. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وفي السعد:
" (﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ عطف على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾)؛ لامتناع عطفه على الضمير المجرور في ﴿بِهِ﴾، إذ لا إعادة للجار، ولا معنى لكفر بالمسجد الحرام إلا بتكلف.
وههنا حاشية من المصنف وقد [تلحق] (١) بالمتن، حاصلها: أن عطف ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ على ﴿صَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إنما جاز قبل تمامه بصلته التي من جملتها ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ المعطوف على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ لوجهين:
الأول: أن الكفر بالله والصد عن سبيل الله متحدان معنى، فكأنه: لا فصل بالأجنبي بين ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وما عطف عليه، ولا عطف للكفر على الصد قبل تمامه بمنزلة أن يقال: صد عن سبيل الله والمسجد الحرام.
الثاني: أن هذا التقديم لفرط العناية، ومثله لا يعد فاصلا. والأول أوجه.
قيل: الجيد أن يتعلق بمحذوف، أي: ويصدون عن المسجد الحرام (٢)، وهو في غاية الرداءة." (٣)
وجعل السيوطي: " وجهي (ك) (٤) جوابا عن قول (ق): (ولا يحسن). " (٥) أهـ
وهو لا يحسن، تأمل.
وفي (ز):
" ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قراءة الجمهور بالجر (٦) على تقدير حذف المضاف وإبقاء عمله، كما في قوله: (ونارِ) أي: وكل نار.
стр. 387
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وذهب صاحب (ك): إلى أنه عطف على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: وعن المسجد الحرام، وأيده بـ ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١).
ولم يرتضه (ق)؛ لاستلزامه الفصل بين أبعاض الصلة بأجنبي؛ لأن ﴿وَصَدٌّ﴾ مقدر بـ (أن والفعل)، و ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في حيز الصلة، و [بعطف] (٢) ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ عليه يكون من تمام الصلة، إذ المعطوف على الصلة صلة، وقد فصل بينهما بـ ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾، وهو أجنبي، بمعنى أنه [لا] (٣) تعلق له بالصلة.
فإن قيل: يتوسع في الظروف وحروف الجر ما لا يتوسع في غيرهما.
أجيب: بأن توسعهم فيهما إنما هو في التقديم لا الفصل.
ونقل عن صاحب (ك): " الجواب بوجهين،
أحدهما: أن ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ في معنى: الصد عن سبيله، فكان عطفه تفسيريا، فهما متحدان معنى، فكأنه لا فصل بأجنبي؛ إذ التفسير غير أجنبي عن المفسر، فحسن العطف لذلك.
وثانيهما: أن موضع ﴿وَكُفْرٌ﴾ عقب ﴿الْحَرَامِ﴾ إلا أنه قدم لفرط العناية." (٤)
ولم يرض (ق): بكون وجه جر ﴿الْمَسْجِدِ﴾ عطفه على الهاء في ﴿بِهِ﴾ (٥)؛ بناء عل رأي البصري." (٦) أهـ تأمل.
" وقوله: (ولا على الهاء في ﴿بِهِ﴾ إلخ) قال أبو حيان: " هذا على مذهب أكثر البصريين.
стр. 388
وذهب الكوفيون ويونس (١) والأخفش (٢) والشلوبين (٣): إلى جوازه بدون إعادته.
والسماع يعضده، والقياس يقويه، وقد ورد من ذلك في أشعار العرب كثير، يخرج [عن أن يجعل] (٤) ضرورة.
ولسنا متعبدين بقول البصريين، بل المتبع ما قامت عليه الأدلة، فتخريج الآية عليه أرجح، بل متعين؛ لأن رصف الكلام وفصاحة التركيب يقتضي ذلك." (٥) " (٦) أهـ
стр. 389
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وفي (ع): " (ولا على الهاء إلخ): في النهر: [قد خبط المفسرون في عطف ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾] (١)، "والذي نختاره: أنه عطف على الضمير المجرور ولم يعد جاره، وقد ثبت ذلك في لسان العرب نثرا ونظما باختلاف حروف العطف، وإن كان ليس مذهب جمهور البصريين، بل أجاز الكوفيون ويونس والأخفش وأبو علي، ولسنا متعبدين باتباع جمهور أهل البصرة، بل نتبع الدليل." (٢)
وفي الطيبي: " لا يجوز لفساد المعنى؛ إذ لا معنى لـ: وكفر بالمسجد الحرام." (٣)
وفيه بحث (٤)؛ إذ الكفر قد ينسب إلى الأعيان باعتبار الحكم المتعلق بها، كقوله: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ (٥)." (٦) أهـ
وفي (ش): " (ولا يحسن عطفه على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾)؛ لأدائه إلى الفصل بين أبعاض الصلة بأجنبي، إذ التقدير: " أن صدوا "؛ لأن المصدر مقدر بـ (أن والفعل)، و (أن) موصول حرفي (٧)
стр. 390
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وما بعده صلته، فلو عطف على ﴿سَبِيلِ﴾ كان من تتمة الصلة، و ﴿كُفْرٌ﴾ عطف على ﴿صَدٌّ﴾، فهو أجنبي؛ إذ لا تعلق له بها.
وقوله: (لا يقدم العطف إلخ) فيه تسمح: أي: علي صلة الموصول وما في حيزه؛ لأن الموصول والصلة كشاء واحد خصوصا بعد التأويل.
وأما امتناع العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار فلضعفه لفظا ومعنى، أما معنى؛ فلأنه لا معنى للكفر بالمسجد الحرام إلا بتكلف.
وأما لفظا؛ فلما فيه من الاختلاف، قيل: لا يجوز إلا في الضرورة، واختار ابن مالك تبعا للكوفيين جوازه في السعة. (١)
وقيل: إن أكد نحو: مررت بك أنت وزيد، جاز وإلا فلا.
وهذا رد على (ك): خرجه على العطف علي ﴿سَبِيلِ﴾ (٢)، وصححه: بأن الكفر متحد مع الصد؛ لأنه تفسير له، فالفصل به كلا فصل، أو أنه على التقديم والتأخير. (٣) إذ لا يخفى ضعفه." (٤) أهـ (٥)
﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ﴾: وهو النبيِّ ﷺ والمؤمنون.
﴿مِنْهُ﴾ أي: من المسجد الحرام، وهو عطفٌ على ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾.
﴿أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ﴾ خبرٌ للأشياء المعدودةِ، أي: كبائرُ السائلين أكبر عند الله مما عنوا بالسؤال عنه، وهو ما فعلته السريةُ خطأً وبناءً على الظن.
وأفعلُ يستوي فيه الواحدُ والجمعُ والمذكرُ والمؤنثُ.
﴿وَالْفِتْنَةُ﴾ أي: ما ارتكبوه من الإخراج والشركِ، وصدِّ الناسِ عن الإسلام ابتداءً وبقاءً
﴿أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ أي: أفظعُ من قتل الحَضْرميّ.
ــ
﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ﴾: " فإنهم أخرجوا المسلمين من المسجد الحرام، بل من مكة والحرم.
وإنما جعلهم أهله؛ لأنهم القائمون بحقوق البيت، والمشركون خرجوا بشركهم عن أن يكونوا أولياء المسجد ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ (١)." (٢) (ز)
(خطأ): " أي: لا عن قصد، وبناء على الظن، أي: ظن أنه آخر جمادى." (٣) (ع)
(وأفعل إلخ): " توجيه لكونه خبر أربعة (٤)، وهو مفرد، وهو مقرر في العربية." (٥) (ش)
(أي ما ارتكبوه) في (ق): " أي: ما يرتكبونه." (٦)
стр. 393
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال (ع):
" ليس المراد أن المراد بالفتنة: ما يرتكبونه، وبالقتل: قتل الحضرمي، حتى يكون إعادة لما سبق، بل المقصود أن قوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ تذييل لما تقدم؛ للتأكيد، عطف عليه عطف الحكم الكلي على الجزئي.
أي: ما يفتن به المسلمون، ويعذبون به على الكفر أكبر عند الله من القتل، وما ذكره سابقا داخلا فيه دخولا أوليا. (١)
قال الزجاج: " أي: هذه الأشياء أكبر عند الله، أي: أعظم إثما، والفتنة: كفر، والكفر أقبح من القتل." (٢) " (٣) (ع)
وفي (ش):
" (ما يرتكبونه إلخ) هو الأمور الأربعة، وهو تفسير للفتنة، والمراد بالشرك: الكفر، والصد عن الإسلام: كفر، وكذا المنع للمسلمين عن دخول الحرم للعبادة فإنه داخل في الكفر، أو مستلزم له، فلا يرد (٤) عليه: أن التخصيص بهذين لا وجه له، ولا يحتاج إلى التوجيه: بأن ذكرهما على سبيل التمثيل (٥)." (٦) أهـ
стр. 394
﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ بيانٌ لاستحكام عداوتهم، وإصرارِهم على الفتنة في الدين.
﴿حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ﴾ الحقِّ إلى دينهم الباطلِ.
وإضافةُ الدين إليهم؛ لتذكير تأكُّدِ ما بينهما من العلاقة الموجبةِ لامتناع الافتراق.
﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ إشارةٌ إلى تصلُّبهم في الدين وثباتِ قدمِهم فيه، كأنه قيل: وأنى لهم ذلك؟
ــ
وقوله (١): (بهذين): أي: الإخراج والشرك اللذين فسر بهما الفتنة القاضي. (٢)
وفي (ز):
" جعل الإخراج فتنة؛ لأن الفتنة تطلق على الإيذاء والتعذيب وإصابة المحنة والبلاء (٣)، قال تعالى: ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ (٤)، ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٥).
والإخراج من الوطن وأسباب المعاش من أصعب المحن والبلايا.
وذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد: تعذيب الكفار المسلمين؛ لإسلامهم (٦)." (٧) أهـ
وظاهر المفسر: يخالف ما لـ (ع)، وما لـ (ع) هو الأظهر (٨).
(بيان لاستحكام إلخ) في (ق):
" ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ﴾ إخبار عن دوام عداوة الكفار لهم، وإنهم لا ينفكون عنها حتى يردوهم عن دينهم.
стр. 395
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و﴿حَتَّى﴾ للتعليل، كقولك: أعبد الله حتى أدخل الجنة، لقوله: ﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ وهو استبعاد لاستطاعتهم، كقول الواثق بقوته على قِرنِه: " إن ظفرت بي فلا تُبقِ علي " (١)، وإيذان بأنهم لا [يردونهم] (٢)." (٣) أهـ
وهو بمعناه في (ك) (٤)، قال السعد:
" (وأنهم إلخ) عطف على (دوام) أي: إخبار عن أن الكفار لا ينفكون عن العداوة، حتى يردوا المسلمين عن دينهم.
و﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ استبعاد، يعني: استعمل (إن) مع الجزم بعدم الوقوع إشارة إلى: أن ذلك لا يكون إلا على سبيل الفرض والتقدير، كما يفرض المحال (٥). وهو معنى الاستبعاد." (٦) أهـ
وفي (ش):
" (إخبار إلخ) دفع لما يتوهم من أن: ردهم المغيى به إذا لم يكن واقعا فكيف جعل غاية؟
فأشار إلى: أنه عبارة عن الدوام كقوله: ﴿حَتَّى يلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ (٧)، والتعليق لا يقتضي التحقيق.
وقوله: (﴿حَتَّى﴾ للتعليل) جواب آخر: بأن فعلهم ذلك إن استطاعوا.
стр. 396
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والتعبير بـ (إن)؛ لاستبعاد استطاعتهم لا للشك، وتستعمل لذلك كما مثل له، يعني أنه استعمل (إن) مع الجزم بعدم الوقوع إشارة إلى: أن ذلك لا يكون على سبيل الفرض، كما يفرض المحال، وهو معنى الاستبعاد. (١)
و(تُبقِ): مضارع مجزوم من الإبقاء، وهو: عدم الإهلاك." (٢) أهـ
وفي (ع):
" (إخبار إلخ): يعني أن المراد بدوامهم على القتال: دوام العداوة بطريق الكناية؛ لعدم دوامهم على المقاتلة (٣).
ومن هذا ظهر أن ﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ ليس متعلقا بـ ﴿لَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾؛ إذ لا معنى لدوامهم على العداوة إن استطاعوا، لكنها مستبعدة، والجملة معطوفة على ﴿يَسْئَلُونَكَ﴾ بجامع الاتحاد في المسند إليه إن كان السائلون هم المشركين، أو معترضة والمقصود: تحذير المؤمنين عنهم، وعدم المبالاة بموافقتهم في بعض الأمور. (٤)
وقوله: (و ﴿حَتَّى﴾ للتعليل): لا للغاية كما قال ابن عطية (٥).
والمعنى: لا يزالون يعادونكم لكي يردوكم عن دينكم؛ لقوله: ﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾، فإن التقدير: إن استطاعوا الرد يردوكم، لكنها مستبعدة.
стр. 397
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فلو كان ﴿حَتَّى﴾ للتعليل يكون فائدة التقييد بالشرط: التنبيه على سخافة عقلهم، وكون دوام عداوتهم فعلا عبثا لا يترتب عليه الفرض، بخلاف ما إذا كان للغاية، فإنه يفيد حينئذ أن الغاية مستبعدة الوقوع، فلا تنقطع عداوتهم، فيكون تأكيدا لما يفيده قوله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾.
وأما ما قيل: وجه الدلالة: أنه يدل على بُعد تحقق الرد، أو دوام المقاتلة، والتعليل لا يقتضي التحقق، بخلاف الانتهاء فإنه يشعر بالتحقق.
ففيه: أنه لا فرق بينهما في عدم اقتضاء التحقق، والإشعار به في نفسه، وعدمه بعدم اعتبار الشرط، على أن التقييد بالغاية الممتنع وقوعها - شائع: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ (١).
نعم يمكن الحمل على الغاية لو أريد من المقاتلة: معناها الحقيقي، ويكون الشرط متعلقا بـ ﴿لَا يَزَالُونَ﴾، فيفيد التقييد: أن تركهم المقاتلة في بعض الأوقات لعدم استطاعتهم (٢)،
لكن المعنى لا يكون متداولا كما ترى.
وقوله: (وهو استبعاد إلخ): أي لا يكون لهم استطاعة، وبعد أن تكون لهم فرض كما تفرض المحالات بدلالة استعمال (إن) في مقام التحقق والعلم بعدم الشرط.
стр. 398
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و(القرن): بكسر القاف: همتا درجتك. (١)
و(لا تُبقِ): من الأفعال، أي: لا ترحم.
وقوله: (وإيذان إلخ): تنصيص بأن الشرط متعلق بـ ﴿حَتَّى يَرُدُّوكُمْ﴾ (٢)." (٣) أهـ
وفي (ز):
" استدل على أن ﴿حَتَّى﴾ للتعليل بـ ﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾، فإنه أورد ﴿إِن﴾ في مقام الجزم بعدم وقوع استطاعة الرد؛ للإشارة إلى أن ذلك طمع فارغ بعيد كل البعد.
والعلة الحاملة على الفعل تكون معلومة الترتب عليه بحسب الوجود، وما يستبعد وقوعه لا يصلح حاملا عليه فظهر أن ﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ يستدعي حمل ﴿حَتَّى﴾ على التعليل، لا الغاية؛ لأن الحمل عليها إنما يحسن فيما لا يكون ترتبه على الفعل بعيدا.
و(القِرن) بالكسر: من يقارن الرجل ويقابله حال المحاربة مماثلا له في الشجاعة (٤).
وقوله: (لا تبق علي) أي: لا ترحمني، أبقيت على فلان: رحمته، لا أبقى الله عليك إن أبقيت علي." (٥) أهـ
стр. 399
﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ﴾ تحذيرٌ من الارتداد، أي: ومن يفعلْ ذلك بإضلالهم وإغوائهم ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ بأن لم يرجِعْ إلى الإسلام، وفيه ترغيبٌ في الرجوعِ إلى الإسلام بعد الارتداد.
ــ
﴿وَمَن يَرْتَدِدْ﴾: " يرجع." (١) (ك)
قال (ز):
" لما بين تعالى أن غرضهم من المقاتلة أن يردوا المسلمين عن دينهم، ذكر بعده وعيدا للمرتد فقال: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ﴾ إلخ. " (٢) أهـ
" وفي النهر: الدين: الإسلام (٣)، " وبنى افتعل من الردة، وهو بمعنى: التعمد والتكلف؛ إذ من باشر دين الحق يبعد أن يرجع عنه، فهو متكلف في ذلك." (٤) " (٥) (ع)
(أي ومن يفعل ذلك إلخ) في (ك):
" ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِي﴾ ومن يرجع عن دينه إلى دينهم ويطاوعهم على رده إليه." (٦) أهـ
قال السعد:
" (ويطاوعهم) أي: الكفار.
(على رده) أي: ردهم إياه، إضافة المصدر إلى المفعول.
(إليه) أي: إلى دينهم." (٧) أهـ
(وفيه ترغيب إلخ): حيث رتب الجزاء على شرط مقيد بما عطف عليه. (٨)
стр. 400
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في (ق):
" ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ بطلت حسناتهم.
قيد الردة بالموت عليها في إحباط الأعمال، كما هو مذهب الشافعي ﵀ (١) -، والمراد بها: الأعمال النافعة.
وقرئ: (حبَطَت) بالفتح، وهو لغة فيه (٢) " (٣) أهـ
وفي (ك):
" ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ لما يفوتهم - لإحداث (٤) الردة - مما للمسلمين في الدنيا من ثمرات الإسلام، باستدامتها (٥) والموت عليها من ثواب الآخرة.
وبها احتج الشافعي: على أن الردة لا تحبط الأعمال حتى يموت عليها، وعند أبي حنيفة: أنها تحبطها وإن رجع مسلما." (٦) أهـ
كتب السعد:
" (لما يفوتهم) متعلق بـ ﴿حَبِطَتْ﴾.
و(مما للمسلمين) بيان لما يفوتهم.
(من ثمرات) بيان لما للمسلمين، ثم عطف باستدامتها على (بإحداث)، والضمير: للردة.
و(من ثواب) على (مما للمسلمين).
стр. 401
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقوله: (وبها احتج الشافعي) بناء على أنها لو أحبطت الأعمال مطلقا لما كان للتقييد بقوله: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ فائدة، لا بناء على أنه جعل شرطا في الإحباط.
وعنده لا ينتفي المشروط؛ لأن الشرط النحوي والتعليقي ليس بهذا المعنى، بل غايته السببية والملزومية، وانتفاء السبب أو الملزوم لا يوجب انتفاء المسبب واللازم؛ لجواز تعدد الأسباب.
ولو كان شرطا بهذا المعنى، لم يتصور خلاف في القول بمفهوم الشرط.
واحتج أبو حنيفة بقوله: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ (١).
وأجيب: بأنه يحمل على المقيد؛ عملا بالدليلين.
ورد: بأن ذلك إنما يكون إذا كان القيد في الحكم، واتحدت الحادثة، وأما في السبب فلا؛ لجواز أن يكون المطلق سببا كالمقيد، وتمام ذلك في الأصول (٢).
وقيل: ثمرة الخلاف تظهر: فيمن صلى، ثم ارتد - نعوذ بالله (٣) - ثم أسلم، يلزمه عند أبي حنيفة قضاء تلك الصلاة، خلافا للشافعي. وفيه نظر." (٤) أهـ
وكتب (ع) على قول (ق):
" (في إحباط الأعمال) هذا مبني على أن قوله: ﴿أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ تذييل معطوف على الجملة الشرطية (٥)، أما لو كان معطوفا على الجزاء، فتكون مجموع الإحباط والخلود في النار مترتبا على الموت على الردة، فلا يتم تمسك الشافعي حينئذ.
والمراد: الأعمال السابقة على الارتداد، إذ لا معنى لحبوط ما لم يفعل، فلا معنى لما قيل.
стр. 402
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فائدة التقييد: أن إحباط جميع الأعمال حتى لا يكون له عمل موقوف على الموت على الكفر، حتى لو مات مؤمنا لا يحبط إيمانه، ولا عمل يقارنه، وذلك لا ينافي إحباط الأعمال السابقة على الارتداد بمجرد الارتداد.
وقوله: (كما هو مذهب الشافعية) وقال أبو حينفة:
مجرد الارتداد يوجب الإحباط لقوله: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ (١).
وحمل المطلق على المقيد مشروط: بكون الإطلاق والتقييد في الحكم، واتحاد الحادثة، وههنا في السبب.
وثمرة الخلاف تظهر: فيمن صلى ثم ارتد ثم أسلم، والوقت باق، يلزمه عند أبي حنيفة قضاء الصلاة خلافا للشافعي، وكذا في الحج.
وقوله: (الأعمال النافعة إلخ) أي: في الدنيا والآخرة، أي: الحسنات؛ إذ لا يتعلق الحبط بغير النافعة. (٢)
في النهاية: " أحبط الله عمله: أبطله، يقال: حبط عمله: بطل، وأحبطه غيره.
وهو من قولهم: حبطت الدابة حبطا بالتحريك: إذا أصابت مرعى طيبا فأفرطت في الأكل حتى تنتفخ فتموت." (٣) " (٤) أهـ
стр. 403
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وفي (ز):
" أصل الحبوط: الفساد، قال أهل اللغة: أصل الحبط: أن تأكل الإبل تبنا يضرها فتعظم بطونها فتهلك.
وسمي بطلان العمل بطرو (١) ما يفسده حبطا؛ تشبيها له بهلاك الإبل بتناول ما يضر (٢).
وطريان الردة على الإسلام يبطل على المرتد ما يترتب على الإسلام في الدنيا والآخرة.
أما إحباط الأعمال في الدنيا: فهو أنه يقتل عند الظفر به (٣)، [ويقاتل إلى أن يظفر به] (٤)، ولا يستحق من المسلمين موالاة ولا نصرا ولا ثناء حسنا، وتبين زوجته منه (٥)، ولا يستحق ميراثا من المسلمين (٦). (٧)
وأما إحباط الأعمال في الآخرة: فهو أن هذه الردة تبطل استحقاقهم الثواب الذي استحقوه بأعمالهم السالفة، وليس المراد إحباط نفس العمل؛ لأن الأعمال أعراض كما توجد تفنى وتزول، وإعدام المعدوم محال، بل المراد به ما ذكر (٨).
стр. 404
﴿أُوْلَئِكَ﴾ إشارة إلى الموصول، باعتبار اتصافه بما في حيِّز الصلةِ من الارتداد والموتِ عليه.
وما فيه من معنى البُعد؛ للإشعارِ ببُعد منزلتهم في الشر والفساد.
ــ
وظاهر الآية يقتضي أن الوفاة على الردة شرط لحبوط الأعمال في الدنيا والآخرة، والخلود في النار، وأن لا يثبت شاء منها إن أسلم بعد الردة.
ولهذا احتج بها الشافعي: على أنه لا تحبط الأعمال حتى يموت صاحبها عليها.
وعند أبي حنيفة: تبطلها مطلقا وإن رجع مسلما؛ تمسكا بعموم: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١)، ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ (٢).
ويتفرع عليه مسألتان:
الأولى: أن جماعة من المتكلمين قالوا: شرط صحة الإيمان والكفر حصول الوفاة عليهما، فلا يكون الإيمان إيمانا إلا إذا مات المؤمن عليه، ولا يكون الكفر كفرا إلا إذا مات الكافر عليه.
الثانية: أن المسلم إذا صلى ثم ارتد في الوقت، قال الشافعي: لا إعادة عليه، وقال أبو حنيفة:
يلزمه قضاء ما أدى، وكذا الكلام في الحج (٣)." (٤) أهـ
(إلى الموصول (٥)) أي: معنى، إذ هو في قوة: والشخص الذي يرتدد، وإلا فهو: اسم شرط (٦)، بمعنى: أي شخص يرتدد.
(بما في حيز الصلة) أي: معنى، وإلا فهو شرط.
(من الارتداد إلخ) بيان لما في حيز إلخ.
стр. 405
والجمعُ؛ للنظر إلى المعنى، أي: أولئك المُصِرُّون على الارتداد إلى حينِ الموتِ ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ الحسنةُ التي كانوا عمِلوها في حالة الإسلام حبوطا لاتلافى له قطعاً.
ــ
(والجمع) أي: في ﴿أُوْلَئِكَ﴾، و ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾، و ﴿أُوْلَئِكَ﴾ الثاني، و ﴿أَصْحَابُ﴾، و ﴿هُمْ﴾، و ﴿خَالِدُونَ﴾. (١)
(الحسنة) قيد بها؛ إذ هي التي تحبط.
﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾: " لبطلان ما تخيلوه، وفوات ما للإسلام من الفوائد الدنيوية." (٢) [(ق)] (٣)
قال (ش):
" (لبطلان إلخ) فإن قلت: الظاهر: لبطلان عملهم إلخ.
قلت: لما كان سقوط الأعمال والعبادات بمعنى: عدم الاعتداد بها والثواب عليها، لاح أن قوله في: ﴿الْآخِرَةِ﴾ كاف، فأشار إلى أن أنهم كانوا يتوهمون أن أعمالهم تلك تنفعهم في الدنيا، فزال ما توهموه. فتأمل." (٤) أهـ
وفي (ع):
" (ما تخيلوه): من الأغراض الجزئية التي تخيلوا التوصل إليها بالإسلام.
стр. 406
﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ بحيثُ لم يبْقَ لها حكمٌ من الأحكام الدنيوية والأخروية.
﴿وَأُوْلَئِكَ﴾ الموصوفون بما ذكر سابقاً ولاحقاً من القبائح.
﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ أي مُلابِسوها ومُلازِموها.
﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ كدأب سائرِ الكَفَرة.
ــ
(وفوات إلخ): حيث لا يستحق الموالاة والنصر والغنيمة، وتبين زوجته، ولا يستحق الميراث من المسلمين، ويقتل عند الظفر به.
(من الفوائد إلخ): بيان لكلا الموصولين (١) ويجوز التخصيص بالأخير." (٢) أهـ
(بحيث لم يبق): متعلق بـ ﴿حَبِطَتْ﴾، أي: بطلت بالكلية حتى لم يبق لها حكم إلخ.
تم بحمد الله.
стр. 407
الخاتمة
стр. 408
الخاتمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين له بإحسان إلى يوم الدين ...
أما بعد ...
فإن من أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال دراستي وتحقيقي لهذا الجزء من حاشية الشيخ إبراهيم السقا على تفسير الإمام أبي السعود:
١ - اهتمام العلماء البالغ بكتاب الله وشرحه، حتى كثرت التفاسير حوله، ثم اهتموا بشرح هذه التفاسير حتى كثرت الشروح والحواشي على هذه التفاسير، ولم يوجد كتاب كالقرآن الكريم حظى بهذه العناية الفائقة، ولا عجب فهو الكتاب المعجز الخالد منقطع النظير.
٢ - جمع الشيخ السقا في هذه الحاشية عدة حواش قيمة جدا ونافعة، وجمع أكثر ما قيل من آراء وأقوال في المسألة الواحدة مما جعلها كالموسوعة النحوية، فوفر بذلك جهدا كبيرا على طالب العلم.
٣ - تناول الشيخ السقا بالشرح والتفصيل كل ما عرض في تفسير الإمام أبي السعود من مسائل بلاغية أو فقهية، واهتم بتخريج أحاديثه وقراءاته وأشعاره.
أما أهم التوصيات التي أوصي بها:
١ - تحقيق ما لم يحقق من مخطوطاتنا القيمة، التي تحتوي على كثير من الكنوز العلمية.
٢ - طبع ما لم يطبع من المخطوطات المحققة، وإعادة طبع ما طبع بدون تحقيق علمي، بعد تحقيقه تحقيقا علميا سليما.
وفي الختام أحمد الله حمدا كثيرا طيبا، أن وفقني في إتمام هذه الدراسة، وأسأله تعالى أن يجعل عملي خالصا لوجهه الكريم، وأن يتقبله مني بقبول حسن، وأن يغفر ما كان من خطأ أو تقصير، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
* * *