← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 151020

جهد القريحة في تجريد النصيحة

الجلال السيوطي

Полный текст (164 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين مقدمة الطبعة الثانية لمختصر السيوطي "جهد القريحة في تجريد النصيحة" لكتاب ابن تيمية نصيحة أهل الإيمان في الرد على منطق اليونان الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين: أما بعد: فقد سبق أن حقق أستاذي الدكتور علي سامي النشار كتاب "جهد القريحة في تجريد النصيحة للإمام السيوطي (المتوفى عام ٩١١ هـ). والكتاب- كما يذكر السيوطي نفسه في مقدمته- هو تلخيص- يكاد يكون حرفيا لكتاب الإمام تقي الدين تيمية (المتوفى عام ٧٢٨ هـ) "نصيحة أهل الإيمان في الرد على منطق اليونان" وقد أثبت الدكتور النشار في تصديره للطبعة الأولى لكتاب: "صون المنطق والكلام عن فني المنطق والكلام" أن كتاب "جهد القريحة" هو كتاب مستقل تماما عن كتاب صون المنطق والكلام. ولكنه قام بتحقيق الكتابين ونشرهما في مجلد واحد، وقد رأى أستاذ الكبير الدكتور عبد الحليم محمود أن ينشر كتاب "جهد القريحة في تجريد النصيحة" منفصلا، وفي صورة جديدة.

стр. 2

وقد رأينا أن نقوم- أنا وأستاذي الدكتور علي النشار بمراجعة جديدة للكتاب على المخطوط الأصلي، ولدي صورة فوتوغرافية منه. ثم قمت بمراجعة دقيقة لمختصر السيوطي على الكتاب الكبير "الرد على المنطقين" ولم يكن هذا الكتاب قد ظهر حين نشرت الطبعة الأولى لكتاب "جهد القريحة" وقد كان صدور مختصر السيوطي لكتاب ابن تيمية هو الحافز على نشر الكتاب الكبير "الرد على المنطقين أو نصيحة أهل الإيمان في الرد على منطق اليونان" في بمباي عام ١٣٦٨ هـ- ١٩٤٩ م. ولقد استفاد ناشره الفاضل الأستاذ عبد الصمد شرف الدين بالمختصر الذي حققه أستاذي من قبل، وأصلح الكبير من عبارات النص الكبير بهذا المختصر، كما نقل من هوامشنا في كتابه. أما نحن في طبعتنا هذه الثانية، فقد استفدنا من نشرته وأصلحت ما استدركه علينا محقق الكتاب الكبير في بعض المواضع. وكما قمت بتنظيم كتاب صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام، قمت بتنظيم هذا الكتاب أيضا، من تقسيم للفقرات الطويلة المسترسلة في الطبعة الأولى، ومن وضع عناوين جديدة، كما أنني أضفت بعض الهوامش الجديدة. ولا شك أن للكتاب الكبير قيمته، ولكن نلاحظ كثرة الاستطرادات فيه، والخوض في مسائل ميتافيزيقية وكلامية، مما يجعل الكتاب مملا في بعض الأحيان، وبخاصة لمن يتطلعون إلى قراءة كتاب في نقد المنطق الخالص. أما مختصر السيوطي، فقد خلا من هذه الاستطرادات. وقد ذكر السيوطي أنه حذفها. وقد فعل هذا فعلا ببراعة نادرة. والمختصر قطعة علميه نادرة: قدمت لنا أولا: آراء علماء المسلمين في

стр. 3

نقد المنطق اليوناني في أقسامه المختلفة: الحد، والقضية، والقياس، أي الجانب السلبي في نقد المنطق، ثم آراء ابن تيمية نفسه في نقد هذه الأقسام المختلفة وكان هذا النقد أول نقد تعرفه الحياة العقلية الإنسانية في نقد المنطق الأرسططاليس نقدا منهجيا يقوم على العقل وحده. وكان نقد منطق أرسطو- قبل نقد ابن تيمية- موزعا في الكتب المتعددة. ثم قدم لنا ابن تيمية ثانيا " منطق المسلمين" أي الجانب الإنساني من منهج المسلمين الفكري. وقد سبق علماء السنة- من قبل- ابن تيمية في إقامة هذا المنطق، ولكن ابن تيمية عرضه في صورة أخاذة رائعة، ثم أضاف إليه عناصر جديدة. ولقد كان المنطق الإسلامي التجريبي هو الروح الحقيقي المميز للحضارة الإسلامية. وقد انبثق في جوهرة عن علم إسلامي أصيل هو علم أصول الفقه. وقد عرض له في صورة تركيبية- أستاذي الدكتور علي سامي النشار في كتابه "مناهج البحث عند مفكري الإسلام" وسأبين في بحث لي سيظهر قريبا إن شاء الله- ومستندة على وثائق جديدة- انتقال هذا المنطق خلال مسالك متعددة إلى العالم اللاتيني، وتأثيره الكبير في فلاسفة عصر النهضة، ثم انتقل هذا الأثر إلى الفلسفة الحديثة. لقد كان للمسلمين الفضل العظيم في اكتشاف المنهج التجريبي، وكانوا أول من تنبه في تاريخ رواد الفكر الإنساني إلى جوهره، واتخذوه أساسا لحضارتهم "وبهذا كانوا أساتذة الحضارة الأوروبية الحديثة الأولين" ولقد انبثق المنطق اليوناني عن "العقل وحده" عن العقل اليوناني المجرد، وظن الباحثون لمدة طويلة من الزمن أنه في أفق معصوم، فوق الخطأ والصواب، وجاء المسلمون- مستندين على كتابهم العظيم، وسنتهم المطهرة، فحطموا هذا الصرح، وأقاموا مستندين على السمع- أولا- منطقا آخر، ثم صدقهم العقل في منهجهم السمعي الديني

стр. 4

وتلقفه روجر بيكون، وكامبانلا، وفرنسيس بيكون، وديكارت، وسبينوزا وماليرانش، وهيوم، وجون استيورت مل. والكتاب الذي نقدمه اليوم، هو تاريخ لمحاولة المسلمين الكبرى في إقامة هذا المنطق. وبعد: فإني أشكر أستاذنا الكبير الدكتور عبد الحليم محمود- فقد كان له الفضل الكبير في ظهور هذا الكتاب مرة ثانية في هذه الصورة وأسأل الله أن ينفع به المسلمين والمسلمات. ١٨ محرم ١٣٩٠ هـ- ٢٦ مارس ١٩٧٠ م سعاد علي عبد الرازق

стр. 5

كتاب جهد القريحة في تجريد النصيحة ذكر ما لخصته من كتاب ابن تيمية الذي ألفه في نقض قواعد المنطق للفقير إلى عفو ربه، عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي الشافعي لخصته من كتاب: "نصيحة أهل الإيمان". في الرد على منطق اليونان للعلامة: تقي بن تيمية ﵀. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي أرسل الرسل الكرام بالشرائع المطهرة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المؤيد بالمعجزات الواضحة النيرة، وعلى آله وأصحابه الطيبين الخيرة، وبعد فما زال الناس قديما وحديثا يعيبون من المنطق ويذمونه، ويؤلفون الكتب في ذمه وإبطال قواعده ونقضها وبيان فسادها. وآخر من صنف في ذلك شيخ الإسلام أحد المجتهدين: تقي بن تيمية، فله في ذلك كتابان: أحدهما صغير ولم أقف عليه، والأخر مجلد في عشرين كراسا سماه: "نصيحة أهل الإيمان في الرد على منطق اليونان" وقد أردت تلخيصه في كراريس قليلة تقريبا على الطلاب، وتسهيلا على أولى الألباب. فشرعت في ذلك، وسميته "جهد القريحة في تجريد النصيحة" والله الهادي للصواب. قال شيخ الإسلام أحد المجتهدين تقي بن تيمية في صدر كتابه الذي سماه "نصيحة أهل الإيمان في الرد على منطق اليونان".

стр. 6

مقدمة أما بعد: فإني كنت دائمًا أعلم أن المنطق اليوناني لا يحتاج إليه الذكي ولا ينتفع به البليد. ولكن كنت أحسب أن قضاياه صادقة لما رأينا من صدق كثير منها، ثم تبين لي فيما بعد خطأ طائفة من قضاياه وكتبت في ذلك شيئًا. ولما كنت بالإسكندرية اجتمع بي من رأيته يعظم المتفلسفة بالتهويل والتقليد، فذكرت له بعض ما يستحقونه من التجهيل والتضليل. واقتضى ذلك أني كتبت في قعدة بين الظهر والعصر من الكلام على المنطق ما علقته تلك الساعة، ولم يكن ذلك من همتي، لأن همتي كانت فيما كتبته عليهم في الإلهيات وتبين لي أن كثيرًا مما ذكروه في المنطق هو من أصول فساد قولهم في الإلهيات مثل ما ذكروه من تركيب الماهيات من الصفات التي سموها ذاتيات، وما ذكروه من حصر طرق العلم فيما ذكروه من الحدود والأقيسة البرهانية بل ما ذكروه من الحدود التي بها تعرف التصورات بل ما ذكروه من صور القياس ومواد اليقينيات. فأراد بعض الناس أن يكتب ما علقته إذ ذاك من الكلام عليهم في المنطق، فأذنت في ذلك، لأنه يفتح باب معرفة الحق، وإن كان ما فتح من باب الرد عليهم يحتمل أضعاف ما علقته. فاعلم أنهم بنوا المنطق على الكلام في الحد ونوعه، والقياس البرهاني ونوعه. قالوا: لأن العلم إما تصور وإما تصديق؛ فالطريق

стр. 7

الذي ينال به التصور هو الحد، والطريق الذي ينال به التصديق هو القياس فنقول الكلام في أربع مقامات، مقامين سالبين، ومقامين موجبين. فالأولان في قولهم إن التصور المطلوب لا ينال إلا بالحد، والثاني أن التصديق المطلوب لا ينال إلا بالقياس والآخران في أن الحد يفيد العلم بالتصورات وأن القياس أو البرهان الموصوف يفيد العلم بالتصديقات.

стр. 8

المقام الأول: التصور لا ينال إلا بالحد في قولهم إن لتصور لا ينال إلا بالحد. الكلام عليه من وجوه الأول: لا ريب أن النافي عليه الدليل كالمثبت، والقضية سلبية أو إيجابية إذا لم تكن بديهية، لا بد لها من دليل، وأما السلب بلا علم، فهو قول بلا علم، فقولهم لا تحصل التصورات إلا بالحد قضية سالبة وليست بديهية، فمن أين لهم ذلك؟ وإذا كان هذا قولا بلا علم، وهو أول ما أسسوه فكيف يكون القول بلا علم أساسًا لميزان العلم ولما يزعمون أنه آله قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن أن يزل في فكرهه؟ الثاني: أن يقال الحد يراد به نفس المحدود وليس مرادهم هنا. ويراد به القول الدال على ماهية المحدود، وهو مرادهم هنا. وهو تفصيل ما دل عليه الاسم بالإجمال. فيقال إذا كان الحد قول الحاد، فالحاد إما أن يكون عرف المحدود بحد أو بغير حد، فإن كان الأول فالكلام في الحد الثاني كالكلام في الأول. وهو مستلزم للدور أو التسلسل، وإن كان الثاني بطل سلبهم، وهو قولهم: إنه لا يعرف إلا بالحد. الثالث: أن الأمم جميعهم من أهل العلوم والمقالات وأهل الأعمال والصناعات يعرفون الأمور التي يحتاجون إلى معرفتها، ويحققون ما يعانونه

стр. 9

من العلوم والأعمال من غير تكلم بحد منطقي زيادة في م، ولا نجد أحدًا من أئمة العلوم يتكلم بهذه الحدود لا أئمة الفقه ولا النحو ولا الطلب ولا الحساب ولا أهل الصناعات مع أنهم يتصورون مفردات عليهم فعلم استغناء التصور عن هذه الحدود. الرابع: إلى الساعة لا يعلم للناس حد مستقيم على أصلهم، بل أظهر الأشياء الإنسان زيادة من م وحده بالحيوان الناطق عليه الاعتراضات المشهورة. وكذا حد الشمس وأمثاله، حتى إن النحاة لما دخل متأخروهم في الحدود، ذكروا للاسم بضعة وعشرين حدا، وكلها معترضة على أصلهم، والأصوليون ذكروا للاسم بضعة وعشرين حدا، وكلها أيضًا معترضة وعامة الحدود المذكورة في كتب الفلاسفة والأطباء والنحاة وأهل الأصول والكلام معترضة لم يسلم منها إلا القليل. فلو كان تصور الأشياء موقوقا عل الحدود، ألم يكن إلى الساعة قد تصور الناس شيئًا من هذه الأمور، والتصديق موقوف على التصور فإذا لم يحصل تصور، لم يحصل تصديق، فلا يكون عند ابن آدم علم من عامة علومهم، وهذا من أعظم السفسطة. الخامس: أن تصور الماهية إنما يحصل عندهم بالحد الحقيقي المؤلف من الذاتيات المشتركة والمميزة، وهو المركب من الجنس والفصل، وهذا الحد إما متعذر أو متعسر، كما قد أقروا بذلك، وحينئٍذ فلا يكون قد تصور حقيقة من الحقائق دائمًا أو غالبًا، وقد تصورت الحقائق، فعلم استغناء التصورات عن الحد. السادس: أن الحدود عندهم إنما تكن للحقائق المركبة، وهي الأنواع التي لها جنس وفصل، فأما لا تركيب فيه، وهو مالا يدخل مع غيره تحت جنس كما مثله بعضهم بالعقل، فليس له حد وقد عرفوه، وهو من التصورات

стр. 10

المطلوبة عندهم، فلم استغناء التصور عن الحد، بل إذا أمكن معرفة هذا بلا حد، فمعرفة تلك الأنواع أولى، لأنها أقرب إلى الحس وأشخاصها مشهودة وهو يقولون: إن التصديق لا يتوقف على التصور التام الذي يحصل بالحد الحقيقي. بل يكفي فيه أدنى تصور ولو بالخاصة، وتصور العقل من هذا الباب وهذا اعتراف منهم بأن جنس التصور لا يتوقف على الحد الحقيقي. السابع: أن سامع الحد إن لم يكن عارفا قبل ذلك بمفردات ألفاظه دلالتها على معانيها المفردة لم يمكنه فيهم الكلام، والعلم بأن اللفظ دال على المعنى الموضوع له مسبوق بتصور المعنى. وإن كان متصورًا لمسمى اللفظ ومعناه قبل سماعه. امتنع أن يقال إنما تصوره بسماعه. الثامن: إذا كان الحد قول الحاد، فمعلوم أن تصور المعاني لا يفتقر إلى الألفاظ، فإن المتكلم قد تصور ما يقوله بدون لفظ والمستمع يمكنه ذلك من غير مخاطب بالكلية فكيف يقال لا تتصور المفردات إلا بالحد. التاسع: أن الموجودات المتصورة إما أن يتصورها الإنسان بحواسه الظاهرة كالطعم واللون والرائحة والأجسام التي تحمل هذه الصفات أو الباطنة كالجوع والحب والبغض والفرح والحزن واللذة والألم والإرادة والكراهة وأمثال ذلك وكلها غنية عن الحد. العاشر: أنهم يقولون: للمعترض أن يطعن على الحد بالنقض في الطرد أو في المنع وبالمعارضة بحد آخر، فإذا كان المستمع للحد يبطله بالنقض

стр. 11

تارة وبالمعارضة أخرى ومعلوم أن كليهما لا يمكن إلا بعد تصور المحدود، عم انه يمكن تصور المحدود بدون الحد وهو المطلوب. الحادي عشر: أنهم معترفون بأن من التصورات ما يكون بديهيا لا يحتاج إلى حد، وحينئٍذ فيقال كون العلم بديهيا أو نظريا من الأمور النسبية الإضافية فقد يكون النظري عند رجل بديهيا عند غيره لوصوله إليه بأسبابه من مشاهدة أو تواتر أو قرائن، والناس يتفاوتون في الإدراك تفاوتًا لا ينضبط فقد يصير البديهي عند هذا دون ذاك بديهيا لذلك أيضًا بمثل الأسباب التي حصلت لهذا، ولا يحتاج إلى حد.

стр. 12

المقام الثاني: (الحد يفيد تصور الأشياء) وهو الحد يفيد تصور الأشياء، فنقول: المحققون من النظار على أن الحد فائدته التمييز بين المحدود وغيره، كالاسم ليس فائدته تصوير المحدود، وتعريف حقيقته. وإنما يدعى هذا أهل المنطق اليونانيون، أتباع أرسطو، ومن سلك سبيلهم تقليدًا لهم من الإسلاميين وغيرهم. فأما جماهير أهل النظر والكلام من المسلمين وغيرهم فعلى خلاف هذا. وإنما أدخل هذا من تكلم في أصول الدين والفقه بعد أبي حامد في أواخر المائة الخامسة، وهم الذين تكلموا في الحدود بطريقة أهل المنطق اليوناني. وأما سائر النظار ن جميع الطوائف الأشعرية والمعتزلة والكرامية والشيعة وغيرهم، فعندهم إنما يفيد الحد التمييز بين المحدود وغيره، وذلك مشهور في كتب أبي الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر وأبي إسحق وابن فورك والقاضي أبي يعلى وابن

стр. 13

وابن عقيل وإمام الحرمين والنسفي وأبي علي وأبي هاشم، وعبد الجبار والطوسي ومحمد بن الهيصم وغيرهم. ثم إن ما ذكره أهل المنطق من صناعة الحد لا ريب أنهم وضعوها وضعًا وقد كانت الأمم قبلهم تعرف حقائق الأشياء بدون هذا الوضع، وعامة الأمم بعدهم تعرف حقائق الأشياء بدون وضعهم. وهم إذا تدبروا أنفسهم، وجدوا أنفسهم يعملون حقائق الأشياء بدون هذه الصناعة الوضعية، ثم إن هذه الصناعة الوضعية زعموا أنها تفيد حقائق الأشياء ولا تعرف إلا بها، وكلا هذين غلط. ولما راموا ذلك، لم يكن بد من أن يفرقوا بين بعض الصفات وبعض، إذ جعلوا التصور بما جعلوه ذاتيًا، فلا بد أن يفرقوا بين ما هو ذاتي عندهم، وما ليس كذلك، فأدى ذلك إلى التفريق بين المتماثلات، حيث جعلوا صفة ذاتية دون أخرى، مع تساويهما أو تقاربهما وطلب الفرق بين المتماثلات ممتنع. وبين المتقاربات عسر. فالمطلوب إما متعذر أو متعسر. فإن كان متعذرًا بطل بالكلية. وإن كان متعسرا، فهو بعد حصوله ليس فيه

стр. 14

فائدة زائدة على ما كان يعرف قبل حصوله، فصاروا بين أن يمتنع عليهم ما شرطوه أو ينالوه ولا يحصل به ما قصدوه وعلى التقديرين، فليس ما وضعوه من الحد طريقا لتصور الحقائق في نفس من لا يتصورها بدون الحد، وإن كان قد يفيد من تميز المحدود ما تفيده الأسماء. وقد تفطن الفخر الرازي لما عليه آثمة الكلام وقرر في محصلة وغيره أن التصورات لا تكون مكتسبة. وهذا هو حقيقة قولنا: إن الحد لا يفيد تصور المحدود. وهذا مقام شريف ينبغي أن يعرف، فإنه لسبب إهماله دخل الفساد في العقول أو الأديان على كثير من الناس، إذ خلطوا ما ذكره أهل المنطق في الحدود بالعلوم النبوية التي جعلت بها الرسل التي عند المسلمين واليهود والنصارى وسائر العلوم، كالطب والنحو وغير ذلك، وصاروا يعظمون أمر الحدود ويزعمون أنهم هم المحققون لذلك: وأن ما ذكره غيرهم من الحدود إنما هي لفظية، لا تفيد تعريف الماهية والحقيقة بخلاف حدودهم، ويسلكون الطرق الصعبة الطويلة والعبارات المتكلفة الهادئة، وليس ذلك فائدة إلا تضييع الزمان، وإتعاب الأذهان، وكثرة الهذيان، ودعوى التحقيق بالكذب والبهتان، وشغل النفوس بما لا ينفعها، بل قد يصدها مما لا بد منه. وإثبات [الجهل] الذي هو أصل النفاق في القلوب، وإن ادعوا أنه أهل المعرفة والتحقيق. وهذا من توابع الكلام الذي كان السلف ينهون عنه، وإن كان الذي ينهي عنه السلف خيرا وأحسن من هذا إذ هو كلام في أدلة وأحكام:

стр. 15

ولم يكن قدماء المتكلمين يرضون أن يخوضوا في الحدود على طريقة المنطقيين كما دخل في ذلك متأخروهم الذين ظنوا ذلك من التحقيق. وإنما هو زيغ عن سواء الطريق. ولهذا لما كانت هذه الحدود ونحوها، لا تفيد الإنسان علما لم يكن عنده، وإنما تفيده كثرة كلام، يسمونهم أهل الكلام. وهذا لعمري في الحدود التي ليس فيها باطل، فأما حدود المنطقيين التي يدعون أنهم يصورون بها الحقائق، فإنها باطلة يجمعون بها بين المختلفين ويفرقون بين المتماثلين. والدليل على أن الحدود لا تفيد تصوير الحقائق من وجوه: أحدها. أن الحد مجرد قول الحاد ودعواه، فقوله مثلا حد الإنسان حيوان ناطق، قصة خيرية مجرد دعوى خلية عن حجة، فإما أن يكون المستمع لها عالما يصدقها بدون هذا القول وإما أن لا يكون، فإن كان الأول، ثبت أنه لم يستفد هذه المعرفة بهذا الحد، وإن كان الثاني عنده، فمجرد قول المخبر الذي لا دليل معه لا يفيده العلم، وكيف وهو يعلم أنه ليس بمعصوم في قوله، فتبين على التقديرين أن الحد لا يفيد معرفة المحدود، فإن قيل يفيده مجرد تصور المسمى من غير أن يحكم أنه هو ذلك المسئول عنه مثلا أو غيره، قلنا: فحينئذ يكون كمجرد دلالة اللفظ المفرد على معناه، وهو دلالة الاسم على مسماة. وهذا تحقيق ما قلناه من أن دلالة الحد كدلالة الاسم ومجرد الاسم لا يوجب تصور المسمى لمن لم يتصوره دون ذلك بلا نزاع فكذلك الحد.

стр. 16

الثاني: أنهم يقولون: الحد لا يمنع ولا يقام عليه دليل، وإنما يمكن إبطاله بالنقص والمعارضة: فيقال: إذا لم يكن الحاد قد أقام دليلا على صحة الحد، أمتنع أن يعرف المستمع المحدود به، إذا جوز عليه الخطأ فإنه إذا لم يعرف صحة الحد بقوله، وقوله محتمل الصدق والكذب امتنع أن يعرفه بقوله. ومن العجب أن هؤلاء يزعمون أن هذه طرق عقلية يقينية، ويجعلون العلم بالمفرد أصل العلم بالمركب، ويجعلون العمدة في ذلك على الحد الذي هو قول الحاد بلا دليل، وهو خبر واحد عن أمر عقلي لا حسي، يحتمل الصواب والخطأ والصدق والكذب. ثم يعيبون على من يعتمد في الأمور السمعية على نقل الواحد الذي معه من القرائن ما يفيد المستمع العالم بها العلم اليقيني، زاعمين أ، خبر الواحد لا يفيد العلم، وخبر الواحد وإن لم يفد العلم لكن هذا بعينه قولهم في الحد، فإنه خبر واحد لا دليل على صدقه. بل ولا يمكن عندهم إقامة الدليل على صدقه. فلم يكن الحد مفيدا لتصور المحدود. ولكن إن كان المستمع قد تصور المحدود قبل هذا أو تصوره معه أو بعده بدون الحد، وعلم أن ذلك حده علم صدقه في حده، وحينئٍذ فلا يكون الحد أفاد التصور وهذا بين. وتلخيصه: أن تصور المحدود بالحد لا يمكن بدون العلم بصدق قول الحاد وصدق قوله لا يعلم بمجرد الحد، فلا يعلم المحدود بالحد. الثالث: أن يقال: لو كان الحد مفيدًا لتصور المحدود، لم يحصل ذلك إلا بعد العلم بصحة الحد، فإنه دليل التصور وطريقه وكاشفه، فمن الممتنع أن يعلم المعروف المحدود قبل العلم بصحة المعروف، والعلم بصحة الحد

стр. 17

لا يحصل إلا بعد العلم [بصحة] المحدود، إذا الحد خبر عن مخبر هو المحدود. فمن الممتنع أن يعلم صحة الخبر وصدقه، قبل تصور المخبر عنه من غير مفيد للخبر. وقبول قوله فيما يشترك في العلم به المخبر، والمخبر ليس هو من باب الإخبار عن الأمور الغائبة. والرابع: أنهم يحدون المحدود بالصفات التي يسمونها الذاتية والعرضية، ويسمونها أجزاء الحد وأجزاء الماهية والمقومة لها والداخلة فيها، ونحو ذلك من العبارات فإن لم يعلم المستمع أن المحدود موصوف بتلك الصفات امتنع تصوره. وإن علم أنه موصوف بها كان قد تصوره بدون الحد. فثبت أنه على التقديرين لا يكون قد تصوره بالحد، وهذا بين فإنه إذا قيل: الإنسان هو الحيوان الناطق، ولا يعلم أنه الإنسان احتاج إلى العلم بهذه النسبة، وإن لم يكن متصور المسمى الحيوان الناطق، احتاج إلى شيئين، تصور ذلك، والعلم بالنسبة المذكورة، وإن عرف ذلك؛ كان قد تصور الإنسان بدون الحد. نعم، الحد قد ينبه على تصور المحدود، كما ينبه الاسم، فإن الذهن قد يكون غافلا عن الشئ، فإذا سمع اسمه وحده، أقبل بذهنه إلى الشئ الذي أشير إليه بالاسم أو الحد، فيتصوره. فتكون فائدة الحد من جنس فائدة الاسم، وتكون الحدود للأنواع بالصفات كالحدود الأعيان بالجهات، كما إذا قيل حد الأرض من الجانب القبلي كذا، ومن الجانب الشرقي كذا، وميزت الأرض باسمها وحدها، وحد الأرض يحتاج إليه إذا

стр. 18

خيف من الزيادة للمسمى أو النقص منه، فيفيد إدخال المحدود جميعه وإخراج ما ليس به كما يفيد الاسم، وكذلك حد النوع، وهذا يحصل بالحدود اللفظية تارة وبالوضعية أخرى. وحقيقة الحد في الموضعين بيان مسمى الاسم فقط، وتميز المحدود عن غيره لا تصور المحدود. وإذا كان فائدة الحد بيان مسمى الاسم، والتسمية أمر لغوي وضعي، رجع في ذلك إلى قصد ذلك المسمى ولغته، ولهذا يقول الفقهاء من الأسماء ما يعرف حده بالشرع ومنها ما يعرف حده بالعرف. ومن هذا تفسير الكلام وشرحه إذا أريد به تبين مراد المتكلم فهذا يبني على معرفة حدود كلامه. وإذا أريد به تبين صحته وتقريره، فإنه يحتاج إلى معرفة دليل بصحته، فالأول فيه بيان تصوير كلامه أو تصوير كلامه لتصوير مسميات الأسماء بالترجمة تارة لمن يكون قد تصور المسمى، ولم يعرف أن ذلك اسمه وتارة لمن لم يكن قد تصور المسمى فيشار إلى المسمى بحسب الإمكان إما إلى عينه، وإما إلى نظيره. ولهذا يقال الحد تارة يكون للاسم وتارة يكون للمسمى. وآثمة المصنفين في صناعة الحدود على طريقة المنطقيين يعترفون عند التحقيق بهذا، كما ذكره الغزالي في كتاب المعيار الذي صنفه في المنطق، وكذا يوجد في كلام، ابن سينا والرازي والسهر وردي وفي غيرهم أن الحدود فائدتها من جنس فائدة الأسماء وأن ذلك من جنس الترجمة

стр. 19

بلفظ عن لفظ، ومن هذا الباب ذكر غريب القرآن والحديث وغيرهما، بل تفسير القرآن وغيره من أنواع الكلام، هو في أول درجاته من هذا الباب، فإن المقصود ذكر مراد المتكلم بتلك الأسماء وبذلك الكلام. وهذا الحدهم متفقون على أنه من الحدود اللفظية، مع أن هذا هو الذي يحتاج إليه في إقراء العلوم المصنفة بل في قراءة جميع الكتب بل في جميع أنواع المخاطبات. فإن من قرأ كتب النحو أو الطب أو غيرهما لا بد أن يعرف مراد أصحابها بتلك الأسماء، ويعرف مرادهم بالكلام المؤلف، وكذلك من قرأ كتب الفقه والكلام والفلسفة وغير ذلك، وهذه الحدود معرفتها من الدين في كل لفظ هو في كتاب الله تعالى وسنة رسوله "صم" ثم قد تكون معرفتها فرض عين، وقد تكون فرض كفاية. ولهذا ذم الله تعالى من لم يعرف هذه الحدود بقوله: "الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله". والذي أنزله على رسوله فيه ما قد يكون الاسم غريبا بالنسبة إلى المستمع كلفظ ضيزي وقسورة وعسعس وأمثال ذلك. وقد يكون مشهورًا لكن لا يعلم حده بل يعلم معناه على سبيل الإجمال كاسم الصلاة والزكاة والصيام والحج فتبين أن تعريف الشئ إنما هو بتعريف عينه أو ما يشبهه فمن عرف عين الشئ لا يفتقر في معرفته إلى حد، ومن لم يعرفه فإنما يعرف به إذا عرف ما يشبهه ولو من بعض الوجوه، فيؤلف له من الصفات المشبهة المشتركة بينه وبين غيره ما يخص المعرف. ومن تدقق هذا، وجد حقيقته، وعلم معرفة الخلق بما أخبروا به من الغيب من

стр. 20

الملائكة واليوم الآخر وما في الجنة والنار من أنواع النعيم والعذاب. وبطل قولهم في الحد. الخامس: أن التصورة المفردة تمنع أن تكون مطلوبة؛ فيمتنع أن يعلم بالحد لأن الذهن إن كان شاعرا بها أمتنع الطلب، لأن تحصيل الحاصل ممتنع، وإن لم يكن شاعرًا بها أمتنع من النفس طلب مالا تشعر به فإن الطلب والقصد مسبوق بالشعور: فإن قيل: فالإنسان يطلب تصور الملك والجن والروح وأشياء كثيرة، وهو لا يشعر بها، قيل: قد سمع هذه الأسماء، فهو يطب مسماها، كما يطلب من سمع ألفاظا لا يفهم معانيها تصور معانيها. وهو إذا تصور مسمى هذه الأسماء فلا بد أن يعلم أنها مسماة بهذا الاسم إذ لو تصور حقيقة، ولم يكن ذلك الاسم فيها لم يكن تصور مطلوبة، فهنا المتصور ذات وأنها مسماة بكذا، وهذا ليس تصورًا بالمعنى فقط بل للمعنى ولاسمه. وهذا لا ريب أنه يكون مطلوبا. ولكن لا يوجب أن يكون المعنى المفرد مطلوبًا، وأيضا فإن المطلوب هنا لا يحصل بمجرد الحد، بل لا بد من تعريف المحدود بل الإشارة إليه أو غير ذلك، مما لا يكتفي فيه بمجرد اللفظ. وإذا ثبت امتناع الطلب للتصورات المفردة، فأما أن تكون حاصلة للإنسان، فلا تحصل بالحد، فلا يفيد الحد التصور. وإما أن ى تكون حاصلة، فمجرد الحد لا يوجب تصور المسميات لمن لا يعرفها، ومتى كان له شعور بها لم يحتج إلى الحد في ذلك الشعور إلا من جنس ما يحتاج إلى الاسم. المقصود هو التسوية بين فائدة الحد وفائدة الاسم.

стр. 21

السادس: أن يقال لتصور الحقيقة عندهم هو الحد التام المؤلف من الذاتيات دون العرضيات ومبني هذا الكلام على الفرق بين الذاتي العرضي وهو يقولون: الذاتي ما كان داخل الماهية، والعرضي ما [كان] خارجًا عنها. وقسموه إلى لازم الماهية ولازم لوجودها. وهذا الكلام الذي ذكروه مبني على أصلين فاسدين: الفرق بين الماهية ووجودها، ثم الفرق بين الذاتي لها واللازم لها. فالأصل الأول: قولهم: إن الماهية حقيقة ثابتة في الخارج غير وجودها وهذا شبيه بقول من يقول: "المعدوم شئ، وهو مما يكون، وأضل ضلالهم أنهم رأوا الشئ قبل وجوده يعلم ويراد، ويميز بين المقدور عليه والمعجوز عنه ونحو ذلك فقالوا لو لم يكن ثابتًا لما كان كذلك. كما أنا نتكلم في حقائق الأشياء التي هي ماهيتها مع قطع النظر عن وجودها في الخارج فتتخيل الغالط أن هذه الحقائق والماهيات أمور ثابتة في الخارج، والتحقيق: أن ذلك كله أمر ثابت في الذهن. والمقدر في الأذهان. أوسع من الموجود في الأعيان. هو موجود وثابت في الذهن، وليس هو في نفس الأمر لا موجودًا ولا ثابتًا فالتفريق بين الوجود والماهية،

стр. 22

مع دعوى أن كليهما في الخارج غلط عظيم وهؤلاء ظنوا أن الحقائق النوعية كحقيقة الإنسان والفرس وأمثال ذلك ثابتة في الخارج، غير الأعيان الموجودة في الخارج وأنها أزلية لا تقبل الاستحالة، وهذه التي تسمى المثل الأفلاطونية ولم يقتصروا على ذلك؛ بل أثبتوا أيضًا ذلك في المادة والماهية والمكان. فأثبتوا مجردة عن الصور، ثابتة في الخارج وهي "الهيولي بأولية" التي بنوا عليها قدم العالم. وغلطهم فيها جمهور العقلاء. والكلام على من فرق بين الوجوه والماهية مبسوط في غير هذا الموضع والمقصود هنا التنبيه على أن ما ذكروه في المنطق من الفرق بين الماهية ووجودها في الخارج هو مبني على هذا الأصل الفاسد. وحقيقة الفرق الصحيح، أن الماهية هي ما يرسم في النفس من الشئ والوجود ما يكون في الخارج منه، وهذا فرق صحيح فإن الفرق بين ما في النفس وما في الخارج ثابت معلوم لا ريب فيه. وأما تقدير حقيقة لا تكون ثابتة في العلم ولا في الوجود فهو باطل. والأصل الثاني: وهو الفرق بين اللازم للماهية والذاتي لا حقيقة له، فإنه إن جعلت الماهية التي في الخارج مجردة عن الصفات اللازمة، وأمكن أن يجعل الوجود الذي في الخارج مجردًا عن هذه الصفات اللازمة وإن جعل هذا هو نفس الماهية بلوازمها، كان هذا بمنزلة أن يقال هو الوجود بلوازمها وهما باطلان، فإن الزوجية والفردية للعدد مثلا مثل الحيوانية والنطق للإنسان وكلاهما إذا خطر بالبال منه الموصوف مع الصفة،

стр. 23

لم يمكن تقدير الموصوف دون الصفة، وما ذكروه من أن ما جعلوه هو الذاتي يتقدم تصوره في الذهن، فباطل من وجهين: أحدهما: أن هذا خبر عن وضعهم، إذ هم يقدمون هذا في أذهانهم، ويؤخرون هذا، وهذا تحكم محض، وكل من تقدم هذا دون ذا، فإنما قلدهم في ذلك. ومعلوم أن الحقائق الخارجية المستغنية عنا لا تكون تابعة لتصوراتنا، فليس إذا فرضنا هذا مقدمًا، وهذا مؤخرًا، يكون هذا في الخارج كذلك. وسائر بني آدم الذين [لم] يقلدونهم في هذا الموضع لا يستحضرون هذا التقديم والتأخير ولو كان هذا فطريًا كانت الفطرة تدركه بدون التقليد، كما تدرك سائر الأمور الفطرية. والذي في الفطرة أن هذه اللوازم كلها لوازم للموصوف وقد يخطر بالبال، ، وقد لا يخطر. أما أن يكون هذا خارجًا عن الذات، وهذا داخلا في الذات، فهذا تحكم محض، ليس له شاهد لا في الخارج ولا في الفطرة. والثاني: أن يكون الوصف ذاتيا للموصوف: هو أمر تابع لحقيقته التي هو لها سواء تصورته أذهاننا، أو لم تتصوره فلا بد إذا كان أحد الوصفين ذاتيا دون الآخر أن يكون الفرق بينهما أمرا يعود إلى حقيقتهما الخارجة الثابتة بدون الذهن. وإما أ، يكون الفرق بين الحقائق الخارجة لا حقيقة له إلا مجرد التقدم والتأخر في الذهن، فهذا لا يكون حقا إلا إن تكون الحقيقة والماهية هي ما يقدر في الذهن لا ما يوجد في الخارج. وذلك أمر يتبع تقدير صاحب الذهن. وحينئٍذ فيعود حاصل هذا الكلام إلى أمور مقدرة في الأذهان لا حقيقة لها في الخارج وهي التخيلات والتوهمات

стр. 24

الباطلة، وهذا كثير في أصولهم. السابع: أن يقال: هل يشترطون في الحد التام وكونه يفيد تصور الحقيقة، أن تتصور جميع صفاته الذاتية أم لا، المشتركة بينه وبين غيره أم لا؟ فإن شرطوا لزم استيعاب جميع الصفات. وإن لم يشترطوا واكتفوا بالجنس القريب دون غيره فهو تحكم محض، وإذا عارضهم من يوجب ذكر جميع الأجناس، أو يحذف جميع الأجناس لم يكن لهم جواب، إلا أن هذا وضعهم واصطلاحهم. ومعلوم أن العلوم الحقيقية لا تختلف باختلاف الأوضاع، فقد تبين أن ما ذكروه هو من باب الوضع والاصطلاح الذي جعلوه من باب الحقائق الذاتية والمعارف، وهذا عين الضلال والإضلال كمن يجئ إلى شخصين متماثلين، فيجعل هذا مؤمنًا وهذا كافرًا وهذا عالمًا، وهذا جاهلًا وهذا سعيدًا، وهذا شقيًا. من غير افتراق بين ذاتيهما، بل بمجرد وضعه واصطلاحه، فهم من دعواهم القياس العقلي يفرقون بين المتماثلات ويسرون بين المختلفات. الثامن: إن اشتراطهم ذكر الفصول المميزة مع تفريقهم بين الذاتي والعرضي غير ممكن، إذ من مميز هو من خواص المحدود المطابقة له في العموم والخصوص إلا ويمكن الآخر أن يجعله عرضيًا لازمًا للداهية. التاسع: أن فيما قالوه دورًا فلا يصح، وذلك أنهم يقولون: إن المحدود لا يتصور إلا بذكر صفاته الذاتية. ثم يقولون: الذاتي هو ما لا يمكن تصور الموصوف بدون تصوره. فإذا كان المتعلم لا يتصور المحدود، حتى يتصور صفاته الذاتية ولا يعرف أن الصفة الذاتية حتى يعلم أنه لا يتصور الموصوف

стр. 25

الذي هو المحدود [بدونها] فلا يعلم أنها ذاتية، حتى يتصور الموصوف، ولا يتصور الموصوف حتى يتصور الصفات الذاتية ويميز بينها وبين غيرها، فتوقف معرفته على معرفة الذاتيات (المتوقفة) عل معرفته، فتوقف معرفته على معرفته، فلا يعرف هو ولا تعرف الذاتيات. وهذا كلام متين يجتاح أصل كلامهم. ويبين أنهم متحكمون فيما وضعوه لم يبنوه على أصل علمي تابع للحقائق. لكن قالوا هذا ذاتي وهذا غير ذاتي بمجرد التحكم. ولم يعتمدوا على أنه لا يمكن حد، فإذا لم يعرف المحدود إلا بالحد، والحد غير ممكن لم يعرف، وذلك باطل. العاشر: أنه يحصل بينهم في هذا الباب نزاع لا يمكن فصله على هذا الأصل وما استلزم تكافؤ الأدلة فهو باطل.

стр. 26

الفصل: في قولهم: إن التصديق لا ينال إلا بالقياس قولهم: إنه لا يعلم شئ من التصديقات إلا بالقياس الذي ذكروا صورته ومادته، قضية سلبية ليست معلومة بالبديهة، ولم يذكروا عليها دليلا أصلًا وصاروا مدعين، ما لم يثبتوه، قائلين بغير علم؛ إذ العلم بهذا السلب متعذر على أصلهم. فمن أين لهم أنه لا يمكن أحدًا من بني آدم أن يعلم شيئًا من التصديقات التي ليست بديهية عندهم إلا بواسطة القياس المنطقي الشمولي الذي وصفوا مادته وصورته؟ [نسبية التصديقات] ثم هم معترفون بما لا بد منه من أن التصديقات منها بديهي ومنها نظري، وأنه يمتنع أن تكون كلها نظرية لافتقار النظري إلى البديهي. وحينئٍذ فيأتي ما تقدم في التصورات من أن الفرق بينهما إنما هو بالنسبة والإضافة، فقد يكون النظري عند شخص بديهيًا عند غيره والبديهي من التصديقات، ما يكفي تصور طرفيه موضوعه ومحموله. في حصول تصديقه، فلا يتوقف على وسط يكون بينهما، وهو الدليل الذي هو الحد الأوسط، سواء كان تصور الطرفين بديهيًا أم لا، ومعلوم أن الناس يتفاوتون في قوى الأذهان أعظم من تفاوتهم في قوى الأذهان. فمن الناس من يكون في سرعة التصور وجودته في غاية تباين بها غيره مباينة كثيرة. وحينئِذ يتصور الطرفين تصورا

стр. 27

تاما بحيث يتبين التصور التام اللوازم التي لا تتبين لمن يتصوره، وكون الوسط الذي هو الدليل قد يفتقر إليه في بعض القضايا بعض الناس دون بعض، أمر بين فإن كثيرًا من الناس تكون عنده القضية حسية أو مجربة أو برهانيه أو متواترة. وغيره إنما عرفها بالنظر والاستدلال. ولهذا كثير من الناس لا يحتاج في ثبوت المحمول للموضوع إلى دليل لنفسه، بل لغيره، ويبين ذلك لغيره، بأدلة هو غني عنها، حتى يضرب له أمثالًا. وقد ذكر المناطقة أن القضايا المعلومة بالتواتر والتجربة والحدس يختص بها من علمها ولا تكون حجة على غيره بخلاف غيرها، فإنها مشتركة يحتج بها على المنازع، وهذا تفريق فاسد، وهو أصل من أصول الإلحاد والكفر. فإن المنقول عن الأنبياء بالتواتر من المعجزات وغيرها، يقول أحد هؤلاء- بناء على هذا الفرق- هذا لم يتواتر عندي فلا تقوم به الحجة على وليس ذلك بشرط، ومن هذا الباب إنكار كثير من أهل البدع والكلام والفلسفة لما يعلمه أهل الحديث من الآثار النبوية، فإن هؤلاء يقولون: إنها غير معلومة لنا كما يقول من الكفار: إن معجزات الأنبياء غير معلومة له. وهذا لكونهم لم يعلموا السبب الموجب للعلم بذلك، والحجة قائمة عليهم تواتر عندهم أم لا. وقد ذهب الفلاسفة أهل المنطق إلى جهالات قولهم: إن الملائكة هي العقول العشرة، وأنها قديمة أزلية، ةأن العقل رب ما سواه، وهذا شئ لم يقل مثله أحد من اليهود والنصارى ومشركي العرب، ولم يقل أحد: إن ملكًا من الملائكة رب العالم كله، ويقولون: إن العقل الفعال مبدع كل ما نحت فلك القمر، وهذا أيضًا كفر لم يصل إليه أحد من كفار أهل الكتاب

стр. 28

ومشركي العرب، ويقولون إن الرب لا يفعل بمشيئته وقدرته وليس عالمًا بالجزئيات ولا يقدر أن بغير العالم، بل العالم فيض فاض عنه بغير مشيئته وقدرته وعلمه وأنه (إذا) توجه المستشفع إلى من يعظمه من الجواهر العالية، كالعقول والنفوس والكواكب والشمس والقمر، فإنه يتصل بذلك المعظم المستشفع به فإذا فاض على ذلك ما يفيض من جهة الرب، فاض على هذا من وجهة شفيعه، ويمثلونه بالشمس إذا طلعت على مرآة، فانعكس الشعاع الذي على المرآة على موضع آخر، فأشرق بذلك الشعاع، فذلك لشعاع حصل له من مقابلة المرآة وحصل للمرآة بمقابلة الشمس، ويقولون: إن الملائكة هي العقول العشرة أو القوى الصالحة في النفس، وأن الشياطين هي القوى الخبيثة، وغير ذلك مما عرف فساده بالدلائل العقلية، بل بالضرورة من دين الرسول. فإذا كان شرك هؤلاء وكضرهم أعظم من شرك مشركي العرب وكفرهم، فأي كمال للنفس في هذه الجهالات، وهذا وأمثاله مفتقر إلى بسط كثير. والمقصود ذكر ما ادعوا في البرهان المنطقي؟ [بطلان دعواهم] لا بد في البرهان من قضية كلية وأيضًا فإذا قالوا: إن العلوم [اليقينية] لا تحصل إلا بالبرهان الذي هو عندهم قياس شمولي، وعندهم لا بد فيه من قضية كلية موجبة، ولهذا قالوا: لإنتاج عن قضيتين سالبتين ولا جزئيتين في شئ من أنواع القياس، لا بحسب صورته كالحملى والشرطي المتصل والمنفصل ولا بحسب مادته لا البرهاني

стр. 29

ولا الخطابي ولا الجدلي، بل ولا الشعري. فيقال: إذا كان لا بد في كل ما يسمونه برهانا من قضية كلية، فلا بد من العلم بتلك القضية الكلية: أي من العلم بكونها كلية، وإلا فمتى جوز عليها أن لا تكون كلية، بل جزئية، لم يحصل العلم بموجبها. والمهملة (هي) المطلقة التي يحتمل لفظها أن يكون كلية وجزئية في قوة الجزئية، وإذا كان لا بد في العلم الحاصل بالقياس الذي يخصونه باسم البرهان من العم بقضية كلية موجبة، فيقال العلم بتلك القضية إن كان يديها. أمكن أن يكون كل واحد من أفرادها بديهيًا بطريق الأولى، وإن كان نظريًا احتاج إلى علم بديهي، فيفضى إلى الدور المعي أو التسلسل في المتواترات وكلاهما باطل. وهكذا يقال في سائر القضايا الكلية التي يجعلونها مبادئ البرهان، ويسمونها الواجب قبولها سواء كانت حسية ظاهرة أو باطنه، وهي التي يحسها بنفسه أو كانت من المحرمات أو المتواترات أو الحدسيات عند من يجعل منها ما هو من اليقينيات الواجب قبولها، مثل العلم يكون القمر مستفادا من الشمس إذا رأى اختلاف أشكاله عند اختلاف محاذاته للشمس، كما يختلف إذا قاربهما بعد الإجماع كما في ليلة الهلال، وإذا كان ليلة الاستقبال عند الإبدار. وهم متنازعون: هل الحدس قد يفيد اليقين أم لا؟ ومثل العقليات المحضة، مثل قولنا الواحد نصف الاثنين، والكل أعظم من الجزء، والأشياء المساوية لشئ واحد متساوية، والضدان لا يجتمعان، والنقيضان لا يرتفعان ولا يجتمعان، فما من قضية من هذه القضايا الكلية التي تجعل مقدمة في البرهان إلا والعلم بالنتيجة ممكن بدون توسط ذلك

стр. 30

البرهان، بل هو الواقع كثيرًا. فإذا علم أن كل واحد فهو نصف كل اثنين وأن كل اثنين نصفهم واحد، فإنه يعلم أن هذا الواحد نصف هذين الاثنين، وهل جرا في سائر القضايا الأخر من غير استدلال على ذلك بالقضية الكلية. وكذلك كل جزء يعلم أن هذا الكل أعظم من جزئه بدون توسط القضية الكلية. وكذلك هذان النقيضان من تصورهما نقيضين، فإنه يعلم أنهما لا يجتمعان (ولا يرتفعان). وكل أحد يعلم أن هذا المعين لا يكون موجودا معدومًا كما يعلم المعين الآخر، ولا يحتاج ذلك إلى أن يستدل عليه بأن كل شئ لا يكون موجودًا معدومًا معًا، وكذلك الضدان فإن الإنسان يعلم أن هذا الشئ لا يكون أسود أبيض، ولا يكون متحركًا ساكنًا، كما يعلم أن الآخر كذلك. ولا يحتاج في العلم بذلك إلى قضية كلية بأن كل شئ لا يكون أسود أبيض، ولا يكون متحركًا ساكنًا. وكذلك في سائر ما يعلم تضادهما، فإن على تضاد المعنيين، على أنهما لا يجتمعان فإن العلم بالقضية الكلية يفيد العلم بالمقدمة الكبرى المشتملة على الحد الأكبر وذلك لا يغني بدون العلم بالمقدمة الصغرى المشتملة على الحد الأصغر. والعلم بالنتيجة وهو أن هذين المعينين ضدان فلا يجتمعان، يمكن بدون العلم بالمقدمة الكبرى: وهو أن كل ضدين لا يجتمعان فلا يفتقر العلم بذلك إلى القياس الذي خصوه باسم البرهان وإن كان البرهان في كلام الله ورسوله كلام سائر أصناف العلماء ولا يختص بما سموه هم البرهان وإنما خصواهم لفظ البرهان بما اشتمل عليه القياس الذي خصوا صورته

стр. 31

ومادته بما ذكروه، مثال ذلك أنه إذا أريد إبطال قول من يثبت الأحوال ويقول (هي) لا موجودة ولا معدومة، ويقول: وهذا نقيضان وكل نقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان، فإن هذا جعل الواحد موجودًا معدومًا، ولا يمكن جعل الحال موجودة معدومة، كأن العلم بأن هذا المعنى لا يكون موجودًا معدومًا بدون هذه القضية الكلية، فلا يفتقر العلم بالنتيجة إلى البرهان. وكذلك إذا قيل: إن هذا ممكن وكل ممكن فلا بد له (من) مرجح لوجوده، على أصح القولين أو لأحد طرفيه على قول طائفة من الناس، أو قيل: هذا محدث وكل محدث، فلا بد له من محدث، فتلك القضية الكلية وهي قولنا: كل محدث لا بد له من محدث، وكل ممكن لا بد له من مرجح، يمكن العلم بأفرادها المطلوبة بالقياس البرهاني عندهم بدون العلم بالقضية الكلية التي لا يتم البرهان عندهم إلا بها، فيعلم أن هذا المحدث لا بد له من محدث وهذا الممكن لا بد له من مرجح، فإن شك عقله، وجوز أن يحدث هو بلا محدث أحدثه أو أن يكون وهو ممكن يقبل الوجود والعدم بدون مرجح يرجح وجوده، جوز ذلك في غيره من المحدثات والممكنات بطريق الأولى، وإن جزم بذلك في نفسه لم يحتج علمه بالنتيجة المعينة: وهو قولنا: وهذا محدث، فله محدث أو هذا ممكن، فله مرجح، إلى القياس البرهاني. ومما يوضح هذا: أنك لا تجد أحدًا من بني آدم يريد أن يعلم مطلوبًا بالنظر ويستدل عليه بقياس برهاني يعلم صحته، إلا ويمكنه العلم به

стр. 32

بدون ذلك القياس البرهاني المنطقي. ولهذا لا تجد لهذا من سائر أصناف العقلاء غير هؤلاء، ولا ينظم دليله من المقدمتين كما ينظمه هؤلاء، بل يذكرون الدليل المستلزم للمدلول، ثم الدليل قد يكون مقدمة واحدة وقد يكون مقدمتين، وقد يكون ثلاث مقدمات بحسب حاجة الناظر المستدل، إذ حاجة الناس تختلف. وقد بسطنا ذلك في الكلام على المحصل وبينا تخطئة جمهور العقلاء لمن قال إنه لا بد في كل علم نظري من مقدمتين لا يستغنى عنهما، ولا يحتاج أكثر منهما. وهذا ينبغي أن يأخذ عن المواد العقلية التي لا يستدل عليها بنصوص الأنبياء، فإنه يظهر فيها فساد منطقهم، وأما إذا أخذ به في المواد المعلومة بنصوص الأنبياء فإنه يظهر الاحتياج إلى القضية الكلية، كما إذا أردنا تحريم النبيذ المتنازع فيه فقلنا النبيذ مسكر وكل مسكر حرام، أو قلنا هو خمر وكل خمر حرام، فقولنا النبيذ المسكر خمر يعلم بالنص، وهو قول النبي- ﷺ "كل مسكر خمر وكل خمر حرام" يعلم بالنص والإجماع؛ وليس في ذلك نزاع وإنما النزاع في المقدمة الصغرى وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي- ﵌ أنه قال: إن كل مسكر خمر وكل خمر حرام. وفي لفظ: كل مسكر خمر وكل خمر حرام. وقد يظن بعض الناس أن النبي- ﵌ ذكر هذا على النظم المنطقي ليبين النتيجة بالمقدمتين؛ كما يفعله المنطقيون، وهذا جهل عظيم ممن يظنه فإنه- ﷺ أجل قدرًا من أن يستعمل مثل هذا الطريق في بيان العلم، بل من هو أضعف عقلًا وعلمًا من آحاد علماء أمته لا يرضى لنفسه أن يسلك طريقة هؤلاء المنطقيين، بل يعدونهم من الجهال الذين لا يحسنون (إلا) الصناعات كالحساب والطب ونحو ذلك.

стр. 33

وأما العلوم البرهانية الكلية اليقينية والعلوم الإلهية فلم يكونوا من رجالها. وقد تبين ذلك نظار المسلمين في كتبهم وبسطوا الكلام عليهم، وذلك أن كون كل خمر حرامًا، هو مما علمه المسلمون. فلا يحتاجون إلى معرفة ذلك وإنما شك بعضهم في أنواع من الأشربة المسكرة كالنبيذ المصنوع من العسل والحبوب وغير ذلك، كما في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري أنه قال لرسول الله ﷺ : عندنا شراب مصنوع يقال له البتع وشراب يصنع من الذرة يقال له المزر، قال- وكان أونى جوامع الكلم- فقال: كل مسكر حرام، فأجابهم ﷺ ، بقضية كلية بين بها أن كل ما يسكر فهو محرم. وبين أيضًا أن كل ما يسكر فهو خمر، وهاتان قضيتان كليتان صادقتان متطابقتان، العلم بأيهما كان موجب العلم بتحريم كل مسكر إذ ليس العلم بتحريم مسكر يتوقف على العلم بهما جميعًا، فإن من علم أن النبي ﷺ قال: كل مسكر حرام، وهو من المؤمنين به، علم أن النبيذ المسكر حرام، ولكن قد يحصل الشك هل أراد القدر المنكر. أو أراد جنس المسكر، وهذا شك في مدلول قوله، فإذا علم مراده- ﷺ ، علم المطلوب، وكذلك إذا علم أن النبيذ خمر والعلم بهذا أوكد في التحريم فإن نمن يحلل النبيذ المتنازع فيه، لا يسميه خمرًا، فإذا علم بالنص أن كل مسكر خمر كان هذا وحده دليلًا على تحريم كل مسكر عند أهل الإيمان ال ١ ين يعلمون أن الخمر محرم، وأما من لم يعلم تحريم الخمر، لكونه لم يؤمن بالرسول. فهذا لا يستدل بنصه، وإن علم أن محمدًا رسول الله ﷺ ولكن لم يعلم أنه حرم الخمر فهذا لا ينفعه قوله: كل مسكر خمر، بل ينفعه قوله: كل مسكر حرام "وحينئِذ يعلم بهذا تحريم الخمر،

стр. 34

لأن الخمر والمسكر اسمان لمسمى واحد عند الشارع وهما متلازمان عنده في العموم والخصوص عند جمهور العلماء الذين يحرمون كل مسكر. وليس المقصود هنا الكلام في تقرير المسألة الشرعية، بل التنبيه على التمثيل فإن هذا المثال كثيرًا ما يمثل به من صنف في المنطق من علماء المسلمين، والمنطقيون يمثلون بصورة مجردة عن المواد، لا تدل على شئ معين، لئلا يستفاد العلم بالمثال من صورة معينة كما يقولون كل أب وكل ب ج فكمل أح. ولكن المقصود هو العلم المقصود من المواد المعينة، فإذا جرت يظن الظان أن هذا يحتاج إليه في المعينات، وليس الأمر كذلك، بل إّا طولبوا بالعلم بالمقدمتين الكليتين في جميع مطالبهم العقلية التي تؤخذ عن المعصومين تجدهم يحتجون بما يمكن معه العلم فيها بالمعينات المطلوبة بدون العلم بالقضية الكلية. فلا يكون العلم بها موقوفًا على البرهان فالقضايا (النبوية) لا يحتاج إلى القياس العقلي الذي سموه برهانًا. وما يستفاد بالعقل من العلوم أيضًا لا يحتاج إلى قياسهم البرهاني، فلا يحتاج إليه لا في السمعيات ولا في العقليات، فامتنع أن يقال: لا يحصل علم إلا بالقياس البرهاني الذي ذكروه. ومما يوضح ذلك أن القضايا الحسية لا تكون إلا جزئية، فنحن (لو) لم ندرك بالحس إحراق هذه النار، وهذه النار، لم تدرك أن كل نار محرقة، .

стр. 35

فإذا جعلنا هذه قضية كلية، وقلنا كل نار محرقة. لم يكن لنا طريق نعلم به صدق هذه القضية الكلية علمًا يقينيًا، إلا والعلم بذلك ممكن في الأعيان المعينة بطريق الأولى. وإن قبل ليس المراد العلم بالأمور المعينة فإن البرهان لا يفيد (إلا) العلم بقضية كلية فالنتائج (المعلومة بالبرهان) لا تكون إلا كلية كما يقولون هم ذلك. والكليات إنما تكون كليات في الأذهان لا في الأعيان قيل: فعلى هذا التقدير لا يفيد البرهان العلم بشيء موجود بل بأمور مقدرة في الأذهان لا يعلم تحققها في الأعيان وإذا لم يكن في هذا علم بشيء بموجود، فيكون قليل المنفعة جدا، بل عديم المنفعة، وهم لا يقولون بذلك بل يستعملونه في العلم بالموجودات الخارجية (الطبيعية) والإلهية؛ ولكن حقيقة الأمر- كما بيناه في غير هذا الوضع- أن المطالب الطبيعية التي ليست من الكليات اللازمة بل الأكثرية، فلا تفيد مقصود البرهان. وأما الإلهيات فكلياتهم فيها أفسد من كليات الطبيعة. وغالب كلامهم- فيها ظنون كاذبة فضلًا عن أن نكون قضايا صادقة يولد منها البرهان. ولهذا حدثونا بإسناد متصل عن فاضل زمانه في المنطق وهو الخويخي صاحب كشف أسرار المنطق والموجز وغيرهما أنه قال عند الموت: أموت

стр. 36

وما عرفت شيئًا (إلا) علمي بأن الممكن يفتقر إلى المؤثر. ثم قال: الافتقار وصف سلبي، فأنا أموت، وما عرفت شيئًا. وكذلك حدثونا عن آخر من أفاضلهم- وهذا أمر يعرفه كل من خبرهم ويعرف أنهم أجهل أهل الأرض بالطرق التي ينال بها العلوم العقلية والسمعية، إلا من علم منهم علمًا من غير الطرق المنطقية، فتكون علومه من تلك الجهة لا من جهتهم، مع كثرة تعبهم في البرهان الذي، يزعمون أنهم يزنون به العلوم، ومن عرف منهم شيئًا من العلوم لم يكن ذلك بواسطة ما حرره في المنطق، ومما بين أن حصول العلوم اليقينية الكلية والجزئية لا يفتقر إلا برهانهم (أن يقال: إذا كان لابد في برهانهم) من قضية كلية، فالعلم بتلك القضية الكلية لابد له من سبب، فإن عرفوها باعتبار الغائب بالشاهد، فإن حكم الشيء حكم مثله، كما إذا عرفنا أن هذه (النار محرقة) فالنار الغائبة محرقة لأنها مثلها. وحكم الشيء حكم مثله، فيقال هذا استدلال بقياس التمثيل وهم يزعمون أنه لا يفيد اليقين بل الظن، فإذا كانوا إنما علموا القضية الكلية بقياس التمثيل، يرجعوا في اليقين إلى ما يقولون إنه لا يفيد إلا الظن، وإن قالوا بل عند الإحساس بالجزئيات لأن يفيض عليها الكلي من واهب العقل أو قالوا: من العقل الفعال. عندهم ونحو ذلك- قيل لهم: الكلام فيها به يعلم أن الحكم الكلي الذي في النفس علم لا ظن ولا جهل. فإن قالوا هذا العلم بالبديهة والضرورة، كان هذا قولًا بأن هذه القضايا الكلية معلومة بالبديهة والضرورة، وأن النفس مضطرة إلى هذا العلم. وهذا إن

стр. 37

كان حقًا فالعلم بالأعيان المعينة وبأنواع الكليات يحصل أيضًا في النفس بالبديهة والضرورة كما هو الواقع، فإن جزم العقلاء بالشخصيات من الحسيات، أعظم من جزمهم بكلية الأنواع أعظم من جزمهم بكلية الأجناس، والعلم بالجزئيات أسبق إلى الفطرة. فجزم الفطرة بها أقوى. ثم كلما قوي العقل، اتسعت الكليات وحينئذ فلا يجوز أن يقال: إن العلم بالأشخاص، وقوف على العلم بالأنواع والأجناس، ولا أن العلم بأنواع موقوف على العلم بالأجناس، بل قد يعلم الإنسان أنه حساس متحرك بالإرادة قبل أن يعلم أم كل إنسان كذلك ويعلم أن الإنسان كذلك قبل أن يعلم أن كل حيوان كذلك فلم يبق علمه بأن غيره من الحيوان حساس متحرك بالإرادة، موقوفًا على البرهان وإذا علم حكم سائر الناس وسائر الحيوان، فالنفس تحكم بذلك بواسطة علمها أن ذلك الغائب مثل هذا الشاهد، أو أنه يساويه في السبب الموجب لكونه (حساسًا) متحركًا بالإرادة ونحو ذلك من قياس التمثيل والتعليل الذي يحتج به الفقهاء في إثبات الأحكام الشرعية. [مادة الأقيسة] وهؤلاء يزعمون أن ذلك القياس إنما يفيد الظن، وقياسهم هو الذي يفيد اليقين، وقد بينا في غير هذا الموضع أن قولهم هذا من أفسد الأقوال، وأن قياس التمثيل وقياس الشمول سواء وإنما يختلفان بالمادة المعينة فإن كانت

стр. 38

يقينية (في أحدهما كانت يقينية) في الآخر وإن كانت ظنية في أحدهما كانت ظنية في الآخر. وذلك أن قياس الشمول مؤلف من الحدود الثلاثة، الأصغر والأوسط والأكبر، والحد الأوسط فيه هو الذي يسمى في قياس التمثيل علة ومناطًا وجامعًا [ومشتركًا ووصفًا ومقتضيًا]. فإذا قال في مسألة النبيذ: كل نبيذ مسكر وكل مسكر حرام، فلابد له من إثبات المقدمة الكبرى، وحينئذ يتم البرهان، وحينئذ فيمكنه أن يقول النبيذ مسكر، فيكون حرامًا قياسًا على خمر العنب، بجامع ما يشتركان فيه من الإسكار، هو مناط التحريم في الأصل، وهو موجود في الفرع فيما به (يقرر) أن كل مسكر حرام، به يقرر أن السكر مناط التحريم بطريق الأولى، بل التفريق في قياس التمثيل أسهل عليه لشهادة الأصل له بالتحريم، فيكون الحكم قد علم ثبوته في بعض الجزئيات. ولا يكفي في قياس التمثيل إثباته في أحد الجزأين لثبوته في الجزء الآخر، لاشتراكهما في أمر لم يقم دليل على استلزامه للحكم، كما يظنه بعض للطالبين، بل لابد أن يعلم أن المشترك بينهما مستلزم للحكم والمشترك بينهما هو الحد الأوسط. وهذا ما يسميه الفقهاء وأهل أصول الفقه المطالبة بتأثير الوصف في الحكم؛ وهذا السؤال أعظم سؤال يرد على القياس وجوابه هو الذي يحتاج إليه غالبًا في تقدير صحة القياس، فإن المعترض قد يمنع الوصف في الأصل، وقد يمنع الحكم في الأصل، وقد يمنع الوصف في الفرع، وقد يمنع كون الوصف علة في الحكم ويقول: لا نسلم أن ما ذكرته في الوصف المشترك هو العلة أو دليل

стр. 39

العلة، فلابد من دليل بدل على ذلك من نص أو اجتماع أو سبر وتقسيم أو المناسبة أو الدوران عند من يستدل بذلك، فما دل على أن الوصف المشترك مستلزم للحكم إما علة، وإما دليل العلة: هو الذي يدل على أن الحد الأوسط مستلزم الأكبر، وهو الدال على صحة المقدمة الكبرى، فإن أثبت العلة كان برهان علة، وإن أثبت دليلها، كان برهان دلالة. وإن لم يفيد العلم بل أفاد الظن، فكذلك المقدمة الكبرى في ذلك القياس لا تكون إلا ظنية، وهذا أمر بين. ولهذا صار كثير من الفقهاء يستعملون في الفقه القياس الشمولي، كما يستعمل في العقليات القياس التمثيلي، وحقيقة أحدهما هو حقيقة الآخر. ومن قال من متأخري أهل الكلام والرأي كأبي المعالي وأبي حامد والرازي وأبي محمد المقدسي وغيرهم من أن العقليات ليس فيها قياس وإنما القياس في الشرعيات، ولكن الاعتماد في العقليات على الدليل الدال على ذلك مطلقًا، فقولهم مخالف لقول نظار المسلمين، بل وسائر العقلاء، فإن القياس يستدل به في العليات كما يستدل به في الشرعيات، فإنه إذا ثبت أن الوصف المشترك مستلزم للحكم كان هذا دليلًا في جميع العلوم. وكذلك إذا ثبت أنه ليس بين الفرع والأصل فرق مؤثر كان هذا دليلًا في جميع العلوم، وحيث لا يستدل بالقياس التمثيلي، لا يستدل بالقياس الشمولي. وأبو المعالي ومن قبله من النظار لا يسلكون طريقة المنطقيين ولا يرضونها بل يستدلون بالأدلة المستلزمة عندهم لمدلولاتها من غير اعتبار ذلك بميزان المنطقيين ((لكن جمهور النظار يقيسون الغائب على الشاهد إذا كان المشترك مستلزمًا للحكم، كما يمثلون به في الجمع بالحد والعلة والشرط والدليل، ومنازعهم

стр. 40

يقول لم يثبت الحكم في الغائب لأجل ثبوته في الشاهد؛ بل نفس القضية الكلية كافية في المقصود من غير احتياج إلى التمثيل، فيقال لهم: وهكذا في الشرعيات، فإنه متى قام الدليل على أن الحكم معلق بالوصف الجامع لم يحتج إلى الأصل، بل نفس الدليل الدال على أن الحكم يتعلق بالوصف كاف لكن لما كان هذا كليًا والكلي لا يوجد إلا معينًا كان تعيين الأصل، مما يعلم به تحقيق هذا الكلي، وهذا أمر نافع في الشرعيات والعقليات، فعلمت أن القياس حيث قام الدليل على أن الجامع مناط الحكم، أو على إلغاء الفارق بين الأصل والفرع، فهو قياس صحيح، ودليل صحيح، في أي شيء كان. [مسمى القياس] وقد تنازع الناس في مسمى القياس فقالت طائفة من أهل الأصول هو حقيقة في قياس التمثيل، مجاز في قياس الشمول، كأبي حامد الغزالي وأبي محمد المقدسي، وقالت طائفة بل هو بالعكس حقيقة في الشمول، مجاز في التمثيل كابن حزم وغيره. وقال جمهور العلماء: بل هو حقيقة فيهما والقياس العقلي يتناولهما جميعًا، وهذا قول أكثر من تكلم في أصول الدين وأصول الفقه وأنواع العلوم العقلية، وهو الصواب، فإن حقيقة أحدهما هو حقيقة الآخر وإنما تختلف صورة الاستدلال. والقياس في اللغة تقدير الشيء بغيره، وهذا يتناول تقدير الشيء المعين
следующие страницы →