← Тараджим

Тараджим · id 1510

محمد بن عبد الوهاب مصلح مظلوم ومفترى عليه

مسعود الندوي

Полный текст (190 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

"وفي سنة أربع عشرة حج سعود بن عبد العزيز ومعه قوم كأمثال الرمال، واجتمع بمولانا الشريف في خيمة ضربت لهما بالأبطح، ورجع في الثامن والعشرين من ذي الحجة (مايو سنة ١٨٠٠ م) .١ الحج سنة ١٢١٥ هـ "وفيها حج عبد العزيز بن محمد بن سعود بالناس، واحتفلوا احتفالا أعظم من الأول التي قبلها، وأجمل معه غالب أهل نجد ومن تبعهم من البوادي وغيرهم بالنساء والأطفال، وحج معه ابنه سعود ثم إن عبد العزيز لما سار سبعة أيام أنس من نفسه الملل والثقل، وبالغ معه ابنه سعود..، فرجع عبد العزيز..، ورجع إلى الدرعية وحج سعود بالمسلمين واعتمروا وحجوا على أحسن حال، واجتمع سعود بغالب في مكة وبذل سعود في مكة من الصدقات والعطاء شيئا كثيرا. وهذه حجته الثانية" ٢. "وفي هاتين السنتين مرت قوافل الحجاج من أرجاء بلدان نجد آمنة مطمئنة، وكان سعود بن عبد العزيز بنفسه يشرف عليها، وفي السنة الثانية تشرف حاكم عمان أيضا بالحج".٣ لقد أخذنا هذا الترتيب بين الوقائع والحجات من مراجع موثوق بها، وقد حصل بعض الغلط في الترتيب عند الأمير شكيب أرسلان، ولعله بسبب اعتماده على بعض المصادر الأوربية٤. وكذلك الأمر في مقالة ما ردتمان ومع أن السنين فيها قد كتبت صحيحة إلا أن الترتيب منقلب٥. الغارة على كربلاء سنة ١٢١٦ هـ/ ١٨٠٢ م: لقد بولغ كثيرا في رواية قصة غارة النجديين على كربلاء وإهانة النجف وبلد الحسين ولكننا نذكر هنا الوقائع الصحيحة وبإيجاز: "ولقد فشلت تماما تلك الحملات المتكررة التي قام بها ولاة البصرة وبغداد من

стр. 72

الترك مع حلفائهم من آل المنتفق عام ١٧٩٧م، وحملة كخيا علي باشا سنة ١٧٩٨ م في إجلاء الوهابيين من الحسا. وانتهت هذه الحملات بتهادن عبد العزيز ووالي بغداد لمدة ست سنوات، ولكن صلات الوهابيين الودية مع بغداد والأشراف لم يطل أمدها. فداهم سعود بن عبد العزيز مدينة كربلاء في ١٨ ذي الحجة عام ١٢١٦ هـ (٢١ إبريل ١٨٠٢ م) للانتقام من قبيلة خزاعل الشيعية لاعتدائها على قافلة وهابية" ١. "وفيها سار سعود بالجيوش المنصورة والخيل العتاق المشهورة، ومن جميع حاضر نجد وباديها والجنوب والحجاز وتهامة وغير ذلك، وقصد أرض كربلاء ونازل أهل بلد الحسين، وذلك في ذي القعدة٢، فحشد عليها المسلمون وتسوروا جدرانها ودخلوها عنوة، وقتلوا غالب أهلها في الأسواق والبيوت، وهدموا القبة الموضوعة بزعم من اعتقد فيها على قبر الحسين وأخذوا ما في القبة وما حولها، وأخذوا جميع ما وجدوا في البلد من أنواع الأموال والسلاح واللباس والفرش والذهب والفضة والمصاحف الثمينة وغير ذلك ما يعجز عنه الحصر، ولم يلبثوا فيها إلا ضحوة وخرجوا منها قرب الظهر بجميع تلك الأموال، وقتل من أهلها قريب من ألفي رجل" ٣. ومهما فرح أهل نجد بهذه الحادثة وشفي غيظهم إلا أنها أثارت موجة السخط والغضب بين المسلمين عامة والشيعة الإيرانيين خاصة ويقال أن "فتح علي شاه قاجار" (١٢١٢ هـ - ١٢٥٠ هـ/ ١٧٩٨ م- ١٨٣٤ م) قد عزم على شن الغارة على نجد بجيش عدته مائة ألف رجل، وكان سليمان باشا حاكم بغداد أيضا يعد جيشا عظيما. إلا أن أهل إيران قد اشتبكوا مع الروس، واشتغل سليمان باشا في إخماد ثورة من قبل الأكراد وهكذا صرفوا عما أرادوا ٤. أما غضب "فتح علي شاه قاجار" فمعقول ولكن كتب التاريخ الأخرى لا تثبت

стр. 73

إرادته غزو نجد. ولقد وجدت مخطوطة في المكتبة الشرقية ببتنة تلقي بعض الضوء على هذه الحادثة، وفيها رسالة من الأمير سعود بن عبد العزيز باللغة الفارسية إلى "فتح علي شاه قاجار" وفيها ذكر لقتل أهل نجف مع ذم أعمالهم الشركية، وكتب فيها أيضا أن "فتح علي شاه" إن لم يحاول استئصال هذه المفاسد فسيضطر أمير نجد أيضا إلى اتخاذ إجراءات صارمة. ومع هذه الرسالة يوجد جواب "فتح علي شاه" وقد حذر فيه أمير نجد، وأكد عليه أن يمتنع عن هذه (المظالم) ، وفي بداية الرسالة توجد بعض التوضيحات والإفادات عن دعوة شيخ الإسلام بكلمات موجزة، وهذه الإفادات من قبل سعود بن عبد العزيز. وأما أصل الرسالة فقد كتب من قبل الأمير عبد العزيز بن محمد بن سعود، وعند الهجوم على كربلاء كان الأمير عبد العزيز حاكما وسعود بن عبد العزيز وليا للعهد وقائد الجيش، فمن المعقول أيضا وجود أسمائهما في الرسالة. كتبت هذه المخطوطة الوجيزة في سنة ١٢١٩ هـ/ ١٨٠٤ م أي بعد ثلاث سنين من الحادث فقط. ولا يوجد تاريخ في الرسائل إلا أنها كتبت في أيام قريبة من الهجوم على كربلاء وليس فيها أي ذكر لغارة "فتح علي شاه" المزعومة. ومن جهة أخرى يتبين لنا من تصريحات فلبي١ أن العلاقات بين "فتح علي شاه" وسعود بن عبد العزيز كانت طيبة وودية في سنة ١٨٠٨م؛ ولذلك فلا يمكن أن نقطع بشيء في إرادة ملك إيران الغارة على نجد. أما غارة سليمان باشا حاكم العراق فالذي نعرف عنها أنه توفي في سنة ١٢١٧ هـ أي بعد مدة قصيرة من حادث كربلاء.٢ انتهاء الهدنة سنة ١٢١٧ هـ: إن معاهدة الهدنة التي أبرمت بين الجانبين بعد وقعة الخرمة لم يقدر لها البقاء مدة طويلة، واتهم الشريف غالب الجيوش النجدية بخرق المعاهدة والقيام بأعمال عدوانية.

стр. 74

ولما لم تنحل المسألة بالمكاتبات أرسل الشريف غالب وزيره "عثمان المضايفي" لإجراء مفاوضات، إلا أنه لما وصل هناك انضم إليهم، ولما رجع دعا غالبا إلى المبارزة من قبل حلفائه الجدد. ومن جهة أخرى ساءت العلاقات بين غالب وأخيه عبد المعين، واستنجد عبد المعين بسعود فوقع اشتباك قرب الطائف، وتحصن غالب في قلعة الطائف إلا أنه مني بالهزيمة أخيرا، واستولى الجيش السعودي على الطائف، وعين عثمان المضايفي حاكما للحجاز١، وانتشرت الجيوش النجدية في الأطراف والجوانب، وأخذوا يتوجهون نحو مكة المكرمة. كان الحج قريبا وكان الركب الشامي نازلا على بعد ثلاثة أيام من الحرم بقيادة (عبد الله باشا) ، فتصالح مع سعود على شرط أن يعود الركب إلى بلاده بعد ثلاثة أيام من فراغه من شعائر الحج، وطلب غالب من عبد الله باشا أن يتوسط له لدى سعود إلا أنه رجع إلى بلاده بمجرد فراغه من الحج حسب شروط الاتفاق، وذهب طلب غالب هباء.٢ دخول مكة: بعد ما انتهت أعمال الحج لجأ غالب إلى جدة ودخل سعود بن عبد العزيز مكة المكرمة فاتحا وذلك في يوم السبت ٨ محرم الحرام سنة ١٢١٨ هـ "٣٠ إبريل سنة ١٨٥٣ م"٣، ولم يلق سعود أي معارضة من قبل المواطنين، وعين عبد المعين شقيق غالب أميرا على مكة وتوجه بنفسه إلى الإصلاح. قال ابن بشر: "ودخل سعود مكة واستولى عليها، وأعطى أهلها الأمان وبذل فيها من الصدقات

стр. 75

والعطاء لأهلها شيئا كثيرا. فلما فرغ سعود والمسلمون من الطواف والسعي تفرق أهل النواحي يهدمون القباب التي بنيت على القبور والمشاهد الشركية. وكان في مكة من هذا النوع شيء كثير في أسفلها وأعلاها ووسطها وبيوتها فأقام فيها أكثر من عشرين يوما ولبث المسلمون في تلك القباب بضعة عشر يوما يهدمون. يباكرون إلى هدمها كل يوم وللواحد الأحد يتقربون حتى لم يبق في مكة شيء من تلك المشاهد والقباب إلا أعدموها وجعلوها ترابا" ١. "لقد ولى سعود عبد المعين إمارة مكة وتوجه إلى تطهير الحرم من أرجاس الوثنية، ووزع الجواهر والأموال الموجودة في الكعبة وهدمت القباب وقتل بعض السدنة٢". ولم يذكر ابن بشر شيئا عن توزيع الجواهر وقتل السدنة. وهذا جانب واحد من دخول سعود مكة، ولعل عامة الناس لا يرضون بهذا فلنلاحظ الجانب الآخر أيضا. يقول الراهب هيوجس (Huges) : "لم يصب المواطنين أي أذى لأجل قداسة الحرم. وبعد أن تولى الإمارة أهل نجد عمرت المساجد حتى أن هذا المنظر من الزهد والطاعة لم ير له مثيل في هذا البلد الأمين بعد عهد النبوة" ٣. وكتب معاصر أوروبي آخر وهو برك هارت: "مازال أهل مكة يذكرون اسم سعود بالشكر والرضى حتى الآن، وما زالت معاملة الجنود الطيبة تذكر بثناء ومدح، وبالخصوص معاملتهم في أيام الحج والزيارات. ولم يستطيعوا أن ينسوا تلك المعاملة العادلة التي شاهدوها من جيوشه"٤ وزيادة على هذا أجبر الناس كلهم على الصلاة مع الجماعة، ودمرت آلات التنباك والملابس الحريرية، وألغيت المكوس والرسوم التي لا يقرها الشرع الإسلامي٥.

стр. 76

وقضي على تعدد الجماعات في الصلوات، وبدأ الناس يصلون وراء إمام واحد، وبدأ علماء المذاهب المختلفة يصلون بالناس في أوقات مختلفة ١. ووزعت رسالة ألفها الشيخ عبد الله بن شيخ الإسلام في توضيح عقائد أهل نجد وطريقتهم، وذكر فيها بكل تصريح هدم القباب والزوايا وبحث في المسائل الأخرى المختلف فيها. وحسبما يروي دحلان أمر بتدريس رسالة "كشف الشبهات" لشيخ الإسلام.٢ وقد ذكرنا آنفا أن غالبا قد التجأ إلى جدة فتعقبه سعود بعد ما أقام في مكة المكرمة أربعة عشر يوما وذلك في ٢٢ محرم سنة ١٢١٨ هـ. إلا أن المهمة قد باءت بالفشل لأجل تفشي الطاعون في جنوده، واضطر إلى أن يترك فكرة الاستيلاء على الحجاز في ذلك الوقت، وبقي مائتان من جنوده في مكة فذبحوا وراءه بكل قسوة٣. استشهاد الأمير عبد العزيز: في ١٨ رجب سنة ١٢١٨ هـ (٤ نوفمبر سنة ١٨٠٣م) حينما كان الأمير عبد العزيز يصلي بالناس صلاة العصر حسب عادته، وبينما كان ساجدا بين يدي ربه إذ هجم عليه ظالم بخنجر وقتله. ويروى أن الذي قتله كان رافضيا إيرانيا أو كرديا٤ قتل عدة من أولاده في كربلاء بأيدي النجديين، وكان يقيم بالدرعية يتربص الدوائر لكي يتمكن من أخذ ثأره، وكان الأمير عبد العزيز يكرمه لغربته وظهور صلاحه، ولكنه بقي ينتظر الفرصة مدة سنة كاملة حتى تمكن من إرواء غليله بقتل الأمير عبد العزيز.

стр. 77

لقد حكم عبد العزيز بن محمد بن سعود من سنة ١١٧٩ هـ (سنة ١٧٦٥ م) إلى سنة ١٢١٨ هـ (١٨٠٣ م) أي مدة تسعة وثلاثين عاما، ومضى أكثر عهد حكمه تحت إشراف مباشر من شيخ الإسلام نفسه، وكان عبد العزيز قد برزت أهميته قبل سنة ١١٥٩ هـ/ ١٧٤٤ م أي قبل وفاة والده، وجميع المعارك العامة التي خاضتها الجيوش النجدية من سنة ١٥٩١ هـ إلى ١١٧٩ هـ (أي سنة ١٧٤٤ م إلى ١٧٦٥ م) كانت تحت قيادته. كما أن جميع المعارك التي وقعت في عهده كانت بقيادة ولي عهده سعود بن عبد العزيز، وكان عبد العزيز قد استفاد بصحبة شيخ الإسلام، ولذلك كانت محبة الدعوة والتبليغ مسيطرة على قلبه، وكلما تم له الاستيلاء على بلد من البلدان كان أول همه تعيين الوعاظ والمصلحين، وكان مطبوعا على الشفقة والرحمة على رعيته. ولسنا الآن في مجال التفصيل والإحاطة فقد ذكر ابن بشر محاسنه وعاداته بكمال، ونحن. نكتفي هنا بذكر شهادة واحدة وهي من القاضي محمد بن علي الشوكاني (سنة ١١٧٣ هـ/ ١٧٦٠ م- سنة ١٢٥٠ هـ/ ١٨٣٢ م) ، وكان الشوكاني معاصرا للأمير عبد العزيز، ولا يمكن أن يتهم بأنه كان مواليا لشيخ الإسلام١ قال الشوكاني: "ومن دخل تحت حوزته أقام الصلاة والزكاة والصيام وسائر شعائر الإسلام، ودخل في طاعته من عرب الشام الساكنين ما بين الحجاز، وصعدة غالبهم إما رغبة وإما رهبة، وصاروا مقيمين لفرائض الدين بعد أن كانوا لا يعرفون من الإسلام شيئا، ولا يقومون بشيء من واجباته إلا مجرد التكلم بلفظ الشهادتين على ما في لفظهم من عوج، وبالجملة فكانوا في جاهلية جهلاء كما تواترت بذلك الأخبار إلينا، ثم صاروا الآن يصلون الصلوات لأوقاتها، ويأتون بسائر الأركان الإسلامية على أبلغ صفاتها٢. وقد امتدح برك هارت أيضا جهوده في الدعوة إلى الله وتعيينه للقضاة وعدل القضاة وغيرها في كلمات رائعة٣.

стр. 78

سعود بن عبد العزيز: ١٢١٨ هـ/ ١٨٠٣ م - ١٢٢٩ هـ/ ١٨١٤م بعد شهادة الأمير عبد العزيز تولى الإمارة ابنه سعود، وكانت قد أخذت له البيعة في حياة شيخ الإسلام بإيعاز منه١. وبعد ما تولى سعود زمام الحكم بدأ في توسيع نطاق الدعوة والدولة على منوال أبيه، وسلم قيادة المعارك النائية إلى ابنه عبد الله، ففتح خيبر في الحجاز من جهة، ومن جهة أخرى وصلت فتوحاته إلى البحرين وعمان ورأس الخيمة. وهنا اهتم الباب العالي بشأنهم وصدرت الأوامر إلى علي باشا حاكم العراق وعبد الله باشا حاكم دمشق وشريف باشا حاكم جدة أن يقوموا للقضاء على هذا الخطر. فابتدأ العمل بتجهيز جيش عظيم في العراق من العرب والأكراد، ولكن هذه الاستعدادات لم تتم في وقتها، فانتهز سعود هذه الفرصة وهجم على البصرة، وكان علي باشا متحصنا في "الحلة" فتركته الجيوش النجدية، واتجهت نحو الزبير وهدمت هناك جميع القباب والمشاهد التي لا تتفق والعقيدة الإسلامية، ثم رجعت إلى بلادها.٢ وهكذا رجع سعود سالما غانما، أما علي باشا فقد اشتغل في إخماد ثورة الأكراد. وهكذا خابت خطة القضاء على النجديين.٣ دخول مكة ثانيا: لقد كان سعود مطمئنا من ناحية عمان والمدن الساحلية، فقد كانت قد اعترفت

стр. 79

بسيادته وأذعنت له، ولما اطمأن الآن من ناحية العراق عاد يفكر في إخضاع الحجاز من جديد وصمم على ذلك ١. وتقدم عثمان المضايفي فاستولى على الطائف بدون أي معارضة، وخضع له أهل المدينة أيضا في أوائل سنة ١٢٢٠ هـ (١٨٠٥ م) وعاهدوا بالسمع والطاعة، وهدمت القباب والمشاهد من القبور العامة كما جرت عادتهم بذلك ٢، وفي هذه المدة توجهت الجيوش النجدية الأخرى التي كانت قد أخضعت البلدان المجاورة إلى مكة. وكان موسم الحج قد اقترب فتوقف الركب الشامي لأجل المحاصرة، واضطربت الأحوال داخل مكة، واضطر غالب إلى أن يطلب الأمان، وعاهد بطاعة سعود٣ فسمح للقافلة الشامية بالحج، وأرسل غالب هدايا إلى سعود إثباتا بطاعته، وصادق على معاهدة الصلح التي كانت قد أبرمت بين قائده عبد الوهاب أبي نقطة وعثمان المضايفي، "فتغيرت الأحوال وأمنت السبل ومشت السابلة إلى مكة من جميع النواحي، ورخصت الأسعار في الحرمين وغيرهما"٤. وهناك محققون أوربيون أمثال هارت وبرائجس الذين يمكننا أن نصفهم بأنهم شهداء عيان تقريبا بهذه الوقعة. وهم قدموا لنا صورة جديدة ومتغيرة: "فتحت المدينة في سنة ١٨٠٤ م وكان هناك رجل يسمى (حسن قلعي) قد استولى

стр. 80

على المدينة من قبل، فنهب جميع الخزائن الموجودة في الحجرة الشريفة ووزعها بين أصحابه قبل أن يسلم البلد إلى سعود، وبعد مدة يسيرة من الفتح لما دخل سعود المدينة وفتح الحجرة فأخذ ما كان هناك من البقايا ١. الحجة الثالثة لسعود: لقد سبق أن ذكر أن الأمير سعود قد حج مرتين، والآن بعد أن فتحت مكة قد وجد فرصة لزيارة بيت الله كما وجد مجالا لإتمام مساعيه في الدعوة، فخرج بإرادة الحج للمرة الثالثة في ١٢ ذي القعدة سنة ١٢٢١ هـ (يناير سنة ١٨٠٧ م) من الدرعية، ووزع من الصدقات والعطايا الشيء الكثير بعدما وصل مكة المكرمة، ثم توجه إلى المدينة المنورة في آخر ذي الحجة، وبعدما نظم هناك الأمور الإدارية رجع. وذكر أحمد زيني دحلان أنه أخرج الذهب والجواهر من الحجرة الشريفة٢ إلا أن ابن بشر سكت عن هذا، ونرى المؤرخين الأوربيين أمثال بلنت وغيره٣ يرددون هذا الخبر ولكننا لا نستطيع أن نجزم به لأجل سكوت ابن بشر، فلو أن سعودا تصرف بأموال الحجرة النبوية كما صنع في النجف أو وزعها بين عساكره لذكره ابن بشر؛ لأنهم لا يعتبرون هذا أمرا مذموما، وقد سبق أن سمعنا كثيرا من مثل هذه الوقائع في النجف وكربلاء بلسان ابن بشر نفسه. نعم الجبرتي ذكر أن عبد الله بن سعود أخذ الأموال من الحجرة الشريفة، ثم رجعها٤ فيحتمل أن تكون القصة صحيحة وأعرض عنها ابن بشر ٥. ومن الأمور المهمة التي حدثت في هذا السفر أن الركب الشامي اضطر إلى القفول لأجل عدم إيفائه بالشروط، وكان قد اشترط عليهم أن لا يدخلوا بالملاهي والأغاني٦.

стр. 81

وكذلك أجبر سعود الجنود التركية على أن تترك مكة وبايع غالب سعودا١، وكان في هذا الحج مع سعود جميع أمرائه وعدد كبير من أهل نجد ونواحيها. إصلاحات أخرى: لقد حج سعود للمرة الثالثة في سنة ١٢٢١ هـ، ثم استمر يحج بعد ذلك كل سنة إلى سنة ١٢٢٧ هـ. وكان شغله الشاغل في هذه الأسفار والاجتماعات وتجمعات الحج هو الدعوة إلى الله وإصلاح شئون المسلمين، فمنع المحامل التي كانت ترد من مصر والشام كما منع الملاهي والأغاني التي كانت تصحب القوافل عادة٢. قال ابن بشر: "وفشا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مكة، فلا يشرب التنباك في أسواقها، وأمر سعود أن يجعل في أسواقها من يأمرهم بالصلاة إذا دخل الوقت، فكان إذا أذن دار الرجال في الأسواق: الصلاة، الصلاة" ٣. وفي سنة ١٢٢٥ هـ تشرف ابن بشر بنفسه بزيارة بيت الله الحرام والحج وذكر لنا ما شاهده هناك فقال: "وحججت في تلك السنة، وشهدت سعودا وهو راكب مطية محرما بالحج، ونحن مجتمعون في نمره لصلاة الظهر وخطب فوق ظهرها خطبة بليغة، ووعظ الناس فيها وعلمهم المناسك، وذكر ما أنعم الله عليهم به من الاعتصام بكلمة لا إله إلا الله، وما أعطى الله في ضمنها من الاجتماع بعد التفرق وأمان السبل وكثرة الأموال وانقياد عصاة الرجال، وإن أضعف ضعيف يأخذ حقه كاملا من أكبر كبير من مشايخ البوادي وأعظم عظيم من رؤساء البلدان. ونادى وهو على ظهرها لا يحمل في مكة سلاح، ولا تبرج امرأة بزينة، وتوعد من فعل ذلك من جميع رعيته ... وجعل في الأسواق رجالا وقت الصلاة يحضونهم عليها فلا

стр. 82

تجد فيها وقت الصلاة متخلفا إلا نادرا، ولا تجد في الأسواق في جميع هذا الحج من يشرب التنباك ولا غيره من المحظورات إلا ما لا يرى ظاهرا".١ وقال أيضا في أخبار سنة ١٢٢٦ هـ (١٨١٢ م) : "ولا ترى الآن منكرا في مكة المكرمة (شرب التنباك وترك الصلاة والحلف بغير الله" ... الخ. وذكر الجبرتي إصلاحات سعود بن عبد العزيز بتفصيل أكثر فقال في صدد ذكره لمعاهدة الصلح بين الشريف غالب والأمير سعود في حوادث محرم سنة ١٢٢١ هـ. "وأمر بمنع المنكرات والتجاهر بها وشرب الأراجيل والتنباك في المسعى وبين الصفا والمروة، وبالملازمة على الصلوات في الجماعة، ودفع الزكاة وترك لبس الحرير والمقصبات، وإبطال المكوس والمظالم، وكانوا خرجوا عن الحدود في ذلك حتى إن الميت يأخذون عليه خمسة فرانسة أو عشرة بحسب حاله. وإن لم يدفع أهله القدر الذي يتقدر عليه فلا يقدرون على رفعه ودفنه، ولا يتقرب إليه الغاسل ليغسله حتى يأتيه الإذن. وغير ذلك من البدع والمكوس والمظالم التي أحدثوها على المبيعات والمشتريات على البائع والمشترى، ومصادرات الناس في أموالهم ودورهم، فيكون الشخص من سائر الناس جالسا بداره فما يشعر على حين غفلة منه إلا والأعوان يأمرونه بإخلاء الدار وخروجه منها، ويقولون: إن سيد الجميع محتاج إليها فإما أن يخرج منها جملة وتصير من أملاك الشريف، وإما أن يصالح عليها بمقدار ثمنها أو أقل أو أكثر. فعاهده على ترك ذلك كله ... واتباع ما أمر الله تعالى به في كتابه العزيز من إخلاص التوحيد لله وحده واتباع سنة الرسول ﵊، وما كان عليه الخلفاء الراشدون والصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون إلى آخر القرن الثالث، وترك ما حدث في الناس من الالتجاء لغير الله من المخلوقين الأحياء والأموات في الشدائد والمهمات. وما أحدثوه من بناء القباب على القبور والتصاوير والزخارف وتقبيل الأعقاب والخضوع والتذلل والمناداة والطواف والنذور والذبح والقربان وعمل الأعياد والمواسم لها، واجتماع أصناف الخلائق واختلاط النساء بالرجال وباقي الأشياء التي فيها شركة المخلوقين مع الخالق

стр. 83

في توحيد الألوهية التي بعثت الرسل إلى مقاتلة من خالفها؛ ليكون الدين كله لله، فعاهد على منع ذلك كله، وهدم القباب المبنية على القبور والأضرحة؛ لأنها من الأمور المحدثة التي لم تكن في عهده، بعد المناظرة مع علماء تلك الناحية وإقامة الحجة عليهم بالأدلة القطعية التي لا تقبل التأويل من الكتاب والسنة وإذعانهم لذلك، فعند ذلك أمنت السبل وسلكت الطريق بين مكة والمدينة، وبين مكة وجدة والطائف، وانحلت الأسعار وكثر وجود المطعومات، وما يجلبه العربان من الشرق إلى الحرمين من الغلال والأغنام والأسماك والأعسال ... " ١. ولقد ذكر برك هارت أيضا شدته على مواظبة الصلوات والعقوبات التي كانت تنزل على المتخلفين وغيرهم٢. فتوحات وحروب أخرى: لم تتوقف أعمال سعود العسكرية بعد فتح الحجاز، ففي سنة ١٢٢٣ هـ (١٨٠٨ م) هجم على النجف، ولكنه لم ينجح٣ كما أغار في طريق عودته على السماوة والزبير أيضا. وفي ربيع الآخر سنة ١٢٢٥ هـ (يونيو سنة ١٨١٠ م) قصد سعود الشام وبعد عدة معارك رجع منتصرا ومعه الأموال والغنائم٤. وقال ابن بشر: "وحصل في الشام رجفة ورعب عظيم بهذه الغزوة في دمشق وغيرها من بلدانه وجميع بواديه". وقد وقعت معارك في البصرة ونواحيها عدة مرات، ولكنها ما أثمرت ثمرة مستقرة.

стр. 84

رأس الخيمة: وزيادة على هذه الحروب حصلت معركة مع الشركة الهندية الشرقية١، وكان سكان الخليج من قبيلة جوازم مصدر قلق دائم للحكومة الإنجليزية في الهند؛ إذ كانوا يشنون غارات متواصلة على السفن المارة من قرب الساحل، ويلحقون بها خسائر فادحة، ويغنمون الكثير، وقد بذلت الحكومة الإنجليزية محاولات عظيمة في بداية القرن التاسع عشر، ولكن الآن منذ عدة سنين كان سعود هو المسيطر على هذه المناطق، وكان هؤلاء المغيرون تحت حكومته. فشنت حكومة بومباي في سنة ١٨٠٩ م (رمضان سنة ١٢٢٤ هـ) غارة عنيفة على رأس الخيمة، وألحقت ضربة قاضية بأسطولهم وأحرقت المدينة، فما طلعت الشمس في ١٢ نوفمبر سنة ١٨٠٩ م إلا وكانت مدينة رأس الخيمة قد تحولت إلى أكوام من رماد، واضطر أهلها إلى أن ينتقلوا من بلدهم. ولكن هذه الهزيمة لم تؤثر شيئا في قوة أهل نجد، فما زالت أعمالهم العسكرية مستمرة في المدن الداخلية في عمان. ولكن مع ذلك يقول زويمر: "لقد كانت هذه الحملة من قبل البريطانيين أول ضربة شديدة لحقت أهل نجد قبل وصول المصريين، فقد أرسلت فرقة خاصة بعيدة عن مومبائي سنة ١٨٠٩ م مخصصة للقضاء على مركزهم في رأس الخيمة وسكانها "القراصنة" (Inhabitants Piratic) وأمطرت القنابل على المركز وأحرق حتى صار رمادا" ٢. ولقد فصل برائجس تفصيلا كاملا في ذكر "اعتداءات الوهابيين" ثم في قصة الهجوم على رأس الخيمة وتأديبهم، ونقل عن الكولونيل سميث قولته "٣ كانت هذه أول ضربة على معنويات قوة الوهابي ٤.

стр. 85

غارة المصريين: لقد امتد نفوذ الحكومة النجدية في الشمال من حلب١ إلى المحيط الهندي في الجنوب، ومن الخليج في الشرق إلى البحر الأحمر في الغرب، وبغض النظر عن هزيمة رأس الخيمة فلم تصب هذه الحكومة الفتية بأي صدمة حتى الآن. وكان أخبار القوة النجدية تتوارد إلى الآستانة باستمرار، وقد عجز حكام بغداد ودمشق وجدة عن مقاومتهم، وأخيرا بعد ما ضاق الباب العالي ذرعا عين محمد علي خديوي مصر لكسر شوكة أهل نجد٢، ويقال: إنه لم يعين حاكما على مصر في سنة ١٨٠٤ م إلا بهذا الشرط، ولمثل هذه المواقع قد قيل: "اقتل الحية ولا تكسر عصاك"، فكانت قوة محمد علي الخديوي المصري٣ المتزايدة يوما فيوما، خطرا على الباب العالي. فالمحاربة بين آل سعود والخديوي المصري ما كانت تخلو من فائدة. لأصحاب العروش في الآستانة.

стр. 86

ابتدأت غارات المصريين من أواخر سنة ١٢٢٦ هـ "١٨١١ م" فنزل طوسون بن محمد علي "المتوفى سنة ١٢٣١ هـ/ ١٨١٦ م" على الساحل الغربي بجيش قوامه عشرة آلاف جندي واستولى على ينبع بدون مقاومة تذكر١. ثم تقدم نحو المدينة ولكن في الطريق عند مضيق الجديدة تصدى له ابنا سعود عبد الله وفيصل فقاتلاه بضراوة نادرة حتى هزماه. وقتل من المصريين ألفا ومائتان ٢. واضطر طوسون أن يعود على أعقابه إلى ينبع ٣. طوسون ومعاركه: بقي طوسون في ينبع مدة ثم تقدم نحو المدينة، وفي هذه المرة نجح المصريون في الاستيلاء على المدينة بعد حصار دام شهرين٤، ثم توجه طوسون إلى جدة بسرعة واضطر عبد الله بن سعود قائد الجيوش النجدية في الحجاز إلى أن ينتقل من مكة. وهكذا دخل المصريون البلد الحرام بدون معارضة٥، وبعد أيام قليلة استولوا على الطائف أيضا وكما يروي دحلان أقيمت حفلات فرح وسرور في كافة الأقطار المصرية وقد استمرت خمسة أيام استبشارا بهذه الفتوح٦، ولكن بعد ذلك وقعت معركة عنيفة على مقربة من "تربة" وانهزم فيها المصريون٧. وتشجع قائد سعود عثمان المضايفى بعد وقعة تربة فتقدم نحو الطائف مرة ثانية، ولكنه أصيب بأضرار بالغة في هذه المرة فقد قتل كثير من رجاله، وفى نهاية المطاف أسر

стр. 87

هو بنفسه١. وأرسله غالب إلى محمد علي في مصر، لكن محمد علي كان قد خرج عامدا إلى الحجاز قبل وصوله إلى مصر. وفي غيابه طيف بعثمان المضايفي على بغله في جميع أنحاء القاهرة، ثم أرسل إلى الأستانة حيث كان الموت في انتظاره٢. وأحمد زينى دحلان مع أنه لم يترك خفية ولا جلية٣ في ذم عثمان المضايفي لم يتمالك من إظهار أسفه على هذا القتل المؤلم فقال: "ولما كان عثمان المضايفي في مصر اجتمع به بعض رجال دولة محمد علي باشا، وحادثوه ساعة فرأوه فصيحا يجيبهم بجنس كلامهم بأحسن خطاب وأوضح جواب، وفيه سكون وتؤدة في الخطاب، وعليه آثار الإمارة والحشمة والنجابة، ومعرفة مواقع الكلام حتى قال بعضهم لبعض يا أسفا على مثل هذا إذا ذهب إلى دار السلطنة يقتلونه ٤. واضطرب محمد علي عن سير المعارك وتقدمها فتوجه بنفسه إلى الحجاز، ووصل جدة في أواخر شوال٥ وبعد وصوله على الفور خلع الشريف غالبا عن إمارته وألقى القبض عليه، ثم أرسل إلى مصر مسجونا ومن هناك إلى سلانيك ثم انتقل المسكين من هناك إلى دار الآخرة بعد سنتين٦.

стр. 88

وعين ابن أخيه يحيى بن سرور أميرا على مكة، ولكن إمارته كانت صورية فقط؛ لأن الحكم الحقيقي كان في يد حاكم الحجاز الجديد "أحمد باشا"، وهكذا أخلى الحجاز من سيطرة "الوهابيين المتهمين"، وأصبح ولاية لحكومة مصر١. وكل ما فعله غالب سعيا وراء هذه الإمارة لم يغنه شيئا:- "فقد كان الشريف غالب يمالئ الوهابيين "اتقاء شرهم" ويتظاهر بما يوافق مذهبهم. فكان أحيانا يأمر بهدم ما بقي من قباب الصالحين بمكة وجدة، وأخرى ينبه باقتصار المؤذنين على الأذان دون السلام وغير ذلك من الأمور التي توافق مذهب الوهابية" ٢. كل هذا كان خوفا من أن يخلعه سعود عن الإمارة.٣، ولكن سعودا كان طاهر النية مخلصا. فترك غالبا وإمارته، أما محمد علي فكان رجلا ماديا بحتا همه الدنيا فقط، فكان أول عمل عمله بعد تثبيت أقدامه هو القضاء على هذا المسكين. وإن كنت تريد أن تعرف تفاصيل تلك المكيدة التي دبرها محمد علي لإلقاء القبض على غالب فارجع إلى خلاصة الكلام٤. وذكر برائجس أيضا تفاصيل قصة أسر غالب٥ وهي تشبه ما ورد في خلاصة الكلام، وقد بين أيضا تفصيل منازعات محمد علي٦ فيقول في موضوع في ذكرهما: "لم يكن من المتوقع من رجلين مكارين مثل محمد علي وغالب (accomplished in deceit So) أن يثق كل منهما بالآخر" ٧.

стр. 89

وبركهارت أيضا يشكو أكثر من مرة سوء نية محمد علي وخداعه. إلا أنه يمدح غالبا١، ولقد كان بركهارت موجودا في مصر حينما وصل غالب أسيرا. وذكر انطباعاته بعد ما لقيه ٢. ولكن مع هذا لم تكن أوضاع محمد علي والمصريين مستقرة، وإن كانت بلاد الحجاز وعسير وشواطئ اليمن قد وقعت تحت سيطرتهم، ولكن النجديين كانوا يمارسون حكمهم في المدن الداخلية، ولهذا أرسل "مصطفى بك" لمحاربتهم واشتعلت نيران الحرب من جديد في "تربة"، ولكن المصريين لم يستفيدوا منها شيئا سوى هزيمة نكراء٣. ومن الغريب أن النجديين قد خاضوا هذه المعركة تحت قيادة امرأة٤ شجاعة تسمى "غالية"، ولقد أظهر بركهارت براعة قلمه في وصف جرأة "غالية" وبسالتها. وفي محرم سنة ١٢٢٩هـ (يناير سنة ١٨١٤) وصلت إمدادات مصرية جديدة عن طريق البحر والتقى الفريقان في مقربة من (القنفذة) وانهزم المصريون مرة أخرى.٥ وفاة سعود ﵀: وبينما كانت المعارك تجتاز هذه المرحلة الحاسمة، وكان النجديون يعدون العدة لخوض معركة شاملة جديدة، وإذا بالبطل يغادر الموكب. توفي الأمير سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود في ليلة الاثنين ١١ جمادى الأولى سنة ١٢٢٩هـ (أول مايو سنة ١٨١٤ م) ٦، وهكذا خلا الجو لمحمد علي ومعاركه. وفقدت الدولة النجدية آمال الرقي والازدهار على الأقل في الوقت الحاضر.

стр. 90

كيف كان سعود يقضي يومه: وإذا لفتنا الأنظار من هذه الحروب إلى جانب آخر مشرق من حياة سعود فتراه أميرا وحاكما قلما يوجد له مثال. وقد ولد في سنة ١١٦٠هـ أو ١١٦٣هـ١، ووجد أستاذا ومربيا مثل شيخ الإسلام فتخرج على يده نموذجا رائعا في العلم والعمل، وقد لازم سعود دروس شيخ الإسلام سنين متوالية، وأصبح ذا براعة كاملة في الحديث والفقه، ونجد في خطبه ومكتوباته حلاوة العلم ولذة التعبير. وكان من عادته في أغلب أيام الحروب أنه كان يقف في جنوده بعد صلاة المغرب فيعظهم ويأمرهم بالصبر والطاعة، ويعرض عليهم نماذج من سيرة الرسول الكريم ﷺ وأصحابه البررة ﵃، وهكذا كان يشجعهم ويقودهم إلى رباطة الجأش وإظهار البطولات. وفي غمار المعارك حينما تشتد الحرب ويصل العنف إلى ذروته ما كانت أيدي جنوده تسطو على الأطفال والنساء والشيوخ. نعم إنهم ما كانوا يتساهلون في الغنائم وبمجرد انتهاء الحرب كانت الغنائم تخمس فتوزع أربعة أخماسها على المحاربين، وكانوا يفرقون بين سهمان الركاب والمشاة، فكان الماشي يأخذ نصف نصيب الراكب. والخلاصة أنهم كانوا يحاولون تطبيق قواعد الشريعة الإسلامية كاملة حتى في حروبهم. هكذا كانت حالته في المعارك والحروب، فأما حالته في النوادي والمجالس فكانت على غير هذه الشاكلة. فكان أهل الدرعية يجتمعون كل يوم بعد صلاة الفجر خارج قصر الأمير، ويجلس معهم في الصدارة سعود وآل السعود وإلى جانبهم آل الشيخ، ويقوم أحد العلماء من آل الشيخ بالوعظ. وكان الشيخ عبد الله بن شيخ الإسلام هو الذي يتولى التدريس في الغالب. وكان يدرس في الأكثر من تفسير ابن جرير أو ابن كثير، وبعدما ينفض المجلس كان الأمير سعود يجلس في القصر ويقضي حوائج الناس وينظر في شكاويهم. ثم تأتي الظهيرة فيقوم، وبعد صلاة الظهر كانت تعقد مجالس

стр. 91

الدرس في داخل القصر، ولكن آل الشيخ ما كانوا يحضرون هذه المجالس، فكان كل واحد منهم يشتغل مع تلامذته في مجالسهم الخاصة، وكان الأمير سعود هو الذي يتولى التدريس في هذا الوقت وينشر درر العلم. وكانت القراءة من تفسير ابن كثير أو رياض الصالحين، وكان سعود يشرحها ويوضحها. وبعد ما يقوم من هذا المجلس يشتغل في قضاء حاجات الناس ورفع شكاويهم لمدة ساعتين حتى تحين صلاة العصر. وبعد صلاة العصر كانت تعقد ندوات عامة داخل القصر، ولكن يحضر فيها الأعيان والأكابر وعامة الناس، ويجلس معهم الأمير سعود أيضا، وكان الشيخ سليمان بن عبد الله بن شيخ الإسلام (قتل سنة ١٢٣٢هـ) يلقي دروسا من صحيح البخاري. وكان ابن بشر صاحب كتاب عنوان المجد يحضر هذه الدروس، وهو يمدح الشيخ سليمان بن عبد الله أشد مدح، ويعجب من دقة نظره وسعة أفقه في العلم. هذه هي سيرة إجمالية للأمير سعود بن عبد العزيز، وللتفصيل يراجع عنوان المجد١ وبرائجس أيضا معجب به أشد الإعجاب، ويخص بالذكر مواهبه الحربية وتدبيره السياسي٢. كما أن بركهات يذكر من أوصافه الخاصة: "أنه كان يهتم اهتماما بالغا بالإخفاء والسرية في الحروب، فقد استغرق سفره إلى حوران من بلاد الشام خمسة وثلاثين يوما، ولكن ما وصل إليهم خبر قدومه إلا قبل يومين فقط٣. وقال بركهارت في صدد ذكر ما استتب من الأمن والاستقرار في عصر عبد العزيز بن سعود وبالأخص في عصر سعود بن عبد العزيز.

стр. 92

"ولعل هذا الأمن والأمان قد استتب في البلاد لأول مرة بعد النبي العربي. ووجد البدو لأول مرة فرصة النوم آمنين مطمئنين على أموالهم وأمتعتهم ومواشيهم١، وكان من مظاهر شوكته: "أن عبدا حبشيا وحده يقبض ويأتي بأكبر رئيس من أكبر القبائل ويصل به إلى الدرعية٢.

стр. 93

عبد الله بن سعود بن عبد العزيز: ١٢٢٩هـ ١٤م - ١٢٣٣هـ - ١٨١٨م وخلف سعودا ابنه الأكبر عبد الله ولم يكن أقل من أبيه في الشجاعة والبسالة، ولكنه ما كان يبلغ مبلغه في الحزم والسياسة. ولما وجد نفسه محاطا بالمخاوف أراد أن يتصالح مع العدو. ولكن العدو الذي كان قد آلى على نفسه أن يدمر بلاد نجد كلها أنى له أن يتصالح. وحينما صالح لم يستطع أن يثبت على عهده. وتعالوا هنا نتوجه مرة أخرى إلى ساحة الحرب. فقد كان النجديون قد استردوا القنفذة على ساحل البحر الأحمر من المصريين، ولكن محمد علي أرسل جيشا كبيرا بقيادة "عابدين بك" إلى زهران، وفي طريقهم استولوا على القنفذة مرة أخرى، ولما علم النجديون أعادوها إلى ملكهم من جديد ١. ومني المصريون في معركة زهران أيضا بالهزيمة، وكان فيصل بن سعود صامدا في وجه العدو في مقربة من الطائف. وبعد الانتصار في معركة زهران تشجع فعزم على أن يقوم بهجوم على الطائف. وفي الجانب الآخر كانت حالة طوسون بن محمد علي مضطربة جدا. ولكن محمد علي وصل إليه على الفور بإمدادات جديدة، واضطر فيصل إلى أن يتقهقر. ووقعت معركة عنيفة في "بسل" قرب الطائف وانتصر فيها المصريون ٢. قال بركهارت: "قتل من الوهابيين في هذه المعركة أكثر من خمسة آلاف رجل، وكانت قيمة كل رأس

стр. 94

ستة دولارات، ووقعت أكوام من الجثث أمام محمد علي وضعفت قوة الوهابيين، وكان الخطأ الذي ارتكبوه هو أنهم خرجوا من الجبال إلى ميادين مفتوحة، على حين كان سعود قد أوصاهم أن لا يقاوموا المصريين والأتراك في ميادين منفتحة"١. وارتكب محمد علي بعد معركة بسل مظالم مخزية جدا. وبركهارت الذي كان قد شهد المعركة بعينه يذمها أشد الذم، ومن أهونها أن جثث القتلى الوهابيين كانت قد تركت للكلاب٢. وتقدم محمد علي واستولى على تربة أيضا٣. ثم وصل إلى عسير وأخضع القبائل المجاورة، ثم رجع إلى مكة مارا بالقنفذة. واضطر إلى أن يسافر إلى مصر لحاجة طارئة٤. ولم يكد يبلغ محمد علي في عودته إلى تهامة بعد فراغه من حرب عسير حتى بدأ ابنه يعد العدة في المدينة للهجوم على نجد، وتقدم فاستولى على بعض المدن المشهورة في القصيم كالرس وغيرها، إلا أن الفرق النجدية قد نجحت في قطع مواصلاته من المدينة فلم يبلغ إليه شيء من أخبار أبيه الذي كان قد سافر إلى مصر في ذلك الوقت، ووصل إلى الجيزة في مصر في ١٥ رجب سنة ١٢٣٠هـ ٢٣ يونيو ١٨١٥م.٥ وتقدم عبد الله بن سعود فحاصر المصريين حصارا كاملا وبقوا شهرين في هذا المأزق فاضطروا إلى أن يتفاوضوا للصلح. واليكم قصة هذا الصلح بلسان ابن بشر وغيره من المؤرخين.

стр. 95

صلح وخيانة: قال ابن بشر: "فوقع الصلح بينهم وانعقد بين طوسون وعبد الله على وضع الحرب بين الفئتين، وأن الترك يرفعون أيديهم عن نجد وأعمالها، وأن السابلة تمشي آمنة بين الفريقين من بلد الترك والشام ومصر وجميع ممالكهم إلى نجد والشرق وجميع ممالك عبد الله. وكل منهما يحج آمنا. وكتبوا بذلك سجلا ورحل الترك من الرس أول شعبان متوجهين إلى المدينة، وبعث عبد الله معهم بكتاب الصلح عبد الله بن محمد بن بنيان صاحب الدرعية، والقاضي عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم ليعرضوه على محمد علي صاحب مصر، فوصلوا مصر ورجعوا منه وانتظم الصلح" ١. ويضيف إليه بلنت: "ويقال إنه بموجب هذه الوثيقة كان عبد الله قد اعترف بتبعية السلطان في قسطنطينية، وكان وعد بالحضور إلى الآستانة في موعد قريب٢. وفي مقابل ذلك كان طوسون قد وعد بالانتقال من البلاد النجدية، وترك الحرية التامة للحجاج النجديين ٣. والحقيقة أن عبد الله كان في مركز القوة في هذا الوقت، وكانت الإمدادات تصل إليه من جميع المدن الجنوبية، فلو نظر إلى أهمية الموقف وأراد لانتهز فرصة ضعف المصريين واستأصل شأفتهم من الجزيرة، ولكنه ضيع هذه الفرصة الثمينة بمهادنتهم، ورجع

стр. 96

طوسون سالما آمنا إلى المدينة ١. ويظهر من الروايات المذكورة التي ذكرها ابن بشر وفلبي بأن الصلح كان قد تم بين طوسون وعبد الله. ويؤكد ذلك قول ابن بشر أن سفراء عبد الله رجعوا من مصر ناجحين ٢. ويزيد فلبي أن محمد علي ما أعجبه هذا الصلح وطلب من عبد الله أن يحضر فورا إلى الأستانة وإلا فستدمر الدرعية عن بكرة أبيها. ولكن ما كان لعبد الله أن يلقي بنفسه على أقدام أرباب الحكومة فتوجه إلى تنظيم القبائل التابعة له واستحكام عاصمته.٣ سفراء عبد الله في مصر: ولكن الذي يتبين لنا من أقوال الجبرتي وغيره من المؤرخين سوى ابن بشر وفلبي أن الصلح كان موقوفا على موافقة محمد علي، ولأجل هذا أرسل إليه عبد الله سفيرين بعدما تم الاتفاق بينه وبين طوسون، وقد توجه هذان السفيران إلى مصر من طريق المدينة في أول شعبان سنة ١٢٣٠هـ (٩ يوليو سنة ١٨١٥م) ، ووصلا إلى مصر في بداية شوال واجتمعا بالباشا ٤. "فكان الباشا لم يعجبه هذا الصلح ولم تظهر عليه علامات الرضى بذلك ولم يحسن نزل الواصلين، ولما اجتمعا به وخاطبهما عاتبهما على المخالفة فاعتذرا" ٥. وكما يروي الجبرتي فقد تكلم السفيران النجديان بلين وخضوع، وذكرا أن سعود بن عبد العزيز كان شديدا أما عبد الله فهو لين الطبع.

стр. 97

ويصف الجبرتي في كلمات رائعة محبة هذين السفيرين (وهما عبد الله بن محمد بن بنيان، والقاضي عبد العزيز بن محمد آل إبراهيم) للعلم وأخلاقهما الفاضلة، وبركهارت أيضا يثني على علمهما وفضلهما، ويذكر أن علماء مصر استأنسوا بهما واطمأنوا بعد أن سمعوا كلامهما ومناقشتهما ١. ولمعرفة ما كان يتحلى به النجديون من خلق وعلم نحب أن نورد قولا لمن عاصرهما وشاهدهما بعينه وهو الجبرتي فيقول: "ودخلا الجامع الأزهر في وقت لم يكن به أحد من المتصدرين للأقراء والتدريس، وسألوا عن أهل مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵁ وعن الكتب الفقهية المصنفة في مذهبه، فقيل انقرضوا من أرض مصر بالكلية. واشتريا نسخا من كتب التفسير والحديث مثل الخازن والكشاف والبغوي والكتب الستة المجمع على صحتها وغير ذلك". وقد اجتمعت بهما مرتين فوجدت منهما أنسا وطلاقة لسان واطلاعا وتضلعا ومعرفة بالأخبار والنوادر ولهما من التواضع وتهذيب الأخلاق وحسن الأدب في الخطاب والتفقه في الدين واستحضار الفروع الفقهية واختلاف المذاهب فيها ما يفوق الوصف، واسم أحدهما عبد الله والآخر عبد العزيز وهو الأكبر حسا ومعنى" ٢. ولقد عرضنا كيف كانت أحوال هذين السفيرين، وكيف كانت معاملة محمد علي معهما، وكل ذلك بلسان مؤرخ مصري شاهدهما وقابلهما، ولا يتسع لنا المجال لتفصيل أكثر من هذا، ولكن الخلاصة أن محمد علي قد رفض هذا الصلح لأسباب مختلفة ٣.

стр. 98

وقد اختلف المؤرخون في تعيين هذه الأسباب١. وكان طوسون مقيما في الحجاز فاستدعي إلى مصر في ذي القعدة٢، ووصل هناك في أواخر ذي الحجة سنة ١٢٣٠هـ (نوفمبر سنة ١٨١٥م) ، وبعد ذلك بسنة فقط توجه إلى دار الآخرة٣، وكان قد عزل من القيادة قبل وفاته بسنة. وأما ما يقوله ماردتمان بأن إبراهيم باشا قد فوضت إليه مهمة إخضاع نجد بعد وفاة طوسون فليس بصحيح؛ لأن قرار إرساله إلى نجد كان قد اتخذ في يناير سنة ١٨١٦م وقد سافر من القاهرة في أغسطس سنة ١٨١٦م أي قبل وفاة طوسون بمدة ٤. وذكر ابن بشر أن عبد الله قد أرسل سفيرين آخرين وهما (حسن بن مزروع وعبد الله بن عون) في السنة التالية أيضا، وأرسل معهم الهدايا والتحف٥ وهنا اتضح لهؤلاء السذج أنهم قد خدعوا، مع أن محمد علي ما كان وافق على الصلح في يوم من الأيام إلا أنه ما كان يصرح بذلك للسفراء، ومن هنا وهم ابن بشر وأهل نجد بأن الصلح قد انتظم ٦. ويعلل ذلك ابن بشر بأن محمد علي باشا قد رفض الصلح بسبب وشاية بعض أهل البادية٧، ومن المناسب هنا أن نسمع آراء بعض المعاصرين الأوربيين أيضا إذ يقول: "ويبقى لدينا الآن سؤال واحد فقط، وهو هل كان تمام المعاهدة موقوفا على موافقة

стр. 99

محمد علي أم أن طوسون الذي ما كان يقل عن أبيه في المرتبة (Rank) أبرمها قطعيا (As a thing done) ومهما كان الأمر فقد أضر (عبد الله بن سعود) بنفسه بهذه المعاهدة، وقد عرضها محمد علي لدى الباب العالي بأنها هدنة طارئة أو مجرد وقف لإطلاق النار (Armisitic) ١. ولقد شاهد بركهارت تلك الرسائل التي كتبها عبد الله بن سعود إلى محمد علي وهو يثني على عبد الله حسن نيته وإخلاصه وطهارة قلبه ٢. ويقول هو وبرائجس أيضا: إن محمد علي قد طالب فيما بعد بولاية الأحساء الخصبة ووقف إبرام الصلح على ذلك. إبراهيم باشا: ومهما كانت الحقيقة فمحمد علي لم يطمئن إلى تلك المعاهدة التي تمت بين عبد الله بن سعود وطوسون. ولقد اختار ابنه الآخر إبراهيم باشا٣ لمهمة نجد، وكانت الاستعدادات قد بدأت بعد رجوع طوسون فورا ولكنه تأجل خروجه إلى حين. فقد وصل إبراهيم باشا مع جيش عظيم إلى ينبع في ٦ ذي القعدة سنة ١٢٣١هـ (٢٨ سبتمبر سنة ١٨١٦م) ، وتوجه من هناك رأسا إلى المدينة. ووقف على ماء الحناكية فخضعت له القبائل البدوية المجاورة واحتشدت تحت رايته أفواج من قبائل مطير، وعتيبة، وعنزه ٤. واستمر مكث إبراهيم باشا في الحناكية إلى أشهر، فظهر له أثر واضح على القبائل البدوية المتجاورة، وبدءوا يتسللون إليه ولما أحس بذلك عبد الله بن سعود تقدم والتقى الفريقان على الماوية، ولكن جيوش عبد الله لم تستطع أن تثبت

стр. 100

أمام المدافع المصرية١ فانتقل إلى ناحية القصيم، وتعقبه إبراهيم باشا ووصل إلى الرس فحاصر المدينة٢، واستمر الحصار ثلاثة أشهر ثم طلب أهلها الأمان ٣. وفي هذا الحصار الطويل الأمد والمناوشات المستمرة قتل من المصريين ستمائة أو سبعمائة رجل على حين قتل من أهل البلد سبعون فقط، وباستسلامهم انفتح الطريق أمام المصريين ولم تبق هناك قوة تمنعهم من التقدم. وبعد هجوم خفيف استولى على عنيزة والخبراء (أواخر سنة ١٢٣٢هـ) ولم يجد صعوبة في الاستيلاء على بريدة أيضا.٤ ولكن في شقراء أظهر النجديون بطولة رائعة، ولكنهم لم يفلحوا أمام تخطيط المهندس الفرنسي (vaissiere) ٥ في الجيش المصري فاستسلم أهل شقراء أيضا ٦. ووقعت بعد ذلك معركة حاسمة في مقربة من "ضرمى"، وكانت ضرمى أحصن مدينة في المدن النجدية بعد العاصمة الدرعية، وكان قد حارب قبل ذلك أهل الرس وشقراء بشجاعة ولكنهم في الأخير استسلموا. أما أهل "ضرمى" فلم يستسلموا ولم يتمكن إبراهيم من دخول البلد إلا على دماء وأشلاء وجثث وقتل الناس في حوانيتهم

стр. 101

وفي بيوتهم ونهب الغزاة أموالهم وأمتعتهم، بل حتى أعراض العفيفات الطاهرات لم تبق مصونة من دنس الجنود الأتراك، كما يقول بلنت ١. ودخل المصريون ضرمى في ١٧ ربيع الثاني سنة ١٢٣٣هـ (٢٤ فبراير سنة ١٨١٨م) وكان هذا بمثابة إعلان لزوال الدولة النجدية. وتحصن سعود بن عبد الله وبعض المجاهدين الذين كانوا قد أتوا معه من الدرعية في قلعة البلد، وفي الأخير أعطوا الأمان فارتحلوا إلى الدرعية وخرج معهم ثلاثة آلاف أو أكثر من الأطفال والنساء وآواهم كلهم الأمير عبد الله بن سعود في الدرعية ٢. الاستيلاء على الدرعية: لقد وصل إبراهيم باشا الآن إلى أبواب الدرعية، وحاصر المدينة وظل محاصرا لها ستة أشهر. وقتل من المصريين عدد كبير ولكن الإمدادات كانت تصل إليهم كل يوم، وكان عدد أهل الدرعية ينقص كل يوم، وزيادة على ذلك كانوا يعانون من قلة الزاد والأسلحة. وقد قاتل الأمير عبد الله بن سعود وجميع أهل بيته وجميع أبناء وأحفاد شيخ الإسلام بلا استثناء ببسالة نادرة وشجاعة لم يعهد لها نظير، ولكن في الأخير طلب أهل البلد الصلح والأمان٣. ولكن عبد الله بن سعود كان مترددا في الاستسلام فالتجأ إلى قلعة أسرته "طريف" في داخل البلد وبدأ يقاتل من داخلها، ولكن جدران القلعة كانت قد فقدت صلاحيتها وما كان الدفاع الآن ليجدي نفعا فاستسلم أخيرا إلى إبراهيم ٤.

стр. 102

وكان هذا إعلانا لنهاية الدولة السعودية الأولى، أو كما يسميها فلبي "الإمبراطورية الوهابية الأولى" التي كان قد عمرها شيخ الإسلام وأصحابه بأيديهم جميعا. مصير عبد الله بن سعود: بعد يومين من الاستسلام أمر عبد الله بن سعود بالسفر وكان معه ثلاثة أو أربعة من أعوانه، ووصلت قافلة أمير نجد إلى مصر في محرم سنة ١٢٣٤هـ (نوفمبر سنة ١٨١٨م) ، واتخذهم المصريون أضحوكة يستهزئون منهم. وإن كل إساءة كان من الممكن تصورها مع أمير دولة منهزمة قد أبيحت معهم ولم يترك منها شيء ١. وقد حضر مجلس محمد علي وجرت محادثات مبدئية. وفي يوم ١٩ محرم أرسل إلى الإسكندرية ومن هناك إلى الأستانة حيث كان الموت يترقبه. فصلب هناك هو وأصحابه في ١٧ ديسمبر سنة ١٨١٨م٢ (١٨ صفر سنة ١٢٣٤هـ) في فناء أياصوفيا وعلقوا على المشانق، إنا لله وإنا إليه راجعون. ولقد طيف بهؤلاء المظلومين بكل إهانة حتى في دار الخلافة. ومع عبد الله بن سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود تنتهي سلسلة الأمراء النجدين الذين تربوا على أيدي شيخ الإسلام مباشرة. فأما عبد العزيز بن محمد بن سعود وسعود بن عبد العزيز فقد كانوا تلامذة لشيخ الإسلام حقا، ولعل عبد الله بن سعود كان صغير السن عند وفاة شيخ الإسلام (سنة ١٢٠٦هـ) ، ولذلك لم يتمكن من الاستفادة من دروسه وإلا أنه من المقطوع به أنه أدرك زمن شيخ الإسلام. لم يجد عبد الله بن سعود فرصة الحكم باطمئنان واستقرار، ولكن مع ذلك كان يتبع

стр. 103

خطوات أبيه وجده في الدروس والدعوة وتدبير الحكومة، وكان ينسج على منوالهم فليس عندنا جديد يذكر في هذا الصدد١. مصير الآخرين: استمرت الحرب داخل الدرعية وخارجها ستة أشهر، وهذا الكتاب الموجز لا يسع تفاصيل تلك المعركة كما أنها لا تدخل في نطاق بحثنا، وقد فصلها ابن بشر الذي شاهد هذه الحوادث وعاصرها حتى إنه في بعض الأحيان يعين ميادين القتال في البلد ومواقعها بتوضيح تام.٢ وقد استشهد في هذه المعركة واحد وعشرون رجلا من آل سعود فقط، وإليك أسماء البارزين منهم: فيصل بن سعود، إبراهيم بن سعود، فهد بن عبد الله بن عبد العزيز، فهد بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود، محمد بن حسن بن مشاري بن سعود، إبراهيم بن حسن بن مشاري، عبد الله بن حسن بن مشاري، عبد الرحمن بن حسن بن مشاري، إبراهيم بن عبد الله بن فرحان، عبد الله بن إبراهيم بن حسن بن مشاري، عبد الله بن ناصر بن مشاري، محمد بن عبد الله بن محمد بن سعود، سعود بن عبد الله بن محمد بن سعود، محمد بن سعود بن عبد الله بن محمد بن سعود. واستشهد من آل الشيخ: سليمان بن عبد الله بن الشيخ، علي بن عبد الله بن الشيخ، محمد بن عبد الرحمن

стр. 104

ابن حسن بن الشيخ، وقد مثل بجثة الشيخ سليمان بن عبد الله فقطعت إربا إربا ومزقت عضوا عضوا، فيا لله من شدة الثأر!! ١. واستشهد من غير آل سعود وآل الشيخ علماء وأعيان كثيرون، فمنهم من استشهد في ساحة المعركة، ومنهم من لقي مصرعه بعدما أذيق أنواعا من الأذى من فوهات البنادق ورؤوس الأسنة وغيرها. ومن جملة هؤلاء: علي بن محمد بن راشد العريني قاضي خرج، وصالح بن رشيد الحربي، عبد الله ابن محمد بن عبد الله بن سويلم، وحمد بن عيسى بن سويلم، ومحمد بن إبراهيم بن سدحان ٢. وهناك علماء آخرون غير هؤلاء الشهداء عاملهم إبراهيم باشا معاملة يندى لها الجبين، فقد كان القاضي أحمد بن رشيد الحنبلي عالم المدينة الشهير مقيما عند الأمير عبد الله، وأكرم أولا بالضرب والطعن بالحراب، ثم قلعت جميع أسنانه واحدة واحدة ٣. وكان القاضي أحمد بن رشيد (واسمه الكامل أحمد بن حسن بن رشيد) من سكان الأحساء، وكان عالما مشهورا في الفقه الحنبلي، واشتهر بلقب الحنبلي أيضا، وكان في بداية الأمر مخالفا لدعوة شيخ الإسلام، ولكنه أصبح من أنصارها فيما بعد، وأحب الجوار في مدينة الرسول ﷺ فاستوطنها وتوفي هناك بعد عمر طويل ٤. ووردت ترجمته بتفصيل في "السحب الوابلة" إلا أن المؤلف يؤول قبوله للدعوة بتأويلات عجيبة وغريبة ٥.

стр. 105

ومن هؤلاء الذين أهينوا عالم ضعيف ومحترم وهو الشيخ عبد العزيز الحصين الناصري (م سنة ١٢٣٧هـ) ، فقد كان موجودا في شقراء أيام الاستيلاء عليها، فطلبه إبراهيم باشا في مجلسه وجيء به محمولا؛ لأنه ما كان يستطيع أن يمشي على رجليه من شدة الضعف ولما وصل سلم على طريقة السنة بقوله: سلام عليك يا إبراهيم! "، وهنا تورمت الجبهة المتكبرة للباشا المصري وبدأ يستهزئ بالشيخ عبد العزيز وصار الشيخ ينصحه وقرأ آيات من العفو فحينذاك قال الباشا: "عفونا يا عجوز! عفونا يا عجوز! ". والشيخ عبد العزيز هذا كان من أخص تلامذة شيخ الإسلام وقد أوفد مرتين إلى الحجاز (في سنة ١١٨٥هـ و ١٢٠٤هـ) في حياة الشيخ، وقد مر ذكر الوفود مفصلا في أول الباب فليراجع هناك. ولقد تمكن بعض السعداء من النجاة من براثن الظلم، ومن بينهم تركي بن عبد الله ابن محمد بن سعود وهو الذي جدد الدولة النجدية فيما بعد، والشيخ علي بن حسين ابن شيخ الإسلام، وهناك بعض الأفراد من آل سعود الذين تمكنوا من النجاة في ذلك الحين، ولكنهم لما رجعوا إلى وطنهم فيما بعد أعتقلهم الحاكم المصري وأرسلهم إلى مصر.١ وقد أرسل بقية آل سعود وآل الشيخ مع أهلهم إلى مصر حيث أقاموا في الغربة مدة طويلة، ولقد قضى بعضهم نحبه هناك، إلا أن أكثرهم رجعوا إلى بلادهم بعدما

стр. 106

عادت الأمور إلى مجراها ١. ووصلت قافلة الغرباء هذه إلى مصر في ١٨ رجب سنة ١٢٣٤هـ (١٣ مايو ١٨١٩م) وكان عددهم حوالي أربعمائة من بينهم نساء وأطفال ٢. تدمير الدرعية: كان الاستيلاء على الدرعية في أوائل ذي القعدة سنة ١٢٣٣هـ، ولكن استمرت سلسلة تدميرها وإفسادها مدة سنة تقريبا، وأشرف عليها إبراهيم باشا بنفسه فمكث هناك نحو تسعة أشهر، وكان يصدر كل يوم أوامر جديدة ويكره الناس على الامتثال بها. ولما تمت كل هذه المراحل ضربها ضربة لم تسمح لعاصمة آل سعود أن تزدهر مرة أخرى، فقد وصل أمر محمد علي باشا في شعبان سنة ١٢٣٤هـ (يونيو سنة ١٨١٩م) بتدمير الدرعية، ونفذها "أبنه البار" فورا. فماذا كان بعد ذلك. قال ابن بشر: "ثم أمر العساكر أن يهدموا دورها وقصورها، وأن يقطعوا نخلها وأشجارها ولا يرحموا صغيرها وكبيرها، فابتدر العساكر مسرعين وهدموها وبعض أهلها فيها مقيمين، قطعوا الحدائق منها وهدموا الدور والقصور، ونفذ فيها القدر المقدور وأشعلوا في بيوتها النيران، وأخرجوا جميع من كان فيها من السكان، فتركوها خالية المساكن كأن لم يكن بها من قديم ساكن، وتفرق أهلها في النواحي والبلدان، وذلك بتقدير الذي كل يوم هو في شأن" ٣.

стр. 107

لقد كان هذا أسوأ مظهر للجنون الانتقامي المصري، وهذه هي الدرعية التي كانت قرية صغيرة قبل دعوة الشيخ، فوهبتها مركزية وانقلبت إلى مدينة عامرة غنية بجهود آل سعود وتشجيعهم. وابن بشر يذكر في كلمات بليغة غنى هذه المدينة وبهاءها ومركزها التجاري ومشاهداته تحمل أهمية خاصة في هذا المجال ١. تهنئة الحكومة البريطانية: وبعدما تم إحراق الدرعية وتدميرها، وكان إبراهيم يعد العدة للرجوع من بلاد نجد إذ خطرت خاطرة غريبة في بال الحكام الإنجليز في بلادنا، فأرسلوا وفدا خاصا بقيادة جورج فارستر سادلير (Gorg Forester Sadleer) لتقديم التهاني إلى إبراهيم باشا، وليس من العسير الوصول إلى تلك العاطفة التي كانت تكمن وراء هذه الفكرة إذا وضعنا أمام أعيننا هذه الحقيقة بأن حكومة الشركة٢ كانت تبذل كل جهودها لزيادة نفوذها في ناحية الخليج، ولما قوي سلطان أهل نجد على الساحل٣، واشتدت الهجمات البحرية وبدأت بواخرها تتضرر منها، حاولت حكومة بومباي أن تتخلص من هذه المصيبة، فقامت بشن هجوم عنيف على مدينة رأس الخيمة وأحرقته كما مر من قبل. والآن لما علمت حكومة الشركة بالفتوحات المصرية وزوال النجدين، خافت بأن تتضرر مصالحها من الحكومة الجديدة، وقد زاد هذا الخوف بسبب وقوع بعض الحوادث من هذا القبيل بعد الاستيلاء على الدرعية، فقد بدأت الحاميات المصرية الحربية تتجول في النواحي الساحلية من الخليج، ولم تحترم نواحي النفوذ البريطاني، وكان

стр. 108

الحكام الإنجليز مسرورين بهلاك أعدائهم النجديين، ولكنهم أيضا ما كانوا مستعدين لهذه المعاملة السيئة من المصريين ١، ولذلك أرسل الكابتن ج. ف. سادلير إلى الدرعية ليجتمع بإبراهيم باشا. ولكن الحقيقة أن البريطانيين قد أخطئوا في تقدير نيات المصريين، فالمصريون ما كانوا يريدون حكومة دائمة في نجد فضلا عن الخليج، ولكن لعلهم أرسلوا بعض الدوريات إلى البلدان المجاورة إبان نشوة الفتح والاستيلاء على الدرعية. ولكن الحقيقة أنهم ما كانوا يقصدون إقامة حكومة دائمة، ولأجل هذا سافر إبراهيم باشا إلى مصر بعدما دمر الدرعية وترك البلاد على أثره تعاني حال الفوضى والدمار. وعلى كل حال نستمع الآن ما جرى على بعثة سادلير بلسان خبير وهو "هوغارث" وقال: "أرسلت سفينة حربية بريطانية من بومبائي إلى الخليج بدون أي إشارة مباشرة أو غير مباشرة من المصريين في سنة ١٨١٩ م (١٢٣٤هـ) في موسم الصيف، وكان على ظهرها الكابتن ج. ف. سادلير قائد الفرقة السابعة والأربعين، موفدا خاصا إلى إبراهيم، وكانت مهمته تقديم التهاني إليه على فتح الدرعية واتخاذ الخطوات اللازمة للقضاء المبرم على الدولة الوهابية بالاشتراك مع الباشا. ومن التعليمات التي وجهت لذلك الضابط: "فإن كان الباشا يريد الاستفادة من المساعدات البريطانية -كما هو الظن الغالب- ترسل قوة بحرية كاملة وقوية على الفور لتساعد الأتراك (المصريين) في الاستيلاء على رأس الخيمة. الخ

стр. 109

ولكن قلما قدرت الخيبة لبعثات سرية في التاريخ كما قدرت لبعثة سادلير". والتفصيل طويل١، ولكن الخلاصة أن سادلير نزل على ساحل العرب حين كان إبراهيم باشا يريد الرجوع إلى وطنه مشبعا من تدمير الدرعية، وأخبر سادلير بأنه لا يعرف أين سيتمكن من الاجتماع به، ولكنه خرج في ٢٨ يونيو سنة ١٨١٩م ووصل إلى شقراء ثم الرس مارا بالدرعية، وقد وجد جنود إبراهيم إلا أنه بنفسه كان قد سافر إلى المدينة، وكان خبر قدوم سادلير قد بلغه، ولكنه لم يكن حريصا على لقائه إلى حد أن يجلس لانتظاره، وفي الأخير أدركه سادلير على مقربة من المدينة واجتمع به في ٨ و ٩ من سبتمبر. وكلمه الباشا كلاما حسنا وبأخلاق، ولكنه لم يعده بشيء، ورجع الوفد البريطاني صفر اليدين إلا أنه قد نال مزية بتجوله في الصحراء لمدة ثلاثة أشهر، فكان أول أوربي عبر الجزيرة العربية من البحر إلى البحر. لقد دمرت الدرعية بأيدي المصريين بحيث لم يتسن لها أن تعمر مرة أخرى، ولم يكن يرى أي أمل في انبعاث النجديين من جديد. وقد أظهر بلنت رأيه بالحرف الواحد في سنة ١٨٨٠م بقوله: "إن الدولة السعودية في العرب ينبغي أن تعرف الآن كقصة من الماضي".٢ وهذا مع أنه خبير واسع الاطلاع بعيد النظر وموال للعرب في الظاهر. وكذلك داوتي (Daughty) في سنة ١٨٧٥م ينقل عن أهل نجد رأيهم فيقول: "إن الرأي السائد على الأقل في نجد أن الدولة الوهابية لا يمكن أن تنبعث من جديد ٣. ويعلق عدو الإسلام زويمر على هذه الحادثة فيقول:

стр. 110

"لقد انتهت هذه الحركة بخيبة كاملة، ولقد ثبت الآن أن وجودها السياسي كان مجرد تمثيلية رائعة" ١. يقول عدو الإسلام والعرب هذا في موضع آخر: "ينبغي أن نعرف أن الدولة السعودية في العرب قد أصبحت من عداد الأساطير الماضية" ٢. إلا أن الأيام قد أثبتت بأن هذه الآراء كلها كانت كاذبة، فلقد سلمت أمانة الجزيرة العربية إلى أولئك النجديين مرة أخرى وبسعة وقوة أكثر مما كانتا من قبل. نعم إن الدرعية لم يقدر لها أن تزدهر من جديد، والنشأة الجديدة للدولة النجدية كانت من مدينة أخرى في الناحية نفسها وهي "الرياض" وهي عاصمتهم الآن. رثاء الدرعية: لقد تركت مأساة الدرعية أثرا عظيما مؤلما جدا في نفوس أهل نجد ومحبيهم، وهذا لا يحتاج إلى بيان. ولعل البكاة قد بكوا حسب استطاعتهم وأحوالهم وأسبلوا دماء لا دموعا، ونحن نحب أن نشير الآن إلى قصيدة واحدة فقط قيلت في رثاء الدرعية، وهي مما قاله العالم النجدي الشهير الشيخ عبد العزيز نجل الشيخ حمد بن ناصر (م سنة ١٢٢٥هـ) أحد تلامذة شيخ الإسلام. مع أننا لا نجد فيها تلك القوة التي نراها في رثاء الأندلس٣ للشريف الرندي أو مرثية بغداد لسعدي
следующие страницы →