أبي بكر، وسالم بن عبد الله بن عمر، وعلي بن الحسين بن علي، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعروة بن الزبير بن العوام، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وسليمان بن يسار، فجدوا في حفظ السنن والرحلة فيها والتفتيش عنها والتفقه فيها ولزوم الدين، ووعوه على المسلمين.
ثم أخذ عنهم العلم وتتبع الطرق وانتحاء الرجال، ورحل في جمع السنن جماعة بعدهم، ومنهم الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة، وسعد بن إبراهيم في جماعة معهم من أهل المدينة، إلا أن أكثرهم تيقظًا وأوسعهم حفظًا وأدومهم رحلة وأعلاهم همة الزهري ﵀.
حدثنا محمد بن عمرو بن سليمان، قال: حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا أبو صالح، عن الليث، عن جعفر بن ربيعة، قال: قلت لعراك بن مالك: من أفقه أهل المدينة؟ قال: أما أعلمهم بقضايا رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وأفقههم فقهًا وأبصرهم بما مضى من أمر الناس فسعيد بن المسيب.
وأما أغزرهم حديثًا فعروة بن الزبير، ولا تشاء أن تفجر من عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بحرًا إلَّا فجرته.
قال عراك: وأعلمهم جميعًا عدي ابن شهاب، لأنه جمع علمهم إلى علمه.
حدثنا الحسين بن عبد الله القطان بالرقة، قال: حدثنا نوح بن حبيب، قال: حدثنا ابن مهدي، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن برد، عن مكحول، قال: ما رأيت أحدًا أعلم بسنة ماضية من الزهري.
حدثني محمد بن المنذر، قال: حدثنا يحيى بن أيوب التجيبي، قال: سمعت ابن بكير، يقول: سمعت الليث بن سعد، يقول: سمعت الزهري، يقول: ما استودعت قلبي شيئًا قط فنسيت.
стр. 37
قال الليث: وكان بكير يشرب العسل، ولا يأكل شيئًا من التفاح.
حدثنا عمر بن سعيد بن سنان بمنبج، ومحمد بن الحسن بن قتيبة بعسقلان، قالا: حدثنا هشام بن خالد الأزرق، قال: حدثنا الوليد، عن سعيد بن عبد العزيز، أن هشام بن عبد الملك أدى عن الزهري سبعة آلاف دينار دينًا كان عليه، ثم قال: يا زهري لا تعودن تدان، قال: كيف يا أمير المؤمنين وقد حدثني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا يُلْدَغُ الْمُؤمِنُ مِن جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ" (١).
قال أبو حاتم: قد ذكرنا مناقب الزهري وأخباره وشمائله في "كتاب العلل" بما أرجو الغنية فيها لمن أراد الوقوف على معرفتها، فأغنى ذلك عن تكرارها في هذا الكتاب.
ثم أخذ عن هؤلاء مسلك الحديث وانتقاد الرجال وحفظ السنن والقدح في الضعفاء جماعة من أئمة المسلمين والفقهاء في الدين، منهم سفيان بن سعيد الثوري، ومالك بن أنس، وشعبة بن الحجاج، وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وحماد بن سلمة، والليث بن سعد، وحماد بن زيد، وسفيان بن عيينة في جماعة معهم، إلا أن من أشدهم انتقاءً للسنن وأكثرهم مواظبة عليها، حتى جعلوا ذلك صناعة لهم، لا يشوبونها بشيء آخر ثلاثة أنفس، مالك والثوري وشعبة.
فأما مالك فإن محمد بن المنذر حدثنا، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، عن مطرف، قال: أشهد لسمعت مالكًا يقول: أدركت بهذه البلاد مشيخة من أهل الصلاح والعبادة يحدثون، ما سمعت من واحد منهم حديثًا قط، قيل: فَلِمَ يا أبا عبد الله؟ قال: لم يكونوا يعرفون ما يحدثون.
حدثنا عمر بن سعيد، قال: سمعت محمد بن عيسى الطرسوسي، يقول: سمعت ابن أبي أويس يقول: سألت خالي مالكًا عن مسألة، فقال
стр. 38
لي: قِرَّ ثم توضأ ثم تلبس ثم جلس على السرير، ثم قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، سل، وكان لا يفتي حتى يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
حدثنا أحمد بن محمد بن الفضل السجستاني بدمشق، قال: سمعت الربيع بن سليمان، يقول: سمعت الشافعي يقول: إذا ذكر المحدثون فمالك النجم.
حدثنا أحمد بن الحسن المدائني بمصر، قال: حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح، قال: سمعت هارون بن سعيد الأيلي، قال: سمعت الشافعي يقول: ما كتاب بعد كتاب الله أنفع من موطأ مالك ﵀.
سمعت الحسن بن عثمان بن زياد بتستر، يقول: سمعت بندار، يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي، يقول: ما نعرف كتابًا في الإسلام بعد كتاب الله أصح من موطأ مالك.
[حدثنا] محمد بن صالح الطبري، قال: حدثنا نصر بن علي، قال: حدثنا حسين بن عروة، قال: لما حج المهدي بعث إلى مالك الفضلَ بن الربيع حاجبه بألف دينارٍ في كيس مختوم، فقصد مالكًا، فقال: إن أمير المؤمنين يريد أن تصحبه إلى مدينة السلام، فقال مالك: قال رسول الله ﷺ : "وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ" (١). وهو ذي الدنانير على حالتها.
سمعت أسامة بن محمد بن أسامة التجيبي بمصر، يقول: سمعت حرملة بن يحيى وعمرو بن السواد السرحي، يقولان: سمعنا ابن وهب، يقول: لقيت ثلاث مئة عالم وستين عالمًا، ولولا مالك والليث لضللت في العلم.
حدثنا الحسن بن سفيان، قال: سمعت حرملة بن يحيى، يقول: قال ابن وهب: اقتدينا في العلم بأربعة اثنان بمصر واثنان بالمدينة، الليث بن
стр. 39
سعد وعمرو بن الحارث بمصر، ومالك والماجشون بالمدينة، لولا هؤلاء لكنا ضالين.
حدثنا عمر بن سعيد، عن بكر بن سهل الدمياطي، قال: سمعت عبد الله بن يوسف، يقول: قال مالك بن أنس؟ رأيت النبي ﷺ في المنام، فنزع خاتمه من إصبعه فألبسنيه.
حدثني أسامة بن أحمد بن أسامة التجيبي بالفسطاط، قال: حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني، قال: حدثنا أصبع بن الفرج، عن الدراوردي، قال: لما حضر مالك ليضرب كنت أقرب الخلق منه، فسمعته يقول كلما ضرب سوطًا: اللهم اغفر لهم فإنهم لا يعلمون، حتى فرغ من ضربه.
حدثنا أحمد بن عبيد الله الدارمي بأنطاكية، قال: حدثنا بكر بن سهل، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدثني خلف بن عمر، قال: كنت عند مالك، فأتاه ابن أبي كثير قارىء المدينة، فناوله رقعة، فنظر فيها مالك، ثم وضع تحت مصلاه، ثم قام من عنده، وذهبت أتقوم، فقال: اثبت يا خلف، فناولني الرقعة، فإذا فيها: رأيت الليلة في المنام كأنه يقال لي: هذا رسول الله ﷺ في المسجد، فإذا ناحية من القبر قد انفرجت، وإذا رسول الله ﷺ جالس والناس يقولون: يا رسول الله أعطنا، يا رسول الله مر لنا، فقال لهم: "إِنِّي كَنَزْتُ تَحْتَ الْمِنْبَرِ كَنْزًا، وَقَدْ أَمَرْتُ مَالِكًا أَنْ يَقْسِمَهُ فِيكُمْ، فَاذْهَبُوا إلَى مَالِكٍ" قال: فانصرف الناس، وبعضهم يقول لبعض: ما ترون مالكًا فاعلًا؟ فقال بعضهم: يُنْفِذُ ما أمر به رسول الله ﷺ ، قال: فرقَّ مالك وبكى، ثم قمت وتركته [على تلك الحال] (١).
حدثنا إسماعيل بن داود بن وردان بالفسطاط، قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: سمت مالكًا يقول: دخلت على أبي جعفر، فرأيت غير واحد من بني هاشم يقبل يده المرتين والثلاث، ورزقني الله العافية من ذلك، فلم أقل له يدًا.
стр. 40
حدثنا سعيد بن هشام بطبرية، قال: حدثنا مؤمل بن إهاب، قال؟ حدثنا أبو داود الطيالسي، قال: سمعت شعبة، يقول: دخلت المدينة بعد موت نافع بسنة، فإذا لمالك حلقة.
سمعت أسامة بن أحمد بن أسامة التجيبي بمصر يقول: سمعت أحمد بن عمرو بن السرح، يقول: سمعت عبد الرحمن بن القاسم، يقول: سمعت مالك بن أنس، يقول: ما أحد ممن تعلمت منه العلم إلا صار إلي، حتى سألني عن أمر دينه.
حدثنا القاسم بن عيسى العطار بدمشق، قال: حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، قال: حدثنا أحمد بن صالح، قال: حدثنا يحيى بن حسان، قال: كنا عند وهيب بن خالد، فقال: حدثنا مالك وابن جريج، فقلت لصاحبي: اكتب ابن جريج ودع مالكًا، فسمعه وهيب، فقال: تقول: اترك مالكًا واكتب ابن جريج، ما بشرقها ولا بغربها آمن على الحديث من مالك، وللعرض على مالك أثبت من الحديث من غيره، ولقد حدثني شعبة أنه دخل المدينة بعد موت نافع بسنة ولمالك حلقة.
حدثنا الحسن بن عثمان بن زياد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عمر رسته، قال: سمعت ابن مهدي، يقول: أئمة الناس في زمانهم أربعة: حماد بن زيد بالبصرة وسفيان بالكوفة ومالك بالحجاز والأوزاعي بالشام.
سمعت محمد بن زياد التجيبي بالفسطاط، يقول: سمعت محمد بن رمح، يقول: رأيت النبي ﷺ في المنام، فقلت: يا رسول الله إن الناس قد اختلفوا علينا في الليث ومالك فيمن تأمرنا؟ قال: "مَالِكٌ مَالِكٌ وَرِثَ حَدِيثِي".
حدثنا عمر بن سعيد بن سنان، قال: حدثنا هارون الفروي، قال: سمعت مصعبًا يقول: سأل هارون الرشيد مالك بن أنس وهو في منزله ومعه بنوه أن يقرأ عليهم، فقال: ما قرأت على أحد منذ زمان، وإنما يُقْرَأُ علي، فقال هارون: أخرج الناس عني حتى أنا أقرأ عليك، فقال: منع العام لبعض الخاص لم ينتفع الخاص، فأمر معن بن عيسى فقرأ عليه.
стр. 41
حدثنا محمد بن زبان [زياد التجيبي بمصر] قال: حدثنا محمد بن أبي طالب الأسواني، قال: حدثنا ابن أبي أويس، قال: حضرت يحيى بن يزيد بن عبد الملك النوفلي يومًا وهو يتحدث في مجلسه ومعه خلق من الناس، وهو يقول: رأيت في هذه الليلة خيرًا، رأيت كأني في موضع نخل وبساتين وخضرة وقصور وأنهار تجري، فاعتمدت إلى قصر رأيت أنها أفضلها وأحسنها، فلما هويت لأدخله إذ على بابه إنسان منعني من الدخول، وقال: حتى أستأذن لك، فذهبت، ثم أتى فأدخلني، فإذا بقصر لم ير الرائي مثله حسنًا، وإذا مالك بن أنس جالس وسط القصر في حجره مصحف، عليه ثياب خضر، أشب ما كان وأحمله، فلما وقفت عليه سلمت فقلت: يا أبا عبد الله أليس قد مُتَّ؟ قال: بلى، قلت: فَبِمَ صرت إلى هذا؟ قال: بعفو الله وتجاوزه وسعة رحمته، لا بعملي.
قال أبو حاتم ﵁: أما شعبة بن الحجاج فهو أكثر رحلة من مالك في الحديث، وأكثر جولانًا في طلب السنن وأكثر تفتيشًا في الأقطار عن شمائل الأخبار.
ولقد حدثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، قال: سمعت حوثرة بن محمد، يقول: سمعت حماد بن مسعدة، يقول: قلنا لابن عون: مَا لَكَ لا تحدث عن فلان وقد أدركته؟ قال: أمره أبو بسطام بتركه - يعني شعبة -.
حدثنا محمد بن المسيب، قال: حدثنا سهل بن صالح، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا شعبة، قال: قال لي سفيان الثوري: يا شعبة أنت أمر المؤمنين في الحديث.
حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي، قال: سمعت الدارمى، يقول: سمعت النضر، يقول: كان سليمان بن المغيرة إذا ذَكَرَ شعبة قال: سيد المحدثين.
حدثنا محمد بن عبد الرحمن، قال: حدثنا محمد بن يحيى، قال: سمعت أبا قتيبة، يقول: قدمت الكوفة، فأتيت سفيان الثوري، فقال: من أين أنت؟ فقلت. من أهل البصرة، فقادة ما فعل أستاذنا شعبة؟
стр. 42
حدثنا محمد بن المنذر، قال: حدثنا علي بن سهل، قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا حماد بن زيد، قال: قال لنا أيوب: الآن يقدم عليكم رجل من أهل واسط يقال له: شعبة، هو فارس في الحديث، فإذا قدم فخذوا عنه.
قال حماد: فلما قدم شعبة أخذنا عنه.
حدثنا أحمد بن يحيى بن زهير بتستر، قال: حدثنا عيسى بن شاذان، قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: ما رأيت أزهد من شعبة، ولا أرحم بالمساكين من شعبة، ولقد جاءه سليمان بن المغيرة فدفع إليه حماره.
سمعت محمد بن عبدك بن المهدي، يقول: سمعت أحمد بن عبد الله الحداد، يقول: سمعت أبا الوليد الطيالسي، يقول: ما رأيت أحدًا أسخى من شعبة، ودقد جاءه سليمان بن المغيرة، وكان ضعيف الحال فسأله، فقال: والله ما عندي إلا حمار لتأخذنه، فأخذه سليمان فباعه.
حدثنا محمد بن عمر بن يوسف، قال: حدثنا محمد بن منصور الطوسي، قال: حدثنا حمزة بن زياد الطوسي، قال: سمعت شعبة وكان ألثغ، وكان قد يبس جلده على عظمه من العبادة، قال: والله لو حدثتكم عن ثقة ما حدثتكم عن ثلاثة.
حدثنا محمد بن عبد الرحمن، قال: حدثنا ابن قهزاد، قال: سمعت عبدان، يقول: سمعت أبي، يقول: قومنا حمار شعبة وسرجه ولجامه وثيابه سبعة عشر درهمًا أو ثمانية عشر درهمًا.
حدثني ابن زهير بتستر، قال: حدثنا عيسى بن شاذان، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: كان صبيان الحي وفقراء الحي يسمون شعبة بابا بابا من كثرة ما كان يعطيهم.
حدثنا ابن المسيب، قال: حدثنا عبد الملك بن محمد الرقاشي، قال: حدثنا أبو زيد، قال: رأيت شعبة يصلي حتى ترم قدماه.
سمعت إبراهيم بن نصر العنبري، يقول: سمعت محمد بن علي ثنا
стр. 43
الحسن بن شقيق، يقول: سمعت الحسن بن عيسى النيسابوري، يقول: قال عبد الله بن المبارك: كنت عند سفيان الثوري إذ جاءه موت شعبة، فقال سفيان: مات الحديث.
حدثنا ابن زهير، قال: حدثنا [عيسى بن] شاذان، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: وذُكِرَ سعيدُ بن زيد أخو حماد بن زيد، قال: لم يكن حماد يحسن الصنيع إليه، وذكر من حاجته، قال: أتى شعبة فلم يجد عنده شيئًا، قال: خذ ذلك الجذع فاذهب فبعه.
حدثنا إبراهيم بن نصر، قال: حدثنا محمد بن علي، ثنا الحسن بن شقيق، قال: حدثنا عبدان بن عثمان، عن أبيه، قال: قَوَّمْنا حمار شعبة وسرجه ولجامه ورداءه وإزاره سبعة عشر درهمًا أو ثمانية عشر درهمًا.
قال أبو حاتم: وأما سفيان الثوري فإن محمد بن إسحاق الثقفي حدثنا، قال: حدثنا محمد بن الحسين الأعرابي، قال: سمعت عبيد الله بن عمر، يقول: كان يحيى بن سعيد لا يقدم على الثوري وشعبة يعني أحدًا.
حدثنا عمر بن محمد الهمداني، قال: حدثنا عمرو بن علي، قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي، يقول: حدثنا أبو خلدة، فقال له رجل: كان ثقة، فقال: كان صدوقًا، وكان خيارًا، وكان مأمونًا، الثقة سفيان وشعبة.
حدثني ابن زهير، قال: حدثنا أبو حاتم الرازي، قال: سمعت أبا بكر بن أبي شيبة، يقول: قلت ليحيى بن سعيد القطان: من أحفظ من رأيت؟ قال: سفيان بن سعيد ثم شعبة ثم هشيم.
حدثنا أحمد بن علي بن الحسن المدائني بالفسطاط، قال: حدثنا أحمد بن أبي عمران، قال: سمعت علي بن المديني، قال: لسمعت يحيى بن سعيد القطان، يقول: ما رأيت أحدًا أحفظ من سفيان الثوري، لو خالفه الناس جميعًا لكان القول ما قال سفيان.
حدثنا محمد بن الليث الوراق، قال: حدثنا محمد بن مشكان، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: قال ابن المبارك: كنت أقعد إلى سفيان الثوري
стр. 44
فيحدث، فأقول: ما بقي من علمه شيء إلا وقد سمعته، ثم أقعد عنده مجلسًا آخر فيحدث، فأقول: ما سمعت من علمه شيئًا.
حدثنا الحسين بن عبد الله بن يزيد القطان بالرقة، قال: حدثنا نوح بن حبيب، قال: سمعت عبد الرزاق، يقول: سمعت الثوري، يقول: ما استودعت قلبي شيئًا قط، فخانني.
حدثنا إسحاق بن أحمد القطان بتستر، قال: حدثنا محمد بن سهل بن عسكر، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: سمعت سفيان بن عيينة، يقول: الرجال ثلاثة ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، والثوري في زمانه.
حدثني محمد بن المنذر، قال: حدثنا السري بن يحيى، قال: سمعت قبيصة يقول: رأيت زائدة يعرض كتبه على سفيان الثوري، ثم التفت إلى رجل في المجلس، فقال: ما لك لا تعرض كتبك على الجهابذة كما نعرض؟ .
حدثنا عبد الكبير بن عمر الخطابي بالبصرة، قال: حدثنا أحمد بن سنان، قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي، يقول: لما حدثنا سفيان، عن حماد، عن عمرو بن عطية التيمي، عن سلمان، قال: إذا حككت جسدك ... الحديث، قلت لسفيان: هذا عن ربعي، قال: امضه، قلت: حدثنا هشام الدستوائي، عن حماد، عن ربعي، قال هشام: قلت: نعم، قال: فأطرق هنيهة ثم قال: امضه، سمعت حماد يحدث عن عمرو بن عطية، عن سلمان، فإذا هو حماد عن ربعي عن سلمان، قال شعبة: قد قال حماد مرة: عن عمرو بن عطية عن سلمان، فعلمت أن سفيان كان إذا حفظ الشيء لم يبال من خالفه (١).
حدثنا عمر بن محمد الهمداني، قال: سمعت عمرو بن علي، يقول: سمعت سفيان بن زياد (٢)، يقول ليحيى بن سعيد في حديث أشعث بن أبي
стр. 45
الشعثاء، عن زيد بن معاوية العبسي، عن علقمة، عن عبد الله (خِتَامُهُ مِسْكٌ) قال: يا أبا سعيد خالفه أربعة قال: من؟ قال: زائدة وأبو الأحوص وإسرائيل وشريك، قال يحيى: لو كانوا أربعة ألف مثل هؤلاء لكان سفيان أثبت منهم.
قال عمرو: سمعت سفيان بن زياد يسأل عبد الرحمن بن مهدي عن هذا، فقال عبد الرحمن: هؤلاء أربعة قد اجتمعوا، وسفيان أثبت مهم، والإنصاف لا بأس به.
حدثني محمد بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن أبي خيثمة، عن علي بن المديني، قال: قال يحيى بن سعيد: سفيان فوق مالك في كل شيء.
حدثنا إسحاق بن أحمد القطان بتستر، قال: حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي، قال: حدثنا إبراهيم بن أعين، قال: رأيت سفيان الثوري في المنام ولحيته حمراء صفراء، فقلت: يا أبا عبد الله فديتك، ما صُنِعَ بك؟ قال: أنا مع السفرة، قلت: وما السفرة؟ قال: الكرام البررة.
قال أبو حاتم ﵀: ثم أخذ عن هؤلاء بعدهم الرسم في الحديث والتنقير عن الرجال والتفتيش عن الضعفاء والبحث عن أسباب النقل جماعة: منهم عبد الله بن المبارك ويحيى بن سعيد القطان ووكيع بن الجراح وعبد الرحمن بن مهدي ومحمد بن إدريس المطلبي الشافعي في جماعة معهم، إلا أن من أكثرهم تنقيرًا عن شأن المحدثين وأتركهم للضعفاء والمتروكين حتى يجعله [جعلوا] لهذا [هذا] الشأن صناعة لهم لم يتعدوها إلى غيرها مع لزوم الدين والورع الشديد والتفقه في السنن رجلان: يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي.
أخبرنا محمد بن أحمد المسندي [بهراة]، قال: حدثنا محمد بن نصر الفراء، قال: سمعت علي بن المديني يقول: دخلت على امرأة عبد الرحمن بن مهدي، وكنت أزورها بعد موته، فرأيت سوادًا في القبلة، فقلت: ما هذا؟ فقالت: هذا موضع استراحة عبد الرحمن، كان يصلي
стр. 46
بالليل، فإذا غلبه النوم وضع جبهته على هذا الموضع.
أخبرنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، قال: سمعت محمد بن أبي صفوان الثقفي، يقول: سمعت علي بن عبد الله، يقول: والله لو أخذت فحلفت بين الركن والمقام لحلفت أني لم أر أحدًا أحفظ من عبد الرحمن بن مهدي.
أخبرنا محمد بن إسحاق الثقفي، قال: سمعت زياد بن أيوب، يقول: قمنا من مجلس هشيم، فأخذ أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأصحابنا بيد فَتىً فأدخلوه مسجدًا، وكتبنا عنه، وإذا الفتى عبد الرحمن بن مهدي.
أخبرنا محمد بن المسيب، قال: حدثنا حفص بن عمرو الربالي، قال: سمعت أبا الوليد، يقول: ما رأيت أحدًا كان أعلم بالحديث ولا بالرجال من يحيى بن سعيد.
أخبرنا عبد الله بن قحطبة بِفَمِ الصلح، قال: سمعت عمرو بن علي، يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي، يقول: ما رأيت شيخًا أزكى من يحيى بن سعيد.
حدثنا مكحول، قال: سمعت جعفر بن أبان الحافظ، يقول: سألت أبا الوليد الطيالسي، عن خالد بن الحارث، ويحيى بن سعيد القطان، فقال: يحيى كان أكثر منه كثيرًا، وأما خالد فكان ثقة، وكان صاحب كتاب، فقال له رجل كان عنده: ما كان بالبصرة بعد شعبة مثله، فقال: كان شعبة يحسن ما كان يحسن يحيى بن سعيد، فقلت: من أكبر عندك؟ فإن قومًا يقدمون عبد الرحمن عليه، فقال: ما ينصفون، هو أكثر [أكبر] من عبد الرحمن.
أخبرنا عبد الله بن قحطبة، قال: سمعت العباس بن عبد العظيم العنبري، يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي، يقول: لما قدم سفيان البصرة قال لي: يا عبد الرحمن جئني بإنسان أذاكره، فأتيته بيحيى بن سعيد القطان فذاكره، فلما خرج قال لي: يا عبد الرحمن قلت لك: جئني بإنسان فجئتني بشيطان.
стр. 47
أخبرني محمد بن الليث الوراق السرخسي، قال: سمعت عبد الله بن جعفر بن خاقان، يقول: سمعت عمرو بن علي الفلاس، يقول: كان يحيى بن سعيد القطان يختم القرآن كل يوم وليلة، ويدعو لألف إنسان، ثم يخرج بعد العصر فيحدث الناس.
أخبرنا محمد بن إسحاق الثقفي، قال: سمعت أحمد بن يوسف السلمي، قال: كنت أدخل على يحيى بن يحيى دهرًا، أرى كتابًا عنده فيه وسألته عن فلان، وسألته عن فلان، فكنت أهابه أن أسأله، فقلت يومًا: يا أبا زكريا من هذا الذي كنت تسأل عنه المشايخ؟ قال: فتى بالبصرة يقال له: عبد الرحمن بن مهدي.
أخبرنا عبد الملك بن محمد بن عدي، قال: حدثنا أحمد بن علي المحرمي، قال: حدثنا حسين بن الحسن المروزي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ذاكرني أبو عوانة بحديث، فقلت: ليس هذا من حديثك، فقال: لا تفعل يا أبا سعيد، هو عندي مكتوب، قلت: فهاته، قال: يا سلامة هاتي الدرج، ففتش فلم يجد شيئًا، فقال: من أين أتيت يا أبا سعيد؟ قال: هذا ذوكرت به وأنت شاب، فعلق بقلبك فظننت أنك قد سمعته.
أخبرنا محمد بن المسيب، قال: حدثنا سهل بن صالح، قال: سمعت يزيد بن هارون، يقول: وقعت بين أسدين: عبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان.
أخبرنا عبد الملك بن محمد، قال: حدثنا عباس الدوري، قال: سمعت يحيى بن معين، يقول: قال يزيد بن هارون: عن رجل، قال يحيى فقلت عن دُخيل، فقال: إنا لله وقعنا.
قال أبو حاتم: ثم أخذ عن هؤلاء مسلك الحديث والاختبار وانتقاء الرجال في الآثار، حتى رحلوا في جمع السنن إلى الأمصار، وفتشوا المدن والأقطار، وأطلقوا على المتروكين حتى صاروا أعلامًا يقتدى بهم في الآثار، وأئمة يسلك مسلكهم في الأخبار جماعةٌ، منهم أحمد بن حنبل
стр. 48
رضي الله عنه، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأبو بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي، وعبيد الله بن عمر القواريري، وزهير بن حرب أبو خيثمة في جماعة من أقرانهم [أضرابهم]، إلا أن من أورعهم في الدين وأكثرهم تفتيشًا على المتروكين وألزمهم لهذه الصناعة على دائم الأوقات، منهم كان أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني رحمة الله عليهم أجمعين.
أخبرنا محمد بن زياد الزيادي، قال: سمعت العباس بن الوليد، يقول: سمعت القواريري، يقول: سمعت يحيى بن سعيد القطان، يقول - وقام من بين يديه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، فقال: يا عبيد الله ما رأيت مثل هذين قط.
سمعت علي بن أحمد الجرجاني بحلب، يقول: سمعت حنبل بن إسحاق بن حنبل، يقول: سمعت أحمد بن حنبل، يقول: أحفظنا للمطولات الشاذكوني. وأعرفنا بالرجال يحيى بن معين، وأعلمنا بالعلل علي بن المديني، وكأنه أومأ إلى نفسه أنه أفقههم.
أخبرنا محمد بن إسحاق الثقفي، قال: سمعت أبا يحيى محمد بن عبد الرحيم، يقول: كان علي بن المديني إذا قدم بغداد جاء يحيى وأحمد وخلف والْمُعيْطي والناس يتناظرون، فإذا اختلفوا في شيء تكلم فيه علي.
سمعت الحسن بن عثمان بن زياد، يقول: سمعت أبا زرعة، يقول: سمعت علي بن المديني، يقول: دار حديث الثقات على ستة، رجلان من البصرة، ورجلان من الكوفة، ورجلان من الحجاز، فأما الذي [اللذان] بالبصرة فقتادة ويحيى بن أبي كثير، وأما اللذان بالكوفة فأبو إسحاق والأعمش، وأما اللذان بالحجاز فالزهري وعمرو بن دينار.
ثم صار حديث هؤلاء إلى اثني عشر، منهم بالبصرة سعيد بن أبي عروبة وشعبة ومعمر (١) وهشام الاستوائي وجرير بن حازم وحماد بن سلمة،
стр. 49
وبالكوفة سفيان الثوري وابن عيينة وإسرائيل بن يونس، وبالحجاز ابن جريج ومالك ومحمد بن إسحاق.
قال أبو زرعة: وصار حديث هؤلاء إلى يحيى بن معين.
أخبرنا الضحاك بن هارون، قال: حدثنا أحمد بن محمد الأصفري، قال: حدثنا عبد الله بن عمر القواريري، قال: سمعت يحيى بن سعيد، يقول: تلوموني على حب علي بن المديني وأنا أتعلم منه.
أخبرنا محمد بن إسحاق الثقفي، قال: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري وقلت له: ما تشتهي؟ قال: أشتهي أن أقدم العراق وعلي بن المديني حي فأجالسه.
سمعت محمد بن أحمد المسندي، يقول: سمعت محمد بن نصر الفراء، يقول: سمعت علي بن المديني، يقول: اتخذت أحمد بن حنبل إمامًا فيما بيني وبين الله ، ومن يقوى على ما يقوى أبو عبد الله؟
أخبرنا عبد الملك بن محمد، قال: حدثنا أحمد بن علي الأبار، قال: حدثنا مجاهد بن موسى، قال: قال يحيى بن معين: كتبنا عن الكذابين وسجرنا به التور، فأخرجنا به خبزًا نضيجًا.
سمعت هارون بن عيسى ببلد، قال: سمعت عباس بن محمد، يقول: رأيت أحمد بن حنبل بين يدي يحيى بن معين جاثيًا وهو يقول: يا أبا زكريا ما تقول في فلان؟ .
أخبرنا محمد بن جعفر الهمداني بصور، قال: حدثنا علي بن سعيد الأنصاري، قال: مات يحيى بن معين في مدينة الرسول ﷺ وحمل على نعش رسول الله ﷺ فرأيتهم ينادون: معاشر الناس هذا ذاب الكذب عن رسول الله ﷺ كذا وكذا عامًا.
أخبرنا إبراهيم بن عبد الواحد البغدادي، قال: سمعت جعفر بن أبي عثمان الطيالسي، يقول: سمعت حبيس بن مبشر، يقول: رأيت يحيى بن معين في النوم، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي وزوجني ثلاث مئة
стр. 50
حوراء، وعمل لي سماطًا، وأقعدني بين الناس، وقال لي: يا يحيى تَمَنَّ ما شئت، قال: قلت: فمن أوثق الناس؟ قال: شعبة وسفيان وزائدة، شيء عجب مرتين أو ثلاثًا.
أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد المروزي بالبصرة، قال: حدثنا محمد بن الحسن السلمي، قال: سمعت طالوت بن لقمان، يقول: سمعت أبا يحيى السمسار البغدادي، يقول: رأيت أحمد بن حنبل ﵀ في المنام وعلى رأسه تاج مرصع بالجوهر، وإذا يخطر خطرة لم أعرفها له في دار الدنيا، فقلت له: يا أبا عبد الله ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي وأدناني من نفسه، وتوجني بهذا التاج، وقال: هذا لك بقولك: القرآن كلام الله غير مخلوق، قلت: فما هذه الخطرة التي لم أعرفها لك في الدنيا؟ قال: هذه مشية الخدام في دار السلام.
أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسن البلخي بجرجان، قال: حدثنا العباس بن محمد الخلال، قال: حدثنا إبراهيم بن شماس، قال: سمعت وكيع بن الجراح وحفص بن غياث يقولان: ما قدم الكوفة مثل ذلك الفتى، يعنيان أحمد بن حنبل.
أخبرني محمد بن الليث الوراق، قال: سمعت محمد بن مشكان، يقول: قال عبد الرزاق: ما قدم علي أحد كان يشبه أحمد بن حنبل ﵀.
قال أبو حاتم: ثم أخذ عن هؤلاء مسلك الانتقاد في الأخبار وانتقاء الرجال في الآثار جماعة، منهم محمد بن يحيى الهذلي النيسابوري، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وأبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد الرازي، ومحمد بن إسماعيل الجعفي البخاري، ومسلم بن الحجاج النيسابوري، وأبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، في جماعة من أقرانهم، أمعنوا في الحفظ، وأكثروا في الكتابة، وأفرطوا في الرحلة، [و] واظبوا على السنن والمذاكرة، والتصنيف والمدارسة حتى أخذ عنهم من نشأ من بعدهم من شيوخنا هذا المذهب، وسلكوا هذا المسلك، حتى أن
стр. 51
أحدهم لو سئل عن عدد الأحرف في السنن لكل سنة منها عدها عدًا، ولو زيد فيها ألف أو واو لأخرجها طلوعًا [طوعًا] ولأظهرها ديانة، ولولاهم لدرست الآثار واضمحلت الأخبار، وعلا أهل الضلالة والهوى، وارتفع أهل البدع والعمى، فهم لأهل البدع قامعون بالسنن شأنهم جامعون [دامغون]، حتى إذا قال وكيع بن الجراح: حدثنا النضر عن عكرمة، ميزوا بين حديث النضر بن عدي الحراني وبين النضر بن عبد الرحمن الخزاز، وأحدهما ضعيف والآخر ثقة، وقد رويا جميعًا عن عكرمة، وروى وكيع عنهما، حتى إذا قال حفص بن غياث: حدثنا أشعث عن الحسن ميزوا حديث أشعث بن عبد الملك من أشعث بن سوار، وأحدهما ثقة والآخر ضعيف (١). وقد رويا جميعًا عن الحسن، وروى عنهما حفص بن غياث، وحتى إذا قال عبد الرزاق: حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع، وعبد الله بن عمر عن نافع ميزوا حديث هذا من حديث ذاك، لأن أحدهما ثقة والآخر ضعيف: فإن أسقط من اسم عبيد الله ياء علموأ أنه ليس من حديث عبد الله بن عمر، وإذا زيد في اسم عبد الله ياء قالوا: ليس هذا من حديث عبيد الله بن عمر، حتى خلصوا الصحيح من السقيم، وإذا قال ابن أبي عدي: حدثنا شعبة عن قتادة، وحدثنا سعيد عن قتادة، فإذأ ألزق طرف الدال في بعض الكتب حتى يصير سعيد شعبة، خلصوا وقالوا: ليس هذا من حديث شعبة، إنما هو لسعيد، وإن انفتح من الهاء فرجة حتى صار شعبة سعيدًا ميزوا وقالوا: ليس هذا من حديث سعيد، هذا من حديث شعبة، وإذا كان للحديث عند ابن أبي عدي ويزيد بن زريع وغندر عن سعيد وشعبة جميعًا عن قتادة، ميزوه، وحتى خلصوا ما عند يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة مما عند غدر عن شعبة عن قتادة، وفصلوا بين ما عند غندر عن شعبة عن قتادة، وبين ما عند يزيد بن زريع عن شعبة عن قتادة، لأن سعيدًا اختلط في آخر عمره، فليس حديث المتأخرين عنه بمستقيم، وشعبة إمام متقن ما اختلط ولا تغير، وإذا قال عبيد الله بن موسى: حدثنا سفيان عن فراس، وحدثنا شيبان عن فراس،
стр. 52
ميزوا بين ما انفرد الثوري عن فراس، وبين ما انفرد شيبان عن فراس، حتى إذا صغرت الفاء من سفيان في الكتابة وأشبهت شيبان، ميزوا وقالوا: هذا في حديث سفيان لا شيبان، وإذا عظمت الياء من شيبان حتى صار شبيهًا بسفيان، قالوا: هذا من حديث شيبان لا سفيان، وميزوا بين ما روى عبيد الله بن موسى عن شيبان عن جابر، وبين ما روى عن سفيان عن جابر في أشباه هذا مما يكثر ذكره، ومن كانت همته في هذا الشأن ومواظبته على هذه الصناعة بحسب ما ذكرت لم ينكر لواحد منهم أن يخرج الضعيف ويقدح في الواهي من الرواة والمحدثين، ومن لم يطلب العلم من مظانه، ولا دار في الحقيقة على أطرافه يَعِيبُهُمْ إذا قالوا: فلان ضعيف وفلان ليس بشيء لجهلهم بصناعة الأخبار، وقلة معرفتهم بالطرق للآثار، ولو أنهم وفقوا لإصابة الحق علموا أن السنة تصرح بإباحة ما ذهبوا إليه من الإطلاق على من صح عندهم الجرح والقدح.
ذكر الخبر الدال على صحة ما ذهبنا إليه
أخبرنا الحسين بن إدريس الأنصاري، قال: أخبرنا أحمد بن أبي بكر الزهري، عن مالك، عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة بنت قيس، أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة، وهو غائب بالشام، فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته، فقال: والله ما لك علينا من شيء، فجاءت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فقال لها: "لَيْسَ لَكِ عَلَيهِ نَفَقَةٌ" وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: "تِلْكَ امْرأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي فَاعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإنَّهُ رَجُلٌ أعْمَى، فَإِذَا حَلَلْتِ فَائْذَنِينِي" قالت: فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله ﷺ : "أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَة فَصَعْلُوكٌ لَا مَال لَهُ، انكَحِي أُسَامَةَ بْنَ زيدٍ" فقالت: فكرهته، ثم قال: "انْكَحي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ" فنكحته، فجعل الله فيه خيرًا كثيرًا، واغتطت به (١).
стр. 53
قال أبو حاتم: في هذا الخبر دليل على إجازة القدح في الضعفاء على سبيل الديانة لأن يتنكب عن الاحتجاج بأخبارهم على سبيل القدح فيهم من جنس الغيبة، ولما ذكر النبي ﷺ في أبي جهم أنه لا يضع عصاه عن عاتقه، وفي معاوية أنه صعلوك لا مال له عند مشورة استشير فيها، كان ذكر مثله مما كان في الإنسان مكنونًا ما لو لم يبين ذلك أحل حرامًا أو حرم حلالًا أجود، وإظهار مثله أولى، لا أنه يكون غيبة كما زعم من اقتنع بالرأي المنكوس والقياس المنحوس.
ذكر خبر يدل على صحته
أخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة بعسقلان، قال: حدثنا ابن أبي السري، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، قال: حدثني عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن حديث عائشة حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فذكر الخبر، وقال فيه: فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله، فأما أُسامة فأشار على رسول الله ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود، فقال: يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلا خيرًا، وأما علي بن أبي طالب فقال: لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك، فدعا رسول الله ﷺ بريرة، فقال: "يَا بَرِيرةُ هَلْ رَأَيْتِ شَيْئًا يُرِيبُكِ مِنْ عَائِشَةَ؟ " فقالت بريرة: والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرًا قط أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها، فيأتي الداجن فيأكله، ثم ذكر باقي الحديث (١).
стр. 54
قال أبو حاتم: في سؤال النبي ﷺ عليًّا وأسامة وبريرة عما يعلمون من أهله بيان واضح أنه لم يسألهم إلا وعليهم إخباره بما يعلمون منها، فكذلك كل من علم من راوي خبر لا يبلغ مقداره في الدين قدر عائشة، ولا محله من النبي ﷺ محلها يَهي الخبر به أو يبطل الخبر بذكره واجب عليه أن يخبر من لا يعلم ذلك، ولا يكتمه، لئلا يتقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل، وأي مرتبة من مراتب الدين أجل من نصرة الإسلام بذب الكذب عن النبي المصطفى ﷺ ؟ يا لها من مرتبة ما أجلها وحالة ما أشرفها، وإن جهلها الجاهلون.
ذكر أنواع جرح الضعفاء
قال أبو حاتم ﵀: فأما الجرح في الضعفاء فهو على عشرين نوعًا، يجب على كل منتحل للسنن طالبٍ لها باحثٍ عنها أن يعرفها، لئلا يطلق على كل إنسان إلا ما فيه، ولا يقول عليه فوق ما يعلم منه.
[النوع الأول]
فأما النوع الأول من أنواع الجرح في الضعفاء فهم الزنادقة الذين كانوا يعتقدون الزندقة والكفر، ولا يؤمنون بالله واليوم الآخر، كانوا يدخلون المدن، ويتشبهون بأهل العلم، ويضعون الحديث على العلماء، ويروون عنهم ليوقعوا الشك والريب في قلوبهم، فعسى يَضلون ويُضلون، فيسمع الثقات منهم ما يروون، ويؤدونها إلى من بعدهم، فوقعت في أيدي الناس حتى تداولوها بينهم.
أخبرنا عبد الملك بن محمد، عن عمار بن رجاء، عن سليمان بن حرب، قال: قال ابن لهيعة: دخلت على شيخ وهو يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟ قال: وضعت أربع مئة حديث أدخلتها في برنامج الناس، فلا أدري كيف أصنع؟ .
حدثنا مكحول، قال: حدثنا أحمد بن سليمان الرهاوي، قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا حماد بن زيد، عن ابن عون، قال: قال إبراهيم
стр. 55
النخعي: إياكم والمغيرة بن سعيد وأبا عبد الرحيم، فإنهما كذابان.
سمعت مكحول، يقول: سمعت جعفر بن أبان الحافظ، يقول: سمعت ابن نمير، يقول: مغيرة بن سعيد هذا كان ساحرًا مشعبذًا، وأما بيان فكان زنديقًا، قتلهما خالد بن عبد الله القسري، وأحرقهما بالنار.
أخبرنا ابن المسيب، قال: حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، قال: حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكرٍ، قال: سمعت الليث بن سعد، يقول: قدم علينا شيخ من الإسكندرية يروي عن نافع، ونافع يومئذ حي، قال: فأتيناه فكتبنا عنه فنداقين عن نافع، فلما خرج الشيخ أرسلنا بالفنداقين إلى نافع، في عرف منها حديثًا واحدًا، فقال أصحابنا: ينبغي أن يكون هذا من الشياطين الذين حبسوا.
آخر الجزء الأول من الأصل يتلوه في الثاني النوع الثاني
قال أبو حاتم: ومنهم من استفزه الشيخان حتى كان يضع الحديث.
والحمد لله رب العالمين، وصلواته على سيد المرسلين محمد النبي وآله الطاهرين (١).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
النوع الثاني
قال أبو حاتم ﵀: ومنهم من استفزه الشيطان حتى كان يضع الحديث على الشيوخ الثقات في الحث على الخير وذكر الفضائل، والزجر عن المعاصي والعقوبات عليها، متوهمون [متوهمين] أن ذلك الفعل مما يؤجرون عليه، ويتأولون قول النبي ﷺ "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتعَمِّدًا" ما حدثني أحمد بن محمد الجواربي بواسط، قال: حدثنا علي بن عبد الرحمن بن المغيرة، قال: سمعت أبا صالح، يقول: سمعت بقية يقول: سمعت إبراهيم بن أدهم، يقول في قول النبي ﷺ : "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا" أن قال: ساحر أو شاعر أو كاهن.
سمعت عبد الله بن جابر بطوسوس، يقول: سمعت جعفر بن محمد الأزدي، يقول: سمعت محمد بن عيسى بن الطباع، يقول: سمعت ابن مهدي، يقول لميسرة بن عبد ربه: من أين جئت بهذه الأحاديث من قرأ كذا فله كذا؟ قال: وضعتها أرغب الناس فيها.
النوع الثالث
قال أبو حاتم ﵀: ومنهم من كان يضع الحديث على الثقات وضعًا استحلالًا وجرأة على رسول الله ﷺ حتى إن أحدهم كَان عامة ليله يسهر في وضع الحديث.
كان أبو بكر البخترى وهب بن وهب القاضي، وسليمان بن عمرو
стр. 59
النخعي، والحسن بن علوان، وإسحاق بن نجيح الملطي وذويهم.
أخبرنا محمد بن زياد الزيادي، قال: أخبرنا ابن أبي شيبة، قال: سمعت يحيى بن معين، يقول: كان ببغداد قوم يضعون الحديث كذابين، منهم إسحاق بن نجيح الملطي، وأبو داود النخعي، ومحمد بن زياد (١) كان يضع الحديث، وكان لأبي داود أب ثقة.
أخبرني محمد بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن إدريس، قال: كان أبو نعيم يومًا جالس [جالسًا]، ورجل في ناحية المجلس يقول: حدثني أبو نعيم، قال ابن جريجٍ، فنظر إليه أبو نعيم، وقال: كذب الدجال، ما سمعت من ابن جريجٍ شيئًا.
النوع الرابع
قال أبو حاتم ﵀: ومنهم من كان يضع الحديث عند الحوادث تحدث للملوك وغيرهم في الوقت دون الوقت من غير أن يجعلوا ذلك لهم صناعة ليتشوقوا بها، مثل النوع الثالث الذين ذكرناهم، فأما هذا النوع فهو كغياث بن إبراهيم، حيث أدخل على المهتدي، وكان المهتدي يشتري الحمام ويشتهيها، ويلعب بها، فلما دخل غياث على المهدي إذا قدامه حمام، فقيل له: حدث أمير المؤمنين، فقال: حدثنا فلان، عن فلان، أن النبي ﷺ قال: "لَا سَبقَ إلا فِي نَصْلٍ أَوْ حَافِرٍ أَوْ جَنَاحٍ" فأمر له المهدي ببدرة، فلما قام، قال: أشهد على قفاك أنه قفا كذاب على رسول الله ﷺ ثم قال المهدي: أنا حملته على ذلك، ثم أمر بذبح الحمام، ورفض ما كان فيه منه.
أخبرنا عبد الملك بن محمد بن عدي، قال: حدثنا عمار بن رجاء، قال: حدثنا عبيد بن إسحاق العطار، قال: حدثنا سيف بن عمر، قال: كنا عند سعد بن طريق الإسكاف، فجاءه ابنه يبكي، فقال: ما لك؟ فقال:
стр. 60
ضربني المعلم، فقال: أما والله لأخزينهم، حدثني عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : مُعَلِّموا صبْيانِكُمْ شرارُكُمْ، أَقَلُّهُمْ رَحْمَةً لِلْيَتِيمِ، وَأغْلَظُهُمْ عَلَى المَسْكِينِ".
أخبرنا الضحاك بن هارون بجنديسابور، قال: حدثنا الأصفري، قال: حدثنا المعيطي (١)، قال: سئل إبراهيم بن أبي يحيى عن رجل أعطى الغزل إلى الحائك، فنسج له وفضل منه خيوط، فقال صاحب الثوب هو لي، وقال النساج: هو لي، فالخيوط لمن؟ فقال إبراهيم: حدثني ابن جريجٍ، عن عطاء: إن كان صاحب الثوب أعطاه للاردهالج فالخيوط له، وإلا فهو للحائك.
النوع الخامس
قال أبو حاتم ﵀: ومنهم من قد كتب وغلب عليه الصلاح والعبادة، وغفل في الحفظ التمييز، فإذا حدث رفع المرسل وأسند الموقوف وأقلب الأسانيد، وجعل كلام الحسن عن أنس عن النبي ﷺ وما يشبه هذا، حتى خرج عن حد الاحتجاج به كأبان بن أبي عياش ويزيد الرقاشي وذويهما.
حدثنا الحسن بن سفيان، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، قال: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: لم نجد الصالحين أكذب منهم في الحديث.
حدثني محمد بن عبد الرحمن الفقيه، قال: حدثني ابن قهزاد، قال: سمعت أبا إسحاق الطالقاني، يقول: سمعت ابن المبارك، يقول: لو خيرت بين أن أدخل الجَنَّة وبين أن ألقى عبد الله بن محرز لاخترت أن ألقاه، ثم أدخل الجنة، فلما رأيته كانت بعرة أحب إلي منه.
حدثني محمد بن المنذر، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: سمعت
стр. 61
عمرو الناقد، يقول: سمعت وكيعًا يقول وسأله رجل، فقال: يا أبا سفيان تعرف حديث سعيد بن عبيد الطائي عن الشعبي في رجل حج ثم حج؟ قال: من يرويه؟ قلت: وهب بن إسماعيل، قال: ذاك رجل صالح، وللحديث رجال.
النوع السادس
قال أبو حاتم ﵀: ومنهم جماعة ثقات اختلطوا في أواخر أعمارهم حتى لم يكونوا يعقلوا [يعقلون] ما يحدثوا [يحدثون] فأجابوا فيما سئلوا، وحدثوا كيف شاؤوا، فاختلط حديثهم الصحيح بحدثهم السقيم فلم يتميز، فاستحقوا الترك.
أخبرنا مكحول، قال: حدثنا أبو الحسين الرهاوي، قال: حدثنا مؤمل بن الفضل، قال: سألت عيسى بن يونس، عن ليث بن أبي سليم، فقال: قد رأيته، وكان قد اختلط، وكنت ربما مررت به ارتفاع النهار وهو على المنارة يؤذن.
أخبرني محمد بن صالح الحنبلي، قال: حدثنا عبد الملك بن محمد، قال: سمعت الحوضي، يقول؛ دخلت على فلان أريد أن أسمع فيه وقد اختلط (١). فسمعته يقول؛ الأزد عريضة، ذبحوا شاة مريضة، أطعموني فأبيت، ضربوني فبكيت، فتركته ولم أسمع منه شيئًا.
النوع السابع
قال أبو حاتم ﵀: ومنهم من كان يجيب عن كلّ شيء يسأل، سواء كان ذلك من حديثه أو من غير حديثه، لا يبالي أن يتلقن ما لقن، فإذا قيل له: هذا من حديثك حدث به من غير أن يحفظ، فهذا وأضرابه لا يحتج بهم؛ لأنهم يكذبون من حيث لا يعلمون.
стр. 62
أخبرنا محمد بن سعيد القزاز، قال: حدثنا أحمد بن منصور، قال: حدثنا نعيم بن حماد، قال: سمعت يحيى بن حسان، يقول جاء قوم ومعهم جزء، فقالوا: سمعناه من ابن لهيعة، فقلت: أي شيء ذاك الكتاب الذي حدثت به؟ ليس ههنا في هذا الكتاب حديث من حديثك، ولا سمعتها أنت قط، قال: ما أصنع بهم؟ يجيئون بكتاب فيقولون: هذا من حديثك، فأحدثهم به.
أخبرنا عمر بن محمد الهمداني، قال: حدثني عمرو بن علي، قال: سمعت يحيى بن سعيد، يقول: كا عند شيخ من أهل مكة أنا وحفص بن غياث وإذا أبو شيخ جارية بن هرم يكتب عنه، فجعل حفص يضع له الحديث، ويقول: حدثتك عائشة بنت طلحة عن عائشة بكذا، فيقول: حدثتني عائشة بنت طلحة عن عائشة بكذا، ثم يقول له: وحدثك القاسم بن محمد، عن عائشة بكذا، فيقوك: حدثنا القاسم عن عائشة بكذا، ويقول: حدثك سعيد بن جبير عن ابن عباس بمثله، فيقول: حدثني سعيد بن جبير عن ابن عباس، فلما فرغ ضرب حفص بيده إلى ألواح جارية فمحاها، فقال: تحسدوني، فقال له حفص: لا، ولكن هذا كذب، فقلت ليحيى: من الرجل؟ فلم يسمه، فقلت له يومًا: يا أبا سعيد لعل عندي عند هذا الشيخ ولا أعرفه، قال: هو موسى بن دينار.
النوع الثامن
قال أبو حاتم ﵀: ومنهم من كان يكذب ولا يعلم أنه يكذب، إذ العلم لم يكن من صناعته، ولا أغبر فيها قدمه كما قال بعض أهل البصرة: كان بالعوقة شيخ عده صحيفة عن حميد عن أنس، وكان مؤذنَهم، فلما مات قيل لي: إن في ذلك المسجد شيخ يحدث بتلك الصحيفة عن حميد نفسه، قال: فأتيته، فإذا شيخ عليه سجادة وأثر الخير فيه بين، فقلت له: صحيفة حميد، فأخرجها إلي، وإذا هي تلك الصحيفة بعينها، فقلت: اقرأ، فأخذ يقول: حدثنا حميد حتى أتى على آخرها، فقلت له: أي موضع حميدً [ا]؟ قال: لم أره، قلت: فكيف تحدث عمن لم تره؟ قال: هذا لا
стр. 63
يجوز؟ قلت: لا، قال: كان في هذا المسجد شيخ يؤذن ويحدث بهذه الصحيفة، فلما مات ولوني الأذان مكانه وأعصوا في الصحيفة، وقالوا: أذن كما كان يؤذن، وحدث كما كان بحدث، فأنا أؤذن كما كان يؤذن، وأحدث كما كان يحدث.
أخبرني محمد بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن إدريس، قال: حدثنا مؤمل بن إهاب، عن يزيد بن هارون، قال: كان بواسط رجل يروي عن أنس بن مالك أحرفًـ[ا]، ، ثم قيل: إنه خرج كتابًا عن أنس، فأتيناه فقلنا له: هل عندك شيء من تلك الأحرف؟ فقال: نعم، عندي كتاب عن أنس، فقلنا: أخرجه إلينا، فنظرنا فيه، فإذا هي أحاديث شريك بن عبد الله النخعي، فجعل يقول: حدثنا أنس بن مالك، فقلنا له: هذه أحاديث شريك، فقال: صدقتم، حدثنا أنس عن شريك، قال: فأفسد علينا تلك الأحرف التي سمعناها منه، وقمنا عنه.
أخبرنا عبد الملك بن محمد، قال: حدثنا سليمان بن عبد الحميد البهزاني، قال: حدثنا يحيى بن صالح، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، قال: كنت بالعراق فأتاني أهل الحديث، فقالوا: هذا رجل يحدث عن خالد بن معدان، قال: فأتيته فقلت: أي سنة كتبت عن خالد بن معدان؟ قال سنة ثلاث عشرة، فقلت: أنت تزعم أنك سمعت من خالد بعد موته بسبع.
قال إسماعيل: مات خالد سنة ست ومئة.
النوع التاسع
قال أبو حاتم ﵀: ومنهم من كان يحدث عن شيوخ لم يرهم بكتب صحاح، فالكتب في نفسها صحيحة إلا أن سماعه من أولئك الشيوخ لم يكن، ولا سمع منهم ولا رآهم، كأبي صالح صاحب الكلبي والكلبي وذويهما.
أخبرنا عبد الملك بن محمد، قال: حدثنا عباس بن محمد، قال:
стр. 64
سمعت يحيى بن معين، يقول: كان شيخ عند درب أبي الطيب، يروي عن الأوزاعي، يقول: حدثنا أبو عمرو ﵀، فذهبنا إليه فقعدنا يومًا في الشمس، فذهبنا ننظر، فإذا في أعلى الصحيفة: حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن سماعة، قال: فطرحنا صحيفته وتركناه، وكان كنيته أبو قتادة، وليس هو أبو قتادة الحراني.
أخبرني محمد بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم أبو أمية، قال: سمعت عفان، يقول: كان بالبصرة بالعوقَة شيخ يحدث عن قتادة، فكتبنا عنه، ثم سألناه: كيف كان إقبال قتادة عليك؟ فقال: ما سمعت من قتادة شيئًا، فقلنا: هذا الذي حدثتنا؟ قال؛ هذا شيء أرجو أن ينفعكم الله تعالى به، قال: فجعل يحثنا على البقية أن نكتب عنه، وجعلنا نتعجب منه.
أخبرنا عبد الملك بن محمد، قال: حدثنا أبو حاتم الرازي، قال: حدثنا بعض أصحابا، عن عفان، قال: كان عندنا شيخ بالبصرة، وعنده عن سعيد الجُرَيْري: حدثنا عن سعيد الحريري: فقلنا: إإنما هو سعيد الجُرَيْر، فقال: نعم رأيت جراره التي كان يبيعها.
قال أبو حاتم: كذب إنما هو قبيلة من جُرير بن عباد.
حدثنا محمد بن سعيد القزاز، قال: حدثنا إبراهيم بن يزيد، عن أحمد بن إسحاق الحضرمي، قال: كان ههنا بالبصرة شيخ يروي عن أنس بن مالك، فلما أتى عليه أيام تخطا إلى أبي برزة الأسلمي، فقال أخي يعقوب بن إسحاق: مُرَّ بنا إلى هذا الشيخ حتى أجربه أصادق هو أم كاذب فيما يقول؟ فجاءه يعقوب، فقال له: يا شيخ رأيت أنس بن مالك؟ قال: نعم، قال: رأيت أبا برزة الأسلمي؟ قال: نعم، قال: رأيت علقمة بن قيس؟ قال الشيخ صاحب ابن مسعود؟ فقال له: نعم، فقال الشيخ: نعم، وأبوه قيس أيضًا رأيته، قال: فقال يعقوب: قم عن هذا الشيخ، فإنه كذاب.
أخبرنا عبد الملك بن محمد، قال: حدثنا يوسف بن مسلم، قال: سمعت حجاج بن محمد، يقول: أتينا مرّة شيخًا، فأخرج إلينا كتبه، فأخذنا
стр. 65
منها وتركنا، فقال: لأي شيء تركتم هذا؟ اشتريته بأكثر مما اشتريت هذا.
النوع العاشر
قال أبو حاتم ﵀: ومنهم من كان يقلب الأخبار ويسوي الأسانيد، كخبرٍ مشهورٍ عن سالم، يجعله عن نافع، وآخر لمالك، يجعله عن عبيد الله بن عمر ونحو هذا كإسماعيل بن عبيد الله التيمي وموسى بن محمد البلقاوي وعمر بن راشد الساحلي وذويهم، وقد رأينا في عصرنا جماعة مثلهم يسوون الأحاديث سنذكرهم في هذا الكتاب بالفصول عنهم إن قضى الله ذلك وشاءه.
أخبرنا محمد بن إسحاق الثقفي، قال: حدثني محمد بن يحيى، قال: سمعت نعيم بن حماد، يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي، يقول: قلت لشعبة: من الذي نترك الرواية عنه؟ قال؛ إذا أكثر عن المعروفين من الرواية ما لا يعرف.
سمعت ابن خزيمة، يقول: سمعت أحمد بن الحسن الترمذي، يقول: سمعت أحمد بن حنبل، يقول: توهمت أن بقية لا يحدث بالمناكير إلا عن المجاهيل، فإذا هو يحدث المناكير عن المشاهير، فعلمت من أين أتى.
النوع الحادي عشر
قال أبو حاتم: ومنهم جماعة رأوا شيوخًا وسمعوا منهم، ثم ذكروا عنهم بعد موتهم بأحاديث لم يسمعوها منهم، فحفظوها، فلما احتيج إليهم ظفروا عليها وحدثوا بها عن الشيوخ الذين رأوهم من غير تدليس عنهم، وقد رأينا ضرب هذا جماعة من الشيوخ والكهول يفعلون نحو هذا، سنذكرهم فيما بعد إن شاء الله.
سمعت عبد الله بن جابر بطرسوس، يقول: سمعت جعفر بن محمد الأذني، يقول: سمعت محمد بن عيسى بن الطباع، يقول: قال لي أخي إسحاق بن عيسى: ذاكرت محمد بن جابر ذات يوم بحديث لشريك عن أبي
стр. 66
إسحاق، فرأيته في كتابه قد ألحقه بين السطرين، كتابًا طريًا.
أخبرنا محمد بن داود الرازي، قال: حدثنا ابن حميد، عن جرير، قال: قال لي محمد بن جابر: سألني أبو حنيفة كتب حماد بن أبي سليمان، فلم أعطه، فدس إلي ابنه حتى أخذها مني، فهو يرويها عن حماد.
أخبرنا محمد بن المنذر، قال: سمعت عباس، يقول: قال يحيى بن معين: قال لي هشام بن يوسف: جاءني مطرف بن مازن، فقال: أعطني حديث ابن جريجٍ ومعمر حتى أسمعه منك، فأعطيته فكتبها عنه، ثم جعل يحدث بها عن معمر نفسه وعن ابن جريجٍ، فقال لي هشام: انظر في حديثه فهو مثل حديثي سواء، فأمرت رجالًا فجاءني بأحاديث مطرف بن مازن، فعارضته بها فإذا هي مثلها سواء، فعلمت أنه كذاب.
النوع الثاني عشر
قال أبو حاتم: ومنهم من كتب الحديث ورحل فيه إلا أن كتبه قد ذهبت، فلما احتيج إليه كان يحدث من كتب الناس من غير أن يحفظها كلها أو يكون له سماع فيها كابن لهيعة وذويه.
حدثني محمد بن المنذر، قال: سمعت أحمد بن واضح المصري، يقول: كان محمد بن خلاد الإسكندراني رجلًا [صالحًا]، ثقة، ولم يكن فيه اختلاف حتى ذهبت كتبه، فقدم علينا رجل يقال له: أبو موسى في حياة ابن بكير، فدفع إليه نسخة ضمام بن إسماعيل ونسخة يعقوب، فقال: أليس قد سمعت النسختين؟ قال؛ نعم، قال: فحَدِّثني بهما، قال: ذهبت كتبي ولا أحدث به، قال: فما زال به هذا الرجل حتى خدعه، وقال له: النسخة واحدة، فحدث بها، وكل من سمع منه قديمًا قبل ذهاب كتبه فحديثه صحيح، ومن سمع منه بعد ذلك فحديثه ليس بذاك.
سمعت محمد بن محمود النسائي، يقول: سمعت علي بن سعيد، يقول: سمعت أحمد بن حنبل ﵀، يقول: من سمع من ابن لهيعة فسماعه أصح، قدم علينا ابن المبارك سنة تسع وسبعين ومئة، قال: من
стр. 67
سمع ابن لهيعة منذ عشرين سنة فهو صحيح، قلت له: سمعت من ابن المبارك؟ قال: لا.
قال أبو حاتم: هذا إذا ميز بين حديثه المعروف عنه الذي حدث من كتابه وبين ما حدث بعد احتراق كتبه، وقد سبرت حديثه من رواية العبادلة عنه عبد الله بن المبارك وعبد الله بن وهب وعبد الله بن يزيد المقري وبين حديثه الذي حدث بعد احتراق كتبه، فَلَمَّا حدث بما ليس من حديثه بعد احتراق كتبه، فرأيت في القديم أشياء مدلسة وأوهامًا كثيرة تدل على قلة مبالاة كانت فيه قبل احتراق كتبه، فلما حدث بما ليس من حديثه بعد احتراق كتبه استحق الترك.
سمعت محمد بن إبراهيم العبدي، يقول: سمعت قتيبة بن سعيد، يقول: سمعت أحمد بن محمد بن سعيد القيسي، يقول: لما أحرق كتب ابن لهعية بعث إليه الليث بن سعد كالغد [من الغد] ألف دينار.
النوع الثالت عشر
قال أبو حاتم: ومنهم من كثير خطؤه وفحش، وكاد أن يغلب صوابه فاستحق الترك من أجله، وإن كان ثقة في نفسه، صدوقًا في روايته، لأن العدل إذا ظهر عليه أكثر أمارات الجرح استحق الترث، كما أن من ظهر عليه أكثر علامات التعديل استحق العدالة.
أخبرنا محمد بن إسحاق الثقفي، قال: حدثنا محمد بن يحيى، قال: سمعت نعيم بن حماد، يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي، يقول: قلت لشعبة: من الذي تترك الرواية عنه؟ قال: إذا أكثر عن المعروفين من الرواية ما لا يعرف أو أكثر الغلط.
أخبرنا إبراهيم بن عبد الواحد العنسي بدمشق، قال: حدثنا مضر بن محمد الأسدي، قال: سألت يحيى بن معين عن إسماعيل بن عياش؟ قال: إذا حدث عن الشاميين فحديثه صحيح، وإذا حدث عن العراقيين أو المدنيين خلط ما شئت.
стр. 68
النوع الرابع عشر
قال أبو حاتم: ومنهم من امتحن بابن سوءٍ أو ورَّاقِ سوءٍ كانوا يضعون له الحديث، وقد أمن الشيخ ناحيتهم، فكانوا يقرؤون عليه، ويقولون له: هذا من حديثك، فيحدث به، فالشيخ في نفسه ثقة، إلا أنه لا يجوز الاحتجاج بأخباره ولا الرواية عنه لما خالط أخباره الصحيحة الأحاديث الموضوعة.
وجماعة من أهل المدينة امتحنوا بحبيب بن أبي حبيب الوراق، كان يدخل عليهم الحديث، ممن سمع بقراءته عليهم فسماعه لا شيء.
وكذلك كان عبد الله بن ربيعة القدامي بالمصيصة كان له ابن سوءٍ يدخل عليه الحديث عن مالك وإبراهيم بن سعد وذويهما.
وكان منهم سفيان بن وكيع بن الجراح، كان له وراق يقال له: قرطُمة [قرطبة] يدخل عليه الحديث في جماعة مثل هؤلاء يكثر عددهم.
أخبرني محمد بن عبد الله ببيروت، قال: حدثنا جعفر بن أبان الحافظ، قال: سألت ابن نمير، عن قيس بن الربيع؟ فقال: كان له ابن هو آفته، نظر أصحاب الحديث في كتبه، فأنكروا حديثه، وظنوا أن ابنه قد غيرها.
النوع الخامس عشر
قال أبو حاتم: ومنهم من أدخل عليهم شيء من الحديث وهو لا يدري.
فلما تبين له لم يرجع عنه، وجعل يحدث به آنفًا من الرجوع عما خرج منه، وهذا لا يكون إلا من قلة الديانة والمبالاة بما هو مجروح في فعله، فإن سلم في أول وهلة وهو لا يعلم ما يحدث به ثم علم وحدث بعد العلم بما ليس من حديثه وإن كان شيئًا يسيرًا، فقد دخل في جملة المتروكين لتعديه ما ليس له.
سمعت محمد بن إسحاق الثقفي، يقول: سمعت أبا سيار - وكان
стр. 69
كحبر الرجال- يقول: سمعت أحمد بن حنبل ﵀ يقول: لعن غياث داود الأودي، عن الشعبي، عن علي، قال: لا يكون مهرًا أقلّ من عشرة دراهم فصار يحدث.
سمعت محمد بن المنذر، يقول: سمعت أحمد بن واضح، يقول: كان هانىء بن المتوكل لم يكن أول أمره يحدث بشيء من هذه المناكير، إنما أدخلوا عليه بعد ما كبر الشيخ.
النوع السادس عشر
قال أبو حاتم: ومنهم من سبق لسانه حتى حدث بالشىء الذي أخطأ فيه وهو لا يعلم، ثم تبين له وعلم فلم يرجع عنه وتمادى في روايته ذلك الخطأ بعد علمه أنه أخطأ فيه أول مرّة، من كان هكذا كان كذابًا، ومن صح عليه الكذب استحق الترك.
أخبرنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران مولى ثقيف، قال: حدثنا محمد بن يحيى، قال: سمعت نعيم بن حماد، يقول: سمعت ابن مهدي، يقول: قلت لشعبة: من الذي نترك الرواية عنه؟ قال: إذا تمادى في غلط مجتمع عليه، ولم يتهم نفسه عند اجتماعهم على خلافه، أو رجل يتهم بالكذب.
أخبرنا الحسين بن إسحاق الأصبهاني، قال: أخبرنا أبو داود السجستاني، قال: حدثنا مجاهد بن موسى، قال: حدثنا عفان، قال، سمعت شعبة، يقول: لو قيل لعاصم بن عبيد الله: من بنى مسجد البصرة؟ لقال: فلان بن فلان عن النبي ﷺ .
النوع السابع عشر
قال أبو حاتم: ومنهم المعلن بالفسق والسفه وَإن كان صدوقًا في روايته، لأن الفاسق لا يكون بعدل [عدلًا]، والعدل لا يكون مجروحًا، ومن خرج عن حد العدالة لا يعتمد على صدقه وإن صدق في شيء بعينه
стр. 70
في حالة من الأحوال إلا أن يظهر منه ضد الجرح، حتى يكون أكثر أحواله طاعة الله فحينئذ يحتج بخبره، فأما قبل ظهور ذلك عنه فلا.
أخبرنا محمد بن سعيد القزاز، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا معن، قال: سمعت مالكًا يقول: أربعة لا يكتب عنهم: رجل سفيه معروف بالسفه، وصاحب هوىً داعية إلى هواه، ورجل صالح لا يدري في ما يحدث، ورجل يكذب في حديث رسول الله ﷺ ، وسائرهم يكتب عنهم.
سمعت محمد بن المنذر، يقول: سمعت عباس، يقول: سمعت يحيى بن معين، يقول وذكرت له شيخًا كان يلزم ابن عيينة يقال له: ابن مبادر، فقال: أعرفه كان يرسل العقارب في المسجد الحرام حتى تلسع الناس، وكان يصب المداد بالليل في المواضع التي يتوضأ منها، حتى تسود وجوه الناس، ليس يروي عنه رجل فيه خير.
النوع الثامن عشر
قال أبو حاتم: ومنهم المدلس عمن لم يره، كالحجاج بن أرطاة وذويه، كانوا يحدثون عمن لم يروه، ويدلسون حتى لا يعلم ذلك منهم.
سمعت محمد بن عمرو بن سليمان، يقول: سمعت محمد بن يحيى الذهلي، يقول: الحجاج بن أرطاة لم يسمع من الزهري ولم يره.
أخبر أحمد بن سليمان، قال: سمعت هشيمًا، يقول: قال لي الحجاج بن أرطاة: صف لي الزهري.
أخبرني محمد بن المنذر، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثنا زيد بن يحيى الأنماطي، قال: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن ابن أبي أوفى، قال: كان النبي ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ" فحدث به الحجاج بن أرطاة، فقال: هذا أصل، ثم سمعته يحدث عمرو بن مرّة، فقلت: سمعته منه؟ فقال: إذا حدثتني به فلا أبالي أن لا أسمعه.
стр. 71
سمعت مكحولًا، يقول: سمعت جعفر بن أبان، يقول: سمعت ابن نمير، يقول: سمعت أبا خالد الأحمر، يقول: قال لي الكلبي: قال لي عطية: كنيتكَ بأبي سعيد، فأنا أقول: حدثني أبو سعيد.
أخبرنا محمد بن المسيب، قال: حدثنا إسحاق بن منصور، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، قال: لم يلق الضحاكُ ابنَ عباس، إنما لقي سعيد بن جبير بالري، فأخذ عنه التفسير.
أخبر ابن قتيبة، قال: حدثنا راشد بن سعيد، قال: حدثنا سلم بن قتيبة، عن شعبة، قال: قلت ليونس بن عبيد: سمع الحسن من أبي هريرة؟ قال: لا ولا كلمة، قلت الضحاك سمع من ابن عباس؟ قال: ما رآه قط.
النوع التاسع عشر
قال أبو حاتم: ومنهم المبتدع إذا كان داعية يدعو الناس إلى بدعته، حتى صار إمامًا يقتدى به في بدعته، ويرجع إليه في ضلالته، كغيلان وعمرو بن عبيد وجابر الجعفي وذويهم.
أخبرنا أبو يعلى، قال: حدثنا محمد بن الصباح الدولابي، قال: حدثنا إسماعيل بن زكريا، عن عاصم، عن ابن سيرين، قال: كانوا لا يسألون عن الإسناد حتى وقعت الفتنة، فسألوا عن الرجل، فإن كان من أهل السنة أخذوا حديثه، وإن كان من أهل البدعة فلا يؤخذ حديثه.
أخبرنا مكحول، قال: حدثنا جعفر بن أبان الحافظ، قال: قلت: لأحمد بن حنبل ﵀: فنكتب عن المرجىء والقدري وغيرهما من أهل الأهواء؟ قال: نعم إذا لم يكن يدعو إليه ويكتب [يكثر] الكلام فيه، ، فأما إذا كان داعيًا فلا.
سمعت عبد الله بن علي الجَبُّلي بجَبُّل، يقول: سمعت محمد بن أحمد بن الجنيد الدقاق، يقول: سمعت عبد الله بن يزيد المقرىء، يقول عن رجل من أهل البدع رجع عن بدعه جعل يقول: انظروا هذا الحديث ممن تأخذون، فإنا إذا كنا رأينا رأيًا جعلنا له حديثًا.
стр. 72
سمعت ابن المسيب، يقول: سمعت ابن عبد الحكم، يقول: سمعت الشافعي، يقول: سمعت ابن عيينة، يقول: كنا يومًا عند جابر الجعفي في بيت فتكلم بكلام نظرنا إلى السقف، فقلنا: الساعة يسقط علينا.
أخبرنا محمد بن إسحاق الثقفي، قال: حدثنا الجوهري، قال: حدثنا القواريري، قال: حدثنا الحسن بن عبد الرحمن الحارثي، عن ابن عون، عن ثابت، قال: رأيت عمرو بن عبيد في المنام في حجره مصحف وهو يحك منه شيئًا، فقلت له: ما تصنع؟ قال: أثبت مكانها خيرًا منها.
سمعت القاسم بن محمد بن حمويه بالصافية، يقول: سمعت أحمد بن الخليل، يقول: سمعت أبا بكر بن عياش، يقول: حدثنا عاصم، قال: قال لي رجل: هل لك في رجل من الفقهاء؟ قلت: نعم، فانطلقت معه، فأدخلت على شيخ كبير قد بهر يكسر الكلام وحوله جماعة كأن على رؤوسهم الطير، فجلست معهم، فقال الشيخ: أشهد أن ابن أبي ثالب والهسن والهسين والمختار مبؤوثون قبل يوم القيامة، فيملون الأرض عدلًا كما مليت جورًا، قال: قلت: كم يمكثون في ذلك العدل سنة؟ قال: وأيش سنة وأيش مئة سنة وأيش ألف سنة؟ ثم قال لهم: أتشهدون؟ قالوا: نشهد أنك صادق، فقال لي: اشهد، فقلت: أشهد أنك كاذب.
أخبرنا ابن المسيب، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الشهيدي، قال: حدثنا يحيى بن حميد الطويل، عن عمرو بن النضر، قال: مررت بعمرو بن عبيد، فجلست إليه، فذكر شيئًا، فقلت: ما هكذا يقول أصحابنا، قال: ومن أصحابك لا أبا لك؟ قلت: أيوب ويونس وابن عون والتيمي، قال: أولئك أنحاس أرجاس أموات غير أحياء.
أخبرنا محمد بن أحمد بن عبد الله البزاز بالبصرة، قال: حدثنا أبو كامل الجحدري، قال: حدثنا عمرو بن النضر بن عمرو، قال: مررت بمسجد الأنصار فإذا عمرو بن عبيد جالس، قال: فقال لي: أي شيء مر لكم [بكم] البارحة في مجلس الحسن؟ قال: وأخبرته بمسألة مرت فأجاب فيها، قال: فقلت: كذا قال أصحابنا، قال: ومن أصحابكم؟ قال: قلت له:
стр. 73
أيوب ويونس وهشام، قال: أولئك أنحاس أرجاس أطفاس أموات غير أحياء وما يشعرون.
قال أبو حاتم: هذا يقول لهؤلاء وهم أئمة العلم ومصابيح الدين وسرج الإسلام ومنار الهدى، ولم يكن على أديم الأرض في زمانهم أربعة بشبههم في الدين والفقه والحفظ والصلابة في السنة والبغض لأهل البدع مع التقشف الشديد والجهد في العبادة والورع الخفي.
أخبرنا محمد بن إسحاق الثقفي، قال: حدثنا علي بن مسلم، قال. حدثنا أبو داود، قال: سمعت شعبة يقول: ما رأيت مثل أيوب ولا يونس ولا ابن عون قط.
حدثنا محمد بن أحمد الزيادي بنسا، قال: سمعت علي بن حجر، يقول: حدثنا جرير، عن رقبة، قال: رأيت رب العزة ﵎ في المنام، قال: وعزتي لأكرمن مثوى سليمان التيمي.
أخبرنا محمد بن يعقوب بالأهواز، قال: حدثنا معمر بن سهل، قال: حدثنا المنهال بن بحر، قال: سمعت شعبة، يقول: انظروا عمن تكتبون، اكتبوا عن قرة بن خالد وسليمان بن إلى المغيرة والأسود بن شيبان وابن عون، ووالله لوددت أني قدرت [أن] آخذ لابن عون كل يوم بالركاب.
النوع العشرين [العشرون]
قال أبو حاتم: ومنهم القصاص والسؤال الذين كانوا يضعون الحديث في قصصهم، ويروونها عن الثقات، فكان يحمل المستمع منهم الشيء بعد الشيء على حسب التعجب، فوقع في أيدي الناس، وتداولوها فيما بينهم كما:
أخبرنا إبراهيم بن عبد الواحد المعصوب ببلد الموصل، قال: سمعت جعفر بن أبي عثمان، يقول: صلى أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في مسجد الرصافة، فقام بين أيديهم قاص، فقال: حدثنا أْحمد بن حنبل ويحيى بن معين، قالا: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة،
стр. 74
عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن قَال لَا إِلهَ إِلا اللَّه يُخْلَق مِنْ كُلِّ كَلِمَةِ مِنْهَا طَيْرٌ مِنْقَارُهُ مِنْ ذَهَبٍ، وَرِيشُة مِنْ مَرْجَانٍ ... " وأخذ في قصة نحو عشرين ورقة، فجعل أحمد ينظر إلى يحيى، ويحيى إلى أحمد، فقال: أنت حدثت بهذا؟ فقال: والله ما سمعت به قط إلا الساعة، قال: فسكتوا جميعًا حتى فرغ من قصصه وأخذ قطاعه، ثم قعد ينظر بقيتها، فقال له يحيى بن معين بيده أن تعال، فجاء متوهمًا لنوال خيره، فقال له يحيى: من حدثك بهذا الحديث؟ فقال: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، قال: أنا يحيى وهذا أحمد بن حنبل ما سمعنا بهذا قط في حديث رسول الله ﷺ ، فإن كان لا بد والكذب فعلى غيرنا، فقال له: أنت يحيى بن معين؟ قال: نعم، قال: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق، ما علمته إلا الساعة، فقال له يحيى: وكيف علمت أني أحمق؟ قال: كأن ليس في الدنيا يحيى وأحمد غيركما، كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل غير هذا، قال: فوضع أحمد بن حنبل كمه على وجهه وقال: دعه يقوم، فقام كالمستهزىء بهم.
قال أبو حاتم: وقد دخلت باجروان مدينة بين الرقة وحران فحضرت مسجد الجامع، فلما فرغنا من الصلاة قام بين أيدينا شاب فقال: حدثنا أبو خليفة، قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قَضَى لِمُسْلِمٍ حَاجَةً فَعَلَ اللَّه بِهِ كَذَا ... " وذكر كلامًا طويلًا، فلما فرغ من كلامه دعوته، فقلت: من أين أَنت؟ فقال: من أهل بردعة، قلت: دخلت البصرة؟ قال: لا، قلت: رأيت أبا خليفة؟ قال: لا، قلت: فكيف تروي عنه وأنت لم تره؟ فقال: إن المناقشة معنا من قلة المروءة، أنا أحفظ هذا الإسناد الواحد، فكلما سمعت حديثًا ضممته إلى هذا الإسناد فرويت، فقمت وتركته.
أخبرني محمد بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن إدريس، قال: حدثني مؤمل بن إهاب، قال: قام رجل يحدث ويزيد بن هارون قاعد، فجعل يسأل الناس فلم يعصا، فقال: حدثنا يزيد بن هارون، عن شريك، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: إذا سأل السائل ثلاثًا فلم يعط يكبر عليهم
стр. 75
ثلاثًا، وجعل يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، فذكرنا ليزيد بن هارون، فقال: كذب الخبيث ما سمعت بهذا قط، قال: وقام سائل فجعل يقول: حدثنا يزيد بن هارون عن ذئب بن أبي ذئب، فضحك يزيد بن هارون، فلما قمنا تبعناه، فقلنا: وبحك ليس اسمه ذئب إنما هو محمد بن عبد الرحمن، فقال: إذا كان أبوه اسمه أبو ذئب، فأي شيء كان ابنه إلا ذئب.
أخبرنا مكحول ببيروت، قال: حدثنا أبو الحسين الرهاوي، قال: سمعت يزيد بن هارون، يقول: ما رأيت أحدًا قط أكذب من أبي سعيد المدائني، وكان حسن القصص حسن النغمة، وكنت يومًا عنده إذ قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن مسروق بن الأجدع وأنا أبكي عند قصصه، فالتفت إلي إنسان إلى جانبي، فقلت: ويحك هذا يكذب، فقال: أي لحية فقعودك عنده تبكي وأنت تعلم أنه يكذب أيش؟
أخبرنا عمر بن محمد الهمداني، قال: حدثنا أبو يحيى المستملي، قال: حدثنا أبو جعفر الجوزجاني، قال: حدثني أبو عبد الله البصري، قال: أتيت إسحاق بن راهويه، فسألته شيئًا، فقال: صنع الله لك، فقلت: لم أسألك صنع الله، إنما سألتك صدقة، قال: لطف الله لك، فقلت: لم أسألك لطف الله، إنما سألتك صدقة، قال: فغضب، وقال: أيها الرجل إن الصدقة لا تحل لك، قلت: ولِمَ يرحمك الله؟ قال: لأن جريرًا حدثنا، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنيٍّ وَلَا لِذي مُرَّةٍ سَوِيٍّ" وأنت صحيح قوي ذ ومرة سوي، قال: فقال: ترفق رحمك الله، فإن معي حديثًا في كراهية العمل، فقال إسحاق: وما هو؟ فقلت: حدثني أبو عبد الله الصادق الناطق، عن أفشين، عن أنباح، عن بان مان، عن سيماء الصغير، عن سيماء الكبير، عن عجيف بن عنبسة، عن رغلمح بن أمير المؤمنين أنه قال: العمل شؤم وتركه، بقعد تمنى خير من أن تعمل قعنا [فقلنا: ] لا إلَه إلا الله، قال: فضحك إسحاق وذهب غضبه، وقال: زدنا من هذا الحديث، فقلت: حدثني أبو عبد الله الصادق الناطق بإسناده عن عجيف فسأل [قال] قعد رغلمح في جلسائه، فقال: أخبروني بأعقل الناس عندك، فأخبر كل واحد