← Тараджим

Тараджим · id 151099

المجروحين لابن حبان ت حمدي

ابن حبان

Полный текст (1 001 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

كتاب المجروحين من المُحَدِّثين

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

كتاب المجروحين من المُحَدِّثين لابن حبان المجلد الأول تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي دار الصميعي للنشر والتوزيع

стр. 4

جمَيع الحُقوق مَحفوظة الطبعة الأولي ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م دار الصميعي للنشر والتوزيع هاتف وفاكس: ٤٢٦٢٩٤٥ - ٤٢٥١٤٥٩ الرياض- السويدي-شارع السويدي العام ص. ب: ٤٩٦٧ - الرمز البريدي ١١٤١٢ المملكة العربية السعودية

стр. 5

كلمة الناشر الحمد لله رب العالمين؛ والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين؛ أما بعد: فلا يخفى على طلبة العلم عمومًا؛ والمهتمين بعلم الحديث خصوصًا الأهمية العظمي للكتب التي ألفها الإمام الحافظ محمد بن حبان البستي؛ المتوفى سنة (٣٥٤ هـ) -رحمه الله تعالى- فقد ألف كتاب التقاسيم والأنواع والمشهور بصحيح ابن حبان؛ وكتاب الثقات، وكتبا أخرى هي في غاية النفاسة عند طلبة العلم والمهتمين بالكتاب التراثي. ومن أشهر كتب الإمام الجليل كتاب "المجروحين" وهو كتاب خاص بجمع تراجم من الرواة الضعفاء ومن دونهم. وقد تولى تحقيقه وخدمته الشيخ الفاضل/ حمدي بن عبد المجيد السلفي حفظه الله تعالى. ومما يجدر ذكره هنا أننا سبق وأن نشرنا -بحمد الله- كتاب "تذكرة الحفاظ"، للحافظ محمد بن طاهر القيسراني المتوفى سنة (٥٠٧ هـ) -رحمه الله تعالى- بتحقيق الشيخ حمدي السلفي -أيضًا- وهذا الكتاب جمع وفهرسة لأطراف كتاب المجروحين لابن حبان؛ فالحمد لله على توفيقه. ويسرنا نحن في "دار الصميعي للنشر والتوزيع" أن نخرج هذا السفر المبارك؛ سائلين الله أن ينفع به، وأن يجد المكانة الطيبة عند أهل العلم وطلابه. دار الصميعي للنشر والتوزيع

стр. 6

مقدمة المحقق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد، أن محمدًا عبده ورسوله. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد فإن معرفة السنة النبوية من الواجبات، لأنها المبيِّنة لكتاب الله تعالى الذي هو المصدر الرئيسي للتشريع الإسلامي، ولما كانت السنة المبنية على الأحاديث دَخَلَ فيها كثير من الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي شوهت جمال الإسلام، وجب النظر في حال تلك الأحاديث ليعرف صحيحها من سقيمها فيحتج بالصحيح ويرد السقيم، وذلك لا يعرف إلا بالنّظر في إسناد الحديث ومتنه، لأن الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال الناس ما شاؤوا، والنظر في المتن له مقام آخر، والنظر في الإسناد اقتضى معرفة حال رواة الحديث جرحًا وتعديلًا، فلذلك ألف نقاد الحديث الكتب في الجرح والتعديل، وهي كثيرة جدًّا وغالبها الآن مطبوع. وممن أدلى دلوه في هذا المضمار أبو حاتم بن حبان البستي حيث

стр. 7

ألف كتابين مهمين أحدهما (الثقات) وهو مطبوع، والثاني كتابنا هذا (كتاب المجروحين من المحدثين) ولأهمية هذا الكتاب ترى كتب الجرح الحي ألفت بعد المؤلف مشحونة بالمنقولات عنه. والكتاب طبع مرتين مرة في الهند ومرة في حلب والطبعتان مملوءتان بالأخطاء الفاحشة وبإدخال تراجم في صلب الكتاب وهي ليست منها كما هو في طبعة حلب بتحقيق محمود إبراهيم وفيهما من السقط الكثير، بل فيهما تراجم ساقطة بكاملها، وأما التحريف والتصحيف فحدث ولا حرج، لذلك رأيت أن الكتاب يحتاج إلى تحقيق جديد فشمرت عن ساعد الجد بعد حصولي على مصورة للنسخة القيمة من الكتاب والتي هي في مكتبة جامع آيا صوفيا تحت رقم (٤٩٦) في مدينة إستانبول. أما عملي في الكتاب فهو تحقيق النص بشكل دقيق، لأنه المهم، ثم ذكر بعض المصادر التي ترجمت للراوي عند ترجمته (١)، وذكر موضع الأحاديث التي أوردها المؤلف من (تذكرة الحفاظ) حيث لا داعي لتطويل هوامش الكتاب بتخريج تلك الأحاديث ما دام تلك الأحاديث مخرجة في كتاب مطبوع. أما المؤلف فهو الحافظ العلامة محمد بن حبان بن أحمد بن حبان أبو حاتم التميمي البستي السجستاني، ولد بعد المئتين والسبعين وتوفي سنة (٣٥٤) هجرية، وقد أطال كثير من العلماء في ترجمته مثل الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٦/ ٩٢ - ١٠٤) وغيره فلا نرى التطويل في ترجمته وذكر مشايخه وتلاميذه ومكانته العلمية، ومؤلفاته فلتراجع من مصادرها. وأما كونه من المتشددين في الجرح فقد فصل ذلك العلماء وخاصة ابن عبد الهادي في الصارم المنكي وغيره. وطريقته في كتابه هذا الاعتماد على من سبقه من النقاد مثل، ابن معين وأحمد والفلاس وأبن مهدي والقطان، ومن لم يجد فيه جرحًا يسير رواياته

стр. 8

ومن خلال مروياته يجرحه، أو يعتمد على مشاهدته فيمن عاصره. وذكر في مقدمته القيمة لهذا الكتاب طريقه في الجرح فلا داعي أن نعيد كلامه، وقد أضربت عن تعليقات الدارقطني لأنها طبعت على حدة إلا نادرًا جدًّا. وغايتنا أن نضع في متناول طلبة العلم نسخة من الكتاب محققة ومتقنة قدر استطاعتنا لأنه لا يمكن لأحد أن يدعي أنه وصل إلى الكمال في عمله والله الموفق ونعم المولى ونعم الوكيل. ثم إني لم أشر إلى الأخطاء الإملائية أو التصحيف أو التحريف في الأصل وإنما صححت ما هو خطأ حتى لا أثقل الكتاب بالهوامش، وجعلت زيادات النسخ بين معكوفين [] هكذا. حمدي بن عبد المجيد بن إسماعيل السلفي مصيف سرسنك ١٦/ ٩/ ١٩٩٧

стр. 9

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ رب يسر بفضلك الحمد لله الواحد الأحد، المحمود الصمد الذي لا يفنيه تكرارُ دَور الأحوال، ولا أنواعُ التغيير والانتقال، وهو خالق الخلائق ومنشئهم، ورازق العباد ومغنيهم، قد كون الأشياء من غير امتثال بأصل، وذرأ البشر من غير ارتسام بنسل، ثم شرح منهم صدور أوليائه، حتى انقادت أنفسهم لعبادته، وطبع على قلوب أعدائه حتى ازوارت عن الاكتساب لطاعته (١)، ثم اصطفى منهم طائفة أصفياء، وجعلهم بررةً أتقياء، فأفرغ عليهم أنواع نعمه، وهداهم لصفوة طاعته، فهم القائمون بإظهار دينه، [و] المتمسكون بسنن نبيه ﷺ ، فله الحمد على ما قَدَّر وقضى، ودَبَّرَ وأمضى، حمدًا لا يبلغ الذاكرون له أحدًا، ولا يحصي المحصون له عددًا، وأشهد أن لا إله إلا الله الذي هو شاهد كل نجوى، ومنتهى كل شكوى، ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَال ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ﴾ وأشهد أن محمدًا عبده المصطفى ورسوله المرتضى، بعثه إليه داعيًا، وإلى جنابه هاديًا، فصلى الله [وسلم] عليه وعلى آله الطيبين الأخيار. أما بعد فإن أحسنَ ما يَدَّخر المَرْءُ من الخير في العقبى، وأفضل ما يكتسب به الذخر في الدنيا حفظ ما يعرف به الصحيح من الآثار، ويميز

стр. 10

بينة وبين الموضوع من الأخبار، إذ لا يَتَهَيَّأُ معرفة السقيم من الصحيح، ولا استخراج الدليل من الصريح، إلا بمعرفة ضعفاء المحدثين والثقات، وكيفية ما كانوا عليه في الحالات، فأما الأئمة المرضيون، والثقات المحدثون، فقد ذكرناهم بأسمائهم، وما نعرف، من أنبائهم، وإني ذاكر ضعفاء المحدثين، وأضداد العدول من الماضيين، مِمَّن أطلق أئمتنا عليهم القدح، وصح عندنا فيهم الجرح، وأذكر السبب الذي من أجله جُرِحَ، والعلة التي بها قدِح، ليرفض سلوك الاعوجاج، بالقول بأخبارهم عند الاحتجاج، وأقصد في ذلك ترك الإمعان والتطويل، وألزم الإشارة إلى نفس التحصيل، وبالله أستعين على السداد في المقال، وبه نتعوذ من الحيرة والضلال، إنه منتهى رجاء المؤمنين، وولي جزاء المحسنين. ذكر الحث على حفظ السنن ونشرها حدثنا محمد بن محمود بن عدي النسائي، قال: حدثنا حميد بن زنجويه، قال: حدثنا يعلى بن عبيد، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: قام رسول الله ﷺ بالخيف من منى، فقال: "نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالتي فَوَعَاهَا، ثمَّ أَدَّاهَا إِلَى مَنْ لَم يسْمَعْهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَا فِقْهَ لَه، وَرُبَّ حَامِلِ فِقهٍ إِلَى مَن هُوَ أَفقَهُ مِنْهُ، ثَلَاث لَا يُغَلُّ عَلَيْهنَّ قَلْبُ الْمؤمِنِ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ، وَالنَّصيحَةُ لِأُولِي الأَمرِ، وَلزوُمُ الجَمَاعَةِ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُم تَكونُ مِن وَرَائِهِمْ" (١).

стр. 11

قال أبو حاتم: الواجب على كل من رُكِّبَ فيه آلة العلم أن يراعي أوقاته على حفظ السنن، رجاء اللحوق بمن دعا لهم النبي ﷺ ، إِذِ اللَّهُ جل وعلا أمر عباده باتباع سنته، وعند التنازع الرجوعَ إلى ملته، حيث قال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ثم نفى الإيمان عمن لم يُحَكِّمْهُ فيما شجر بينهم فقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ ولم يقل حتى يُحكِّموا فلانًا وفلَانًا فيما شجر بينهم، ولا قال حرجًا مما قضى فلان وفلان، فالحَكَمُ بين الله وبين خلقه رسول الله ﷺ فقط، فلا يجب لمن أشعر الإيمان قلبه أن يقصر في حفظ السنن بما قدر عليه، حتى يكون رجوعه عد التنازع إلى قول من ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ ﷺ فجعلنا الله منهم بمنه. ذكر التغليظ في الكذب على رسول الله ﷺ - حدثنا عبد الله بن محمد بن سلم ببيت المقدس، قال: حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا الأوزاعي، قال: حدثني حسان بن عطية، عن أبي كبشة السلولي، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : "بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بني إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ، وَمَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتبَوَّأ مَقعَدَهُ مِنَ النَّارِ" (١). قال أبو حاتم ﵁: في أمر النبي ﷺ أمته بالتبليغ عنه مَنْ بعدهم مع ذكره إيجاب النار للكاذب عليه دليلٌ على أنه إنما أمر بالتبليغ عنه ما قاله النبي ﷺ أو ما كان من سنته فعلًا أو سكتًا [سكوتًا] عند المشاهدة،

стр. 12

لا أنه يدخل في قوله ﷺ : "نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً" المحدثون بأسرهم، بل لا يدخل في ظاهر هذا الخطاب، إلا من أدّى صحيح حديث رسول الله ﷺ دون سقيمه، وإني خائف على من روى ما سمع من الصحيح والسقيم أن يدخل في جملة الكذبة على رسول الله ﷺ إذأ كان عالمًا بما يروي، وتعيين [تمييز] العدول من المحدثين والضعفاء والمتروكين بحكم المبين عن الله ﵎. ذكر الخبر الدال على صحة ما ذهبنا إليه حدثنا عمران بن موسى بن مجاشع، قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن حَدَّثَ عَنِّي حدِيثًا وَهُوَ يُرَى أنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحدُ الكاذبَيْنِ" (١). ذكر خبر ثان يصرح بصحة ما ذكرناه حدثنا عبد الله بن محمد المديني، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، قال: حدثنا النضر بن شميل، قال. حدثنا شعبه، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: سمعت ميمون بن أبي شبيب، يحدث عن المغيرة بن شعبة، أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ رَوَى عَنِّي حَدِيثًا وَهُوَ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبَيْنِ" (٢). قال أبو حاتم: في هذا الخبر دليل على صحة ما ذكرنا أن المحدث إذا روى ما لم يصح عن النبي ﷺ مما تُقُوِّلَ عليه، وهو يعلم ذلك يكون كأحد الكاذبين، على أن ظاهر الخبر ما هو أشد، وذاك أنه قال ﷺ : "مَنْ

стр. 13

رَوَى عَنِّي حَدِيثًا وَهُوَ يُرَى أَنَّه كَذِبٌ" ولم يقل إنه يتيقن أنه كذب. فكل شاك فيما يروي أنه صحيح أو غير صحيح داخل في ظاهر خطاب هذا الخبر، ولو لم يتعلم التاريخ وأسماء الثقات والضعفاء ومن يجوز الاحتجاج بأخبارهم ممن لا يجوز إلا لهذا الخبر الواحد، لكان الواجب على كل من ينتحل السنن أن لا يقصر في حفظ التاريخ، حتى لا يدخل في جملة الكذبة على رسول الله ﷺ . وأقل ما يثبت به خبر الخاصة حتى تقوم به الحجة على أهل العلم هو خبر الواحد الثقة في دينه المعروف بالصدق في حديثه، العاقل بما يحدث به، العالم بما يحيل معاني الحديث من اللفظ المنسري على التدليس في سماع ما يروى عن الواحد مثله في الأحوال التي وصفتها حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله ﷺ سماعًا متصلًا. ذكر خبر ثالث يدل على صحة ما ذهبنا إليه حدثنا أحمد بن يحيى بن زهير بتستر، قال: حدثنا محمد بن الحسن بن إشكاب، قال: حدثنا علي بن حفص المدائني، قال: حدثنا شعبة، عن حبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "كَفَى بِالْمَرْءِ إِثمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكلِّ مَا سَمِعَ" (١). قال أبو حاتم: في هذا الخبر زجر للمرء أن يحدث بكل ما يسمع حتى يعلم على اليقين صحته، ثم يحدث به دون ما لا يصح على حسب ما ذكرناه قبل.

стр. 14

ذكر الخبر الدال على استحباب معرفة الضعفاء حدثنا أحمد بن مكرم بن خالد البِرْتي ببغداد، قال: حدثنا علي بن المديني، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا ثور بن يزيد، قال: حدثني خالد بن معدان، قال: حدثني عبد الرحمن بن عمرو السلمي، وحجم بن حجم الكلاعي، قالا: أتينا العرباض بن سارية -وهو ممن نزل فيه ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ - فسلمنا وقلنا: أَتيناك زائرين ومقتبسين، فقال العرباض: صلى بنا رسول الله ﷺ الصبح ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله ﷺ كان هذه موعظةُ مودع، فماذا تعهد إلينا؟ قال: "أُوصِيكُم بتقوىَ اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وإنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا مُجَدَّعًا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنكُمْ فسيرى اختلافًا كثيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاء الرَّاشِدينَ المَهْدِيينَ، فتمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وإيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأَمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَة، وكل بِدْعَةٍ ضَلَالةٌ" (١). قال أبو حاتم: في قوله ﷺ : "فَإنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنكُم فَسَيَرَى اختِلَافًا، فَعَلَيكُم بِسُنَّتِي" دليل صحيح على أنه ﷺ أمر أمته بمعرفة الضعفاء منهم من الثقات، لأنه لا يتهيأ لزوم السنة مع ما خالطها من الكذب والأباطيل إلا بمعرفة الضعفاء من الثقات.

стр. 15

وقد علم النبي ﷺ ما يكون من ذلك في أمته، إذ قال: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقعَدَهُ مِنَ النَّارِ". نعوذ بالله من حالة تقربنا إلى سخطه وأليم عقابه. ذكر خبر فيه كالأمر بالجرح للضعفاء حدثنا الحسن بن سفيان النسائي، قال: حدثنا عبد الأعلى بن حماد النرسي، قال: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، قال: مر عمر بن الخطاب بحسان بن ثابت وهو ينشد الشعر في المسجد، فلحظ إليه، فقال حسان: قد كنت أنشد فيه مع من هو خير منكم، ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك الله هل سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يَا حَسَّانُ أَجِبْ عَنِّي، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِروُحِ الْقدُسِ "؟ قال: نعم (١). قال أبو حاتم: في هذا الخبرِ كالدليل على الأمر بجرح الضعفاء، لأن النبي ﷺ قال لحسان: "أَجِبْ عَنِّي" فإنما أمره أن يذب عنه ما كان يتقول عليه المشركون، فإذا كان في تقول المشركين على رسول الله ﷺ يَأمُرُ (٢) أن يذب عنه وإن لم يضر كذبهم المسلمين، ولا أحلوا به الحرام، ولا حرموا به الحلال، كان من كذب على رسول الله ﷺ من المسلمين الذين يحل الحرام ويحرم الحلال بروايتهم أحرى أن يأمر بذب ذلك الكذب عنه ﷺ . وأرجو أن الله تارك وتعالى يؤيد من فعل ذلك بروح القدس كما دعا لحسان بذب الكذب عنه، وقال: "اللَّهُمَّ أَيِّدُهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ" ولم يكن هذا العلم في زمان قط تعلمه أوجب منه في زماننا هذا لذهاب من كان يحسن هذا الشأْن، وقلة اشتغال طلبة العلم به، لأنهم اشتغلوا في العلم في زماننا هذا، وصاروا حيزين [حزبين]، فمنهم طلبة الأخبار الذين يرحلون فيها إلى الأمصار، وأكثر همهم الكتابة والجمع دون الحفظ والعمل به، وتعبير [تمييز] الصحيح من السقيم حتى سماهم العوام "الحشوية" والحيز [الحزب]

стр. 16

الآخر المتفقهة الذين جعلوا جل اشتغالهم الآراء والجدل، وأغضوا عن حفظ السنن ومعانيها وكيفية قبولها، وتعبير [تمييز] الصحيح من السقيم منها، مع نبذهم السنن قاطبة وراء ظهورهم. وقد أخبر المصطفى ﷺ أن العلم ينقص في آخر الزمان، وأرى العلوم كلها يزداد إلا هذه الصناعة الواحدة، فإنها كل يوم في النقص، فكأن العلم الذي خاطب النبي ﷺ أمته بنقصه في آخر الزمان هو معرفة السنن، ولا سبيل إلى معرفتها إلا بمعرفة الضعفاء والمتروكين. ذكر السنة في ذلك حدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث، قال: حدثنا أحمد بن صالح، قال: حدثنا عنبسة، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني حميد بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "يتقَارَبُ الزَّمَانُ، وَيَنقُصُ الْعلمُ، وَتَظْهَرُ الْفِتَن، وَيَكثُرُ الْهَرَجُ" قيل. يا رسود الله أيم هو؟ قال: "الْقَتْلُ الْقَتلُ" (١). قال أبو حاتم: في هذا الخبر كالدليل على أن ما لم ينقص من العلم ليس بعلم الدين في الحقيقة، إذ أخبر المصطفى ﷺ أن العلم ينقص عند تقارب الزمان. وفيه دليل على أن ضد العلم يزيد، وكل شيء زاد مما لم يكن مرجعه إلى الكتاب والسنة، فهو ضد العلم، ولست أعلم العلوم كلها إلا في الزيادة إلا هذا الجنس الواحد من العلم، وهو الذي لا يكون للإسلام قوام إلا به، إذ الله أمر الناس باتباع رسوله، وعند التنازع الرجوع إلى ملته عند الحوادث، حيث قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ثم نفى الإيمان عمن لم يحكِّم رسوله فيما شجر بينهم فقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي

стр. 17

أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ فمن لم يحفظ سنن النبي ﷺ ولم يحسن تمييز صحيحها من سقيمها. ولا عرف الثقات من المحدثين ولا الضعفاء من المتروكين، ومن يجب قبول انفراد خبره ممن لا يجب قبول زيادة الألفاظ في روايته، ولم يحسن معاني الأخبار، والجمع بين تضادها في الظواهر، ولا عرف المفسر من المجمل، ولا المختص من المتقضى [المفصل]، ولا الناسخ من المنسوخ، ولا اللفظ الخاص الذي يراد به العام، ولا اللفظ العام الذي يراد به الخاص، ولا الأمر الذي هو فريضة وإيجاب، ولا الأمر الذي هو فضيلة وإرشاد، ولا النهي الذي هو حتم لا يجوز ارتكابه من النهي الذي هو ندب مباح استعماله مع سائر فصول السنن وأنواع أسباب الأخبار على حسب ما ذكرناها في كتاب فصول السنن. كيف يستحل أن يفتي؟ أم كيف يسوغ لنفسه تحريم الحلال وتحليل الحرام تقليدًا منه لمن يخطئ ويصيب؟ راففًا قول من ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) ﷺ . وقد أخبر المصطفى ﷺ كيفية نقص العلم الذي ذكر في خبر أبي هريرة، وأن ذلك ليس برفع العلم نفسه، بل هو موت العلماء الذين يحسنون ذلك. ذكر السنة المصرحة بذلك حدثنا أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى، قال: حدثنا عمر القواريري، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا هشام بن عروة قال: حدثني أبي، قال: سمعت عبد الله بن عمرو من فيه إلى فِيَّ، يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ اللَّهَ ﵎ لَا يَقْبِضُ يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقبِضُ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا، [فـ] سُئِلُوا فَأَفتُوْا بِغَيرِ عِلمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا" (١).

стр. 18

قال أبو حاتم: في هذا الخبر دليل على أن رفع العلم الذي ذكرنا قبل ونقصه عند تقارب الزمان لا يكون برفع يرفع من الأرض، ولكنه بموت العلماء الذين يحسنون علم السنن على حسب ما ذكرنا فصولها حتى لا يبقى منهم إلا الواحد بعد الواحد، ثم يتخذ عند ذلك الناس رؤساء لا يحسنون ذلك، فيفتون بغير علم فيضلون ويضلون، نعوذ بالله من حالة تقربنا إلى سخطه وأليم عقابه. وإنما نوينا في بث ما خرجنا من هذه الكتب التي لم يمعن أئمتنا الكلام فيها، ولا فرعوا الفروع عليه اعتمادًا منا على اكتساب الذخر في الآجل، لأنه من خير ما يخلف المرء بعده بحكم النبي ﷺ . ذكر خبر ثان يدل على استحباب معرفة الضعفاء من المحدثين حدثنا أحمد بن علي بن المثنى، قال: حدثنا آبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الوهاب [الثقفي]، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن ابن أبي بكرة، عن أبي بكرة، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ استَدَارَ كَهَيْأَتِهِ يَومَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ، مِنهَا أَرْبَعَة حُرُم، ثَلَاثَة مُتَوَالِيَات، ذُو القَعْدَةِ وَذُو الحِجَّةِ وَالمُحَرَّمُ وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعبَانَ- ثم قال: - "أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: " [أ] لَيْسَ ذُو [ذَا]، الْحِجَّةِ؟ " قلنا: بلى، قال: "أَيُّ بَلدٍ هَذَا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: "أَلَيس الْبَلْدَةَ الحَرَامَ؟ " قلنا: نعم، قال: "فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَموَالكمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُم حَرَام كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسأَلُكُم عَن أَعمَالِكُمْ، فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلَّالًا يَضرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعضٍ، ألَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعضَ مَنْ يَبْلُغُهُ يَكُونُ أَوْعَى لَهُ مِن بَعْضِ مَنْ يَسْمَعُهُ، أَلَا هَل بَلَّغْتُ؟ أَلَا هَلْ بَلَّغتُ؟ " (١). قال أبو حاتم: في قوله: "أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنكُمُ الْغَائِبَ" دليل على

стр. 19

استحباب معرفة الضعفاء من المحدثين، إذ لا يتهيأ للشاهد أن يبلغ الغائب ما شهد إلا بعد المعرفة بصحة ما يؤدي إلى من بعده، وإنه متى ما أدى إلى من بعده ما لم يصح عن رسول الله ﷺ ، فكأنه لم يؤد عنه شيئًا، وأن من لم يعتبر [يميز]، الثقات من الضعفاء ولم يحط علمه بأسبابهم [بأنسابهم] لا يتهيأ له تخليص الصحيح من بين السقيم، فإذا وقف على أسمائهم وأنسابهم والأسباب التي أدت إلى نفي الاحتجاج بهم تنكب حديثهم، ولزم السنن الصحيحة، فيرويها حينئذ، حتى يكون داخلًا في جملة من أمر النبي ﷺ بأن يبلغ الشاهد منهم الغائب، جعلنا الله من المتبعين لسنته والذابين الكذب عن نبيه ﷺ ، إنه رؤوف رحيم. ذكر خبر توهم الرعاع من الناس ضد ما ذهبنا إليه حدثنا الفضل بن الحباب بالبصرة، قال: حدثنا القعنبي، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنه قيل لرسول الله ﷺ : ما الغيبة؟ قال: "ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ" قيل: أفرأيت إن كان فيه ما نقول؟ قال: "إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُن فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ" (١). قال أبو حاتم: احتج بهذا الخبر جماعة ممن ليس الحديث صناعتهم، وزعموا أن قول أئمتنا: فلان ليس بشيء، وفلان ضعيف، وما يشبه هذا من المقال غيبة إن كان فيهم ما قيل، وإلا فهو بهتان عظيم. ولو تملق قائل هذا إلى باريه في الخلوة، وسأله التوفيق لإصابة الحق لكان أولى به من الخوض فيه، إذ ليس من صناعته، لأن هذا لس بالغيبة المنهي عنها، وذاك [ذلك] أن المسلمين قاطبة لس بينهم خلاف أن الخبر لا يجب أن يُسْمَعَ عند الاحتجاج إلا من الصدوق العاقل، فكان من [في] إجماعهم هذا دليل على إباحة جرح من لم يكن بصدوق في الرواية، على

стр. 20

أن السنة تصرح عن المصطفى بضد ما انتحل مخالفونا فيه. ذكر الخبر الدال على صحة ما ذهبنا إليه حدثنا الحسن بن سفيان الشيباني, قال: حدثنا محمد بن المنهال الضرير، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: أخبرنا روح بن القاسم، عن محمد بن المنكدر، عن عروة، عن عائشة، قالت: أقبل رجل، فلما رآه النبي ﷺ فقال: "بِئسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ -أو قال- ابنُ الْعَشِيرَةِ" فلما جاء النبي ﷺ كلمه وانبسط إليه، فلما وَلَّى، قالت عائشة: يا رسول الله لما رأيته قلت ما قلت، فلما جاء كلمته وأنبسطت إليه؟ فقال: "يَا عَائِشَةُ إنَّ شَرَّ أُمَّتِي عِنْدَ اللَّه مَنِزلَة يَومَ القِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ" (١). قال أبو حاتم: وفي هذا الخبر دليل على أن إخبار الرجل ما في الرجل علي جنس الديانة [الإبانة] ليس بغيبة، إذ النبي ﷺ قال: "بِئسَ أخُو الْعَشِيرَةِ أَو ابْنُ الْعَشِيرَةِ" ولو كان هذا غيبة لم يطلقها رسول الله ﷺ ، وإنما أراد بقوله هذا أن تعتد ترك الفحش لأنه أراد ثلبه، وأنما الغيبة ما يريد القائل به القدح في المقول فيه. وأئمتنا رحمة الله عليهم فإنهم إنما بينوا هذه الأشياء وأطلقوا الجرح في غير العدول لئلا يحتج بأخبارهم، لا أنهم أرادوا ثلبهم والوقيعة فيهم، والإخبار عن الشيء لا يكون غيبة إذا أراد القائل غير الثلب. حدثنا عمر بن محمد بن بجير بن راشد، قال: حدثنا عمرو بن علي، قال: حدثنا عفان، قال: كنت عند إسماعيل بن علية، فحدث وجل عن

стр. 21

رجل بحديث، فقلت: لا تحدث عن هذا، فإنه ليس بثبت، فقال: قد اغتبته، فقال إسماعيل: ما اغتابه، ولكنه حكم أنه ليس بثبت (١). حدثنا محمد بن زياد الزبادي، قال: حدثنا أحمد بن علي، قال: حدثنا مكي بن إبراهيم، قال: كان شعبة يأتي عمران بن حُدير، فيقول: تعال حتى نغتاب ساعة في الله ، نذكر مساوئ أصحاب الحديث (٢). حدثنا لقمان بن علي [السرخسي]، قال: حدثنا عبد الصمد بن الفضل، قال: حدثنا مكي [بن إبراهيم]، قال: كان شعبة يجيء إلى عمران بن حُدَيْر، فيقول: قم بنا حتى نغتاب في الله ﵎. قال أبو حاتم: أجمع الجميع على أن الشاهدين لو شهدا عند الحاكم على شيء من حطام هذه الدنيا لم يعرفها الحاكم بعدالة أن عليه أن يسأل المعدل عنهما، فإن كتم المعدل عيبًا أو جرحًا علم فيهما أثم، بل عليه الواجب أن يخبر الحاكم بما يعلم منهما من الجرح أو التعديل حتى يحكم الحاكم بما يصح عنده، فإذا كان ذلك جائزًا لأجل التافه من حطام هذه الدنيا الفانية، كان ذلك عند ذب الكذب عن رسول الله ﷺ أولى وأحرى، فإن الشاهد إذا كذب في شهادته لا يعدوه كذبه، والكاذب على رسول الله ﷺ يحل الحرام ويحرم الحلال ويتبوأ مقعده من النار. وكيف لا يجوز القدح فيمن تبوأ مقعده من النار بفعل فعله ؟ ولقد حدثنا عمر بن محمد الهمداني، قال: حدثنا عمرو بن علي، قال: سمعت يحيى بن سعيد، يقول: سألت سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج ومالك بن أنس وسفيان بن عيينة عن الرجل يكون واهي الحديث،

стр. 22

يأتيني الرجل فيسألني عنه، فأجمعوا أن أقول: ليس هو بثبت، وأن أبين أمره (١). حدثني محمد بن المنذر بن سعيد، قال: حدثنا أبو زرعة، قال: سمعت أبا مسهر يسأل عن الرجل يغلط ويهم ويصحف، فقال: بَيِّنْ أمره، قلت لأبي مسهر: أترى ذلك من الغيبة؟ قال: لا (٢). حدثنا الحسن بن سفيان، قال: سمعت معاذ بن شعبة يقول: قال أبو داود: جاء عباد بن صهيب إلى شعبة، فقال: إن لي إليك حاجة فقال: ما هو؟ فقال: تكف عن أبان بن أبي عياش، فقال: أنظرني ثلاثًا، فجاءه بعد الثالثة فقال: يا عباد نظرت فيما قلتَ فرأيت أنه لا يحل السكوت عنه (٣). حدثنا محمد بن عبد الرحمن [الفقه] قال: حدثنا الحسين بن الفرج، عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، قال: جاءني أبان بن أبي عياش، فقال: أحب أن تكلم شعبة أن يكف عني، قال: فكلمته فكف عنه أيامًا، فأتاني في بعض الليل، فقال: إنك سألتني أن أكف عن أبان، وإنه لا يحل الكف عنه، فإنه يكذب على رسول الله ﷺ (٤). حدثنا محمد بن عبد الله الهجري بالأبلة، قال: حدثنا عبد الله بن جنيق، قال: قال سفيان الثوري: من هم أن يكذب في الحديث سقط حديثه. حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي، قال: حدثنا أبو قدامة، قال: سمعت ابن مهدي يقول: مررت مع سفيان الثوري برجل، فقال: كذاب، والله لولا أنه لا يحل لي أن أسكت لسكت.

стр. 23

حدثني محمد بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن سليمان، عن أبي الحارث الزبيري [الزبيدي]، قال: سمعت الثوري يقول: ما سترت على أحد يكذب في حديثه (١). قال أبو حاتم: فهؤلاء أئمة المسلمين وأهل الورع في الدين أباحوا القدح في المحدثين وبينوا الضعفاء والمتروكين، وأخبروا أن السكوت عنه ليس مما يحل، وأن إبداءه أفضل من الإغضاء عنه، وقد تقدمهم فيه أئمة قبلهم ذكروا بعضهم، وحثوا على أخذ العلم من أهله. حدثنا الحسين بن إسحاق الأصبهاني بالكرج، قال: حدثنا حميد بن الربيع الخزاز، قال: حدثنا محمد بن زياد، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس، قال: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم (٢). حدثنا الحسن بن سفيان، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، قال: حدثنا مهدي بن ميمون، عن ابن سيرين, قال: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون (٣). حدثنا محمد بن سعيد القزاز، قال: حدثنا الحسن بن عبد الرحمن المصري، قال: حدثنا ابن بكير، قال: حدثنا مالك، عن زيد بن أسلم، قال: إن هذا العلم دين، فانظروا ممن تأخذون دينكم. حدثنا الحسين بن إسحاق الأصبهاني، قال: حدثنا عقيل بن يحيى الطهراني، قال: حدثنا أصرم بن حوشب، عن الواقع بن سويد، عن أبي هريرة، قال: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم.

стр. 24

حدثنا محمد بن عبدان بن هارون الأزرق بواسط، قال: حدثنا محمد بن عبد الملك الدقيقي، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل السكري، الكوفي، قال: حدثنا حماد بن زيد، قال: دخلنا على أنس بن سيرين في مرضه، فقال: اتقوا الله يا معشر الشباب، وانظروا ممن تأخذون هذه الأحاديث، فإنها دينكم. حدثنا الضحاك بن هارون بجنديسابور، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن زيد المذاري. قال: حدثنا الأنصاري، عن الأشعث، عن الحسن، قال: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذونه. حدثنا الحسن بن محمد بن مصعب، قال: حدثنا سليمان بن معبد، عن يونس بن محمد، قال: قال أبو المهلب المغيرة بن محمد، قال: حدثنا الضحاك بن مزاحم، قال: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذونه (١). حدثنا محمد بن عبد الله بن المهدي بإسفرايين، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله الحداد، قال: حدثنا داود بن سليمان القصار، قال: حدثنا سويد بن عبد العزيز، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذونه. حدثنا محمد بن المنذر، قال: حدثنا ربيعة بن الحارث قاضي حمص، قال: حدثنا محمد بن زياد الحمصي، قال: حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: إن هذه الأحاديث دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم. قال مغيرة: كنا إذا أتينا الرجل لنأخذ عنه نظرنا إلى سمته وإلى صلاته، ثم أخذنا عنه. حدثنا عبد الملك بن محمد، قال: حدثنا أحمد بن علي الأبار، قال: حدثنا أبو غسان زنيج الرازي، قال: قال بهز: دين الله أحق من طُلِبَ له العدول.

стр. 25

سمعت إبراهيم بن نصر العنبري، يقول: سمعت علي بن خشرم، يقول: سمعت ابن إدريس يقول: لا يسمع الحديث ممن يشرب المسكر لا ولا كرامة. حدثنا ابن قتيبة بعسقلان، قال: حدثنا محمد بن المتوكل بن أبي السري، قال: حدثنا يحيى بن سليم، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر، قال: قال ابن سيرين: إن الرجل ليحدثني بالحديث فما أتهمه، ولكن أتهم من حدثه، وإن الرجل ليحدثني بالحديث فما أتهم من حدثه، ولكن أتهمه هو. حدثنا أبو المعافي أحمد بن محمد بن إبراهيم الأنصاري بِخُبَيل، قال: حدثنا يوسف بن بحر الجبلي، قال: سمعت سَلْم بن ميمون الخواص، يقول: كنت آتي الرجل أريد أن أسمع منه، فأسأل: من أين خبره؟ فإن كان خبره من جهته سمعت منه، وإلا لم أسمع منه. سمعت إبراهيم بن نصر العنبري، قال: سمعت محمد بن بحير الهمداني، يقول: سمعت إبراهيم بن الأشعث يقول: سمعت أبا أسامة، يقول: قد يكون الرجل كثير الصلاة، كثير الصوم، ورعًا، جائز الشهادة في الحديث لا يسوى ذِه، ورفع شيئًا ورمي به. قال إبراهيم بن الأشعث: إذا وجدتم رجلًا معروفًا بشدة الطلب ومجالسة الرجال فاكتبوا عنه. سمعت يعقوب بن يوسف بن عاصم ببخارى، يقول: سمعت أبا قلابة الرقاشي، يقول: سمعت أبا صفوان القديدي، يقول: قال شعبة بن الحجاج: الأشراف لا يكذبون. حدثنا عبد الملك بن محمد، قال: حدثنا أحمد بن علي الأبار، قال: حدثنا الوليد بن شجاع، قال: حدثنا الأشجعي، قال: سمعت سفيان يقول: لو هَمَّ الرجل أن يكذب في الحديث وهو في جوف بيت لأظهر الله عليه. قال أبو حاتم: ما كلف الله عباده أخذ الدين عمن ليس بثقة، ولا أمرهم بالانقياد للحجاج بمن ليس بعدل مرضي.

стр. 26

وقد روي عن النبي ﷺ في نفي جواز أخذ العلم عمن لا يجوز شهادته خبر غير محفوظ. حدثنا به الحسن بن سفيان، قال: حدثنا محمد بن بكار بن الريان، قال: حدثنا حفص بن عمر قاضي حلب، عن صالح بن حسان، عن محمد بن كعب، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا تَأخُذُوا العِلْمَ إِلا مِمن تُجِيزُونَ شَهَادَتَهُ" (١). قال أبو حاتم: هذا خبر باطل رفعه، وإنما هو قول ابن عباس، فرفعه حفص بن عمر هذا، ولسنا بخير أن نحتج بخبر لا يصح من جهة النقل في شيء من كتبنا، ولأن فيما يصح من الأخبار بحمد الله ومنه كاف يغني عنا عن الاحتجاج في الدين بما لا يصح منها، ولو لم يكن الإسناد وطلب هذه الطائفة له لظهر في هذه الأمة من تبديل الدين ما ظهر في سائر الأمم، وذاك أنه لم تكن أمة لنبي قط حفظت عليه الدين عن التبديل ما حفظت هذه الأمة، حتى لا يتهيأ أن يزداد في سنة من سنن رسول الله ﷺ ألف ولا واو، كما لا يتهيأ زيادة مثله في القرآن، لحفظ هذه الطائفة السنن على المسلمين وكثرة عنايتهم بأمر الدين، ولولاهم لقال من شاء ما شاء. حدثنا محمد بن عبد الرحمن، قال: حدثنا الحسين بن الفرج، قال: حدثنا عبدان بن عثمان، قال: سمعت ابن المبارك يقول: الإسناد من الدين، لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، فإذا قيل: عمن بَقِيَ (٢). حدثني محمد بن المنذر، قال: حدثنا أبو الحسين الأصبهاني، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: سمعت أبا سعيد الحداد، يقول: الحديث درج، والرأي مرج، فإذا كنت في المرج فاذهب كيف شئت، وإذا كنت في درج فانظر أن لا تزلق فيندق عنقك. حدثنا محمد بن سعيد القزاز، قال: حدثنا أبو رفاعة العدوي، قال:

стр. 27

حدثنا يوسف بن سلمان، قال: حدثنا سفيان، قال: قال الزهري لأبي بكر الهذلي: إني أراك يعجبك الحديث، فقال: أجل، قال: أما إنه لا يعجب إلا ذكور الرجال. حدثنا محمد بن أحمد بن أبي عون، قال: حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي، قال: حدثنا عمرو بن عاصم، قال: حدثنا بكر بن سلام، عن أبي بكر الهذلي، قال: قال لي الزهري: يا هذلي أيعجبك الحديث؟ قال: قلت: نعم، قال: أما إنه يعجبه ذكور الرجال، ويكرهه مؤنثوهم. حدثنا محمد بن المسيب بن إسحاق، قال: حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي، قال: حدثنا ابن إدريس، قال: ربما حدث الأعمش بالحديث ثم يقول: بقي رأس المال حدثني فلان، قال: حدثنا فلان عن فلان. حدثنا محمد بن عبد الرحمن، قال: حدثنا الحسين بن الفرج، عن عبد الصمد بن حسان، قال: سمعت الثوري يقول: الإسناد سلاح المؤمن، إذالم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل؟ حدثنا مكحول، قال: حدثنا النضر بن سلمة، قال: حدثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: سمعت شعبة يقول: كل حديث ليس فيه حدثنا وحدثنا فهو مثل الرجل بالفلاة معه البعير ليس له خطام. حدثنا الحسن بن سفيان، قال: سمعت صالح بن حاتم بن وردان، يقول: سمعت يزيد بن زريع، يقول: لكل شيء فرسان، ولهذا العلم فرسان. قال أبو حاتم: فرسان هذا العلم الذين حفظوا على المسلمين الدين، وهدوهم إلى الصراط المستقيم، الذين آثروا قطع الفاوز والقفار على التنعم في الدمن والأوطار في طلب السنن في الأمصار، وجمعها بالرحل والأسفار والدوران في جميع الأقطار، حتى إن أحدهم ليرحل في الحديث الواحد الفراسخ البعيدة وفي الكلمة الواحدة الأيام الكثيرة، لئلا يُدْخل فصل في السنن شيئًا يضل به، وإن فعل فهم الذابون عن رسول الله ﷺ ذلك الكذب, والقائمون نصرة الدين.

стр. 28

وإن من التفتيش والبحث عن هذا الشأن ما: حدثنا عبد الله بن قحطبة بِفَمِ الصلح، قال: حدثنا أحمد بن زكريا الواسطي، قال: سمعت أبا الحارث الوراق (١)، يقول: جلسنا على باب شعبة نتذاكر السند، فقلت: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عطاء، عن عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ ، قال: "مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ دَخَلَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شَاءَ" فخرج شعبة بن الحجاج وأنا أحدث بهذا الحديث فصفعني، ثم قال: يا مجنون سمعتُ أبا إسحاق يحدث، عن عبد الله بن عطاء، عن عقبة بن عامر، فقلتُ: يا أبا إسحاق سمعت عبد الله بن عطاء يحدث عن عقبة بن عامر؟ [قال: ] سمعت عبد الله بن عطاء، قلت: عبد الله سمع عقبة بن عامر, فقال: اسكت، فقلت: لا أسكت، فالتفت إليَّ مسعر بن كدام، فقال: يا شعبة عبد الله بن عطاء حي بمكة، فخرجت إلى مكة، فلقيت عبد الله بن عطاء، فقلت: حديثَ الوضوء، فقال: عقبة بن عامر، قلت: يرحمك الله سمعته منه؟ قال: لا، حدثني سعد بن إبراهيم، فمضيت فلقيت سعد بن إبراهيم، فقلت: حديثَ الوضوء، فقال: من عندكم خرج، حدثني زياد بن مخراق، فانحدرت إلى البصرة، فلقيت زياد بن مخراق وأنا شحب اللون وسخ الثياب كثير الشعر، فقال: من أين؟ فحدثته الحديث، فقال: ليس هو من حاجتك، قلت: فما بد، قال: حتى تذهب تدخل الحمام وتغسل ثيابك، ثم تجيء فأحدثك به، قال: فدخلت الحمام وغسلت ثيابي، ثم أتيت فقال: حدثني شهر بن حوشب، قلت: شهر بن حوشب عمن؟ قال؟ عن أبي ريحانة، قلت: هذا حديث صعد، ثم نزل، دمروا عليه، ليس له أصل. حدثنا إسحاق بن أحمد القطان بتستر [بتنيس]، قال: حدثنا محمد بن سعيد بن غالب، قال: حدثنا نصر بن حماد، قال: كنا بباب شعبة ومعي جماعة وأنا أقول لهم: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عطاء، عن عقبة بن عامر في الوضوء عن النبي ﷺ قال: فلطمني شعبة

стр. 29

لطمة ودخل الدار ومعه عبد الله بن إدريس قال: ثم خرج بعد ذلك وأنا قاعد أبكي، فقال لعبد الله بن إدريس: بعد هو يبكي، فقال عبد الله: إنك لطمت الرجل، فقال: إنه لا يدري ما يحدث، إني سمعت أبا إسحاق يحدث بهذا الحديث عن عبد الله بن عطاء، فقال لأبي إسحاق: من عبد الله هذا؟ فغضب، فقال مسعر: إن عبد الله بن عطاء حي بمكة، قال: فخرجت من سنتي إلى الحج ما أريد إلا الحديث، فأتيت مكة فسألت عن عبد الله بن عطاء، فدخلت عليه، فإذا فتىً شاب، فقلت: أي شيء حدثني عنك أبو إسرائيل؟ فقال لي: نعم، قلت: لقيت عقبة؟ قال: لا، ولكن سعد بن إبراهيم حدثنيه، قال: فأتيت مالك بن أنس وهو حاج، فسألته عن سعد بن إبراهيم، فقال لي: ما حج العام، فلما قضيت نسكي مضيت إلى المدينة، فأتيت سعد بن إبراهيم، فسألته عن الحديث، فقال لي: هذا الحديث من عندكم خرج، فقلت له: كيف؟ قال: حدثني زياد بن مخراق، قلت: دَمِّر على هذا الحديث، مرة كوفي، ومرة مكي، ومرة مدني، قال: فقدمت البصرة، فأتيت زياد بن مخراق، فسألته عن الحديث، فقال: لا تُرِده، فقلت: ولِمَ؟ قال: لا ترده، فقلت: ليس منه بد، قال: حدثني شهر بن حوشب، قلت: دَمِّر على هذا الحديت، والله لو صح هذا الحديث كان أحب إلي من أهلي ومالي. حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن محمد، قال: حدثنا قطن بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن جعفر المدائني، قال: حدثنا ورقاء بن عمر، قال: قلت لشعبة: ما لك تركت حديث فلان؟ قال: رأيته يُركض دابة فتركت حديثه. قال أبو حاتم: فهذا كان دأب شعبة في تفتيش الأخبار والبحث عن سقيم الآثار، ولم يكن يعد السماع من الشيخ إلا بعد أن يسمعه مرارًا، وكذلك كان زائدة بن قدامة إذا سمع الحديث مرة لم يُجز عليه، فإذا سمعه أخرى لم يُجزه، فإذا سمعه ثالثة أجاز عليه، وقال: قد صح. حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي، قال: سمعت أبا قدامة يقول: قال

стр. 30

أبو الوليد: سألت شعبة عن حديث، فقال: والله لا حدثتك به، لم أسمعه إلا مرة. أخبرنا عبد الملك بن محمد، قال: حدثنا أبو زرعة الرازي، قال: حدثنا مقاتل بن محمد، قال: سمعت وكيعًا يقول: إني لأرجو أن يرفع الله لشعبة درجات في الجنة بِذَبِّه عن رسول الله ﷺ . حدثني محمد بن سعيد القزاز، قال: حدثنا الأخفش، قال: حدثني بعض البصريين، قال: رأيت أبا سعيد الحداد يكتب أصناف حماد بن سلمة عن هذا، ثم يجيء فيعرضها على شيخ آخر، فقلت له في ذلك، فقال: اسكت أُخرِجُ جِزعًا أُدخِلُ ساجةً. سمعت أحمد بن إسحاق السني الدينوري يقول: رأى أحمد بن حنبل رحمة الله عليه يحيى بن معين في زاوية بصنعاء وهو يكتب صحيفة معمر، عن أبان، عن أنس، فإذا طلع عليه إنسان كتمه، فقال أحمد بن حنبل ﵀ له: تكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس، وتعلم أنها موضوعة؟ فلو قال لك القائل؟ أنت تتكلم في أبان ثم تكتب حديثه على الوجه؟ قال: رحمك الله يا أبا عبد الله، أكتب هذه الصحيفة عن عبد الرزاق عن معمر، عن أبان، عن أنس، وأحفظها كلها، وأعلم أنها موضوعة، حتى لا يجيء بعدنا إنسان فيجعل بدل أبان ثابتًا، ويرويها عن معمر عن ثابت عن أنس، فأقول له: كذبتَ، إنما هي أبان لا ثابت. سمعت محمد بن إبراهيم بن أبي شيخ الملطي، يقول: جاء يحيى بن معين إلى عفان ليسمع منه كتب حماد بن سلمة، فقال له: ما سمعتها من أحد؟ قال: نعم، حدثني سبعة عشر نفسًا عن حماد بن سلمة، فقال: والله لا حدثتك، فقال: إنما هو دِرْهَم، وأنحدر إلى البصرة، فأسمع من التبوذكي، فقال: شأنك، فانحدر إلى البصرة، وجاء إلى موسى بن إسماعيل، فقال له موسى: لم تسمع هذه الكتب عن أحد؟ قال: سمعتها على الوجه من سبعة عشر نفسًا وأنت الثامن، فقال: وما تصنع بهذا؟ فقال: إن حماد بن سلمة كان يخطىء، فأردت أن أميز خطأه من خطأ غيره، فإذا

стр. 31

رأيت أصحابه قد اجتمعوا على شيء علمت أن الخطأ من حماد نفسه، وإذا اتجمعوا على شيء عنه، وقال واحد منهم بخلافهم علمت أن الخطأ منه لا من حماد، فأميز بين ما أخطأ هو بنفسه وبين ما أخطىء عليه. حدثنا عبد الملك بن محمد، قال: حدثنا أحمد بن علي المحرمي، قال: حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي، عن نعيم بن حماد، قال: قلت لعبد الرحمن بن مهدي: كيف نعرف صحيح الحديث من خطئه؟ قال: كما يعرف الطيب المجنون. سمعت هارون بن عيسى بن السُّكَين ببلد، قال: سمعت أحمد بن منصور الرمادي، يقول: كنا عند أبي نعيم نسمع مع أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، قال: فجاءني يومًا يحيى ومعه ورقة قد كتب فيها أحاديث من أحاديث أبي نعيم وأدخل في خلالها ما ليس من حديثه، وقال: أعطه بحضرتنا حتى يقرأ، وكان أبو نعيم إذا قعد في تيك الأيام للحديث كان أحمد على يمينه ويحيى على يساره، فملما خف المجلس ناولته الورقة فنظر فيها كلها، ثم تأملني ونظر إليهما، ثم قال وأشار إلى أحمد: أما هذا فأدين من أن يفعل مثل هذا، وأما أنت فلا تفعلن، وليس هذا إلا من عمل هذا، ثم رفس يحيى رفسة رماه إلى أسفل السرير، وقال: علي تعمل؟ فقام إليه يحيى وقبله، وقال: جزاك الله عن الإسلام خيرًا، مثلك من يحدث، إنما أردت أن أُجَرِّبَكَ. أخبرنا عبد الملك بن محمد، قال: سمعت عباس بن محمد يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهًا ما عقلناه. قال أبو حاتم: فهذه عناية هذه الطائفة بحفظ السنن على المسلمين وذب الكذب عن رسول الله ﷺ ، ولولاهم لتغيرت الأحكام عن سننها حتى لم يكن يعرف أحد مخرج صحيحها من سقيمها، والملزق بالنبي ﷺ والموضوع عليه مما روى عنه الثقات والأئمة في الدين. فإن قال قائل: فكيف جرحت من بعد الصحابة وأبيت ذلك في

стр. 32

الصحابة؟ والسهو والخطأ موجودان في أصحاب رسول الله ﷺ كما وجد فيمن بعدهم من المحدثين. يقال له: إن الله ﵎ نزه أقدار أصحاب رسول الله ﷺ عن ثلب قادح، وصان أقدارهم عن وقيعة منتقص، وجعلهم كالنجوم يقتدى بهم، وقد قال ﵎: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ثم قال: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ فمن أخبر الله أنه لا يخزيه في القيامة، وقد شهد له باتباعه ملة إبراهيم حنيفًا لا يجوز أن يجرح بالكذب، لأنه يستحيل أن يقول الله ﵎: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ ثم يقول النبي ﷺ : "مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَليَتَبَوَّأْ مَقعَدَهُ مِنَ النَّارِ" فيطلق النبي ﷺ إيجاب النار لمن أخبر الله أنه لا يخزيه في القيامة، بل الخطاب في الخبر وقع على من بعد الصحابة، وأما من شهد التنزيلَ وصحب الرسولَ ﷺ فالثلب لهم غير حلال، والقدح فيهم ضد الإيمان، والتنقص لأحدهم نفس النفاق، لأنهم خير الناس قرنًا بعد رسول الله ﷺ بحكم من ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ ﷺ وأن من تولى رسول الله ﷺ إيداعهم ما ولاه الله بيانه للناس، لبالحري أن لا يجرح، لأن رسول الله ﷺ لم يودع أصحابه الرسالة وأمرهم أن يبلغ الشاهد الغائب إلا وهم عنده صادقون جائزوا الشهادة، ولو لم يكونوا كذلك لم يأمرهم بتبليغ من بعدهم ما شهدوا منه، لأنه لو كان كذلك لكان فيه قدحًا في الرسالة، وكفى بمن عَدَّلَهُ رسول الله ﷺ شرفًا، وأن من بعد الصحابة ليسوا كذلك، لأن الصحابي إذا أدى إلى من بعده يحتمل أن يكون المبلغ إليه منافقًا أو متدعًا ضالًا لا ينقص من الخبر أو يزيد فيه ليضل به العالم من الناس، فمن أجله ما فرقنا بينهم وبين الصحابة، إذ صان الله أقدار الصحابة عن البدع والضلال، جمعنا الله وإياهم في مستقر رحمته بمنه. ذكر أول من وقى الكذب على رسول ﷺ - حدثنا الهيثم بن خلف الدوري ببغداد، والحسين بن عبد الله القطان بالرقة، قالا: أخبرنا إسحاق بن موسى الأنصاري، قال: حدثنا معن بن

стр. 33

عيسى القزاز، عن مالك بن أنس، عن ابن إدريس، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، قال: بعث عمر بن الخطاب إلى عبد الله بن مسعود وأبي الدرداء وأبي مسعود الأنصاري، فقال: ما هذا الحديث الذي تكثرون عن رسول الله ﷺ فحبسهم بالمدينة حتى استشهد. حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد السلام المعروف بمكحول ببيروت، قال: حدثنا محمد بن يحيى بن كثير، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، قال: قال عمر لابن مسعود وأبي ذر وأبي الدرداء ولعقبة بن عامر: ما هذا الحديث عن رسول الله ﷺ وحبسهم بالمدينة حتى أصيب. ذكر بعض السبب الذي من أجله منع عمر بن الخطاب أصحابه من إكثار الحديث حدثنا عمر بن محمد الهمداني، قال: حدثنا أبو الطاهر، قال: حدثنا ابن وهب، قال: سمعت سفيان يحدث عن بيان، عن عامر الشعبي، عن قَرَظَة بن كعب، قال: خرجنا نريد العراق، فمشى معنا عمر بن الخطاب إلى صِرَار، فتوضأ ثم قال: أتدرون لِمَ مشيت معكم؟ قالوا: نعم نحن أصحاب رسول الله ﷺ مشيت معنا، قال: إنكم تأتون أهل قرية لهم دويٌّ بالقرآن كدويِّ النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جَرِّدوا القرآن وأقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ ، أمضوا وأنا شريككم، فلما قدم قَرَظة قالوا: حدثنا، قال: نهانا عمر بن الخطاب. قال أبو حاتم: لم يكن عمر بن الخطاب يتهم الصحابة بالتقول على النبي ﷺ ولا ردهم عن تبليغ ما سمعوا من رسول الله ﷺ وقد علم أنه ﷺ قال: "لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ مِنكُمُ الغائِبَ" (١) وأنه لا يحل لهم كتمان ما سمعوا من رسول الله ﷺ ، ولكنه علم ما يكون بعده من التقول على رسول الله ﷺ ،

стр. 34

لأنه ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ ﵎ يُنْزِلُ الحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِه" (١). وقال: "إن يَكونَ في هَذِهِ الأمَّةِ مُحَدَّثُونَ فَعُمَرُ مِنْهُمْ" (٢). فعمد عمر إلى الثقات المتقنين الذين شهدوا الوحي والتنزيل، فأنكر عليهم كثرة الرواية عن النبي ﷺ لئلا يجترىء من بعدهم ممن ليس في الإسلام محله كمحلهم فيكثروا الرواية فينزلوا فيها أو يتقول متعمدًا عليه ﷺ لنوال الدنيا، وتبع عُمَرَ عليه عليُّ بن أبي طالب رضوان الله عليهما باستخلاف من يحدثه عن رسول الله ﷺ وإن كانوا ثقات مأمونين، ليعلم بهم توقي الكذب على رسول الله ﷺ فيرتدع من لا دين له عن الدخول في سخط الله فيه، وقد كان عمر يطلب البينة من الصحابي على ما يرويه عن رسول ﷺ مخافة الكذب عليه، لئلا يجيء مَنْ بعد الصحابة فيروي عن النبي ﷺ ما يقله. حدثني أبو يعلى، قال: حدثنا خلف بن هشام البزار, حدثنا حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عبد الله بن أبي سلمة، أن أبا موسى استأذن على عمر ثلاث مرات، فلم يؤذن له فرجع، فبلغ ذلك عمر، فقال: ما ردك؟ فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِذَا استَأذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَلَمْ يُؤْذَن لَهُ فليَرْجِعْ" فقال: لتجيئن على هذا بينة وإلا - قال حماد [بن زيد] توعده، قال: فانصرف فدخل المسجد، فأتى مجلس الأنصار فقص عليهم القصة، ما قال لعمر، وما قال له عمر، فقالوا له: لا يقوم معك إلا أصغرنا، فقام معه أبو سعيد فشهد، فقال له عمر: إنا لا نتهمك، ولكن الحديث عن رسول الله ﷺ شديد (٣).

стр. 35

قال أبو حاتم: قد أخبر عمر بن الخطاب أنه لم يتهم أبا موسى في روايته، وطلب البينة منه على ما أراد تكذيبًا له، وإنما كان يشدد فيه لأن يعلم الناس أن الحديث عن رسول الله ﷺ شديد، فلا يجيء مِن بعدهم مَنْ يجترىء فيكذب عليه ﷺ ويتقول عليه ما لم يقل حتى يدخل بذلك في سخط الله . وهذان أو من فتشا عن الرجال في الرواية، وبحثا عن النقل في الأخبار، ثم تبعهم الناس على ذلك. والدليل على صحة ما تأولنا فعلهما ذلك ما: حدثني محمد بن عبد الرحمن السامي، قال: حدثنا علي بن الجعد، قال: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت ابن أبي ليلى يقول: كنا إذا أتينا زيد بن أرقم، فنقول: حدثنا عن رسول الله ﷺ فيقول: إنا قد كبرنا ونسينا، والحديث عن سول الله ﷺ شديد (١). حدثنا أحمد بن علي بن المثنى بالموصل، قال: حدثنا هارون بن معروف، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن هشام بن حجير، عن طاووس، عن ابن عباس، قال: إنا كنا نحدث عن رسول الله ﷺ إذ لم يكذب عليه، فلما ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه (٢)، قال أبو حاتم: قد أخبر ابن عباس أن تركهم الرواية وتشديدهم فيها على أصحاب رسول الله ﷺ كان منهم ذلك توقيًا للكذب عليه من بعدهم، لا أنهم كانوا متهمين في الرواية على ما ذكرنا قبل، ثم أخذ مسلكهم واستن بسنتهم واهتدى بهديهم فيما استنوا من التيقظ في الروايات جماعة من أهل المدينة من سادات التابعين منهم سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد بن

стр. 36

أبي بكر، وسالم بن عبد الله بن عمر، وعلي بن الحسين بن علي، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعروة بن الزبير بن العوام، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وسليمان بن يسار، فجدوا في حفظ السنن والرحلة فيها والتفتيش عنها والتفقه فيها ولزوم الدين، ووعوه على المسلمين. ثم أخذ عنهم العلم وتتبع الطرق وانتحاء الرجال، ورحل في جمع السنن جماعة بعدهم، ومنهم الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة، وسعد بن إبراهيم في جماعة معهم من أهل المدينة، إلا أن أكثرهم تيقظًا وأوسعهم حفظًا وأدومهم رحلة وأعلاهم همة الزهري ﵀. حدثنا محمد بن عمرو بن سليمان، قال: حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا أبو صالح، عن الليث، عن جعفر بن ربيعة، قال: قلت لعراك بن مالك: من أفقه أهل المدينة؟ قال: أما أعلمهم بقضايا رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وأفقههم فقهًا وأبصرهم بما مضى من أمر الناس فسعيد بن المسيب. وأما أغزرهم حديثًا فعروة بن الزبير، ولا تشاء أن تفجر من عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بحرًا إلَّا فجرته. قال عراك: وأعلمهم جميعًا عدي ابن شهاب، لأنه جمع علمهم إلى علمه. حدثنا الحسين بن عبد الله القطان بالرقة، قال: حدثنا نوح بن حبيب، قال: حدثنا ابن مهدي، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن برد، عن مكحول، قال: ما رأيت أحدًا أعلم بسنة ماضية من الزهري. حدثني محمد بن المنذر، قال: حدثنا يحيى بن أيوب التجيبي، قال: سمعت ابن بكير، يقول: سمعت الليث بن سعد، يقول: سمعت الزهري، يقول: ما استودعت قلبي شيئًا قط فنسيت.

стр. 37

قال الليث: وكان بكير يشرب العسل، ولا يأكل شيئًا من التفاح. حدثنا عمر بن سعيد بن سنان بمنبج، ومحمد بن الحسن بن قتيبة بعسقلان، قالا: حدثنا هشام بن خالد الأزرق، قال: حدثنا الوليد، عن سعيد بن عبد العزيز، أن هشام بن عبد الملك أدى عن الزهري سبعة آلاف دينار دينًا كان عليه، ثم قال: يا زهري لا تعودن تدان، قال: كيف يا أمير المؤمنين وقد حدثني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا يُلْدَغُ الْمُؤمِنُ مِن جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ" (١). قال أبو حاتم: قد ذكرنا مناقب الزهري وأخباره وشمائله في "كتاب العلل" بما أرجو الغنية فيها لمن أراد الوقوف على معرفتها، فأغنى ذلك عن تكرارها في هذا الكتاب. ثم أخذ عن هؤلاء مسلك الحديث وانتقاد الرجال وحفظ السنن والقدح في الضعفاء جماعة من أئمة المسلمين والفقهاء في الدين، منهم سفيان بن سعيد الثوري، ومالك بن أنس، وشعبة بن الحجاج، وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وحماد بن سلمة، والليث بن سعد، وحماد بن زيد، وسفيان بن عيينة في جماعة معهم، إلا أن من أشدهم انتقاءً للسنن وأكثرهم مواظبة عليها، حتى جعلوا ذلك صناعة لهم، لا يشوبونها بشيء آخر ثلاثة أنفس، مالك والثوري وشعبة. فأما مالك فإن محمد بن المنذر حدثنا، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، عن مطرف، قال: أشهد لسمعت مالكًا يقول: أدركت بهذه البلاد مشيخة من أهل الصلاح والعبادة يحدثون، ما سمعت من واحد منهم حديثًا قط، قيل: فَلِمَ يا أبا عبد الله؟ قال: لم يكونوا يعرفون ما يحدثون. حدثنا عمر بن سعيد، قال: سمعت محمد بن عيسى الطرسوسي، يقول: سمعت ابن أبي أويس يقول: سألت خالي مالكًا عن مسألة، فقال

стр. 38

لي: قِرَّ ثم توضأ ثم تلبس ثم جلس على السرير، ثم قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، سل، وكان لا يفتي حتى يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. حدثنا أحمد بن محمد بن الفضل السجستاني بدمشق، قال: سمعت الربيع بن سليمان، يقول: سمعت الشافعي يقول: إذا ذكر المحدثون فمالك النجم. حدثنا أحمد بن الحسن المدائني بمصر، قال: حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح، قال: سمعت هارون بن سعيد الأيلي، قال: سمعت الشافعي يقول: ما كتاب بعد كتاب الله أنفع من موطأ مالك ﵀. سمعت الحسن بن عثمان بن زياد بتستر، يقول: سمعت بندار، يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي، يقول: ما نعرف كتابًا في الإسلام بعد كتاب الله أصح من موطأ مالك. [حدثنا] محمد بن صالح الطبري، قال: حدثنا نصر بن علي، قال: حدثنا حسين بن عروة، قال: لما حج المهدي بعث إلى مالك الفضلَ بن الربيع حاجبه بألف دينارٍ في كيس مختوم، فقصد مالكًا، فقال: إن أمير المؤمنين يريد أن تصحبه إلى مدينة السلام، فقال مالك: قال رسول الله ﷺ : "وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ" (١). وهو ذي الدنانير على حالتها. سمعت أسامة بن محمد بن أسامة التجيبي بمصر، يقول: سمعت حرملة بن يحيى وعمرو بن السواد السرحي، يقولان: سمعنا ابن وهب، يقول: لقيت ثلاث مئة عالم وستين عالمًا، ولولا مالك والليث لضللت في العلم. حدثنا الحسن بن سفيان، قال: سمعت حرملة بن يحيى، يقول: قال ابن وهب: اقتدينا في العلم بأربعة اثنان بمصر واثنان بالمدينة، الليث بن

стр. 39

سعد وعمرو بن الحارث بمصر، ومالك والماجشون بالمدينة، لولا هؤلاء لكنا ضالين. حدثنا عمر بن سعيد، عن بكر بن سهل الدمياطي، قال: سمعت عبد الله بن يوسف، يقول: قال مالك بن أنس؟ رأيت النبي ﷺ في المنام، فنزع خاتمه من إصبعه فألبسنيه. حدثني أسامة بن أحمد بن أسامة التجيبي بالفسطاط، قال: حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني، قال: حدثنا أصبع بن الفرج، عن الدراوردي، قال: لما حضر مالك ليضرب كنت أقرب الخلق منه، فسمعته يقول كلما ضرب سوطًا: اللهم اغفر لهم فإنهم لا يعلمون، حتى فرغ من ضربه. حدثنا أحمد بن عبيد الله الدارمي بأنطاكية، قال: حدثنا بكر بن سهل، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدثني خلف بن عمر، قال: كنت عند مالك، فأتاه ابن أبي كثير قارىء المدينة، فناوله رقعة، فنظر فيها مالك، ثم وضع تحت مصلاه، ثم قام من عنده، وذهبت أتقوم، فقال: اثبت يا خلف، فناولني الرقعة، فإذا فيها: رأيت الليلة في المنام كأنه يقال لي: هذا رسول الله ﷺ في المسجد، فإذا ناحية من القبر قد انفرجت، وإذا رسول الله ﷺ جالس والناس يقولون: يا رسول الله أعطنا، يا رسول الله مر لنا، فقال لهم: "إِنِّي كَنَزْتُ تَحْتَ الْمِنْبَرِ كَنْزًا، وَقَدْ أَمَرْتُ مَالِكًا أَنْ يَقْسِمَهُ فِيكُمْ، فَاذْهَبُوا إلَى مَالِكٍ" قال: فانصرف الناس، وبعضهم يقول لبعض: ما ترون مالكًا فاعلًا؟ فقال بعضهم: يُنْفِذُ ما أمر به رسول الله ﷺ ، قال: فرقَّ مالك وبكى، ثم قمت وتركته [على تلك الحال] (١). حدثنا إسماعيل بن داود بن وردان بالفسطاط، قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: سمت مالكًا يقول: دخلت على أبي جعفر، فرأيت غير واحد من بني هاشم يقبل يده المرتين والثلاث، ورزقني الله العافية من ذلك، فلم أقل له يدًا.

стр. 40

حدثنا سعيد بن هشام بطبرية، قال: حدثنا مؤمل بن إهاب، قال؟ حدثنا أبو داود الطيالسي، قال: سمعت شعبة، يقول: دخلت المدينة بعد موت نافع بسنة، فإذا لمالك حلقة. سمعت أسامة بن أحمد بن أسامة التجيبي بمصر يقول: سمعت أحمد بن عمرو بن السرح، يقول: سمعت عبد الرحمن بن القاسم، يقول: سمعت مالك بن أنس، يقول: ما أحد ممن تعلمت منه العلم إلا صار إلي، حتى سألني عن أمر دينه. حدثنا القاسم بن عيسى العطار بدمشق، قال: حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، قال: حدثنا أحمد بن صالح، قال: حدثنا يحيى بن حسان، قال: كنا عند وهيب بن خالد، فقال: حدثنا مالك وابن جريج، فقلت لصاحبي: اكتب ابن جريج ودع مالكًا، فسمعه وهيب، فقال: تقول: اترك مالكًا واكتب ابن جريج، ما بشرقها ولا بغربها آمن على الحديث من مالك، وللعرض على مالك أثبت من الحديث من غيره، ولقد حدثني شعبة أنه دخل المدينة بعد موت نافع بسنة ولمالك حلقة. حدثنا الحسن بن عثمان بن زياد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عمر رسته، قال: سمعت ابن مهدي، يقول: أئمة الناس في زمانهم أربعة: حماد بن زيد بالبصرة وسفيان بالكوفة ومالك بالحجاز والأوزاعي بالشام. سمعت محمد بن زياد التجيبي بالفسطاط، يقول: سمعت محمد بن رمح، يقول: رأيت النبي ﷺ في المنام، فقلت: يا رسول الله إن الناس قد اختلفوا علينا في الليث ومالك فيمن تأمرنا؟ قال: "مَالِكٌ مَالِكٌ وَرِثَ حَدِيثِي". حدثنا عمر بن سعيد بن سنان، قال: حدثنا هارون الفروي، قال: سمعت مصعبًا يقول: سأل هارون الرشيد مالك بن أنس وهو في منزله ومعه بنوه أن يقرأ عليهم، فقال: ما قرأت على أحد منذ زمان، وإنما يُقْرَأُ علي، فقال هارون: أخرج الناس عني حتى أنا أقرأ عليك، فقال: منع العام لبعض الخاص لم ينتفع الخاص، فأمر معن بن عيسى فقرأ عليه.
следующие страницы →