبل الوجود والعدم مع قطع النظر عن فاعله. وكذلك أساطين الفلاسفة يمتنع عندهم قديم يقبل العدم، ويمتنع أن يكون الممكن لم يزل واجبًا سواه قيل إنه واجب بنفسه أو لغيره.
ولكن ما ذكره ابن سينا وأمثاله في أن الممكن قد يكون قديمًا واجبًا بغيره أزليًا أبديًا، كما يقولون في الفلك الذي هو في الإمكان يرد عليه من الأسئلة القادحة في قولهم ما لا يمكنهم أن يجيبوا عنه، كما بسط في موضعه.
стр. 61
فإن هذا ليس موضع تقرير هذا، ولكن نبهنا به على أن برهانهم القياسي لا يفيد أمورًا كلية واجبة البقاء في الممكنات.
وأما واجب الوجود ﵎ فالقياس لا يدل على ما يختص به وإنما يدل على أمر مشترك كلي بينه وبين غيره، إذ كان مدلول القياس الشمولي عندهم ليس إلا أمورًا كلية مشتركة وتلك لا تختص بواجب الوجود رب العالمين ، وفلم يعرفوا ببرهانهم شيئًا من الأمور التي يجب دوامها، لا من الواجب ولا من الممكنات.
الآيات - وقياس الأول ى
وإذا كانت للنفس إنما تكمل بالعلم الذي يبقى بقاء معلومه، لم يستفيدوا ببرهانهم ما تكمل به النفس من العلم، فضلًا عن أن يقال إن ما تكمل به النفس من العلم لا يحصل إلا ببرهانهم ولهذا كانت طريقة الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه الاستدلال على الرب تعالى بذكر آياته. وإن استعملوا في ذلك القياس، استعملوا قياس شمول يستوي أفراده، ولا قياس مثل محض. فإن الرب تعالى لا مثيل له، ولا يجتمع هو وغيره تحت كلي يستوي أفراده، بل ما يثبت لغيره من كمال لا نقص فيه، فثبوته له بطريق الأولى. وما تنزه غيره عنه من النقائص، فتنزهه عنه بطريق الأولى.
ولهذا كانت الأقيسة العقلية البرهانية المذكورة في القرآن من هذا الباب،
стр. 62
كما يذكره في دلائل ربوبيته وإلهيته ووحدانيته وعلمه وقدرته وإمكانه المعاد وغير ذلك من المطالب العالية السنية، والمعالم الإلهية التي هي أشرف العلوم وأعظم ما تكمل به النفوس من المعارف. وإن كمالها لا بدفيه من كمال علمها وقصدها جميعًا. فلابد من عبادة الله وحده، المتضمنة لمعرفته ومحبته والذل (له). وأما استدلاله تعالى بالآيات فكثير في القرآن، والفرق بين الآيات وبين القياس: أن الآية هي العلامة، وهو الدليل الذي يستلزمه عين المدلول، لا يكون مدلوله أمرًا كليًا مشتركًا بين المطلوب وغيره. بل نفس العلم به يوجب (العلم) بعين المدلول كما أن الشمس آية النهار قال الله تعالى:
﴿وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة﴾.
فنفس العلم بطلوع الشمس، يوجب العلم بوجوب النهار. وكذلك نبوة محمد ﷺ العلم بنبوته بعينه، لا يوجب أمرًا مشتركًا بينه وبين غيره. وكذلك آيات الرب تعالى، نفس العلم لها يوجب العلم بنفسه المقدسة تعالى، لا يوجب علمًا كليًا متركًا بينه وبين غيره، والعلم بكون هذا مستلزمًا لها هو جهة الدليل. فكل دليل في الوجود لابد أن يكون مستلزمًا للمدلول.
والعلم باستلزام المعين للمعين المطلوب، أقرب إلى الفطرة من العلم بأن كل معين من معينات القضية الكلية يستلزم النتيجة، والقضايا الكلية هذا
стр. 63
شأنها، فإن القضايا الكلية إن لم تعلم معيناتها بغير التمثيل، وإلا لم يعلم إلا بالتمثيل، فلابد من معرفة لزوم المدلول للدليل الذي هو الحد الأوسط، فإذا كان كليًا، فلابد أن يعرف أن كل فرد من أفراد الحكم الكلي المطلوب، يلزم كل فرد من أفراد الدليل. كما إذا قيل كل أب وكل ب ج- فكل ج أأل فلابد أن يعرف أن كل فرد من أفراد الجيم يلزم كل فرد من أفراد الباء وكل فرد من أفراد الباء يلزم كل فرد من أفراد الألف. ومعلوم أن العلم بلزوم الجيم المعين للباء المعين والباء المعين للألف المعين أقرب إلى الفطرة من هذا.
وإذا قيل تلك الكلية تحصل في الذهن ضرورة أو بديهة من واهب العقل، قيل حصول تلك القضية المعينة في الذهن من واهب العقل أقرب. ومعلوم أن كل ما سوى الله من الممكنات فإنه مستلزم لذات الرب تعالى، يمتنع وجوده بدون وجود (ذات) الرب تعالى وتقدس. وإن كان مستلزمًا أيضًا لأمور كلية مشتركة بينه وبين غيره فلأنه يلزم من وجوده وجود لوازمه. وتلك الكليات المشتركة من لوازم المعين أعني يلزمه ما يحصه من ذلك الكلي العام والكلي المشترك يلزمه بشرطه وجوده. ووجود العالم الذي يتصور القدر المشترك، وهو سبحانه يعلم الأمور على ما هي عليه، فيعلم نفسه المقدسة بما يخصها، ويعلم الكليات أنها كليات، فيلزم من وجود الخاص، وجود العالم المطلق، كما يلزم من وجود (هذا) الإنسان، وجود الإنسانية والحيوانية. فكل ما سوى الرب مستلزم لنفسه المقدسة بعينها، يمتنع وجود شيء سواه، بدون وجود نفسه المقدسة، فإن
стр. 64
الوجود المطلق الكلي لا تحقق له في الأعيان، فضلًا عن أن يكون خالقًا لها مبدعًا. ثم يلزم من وجود المعين وجود المطلق، فإذا تحقق الموجود الواجب، تحقق الوجود المطلق، وإذا تحقق الفاعل لكل شيء. تحقق الفاعل المطلق، وإذا تحقق القديم الأزلي تحقق القديم المطلق، وإذا تحقق الغنى عن كل شيء تحقق الغنى المطلق، وإذا تحقق رب كل شيء تحقق الرب كما ذكرنا أنه إذا تحقق هذا الإنسان وهذا الحيوان تحقق الإنسان المطلق، والحيوان المطلق، لكن المطلق لا يكون مطلقًا إلا في الأذهان لا في الأعيان، فإذا علم إنسان وجود إنسان مطلق وحيوان مطلق لم يكن عالمًا بنفس العين. كذلك إذا علم واجبًا مطلقًا وفاعلًا مطلقًا وغنيًا مطلقًا، لم يكن عالمًا بنفس رب العالمين، وما يختص به من غيره. وذلك هو مدلول آياته تعالى. فآياته تستلزم عينه التي يمنع تصورها من وقوع الشركة فيها. وكل ما سواه دليل على عينه وآية له فإنه ملزوم لعينه فإنه دليل على لازمه، ويمتنع تحقق شيء من الممكنات إلا مع تحقق عينه، فكلها لازمة لنفسه، دليل عليه آية له. ودلالتها بطريق قياسهم على الأمر المطلق الكلي الذي لا يتحقق إلا في الذهن فلم يعلموا ببرهانهم ما يختص بالرب تعالى.
وأما قياس الأولى، الذي كان يسلكه السلف إتباعًا للقرآن، فيدل على أنه ثبت له من صفات الكمال التي لا نقص فيها. أكمل مما علموه ثابتًا لغيره، مع التفاوت الذي لا يضبطه العقل، كما لا يضبط التفاوت بين الخالق وبين المخلوق. بل إذا كان العقل يدرك من التفاصيل التي بين مخلوق ومخلوق ما لا ينحصر قدره، وهو يعلم أن فضل الله على كل مخلوق، أعظم من فضل مخلوق على مخلوق، كان هذا مما يبين له أن ما يثبت للرب أعظم من كل ما يثبت لكل ما سواه بما لا يدرك قدره: فكان قياس الأولى يفيده
стр. 65
أمرًا يختص به الرب، مع علمه بجنس ذلك الأمر.
ولهذا كان الحذاق يختارون أن الأسماء المقولة عليه وعلى غيره مقولة بطريق التشكيك، ليست بطريق الاشتراك اللفظي ولا بطريق الاشتراك المعنوي الذي يتماثل أفراده، بل بطريق الاشتراك المعنوي الذي تتفاضل أفراده، كما يطلق لفظ البياض والسواد على الشديد كبياض الثلج وعلى ما دونه كبياض العاج.
فكذلك لفظ الوجود يطلق على الواجب والممكن، وهو في الواجب أكمل وأفضل من هذا البياض. لكن هذا التفاضل في الأسماء المتشككة من معنى كلي مشترك، وإن كان ذلك لا يكون إلا في الذهن. وذلك هو مورد التقسيم: تقسيم الكلي إلى جزئياته، إذا قيل الموجود ينقسم إلى واجب وممكن فإن مورد التقسيم مشترك بين الأقسام. ثم كون وجود هذا الواجب، أكمل من وجود الممكن، لا يمنع أن يكون مسمى الوجود معنى كليًا مشتركًا بينهما، وهكذا في سائر الأسماء والصفات المطلقة على الخالق والمخلوق كاسم الحي والعليم والقدير والسميع والبصير. وكذلك في صفاته كعلمه وقدرته ورحمته ورضاه وغضبه وفرحه وسائر ما نطقت به الرسل من أسمائه وصفاته.
والناس يتنازعون في هذا الباب فقالت طائفة كأبي العباس الناشي من شيوخ المعتزلة الذين كانوا أسبق من أبي على هي حقيقة في الخالق ومجاز في المخلوق وقالت طائفة من الجهمية والباطنة والفلاسفة بالعكس: هي مجاز في الخالق حقيقة في المخلوق وقال جماهير الطوائف هي حقيقة فيهما، وهذا
стр. 66
قول طائفة النظار م المعتزلة الأشعرية والكرامية والفقهاء وأهل الحديث والصوفية. وهو قول الفلاسفة، لكن كثيرًا من هؤلاء يتناقض فيقر في بعضها بأنها حقيقة كاسم الموجود والنفس والذات والحقيقة ونحو ذلك. وينازع في بعضها لشبه نفاة الجميع.
والقول فيما نفاه نظير القول فيما أثبته، ولكن هو لقصوره، فرق بين المتماثلين، ونفي الجميع يمنع أن يكون موجودًا.
وقد علم أن الموجود يقسم إلى واجب وممكن وقديم وحادث وغني وفقير ومفعول وغير مفعول، وأن وجود الممكن يستلزم وجود الواجب ووجود المحدث يستلزم وجود القديم ووجود الفقير يستلزم وجود الغني، ووجود المفعول يستلزم وجود غير المفعول. وحينئذ فبين الوجودين أمر مشترك. والواجب يختص بما يتميز به. فكذلك القول في الجميع.
والأسماء المشككة هي متواطئة باعتبار القدر المشترك، ولهذا كان المتقدمون من نظار الفلاسفة وغيرهم لا يخصون المشككة باسم، بل لفظ المتواطئة يتناول ذلك كله فالمشككة قسم من المتواطئة العامة وقسم للمتواطئة الخاصة. وإذا كان كذلك فلابد من إثبات قدر مشترك كلي وهو مسمى المتواطئة العامة وذلك لا يكون مطلقًا إلا في الذهن وهذا مدلول قياسهم البرهاني. ولابد من إثبات التفاضل وهو مدلول المشككة التي هي قسيم المتواطئة الخاصة، وذلك هو مدلول الأقيسة البرهانية القرآنية، وهي قياس الأولى، ولابد من إثبات خاصة الرب التي بها يتميز عما سواه، وذلك مدلول آياته سبحانه التي يستلزم ثبوتها ثبوت نفسه. لا يدل على هذه
стр. 67
قياس لا برهاني ولا غير برهاني. فتبين بذلك أن قياسهم البرهاني لا يحصل المطلوب الذي به تكمل النفس في معرفة الموجودات ومعرفة خالقها، فضلًا عن أن يقال: لا تعلم المطالب إلا به، وهذا باب أوسع، لكن المقصود في هذا المقام التنبيه على بطلان قضيتهم السالبة وهي قولهم: إن العلوم النظرية لا تحصل إلا بواسطة برهانهم.
ثم لم يكفهم هذا السلب العام الذي تحجروا فيه واسعًا وقصروا العلوم على طريقة ضيقة لا تحصل (إلا) مطلوبًا لا طائل فيه، حتى زعموا أن علم الله تعالى وعلم أنبيائه وأوليائه، إنما يحصل بواسطة القياس المشتمل على الحد الوسط، كما يذكر تلك ابن سينا وأتباعه. وهم في إثبات ذلك خير ممن نفى علمه وعلم أنبيائه من سلفهم الذين هم من أجهل الناس برب العالمين وبأنبيائه وكتبه. فابن سينا لما تميز عن أولئك، بمزيد علم وعقل، سلك طريقهم المنطقي في تقرير ذلك. وصاروا هل في سالكي أو سالكي هذه الطريق وإن كانوا أعلم من سلفهم وأكمل، فهم أضل من اليهود والنصارى وأجهل، إذ كان أولئك حصل لهم من الإيمان بواجب الوجود وصفاته ما لم يحصل لهؤلاء الضلال لما في صدورهم من الكبر والخبال، وهم من أتباع فرعون وأمثاله. ولهذا اتخذهم موسى ومن معه من أهل الملل والشرائع مبغضين أو معادين. قال الله تعالى:
﴿إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم، إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه﴾ وقال تعالى:
﴿كبر مقتًا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار﴾ وقال ﴿فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم
стр. 68
وحلق بهم ما كانوا به يستهزئون. فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون﴾
وقد بسط الكلام على قول فرعون ومتابعة هؤلاء له والنمرودين كنعان وأمثالهما من رؤوس الكفر والضلال ومخالفتهم لموسى وإبراهيم وغيرهما من رسل الله صلوات الله عليهم في مواضع وقد جعل الله آل إبراهيم أئمة للمؤمنين أهل الجنة، وآل فرعون أئمة لأهل النار قال تعالى ﴿واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق، وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين، وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين، ولقد آتينا موسى الكتاب من بعدما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون﴾ إلى قوله: ﴿قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين﴾.
وقال في آل إبراهيم:
﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون﴾.
والمقصود أن متأخريهم الذين هم أعلم منهم جعلوا علم الرب يحصل بواسطة القياس البرهاني، وكذلك علم أنبيائه وقد بسطنا الكلام في الرد عليهم في غير هذا الموضع. والمقصود هنا التنبيه على فساد قولهم إنه لا يحصل العلم إلا بالبرهان الذي وصفوه، وإذا كان هذا السلب باطلًا في علم آحاد الناس، كان بطلانه أولى في علم رب العالمين ثم ملائكته وأنبيائه، صلوات الله عليهم أجمعين.
стр. 69
أقسام الدليل
فصل: وأيضًا فإنهم قسموا جنس الدليل إلى القياس والاستقراء والتمثيل: قالوا؛ لأن الاستدلال: إما أن يكون بالكلي على الجزئي، أو بالجزئي على الكلي، أو بأحد الجزئيين على الآخر. وربما عبروا عن ذلك بالخاص والعام فقالوا: إما أن يستدل بالعام على الخاص، أو بالخاص على العام، أو بأحد الخاصين على الآخر.
قالوا: والأول هو القياس. يعنون به قياس لشمول، فإنهم يخصونه باسم القياس. وكثير من أهل الأصول والكلام يخصون باسم القياس التمثيل. وأما جمهور العقلاء، فاسم القياس عندهم يتناول هذا وهذا.
وقالوا والاستدلال بالجزئيات على الكلي هو الاستقراء، وإن كان تامًا فهو الاستقراء التام، وهو يفيد اليقين، وإن كان ناقصًا، لم يفد اليقين. فالأول هو استقراء جميع الجزئيات، والحكم عليه بما وجد في جزئياته والثاني استقراء أكثرهما وذلك كقول القائل: الحيوان إذا أكل حرك فكه الأسفل، لأنا استقريناها فوجدناها هكذا، فيقال له التمساح يحرك الأعلى.
ثم قالوا: إن القياس ينقسم إلى اقتراني واستثنائي ما تكون النتيجة أو بعضها مذكورًا فيه بالفعل والاقتراني ما تكون فيه بالقوة، كالمؤلف من القضايا الحلية: كقولنا كل نبيذ مسكر وكل مسكر حرام والاستثنائي ما يؤلف من الشرطيات، وهو نوعان: أحدهما متصلة: كقولنا إن كانت
стр. 70
الصلاة صحيحة، فالمصلي متطهر. واستثناء عين المقدم، ينتج عين التالي، واستثناء نقيض التالي، ينتج نقيض المقدم. والثاني المنفصلة وهي إما مانعة الجمع والخلو، كقولنا العدد إما زوج وإما فرد. فإن هذين لا يجتمعان، ولا يخلو العدد عن أحدهما، وإنا مانعة الجمع فقط كقولنا هذا إما أسود وإما أبيض، أي لا يجتمع السواد والبياض. وقد يخلو المحل عنهما، وإما مانعة الجمع والخلو فهي الشرطية الحقيقية، وهي مطابقة للنقيض في العموم والخصوص ومانعة الجمع هي أخص من النقيضين فإن الضدين لا يجتمعان وقد يرتفعان وهما أخص من النقيضين. وأما مانعة الخلو فإنهما أعم من النقيضين.
وقد يصعب عليهم تمثيل ذلك بخلاف النوعين الأولين، فإن أمثالهما كثيرة. ويمثلونه بقول القائل: هذا راكب البحر، أولًا لا يغرق فيه، أي لا يخلو منهما، فإنه لا يغرق إلا إذا كان في البحر. فأما أن لا يغرق فيه، وحينئذ لا يكون راكبه وإما أن يكون راكبه وقد يجتمع أن يركب ويغرق. والأمثال كثيرة، كقولنا هذا حي، أو ليس بعالم، أو قادر أو سميع أو بصير أو متكلم فإنه إن وجدت الحياة، فهو أحد القسمين، وإن (عدمت) عدمت هذه الصفات. وقد يكون حيًا من لا يوصف بذلك، فكذلك إذا قيل هذا متطهر، أو ليس بمصل، فإنه إن عدمت الصلاة، عدمت الطهارة، وإن وجدت الطهارة، فهو القسم الآخر، فلا يخلو الأمر منهما. وكذلك كل عدم شرط ووجود مشروطه فإنه إذا وجد المر بين وجود المشروط وعدم الشرط، كان ذلك مانعًا من الخلو، فإنه لا يخلو
стр. 71
الأمر من وجود الشرط وعدمه. وإذا عدم، عدم الشرط، فصار الأمر لا يخلو من وجود المشروط وعدم الشرط.
ثم قسموا الاقتراني إلى الأشكال الأربعة لكون الحد الأوسط (إما) محمولًا في الكبرى موضوعًا في الصغرى وهو الشكل الطبيعي، وهو ينتج المطالب الأربعة الجزئي والكلي والإيجابي والسلبي. وإما أن يكون الأوسط محمولًا فيهما وهو الثاني ولا ينتج إلا السلب، وإما أن يكون موضوعًا فيهما ولا ينتج إلا الجزئيات، والرابع ينتج الجزئيات والسلب الكلي لكنه بعيد عن الطبع. ثم إذا أرادوا بيان الإنتاج الثاني والثالث وغير ذلك من المطالب، احتاجوا إلى الاستدلال بالنقيض والعكس عكس النقيض، فإنه يلزمه من صدق القضية كذب نقيضها، وصدق عكسها المستوى وعكس نقيضها فإذا صدق قولنا: ليس أحد من الحجاج بكافر صح قولنا ليس أحد من الكفار بحاج.
فنقول هذا الذي قالوه: إما أن يكون باطلًا، وإما أن يكون تطويلًا يبعد الطريق على المستدل فلا يخلو عن خطأ يصد عن الحق، أو طريق طويل يتعب صاحبه، حتى يصل إلى الحق. مع إمكان وصوله بطريق قريب كما كان يمثله بعض سلفنا بمنزلة من قيل له: أين أذنك؟ فرفع يد رفعًا شديدًا ثم أدارها إلى أذنه اليسرى، وقد كان يمكنه الإشارة إلى اليمنى أو اليسرى من طريق مستقيم. وما أحسن ما وصف الله به كتابه بقوله:
﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾، فأقوم الطريق إلى أشرف المطالب ما بعث الله به رسوله.
стр. 72
وأما طريق هؤلاء فهي مع ضلالهم في البعض، واعوجاج طريقهم وطولها في البعض الآخر إنما يوصلهم إلى أمر لا ينجي من عذاب الله فضلًا عن أن يوجب لهم السعادة، فضلًا عن حصول الكمال للأنفس البشرية بطريقهم.
بيان ذلك أن ما ذكروه من حصر الدليل في القياس والاستقراء والتمثيل، حصر لا دليل عليه، بل هو باطل.
فقولهم أيضًا: إن العلم المصلوب لا يحصل إلا بمقدمتين لا يزيد ولا ينقص قول لا دليل عليه بل هو باطل؛ واستدلالهم على الحصر بقولهم: إما أن يستدل بالكلي على الجزئي أو بالجزئي على الكلي أو بأحد الجزئين على الآخر، والأول: هو القياس، والثاني، هو الاستقراء، والثالث، هو التمثيل.
فيقال لم تقيموا دليلًا على انحصار الاستدلال في الثلاث، فإنكم إذا عنتم بالاستدلال بجزئي على جزئي، قياس التمثيل، لم يكن ما ذكرتموه حاصرًا. وقد بقى الاستدلال بالكلي على الكلي الملازم له، وهو المطابق له، في العموم والخصوص، وكذلك الاستدلال بالجزئي على الجزئي الملازم له، بحيث يلزم من وجود أحدهما وجود الآخر ومن عدمه عدمه. فإن هذا ليس ما سميتموه قياسًا ولا استقراء ولا تمثيلًا، وهذه هي الآيات، وهذا كالاستدلال بطلوع الشمس على النهار، وبالنهار على طلوع الشمس، فليس هذا استدلالًا بكلي على جزئي، بل الاستدلال بطلوع معين على نهار معين (استدلال) بجزئي على جزئي وبجنس النهار
стр. 73
على جنس الطلوع واستدلال بكلي على كلي وكذلك الاستدلال بالكواكب على جهة الكعبة استدلال بجزئي على جزئي كالاستدلال بالجدي وبنات نعش والكوكب الصغير القريب من القطب الذي يسميه بعض الناس القطب، وكذلك الاستدلال بظهور كوكب على ظهور نظيره في العرض والاستدلال بطلوعه على غروب آخر وتوسط آخر، ونحو ذلك من الأدلة التي اتفق عليها الناس. قال تعالى ﴿وبالنجم هم يهتدون﴾ والاستدلال على المواقيت والأمكنة أمر اتفق عليه العرب والعجم وأهل الملل والفلاسفة، فإذا استدل بظهور الثريا على ظهور ما قرب منها مشرقًا ومغربًا ويمينًا وشمالًا من الكواكب، كان استدلالًا بجزئي لتلازمها، وليس ذلك من قياس التمثيل. فإن قضى به قضاء كليًا، كان استدلالًا بكلي على كلي وليس استدلالًا بكلي على جزئي، بل بإحدى الكليتين المتلازمتين على الأخرى.
ومن عرف مقدار أبعاد الكواكب بعضها عن بعض، وعلم ما يقارن منها طلوع الفجر، استدل بما رآه منها على ما مضى من الليل، وما بقي منه، وهو استدلال بأحد المتلازمين على الآخر. ومن علم الجبال والأنهار والترب استدل بها على ما يلازمها من الأمكنة. ثم اللزوم إن كان دائمًا، لا يعرف له ابتداء، بل هو منذ خلق الله الأرض كوجود الجبال والأنهار العظيمة النيل والفرات وسيحان وجيحان والبحر، كان استدلال مطردًا. وإن كان اللزوم أقل من ذلك مدة مثل الكعبة، شرفها الله تعالى، فإن الخليل بناها، ولم تزل معظمة لم يصل عليها جبار قط، استدل بها بحسب ذلك. فيستدل
стр. 74
بها وعليها، فإن أركان الكعبة مقابلة لجهات الأرض الأربع، الحجر الأسود يقابل المشرق، والغربي الذي يقابله ويقال له الشامي، يقابل المغرب- واليماني يقابل الجنوب، وما يقابله يقال له العراقي- إذا قيل للذي (من ناحية الحجر الشامي وإن قيل لذاك الشامي، قيل لهذا العراقي، فهذا الشامي العراقي) يقابل الشمال، وهو يقابل القطب، وحينئذ فيستدل بها على الجهات، ويستدل بالجهات عليها.
وما كان مدته أقصر من مدة الكعبة كالأبنية التي في الأمصار والأشجار كان الاستدلال بها بحسب ذلك فيقال علامة الدار الفلانية أن على بابها شجرة من صفتها كذا وكذا، وهما متلازمان مدة من الزمان، فهذا وأمثاله استدلال بأحد المتلازمين على الآخر، وكلاهما معين جزئي. وليس هو من قياس التمثيل.
[الطريق إلى نظار المسلمين]
ولهذا عدل نظار المسلمين عن طريقهم فقالوا: الطريق هو المرشد إلى المطلوب، وهو الموصل إلى المقصود، وهو ما يكون العلم به مستلزمًا للعلم بالمطلوب، أو ما يكون النظر الصحيح فيه موصلًا إلى علم أو إلى اعتقاد راجح ولهم نزاع اصطلاحي هل يسمى هذا الثاني دليلًا، أو يخص باسم الإمارة الفقهاء يسمون الجميع دليلًا.
ومن أهل الكلام من لا يسمي بالدليل إلا الأول. ثم الضابط في الدليل أن يكون مستلزمًا للمدلول، فكلما كان مستلزمًا لغيره، أمكن أن يستدل
стр. 75
به عليه، فإن كان التلازم من الطرفين، أمكن أن يستدل بكل منها على الآخر، فيستدل المستدل بما علمه منهما على الآخر الذي لم يعلمه ثم إن كان اللزوم قطعيًا، كان الدليل قطعيًا، وإن كان ظاهرًا، وقد يتخلف، كان الدليل ظنيًا. فالأول كدلالة المخلوقات على خالقها علمه وقدرته ومشيئته ورحمته وحكمته، فإن وجودها مستلزم لوجود ذلك، ووجودها بدون ذلك ممتنع، فلا توجد إلا دالة على ذلك، ومثل دلالة خبر الرسول على ثبوت ما أخبر به عن الله، فإنه لا يقول عليه إلا الحق، إذ كان معصومًا في خبره عن الله، لا يستقر في خبره عنه خطأ البتة. فهذا دليل مستلزم لمدلوله لزومًا واجبًا لا ينفك عنه بحال. وسواء كان الملزوم المستدل به وجودًا أو عدمًا، فقد يكون الدليل وجودًا وعدمًا، ويستدل بكل منهما على وجود وعدم، فإنه يستدل بثبوت الشيء على انتفاء نقيضه وضده، ويستدل بانتفاء نقيضه، على ثبوته، ويستدل بثبوت الملزوم على ثبوت اللازم، وبانتفاء اللازم على انتفاء الملزوم بل كل دليل يستدل به، فإنه ملزوم لمدلوله.
وقد دخل في هذا كل ما ذكروه وما لم يذكروه. فإن ما يسمونه الشرطي المتصل مضمونه الاستدلال بثبوت الملزوم على ثبوت اللازم وبانتفاء اللازم على انتفاء الملزوم؛ سواء عبر عن هذا بصيغة الشرط أو بصيغة الجزم فاختلاف صيغ الدليل مع اتحاد معناه؛ لا يغير حقيقته والكلام إنما هو في المعاني العلية لا في الألفاظ. فإذا قال القائل: إذا كانت الصلاة صحيحة
следующие страницы →