← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 151136

أحكام الخواتيم

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (91 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

أحكام الخواتيم

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين وصلى الله عَلَى سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إِلَى يوم الدين. وبعد فهذه فصول في بيان الخاتم وما جاء فيه. اعلم أن الخاتم يجوز بكسر التاء وفتحها، والفتح أفصح وأشهر؛ لأنّه آلة الختم، وهي ما (يختم) (*) به، وهي بناء الآلات كذلك كالقالب والطابع. وحكي في طائفة من المتأخرين لغتين أخرتين وهما: خَاتَام وخَيتَام. ذكره ابن السرَّاج والنووي. وقد اختلف أهل العِلْم في لبسه في الجملة، فأباحه في من أهل العِلْم ولم يكرهوه، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد، وهو اختيار أكثر أصحابه. قال في رواية أبي داود وصالح وعلي بن سعيد: ليس به بأس. واستدلوا عَلَى ذلك بما في الصحيحين عن ابن عمر (١) قال: «اتَّخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ فَكَانَ فِي يَدِهِ، ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُمَرَ، ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُثْمَانَ حَتَّى وَقَعَ مِنْهُ فِي بِئْرِ أَرِيسٍ». وفيهما أيضاً عن أنس بن مالك (٢): «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَبِسَ خَاتَمَ فِضَّةٍ، فِيهِ فَصٌّ حَبَشِيٌّ، كَانَ يَجْعَلُ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي كَفَّهُ». فحديث أنس رواه عنه: قتادة والزهري وحميد وعبد العزيز بن صهيب وثابت والحسن وثمامة.

стр. 3

فحديث قتادة أخرجاه في الصحيحين من طرق (١)، عن قتادة، وكذلك حديث الزهري (٢). وحديث حميد (٣) رواه البخاري من طرق أيضًا عنه. وحديث ابن صهيب أخرجاه من طرق (٤) أيضًا عنه. وحديث ثابت رواه مسلم (٥) من حديث حماد بن سلمة عنه. وحديث الحسن تفرد به البخاري من رواية قرة بن خالد (٦) عنه. وحديث ثمامة رواه البخاري من حديث الأنصاري (٧) عن أبيه عن ثمامة. قال: وزاد فيه أحمد بن حنبل (٨).

стр. 4

وسنذكر إِن شاء الله تعالى نهيه عن خاتم الذهب ونهيه عن التختم به في السبابة والوسطى، وهو يدل بمفهومه عَلَى إباحته عَلَى غير تلك الصفة. وقد ثبت لبس الخاتم عن جماعة من الصحابة منهم: طلحة وسعد وابن عمر وخباب بن الأرت والبراء بن عازب والمغيرة بن شعبة وغيرهم. ولم ينقل عن أحد منهم إنكار لبسه لكونه خاتمًا، ثم إِن طائفة من الأصحاب قالوا: متى كان لبسه لغرض التَّزين به لا غير، كره. ومنهم من قال: تركه حينئذٍ أولى. وهذا يفيد أن الإباحة إِنَّمَا هي مع إطلاق القصد، ولا يقال مع قصد الاتباع أيضًا، لأن هؤلاء لا يرونه مستحبًّا، ولا يجعلون لبس الشارع له تشريعًا فلا يمكن قصد الاتباع حينئذٍ، اللهم إلا في التشبه بصورة الفعل، وإن كان مباحًا، كما كان ابن عمر يفعله، وهذا ينبغي اختصاصه بالرجال، فإن النساء لا يكره لهن لبس الخاتم للزينة بلا ريب لأنّه من جملة الحلي، "وقد كُنَّ النساء يلبسن الخواتم عَلَى عهد رسول الله ﷺ وقد تصدقن بها يوم العيد بحضرته لما حثهن عَلَى الصدقة" (١). وذهبت طائفة إِلَى استحباب لبس الخاتم للرجال أيضاً وهذا وجه لأصحابنا. وروى مالك عن صدقة بت يسار قال (سألت) (*) سعيد بن المسيب عن لبس الخاتم فَقَالَ: "البسه وأخبر الناس أني قد أفتيتك بذلك". واحتج لهذا

стр. 5

بأن الخاتم لم يزل في يد النبي ﷺ حتى مات، وفي يد أبي بكر وعمر حتى ماتا، وفي يد عثمان حتى وقع منه في بئر أريس، وهذه المداومة تدل عَلَى مشروعيته، وبما في حديث بريدة "أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا رَأَى فِي يَدِ ذَلِكَ الرَّجُلَ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ فَقَالَ: «مَا لِي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ الأَصْنَامِ». ثم قال له: «اتَّخِذْهُ مِنْ فِضَّةٍ، وَلَا تَزِدْ عَلَى مِثْقَالٍ». أخرجه أحمد (١) والنسائي (٢) والترمذي (٣) والبزار في "مسنده". وهذا أمرٌ أقل أحواله الندب. ويروى من طريق عمر بن هارون، عن يونس، عن الزهري عن أنس أن النيي ﷺ قال: «أُمِرْتُ بِالنَّعْلَيْنِ وَالْخَاتَمِ». أخرجه الطبراني في "المعجم الصغير" (٤). وروينا من طريق نعيم بن سالم بن قيس قال: سمعت أنسًا يحدث عن النبي ﷺ في قول الله : ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٥) قال: "النعل والخاتم" (٦). وذهبت طائفة إِلَى كراهة الخاتم إلا لذي سلطان، واحتجوا بالحديث الَّذِي

стр. 6

رواه الإمام أحمد في "المسند" (١) وأبو داود (٢) والنسائي (٣) من حديث الهيثم ابن شفي عن صاحب له عن أبي ريحانة "أن النبي ﷺ نهى عن (لُبُوسِ) (*) الْخَاتَمِ إِلَّا لِذِي سُلْطَانٍ". ولأن النبي ﷺ لم يكن يلبس الخاتم لُبس تجمل وتزين به كالرداء والعمامة والنعل، وإنَّما اتخذه لحاجة ختم الكتب التي يبعثها إِلَى الملوك، كما في حديث أنس «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَالنَّجَاشِيِّ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لاَ يَقْبَلُونَ كِتَابًا إِلَّا بِخَاتَمٌ: فَصَاغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَاتَمًا حَلْقَتُهُ فِضَّةً، وَنَقَشَ فِيهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ» (٤). وأبو بكر إِنَّمَا لبسه بعده لأجل ولايته، فإنَّه كان يحتاج إِلَيْهِ كما كان النبي ﷺ يحتاج إِلَيْهِ، وكذلك عمر إِنَّمَا لبسه بعد أبي بكر لهذه المصلحة، وكذلك عثمان ﵃. وحكى ابن عبد البر عن طائفة من العُلَمَاء أنهم كرهوا لبسه مطلقًا، احتجاجًا بحديث أنس "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نبذه ولم يلبسه". وقد رُوي "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخْتِمُ بِهِ وَلَا يَلْبَسُهُ". كما رواه الترمذي في "الشمائل" (٥) ثنا قتيبة، ثنا أبو عوانة عن أبي بشر، ثنا نافع عن ابن عمر "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، فَكَانَ يَخْتِمُ بِهِ وَلَا يَلْبَسُهُ". (رواه) (**) النسائي أيضًا (٦)، ويؤيد هذا ما في الصحيحين (٧) عن الزهري عن أنس «أَنَّهُ رَأَى فِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ يَوْمًا وَاحِدًا، ثُمَّ إِنَّ

стр. 7

النَّاسَ اصْطَنَعُوا الخَوَاتِيمَ مِنْ وَرِقٍ وَلَبِسُوهَا، فَطَرَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَطَرَحَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ». والصواب: القول الأول، فإن لبس النبي ﷺ للخاتم إِنَّمَا كان في الأصل لأجل مصلحة ختم الكتب التي يرسلها إِلَى الملوك، ثم استدام لبسه، ولبسهُ أصحابه معه، ولم ينكره عليهم، بل أقرهم عليه، فدل ذلك عَلَى إباحته المجردة. فأما ما جاء في حديث الزهري عن أنس "أن النبي ﷺ لَبِسَهُ يَوْمًا وَاحِدًا ثُمَّ أَلْقَاهُ". فقد أجيب عنه بثلاثة أجوبة: أحدها: أنَّه وهم من الزهري وسهو جرى عَلَى لسانه بلفظ الوَرِق، وإنَّما الَّذِي لبسه يومًا ثم ألقاه كان من ذهب، كما ثبت ذلك من غير وجه من حديث ابن عمر وأنس أيضًا، وسنذكره إِنَّ شاء الله تعالى. ويدل عَلَى هذا إخبار ابن عمر أن النبي ﷺ لبسه وكان في يده، وكذلك أنس، وإنَّما نُسبَ السهو إِلَى الزهري هاهنا؛ لأنّه رواه عنه كذلك يونس بن يزيد، وإبراهيم بن سعد، وزياد بن سعد، وشعيب، وابن هشام، وكلهم قالوا: من وَرِق. قلت: رُوي عن زياد بن سعد وعبد الرحمن بن خالد بلفظة: "من ذهب"، وسنذكره. الثاني: أن الخاتم الَّذِي رمى به النبي ﷺ لم يكن كله من فضة، وإنَّما كان (من حديد) (*) عليه فضة، وهذا الجواب ظاهر ما ذكره أحمد في رواية أبي طالب "كان للنبي ﷺ خاتم من حديد عليه فضة فرمى به، فلا يصلى في الحديد والصُّفر". وهذا الَّذِي قاله أحمد من خاتم الحديد. قد رواه أبو داود (١) والنسائي (٢) من حديث إياس بن الحارث بن

стр. 8

معيقيب ﴿عن جده﴾ (١) وكان عَلَى خاتم النبي ﷺ قال: «كَانَ خَتمُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حَدِيدٍ مَلْوِيٌّ عَلَيْهِ بِفِضَّةٌ». إياس لم يرو عنه إلا نوح بن ربيعة، فلعل هذا هو الَّذِي لبسه يومًا واحدًا ثم طرحه كما قال أحمد، ولعله هو الَّذِي كان يختم به ولا يلبسه، كما جاء في حديث ابن عمر الَّذِي رواه الترمذي في "شمائله" إِن ثبت. وروى أبو جعفر بن جرير فى "أسماء من روى عن النبي ﷺ من القبائل" حدثنا عمر بن شبة، ثنا أحمد ثنا إسحاق بن سعيد بن عمرو بن سعيد القرشي عن أبيه سعيد بن عمرو، عن خالد بن سعيد أنَّه "أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَفِي يَدِهِ خَاتَمٌ فَقَالَ: مَا هَذَا الْخَاتَمُ في يدك يا خالد؟ قال: خاتم من حديد. قال: اطرحه إليَّ فإذا بخاتم من حديد قد لوي عليه فضة. فقال: ما نقشه؟ قال: محمد رسول الله ﷺ فأخذه النبي ﷺ ، فتختم حتى مات" (٢). الثالث: إِن طرحه إِنَّمَا كان لئلا يظن أنَّه سنة مسنونة، فإنهم اتخذوا الخواتيم لما رأوه قد لبسه، فتبين بطرحه أنَّه ليس بمشروع ولا سنة، وبقي أصل الجواز بلبسه. وقد أجيب أيضاً عنه بأن طرحه كان زجرًا للناس عند اصطناعهم الخواتيم، لئلا يتشبه المفضول بالفاضل والرعية بالإمام، ولكن هذا يعود إِلَى كراهة لبسه لغير الإمام .. وأجيب أيضاً بأن طرحه كان بسبب نقش الناس عَلَى نقشه، لنهيه عن ذلك. وعلى هذا فلا يلزم من طرحه ذلك اليوم استدامة طرحه، فإن هذا مخالف للأحاديث المستفيضة. وروى ثمامة عن أنس قال: كان خاتم النبي ﷺ من فضة وفصه منه

стр. 9

نقشه ثلاثة أسطر: سطر محمد، وسطر رسول، وسطر الله، وكان في يد رسول الله ﷺ حتى قبض وفي يد أبي بكر وفي يد عمر، وفي يد عثمان، فبينا هو قاعد عَلَى بئر أريس إذ سقط منه في البئر، فنزح ماه البئر فلم يقدر عليه. وفي رواية (١): "وفي يد عثمان ست سنين". وأصله في البخاري (٢). وقد جاء حديث مبين فيه سبب طرحه. قال المروذي في كتاب "الورع" (٣): قرأت عَلَى أبي عبد الله ثنا عثمان بن عمر، ثنا مالك بن مغول، عن سليمان الشيباني، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "اتخذ رسول الله ﷺ خاتمًا فلبسه فَقَالَ: شغلني هذا عنكم منذ اليوم، إِلَيْهِ نظرة وإليكم نظرة، ثم رمى به". ورواه ابن عدي (٤) من جهة عن عبد الله بن محمد بن المغيرة عن مالك بن مغول في جملة أحاديث، وقال: هذه الأحاديث عن مالك عامتها مما لا يتابع عليه، ﴿وعبد الله محمد بن المغيرة﴾ (٥) مع ضعفه يكتب حديثه. قلت: هذا قد توبع عليه إلا أن ابن المغيرة خالف في إسناده. وأما حديث بريدة الَّذِي فيه: "اتخذه من فضة". فسنذكره إِن شاء الله تعالى، ونبين ضعفه، وأن أحمد استنكره، ولو ثبت لم يكن حجة، فإنَّه لما نهاه عن خاتم الذهب والحديد سأله مما أتخذه؟ قال: اتخذ من فضة. فلم يأمره أمر ندب، وإنَّما هو أمر إرشاد إِلَى ما يتخذ منه خاتمه. وأيضًا فهو من جنس الأمر بعد الحظر، فإنَّه لما نهاه عن الخاتم من نوعين فرآه عليه منهما، فنهاه عنهما، وامره به من نوع ثالث. وأما حديث "أمرت بالخاتم والنعلين" فلا يثبت فإن عمر بن هارون

стр. 10

راوية متروك. وحديث أنس في تفسير قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ باطل، فإن نعيم ابن سالم أحاديثه منكرة. وأما حديث النهي عن الخاتم إلا لذي سلطان (١) فذكر بعض أصحابنا أن أحمد ضعفه، وأشار إِلَى ما رواه الأثرم عن أحمد أنَّه سئل عن الخاتم أيجوز لبسه؟ فَقَالَ: إِنَّمَا هو شيء يرونه أهل الشام -يعني: الكراهية. قال: وقد تختم قوم. قال: وحدثنا أبو عبد الله بحديث أبي ريحانه عن النبي ﷺ أنَّه كره عشر خلال وفيها الخاتم إلا لذي سلطان، فلما بلغ هذا الموضع تبسم كالمعجب (٢)، قال: وإن صح حمل عَلَى كراهة التنزيه لمن اتخذه لمجرد غرض التزين به، وهذا إِنَّمَا يصح إذا لم يكره التنزين به للسلطان وكره لغيره. فصل: [في أنواع الخاتم] والخاتم يكون تارة من فضة، وتارة من ذهب، وتارة من حديد أو صفر أو رصاص ونحوها، وتارة من عقيق، فأما الفضة فهو الَّذِي تقدم ذكره، وأما خاتم الذهب فالمذهبُ تحريمه. قال عبد الله (٣): سألت أبي عن حديث النبي ﷺ أنَّه نهى عن لبس الذهب إلا مقطعًا (٤)، قال: الشيء اليسير الصغير. قلت: فالخاتم؟ قال: روي عن النبي ﷺ أنَّه نهى عن خاتم الذهب وهو قول الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأبي حنيفة وأكثر العلماء. ورخصت فيه طائفة منهم: إسحاق بن راهويه وقال: مات خمسة من

стр. 11

أصحاب النبي ﷺ خواتيهم من ذهب. قال مصعب بن سعد: رأيت عَلَى طلحة وسعد وصهيب خواتيم من ذهب (١). وعن حمزة بن أبي أسيد والزبير بن المنذر بن أبي أسيد أنهما نزعا من يد أبي أسيد خاتمًا من ذهب حين مات، وكان بدريًّا (٢). رواهما البخاري في "تاريخه" وذكر في "صحيحه" (٣) عن علقمة قال: جاء خباب بن الأرت إلي ابن مسعود وعليه خاتم من ذهب فَقَالَ: ألم يأن لهذا الخاتم أن يُلقى؟ قال: أما إنك لن تراه عَلَيَّ بعد اليوم فألقاه. وروى حرب الكرماني بإسناده عن سماك قال: رأيت عَلَى جابر بن سمرة خاتمًا من ذهب. واحتج من أباحه بما رواه النسائي (٤) عن سعيد بن المسيب قال: قال عمر لصهيب: ما لي أرى عليك خاتم الذهب؛ فَقَالَ: قد رآه من هو خيرٌ منك فلم يعيبه. قال: من هو؟ قال: رسول الله ﷺ . وفي مسند الإمام أحمد (٥) عن محمد بن مالك قال: رَأَيْتُ عَلَى الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، فكان الناس يَقُولُونَ له: لم تختم بالذهب وقد نهى عنه النبي ﷺ ؟ فَقَالَ البراء: "بينا نحن عند رسول الله ﷺ وبين يدية غنيمة يغسمها سبي وخُرثي (٦) قال: فقسمها حتى بقي هذا الخاتم، فرفع طرفه فنظر إِلَى أصحابة ثم خفض ثم رفع طرفه فنظر إليهم، ثم قال: أي براء! فجئته حتى. قعدت بين يديه، فأخذ الخاتم فقبض عَلَى كرسوعي (٧) ثم قال: خذ البس ما كساك الله ورسوله، قال: فكان البراء يقول: فكيف (تأمروني) (*) أن أضع ما قال رسول الله ﷺ : "البس ما كساك الله ورسوله".

стр. 12

وروى وكيع بإسناده أن عمر رأى عَلَى رجل خاتمًا من حديد فَقَالَ: ألا اتخذت خاتمًا من ذهب أو فضة؟ والصحيح التحريم فقد ثبت في الصحيحين (١) عن البراء بن عازب قال: "نَهَانَا رَسولُ اللهِ ﷺ عَنْ خَاتَمِ الذَّهَبِ، وعَنْ آنِيَةِ الفِضَّةِ". وفيهما (٢) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ "أنَّه نهى عن خاتم الذهب". وفيهما (٣) أيضاً عن ابن عمر "أن النبي ﷺ اتَّخَذَ خاتَماً مِنْ ذَهَبٍ فَجعلَهُ فِي يَمِينِهِ، وجَعَلَ فَصُّهُ مِمَّا يَلِي بَاطِنَ كَفِّهِ، فَاتَّخَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ الذَّهَبِ، قَالَ: فَصَعِدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمِنْبَرَ فَأَلْقَاهُ، وَنَهَى عَنِ التَّخَتُّمِ بِالذَّهَبِ". وروى ابن جريج عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس "أنَّه رأى في يد النبي ﷺ خاتمًا من ذهب، فاضطرب الناس الخواتيم، فرمى به النبي وقال: لا ألبسه أبدًا" (٤). وخرّجه ابن أبي عاصم من طريق الليث، عن عبد الرحمن بن خالد عن الزهري بنحوه. وفي صحيح مسلم (٥) عن علي ﵁ قال: "نَهَانِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ التَّخَتُّمِ بِالذَّهَبِ".

стр. 13

ولأحمد (١) وأبي داود (٢) من حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ "أنَّه نهى عن خاتم الذهب". وفي "المسند" (٣) وكتاب الترمذي (٤) عن عمران بن حصين قال: "نهى رسول الله ﷺ عن التختم بالذهب". وقال الترمذي حسن صحيح. وفي كتب السنن (٥) عن معاوية "أن النبي ﷺ نهى عن خاتم الذهب، وقد طرحه رسول الله ﷺ ". وفي صحيح مسلم (٦) عن ابن عباس "أَنَّ رسول الله ﷺ رَأَى خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فِي يَدِ رَجُلٍ فَنَزَعَهُ فَطَرَحَهُ فَقَالَ: يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَيَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ. فَقِيلَ لِلرَّجُلِ بَعْدَمَا ذَهَبَ رسول الله ﷺ : خُذْ خَاتَمَكَ فَانْتَفِعْ بِهِ. قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا آخُذُهُ أَبَدًا وَقَدْ طَرَحَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ". وفي "المسند" (٧) عن عمار بن أبي عمار عن عمر "أن النبي ﷺ رأى في يد رجل خاتمًا من ذهب فَقَالَ: ألق ذا. فألقاه ثم تختم بخاتم من حديد. فَقَالَ: هذا شر منه فتختم بخاتم من فضة فسكت عنه". وفي "المسند" (٨) أيضاً من حديث ابن أبي مليكة عن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ "أَنه لبس خَاتمًا من ذهب فَنظر إِلَيْهِ رَسُول الله ﷺ فَكَأَنَّهُ كرهه وَطرحه، ثمَّ لبس خَاتمًا من حَدِيد فَقَالَ: هَذَا أَخبث وأخبث. فطرحه، ثمَّ لبس

стр. 14

خاتمًا من ورق فسكت عنه". وروى الدارقطني (١) من طريق عطاء بن يزيد عن أبي ثعلبة الخشني أن النبي ﷺ رأى في يده خاتمًا من ذهب فقرعه بقضيب، فلما غفل النببي ﷺ ألقاه فنظر النبي ﷺ -فلم يره- فَقَالَ: "ما أرأنا إلا قد أوجعناك وأغرمناك". وقد رواه النعمان بن راشد عن الزهري عن عطاء هكذا، والحفاظ من أصحاب الزهري رووه عن الزهري عن أبي إدريس "أن رجلاً من أصحاب النبي ﷺ لبس خاتمًا" وهو صحيح. وروى أبو داود (٢) من حديث عائشة قالت: "قدمت علي النبي ﷺ من عنده النجاشي حلبة أهداها له، فيها خاتم من ذهب، فيه فص حبشي، قال: فأخذه رسول الله ﷺ بعود معرضًا عنه أو ببعض أصابعه، ثم دعا أمامة بنت أبي العاص ابنة ابنته زينب فقال: تحلي بهذا يا بنية" وسيأتى من حديث بريدة وأبي سعيد نحو ذلك. وروى عقيل ويونس عن الزهري عن أبي إدريس الخولاني عن رجل أدرك النبي ﷺ "أن النبي ﷺ رأي في يد رجل خاتمًا من ذهب فضرب أصبعه حتى رمى به". ذكره الدارقطني في علله. وقال: رواه يونس بن الوليد وعبد العزيز ابن أبي سلمة عن إبراهيم بن سعد عن الزهري عن أنس، وليس بمحفوظ،

стр. 15

والصحيح الأول. وهكذا رواه أبو يعلي الموصلي عن بشر بن الوليد -أعني- عن أنس. وهذه نصوص خاصة في خاتم الذهب مع النصوص العامة في ذلك كما في السنن (١) عن أبي موسى أن النَّبِيَّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ: "هَذَانَ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌ لِإِنَاثِهِمْ". وهذه الأحاديث أصح من أحاديث الرخصة وأكثر، فيحمل ما ورد في الرخصة إِن ثبت عَلَى أنَّه كان قبل النهي، ثم نسخ بهذه الأحاديث الصحيحة. وهذا متعين فإنا نتيقن أن لبس الذهب كان مباحًا حين لبسه ﷺ ثم حرم بنهيه عنه بعد لبسه، والأصل بقاء التحريم وعدم تغيره ويحمل فعل من لبسه من الصحابة عدي أنَّه لم يبلغهم الناسخ. فصل: [في حكم اتخاذ خاتم الذهب والحديد والصفر النحاس] لو اتخذ الرجل خاتم ذهب ونحوه مما لا يستبيح لبسه فإن كان لإمائه أو لإعارته، وإن كان نيته لبسه لم يجز، وإن كان له نية وحيث قيل بجوازه، فلا زكاة فيه عندنا. وحكى أبو الحسن التميمي في وجوب الزكاة فيه روايتين، ونزلهما ابن عقيل عَلَى اختلاف النية. وأما خاتم الحديد والصفر والنحاس فالمذهب كراهته للرجال والنساء. قال مهنا: سألت أحمد عن خاتم الحديد، فَقَالَ: أكرهه هو حلية أهل النار، قلت: الشبه (٢)، قال لم يكن خواتيم الناس إلا فضة ونهى عن لبسه في رواية جماعة من أصحابه، وعن الصلاة فيه في رواية أخرى.

стр. 16

وقال في رواية أبي طالب وسأله عن الحديد والصفر والرصاص تكرهه؟ فَقَالَ: أما الحديد والصفر فنعم، وأما الرصاص فليس أعلم فيه شيئًا، وله رائحة إذا كان في اليد، كأنه كرهه. وقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: خاتم الحديد ما ترى فيه؟ فذكر حديث عمرو بن شعيب (١) "أن النبي ﷺ قال لرجل: "هذه حلية أهل النار". قال: وابن مسعود لبسه وابن عمر. قال: ما طهرت كف فيها خاتم حديد. قال أبو عبد الله: اختلفوا فيه، وقال في رواية يوسف بن موسى وإسحاق وقد سئل عن التختم بالحديد قال لا تلبسه. وكذلك (كره) (*) مالك وأبو حنيفة خاتم الحديد. والصفر والرصاص. وروينا عن عبد الله بن مسلم، عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: "جاء رجل إِلَى النبي ﷺ ﷺ وعليه خاتم من حديد فَقَالَ: ما لي أرى عليك حلية أهل النار، ثم جاءه وعليه خاتم من صفر، فَقَالَ: ما لي أجد منك ريح الأصنام، ثم أتاه وعليه خاتم من ذهب فَقَالَ: ما لي أرى عليك حلية أهل النار، قال: من أي شيء أتخذه؟ قال: من ورق ولا تتمة مثقالاً. أخرجه الإمام أحمد (٢) والنسائي (٣) والترمذي (٤)، وهذا لفظه وقال: حديث غريب.

стр. 17

وقد سأل المروذي أبا عبد الله عن عبد الله بن مسلم هذا، فَقَالَ: لا أعرفه. وقال أحمد في موضع آخر: هو حديث منكر. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن النبي ﷺ رأى عَلَى بعض أصحابه خاتمًا من ذهب فأعرض عنه فألقاه واتخذ خاتمًا من حديد، وقال: هذا شر، هذا حلية أهل النار فألقاه واتخذ خاتمًا من ورق فسكت عنه". رواه الإمام أحمد في المسند (١)، واحتج به في رواية الأثرم، ورواه الأثرم مختصراً ولفظه "أن النبي ﷺ نهى عن خاتم الذهب وعن خاتم الحديد". وروى أبو نعيم (٢) من طريق المثني بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو "أن رجلاً أتى النبي ﷺ وعليه خاتم من ذهب فأعرض عنه، فانطلق الرجل فنزعه ثم لب خاتمًا من حديد ثم أتاه، فنظر إِلَيْهِ فقال: هذا لباس أهل النار، ثم أتاه قد لبس خاتمًا من فضة فلم ينكر ذلك ولم يُعرض عنه". وقد سبق عن عمر بن الخطاب مرفوعًا نحوه من المسند أيضًا، وفيه عن أبي هريرة خرجه الطحاوي (٣). وقد روي من حديث جابر (٤) أن النبي ﷺ رأى عَلَى رجل خاتمًا من حديد فَقَالَ: "مالي أرى عليك حلية أهل النار؟ " ثم ذكر نحوًا مما تقدم. وفي إسناده عبد الله بن شبيب متروك. ويروى أيضًا من طريق بحر بن كثير (٥)، عن أبي الزبير عن جابر وبحر ليس بثقة.

стр. 18

وروى الرافعي بسنده من حديث عباد بن كثير عن شميسة بنت نبهان، عن مولاهم مسلم بن عبد الرحمن، قال: رأيت رسول الله ﷺ يبايع الناس عام الفتح عَلَى الصفا، وقد جاءه رجل عليه خاتم حديد، فَقَالَ: "ما طهر الله يدًا فيها خاتم الحديد". وروينا في فوائد القاضي أبي بكر المنائحي، أنا أحمد بن جعفر الجمال، ثنا محمد بن حميد، ثنا هارون بن المغيرة، عن عمرو بن أبي قيس، عن الأعمش، عن أنس "أن النبي ﷺ نهى عن خاتم الحديد". قال أبو طالب: سئل أحمد عن الرجل في يده خاتم من حديد أو صفر أو رصاص. قال: الحديد كان للنبي ﷺ خاتم من حديد عليه فضة فرمى به، فلا يُصلي في الحديد والصفر. ورأى ابن مسعود مع رجل صفرًا، فَقَالَ: رائحة الأصنام. وفي "مسند يعقوب بن شيبة"، ثنا يعلى بن عبيد، ومحاضر بن المورع قالا: ثنا الأعمش، عن إبراهيم، قال: أخبرني من رأى في يد عبد الله خاتمًا من حديد، وكان النخعي في يده خاتم من حديد. ويشهد لهذا ما رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (١) من حديث المطعم ابن المقدام العجلي عن أبي سورة بن أخي أبي أيوب، عن عبد الله بن عمر قال: مر النبي ﷺ بصنم من نحاس، فضرب ظهره بظهر كفه، ثم قال: "خاب وخسر من عبدك من دون الله". ثم أتى النبي ﷺ جبريلُ ومعه ملك فَتَنحَّى المَلَكُ، فَقَالَ النبي ﷺ : "ما شأنه تنحى؟ " فَقَالَ: "إنه وجد منك ريح نحاس وإنَّا لا نستطيع ريحَ النُّحاس".

стр. 19

لكن أبو سورة قد ضعف. وكذلك جاءت آثار عن الصحابة في كراهة الوضوء من آنية النحاس والصفر لأجل ريحه. وقد ذكر أبو الحسن الزاغوني في "الفتاوى الرحبيات" أن النهي عن خاتم الحديد ونحوه لأجل الشرك. وذكر أن النبي ﷺ قال: "من علق عليه تميمة أو حديدة فقد أشرك بالله" (١). قال: ووجه أنَّه شرك. أن النساء والجهال يتخذون الدملوج الحديد ليدفع به شر الجن، ويتخذون الخاتم الحديد ليطرد عنهم الفزع. وقد روى أبو الشيخ الأصفهاني بإسناده عن عمر "أنَّه كتب إِلَى أمراء الأجناد أن اختموا أعناق أهل الذمة بالرصاص". وهذا يقتضي ذم التختم به، ولهذا قاله الفقهاء في أهل الذمة: إنهم يميزون في الحمام بخاتم حديد في رقابهم. ثم هذه الكراهة كراهة تنزيه عند أكثر الأصحاب. وظاهر كلام ابن أبي موسى تحريمه عَلَى الرجال والنساء. وحكي عن أبي بكر عبد العزيز: أن من صلى وفي يده خاتم حديد أو صفر أعاد الصلاة. وقال أحمد في رواية علي بن زكريا التمار، وقد سئل عن رجل يلبس الخاتم الحديد فيصلي فيه؟ قال: لا. وقال في رواية أبي طالب، وقد سئل عن رجل في يده خاتم من حديد أو صفر أو رصاص، فَقَالَ: الحديد "كان للنبي ﷺ خاتم من حديد عليه فضة، فرمى به فلا يصلى في الحديد والصفر". وفي كلام أحمد إيماء إِلَيْهِ.

стр. 20

قال في رواية إسحاق وقد قِيلَ لَهُ: تكره الخاتم من ذهب أو حديد؟ قال: إي والله والحديد يكره، فسوى بينه وبين الذهب في الكراهة، ثم أفرده بكراهة زائدة. وظاهر الأحاديث السابقة يدل عَلَى ذلك، والصحيح عدم التحريم، فإن الأحاديث فيه لا تخلوا عن مقال، وقد عارضها ما هو أثبت منها كالحديث الَّذِي في الصحيحين (١) أن النبي ﷺ قال لخاطب المرأة التي عرضت نفسها عليه: "التمس ولو خاتمًا من حديد". وروى النسائي (٢) من حديث أبي سعيد الخدري أن رجلاً أقبل إِلَى النبي ﷺ فسلم، فلم يرد عليه، وكان في يده خاتم ذهب وجبة حرير، فألقاهما ثم سلم عليه، فرد ﵇ وقال: "إنه كان في يدك جمرة من نار". قال: فماذا أتختم؟ قال: حلقة من حديد أو ورق أو صفر. وقد تقدم حديث معيقيب أن خاتم النبي ﷺ كان من حديد يلوى عليه بفضة، ولكن الإمام أحمد احتج به عَلَى الكراهة لأنّه ذكر أنَّه رماه كذلك. [حكم خاتم العقيق] وأما خاتم العقيق فَقَالَ بعض أصحابنا يستحب مع قولهم أن خاتم الفضة مباح ليس بمستحب، ولعلهم أسندوا إِلَى الأحاديث المروية في الأمر به، والأمر أقل درجاته الاستحباب، وظاهر كلام أكثر الأصحاب خلاف ذلك، وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية مهنا، وقد سأله ما السنة -يعني في التختم-؟ قال: لم تكن خواتيم القوم إلا فضة. ونحن نذكر أحاديث التختم بالعقيق ونبين حالها . روى حسين بن إبراهيم البابي عن حميد عن أنس، عن النبي ﷺ أنَّه قال: تختموا بالعقيق، واليمين أحق بالزينة" (٣).

стр. 21

قال ابن الجوزي واليمين لفضلها لا تحتاج إِلَى زينة الخاتم (١). حسين البابي هذا: مجهول، وليس هذا عند أحد من أصحاب قتادة المعرفين وقد ورد هذا الحديث عنه بلفظ آخر وهو: "تختموا بالعقيق فإنَّه ينفي الفقر" (٢). وروي يعقوب بن الوليد، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة عن النبي ﷺ قال: "تختموا بالعقيق فإنَّه مبارك" (٣). ويعقوب هذا متروك. وروى أبو بكر بن شعيب [عن مالك بن أنس] (٤) عن الزهري عن عمرو ابن الشريد عن فاطمة بيت رسول الله ﷺ قال: "من تختم بالعقيق لم يزل يرى خيرًا" (٥).

стр. 22

وهذا لا يثبت أيضاً. وروي أيضاً من حديث أبي سعيد مرفوعًا: "من تختم بالعقيق لم يقض الله له إلا بالذي هو خير". ومن رواية الزبير مرفوعًا: "من تختم بالعقيق لم يزل يرى خيرًا". ومن رواية موسى بن جعفر (١) عن أبيه عن جده، عن آبائه عن علي مرفوعًا "من تختم بالعقيق قضى الله له بالحسنى". وكلها لا تثبت، والنسخة المروية عن موسى عن آبائه باطلة. وروى ابن منجويه (٢) في كتاب "الخواتيم" بإسناد ضعيف عن علي ﵁ مرفوعًا: "من تختم بالياقوت الأصفر منع الطاعون" وبإسناد أضعف من الأول عن ابن عباس مرفوعًا في الزمرد بمثل ذلك. ولا يثبت شيء من ذلك. وقد ذكر بعض الأطباء في خواص الأحجار أن من تختم بالياقوت أو تقلد به في بلد وقع فيه الطاعون منع منه بقدرة الله تعالى. فأما ما روي أن النبي ﷺ كان خاتمه فضة فصُّهُ حبشيًّا.

стр. 23

فهو حديث صحيح رواه مسلم من حديث أنس (١). لكن قد قيل يمكن أن يكون من عادة الحبشة اتخاذ فص الخاتم من جوهره أعني الخاتم، فيكون فصه حبشيا، وهو منه. ولهذا صح أيضاً "أن خاتمه ﷺ كان فصه منه" (١). وفي رواية عن أنس "فاتخذ حلقة فضة" (٢). وإن صح أنهم كانو يعنون بالحبشي العقيق، فقد يكون له خاتمان، أحدهما: فصه عقيق، والآخر: فصه فضة منه، لكن لم يرو عنه أنَّه لبس خاتمًا كله عقيق. قال العقيلي: لا يصح في التختم بالعقيق عن النبي ﷺ شيء. فصل: [في فص الخاتم] وفص الخاتم تارةً يكون منه، وتارةً من غيره، فإن كان منه وكان الخاتم فضة فهو مباح كما تقدم، فإن أنسًا روي "أن النبي ﷺ اتخذ خاتمًا من فضة فصه منه". أخرجه البخاري (٣) وأبو داود (٤). وروى الخطيب في تاريخه (٥) من طريق أبي بكر الشافعي ثنا محمد بن جعفر بن أبي داود الأنباري، حدثني يوسف بن يعقوب الخوارزمي، ثنا عفان، ثنا حماد، عن عاصم، عن أنس قال: حدثني ابناي عني عن النبي ﷺ : "أنَّه كان يكره أن يجعل فص الخاتم مما سواه". [ورواه من حديث (ولي) (*) وساق فيه من طريق إسحاق بن الحسن ومحمد بن إسماعيل الصائغ، واللفظ له، كلاهما عن عفان عن حماد بن سلمة عن عاصم الأحوال قال: حدثني حميد عن أنس "أن عمر نهى أن

стр. 24

يجعل في الخاتم فص من غيره". قال عاصم: فلما أخبرني، كان في يدي فص فقطعته أو فقلعته. وقيل لحميد: فإن عاصمًا حدث عنك بكذا وكذا! فلم يعرف الَّذِي قال] (*). ورواه أيضاً عن الحسن بن أبي طالب، ثنا محمد بن عبد الله الشيباني ثنا محمد بن جعفر بن ملاس، ثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، حدثني عفان عن حماد، عن علي بن زيد، عن أنس قال حدثني ابني عني "أن النبي ﷺ كره أن يجعل فص الخاتم من غيره". وقال: كذب رواه هذا عن عفان، عن حماد عن علي بن زيد، لا عن عاصم، فالله أعلم. وإن كان من غيره فإن كان عن ذهب وكان يسيرًا، ففي إباحته قولان معروفان لمن حرم خاتم الذهب الخالص. أحدهما: التحريم أيضاً. وقد نص أحمد عَلَى منع مسمار الذهب في خاتم الفضة في رواية الأثرم إبراهيم بن الحارث، وهو اختيار القاضي وأبي الخطاب، ومذهب الشافعي وأبي يوسف ومحمد لعموم قول النبي ﷺ في الذهب والحرير "هذا حرام عَلَى الذكور أمتي حل لإناثها" (١). وعن أسماء بنت يزيد عن النّبي ﷺ قال: "لا يصلح شيء من الذهب ولا خربصيصة" (٢). رواه أحمد في المسند (٣).

стр. 25

ورُوي أيضاً (١) من طريق شهر بن حوشب. عن عبد الرحمن بن غنم أن النبي ﷺ قال: "من تحلى أو حلى بخربصيصة من ذهب كُوي يوم القيامة". واحتج به أحمد في رواية الأثرم. والخربصيصة قال ثعلب: هي بقدر عين الجراد. والقول الثاني الإباحة: وهو اختيار أبي بكر عبد العزيز وأبي البركات ابن تيمة وحفيده أبي العباس، وهو ظاهر كلام أحمد في العِلْم وقول أبي حنيفة ومالك لحديث معاوية أن النبي ﷺ : "نهي عن لبس الذهب إلا مقطعًا". رواه أحمد وأبو داود والنسائي (٢)، واحتج به أحمد. وفسر قوله: "إلا مقطعًا" باليسر، وهذا أصح من الأحاديث المصرحة بتحريم اليسر من الذهب فإن شهرًا لا يحتج به، وعبد الرحمن بن غنم ليس بصحابي. وأما عموم تحريم الذهب فيخصه هذا كما خص عموم تحريم الحرير بنص آخر فاستويا، وإن كان الفص جوهرة ونحوها من اليواقيت واللآلي فذكر بعض أصحابنا أنَّه مباح للرجال والنساء، وجعلوه محل وفاق مع أصحاب الشافعي وغيرهم، فإن النهي إِنَّمَا هو خاص بخاتم الذهب فلا يتعدي إِلَى غيره كما أن التحريم لما ثبت في الحرير لم يتعدّى إِلَى ما هو أعلى قيمة منه من غير جنسه. وقد ورد في حديث رُوي من طريق المنصور عن أبيه، عن جده عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "تختموا بالياقوت فإنَّه ينفى الفقر". وهو حديث

стр. 26

باطل، رواه محمد بن عبد الله الشيباني -وهو كذاب- بإسناد مظلم إِلَى المنصور هكذا، وكذا رواه عبد الصمد. فأما ما رواه حرب في "مسائله"، ثنا محمد بن مصفى، ثنا عبد الملك بن محمد، حدثني عبد الملك بن (معقل) (*) بن منبه، عن وهب ابن منبه قال: لما تنبأ الأسود العنسي، وكان اسمه عيطة وامرأته المرزبانة، سار إِلَيْهِ فيروز بن الديلمي، وولد ابن باذان في جماعة في قومهم، فقتلوه وبعثوا برأسه إِلَى النبي ﷺ ، فدعا لهم بالبركة، وكان عَلَى بعضهم منطقة فيها الياقوت واللؤلؤ والزبرجد، فَقَالَ النبي ﷺ : "إِنَّ هذه ليست من لباسنا، ثم أعطاه رسول الله ﷺ منطقة من أدم، فَقَالَ له: "اعتجز بهذه". فأهل ذلك البيت يسمون آل "ذي معجر"، والمنطقة عندهم اليوم بصنعاء اليمن، فهو مرسل، وإن ثبت حمل عَلَى أنَّه كره لهم كثره ذلك فإنَّه سرف وخيلاء. فروى وكيع بإسناد عن موسى بن طلحة قال: كان في خاتم طلحة ياقوتة حمراء فنزعها واتخذ جزعة. فصل: [في نقش الخاتم] فأما النقش عليه فإن نقش ذِكرًا أو قرآنًا فهو مكروه، ذكره القاضي وغيره، وقد ذكر المروذي وغيره في "كتاب الورع" قال: سألت أبا عبد الله عن الستر يكتب عليه القرآن فكره ذلك، وقال: لا يكتب القرآن عَلَى شيء منصوب، لا ستر ولا غيره، لكن ذكر ابن تميم. لا بأس بكتابة .. الذكر عَلَى الستر ونحوه. ومعلوم أن المنصوب أصون من الخاتم؛ لأنّه أبعد عن أن تناله الأيدي أو يلمسه المحدث أو يحمله في الخلاء ونحو ذلك، فيفيد ذلك كراهة كتابته عَلَى الخاتم بطريق الأولى.

стр. 27

قال القاضي: وقد قال أحمد وإسحاق بن منصور: لا يكتب فيه ذكر الله وقال إسحاق بن راهويه لا يدخل الخلاء فيه وذكر عبد الرزاق في "كتابه" (١) عن ابن عينية عن عبد الكريم قال سألت سعيد بن جبير عن الخاتم يكتب فيه ذكر الله -تعالى- فكرهه. ويدل عَلَى هذا ما ثبت في صحيح مسلم (٢) عن أنس أن رسول الله ﷺ صنع خاتمًا من وَرِق نقش فيه محمد رسول الله، وقال للناس: "إني اتخذت خاتمًا من فضة ونقشت فيه محمد رسول الله، فلا ينقش أحد عَلَى نقشه". قال الترمذي معنى قوله: لا تنقشوا (عليه) (*)، نهى أن ينقش أحد عَلَى خاتمه محمد رسول الله. وقد جاء مصرحًا بذلك في رواية حماد عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس أن النبي ﷺ اتخذ خاتمًا من فضة ونقش فيه: محمد رسول الله، وقال للناس: "إني اتخذت خاتمًا ونقشت فيه محمد رسول الله، فلا ينقشن أحد عَلَى نقشي". خرَّجاه في الصحيحين (٣). وروى أبو عبد الرحمن المقري، عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "لا يكتب في الخاتم بالعربية" (٤). قال الدارقطني: رواه هشيم وغيره عن حميد، عن الحسن مرسلاً وهو الصواب. وروى الإمام أحمد (٥) والنسائي (٦) من حديث العوام عن الأزهر بن راشد عن أنس أن النبي ﷺ . قال: "لا تستضيئوا بنار المشركين، ولا تنقشوا في

стр. 28

خواتيمكم عربيًا". وقد فسر الحسن البصري فيما رواه أبو يعلى الموصلي هذا الحديث والنسائي أيضاً مما أظن، فَقَالَ: أما قوله "لا تنقشوا في خواتيمكم عربيًا "محمد ﷺ ". وأما قوله "لا تستضيئوا بنار أهل الشرك" يقول لا تستشيروا المشركين في أموركم. قال الحسن: تصديق ذلك في كتاب الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ (١) انتهي. وقد قيل في قوله: لا تنقشوا عربيًا -أي بخط عربي- لئلا يشابه نقش خاتم النبي ﷺ . وفي الاستضاءة بنار المشركين أن المراد التباعد من مجاورتهم ووجوب الهجرة عنهم كما في الحديث الآخر "لا تراءي ناراهما". ونقل ثعلب عن ابن الأعرابي موافقة الحسن في التفسير الاستضائة بالنار. وعلي هذا نقش النبي ﷺ عَلَى خاتمه لحاجته إِلَى (ختم الكتب إِلَى الملوك) (*) به ونهى غيره عن النقش لعدم حاجته إِلَى ذلك. وعلى هذا فقد يقال: يباح النقش عَلَى الخواتيم للملوك وذوي السلطان لحاجتهم إِلَى ختم كتبهم وإنفاذها إِلَى البلدان دون غيرهم، ولربما كان نهى النبي ﷺ عن لبوس الخاتم إلا لذي سلطان محمولاً عَلَى هذا النوع من الخواتيم إِن ثبت النهي، ويدل عَلَى هذا أن الخلفاء ما زالوا ينقشون عَلَى خواتمهم لهذه المصلحة. وقد روى ابن عدي (٢) من حديث أبي عوانة، حدثني بشر بن حرب أبو عمرو الندبي قال: قلت لابن عمر: "أنقش عَلَى خاتمي آية من كتاب الله؟

стр. 29

قال: لا ها الله إذا لا يصلح ذلك، فنقشت بشر بن حرب". وبشر بن حرب ضعفه أحمد ويحيى وعلي والأكثرون. وقد يقال: اختلاف كلام أحمد في كراهة دخول الخلاء بالخاتم الَّذِي عليه الذكر يقتضي عدم كراهة لبسه مطلقًا إذ لو لبسه مكروهًا بكل حال، لم يكن معنى للتردد في كراهة استصحابه في الخلاء خاصة، إلا أن يقال: الكراهة في الخلاء تتزايد، أو يقال: عدم كراهة اللبس لا ينفي كراهة الكتابة ابتداءً. لكن أحمد قد أشار إِلَى كراهة لبس ما تكره الكتابة عليه. قال المروذي في كتاب (له) (*). قلت لأبي عبد الله: قد سألوني أن أشتري لهم ثوبًا عليه كتاب. فَقَالَ: قل لهم: إِنَّ أردتم أن أشتريه ويقلع الكتاب. قلت: فإنهم إِنَّمَا يريدون الكتاب، قال: لا تشتره. وذكر المروذي عن أبي عبد الله، عن أزهر، عن ابن عون قال: كان محمد يكره أن يشتري بهذه الدنانير المحدثة والدراهم التي عليها اسم الله تعالى. وقد روي عن كثير من السَّلف أنهم نقشوا عَلَى خواتيمهم الأذكار. وروي عن إبراهيم النخعي أنَّه رخص فيما دون الآية في نقش (الخواتيم) (**) (١). رواه أبو علي الصواف في "فوائده" فيما يغلب عَلَى ظني. ورواه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢) عن الثوري، عن مغيرة، عن إبراهيم أنَّه كره أن يكتب في الخاتم آية تامة إلا بعضها. وروينا من طريق ابن أبي الدُّنْيَا في "كتاب المنامات" ثنا زكريا بن عبد الله

стр. 30

التميمي، عن عبد الله بن بكر السهمي عن شيخ يكنى أبا الحسن الكوفي، عن أبيه قال: رأيت عيسى ابن مريم ﵇ في النوم، فقلت: يا روح الله وكلمته إني أريد أن أنقش عَلَى خاتمي شيئًا، فمرني بشيء أنقشه، فَقَالَ: اكتب عليه لا إله إلا الله الملك الحق المبين، فإنها تذهب الهم والحزن: قال: فكان هذا نقش خاتم الحسن. [نقوش خواتيم الأكابر والأعيان] ونذكر هاهنا جملة من نقوش خواتيم الأكابر والأعيان مما نقله أهل السير والتواريخ -وذكره أبو عبد الله (معمر بن الفاخر) (*) الأصبهاني، وذكر أن بعض غرائبه من كتاب حمزة بن يوسف في الخواتيم وغير ذلك- أمَّا خاتم النبي ﷺ فكان نقشه محمد رسول الله ﷺ (١). هذا هو الصحيح كما تقدم. وروى أن أول الأسطر كان اسم الله، ثم في الثاني: رسول الله ثم في الثالث: محمد (١). وقد رُوي أن نقشه كان لا إله إلا الله. وسنذكره فيما بعد ونبين ضعفه، وروي فيه صفة أخرى من طريق حفص بن غياث عن جعفر، عن أبيه، قال: كان نقش خاتم النبي ﷺ "العزة لله جميعًا". قال ابن الفاخر: ولا أظنه صحيحًا. وهو كما قال. وقال: وروي أن نقش خاتم سليمان "لا إله إلا الله محمد رسول الله". وروي أن الله سبحانه أمر موسى أن ينقش عَلَى خاتمه "لكل أجل كتاب". وكان أبو بكر ﵁ يتختم بعد رسول الله ﷺ بخاتمه، وقيل: كان له خاتم نقشه "نعم القادر الله". وكذلك عمر ﵁ تختم بخاتم رسول الله ﷺ بعد أبي بكر، وقيل كان له خاتم نقشه. "كفى بالموت واعظًا" وكان عثمان ﵁ يتختم بخاتم رسول الله ﷺ ست

стр. 31

سنين من خلافته حتى سقط منه فاتخذ خاتمًا من فضة، وفصه منه نقشه "آمنت بالذي خلق فسوى". وكان نقش خاتم علي ﵁، "الله الملك الحق المبين". وقيل: "الملك لله الواحد القهار"، وقيل: "الله الملك وعلي عبده" وخاتم ابنه الحسن "الله أكبر وبه استعنت"، وقيل: "العزة لله"، وقيل: "لا إله إلا هو الحي القيوم الملك الحق المبين" وخاتم أخيه الحسين: "إِنَّ الله بالغ أمره". وقد ذكر أهل التواريخ والسير ما نقله أبو عبد الله القضاعي وغيره أن عثمان لما سقط منه خاتم النبي ﷺ اتخذ خاتمًا من فضة فصه منه ونقش عليه "آمنت بالذي خلق فسوى"، وقيل: "لتنصرن أو لتندمن". وأن عليًا ﵁ كان نقش خاتمه "الملك لله الواحد القهار". وقد روى ابن السمعاني في تاريخه بإسناد عن زيد بن ربيع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اتخذ آدم ﵇ خاتمًا ونقش فيه "لا إله إلا الله محمد رسول الله". وهذا لا يثبت، وإسناده مظلم جدًّا. وفي جزء أبي علي الخالدي بإسناده عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "كان نقش خاتم سليمان بن داود ﵉ لا إله إلا الله محمد رسول الله". هذا باطل موضوع، وقد رواه ابن السمعاني أيضاً بغير هذا الإسناد. وروى وكيع بإسناده في "كتاب اللباس" عن خلدة بن دينار، أبي العالية قال: قلت له: إيش كان نقش خاتم النبي ﷺ ؟ قال: "صدق الله"، (وألحق) (*) الخلفاء بعده " محمد رسول الله". وروى ابن عدي (١) من طريق زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن

стр. 32

عكرمة، عن يعلى بن أمية، قال: "أنا صغت لرسول الله ﷺ خاتمًا لم يشركني فيه أحد، ونقشته محمد رسول الله ﷺ ". وروى الأثرم في "مسائله" من حديث الضحاك بن مزاحم، قال سمعت ابن عمر يقول: "ما طهرت كف فيها خاتم من حديد" ومن حديث أسامة بن زيد، عن مكحول "أن عمر بن الخطاب رأى في يد عوف بن مالك الأشجعي خاتمًا من ذهب، فدفع يده بمخصرة معه، وقال: أتجعل في يدك جمرة من نار؟ فنزعه، ثم جاء الغد وفي يده خاتم من حديد، فَقَالَ عمر: بدلت حلية أهل النار، فنزعه ثم جاء الغد وفي يده خاتم من وَرِق فَقَالَ عمر: نعم". ومن حديث قتادة عن عبد الرحمن مولى أم يزيد بن الأشعري و ﴿زياد﴾ (١) قدما عَلَى عمر، وفي يد زياد خاتم من ذهب، فَقَالَ عمر: تختم بالذهب؟ فَقَالَ أبو موسى: أما أنا فخاتمي من حديد، فَقَالَ: ذاك أنتن وأخبث، ثم قال: "من كان متختمًا فليتختم بالفضة" (٢). وروى ابن عدي (٣) من طريق عبد الله بن عيسى ﴿الخزاز﴾ (٤)، ثنا داود بن أبي هند، عن عكرمة عن ابن عباس قال: "أمر رسول الله ﷺ أن يعمل له خاتم من حديد فجعله في أصبعه، فأتاه جبريل فَقَالَ انبذه من أصبعك، قال فنبذه من أصبعه، وأمر بخاتم آخر يصاغ له، فعمل له خاتم من نحاس، فجعله في أصبعه، فَقَالَ جبريل: أبعده من أصبعك. فنبذه وأمر

стр. 33

بخاتم يصاغ له من ورق فجعله في أصبعه، فأقره جبريل، وأمر النبي ﷺ أن ينقش عليه محمد رسول الله. وهو حديث طويل جدًّا. وقال: عبد الله بن عيسى يروي عن يونس بن عبيد وداود بن أبي هند ما لا يوافقه عليه الثقات. وروى من طريق داود بن عبد الجبار -وهو ضعيف- عن أبي إسحاق، عن معمر الهمداني: أن نقش خاتم علي بن أبي طالب ﵁ "ولي علي". وروى أبو عثمان الصابوني من طريق الفريابي، ثنا الثوري، عن إسماعيل السدي، عن عكرمة قال: "لعلي بن أبي طالب ﵁ أربعة خواتيم يتختم بها: ياقوت لنبله، فيروزج لنصره، حديد صيني لقوته، عقيق لحرزه، كان نقش الياقوت "لا إله إلا أنت الملك الحق المبين" ونقش الفيروز ج "الله الملك، ونقش الحديد الصيني "العزة لله جميعًا"، ونقش العقيق ثلاثة أسطر: "ما شاء الله لا قوة إلا بالله، أستغفر الله". قال الشيخ: أخبرني به محمد بن أحمد بن الحسن بن عبد الغني المقدسي، أنبأنا إبراهيم بن علي بن أحمد بن الواسيطي العابد، أنبأنا عمر بن كرم الدينوري، أنبأنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى، أنبأنا محمد بن أحمد بن سعيد الرازي أبو جعفر، أنبأنا محمد بن مسلم بن وارة، أنبأنا محمد بن يوسف الفريابي، أنبأنا سفيان الثوري فذكره وكان نقش خاتم معاوية "لكل عمل ثواب" وقيل: "لا قوه إلا بالله". وكان نقش خاتم ابنه يزيد "ربنا الله"، وابنه معاوية "إِنَّمَا الدُّنْيَا غرور". وكان نقش خاتم عبد الله بن الزبير "أبو خبيب. العائذ بالله"، وقيل "رب نجني من النار" ونقش خاتم مروان ابن الحكم "الله ثقتي ورجائي"، وقيل: "آمنت بالعزيز الحكيم"، ونقش خاتم ابنه عبد الملك" آمنت بالله مخلصًا"، ونقش خاتم ابنه الوليد "يا وليد أنت ميت"، ونقش خاتم أخيه سليمان: "آمنت بالله مخلصًا"، وقيل: "أومن بالله مخلصًا، وكان نقش خاتم عمر بن عبد العزيز ﵁ "عمر ابن عبد العزيز يؤمن بالله"، وقيل: "لكل عمل ثواب" وقيل: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له"، وقيل: "اغز غزوة تجادل عنك يوم القيامة".

стр. 34

قلت: وقد روينا في "أمالي أبي الحسن بن سمعون" من طريق إسماعيل ابن عياش، عن عمرو بن مجاهر قهرمان عمر بن عبد العزيز قال: كان نقش خاتم عمر بن عبد العزيز ﵁ "الوفاء عزيز". وكان نقش خاتم يزيد بن عبد الملك: "قني الحساب"، وقيل: "السيئات يا عزيز"، وقيل: "بالله استعنت"، وكان لأخيه خاتم نقشه "إِنَّ الحكم للحكم الحكيم". وكان خاتم أبي الوليد بن يزيد "بالعزيز يثق الوليد"، وقيل: "يا وليد إنك ميت". ونقش خاتم يزيد بن الوليد بن عبد الملك "يا يزيد قم بالحق تصبه" ولأخيه إبراهيم بن الوليد: "توكلت عَلَى الحي القيوم". وعلى خاتم مروان الحمار "اذكر الموت يا غافل". وكان نقش خاتم السفاح عبد الله ابن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس "الله ثقة عبد الله وبه يؤمن"، ونقش خاتم أخيه المنصور واسمه عبد الله أيضاً "الله ثقة عبد الله وبه يؤمن"، وقيل: "الحمد لله كله" ونقش خاتم ابنه المهدي "حسبي الله" وقيل: "رضيت بالله" وقيل: "الله ثقة محمد بن عبد الله". ونقش خاتم ابنه موسى الهادي "الله ربي" وقيل: "بالله أثق" وقيل: "الله ثقة موسى" وكان نقش خاتم أخيه الرشيد هارون "كن من الله عَلَى حذر"، ونقش خاتم ابنه الأمين: "لكل عمل ثواب" وقيل: "حسبي القادر"، ونقش خاتم أخيه المأمون "سل الله يعطك"، ونقش خاتم أخيه المعتصم: "الله ثقة محمد بن الرشيد وبه يؤمن"، وقيل: "سل الله"، ونقش خاتم ابنه الواثق: "الله ثقة الواثق"، وقيل: "الواثق بالله"، ونقش خاتم أخيه المتوكل "عَلَى إلهي اتكالي"، وقيل: "عَلَى الله توكلت"، ونقش خاتم ابنه المنتصر "يؤتى الحذر من مأمنه"، وقيل: "أنا من آل محمد"، وقيل: "الله ولي محمد"، وقيل: "محمد بالله ينتصر"، وعلى خاتم المستعين أحمد ابن المعتصم "في الاعتبار غنى عن الاختبار"، وقيل: "أحمد بن محمد"، وعلى خاتم المعتز بن المتوكل: "الحمد لله رب كل شيء وخالق كل شيء" وقيل: "الله ولي الزبير"، وقيل: "المعتز بالله"، وقيل: "رضيت بالله". وعلى خاتم المهتدي

стр. 35

ابن الواثق ﵀: "من تعدى الحق ضاق مذهبه" وعلى خاتم أحمد بن المتوكل: "السعيد من وعظ بغيره"، وقيل: "اعتمادي عَلَى الله". وعلى خاتم المعتضد أحمد بن الموفق بن المتوكل "أحمد يستكفي ربه"، وقيل: "الاضطرار يزيل الاختيار". وعلى خاتم ابنه المكتفي علي "بالله علي بن أحمد يثق"، وقيل: "علي يتوكل عَلَى ربه"، وقيل: "المكتفي آمن". وعلى خاتم أخيه المقتدر بن جعفر: "الحمد لله الَّذِي ليس كمثله شيء وهو خالق كل شيء" وقيل: "الله ولي المؤمنين"، وقيل: "المقتدر بالله" وعلى خاتم أخيه القاهر: "محمد رسول الله". وعلى خاتم الراضي بن المقتدر وأخيه المتقي: "المتقي لله". وروى الخطيب في تاريخه أن المعتز والمتوكل كل منهما كان له خاتمان نقش أحدهما: "محمد رسول الله"، والآخر عليه اسمه. وعلى خاتم المستكفي بن المكتفي: "علي بن أحمد المستكفي بالله"، وعلى خاتم المطيع بن المقتدر: "المطيع لله"، وعلى خاتم له آخر: "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، وعلى خاتم ابنه الطائع والقادر أحمد بن إسحاق بن المقتدر: "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، وقيل: "حسبنا الله ونعمه الوكيل". قال ابن النجار في ﴿ذيل﴾ (١) تاريخ بغداد: بلغني أن نقش خاتم الخليفة الظاهر لأمر الله محمد بن الناصر: "راقب العواقب". فهذا ما انتهى إلينا الآن من ذكر نقوش خواتم الخلفاء. وأما خواتيم غيرهم من الصحابة والتابعين والأئمة فقد روي أن الزبير كان نقش خاتمه: "ثقتي بالرحمن"، ونقش خاتم حذيفة: "الحمد لله" ونقش أويس القرني: "كن من الله عَلَى حذر"، وعلى خاتم الحسن البصري: "لا إله إلا الله الملك الحق المبين" وقد تقدم. وعلى خاتم النخعي: "نحن بالله وله". وعلى خاتم الشعبي: "الله

стр. 36

ولي الخلق"، وعلى خاتم طاوس: "أعبد الله مخلصًا"، وعلى خاتم الزهري: "محمد يسأل الله العافية". رواه أبو نعيم في الحلية. وعلى خاتم هشام بن عروة: "رب زدني علمًا"، وعلى خاتم مالك ابن أنس: "حسبنا الله ونعم الوكيل"، وكان نقش فص خاتم النعمان أبو حنيفة: "قل الخير وإلا فلتسكت (١)، وأبي يوسف: "من عمل برأيه ندم"، ومحمد ابن ( ... ) (٢)، وعلى خاتم الشافعي: "الله ثقة محمد بن إدريس"، وعلى خاتم الربيع بن سليمان: "الله ثقة الربيع بن سليمان". وكان نقش خاتم أبي مسهر: "أبرمت فقم"، فَإِذَا استثقل أحدًا ختم به علي طينة ثم رماها إِلَيْهِ فيقرأها. وروى أبو نعيم في "الحلية" من طريق ابن عائشة عن أبيه قال: بلغ عمر ابن عبد العزيز ﵁ أن ابنًا له اشترى فصًا بألف درهم فكتب إِلَيْهِ عمر: عزيمة مني عليك لما بعت الفص الَّذِي اشتريت بألف درهم وتصدقت بثمنه، واشتريت فصًا بدرهم ونقشت عليه "رحم الله امرأً عرف قدره". وعن الأوزاعي قال: نقش رجل عَلَى خاتم عمر بن عبد العزيز، فحسبه خمس عشرة ليلة، ثم خلى سبيله. ونقش بعض العارفين عَلَى خاتمه: "ولعل طرفك لا يدور وأنت تجمع ﴿للدهور﴾ " (٣)، ونقش بعضهم عَلَى خاتمه "وإن امرأً دنياه أكبر همه لمستمسك منها بحبل غرور". فصل [حكم نقش صورة الحيوان عَلَى الخاتم] وإن نقش عليه صورة حيوان لم يجز، للنصوص الثابتة المستفيضة في تحريم التصوير، وليس هذا موضوع ذكرها، لكن هل يحرم لبسه أو يكره؟ فيه وجهان لأصحابنا. أحداهما: أنَّه محرم وهو اختيار القاضي وأبي الخطاب وإبن عقيل في آخر

стр. 37

كتابه "الفصول"، وحكاه أبو حكيم النهرواني عن الأصحاب، وهو منصوص عن أحمد في الثياب والخواتم، ففي "مسائل صالح" سألت أبي عن قوم يرخصون في هذه الصور ويَقُولُونَ: كان نقش خاتم سليمان فيه صورة وغيره، فَقَالَ أبي: إِنَّمَا هذه الخواتيم كانت نقشت في الجاهلية لا ينبغي لبسها لما (يروى) (*) فيه عن النبي ﷺ : "من صور صورة كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ وعذب" (١). وقد قال إبراهيم: أصحاب أصحابنا خمائص فيها صلب، فجعلوا يضربونها بالسكوك يمحونها بذلك. وفي حديث أبي طلحة أن النبي ﷺ قال: "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة" (٢) انتهى. والثاني: أنَّه مكروه وليس بمحرم، وهو الَّذِي ذكره ابن أبي موسى، وذكره ابن عقل أيضًا في كتاب "الصلاة"، وصححه أبو حكيم النهرواني، وهو مذهب مالك. ومأخذ هذا الخلاف أن اللبس هل هو مختص بالافتراش والاتكاء أو بالتستر والنصب والتعليق، فإن افتراش ما فيه صورة حيوان والاتكاء عليه جائز علي المذهب المعروف، وتعليقه محرم، واللبس متردد بينهما، فمن لم يحرمه قال: اللبس نوع امتهان وابتذال ويعضد ذلك حديث أبي طلحة وسهل بن سعد عن النبي ﷺ : "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب أو صورة إلا رقمًا في ثوب". أخرجاه في الصحيحين (٣). وفي صحيح مسلم (٤) عن عائشة قالت: "خرج رسول الله ﷺ ذات غداة وعليه مِرْطٌ مُرحَّل (**) من شعر أسود". والمرحل: الَّذِي قد نقش فيه تصاوير الرِّحال.

стр. 38

ومن حرمه جعله في الملابس تعظيمًا له فهو كنصبه بخلاف افتراشه، وحملوا حديث أبي طلحة عَلَى ثوب يفترش، وعضدوا ذلك بما في صحيح البخاري عن عائشة قالت: "لم يكن النبي ﷺ يدع في بيته شيئًا فيه تصاليب إلا نقضه" (١). وقد رواه البرقاني والإسماعيلي ولفظهما: "لم يكن يدع سترًا أو ثوبًا فيه تصليب إلا قضبه" (٢) (٣). ورواه الخلال ولفظه: "كان لا يرى في ثوب تصاوير إلا نقضه". ويعضد الجواز ما رُوي "أن أبا موسى الأشعري كان يلبس خاتم دانيال الَّذِي نفله إياه عمر، وكان عليه صورة رجل بين أسدين (٤) يلحسانه. وسنذكره فيما بعد إِن شاء الله تعالى، وكان ابنه أبو بُردَة يلبسه. ورُوي أن فصه كان من عقيق وكان يقول: هو خاتم دانيال الحكيم.

стр. 39

وذكر عن ابن مسعود "أن نقش خاتمه كان شجرة بين ذبابين" (١). وأن حذيفة كان نقش خاتمه عَلَى ياقوت أسمايحوني تمثال كركيين متقابلين بينهما الحمد لله. وأن أنس بن مالك "كان نقش خاتمه تمثال كركي، أو طائر له رأسان" (٢). وقد ذكر ذلك الحافظ أبو عبد الله محمد بن معمر بن الفاخر الأصبهاني في كتابه "جامع العلوم"، وذكر أن بعض غرائب ما أورده نقله من كتاب حمزة بن يوسف في "الخواتيم". وروى الحافظ أبو بكر الخطيب في كتاب "تلخيص المتشابه" (٣) من طريق هلال بن العلاء، ثنا عبد الله بن جعفر، ثنا عبيد الله بن عمرو، عن بشر بن حبان، قال: كنت عند عبد الله بن محمد بن عقيل فدعا بخاتم فخضخضه في الماء فقلنا: ما هذا؟ قال: هذا خاتم كان لرسول الله ﷺ ، فَإِذَا فصُّه حجر فيه نقش دابة أو تمثال. ورواه عبد الرزاق في "كتابه" (٤)، عن معمر قال: "أخرج إلينا عبد الله بن محمد بن عقيل خاتمًا نقشه تمثال، وأخبرنا أن النبي ﷺ لبسه مرة أو مرتين، قال: فغسله بعض من كان معنا فشربه". وذكر (عبد الرزاق) (٥)، عن معمر، عن جابر قال: "كان في خاتم ابن مسعود شجرة أو شيء بين ذبابين" (٦). وعن معمر، عن قتادة قال: كان نقش خاتم أنس بن مالك كركي أو قال: طائر له رأسان. وكلان نقش خاتم أبي عبيدة بن الجراح: "الخمس لله".

стр. 40

فصل [في جواز التختم في اليمين واليسار] ويجوز التختم في اليمين واليسار واختلف الناس في أفضلهما فقالت طائفة: التختم في اليسار أفضل وهذا نص أحمد في رواية صالح، قال: التختم في اليسار أَحَبّ إليَّ، قال: وهو أقوى وأثبت ونقل نحوه الفضل بن زياد وهو أيضاً مذهب مالك. ورُوي عنه أنَّه كان يلبسه في يساره، وكذلك الشافعي. قال ابن سعد (١): أنا مسلم بن إبراهيم، ثنا أبو عقيل قال: رأيت خاتم الحسن في يساره يعني -الحسن البصري. قال وكيع: "التختم في اليمين ليس بسنة". وروينا في "صحيح مسلم" (٢) عن حماد، عن ثابت عن أنس قال: "كان خاتم النبي ﷺ في هذه، وأشار إِلَى الخنصر من يده اليسرى". وفي "سنن أبي داود" (٣) عن إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر "أن النبي ﷺ كان يتختم في يساره" وفي هذا المعنى حديث من رواية علي، لا يثبت، وسنذكره فيما بعد. ورَوَى إسماعيل بن مسلم عن السليطي، ويُسمى سحارًا قال: "أتيت النبي ﷺ في ليلةٍ قمراء وكأني أنظر إِلَى عكن بطنه كأنها القباطي، وإلى وبيص خاتمه في يساره". وإسماعيل هذا، قال البخاري: تركه ابن المبارك، وربما روى عنه. وفي التختم في اليسار من حيث أبي سعيد الخدري أيضاً، ذكره بعض الحفاظ. وقد رويناه من طريق الزبير بن بكار، حدثني أبو غزية، حدثني إسحاق بن إبراهيم، عن رميح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه،
следующие страницы →