← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 151109

ورثة الأنبياء شرح حديث أبي الدرداء

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (55 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ورثة الأنبياء شرح حديث أبي الدرداء

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ تسليمًا كثيرًا. خرَّج الإمام أحمد (١) وأبو داود (٢) والترمذي (٣) وابن ماجه (٤) في كتبهم: "أن رجُلاً قدِم مِن المدِينةِ على أبِي الدّرداءِ وهُو بِدِمشْق، فَقَالَ: ما أقْدمك يا أخِي؛ قال: حدِيثٌ بلغنِي أنّك تُحدِّثُهُ عنْ رسُولِ اللهِ ﷺ . قال: أما جِئْت لِحاجةٍ؟ قال: لاَ. قال: أمَا قَدِمْتَ لِتِجارةٍ؟ قال: لاَ. قَالَ: ما جِئْتُ إِلاَّ فِي طَلَبِ هَذَا الحدِيثِ؟ قال: نَعَمْ. قال: فإِنِّي سمِعْتُ رسُول اللهِ ﷺ يقُولُ: «منْ سلك طرِيقًا يبْتغِي فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللهُ بِهِ طرِيقًا إِلى الجنّةِ، وإِنّ الملائِكة تضعُ أجْنِحَتَهَا رِضًى لِطالِبِ العِلْمِ، وإِنّ العالِم ليسْتغْفِرُ لهُ منْ فِي السّمواتِ ومنْ فِي الأرْضِ حتّى الحِيتانُ فِي الماءِ، وفضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كفضْلِ القمرِ على سائِرِ

стр. 3

الكواكِبِ، وإِنّ العُلماء ورثةُ الأنْبِياءِ، وإِنّ الأنْبِياء لمْ يُورِّثُوا دِينارًا ولا دِرْهمًا إِنّما ورّثُوا العِلْم؛ فمنْ أخذ بِهِ أخذ بِحظٍّ وافِرٍ». وكان السلف الصالح ﵃ لقوة رغبتهم في العلم والدين والخير يرتحل أحدهم إلى بلد بعيد لطلب حديث واحد يبلغه عن النبي ﷺ . وقد رحل أبو أيوب الأنصاري من المدينة إلى مصر للقاء رجل من الصحابة بلغه عنه حديث يحدثه عن النبي ﷺ . وكذلك فعل جابر بن عبد الله الأنصاري مع كثرة ما سمع من النبي ﷺ من الحديث وروى. وكان أحدهم يرحل إلى من هو دونه في الفضل والعلم لطلب شيء من العلم لا يجده عنده. ويكفي في هذا المعنى ما قص الله علينا من قصه موسى وارتحاله مع فتاه، فلو استغنى أحد عن الرحلة في طلب العلم لاستغنى عنها موسى ﵇، حيث كان الله قد كمله وأعطاه التوراة التي كتب له فيها من كل شيء، ومع هذا فلما أخبره الله عن الخضر؛ أن عنده علمًا يختص به سأل السبيل إلى لقائه، ثم سار هو وفتاه إليه كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ (١). يعني: سنين عديدة، ثم أخبر أنّه لما لقيه قال له: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ (٢).

стр. 4

وكان من أمرهما ما قصه الله في كتابه. ومن حديث أبي بن كعب، عن النبي ﷺ قي قصة موسى والخضر مخرج في "الصحيحين" (١) وهو مشهور. وكان ابن مسعود يقول: "واللهِ الّذِي لا إِله إِلاّ هُو ما أُنْزِلتْ سُورةٌ مِنْ كِتابِ اللهِ إِلّا وأنا أعْلمُ أيْن نزلتْ، ولا نزلتْ آيةٌ مِنْ كِتابِ اللهِ إِلّا وأنا أعْلمُ (فِيم أُنْزِلتْ) (*)، ولوْ أعْلمُ أحدًا أعْلم مِنِّي بِكِتابِ اللهِ تبْلُغُهُ الإِبِلُ لركِبْتُ إِليْهِ " (٢). وقال أبو الدرداء: "لوْ أعْيتْنِي آيةٌ مِنْ كِتابِ اللهِ فلمْ أجِذ أحدًا يفْتحُها عليّ إِلاّ رجُلٌ بِبرْكِ الْغِمادِ لرحلْتُ إِليْهِ " (٣). وبرك الغماد أقصى اليمن. وخرج مسروق من الكوفة إلى البصرة لرجل يسأله عن آية من كتاب الله فلم يجد عنده فيها علمًا، فاُخْبِر عن رجل من أهل الشام فرجع إلى الكوفة ثم خرج إلى الشام إلى ذلك الرجل في طلبها. ورحل رجل من الكوفة إلى الشام إلى أبي الدرداء يستفتيه في يمين حلفها. ورحل سعيد بن جبير من الكوفة إلى ابن عباس بمكة يسأله عن تفسير آية. ورحل الحسن إلى الكوفة إلى كعب بن عجرة يسأله عن قصته في فدية الأذى. واستقصاء هذا الباب يطول.

стр. 5

وحلف رجل يمينًا فأشكلت على الفقهاء، فدل على بلد فاستبعده فقيل له: إن ذلك البلد قريب على من أهمه دينه. وفي هذا إشارة إلى أن من أهمه أمر دينه كما أهمه أمر دنياه إذا حدثت له حادثة في دينه لا يجد من يسأله عنها إلا في بلد بعيد؛ فإنه لا يتأخر عن السفر إليه ليستبرئ لدينه، كما أنّه لو عرض له هناك كسب دنيوي لبادر السفر إليه. وفي هذا الحديث أن أبا الدرداء بشر من أخبره أنّه رحل/ إليه لطلب الحديث بما سمعه من النبي ﷺ في فضل العلم وطلبه وهذا مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وإِذا جاءك الّذِين يُؤْمِنُون بِآياتِنا فقُلْ سلامٌ عليْكُمْ كتب ربُّكُمْ على نفْسِهِ الرّحْمة﴾ (١). وقد ازدحم الناس مرة على باب الحسن البصري لطب العلم، فأسمعهم ابنه كلامًا، فقال الحسن: "مهلاً يا بني"، ثم تلا هذه الآية. وفي كتاب الترمذي (٢) وابن ماجه (٣) عن أبي سعيد: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَصَّاهُمْ بِطَلَبَةِ الْعِلْمِ وَالمُتَفَقِّهِينَ فِي الدِّينِ". وجاء زر بن حبيش إلى صفوان بن عسال في طلب العلم قال له: بلغني "أَنَّ الْمَلائِكَةَ تَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ " (٤). وفي رواية أنه روى له ذلك عن النبي ﷺ .

стр. 6

وازدحم الناس مرة على باب ابن المبارك فقال: حُقٌّ لهُمْ مِنْ وِلايةٍ سُرُورُ الأبدِ. يغبطهم بازدحامهم على طلب العلم؛ لأنّه يؤدي إلى الخلود في النعيم المقيم. ولهذا تأسف معاذ بن جبل عند موته وبكى على مفارقة مجالس الذكر فقال: "إِنّما أبكي على ظمأِ الْهواجِرِ، وقِيامِ ليْلِ الشِّتاءِ، ومُزاحمةِ العُلماءِ بِالرُّكبِ عِنْد حِلقِ الذِّكْرِ" (١). وينبغي للعالم أن يرحب بطلبة العلم ويوصيهم بالعمل. كما قال الحسن لأصحابه -وقد دخلوا عليه-: "مرحبًا بِكُمْ وأهْلاً، حَيّاكُمُ اللهُ بِالسّلامِ، وأذخلنا وإيّاكُمْ دار السّلامِ، هذِهِ علانِيةٌ حسنةٌ إِنْ صبرْتُمْ وصدقْتُمْ وأيْقنْتُمْ، لا يكُوننّ حظّكُمْ مِنْ هذا الخْيرِ -رحِمكُمُ اللهُ- أنْ تسْمَعُوهُ بِهذِهِ الْأُذُنِ فيخْرُجُ مِنْ هذِهِ الْأُذُنِ؛ فإِنّهُ منْ رَأَى مُحمّدًا ﷺ فقذ رآهُ غادِيًا ورائِحًا لمْ يضعْ إِلى اللهِ لبِنةً على لبِنةٍ ولا قَصَبَةً عَلَى قَصَبةٍ، وَلَكِنْ رُفِع لهُ علمٌ فشمَّر إِليْهِ. الْوحَا الْوحَا (٢)، النّجَا النّجَا عَلاَمَ تُعرِّجُون؛ أتيْتُمْ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ كأنّكُمْ والْأمْرُ معًا ". ...

стр. 7

ولنشرع الآن في شرح حديث أبي الدرداء ﵁ الذي رواه عن النبي. فقوله ﷺ : "منْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللهُ لهُ بِهِ طرِيقًا إِلى الْجنّةِ" وفي رواية أخرى: "سهّل اللهُ لهُ بِهِ طرِيقًا إِلى الجنّةِ". وفي "صحيح مسلم " (١) عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "منْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سهّل اللهُ لهُ بِهِ طرِيقًا إِلى الْجنّةِ". سلوك الطريق لالتماس العلم: يحتمل أن يراد به السلوك الحقيقي وهو المشي بالأقدام إلى مجالس العلم. ويحتمل أن يشمل ما هو أعم من ذلك من سلوك الطريق المعنوية المؤدية إلى حصول العلم، مثل حفظه ودراسته، ومطالعته ومذاكرته والتفهم له والتفكر فيه، ونحو ذلك من الطرق التي يتوصل بها إلى العلم. وأما قوله: "سهّل اللهُ لهُ بِهِ طرِيقًا إِلى الجنّةِ". فإنه يحتمل أمورًا: منها: أن يسهل الله لطالبِ العلمِ العلمَ الذي طلبه وسلك طريقه وييسره عليه؛ فإن العلم طريق موصل إلى الجنة. وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (٢). قال طائفة من السلف في هذه الآية: هَلْ مِنْ طَالِبِ عِلْمٍ فَيُعَانُ عَلَيهِ.

стр. 8

ومنها: أن ييسر الله لطالب العلم العمل بمقتضى ذلك العلم إذا قصد بتعلمه وجه الله، فيجعله الله سببًا لهدايته والانتفاع به والعمل به، وذلك من طرق الجنة الموصلة إليها. ومنها: أن الله -تعالى- ييسر لطالب العلم الذي يطلبه للعمل به علومًا أخر ينتفع بها؛ فيكون طريقًا موصلاً إلى الجنة، وهذا كما قيل: مَنْ عَمِل بِمَا عَلِمَ أوْرَثَهُ اللهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ. وكما يقال: "ثوابُ الْحَسَنَةِ الْحَسَنَةُ بَعْدَهَا". وإلى هذا إشارة بقوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ (١). وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (٢). فمن التمس العلم ليهتدي به زاده الله هدى وعلومًا نافعة، توجب له أعمالاً صالحة، وكل هذه طرق موصلة إلى الجنة. ومنها: أن الله تعالى قد ييسر لطالب العلم الانتفاع به في الآخرة، وسلوك الطريق الحسنى المفضي إلى الجنة وهو الصراط وما بعده، وما قبله من الأهوال العظيمة والعقبات الشديدة الشاقة. وسبب تيسير طريق الجنة على طالب العلم؛ إذا أراد به وجه الله وطلب مرضاته: أن العلم يدل على الله من أقرب الطرق وأسهلها؛ فمن سلك طريقه ولم يعوج عنه وصل إلى الله وإلى الجنة من أقرب الطرق وأسهلها، فتسهلت عليه الطرق الموصلة إلى الجنة كلها في الدنيا وفي الآخرة. ومن سلك طريقًا يظنه طريق الجنة بغير علم، فقد سلك أعسر الطرق وأشقها، ولا يوصل إلى المقصود مع عسرة شديدة.

стр. 9

فلا طريق إلى معرفة الله وإلى الوصول إلى رضوانه والفوز بتهربه ومجاورته في الآخرة إلا بالعلم النافع، الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، فهو الدليل عليه، وبه يُهْتدى في ظلمات الجهل والشبه والشكوك، وقد سمى الله كتابه نورًا يهتدى به في الظلمات. كما قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١). وقد ضرب النبي ﷺ مثل من حمل العلم الذي جاء به بالنجوم التي يهتدى بها في الظلمات. كما في "المسند" (٢) عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ : "إِنَّ مَثَلَ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَرْضِ كَمَثَلِ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ يُهْتَدَى بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، فَإِذَا طُمِسَتِ النُّجُومُ أَوْشَكَ أَنْ تَضِلَّ الْهُدَاةُ". وهذا مثل في غاية المطابقة؛ لأنّ طريق التوحيد والعلم بالله تعالى وأحكامه، وثوابه وعقابه لا يدرك بالحس، إنما يعرف بالدليل، وقد بين ذلك كله في كتابه وعلى لسان رسوله. فالعلماء بما أنزل الله على رسوله هم الأدلاء الذين يهتدى بهم في ظلمات الجهل والشبه والضلال، فإذا فقدوا ضل السالك. وقد شبه العلماء بالنجوم، والنجوم في السماء، فيها ثلاث فوائد: يهتدى بها في الظلمات، وهي زينة للسماء، ورجوم للشياطين الذين يسترقون السمع منها.

стр. 10

والعلماء في الأرض تجتمع فيهم هذه الأوصاف الثلاثة: بهم يهتدى في الظلمات، وهم زينة للأرض، وهم رجوم للشياطين الذين يخلطون الحق بالباطل، ويدخلون في الدين ما ليحمنه من أهل الأهواء، وما دام العلم باقيًا في الأرض فالناس في هدى. وبقاء العلم بقاء حملته؛ فإذا ذهب حملته ومن يقوم به وقع الناس في الضلال، كما في الحديث الصحيح (١) عن النبي ﷺ : «إِنّ الله لا يقْبِضُ العِلْم انْتِزاعًا ينْتزِعُهُ مِنْ صُدُورِ الرِّجالِ، ولكِنْ يُذْهِبُ العِلْم بِذِهابِ العُلماءِ، فإِذا لمْ يبْق عالِمٌ اتّخذ النّاسُ رُءُوسًا جُهّالًا فسُئِلُوا فأفْتوْا بِغيْرِ عِلْم، ٍ فضلُّوا وأضلُّوا». وخرج الترمذي (٢) من حديث جبير بن نفير، عن أبي الدرداء قال: «كُنّا مَعَ النّبِيّ ﷺ فقال: هَذَا أوانُ يُخْتلسُ العِلْمُ مِن النّاسِ حتّى لا يقْدِرُوا مِنْهُ على شيْءٍ»، فقال زِيادُ بْنُ لبِيدٍ: كيْف يُخْتلسُ مِنّا العِلْمُ، وقد قرأْنا القُرْآن؟! فواللهِ لنقْرأنّهُ ولنُقْرِئنّهُ نِساءنا وأبْناءنا، فَقَالَ: «ثَكِلتْك أُمُّك يا زِيادُ، إِنْ كُنْتُ لأعُدُّك مِنْ فُقهاءِ المدِينةِ، هذِهِ التّوْراةُ والإِنْجِيلُ عِنْد اليهُودِ والنّصارى، فَمَاذَا تُغْنِي عنْهُمْ؟!» قال جُبيْرٌ بْنُ نفير: فلقِيتُ عُبادة بْن الصّامِتِ فقُلْتُ: ألا تسْمعُ ما يقُولُ أبُو الدّرْداءِ؟ فأخْبرْتُهُ بِالّذِي قال، قال: «صدق أبُو الدّرْداءِ، لَوْ شِئْتُ لأُخْبَرْتُكَ بِأَوّلِ عِلْمٍ يُرْفعُ مِن النّاسِ: الخُشُوعُ، يُوشِكُ أنْ تذخُل مسْجِد الجامِعِ فلا ترى فِيهِ خاشِعًا». وخرجه النسائي (٣) من حديث جبير بن نفير، عن عوف بن مالك، عن النبي ﷺ ، وفي حديثه: "فذكر ﷺ ضلالة الْيهُودِ والنّصَارَى عَلَى مَا فِي أيْدِيهِمْ مِنْ كِتابِ اللهِ. قال جُبيْر: فَلَقِيتُ شَدَّادَ بْن أوْسٍ فحدّثْتُهُ بِحدِيثِ

стр. 11

عوْفِ، فقال: صدق، ألا أُخْبِرُك بِأوّلِ ذلِك؛ يُرْفعُ الْخُشُوعُ حتّى لا ترى خاشِعًا». وخرج الإمام أحمد (١) من حديث زياد بن لبيد، عن النبي ﷺ أنّه ذكر شيئًا فقال: "ذاك عِنْد أوانِ ذِهابِ الْعِلْمِ ". فذكر الحديث، وقال فيه: "أو ليْس الْيهُودُ والنّصارى يقْرءُون التّوْراة والْإِنْجِيل لا يعْملُون بِشيْءٍ مِمّا فِيها؛! ". ولم يذكر ما بعدها. ففي هذه الأحاديث أن ذهاب العلم بذهاب العمل، وأن الصحابة فسروا ذلك بذهاب العلم الباطن من القلوب وهو الخشوع. وكذا روي عن حذيفة: "إنّ أوّل ما يُرْفعُ مِن العِلْمِ الخُشُوعُ" (٢). فإن العلم علمان كما قال الحسن: "عِلْمُ اللِّسانِ، فذاك حُجّةُ اللهِ على ابْنِ آدمِ، وعِلْمٌ فِى الْقلْبِ فذاك الْعِلْمُ النافِعُ ". وروي عن الحسن مرسلًا (٣) عن النبي ﷺ . وفي " صحيح مسلم " (٤) عن ابن مسعود/ قال: "إِنّ أقْوامًا يقْرءُون الْقُرْآن لا يُجاوِزُ تراقِيهُمْ، ولكِنْ إِذا وقع فِي الْقلْبِ فرسخ فِيهِ نفع". فالعلم النافع هو ما باشر القلب فأوقر فيه معرفة الله تعالى وعظمته، وخشيته وإجلاله، وتعظيمه ومحبته، ومتى سكنت هذه الأشياء في القلب خشع فخشعت الجوارح كلها تبعًا لخشوعه.

стр. 12

وفي " صحيح مسلم " (١) عن النبي ﷺ -أنّه كان يقول: "إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ". وهذا يدل على أن العلم الذي لا يوجب الخشوع للقلب فهو علم غير نافع. وروي عنه ﷺ : "أنّهُ كَانَ يَسْأَلُ اللهَ عِلْمًا نَافِعًا" (٢). وفي حديث آخر قال: «سَلُوا اللَّهَ عِلْمًا نَافِعًا، وَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ» (٣). وأما العلم الذي على اللسان فهو حجة الله على ابن آدم. كما قال النبي ﷺ : "والقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيكَ" (٤). فإذا ذهب من الناس العلم الباطن بقي الظاهر على الألسنة حجة، ثم يذهب هذا العلم الذي هو حجة بذهاب حملته، ولا يبقى من الدين إلا اسمه فيبقى القرآن في المصاحف ثم يسري به في آخر الزمان فلا يبقى منه في المصاحف ولا في القلوب شيء. ومن هنا قَسَّمَ من قَسَّمَ من العُلَمَاءِ العلم إِلى باطن وظاهر، فالباطن: ما باشر القلوب فأثمر لها الخشية والخشوع، والتعظيم والإجلال، والمحبة والأنس والشوق. والظاهر: ما كان على اللسان، فبه تقوم حجة الله على عباده. وكتب وهب بن منبه إلى مكحول: "إِنَّكَ امْرُؤٌ قَدْ أَصَبْتَ بِمَا ظَهَرَ لَكَ مِنْ عِلْمِ الْإِسْلَامِ شَرَفًا فَاطْلُبْ بِمَا بَطَنَ مِنْ عِلْمِ الْإِسْلَامِ مَحَبَّةً وَزُلْفَى".

стр. 13

وفي رواية أخرى أنّه كتب إليه: "إِنّك قذ بلغْت بِظَاهِرِ عِلْمِكَ عِنْدَ النّاسِ منْزِلةً وشَرَفًا، فَاطْلُبْ بِباطِنِ عِلْمِك عِنْد اللهِ مَنْزِلةً وزُلْفَى، واعْلمْ أن إِحْدى الْمنْزِلتيْنِ تَمْنعُ الْأُخْرى". فأشار وهب بعلم الظاهر إلى علم الفتاوى والأحكام، والحلال والحرام، والقصص والوعظ وهو ما يظهر على اللسان. وهذا العلم يوجب لصاحبه محبة الناس له، وتقدمه عندهم، فحذره من الوقوف عند ذلك، والركون إليه والالتفات إلى تعظيم الناس ومحبتهم؛ فإن من وقف مع ذلك فقد انقطع عن الله وانحجب بنظره إلى الخلق عن الحق. وأشار بعلم الباطن إلى العلم الذي يباشر القلوب، فيحدث لها الخشية والإجلال والتعظيم، وأمره أن يطلب بهذا المحبة من الله والقرب منه والزلفى لديه. وكان كثير من السلف كسفيان الثوري وغيره يقسمون العلماء ثلائة أقسام: عَالِمٌ بِاللهِ وَعَالِم بِأمْرِ اللهِ. ويشيرون بذلك إلى من جمع بين هذين العلمين المشار إليهما الظاهر والباطن، وهؤلاء أشرف العلماء، وهم الممدوحون في قوله تعالى: ﴿إِنّما يخْشى الله مِنْ عِبادِهِ الْعُلماءُ﴾ (١). وقوله: ﴿إِنّ الّذِين أُوتُوا الْعِلْم مِنْ قبْلِهِ إِذا يُتْلى عليْهِمْ يخِرُّون لِلْأذْقانِ سُجّدًا﴾ إلى قوله: ﴿ويزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (٢). وقال كثير من السلف: لَيْسَ الْعِلْمُ كَثْرَةَ الرِّوايةِ ولَكِنّ الْعِلْمَ الْخَشْيةُ. وقال بعضهم: كفى بِخشْيةِ اللهِ عِلْمًا، وكفى بِالاغْتِرارِ بِاللهِ جهْلًا. ويقولون أيضًا: عَالِمٌ بِاللهِ لَيْسَ بِعالمٍ بِأمْرِ اللهِ.

стр. 14

وهم أصحاب العلم الباطن الذي يخشون الله، وليس لهم اتساع في العلم الظاهر. ويقولون: عَالِمٌ بِأَمْرِ اللهِ لَيْسَ بِعَالِمٍ بِاللهِ. وهم أصحاب العلم الظاهر الذين لا نفاذ لهم في العالم الباطن، وليس لهم خشية ولا خشوع، وهؤلاء مذمومون عند السلف. وكان بعضهم يقول: هَذَا هُوَ العَالِمُ الفَاجِرُ. وهؤلاء الذين وقفوا مع ظاهر العلم ولم يصل العلم النافع إلى قلوبهم ولا شموا له رائحة، غلبت عليهم الغفلة والقسوة، والإعراض عن الآخرة والتنافس في الدنيا، ومحبة العلو فيها والتقدم بين أهلها. وقد منعوا إحسان الظن بمن وصل العلم النافع إلى قلبه، فلا يحبونهم ولا يجالسونهم، وربما ذموهم وقالوا: ليسوا بعلماء، وهذا من خداع الشيطان وغروره، ليحرمهم/ الوصول إلى العلم النافع الذي مدحه الله ورسوله، وسلف الأمة وأئمتها. ولهذا كان علماء الدنيا يبغضون علماء الآخرة، ويسعون في أذاهم جهدهم، كما سعوا في أذى سعيد بن المسيب والحسن وسفيان ومالك وأحمد، وغيرهم من العلماء الربانيين، وذلك لأن علماء الآخرة خلفاء الرسل، وعلماء السوء فيهم شبه من اليهود، وهم أعداء الرسل وقتلة الأنبياء ومن يأمر بالقسط من الناس، وهم أشد الناس عداوة وحسدًا للمؤمنين، ولشدة محبتهم للدنيا لا يعظمون علمًا ولا دينًا، وإنما يعظمون المال والجاه والتقدم عند الملوك. كما قال بعض الوزراء للحجاج بن أرطاة: "إنَّ لَكَ دِينًا وإِنَّ لَكَ فِقْهًا". فقال الحجاج: "أَفَلاَ تَقُولُ إِنَّ لَكَ شَرَفًا وإِنَّ لَكَ قَدْرًا".

стр. 15

فقال الوزير: "وَاللهِ إِنَّكَ لَتُصَغِّرُ مَا عَظَّمَ اللهُ وَتُعَظِّمُ مَا صَغَّرَ اللهُ" (٥). وكثير ممن يدعى الباطن ويتكلم فيه ويقتصر عليه يذم العلم الظاهر، الذي هو الشرائع والأحكام، والحلال والحرام ويطعن في أهله ويقولون: هم محجوبون وأصحاب قشور، وهذا يوجب القدح في الشريعة، والأعمال الصالحة التي جاءت الرسل بالحث عليها والاعتناء بها. وربما انحل بعضهم عن التكاليف، وادعى أنها للعامة، وأما من وصل فلا حاجة له إليها، وأنها حجاب له، وهؤلاء كما قال الجنيد وغيره من العارفين وصلوا ولكن إلى سَقَرَ. وهذا من أعظم خداع الشيطان وغروره لهؤلاء، لم يزل يتلاعب بهم حتى أخرجهم عن الإسلام. ومنهم من يظن أن هذا العلم الباطن لا يُتَلَقَى من مشكاة النبوة، ولا من الكتاب والسنة، وإنما يتلقى من الخواطر والإلهامات والكشوفات، فأساءوا الظن بالشريعة الكاملة، حيث ظنوا أنها لم تأت بهذا العلم النافع الذي يوجب صلاح القلوب وقربها من علام الغيوب، وأوجب لهم الإعراض عما جاء به الرسول ﷺ في هذا الباب بالكلية، والتكلم فيه بمجرد الآراء والخواطر، فضلوا وأضلوا. فظهر بهذا أن أكمل العلماء وأفضلهم: العلماء بالله وبأمره الذين جمعوا بين العلمين وتلقوهما معًا من الوحيين -أعني: الكتاب والسنة- وعرضوا كلام الناس في العلمين معًا على ما جاء في الكتاب والسنة، فما وافق قبلوه، وما خالف ردوه. وهؤلاء خلاصة الخلق، وهم أفضل الناس بعد الرسل، وهم خلفاء الرسل حقًّا، وهؤلاء كثير في الصحابة، كالخلفاء الأربعة، ومعاذ، وأبي الدرداء، وسلمان، وابن مسعود وابن عمر، وابن عباس وغيرهم.

стр. 16

وكذلك فيمن بعدهم كالحسن، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والنخعي، ويحيى بن أبي كثير. وفيمن بعدهم كالثوري، والأوزاعي، وأحمد، وغيرهم من العلماء الربانيين. وقد سماهم علي بن أبي طالب ﵁: العلماء الربانيين، يشير إلى أنّهم الربانيون الممدوحون في غير موضع من كتاب الله . فقال: "النّاسُ ثلاثةٌ: عالِمٌ ربّانِيٌّ، ومُتعلِّمٌ على سبِيلِ نجاةٍ، وَهَمَجٌ رِعاعٌ ... ". ثم ذكر كلامًا طويلاً وصف فيه علماء السوء والعلماء الربانيين، وقد شرحناه في غير هذا الموضع. والمقصود ها هنا أن التماس العلم سبب موصل إلى الجنة. وفي الحديث المعروف عن النبي ﷺ : «إِذا مررْتُمْ بِرِياضِ الجنّةِ فارْتعُوا»، قالُوا: وما رِياضُ الجنّةِ؟! قال: «حِلَقُ الذِّكْرِ» (١). وكان ابن مسعود إذا ذكر هذا الكلام يقول: "أَمَا إنِّي لاَ أعْنِي القُصَّاصَ ولكِنْ حِلَقَ الفِقْهِ". وروي عن أنس معناه أيضاً. وقال عطاء الخراساني: "مجَالِسُ الذِّكْرِ مجَالِسُ الحَلالِ والحَرَامِ، كَيفَ تَشْترِي وَتَبِيعُ، وتُصَلِّي وتَصُومُ، وتنْكِحُ وتُطلِّقُ، وتَحُجُّ وأشْباهُ هذا".

стр. 17

وقال يحيى بن أبي كثير: دَرْسُ الفِقْهِ صَلاةٌ. وكان أبو السوار العدوي في حلقة يتذاكرون العلم ومعهم فتى شاب فَقَالَ لَهُمْ: قُولُوا: سُبْحَانَ اللهِ وَالحَمْدُ لِلَّهِ، فَغَضِبَ أَبُو السُّوارِ، وَقَالَ: وَيْحَكَ، في أَيّ شَيء كُنَّا إِذًا؟! والمراد بهذا أن مجالس الذكر لا تختص بالمجالس التي يذكر فيها اسم الله بالتسبيح والتكبير والتحميد ونحوه؛ بل تشمل ما ذكر فيه أمر الله ونهيه وحلاله وحرامه وما يحبه ويرضاه، فإنه ربما كان هذا الذكر أنفع من ذلك؛ لأنّ معرفة الحلال والحرام واجبة في الجملة على كل مسلم، بحسب ما يتعلق به في ذلك، وأما ذكر الله باللسان، فإن أكثره يكون تطوعًا، وقد يكون واجبًا كالذكر في الصلوات المكتوبة. وأما معرفة ما أمر الله به ونهى عنه، وما يحبه ورضاه، وما يكرهه وينهى عنه فيجب على كل من احتاج إلى شيء من ذلك أن يتعلمه. ولهذا روى: "طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ" (١). فإنه يجب على كل مسلم معرفة ما يحتاج إليه في دينه، كالطهارة والصلاة والصيام. ويجب على من له مال معرفة ما يجب عليه في ماله من زكاة ونفقة، وحج وجهاد. وكذلك يجب على كل من يبيع ويشتري أن يتعلم ما يحل ويحرم من البيوع. كما قال عمر ﵁: "لَا يَبِيعُ فِي سُوقِنَا إِلا مَنْ قَدْ تَفَقَّهَ فِي الدِّينِ" خرجه الترمذي (٢).

стр. 18

ويروى بإسناد فيه ضعف عن علي ﵁ قال: "الفِقْهُ قَبْلَ التِّجَارَةِ، إِنَّهُ مَنْ اتَّجَرَ قَبْلَ أَنْ يَتَفَقَّهَ ارْتَطَمَ فِي الرِّبَا ثُمَّ ارْتَطَمَ". وسُئل ابن المبارك: ما الذي يجب على الناس من تعلم العلم؟ قال: أن لا يقدم الرجل على شيء إلا بعلم يسأل ويتعلم، فهذا الذي يجب على الناس من تعلم العلم، ثم فسره وقال: "لَوْ أَنَّ رَجُلاً لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيهِ وَاجِبٌ أَنْ يَتَعَلَّمَ الزَّكَاةَ، فَإِذَا كَانَ لَهُ مَائَتَا دِرْهَمٍ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ كَمْ يُخْرِجُ وَمَتَى يُخْرِجُ وَأَيْنَ يَضَعَ وَسَائِرُ الأَشْيَاءِ عَلَى هَذَا". وسئل الإمام أحمد ﵀ عن الرجل مَا يَجِبُ عَلَيهِ مِنْ طَلَبِ العِلْمِ؟ فقال: مَا يُقِيمُ بِهِ الصَّلواتِ وَأَمَرَ دِينِه مِنَ الصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ، وَذَكَرَ شَرَائِعَ الإِسْلاَمِ. وقال: يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَعَلَّمَ ذَلِكَ. وقال أيضاً: "الَّذِي يَجِبُ عَلَى الإِنسَانِ مِنَ العِلْمِ مَا لاَ بُدَّ لَهُ مِنْهُ فِي صَلاَتِهِ وَإِقَامَةِ دِيْنِهِ". واعلم أن علم الحلال والحرام علم شريف، ومنه ما تَعَلَّمُهُ فرض عين، ومنه ما هو فرض كفاية. وقد نص العلماء على أن تَعَلَّمُهُ أفضل من نوافل العبادات، منهم أحمد وإسحاق. وكان أئمة السلف يتوقون الكلام فيه تورعًا؛ لأنّ المتكلم فيه مخبر عن الله بأمره ونهيه، مبلغ عنه شرعه ودينه. وكان ابن سيرين إَذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الحَلاَلِ وَالحَرَامِ تَغَيَّر لَوْنُهُ وَتَبَدَّلَ، حَتَّى كَأَنَّهُ لَيْسَ بالَّذِي كَانَ. وقال عطاء بن السائب: أَدْرَكْتُ أَقْوَامًا إِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيُسْأَلُ عَن الشَّيءِ فَيَتَكَّلَّمُ وَإِنَّه لَيُرْعَدُ". وروي عن مالك أنّه كان إذا سئل عن مسألة، كأنّه بين الجنة والنار.

стр. 19

وكان الإمام أحمد شديد التورع في إطلاق لفظ الحرام والحلال أو دعوى النسخ، ونحو ذلك مما يجسر عليه غيره كثيرًا، وأكثر أجوبته: أرجو وأخشى، أو أحب إلي، ونحو ذلك. وكان هو ومالك وغيرهما يقولون كثيرًا: لا ندري. وكان أحمد يقول ذلك في مسألة يذكر للسلف فيها أقوالاً عديدة، ويريد بقوله لا أدري أي الراجح المفتى به من ذلك. ومن مجالس الذكر أيضاً: مجالس العلم التي يذكر فيها تفسير كتاب الله أو يروى فيها سنة رسول الله ﷺ . فإن كانت رواية الحديث مع تفسير معانيه، فذلك أكمل وأفضل من مجرد رواية ألفاظه ويدخل في الفقه في الدين كل علم مستنبط من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ سواء كان من علوم الإسلام التي هي الأعمال الظاهرة والأقوال، أو من علوم الإيمان التي هي الاعتقادات الباطنة، وأدلة ذلك وبراهينه المقررة في الكتاب والسنة، أو من علوم الإحسان التي هى علوم المراقبة والمشاهدة بالقلب، ويدخل في ذلك علم الخشية والمحبة والرجاء والإنابة، والصبر والرضا، وغير ذلك من المقامات. وكل ذلك قد سماه النبي ﷺ في حديث سؤال جبرئيل له عنه: دينًا. فالفقه فيه من الفقه في الدين، ومجالسه من أفضل مجالس الذكر التي هي من رياض الجنة، وهي أفضل من مجالس ذكر اسم الله بالتسبيح والتحميد والتكبير؛ لأنها دائرة بين فرض عين أو فرض كفاية، والذكر المجرد تطوع محض. وقد دخل بعض السلف مسجد البصرة فرأى فيه حلقتين في إحداهما قاص وفي الأخرى فقيه يعلم الفقه، فصلى ركعتين واستخار الله في الجلوس إلى إحداهما، فنعس فرأى في نومه قائلاً يقول له: أو قد سويت بينهما؟! إن شئت أريناك مقعد جبرئيل ﵇ من فلان- يعني: الفقيه الذي يعلم العلم.

стр. 20

وسنذكر فيما بعد النصوص الدالة على فضل العلم على أنواع العبادات من الذكر وغيره -إن شاء الله تعالى. وكان زيد بن أسلم من جلة علماء المدينة، وكان له مجلس في المسجد يذكر فيه التفسير والحديث والفقه وغير ذلك، فجاء إليه رجل فقال له: إني رأيت بعض أهل السماء وهو يقول لأهل هذا المجلس: "هَؤلاَءِ فِي رَوْضَاتِ الجَنَّاتِ آمِنُونَ ثُمَّ أَرَاهُ أَنْزَلَ عَلَى أَهْلِ المَجْلِسِ حُوتًا طَرِيًّا وَوَضَعَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَجَاءَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي رَأَيْتُ النَّبِي ﷺ وأبا بكر وعمر- ﵄ خرجوا من هذا الباب والنبي ﷺ يقول: "انْطَلِقُوا بِنَا إِلَى زَيدٍ نُجَالِسُهُ وَنَسْمَعُ مِنْ حَدِيثِهِ. فجاء النبيُّ ﷺ حتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِكَ فَأَخَذَ بِيَدِكَ، فَلَمْ يَبْقَ زَيدٌ بَعْدَ هذِهِ الرُّؤيَا إِلاَّ قَلِيلاً حَتَّى مَاتَ رحمه الله تعالى". ومع ما ذكرنا من تفضيل العلم على القصص؛ فالعالم لا يستغني أحيانًا عن موعظة الناس والقصص عليهم، وإزالة القسوة عن قلوبهم، بالتذكير بالله وأيامه، فإن القرآن يشتمل على ذلك كله، والفقيه العالم حقًّا هو من فهم كتاب الله واتبع ما فيه. كما قال علي ﵁: "الفَقِيهُ حق الفقيه مَنْ لاَ يُقَنَّطِ النَّاس مِنْ رَحْمَةِ اللهِ وَلاَ يُرَخِّصْ لَهُمْ فِي مَعَاصي اللهِ، وَلاَ يَدَعُ القُرْآنَ رَغْبَةً عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ" (١). وقد كان النبي ﷺ يَتَخَوَّلُ أَصْحَابَهُ بِالْمَوْعِظَةِ أَحْيَانًا؛ خشية السَّآمَةِ عَلَيْهِمْ" (٢). قوله ﷺ : "وَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ العِلْمِ رِضًى بِمَا يَصْنَعُ"

стр. 21

وخرج ابن ماجه (١) من حديث زر بن حبيش قال: "أتيت صفوان بن عسال، فقال: مَا جَاءَ بِكَ؟ قُلْتُ: أَطْلُبُ العِلْمَ. قال: فَإِنِّي سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقول: «مَا مِنْ خَارِجٍ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ إِلَّا وَضَعَتْ لَهُ الْمَلَائِكَةُ أَجْنِحَتَهَا رِضًى بِمَا يَصْنَعُ». وخرجه الترمذي (٢) وغيره موقوفًا على صفوان. وقد اختلف الناس في تأويل وضع الملائكة أجنحتها: فمنهم من حمله على ظاهره، وأن المراد فرش الأجنحة وبسطها لطلاب العلم لتحملهم عليها إلى مقاصدهم من الأرض التي يطلبون فيها العلم؛ إعانة لهم على الطلب وتيسيره عليهم. وقد سمع هذا الحديث بعض الملحدين، فقال لطلبة العلم: "ارفعوا أرجلكم عن أجنحة الملائكة لا تكسروها. يستهزئون بذلك، فما زال من موضعه حتى جفت رجلاه وسقط". وروي عن آخر قال: لأكسرن أجنحة الملائكة. فصنع له نعلاً طرقها بمسامير كثيرة، فمشى بها إلى مجلس العلم فجفت رجلاه ووقعت فيهما الأكلة" (٣). ومنهم من فسر وضع الملائكة أجنحتها بالتواضع لهم، والخضوع لطلاب العلم كما في قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤). وفي هذا نظر؛ لأنّ للملائكة أجنحة حقيقة بخلاف البشر.

стр. 22

ومنهم من فسر ذلك بأن الملائكة تحف بأجنحتها مجالس الذكر إلى السماء كما جاء ذلك صريحًا في حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ . وورد مثله في بعض ألفاظ حديث صفوان بن عسال مرفوعًا: "إِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ لَتَحُفُّهُ الْمَلائِكَةُ وَتَظلّه بِأَجْنِحَتِهَا، ثُمَّ يَرْكَبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى يَبْلُغُوا إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، مِنْ حُبِّهِمْ لِمَا يُطْلَبُ" (١). ولعل هذا القول أشبه، والله أعلم. قوله ﷺ : "وَإِنَّ العَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ، حَتَّى الحِيتَانُ فِي جَوفِ المَاءِ". قد أخبر الله في كتابه باستغفار ملائكة السماء للمؤمنين عمومًا بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ (٣). فهذا للمؤمنين عموماً. فأما العلماء فيستغفر لهم أهل السماء وأهل الأرض حتى الحيتان في البحر. وخرج الترمذي (٤) من حديث أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الحُوتَ فِي البَحْرِ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِي النَّاسِ الخَيْرَ» وصححه الترمذي.

стр. 23

وخرج الطبراني (١) من حديث جابر، عن النبي ﷺ قال: "مُعَلِّمُ النَّاسِ الْخَيْرَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ شَيءٍ حَتَّى الحِيتَانُ فِي الْبَحْرِ". ويروى من حديث البراء بن عازب، عن النبي ﷺ : "العُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، يُحِبُّهُمْ أَهْلُ السَّمَاءِ، وَتَسْتَغْفِرُ لَهُمُ الحِيتَانُ فِي البَحْرِ إِذَا مَاتُوا إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ" (٢). وورد الاستغفار أيضاً لطالب العلم. ففي "مسند الإمام أحمد" (٣) عن قبيصة بن المخارق قال: "أتَيْتُ النَّبِي ﷺ فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ؟ قُلْتُ: كَبُرَ سِنِّي، وَرَقَّ عَظْمِي، وَأَتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مَا يَنْفَعُنِي اللهُ بِهِ". قال: "يَا قَبِيصَةُ، مَا مَرَرْتَ بِحَجَرٍ وَلَا شَجَرٍ وَلَا مَدَرٍ إِلَّا اسْتَغْفَرَ لَكَ". وقد دل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (٤). على أن الله وملائكته يصلون على أهل الذكر، والعلم من أفضل أنواع الذكر، كما سبق تقريره. وخرج الحاكم (٥) من حديث سليم بن عامر قال: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي أُمَامَةَ فَقَالَ: يَا أَبَا أُمَامَةَ، إِنِّي رَأَيْتُ فِي مَنَامِي، كَأَنَّ المَلاَئِكَةَ تُصَلِّي عَلَيْكَ كُلَّمَا دَخَلْتَ وَكُلَّمَا خَرِجْتَ، وَكُلَّمَا قُمْتَ وَكُلَّمَا جَلَسْتَ فَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ: اللَّهُمَّ

стр. 24

غفرًا، دَعُونَا عَنْكُمْ، وَأَنْتُمْ لَوْ شِئْتُمْ لَصَلَّتْ عَلَيْكُمْ الَملاَئكَةُ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (١). وقذ ذكر بعضهم السر في استغفار دواب الأرض للعلماء، وهو أن العلماء يأمرون الناس بالإحسان إلى المخلوقات كلها، وبإحسان قتل ما يجوز قتله أو ذبحه من الحيوانات، فيتعدى نفعهم إلى الحيوانات كلها، فلذلك يستغفرون لهم. ويظهر فيه معنى آخر وهو أن سائر المخلوقات مطيعة لله، قانتة له، مسبحة له غير عصاة الثقلين: الجن والإنس، فكل الخلق المطيعين لله يحبون أهل طاعته، فكيف به وهو يعرف الله ويعرف حقوقه وطاعته؟ فمن كانت هذه صفته، فإن الله يحبه ويزكيه ويثني عليه، ويأمر عباده من أهل السماء والأرض وسائر خلقه بمحبته والدعاء له، وذلك هو صلاتهم عليه، ويجعل له المودة في قلوب عباده المؤمنين. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ (٢). ولا تختص محبته بالحيوانات؛ بل تحبه الجمادات أيضاً. كما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ (٣) أن السَّماءِ والأَرضَ تَبْكِى عَلَى المُؤْمِنِ إِذَا مَاتَ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا. وفي الحديث: "إِنَّ الأَرْضَ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِ إِذَا دُفِنَ: إِنْ كُنْتَ لأَحَبَّ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي، فَسَتَرَى إِذَا صِرْتَ إِلَى بَطْنِى صنيعي" (٤).

стр. 25

وإنما يبغض المؤمن والعالم عصاة الثقلين؛ لأنّ معصيتهم لله اقتضت تقديم أهواء نفوسهم على محبة الله وطاعته، فكرهوا طاعة الله وأهل طاعته، ومن أحب الله وأحب طاعته أحب أهل طاعته، وخصوصًا من دعا إلى طاعته وأمر الناس بها. وأيضًا فإن العلم إذا ظهر في الأرض وعمل به درّت البركات ونزلت الأرزاق فيعيش أهل الأرض كلهم، حتى النملة وغيرها من الحيوانات ببركته، ويستبشر أهل السماء بما يرتفع لأهل الأرض من الطاعات والأعمال الصالحات فيستغفرون لمن كان السبب في ذلك. وعكس هذا أن من كتم العلم الذي أمر الله بإظهاره لعنه الله وملائكته وأهل السماء والأرض، حيث سعى في إطفاء نور الله فى الأرض، الذي بسبب إخفائه تظهر المعاصي والظم والعداوة والبغي. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (١). وقد قيل أنها نزلت في أهل الكتاب، الذين كتموا ما عندهم في كتابهم من صفة النبي ﷺ . وكان أبو هريرة يقول: "لَوْلَا آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا أَبَدًا. وَيَتْلُو هَذِه الآيَةَ" (٢). وفي "سنن ابن ماجه" (٣) عن البراء بن عازب، عن النبي ﷺ "في قوله: ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (١) قَالَ: "دَوَابّ الأَرْضِ". وقد روي هذا موقوفًا على البراء (٤).

стр. 26

وروي عن طائفة من السلف قالوا: "تَلْعَنُهُمْ دَوَابُّ الأرْضِ، ويقولون: مُنعنَا القَطْرَ بِخَطَايَا بَنِي آدَمَ ". فإن كتمان العلم النافع سبب لظهور الجهل والمعاصي، وذلك يوجب محو المطر ونزول البلاء، فيعم دواب الأرض، فتهلك بخطايا بني آدم، فتلعن الدواب من كان سبباً لذلك. وقد ظهر بهذا أن محبة العلماء من الدين، كما قال علي ﵁ لكميل بن زياد: وَمَحَبَّةُ العَالِمِ دِينٌ يُدَانُ بِهَا. وفي الأثر المعروف: "كُنْ عَالِمًا أَوْ متَعَلِّمًا أَوْ مُسْتَمِعًا أَوْ مُحِبًّا لَهُمْ، وَلاَ تَكُنْ الخَامِسَ فَتَهْلَكَ ". قال بعض السلف عند هذا: سُبحَانَ اللهِ! لَقَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُمْ مَخْرَجًا. يعني أنّه لا يخرج عن هذه الأربعة الممدوحة إلا الخامس الهالك، وهو من ليس بعالم ولا متعلم، ولا مستمع ولا محب لأهل العلم، وهو الهالك. فإن من أبغض أهل العلم أحب هلاكهم، ومن أحب هلاكهم فقد أحب أن يطفأ نور الله في الأرض ويظهر فيها المعاصي والفساد، فيخشى أن لا يرفع له مع ذلك عمل، كما قال سفيان الثوري وغيره من السلف. وكان بعض خدم الخلفاء يبغض أبا الفرج ابن الجوزي ويسعى في أذاه بجهده فرآه بعضهم في منامه وهو يذهب به إلى النار، فسئل عن سبب ذلك فقيل له: كان يبغض ابن الجوزي. قال ابن الجوزي: "لَمَّا زَادَ تَعَصُّبُهُ وَأَذَاهُ لَجَأْتُ إِلَى اللهِ فِي كَشْفِ سَتْرِهِ، فَقَصَمَهُ اللهُ تَعَالَى قَرِيبًا". ولما قتل الحجاجُ سعيدَ بن جبير كَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ مُحْتَاجِينَ إِلَى عِلمِهِ، فَمَنَعَهُمْ الانْتِفَاعِ بِعِلْمِهِ، فَرَئَي فِي المَنَامِ أَنَّ الحَجَّاجَ قُتِلَ بِكُلِّ قَتِيلٍ قَتَلَهُ فِي الدُّنْيَا قِتلَةً، وَقُتِلَ بِسعيدٍ بنِ جُبيرٍ سَبْعِينَ قِتْلَةً".

стр. 27

ولهذا المعنى كان أشد الناس عذابًا من قتل نبيًّا؛ لأنّه سعى في الأرض بالفساد، ومن قتل عالمًا فقد قتل خليفة نبي، فهو ساع في الأرض بالفساد أيضاً، ولهذا قرن الله بين قتل الأنبياء وقتل العلماء الآمرين بالمعروف في قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١). وقال عكرمة وغيره من السلف في قوله تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٢) مَنْ قَتَلَ نَبِيًّا أَوْ إِمَامَ عَدْلٍ قَالَ: فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا، وَمَنْ شَدَّ عَلَى عَضُدَ نَبِيٍّ أَوْ إِمَامِ عَدْلٍ فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا. قوله ﷺ : "وَفَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلَى سَائِرِ الكَوَاكِبِ". وقد رُوِي هذا المعنى عن النبي ﷺ أيضاً من حديث معاذ وأبي الدرداء (٣)، ولكن إسنادهما منقطع. وفي هذا المثل تشبيه للعالم بالقمر ليلة البدر، وهو نهاية كماله، وتمام نوره، وتشبيه للعابد بالكواكب، وأن بين العالم والعابد من التفاوت في الفضل ما بين القمر ليلة البدر والكواكب، والسر في ذلك -والله أعلم- أن الكوكب ضوءه لا يعدو نفسه، وأما القمر ليلة البدر فإن نوره يشرق على أهل الأرض جميعًا، فيعمهم نوره فيستضيئون بنوره، ويهتدون به في مسيرهم.

стр. 28

وإنما قال: "على سائر الكواكب" ولم يقل: على سائر النجوم؛ لأنّ الكواكب هي التي لا تسير ولا يهتدى بها، فهي بمنزلة العابد الذي نفعه مقصور على نفسه، وأما النجوم فهي التي يهتدى بها كما قال تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (١). وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (٢). فكذلك مَثَّلَ العلماء من أمته بالنجوم في الحديث الذي سبق ذكره. وكذلك روي عنه أنّه قال: "أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ؛ فَبِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ" (٣). وقد قيل: إن القمر إنما يستفيد نوره من ضوء الشمس، كما أن العالم نوره مقتبس من نور الرسالة، فلذلك شبه بالقمر ولم يشبه بالشمس. ولما كان الرسول سراجًا منيرًا، يشرق نوره على الأرض، كان العلماء ورثته وخلفاؤه مشبهين بالقمر عند تمام نوره وإضاءته. وفي "الصحيح" (٤) عن النبي ﷺ : "إِنَّ أَوَّلُ زُمْرَةٍ يدخلون الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ لأَِهْلِ الأَرْضِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلَونَهُمْ عَلَى أَضْوَأ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ". ولا يبعد-والله أعلم- أن العلماء الربانيين من الزمرة الأولى، كما كانوا في الدنيا بمنزلة القمر ليلة البدر لأهل الأرض، وقد يشاركهم في ذلك المبرزون من العباد ولا سيما من انتفع الناس باستماع أخبارهم، ورقت القلوب عند ذكرهم، وحنت إلى اقتفاء آثارهم، وأما الزمرة الثانية فهم عموم العباد. ولما مات الأوزاعي، وكان إمام أهل الشام فى العلم مع شدة عبادته وكثرة

стр. 29

خشيته وخوفه من الله تعالى رئي في المنام فَقَالَ: ما رأيت هناك أعظم من درجة العلم، ثم درجة المحزونين، يعني: أهل الخوف من الله والخشية والحزن. وقد دل هذا الحديث على تفضيل العلم على العبادة تفضيلاً بينًا، والأدلة الدالة على ذلك كثيرة. قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١). وقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٢). يعني: على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم، كذا قال ابن مسعود وغيره من السلف. وخرج الترمذي (٣) من حديث أبي أمامة، عن النبي ﷺ : "أَنَّهُ ذُكِرَ لَهُ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا عَابِدٌ، وَالآخَرُ عَالِمٌ، فَقَالَ ﷺ : «فَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ» ". وقال: صحيح حسن غريب. وخرج أيضاً هو (٤) وابن ماجه (٥) من حديث ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "فَقِيهٌ وَاحِدٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ". وخرج ابن ماجه (٦) من حديث عبد الله بن عمرو قال: "خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا هُوَ بِحَلْقَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَيَدْعُونَ اللَّهَ وَالْأُخْرَى يَتَعَلَّمُونَ وَيُعَلِّمُونَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «كُلٌّ عَلَى خَيْرٍ، هَؤُلَاءِ يَدْعُونَ اللَّهَ وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُمْ، وَإِنْ

стр. 30

شَاءَ مَنَعَهُمْ، وَهَؤُلَاءِ يَتَعَلَّمُونَ وَيُعَلِّمُونَ، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا. فَجَلَسَ مَعَهُمْ". وخرجه ابن المبارك في كتاب "الزهد" (١) وزاد فيه بعد قوله: "وَإِنَّمَا وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا": "هَؤُلَاءِ أَفْضَلُ". وخرج الطبراني (٢) من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ : "قَلِيلُ الْفِقْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرِ الْعِبَادَةِ". وخرج البزار (٣) والحاكم (٤) وغيرهما بأسانيد متعدده مرفوعًا: "فَضْلُ الْعِلْمِ أَحَبُّ مِنْ فَضْلِ الْعِبَادَةِ، وَخَيْرُ دِينِكُمُ الْوَرَعُ" (٥). وفي "مراسيل الزهري" عن النبي ﷺ : "فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ سَبْعُونَ دَرَجَةً، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مَسِيرَةُ حُضْرِ (٦) جَوادٍ مِائَةَ عَامٍ". والآثار الموقوفة عن السلف في هذا كثيرة جدًّا: فروي عن أبي هريرة وأبي ذر قالا: "البَابُ يَتَعَلَّمُهُ الرَّجُل أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ أَلْفِ رَكْعَةٍ تَطَوُّعًا" (٧). وخرجه ابن ماجه (٨) من حديث أبي ذر مرفوعًا.

стр. 31

وروي عن أبي الدرداء قال: "مُذَاكَرَةُ العِلْمِ سَاعَةً خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ" (١). ويروى عن أبي هريرة مرفرعًا (٢): "لأَنْ أَفْقَهُ سَاعَة أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحيِي لَيلَةً أُصَلِّيهَا حَتَّى أُصْبِحَ". وعنه قال: "لأَنْ أَعْلَمَ بَابًا مِنَ العِلْمِ فِي أَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ سَبْعِينَ غَزْوَةٍ فِي سَبِيلِ اللهِ " (٣). وعن ابن عباس- ﵁ قال: "تَذَاكِرُ العِلم ِبَعضَ لَيلَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِحْيَائِهَا" (٤). وصح عن أبي موسى الأشعري أنّه قال: "لَمَجْلِسٌ أَجْلِسُهُ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَوْثَقُ فِي نَفْسِى مِنْ عَمَلِ سَنَةٍ" (٥). وعن الحسن قال: "لأَنّ أَتَعَلَّمَ بَابًا مِنَ العِلْمِ فَأُعَلِّمُهُ مُسْلِمًا أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ لِي الدُّنْيَا كُلُّهَا أَجْعَلُهَا فِي سَبِيلِ اللهِ " (٦). وعنه قال: "إنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُصِيبُ البَابَ مِنَ العِلْمِ فَيَعْمَلُ بِهِ فَيكُونُ خَيرًا لَهُ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، لَوْ كَانَتْ لَهُ فَيَجْعَلُهَا فِي الآخِرَةِ". وعنه قال: "مِدَادُ العُلَمَاءُ ودَمُ الشُّهَدَاءُ مَجْرَى وَاحِدٍ". وعنه: "مَا مِن شَيْءٍ مِمَّا خَلَقَ اللهُ أَعْظْمُ عِندَ اللهِ فِي عَظِيمِ الثّوَابِ مِنْ طَلَبِ عِلْمٍ، لاَ حَجَّ، وَلاَ عُمَرَةَ، وَلاَ جِهَادَ، وَلاَ صَدَقَةَ، وَلاَ عِتْقَ، وَلَوْ كَانَ العِلْمُ صُورَةً لَكَانَتْ صُورَتُهُ أَحْسَنَ مِنْ صُورَةِ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ وَالنُّجُومِ وَالسَّمَاءِ وَالعَرْشِ".

стр. 32

قال الزهري: "تعلم سنة أفضلُ من عِبَادَةِ مَائَتَي سَنَة". وقال سفيان الثوري وأبو حنيفة: "لَيسَ بَعدَ الفَرَائِضِ أَفْضَلُ مِنْ طَلَبِ العِلْمِ". قال الثوري: "لاَ نَعلَمُ شَيْئًا مِنَ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ مِنْ طَلَبِ العِلْمِ وَالحَدِيثِ لِمَنْ حَسُنَتْ فِيهِ نيَّتُهُ. قِيلَ لَهُ: وأَيُّ شَيءٍ النِّيَّةُ فِيهِ؟ قَالَ: يُريدُ اللهَ والدَّارَ الآخِرَةَ". وقال الشافعي: "طَلَبُ العِلْمْ أَفْضَلُ مِنْ صَلاَةٍ نَافِلَةٍ". ورأى مالك بعض أصحابه يكتب العِلْم ثم تركه وقام يصلي، فَقَالَ: عَجَبًا لَكَ! مَا الَّذِي قُمْتَ إِلَيْهِ بِأَفْضَلَ مِنَ الَّذِي تَرَكْتَهُ. وسئل الإمام أحمد: أّيُّمَا أَحَبُّ إِلَيكَ، أَن أُصَلِّي بِاللَّيلِ تَطَوُّعًا، أَو أَجْلِسَ أَنسَخُ العِلْمَ؟ قال: إِذَا كنتَ تَنسَخُ مَا تعلمَ أَمرَ دِينِكَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ. وقال أحمد أيضاً: "العِلْمُ لاَ يَعْدِلُهُ شَيءٌ". وقال المعافى بن عمران: "كِتَابَةَ حديثٍ واحِدٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ قِيَامِ لَيلَةٍ". ومما يدل على تفضيل العِلْم على جميع النوافل أن العِلْم يجمع جميع فضائل الأعمال المتفرقة. فإن العِلْم أفضل أنواع الذكر، كما سبق تقريره، وهو أيضاً أفضل أنواع الجهاد. ويروى من حديث عبد الله بن [عمر] (١) والنعمان بن بشير ﵁ مرفوعًا (٢): "إِنَّهُ يُوزَنُ مِدَادُ العُلَمَاءِ بِدَمِ الشُّهَدَاءِ فَيَرجحُ مِدَادُ العُلَمَاءِ". وخرج الترمذي (٣) من حديث أنس، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ العِلْمِ فَهُو فِي سَبِيلِ اللهِ حَتّى يَرجِعَ".

стр. 33

وورد في حديث آخر (١): "إِذَا جَاءَ المَوْتُ طَالِبَ العِلْمِ فَهُوَ شَهِيدٌ". وقال معاذ بن جبل: «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ لِلَّهِ [حَسَنَة] (٢)، وَطَلَبَهُ عِبَادَةٌ، وَمُدَارَسَتهُ تَسْبِيحٌ، وَالْبَحْثَ عَنْهُ جِهَادٌ، وَتَعْلِيمَهُ لِمَنْ لَا يَعْلَمُ صَدَقَةٌ، وَبَذْلَهُ لِأَهْلِهِ قُرْبَةٌ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ سَبِيلُ مَنَازِلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَهُوَ الْأَنِيسُ فِي الْوِحْدَةِ، وَالصَّاحِبُ فِي الْغُرْبَةِ وَالْمُحَدِّثُ فِي الْخَلْوَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى السَّرَّاءِ وَالمُعِينُ عَلَى الضَّرَّاءِ، وَالسِّلَاحُ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَالزِّيْنُ عِنْدَ الْأَخِلَّاءِ، يَرْفَعُ اللهُ تَعَالَى بِهِ أَقْوَامًا فَيَجْعَلُهُمْ فِي الْخَيْرِ قَادَةً وَأَئِمَّةً، تقْتَصُّ آثَارُهُمْ، وَيُقْتَدَى بِفِعَالِهِمْ، وَيُنْتَهَى إِلَى رَأْيِهِمْ، تَرْغَبُ الْمَلَائِكَةُ فِي خِلَّتِهِمْ، وَبِأَجْنِحَتِهَا تَمْسَحُهُمْ، يَسْتَغْفِرُ لَهُمْ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ حِِيتَانُ الْبَحْرِ وَهَوَامُّهُ، وَسِبَاعُ البَرِّ وَأَنْعَامُهُ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ حَيَاةُ الْقُلُوبِ مِنَ الْجَهْلِ، وَمِصْابِيح الْأَبْصَارِ مِنَ الظُّلْمِ، وَقُوَّةُ الأَبْدَانِ مِنَ الضَّعْفِ، يَبْلُغُ [بِالْعَبْدِ فِي الْعِلْمَ] (*) مَنَازِلَ الْأَخْيَارِ والأَبْرَارِ وَالدَّرَجَاتِ الْعُلَى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالتَّفَكُّرُ فِيهِ يَعْدِلُ الصِّيَامِ، وَمُدَارَسَتُهُ تَعْدِلُ الْقِيَامِ، بِهِ تُوصَلُ الْأَرْحَامُ، وَيُعْرَفُ الْحَلَالُ مِنَ الْحَرَامِ، وَهُوَ إِمَامُ الْعمَلِ، وَالْعَمَلُ تَابِعُهُ يُلْهَمُهُ السُّعَدَاءَ، وَيُحْرَمُهُ الْأَشْقِيَاءِ» (٣). رواه ابن عبد البر ... "به يُعْرَف اللهُ وَيُعْبَد، وبه يمجد ويوحد، يرفع الله بالعلم أقوامًا فيجعلهم قادة وأئمة للناس يقتدون بهم ويرجعون إلى رأيهم". في كلام أكثر من هذا. وقد روي هذا مرفوعًا من حديث أبي هريرة (٤).

стр. 34

ومما يدل على تفضيل العِلْم على العبادة: قصة آدم ﵇ فإن الله تعالى إنما أظهر فضله على الملائكة بالعلم، حيث علمه أسماء كل شيء واعترفت الملائكة بالعجز عن معرفة ذلك، فلما أنبأهم آدم بالأسماء ظهر حينئذ فضله عليهم، وقال لهم: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (١). وذكر طائفة من السلف أَنَّ الَّذِي كتمُوهُ أنّهُمْ قالُوا فِي أنفُسهمْ: لَنْ يَخْلُقَ اللهُ خَلْقًا إِلاَّ نَحْنُ أَكرَمُ عَلَيْهِ مِنْهُ. ومما يدل على فضل العِلْم أن جبرئيل ﵇، إنما فضل على الملائكة المشتغلين بالعبادة بالعلم الَّذِي خص به، فإنه صاحب الوحي الَّذِي ينزل به على الأنبياء ﵈. وكذلك خواص الرسل إنما فضلوا على غيرهم من الأنبياء ﵈ بمزيد العِلْم المقتضي لزيادة المعرفة بالله والخشية له. ولهذا وصف الله تعالى محمدًا ﷺ في كتابه ومدحه بالعلم الَّذِي اختصه به، وامتن به عليه في مواضع كثيرة، وأمره أن يعلمه لأمته. فأول ما ذكره بالعلم وبتعليمه في قصة إبراهيم حين دعا ربه لأهل، البيت الحرام أن يبعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، ثم امتن علينا بأن بعث فينا رسولاً منا، وهو محمد ﷺ بهذه الصفة، فَقَالَ تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٢).

стр. 35

وأول ما أنزل على محمد ﷺ ذكر العِلْم وفضله، وهو قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (١). وامتن على محمد ﷺ بالعلم في مواضع، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (٢). وأمره أن يسأل ربه أن يزيده علمًا، فَقَالَ: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (٣). وكان ﷺ يقول: "أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّكُمْ لَهُ خَشْيَةً" (٤). وامتن الله تعالى علينا أن بعث فينا هذا الرسول ﷺ الَّذِي يعلمنا ما لم نكن نعلم وأمرنا بشكر هذه النعمة كما قال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ (٥). وأخبر سبحانه أنّه إنما خلق السموات والأرض ونزل الأمر إلا لنعلم بذلك قدرته وعلمه، فيكون دليلاً على معرفته ومعرفة صفاته، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٦). ومدح الله في كتابه العلماء في مواضع كثيرة، وقد سبق ذكر بعضها، وأخبر أنّه إنما يخشاه من عباده العلماء، وهم العلماء به.

стр. 36

قال ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (١). قال: "إِنَّمَا يَخَافَنِي مِنْ عِبَادِي مَنْ عَرِفَ جَلاَلِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي". فأفضل العِلْم العِلْم بالله، وهو العِلْم بأسمائه وصفاته، وأفعاله التي توجب لصاحبها معرفة الله وخشيته ومحبته وهيبته وإجلاله وعظمته، والتبتل إِلَيْهِ والتوكل عليه، والرضا عنه، والاشتغال به دون خلقه. ويتبع ذلك العِلْم بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتفاصيل ذلك، والعلم بأوامر الله ونواهيه وشرائعه وأحكامه، وما يحبه من عباده من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وما يكرهه من عباده من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. ومن جمع هذه العلوم فهو من العلماء الربانيين، العلماء بالله، العلماء بأمر الله. وهم أكمل ممن قصر علمه على العِلْم بالله دون العِلْم بأمره وبالعكس، وشاهد هذا النظر في حال الحسن وابن المسيب والثوري وأحمد وغيرهم من العلماء الربانيين، وحال مالك بن دينار والفضيل بن عياض ومعروف وبشر وغيرهم من العارفين. فمن قايس بين الحالين عرف فضل العلماء بالله وبأمره على العلماء بالله فقط. فما الظن بتفضيل العلماء بالله وبأمره على العلماء بأمره فقط، فإن هذا واضح لا خفاء به، وإنما يظن بعض من لا علم له تفضيل العباد على العلماء؛ لأنهم تخيلوا أن العلماء هم العلماء بأمر الله فقط، وأن العباد هم العلماء بالله وحده، فرجحوا العالم بالله على العالم بأمره، وهذا حق.

стр. 37

ونحن إنما نقول: إن العلماء بالله والعلماء بأمره أفضل من العباد، ولو كان العباد من العلماء بالله؛ لأنّ [العلماء] (١) الربانيين شاركوا العباد في فضيلة العِلْم بالله؛ بل ربما زادوا عليهم فيه، وانفردوا بفضيلة العِلْم بأمر الله، وبفضيلة دعوة الخلق إلى الله وهدايتهم إِلَيْهِ، وهو مقام الرسل ﵈ وكذلك كانوا خلفاء الرسل وورثتهم كما سيأتي ذكره -إن شاء الله تعالى. وهذا القدر الَّذِي انفردوا به عن العُبَّاد أفضل من القدر الَّذِي انفرد به العُبَّاد من نوافل العبادة، فإن زيادة المعرفة بما أنزل الله على رسوله توجب زيادة المعرفة بالله والإيمان به، وجنس المعرفة بالله والإيمان [به] (١) أفضل من جنس العمل بالجوارح والأركان، ولكن من لا علم له تعظم في نفسه العبادات على العِلْم؛ لأنّه لا يتصور حقيقة العِلْم ولا شرفه، ولا قدرة له على ذلك، وهو يتصور حقيقة العبادات، وله قدرة على جنسها في الجملة. ولهذا تجد كثيرًا ممن لا علم لديه يفضل الزهد في الدنيا على العلوم والمعارف وسببه ما ذكرناه. وهو أنّه لا يتصور معنى العِلْم والمعرفة، ومن لا يتصور شيئًا لا يقر فى صدره عظمته، وإنما يتصور الجاهل بالعلم حقيقة الدنيا، وقد عظمت في صدره، فعظم عنده من تركها. كما قال محمد بن واسع -وقد رأى (شابًّا) (*)، فقِيلَ لَهُ: هؤلاء زهاد- فَقَالَ: وَأَيُّ شَيْءٍ قَدْرُ الدُّنْيَا حَتَّى يُمْدَحَ مَنْ زَهِدَ فِيهَا. وقال أبو سليمان الداراني قريبًا من هذا المعنى أيضاً، فالمفتخر بالزهد في الدنيا كأنّه يفتخر بترك نزر يسير من شيء هو أقل عند الله من جناح بعوضة، وهذا أحقر من أن يذكر، فضلاً عن أن يفتخر به.

стр. 38

ولهذا أيضاً يعظم في نفوس كثير من الناس ذكر الخوارق والكرامات، ويرونها أفضل مما أعطيه العلماء من المعرفة والعلم، وإنما يتصورون حقيقة الخوارق؛ لأنها من جنس القدرة والسلطان في الدنيا، الَّذِي يعجز أكثر الناس عنه. وأما العلماء بالله فلا تعظم هذه الخوارق عندهم؛ بل يرون الزهد فيها، وإنها من نوع الفتنة والمحنة وبسط الدنيا على العبد، فيخافون من الاشتغال بها والوقوف معها، والانقطاع عن الله . وقد ذكر أبو طالب المكي هذا المعنى فى كتابه عن كثير من العارفين منهم أبو يزيد، ويحيى بن معاذ، وسهل [التستري] (١)، وذو النون، [والجنيد] (١) وغيرهم. وقيل لبعضهم: إن فلانًا يمشي على الماء! فَقَالَ: "مَنْ أَمْكَنهُ اللهُ مِنْ مُخَالَفَةِ هَوَاهُ فَهُوَ أَفْضَلُ". وكان أبو حفص النيسابوري يومًا جالسًا مع أصحابه خارج المدينة، وهو يتكلم عليهم، فطابت أنفسهم فجاء أيل (٢) قد نزل من الجبل حتى برك بين يديه، فبكى بكاءً شديدًا وانزعج، فسئل عن سبب بكائه، فَقَالَ: رأيت اجتماعكم حولي وقد طابت قلوبكم، فوقع في قلبي، لو أن لي شاة ذبحتها ودعوتكم، فما تحكم هذا الخاطر حتى جاء هذا الوحش فبرك بين يدي، فخيل لي أني مثل فرعون، الَّذِي سأل ربه أن يجري له النيل فأجراه له، قلت: فما يؤمنني أن يكون الله يعطني كل حظ في الدنيا، وأبقى في الآخرة فقيرًا لا شيء لي، فهذا الَّذِي أزعجني.

стр. 39

فأحوال العارفين كلها تدل على أنّهم لم يكونوا يلتفتون إلى هذه الخوارق وإنما كان اهتمامهم بمعرفة الله وخشيته، ومحبته والأنس به، والشوق إلى لقائه وطاعته، والعلماء الربانيون [يشاركون] (١) في ذلك ويزيدون عليهم بالعلم بأمر الله وبدعوة الخلق إلى الله. وهذا هو الفضل العظيم عند الله وملائكته ورسله كما قال بعض السلف: مَنْ عَمِلَ وَعَلِمَ وَعَلَّمَ فَذَلِكَ يُدْعَى عَظِيمًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاءِ. وإذا ظهر فضل العالم على العابد، فإنما المراد تفضيله على العابد بعلم، فأما العابد بغير علم؛ فإنه مذموم. ولهذا شبهه السلف بالسائر على غير طريق، وبأنه يفسد أكثر مما يصلح. وبأنه كالحمار في الطاحون، يدور حتى يهلك من التعب ولا ييرح من مكانه. وهذا أشد ظهورًا ووضوحًا من أن يحتاج إلى بسط القول فيه. ولنضرب هاهنا مثلاً جامعًا لأحوال الخلق كلهم، بالنسبة إلى دعوة الرسول ﷺ وانقسامهم في إجابة دعوته إلى: سابق، ومقتصد، وظالم لنفسه، وبه يظهر فضل العلماء الربانيين على غيرهم من الناس أجمعين، فنقول: مثل ذلك كمثل رسول قدم من بلد الملك الأعظم فأدى رسالة الملك إلى سائر البلدان، وظهر لهم صدقه في رسالته، فكان مضمون رسالته التي أداها عند الملك الأعظم إلى رعيته: أن هذا الملك لا إحسان أتم من إحسانه، ولا عدل أكمل من عدله، ولا بطش أشد من بطشه، وأنه لابد أن يستدعي الرعية كلهم إِلَيْهِ ليقيموا عنده، فمن قدم عليه بإحسان جازاه بإحسانه أفضل الجزاء، ومن قدم عليه بإساءة جازاه بإساءته أشد الجزاء، وأنه يحب كذا وكذا، ويكره كذا وكذا، ولم يدع شيئًا مما تعمله الرعية إلا أخبرهم بما يحبه الملك منه وبما يكره، وأمرهم

стр. 40

بالتجهز والسير إلى دار الملك التي فيها الإقامة وأخبرهم بخراب جميع البلدان سوى ذلك البلد، وأن من لم يتجهز للسير بعث إِلَيْهِ الملك من يزعجه عن وطنه، وينقله منه على أسوأ حال، وجعل يصف صفات هذا الملك الحسنى من الجمال والكمال، والجلال والإفضال. فانقسم الناس في إجابة هذا الرسول الداعي إلى الملك أقسامًا عديدة: فمنهم من صدقه، ولم يكن له هم إلا السؤال عما يحب هذا الملك من الرعية واستصحابه إلى داره عند السير إِلَيْهِ. فانشغل بتخليصه لنفسه، وبدعاء من يمكنه دعاؤه من الخلق إلى ذلك، وعما يكرهه الملك، فاجتنبه وأمر الناس باجتنابه، وجعل همه الأعظم السؤال عن صفات الملك وعظمته وإفضاله، فزاد بذلك محبته لهذا الملك وإجلاله، والشوق إلى لقائه، فارتحل إلى الملك مستصحبًا لأنفس ما قدر عليه مما يحبه الملك ويرتضيه، واستصحب معه ركبًا عظيمًا على مثل حاله، سار بهم إلى دار الملك. وقد عرف من جهة ذلك الدليل -وهو الرسول الصادق- أقرب الطرق التي يتوصل بالسير فيها إلى الملك، وما ينفع من التزود للمسير فيها، وعَمِلَ بمقتضى ذلك في السير هو ومن اتبعه. فهذه صفة العلماء الربانيين الذين اهتدوا وهدوا الخلق معهم إلى طريق الله، وهؤلاء يقدمون على الملك قدوم الغائب على أهله، المنتظرين لقدومه، المشتاقين إِلَيْهِ أشد الشوق. وقسم آخرون اشتغلوا بالتأهب لمسيرهم بأنفسهم إلى الملك ولم يتفرغوا لاستصحاب غيرهم معهم. وهذه صفة العباد الذين تعلموا ما ينفعهم في خاصة أنفسهم، واشتغلوا بالعمل بمقتضاه.
следующие страницы →