ولي الخلق"، وعلى خاتم طاوس: "أعبد الله مخلصًا"، وعلى خاتم الزهري: "محمد يسأل الله العافية". رواه أبو نعيم في الحلية.
وعلى خاتم هشام بن عروة: "رب زدني علمًا"، وعلى خاتم مالك ابن أنس: "حسبنا الله ونعم الوكيل"، وكان نقش فص خاتم النعمان أبو حنيفة: "قل الخير وإلا فلتسكت (١)، وأبي يوسف: "من عمل برأيه ندم"، ومحمد ابن ( ... ) (٢)، وعلى خاتم الشافعي: "الله ثقة محمد بن إدريس"، وعلى خاتم الربيع بن سليمان: "الله ثقة الربيع بن سليمان".
وكان نقش خاتم أبي مسهر: "أبرمت فقم"، فَإِذَا استثقل أحدًا ختم به علي طينة ثم رماها إِلَيْهِ فيقرأها.
وروى أبو نعيم في "الحلية" من طريق ابن عائشة عن أبيه قال: بلغ عمر ابن عبد العزيز ﵁ أن ابنًا له اشترى فصًا بألف درهم فكتب إِلَيْهِ عمر: عزيمة مني عليك لما بعت الفص الَّذِي اشتريت بألف درهم وتصدقت بثمنه، واشتريت فصًا بدرهم ونقشت عليه "رحم الله امرأً عرف قدره".
وعن الأوزاعي قال: نقش رجل عَلَى خاتم عمر بن عبد العزيز، فحسبه خمس عشرة ليلة، ثم خلى سبيله. ونقش بعض العارفين عَلَى خاتمه: "ولعل طرفك لا يدور وأنت تجمع ﴿للدهور﴾ " (٣)، ونقش بعضهم عَلَى خاتمه "وإن امرأً دنياه أكبر همه لمستمسك منها بحبل غرور".
فصل [حكم نقش صورة الحيوان عَلَى الخاتم]
وإن نقش عليه صورة حيوان لم يجز، للنصوص الثابتة المستفيضة في تحريم التصوير، وليس هذا موضوع ذكرها، لكن هل يحرم لبسه أو يكره؟ فيه وجهان لأصحابنا.
أحداهما: أنَّه محرم وهو اختيار القاضي وأبي الخطاب وإبن عقيل في آخر
стр. 37
كتابه "الفصول"، وحكاه أبو حكيم النهرواني عن الأصحاب، وهو منصوص عن أحمد في الثياب والخواتم، ففي "مسائل صالح" سألت أبي عن قوم يرخصون في هذه الصور ويَقُولُونَ: كان نقش خاتم سليمان فيه صورة وغيره، فَقَالَ أبي: إِنَّمَا هذه الخواتيم كانت نقشت في الجاهلية لا ينبغي لبسها لما (يروى) (*) فيه عن النبي ﷺ : "من صور صورة كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ وعذب" (١).
وقد قال إبراهيم: أصحاب أصحابنا خمائص فيها صلب، فجعلوا يضربونها بالسكوك يمحونها بذلك. وفي حديث أبي طلحة أن النبي ﷺ قال: "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة" (٢) انتهى.
والثاني: أنَّه مكروه وليس بمحرم، وهو الَّذِي ذكره ابن أبي موسى، وذكره ابن عقل أيضًا في كتاب "الصلاة"، وصححه أبو حكيم النهرواني، وهو مذهب مالك.
ومأخذ هذا الخلاف أن اللبس هل هو مختص بالافتراش والاتكاء أو بالتستر والنصب والتعليق، فإن افتراش ما فيه صورة حيوان والاتكاء عليه جائز علي المذهب المعروف، وتعليقه محرم، واللبس متردد بينهما، فمن لم يحرمه قال: اللبس نوع امتهان وابتذال ويعضد ذلك حديث أبي طلحة وسهل بن سعد عن النبي ﷺ : "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب أو صورة إلا رقمًا في ثوب". أخرجاه في الصحيحين (٣).
وفي صحيح مسلم (٤) عن عائشة قالت: "خرج رسول الله ﷺ ذات غداة وعليه مِرْطٌ مُرحَّل (**) من شعر أسود". والمرحل: الَّذِي قد نقش فيه تصاوير الرِّحال.
стр. 38
ومن حرمه جعله في الملابس تعظيمًا له فهو كنصبه بخلاف افتراشه، وحملوا حديث أبي طلحة عَلَى ثوب يفترش، وعضدوا ذلك بما في صحيح البخاري عن عائشة قالت: "لم يكن النبي ﷺ يدع في بيته شيئًا فيه تصاليب إلا نقضه" (١).
وقد رواه البرقاني والإسماعيلي ولفظهما: "لم يكن يدع سترًا أو ثوبًا فيه تصليب إلا قضبه" (٢)(٣).
ورواه الخلال ولفظه: "كان لا يرى في ثوب تصاوير إلا نقضه".
ويعضد الجواز ما رُوي "أن أبا موسى الأشعري كان يلبس خاتم دانيال الَّذِي نفله إياه عمر، وكان عليه صورة رجل بين أسدين (٤) يلحسانه.
وسنذكره فيما بعد إِن شاء الله تعالى، وكان ابنه أبو بُردَة يلبسه. ورُوي أن فصه كان من عقيق وكان يقول: هو خاتم دانيال الحكيم.
стр. 39
وذكر عن ابن مسعود "أن نقش خاتمه كان شجرة بين ذبابين" (١).
وأن حذيفة كان نقش خاتمه عَلَى ياقوت أسمايحوني تمثال كركيين متقابلين بينهما الحمد لله.
وأن أنس بن مالك "كان نقش خاتمه تمثال كركي، أو طائر له رأسان" (٢). وقد ذكر ذلك الحافظ أبو عبد الله محمد بن معمر بن الفاخر الأصبهاني في كتابه "جامع العلوم"، وذكر أن بعض غرائب ما أورده نقله من كتاب حمزة بن يوسف في "الخواتيم".
وروى الحافظ أبو بكر الخطيب في كتاب "تلخيص المتشابه" (٣) من طريق هلال بن العلاء، ثنا عبد الله بن جعفر، ثنا عبيد الله بن عمرو، عن بشر بن حبان، قال: كنت عند عبد الله بن محمد بن عقيل فدعا بخاتم فخضخضه في الماء فقلنا: ما هذا؟ قال: هذا خاتم كان لرسول الله ﷺ ، فَإِذَا فصُّه حجر فيه نقش دابة أو تمثال.
ورواه عبد الرزاق في "كتابه" (٤)، عن معمر قال: "أخرج إلينا عبد الله بن محمد بن عقيل خاتمًا نقشه تمثال، وأخبرنا أن النبي ﷺ لبسه مرة أو مرتين، قال: فغسله بعض من كان معنا فشربه".
وذكر (عبد الرزاق) (٥)، عن معمر، عن جابر قال: "كان في خاتم ابن مسعود شجرة أو شيء بين ذبابين" (٦). وعن معمر، عن قتادة قال: كان نقش خاتم أنس بن مالك كركي أو قال: طائر له رأسان. وكلان نقش خاتم أبي عبيدة بن الجراح: "الخمس لله".
стр. 40
فصل [في جواز التختم في اليمين واليسار]
ويجوز التختم في اليمين واليسار واختلف الناس في أفضلهما فقالت طائفة: التختم في اليسار أفضل وهذا نص أحمد في رواية صالح، قال: التختم في اليسار أَحَبّ إليَّ، قال: وهو أقوى وأثبت ونقل نحوه الفضل بن زياد وهو أيضاً مذهب مالك. ورُوي عنه أنَّه كان يلبسه في يساره، وكذلك الشافعي.
قال ابن سعد (١): أنا مسلم بن إبراهيم، ثنا أبو عقيل قال: رأيت خاتم الحسن في يساره يعني -الحسن البصري.
قال وكيع: "التختم في اليمين ليس بسنة". وروينا في "صحيح مسلم" (٢) عن حماد، عن ثابت عن أنس قال: "كان خاتم النبي ﷺ في هذه، وأشار إِلَى الخنصر من يده اليسرى".
وفي "سنن أبي داود" (٣) عن إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر "أن النبي ﷺ كان يتختم في يساره" وفي هذا المعنى حديث من رواية علي، لا يثبت، وسنذكره فيما بعد.
ورَوَى إسماعيل بن مسلم عن السليطي، ويُسمى سحارًا قال: "أتيت النبي ﷺ في ليلةٍ قمراء وكأني أنظر إِلَى عكن بطنه كأنها القباطي، وإلى وبيص خاتمه في يساره". وإسماعيل هذا، قال البخاري: تركه ابن المبارك، وربما روى عنه.
وفي التختم في اليسار من حيث أبي سعيد الخدري أيضاً، ذكره بعض الحفاظ.
وقد رويناه من طريق الزبير بن بكار، حدثني أبو غزية، حدثني إسحاق بن إبراهيم، عن رميح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه،
стр. 41
عن جده أبي سعيد "أن رسول الله ﷺ كان يلبس خاتمه في يساره" (١).
ورواه ابن عدي (٢)، عن الباغندي، عن الزبير، وقال في رميح أنَّه لا بأس به، وخرّجه ابن سعد (٣) عن الواقدي، عن إسحاق بن أزهر بن أبي منصور عن رميح به، وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال: كان الحسن والحسين يتختمان في يسارهما". رواه الترمذي (٤) وقال: صحيح.
ورُوي عن القاسم بن عبد الله العمري، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر "أن النبي ﷺ كان يتختم في يساره" (٥). قال: "وكان ابن عمر- ﵄ يتختم في يساره، فإذا توضأ نزع خاتمه".
والقاسم هذا قد تُكُلَّم فيه، وقال البخاري: سكتوا عنه.
وقد ذكر بعض الحفاظ المتأخرين أن التختم في اليسار مروي عن عامة الصحابة والتابعين، ورجَّحت طائفة التختم في اليمين وهو قول ابن عباس وعبد الله بن جعفر. وروى حماد بن سلمة قال: رأيت ابن أبي نافع يتختم في يمينه فسألته عن ذلك، فَقَالَ: رأيت عبد الله بن جعفر يتختم في يمينه، وقال: "كان النبي ﷺ يتختم في يمينه". رواه أحمد (٦) والنسائي (٧) وابن ماجه (٨) والترمذى (٩) وقال: وقال محمد -يعني البخاري-: هذا أصح شيء رُوي عن النبي ﷺ في هذا الباب.
стр. 42
وعن ابن إسحاق عن الصلت بن عبد الله بن نوفل قال: كان ابن عباس يتختم في يمينه ولا أخاله إلا قال: "رأيت رسول الله ﷺ يتختم في يمينه". رواه الترمذي (١) وذكر عن البخاري أنَّه قال: هو حديث حسن.
هذا الحديث اختلف فيه عَلَى ابن نمير راويه عن ابن إسحاق فرُوي عنه بالشك في رفعه، ورُوي عنه مرفوعًا بغير شك، ورواه غير ابن نمير مرفوعًا بغير شك، ورواه أحمد بن خالد ﴿الوهبي﴾ (٢) عن ابن إسحاق بالشك في رفعه.
وعن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن إبراهيم بن عبد الله بن حسين ﴿عن أبيه﴾ (*)، عن علي بن أبي طالب "أن النبي ﷺ كان يتختم في يمينه" (٣). رواه الترمذي في "الشمائل" (٤) من حديث سليمان بن بلال عن شريك، وقد أورده أبو الفرج بن الجوزي في "الواهيات" (٥) من طريق ابن عثمان بن أبي يحيى، عن شريك، عن إبراهيم عن أبيه، عن ابن عباس، عن علي. ثم ضعف إبراهيم بن أبي يحيى ولا يفيده ذلك، لأنّه لم ينفرد به.
وروى الترمذي أيضاً في الشمائل (٦) من حديث عبد الله بن ميمون، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر "أن النبي ﷺ كان يتختم في يمينه".
وهذا فيه ضعف لحال عبد الله بن ميمون.
стр. 43
ويروى من حديث عباد بن صهيب، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن جابر قال: "قبض رسول الله ﷺ والخاتم في يمينه" (١) وعباد بن صهيب متروك أيضاً.
وروى البزار في مسنده (٢) من حديث عبيد بن القاسم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة "أن النبي ﷺ كان يتختم في يمينه، وقُبض والخاتم في يمينه". وعبيد هذا كذاب. وروى من وجه آخر لا يثبت عن هشام نحوه، وفيه كان يقول: "اليمين أولى بالزينة، وإنَّما الشمال خادم لليمين".
وروى هلال الحفار، ثنا إسماعيل بن علي بن علي بن رزين الخزاعي، ثنا أبي، ثنا أخي دعبل بن علي، سمعت مالك بن أنس يحدث الرشيد قال: ثنا أمير المؤمنين، ثنا صدقة بن يسار أبو محمد التمَّار، عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: "لم يزل رسول الله ﷺ يتختم في يمينه حتى قبضه الله ". هذا باطل قطعًا.
وذكر ابن عدي (٣) من طريق مسعدة بن اليسع، عن أبي حميد، عن مودود، عن الحسن بن علي بن أبي طالب، "أن النبي ﷺ كان يتختم في يمينه". ومسعدة قال أحمد: ليس بشيء، تركنا حدثيه منذ دهر.
وروى ابن عدي (٤) أيضًا من حديث أبي قتادة الحراني وغيره، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن مقسم، عن ابن عباس "أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يتختمون في أيمانهم".
وفي "مسند الهيثم بن كليب" من حديث محمد بن أبي حميد،
стр. 44
عن يعقوب بن حميد، عن رجل من أهل مكة ثقة، عن عقيل بن أبي طالب "أن النبي ﷺ تختم في يمينه". ورواه ابن أبي عاص.
وقد ورد التختم في اليمين من حديث أنس وابن عمر أيضاً. فأما حديث أنس فيروى من حديث قتادة عن أنس "أن النبي ﷺ كان يتختم في يمينه". رواه النسائي (١) والترمذي في الشمائل (٢).
وقد سُئل الدارقطني عنه فَقَالَ: يرويه عمر بن عامر، وابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس "أن النبي ﷺ كان يتختم في يمينه".
قاله عباد بن العوام، وخالد الواسطي، وخالد بن يحعمس السدوسي عن سعيد.
ورواه حسين البسطامي، عن سلم بن قتيبة، عن شعبة، عن قتادة كذلك.
ورواه أبو عبد الرحمن النسائي (٣) عنه هكذا، وخالفه على بن أحمد الجرجاني، فرواه عنه بهذا الإسناد وقال فيه: "أن النبي ﷺ كان يتختم في يساره". ثم ذكر الدارقطني حديث ثابت عن أنس في التختم في اليسار قال: وهو المحفوظ عن أنس قال: وقد رواه سليمان بن بلال، وطلحة ابن يحيى، ويحيى بن نصر بن حاجب، عن يونس عن الزهري، عن أنس "أن النبي ﷺ لبس خاتمًا من فضة في يمينه، فيه فص حبشي، جعله في بطن كفه".
وخالفهم عبد الله بن وهب، وعثمان بن عمر، وخارجة بن مصعب، فرووه عن يونس، عن الزهري، عن أنس قال: "كان خاتم النبي ﷺ من وَرِق فصه حبشي". ولم يذكروا فيه أنَّه تختمه في يمينه، ثم ذكر أن سائر من رواه عن الزهري لم يذكروا فيه اليمين.
стр. 45
وأما حديث ابن عمر فقد رواه أبو داود في "سننه" (١)، والترمذي في "كتابه" (٢) ورواه الثوري، عن العرزمي، عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي ﷺ كان يتختم بيمينه".
ورواه أبو نعيم (٣) وقال: غريب من حديث الثوري عن العرزمي وله طريقان عن ابن عمر:
أحدهما: عن نافع فرواه محمد بن إسحاق، وأسامة بن زيد، وعبد الله العمري، عن نافع، عن ابن عمر، وذكروا فيه التختم في اليمين.
وخالفهم أيوب السختياني، وعبد الوهاب بن بُخت، والمغيرة بن زياد، وعبد العزيز بن أبي رواد، وعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وعثمان بن خالد وغيرهم، فرووه عن نافع، عن ابن عمر من غير ذكر اليمين.
ورواه عبيد الله، عن نافع، واختُلف عنه، فرواه بركة بن محمد الحلبي، عن محمد بن عيينة، عن عبيد الله، وقال مرة: عن محمد بن بشر، عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، ولفظه: "أن النبي ﷺ كان يلبس خاتمه في يمينه، فلما قبض رسول الله ﷺ ، صار في يد أبي بكر في يمينه، فلما قبض صار في يد عمر في يمينه، ثم صار في يد عثمان في يمينه، ثم ذهب يوم الدار عليه لا إله إلا الله".
ورواه ابن عدي (٤) من طريق ابن وهب حدثني عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر "أن رسول الله ﷺ كان يلبس خاتمه في يمينه، فيجعل فصه مما يلي باطن كفه". قال: ويروى أيضاً عن عبيد الله بن عمر، وهو لم ترد روايته.
стр. 46
وروى عقبة بن خالد، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر "أن النبي ﷺ كان يلبسه في يمينه"، ولم يذكر أبا بكر ولا عمر.
والمحفوظ عن عبيد الله ما رواه معتمر، وعلي بن مسهر، ومحمد ابن بشر، وعبد الله بن نمير، وابن المبارك، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قصة الخاتم بطوله من الذهب والفضة، وفيه ذكر أبي بكر وعمر وعثمان، وليس فيه ذكر اليمين ولا اليسار.
والطريق الثاني: عن سالم رواه خالد بن أبي بكر، عن سالم عن أبيه يذكر التختم في اليمين. هذا ملخص ما ذكره الدارقطني وقال: الحفاظ الأثبات لم يذكروا فيه التختم في اليمين ولا غيرها.
قلت: قوله: "ولا في غيرها" إشارة إِلَى رواية ابن إسحاق المتقدمة في التختم في اليسار، فإنَّه قد روي عنه التختم في اليمين أيضاً، وكلاهما غير محفوظ، وأسامة وعبد الله العمري لا تفيد متابعتهما له عَلَى رواية اليمين شيئًا لضعف روايتهما.
وأما رواية بركة الحلبي فساقطةٌ جدًّا، فإن بركة مذكور بالكذب، وشيخه قد اختلف في تسميته، وفي لفظه ما يدل عَلَى بطلانه، وهو قوله: "ذهب يوم الدار عليه لا إله إلا الله"، فإنَّه إِنَّمَا سقط في بئر أريس قبل الدار، وقد عاش عثمان بعده مدة، واتخذ له خاتمًا عوضهُ، وإنَّما كان نقشه: "محمد رسول الله ﷺ "، لا كلمة الإخلاص، كما ثبت ذلك في الصحيح (١).
ولكن رواه الترمذي (٢) من وجه جيد لم يذكره الدارقطني، عن المحاربي، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر "أن النبي ﷺ صنع خاتمًا من ذهب فتختم به في يمينه، ثم جلس عَلَى المنبر فَقَالَ: إني كنت اتخذت هذا الخاتم في يميني، ثم نبذه،
стр. 47
ونبذ الناس خواتيمهم" ثم قال: حديث حسن صحيح.
قال: وقد رُوي هذا الحديث عن نافع، عن ابن عمر نحو هذا من غير هذا الوجه، ولم يذكروا فيه أنَّه تختم في يمينه.
وقول أحمد في التختم في اليسار: هو أقوى وأثبت، إشارة إِلَى أن تقديم رواية ثابت عن أنس في ذلك، وأنها أصح الروايات في هذا الباب، موافق لما ذكره الدارقطني من أن هذا هو المحفوظ عن أنس، وأن ما روي عن ابن عمر في ذلك لا يثبت.
قال الأثرم: ذكرت لأبي عبد الله عن (عباد) (١) بن العوام، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس "أن النبي ﷺ كان يتختم في يمينه" فأنكره، وقال: مضطرب الحديث عن سعيد. وقال أبو داود: قلت لأبي عبد الله: حديث (عباد) (١) بن العوام عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، "أن النبي ﷺ كان يتختم في يمينه" فلم يعرفه، وقال: فعند عباد عن سعيد غير حديث خطأ، فلا أدري سمع منه بآخره أم لا؟
وقال علي بن سعيد: سألت أحمد عن لبس الخاتم في اليمين، فَقَالَ في حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أنَّه رأي النبي ﷺ يتختم في اليسرى". فذكرت له حديث علي ﵁ "أن النبي ﷺ كان يتختم في اليمين" فأنكره.
وما حكاه الترمذي عن البخاري أن حديث أبي جعفر أصح ما رُوي في هذا الباب، إِنَّمَا أراد به والله أعلم بأن التختم في اليمين خاصة، وهذا لا ينفي أن يكون حديث ثابت عن أنس أثبت منه، وثُُبوتُهُ وقُوتُهُ عَلَى غيره تقتضي ترجيحه، وقد أشار بعض أصحابنا إلي أن التختم في اليمين منسوخ، وأن التختم في الشمال هو آخر الأمرين وهذا إِنَّمَا يتأتى في حديث ابن عمر الَّذِي رواه الترمذي (٢)، فإز فيه أن ذلك كان في
стр. 48
خاتم الذهب قبل نزعه، ولا ريب أن هذا كان قبل تختمه بالفضة كما وقع التصريح به في حديث ابن عمر وأنس، وقول أنس: "كان خاتم النبي ﷺ في هذه"، إِنَّمَا يريد خاتمه الَّذِي استمر يلبسه حتى مات، وهو الفضة، وقد جاء التصريح بأن تختمه في يساره كأن آخر الأمرين في حديث رواه سليمان بن محمد القافلاني عن عبد الله بن عطاء نافع، عن ابن عمر "أن النبي ﷺ كان يتختم في يمينه، ثم إنه حوله إِلَى يساره" (١)، وروى وكيع بإسناده عن ابن سيرين "أن النبي ﷺ وأبا يكر وعمر وعثمان كانوا يتختمون في يسارهم" (٢).
قال وكيع: التختم في اليمين ليس بسنة.
وروى الترمذي في "العلل" (٣) عن الفضل بن الصباح، عن معن بن عيسى، عن خالد بن أبي بكر، عن سالم عن أبيه "أن رسول الله ﷺ جعل خاتمه في يمينه، ثم إنه نظر إِلَيْهِ وهو يصلي، ويده عَلَى فخذه فنزعه ولم يلبسه". وقال: سألت البخاري عنه فلم يعرفه، وقال: خالد بن أبي بكر منكر الحديث.
وروى الهيثم بن كليب في "مسنده"، ثنا محمد بن سعد العوفي، ثنا أبي، ثنا سوار، عن عطية، عن ابن عمر قال "كان رسول الله ﷺ يتختم في يده اليسرى فيعبث به في الصلاة فنزعه فجعله في يمينه" وفي لفظ آخر رواه "كان يصلي فيعبث بخاتمه، فيغلط، فحَوَّلهُ في اليمين، فَإِذَا قضى صلاته حوَّلهُ إِلَى الشمال"، وهذا منكر.
فصل: [في حكم التختم في السبابة والوسطى]
ويكره التختم في السبابة والوسطى نص عليه أحمد، قال في رواية ابن القاسم وقد سأله عن الخاتم أنكره أن يجعله الرجل في أي أصبع
стр. 49
شاء؟ قال: نعم، أليس قد رُوي أنَّه كره أن يصير في السبَّاحة (١) وفي الوسطى فيما أحسب.
وروي عن علي ﵁ قال: "نهاني رسول الله ﷺ أن أتختم في هذه أو هذه، وأومأ إِلَى السبابة والوسطى". رواه مسلم (٢).
وقد ذكر مهنا هذا الحديث لأحمد من طريق شعبة، عن عاصم بن كليب، عن أبي بردة، عن جابر، فَقَالَ أحمد: شعبة يحدثه عن عاصم ابن كليب عن أبي بردة، عن علي. وهذا النص في "كتاب اللباس" للقاضي. وذكر بعض الأصحاب أن هذا خاص بالرجال.
وبكل حال، فالأفضل جعله في الخنصر وظاهر كلام الأصحاب جواز لبسه في الإبهام أو البنصر، هذا مع الانفراد، فأما إِنَّ لبس خاتمًا في خنصره وآخر في بنصره أو خاتمين في الخنصرين، فقد ذكر بعض الأصحاب عن القاضي: أن من اتخذ لنفسه عدة خواتيم لم يسقط عنه الزكاة فيما خرج ﴿عن من يعتاد لبسه﴾ (٣)، إلا أن يتخذه لولده أو عبده. وهذا قد يدل عَلَى منع لبس أكثر من خاتم واحد؛ لأنّه مخالف للعادة ومخالف للسنة، فإيجاب الزكاة فيه إِنَّمَا كان لاتخاذه ما لا يستبيح لبسه فهو كاتخاذه حلي النساء ليلبسه أو خاتم الذهب، وقد يقال: لم يقل ما زاد على الواحد بل على العادة، وهذا قد يختلف باختلاف العوائد.
فصل [في جعل فص الخاتم مما يلي الكف]
وذكر بعض الأصحاب أن المستحب أن يجعل فصه مما يلي بطن كفه.
وروي عن النخعي أنَّه كان يلبسه كذلك، وقد ثبت ذلك في الصحيحين (٤) من حديث أنس "أن النبي ﷺ انخذ خاتمًا من فضة فيه فص حبشي، فكان يجعل فصه مما يلي كفه". ونحوه في حديث ابن عمر (٥).
стр. 50
ولأحمد نصوص نذكرها إِن شاء الله تعالى، فيما بعد فيمن دخل الخلاء بخاتم عليه ذكر الله، أنَّه يحوله إِلَى بطن كفه، وهذا ليس بالصريح في استحباب جعل الفص إِلَى ظاهر الكف لاحتمال أن يكون جوابه خرج علي ما هو الواقع المعتاد من الناس لا (١) عَلَى المشروع في نفس الأمر، وأيضًا فلفظ أحمد يجعله في بطن كفه، وهذا يحتمل أن يريد به يقبض أصابعه في بطن كفه -أي الأخرى- فتستتر بذلك الكتابة إذا كانت إِلَى باطن الكف، ولم يرد عن النبي ﷺ أنَّه جعله إِلَى ظاهر كفه إلا في حديث باطل لا يثبت "أنَّه كان إذا دخل الخلاء جعل الكتابة مما يلي كفه". وسيأتي ذكره.
وقد أخذ بعضهم ذلك من حديث أنس الَّذِي في الصحيحين (٢) "أنَّه سُئل: هل اتخذ رسول الله ﷺ خاتمًا؟ فقال: نعم، أخر رسول الله ﷺ العشاء ليلة إِلَى شطر الليل ... " فذكر الحديث، وقال: "فكأني أنظر إلى وبيص الخاتم في يده". قال: لأنّ وبيص الخاتم في ظلام الليل في كف الرجل إِنَّمَا يكون من فصه لإتساعه وبروزه، بخلاف حلقته، فإنَّه لا يظهر وبيصها في الظلام في يد اللابس غالبًا، لاسيما مع البعد، وهذا ليس بلازم، وقد يكون رأى بصيص فص الخاتم وهو في كفه عند بسطها للدعاء أو غيره، ويؤيد ما في رواية يزيد بن زريع عن سعيد، عن قتادة، عن أنس "فكأني بوبيص أو بصيص الخاتم في أصبع رسول الله ﷺ أو كفه" (٣).
ولا ينافي هذا رواية ثابت عنه "فكأني أنظر إِلَى وبيص خاتمه ورفع يده اليسرى". وفي رواية: "ورفع أصبعه اليسرى بالخنصر" وفي رواية "وأشار إِلَى الخنصر من يده اليسرى". لاحتمال إشارته إلي الخنصر من جهة باطن الكف.
стр. 51
قال "أبو زرعة الدمشقي: حدثني محمد بن العلاء، حدثنا يونس بن بكير، عن طلحة بن يحيى بن طلحة، قال: رأيت عَلَى عبد الله بن جعفر خاتمًا في يمينه في الخنصر فصه عَلَى ظهرها.
ورُوي أيضاً عن ابن عباس أنَّه جعل فصه عَلَى ظاهر أصبعه" ورفع ذلك. خرجه أبو داود (١).
فصل [في وزن خاتم الفضة المتخذ للتحلي]
وذكر بعض الأصحاب أن خاتم الفضة لا يزاد عَلَى مثقال، لحديث بريدة الَّذِي أسلفناه، ولأنه متى زاد عَلَى ذلك خرج عن التّحلي المعتاد إِلَى السرف والزيادة.
وقد ورد في بعض الروايات عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع عن ابن عمر ﵄: "أن النبي ﷺ اتخذ خاتمًا من نصف درهم". وقياس قول من منع من أصحابنا تحلي النساء بما زاد عَلَى ألف مثقال أن يمنع الرجل من لبس الخاتم إذا زاد عَلَى مثقال، وأولى لورود النص هاهنا، وثم ليس فيه حديث مرفوع، بل من كلام بعض الصحابة.
فصل [في حكم دخول الخلاء بالخاتم المكتوب عليه ذكر الله]
ويتعلق بالخاتم مسائل كثيرة يذكرها الفقهاء متفرقة في أبواب الفقه، ونحن نذكر هاهنا إِن شاء الله تعالى منها ما تيسر عَلَى ترتيب أبواب الفقه، فمن ذلك:
أن الخاتم إذا كان عليه ذكر الله فهل يكره استصحابه في الخلاء لغير عذر أم لا؟
ذكر طائفة من الأصحاب فيه روايتين عن أحمد.
إحداهما: يكره، وهي المشهورة عند الأصحاب المتأخرين، ونص
стр. 52
عليها أحمد في رواية إسحاق بن هانئ في الدرهم إذا كان فيه اسم الله أو مكتوبًا عليه "قل هو الله أحد" فيكره أن يدخل اسم الله الخلاء. وهذا يقتضي كراهة كل ما فيه اسم الله من خاتم وغيره، وهو قول طائفة من السَّلف كمجاهد، والقاسم بن محمد، ومحمد بن عبد الرحمن بن يزيد، والشعبي، وأبي حنيفة.
وروينا عن همام، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس قال "كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه" أخرجه أبو داود (١) وابن ماجه (٢) والنسائي (٣) والترمذي (٤) وقال: حديث حسن صحيح، والحاكم (٥) وقال: صحيح عَلَى شرط الشيخين.
وله علة قد ذكرها حذاق الحفاظ كأبي داود والنسائي والدارقطني، وهي أن همامًا تفرد به عن ابن جريج هكذا، ولم يتابعه غير يحيى بن المتوكل، ويحيى بن الضريس، ورواه بقية الثقات: عبد الله بن الحارث المخزومي، وحجاج، وأبو عاصم، وهشام بن سليمان، وموسى بن طارق، عن ابن جريج عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس "أنَّه رأى في يد النبي ﷺ خاتمًا من ذهب" .. الحديث.
وهذا هو المحفوظ عن ابن جريج دون الأول، وقد جاء في رواية هدبة عن همام عن ابن جريج، ولا أعلمه إلا عن الزهري، عن أنس، وهذه تشعر بعدم تيقن، فإن كانت من همام، فقد قوي الظن بوهمه، وإن كانت من هدبة فلا تؤثر؛ لأنّ غيره ضبطه عن همام، كما أن بعض الرواة وقفه عن همام عَلَى أنس، ولم يضر ذلك لاتفاق سائر
стр. 53
الرواة عنه عَلَى الرفع.
وروى ابن عدي أن همامًا إِنَّمَا وَهِمَ في إدراج قوله: "كان إذا دخل الخلاء وضعه" فإن هذا من قول الزهري، وأما أول الحديث وهو أن النبي ﷺ اتخذ خاتمًا ولبسه فهو مرفوع، وقد جاء هذا مبيَّنًا في رواية عمر ابن شبة، ثنا حبان بن هلال، ثنا همام، عن ابن جريج، عن الزهري "أن رسول الله ﷺ حيث لبس خاتمه كان إذا دخل الخلاء وضعه".
ووجه الحجة أنَّه إِنَّمَا نزعه لأنّ نقشه كان محمد رسول الله كما تقدم، وقد جاء ذلك مفسرًا في رواية البيهقي (١) من حديث يحيى بن المتوكل عن، ابن جريج عن الزهري، عن أنس "أن النبي ﷺ لبس خاتمًا نقشه محمد رسول الله، وكان إذا دخل الخلاء وضعه".
وروى الحافظ أبو بكر الجوزقاني من حديث المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس "أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء نزع خاتمه" (٢).
وقد أورد ابن أبي شيبة في "كتابه" (٣) من طريق عكرمة قال: كان ابن عباس إذا دخل الخلاء ناولني خاتمه.
وعن ابن عباس أنَّه قال: "كان سليمان بن داود ﵉ إذا دخل الخلاء نزع خاتمه فأعطاه امرأته" (٤).
والرواية الثانية": لا يكره، وهي اختيار أبي علي بن أبي موسى والسامري وصاحب المغني، وبَوَّب الخلال في جامعه "باب الخاتم فيه ذكر الله أو الدرهم يدخل الخلاء وهو معه"، ولم يذكر في الخاتم سوى هذه النصوص لأحمد، وذكر في الدرهم ما رواه عنه صالح في الرجل يدخل الخلاء ومعه الدرهم. قال: أرجو أن لا يكون به بأس.
стр. 54
وهذا قول كثير من السَّلف: كالحسن، وابن سيرين، وابن المسيب، وعطاء وعكرمة والنخعي وهو مذهب مالك، وإسحاق وابن المنذر، ولأن الأصل عدم الكراهة، وصيانته تحصل بإطباق يده عليه، وهو في باطن الكف، فلا يبقى مع ذلك محذور، ومتى كان في يساره أداره إِلَى يمينه لأجل الاستنجاء.
وقد رُوي حديث عن علي بن أبي طالب "أن النبي ﷺ إذا دخل الخلاء حوله في يمينه، فَإِذَا توضأ حوله في يساره". أورده الجوزقاني من جهة عمرو ابن خالد، وقال: هو حديث منكر، وعمرو كذاب.
وروى ابن عدي من حديث محمد بن عبيد الله العرزمي، عن نافع، عن ابن عمر قال: "كان رسول الله ﷺ يتختم في خنصره الأيمن، فَإِذَا دخل الخلاء جعل الكتابة مما يلي كفه". والعرزمى متروك.
فصل
[هل يمس الخاتم الَّذِي عليه ذكر الله مع الحدث]
ومن أحكام الخاتم إذا كتب عليه شيء من القرآن فهل له مسه مع الحدث؟ ذكر أبو البركات صاحب "المحرر في شرح الهداية" أنَّه لا يجوز، ولم يخرجه عَلَى الروايتين في الدرهم المكتوب عليه القرآن، وأشار إِلَى الفرق بأن البلوى تعم بمس الدرهم لكثرة الحاجة إِلَيْهِ بخلاف الخاتم فصار كالورقة، وفي "الكافي" لو مس ثوبًا مطرزًا بآية من القرآن جاز؛ لأنّه لا يسمى مصحفًا، والقصد منه غير القرآن، وحكى في الدرهم وجهين:
أحدهما: كذلك لهذا المعنى.
والثاني: لا يجوز لأنّ معظم ما فيه القرآن، وهذه العلة مطردة في الخاتم فيتعين إلحاقه به.
وما ذكره صاحب "المحرر" من الفرق بعموم البلوى بمس الدرهم تقابله عموم البلوى بحمل المحدث الخاتم، والمس والحمل بمعنى واحد.
стр. 55
فصل
[فيما يفعل المتوضئ أو المغتسل الَّذِي في يده خاتم]
ومن أحكام الخاتم أن المتوضئ أو المغتسل إذا كان في يده خاتم فله حالتان.
إحداهما: أن يكون ضيقًا بحيث يشك في وصول الماء إِلَى ما تحته أو يغلب عَلَى الظن ذلك، فها هنا يجب تحريكه أو نزعه ليصل الماء إِلَى ما تحته.
قال حنبل: سألت أبا عبد الله عن حنب اغتسل وعليه خاتم ضيق، قال: يغسل موضع الخاتم. قلت: فإن جف غسله؟ قال: يغسله. قلت: فإن صلى ثم ذكر؟ قال: يغسل موضعه ثم يعيد الصلاة. وهذا قول أصحاب الشافعي وغيرهم، وحكي عن بعض الحنفية أنَّه لا يجب ذلك بل يستحب.
الحالة الثانية: أن يكون واسعًا بحيث يصل الماء إِلَى ما تحته بدون تحريكه، فها هنا يستحب تحريكه ولا يجب في قول أصحابنا.
قال أبو داود: قيل لأحمد: من توضأ يحرك خاتمه؟ قال: إِن كان ضيقًا لابد أن يحركه، وإن كان واسعًا يدْخلُهُ الماءُ أجزأه.
ومراده أجزأه عدم تحريكه. وهذا يشعر بأن التحريك أولى، وهو قول جمهور أهل العِلْم من السَّلف: كالحسن، وابن سيرسن، وميمون بن مهران، وعمر بن عبد العزيز، وعمرو بن دينار، وعروة بن الزبير، وحماد ومالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وغيرهم.
وكان سالم بن عبد الله يتوضأ ولا يحركه، وعن محمد بن الحسن قال: ليس بشيء.
وقول الجمهور أصح لأنّ هذا من جنس تخليل الأصابع، وقد وردت فيه أحاديث متعددة عن النبي ﷺ ، وقد رُوي في تحريك الخاتم حديث أيضاً
стр. 56
رواه معمر بن محمد بن عبد الله بن أبي رافع عن أبيه ﴿عن عبد الله بن أبي رافع﴾ (*)، عن أبي رافع قال: "كان رسول الله ﷺ إذا توضأ حرك خاتمه" أخرجه ابن ماجه (١) والدارقطني (٢) والبيهقي (٣) ولكن معمر هذا قال البخاري: هو منكر الحديث. وقال ابن عدي: مقدار ما يرويه لا يتابع عليه. وأبوه محمد قال ابن معين عنه: ليس بشيء. وقال البخاري: منكر الحديث.
وقد رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (٤) من حديث إبراهيم بن عبيد الله ابن أبي رافع، عن أبيه، عن جده "أن النبي ﷺ كان إذا توضأ وضوءه للصلاة، حرك خاتمه في أصابعه". ولا يخلو إسناده أيضاً من نظر، ويدل عَلَى عدم ثبوته أن الخلال ذكر عن هارون بن سفيان المستملي أن أبا عبد الله أحمد بن حنبل أنكر تحريك الخاتم إلا ثلاثة أحاديث: حديث علي عن داود العطار، وحديث ابن مهدي عن ابن سيرين والحسن، وحديث جعفر بن برقان عن حبيب بن أبي مرزوق. لم يكن عنده غير هذه الثلاثة أحاديث.
قلت: ويعني بالأحاديث الآثار، فإن لفظ الحديث في كلامهم يدخل فيه المرفوع والموقوف، ثم ذكر أن أبا عبد الله روى فيه أيضاً آثارًا عن عروة وعمرو بن دينار قال: وحديث سفيان بن عيينة الَّذِي رواه عن فضيل بن غزوان، عن نافع، عن ابن عمر في تحريك الخاتم خطأ، إِنَّمَا أخطأ فيه ابن عيينة، ليس هو في تحريك الخاتم، إِنَّمَا هو في شيء آخر، فهذا الكلام من أحمد يقتضي أنَّه لم يثبت فيه حديثًا مرفوعًا البتة. وإنما فيه آثار معروفة كما روى مجمع بن غياث بن سمينة، عن أبيه قال: "وضأت عليًّا، فكان إذا
стр. 57
توضأ حرك خاتمه" (رواه) (*) ابن أبي شيبة (١) والبيهقي (٢).
وروى ابن أبي شيبة (٣) من طريق ابن لهيعة عن ابن هبيرة، عن أبي تميم الجيشاني "أن عبد الله بن عمرو كان إذا توضأ حرك خاتمه". وذكر أبو محمد بن قتيبة في كتاب "غريب الحديث" له من رواية ابن لهيعة عن عمرو بن الحارث، عن عقبة بن مسلم، عن أبي عبد الرحمن الحبُلي، عن الصنابحي، عن أبي بكر ﵁ أنَّه رأى رجلاً يتوضأ فَقَالَ: "عليك بالمغفلة والمنشلة".
قال ابن قتيبة: قالوا المغفلة: العنفقة، سميت بذلك لأنّ كثيرًا من الناس يغفل عنها وعما تحتها والمنشلة: موضع الخاتم من الخنصر، ولا أحسبه سمى موضع الخاتم منشلة إلا أنَّه إذا أراد غسلاً نشل الخاتم من ذلك الموضع، أي اقتلعه منه ثم غسله ورد الخاتم.
وكان ابن سيرين يغسل موضع الخاتم. ذكره البخاري في مواضع من صحيحه.
فصل [فيما إذا أصاب الحاتم نجاسة]
ولو استنجى أو غسل بيده نجاسة وفيها خاتم فَقَالَ بعض الأصحاب: نجس، ونجسٌ ما تحته، وينزعه لغسل ما تحته، وهذا إِنَّمَا يجب في الضيق الَّذِي لا يصل الماء إِلَى ما تحته، فأما إذا وصل بغير نزع كفى غسل ما تحته، وكذلك يكفي تطهيره وهو في موضعه، فإنَّه متى علم وصول الماء إِلَيْهِ الوصول المعتبر كفى، ثم إِنَّ الضيق الَّذِي لا يمكن وصول الماء إِلَى ما تحته كيف يحكم بنجاسة ما تحته؟
فصل [في حكم الصلاة بالخاتم المحرَّم]
ومن ذلك الصلاة في الخاتم المحرم كالذهب، فالمذهب المعروف صحتها،
стр. 58
وهو قول أكثر الفقهاء؛ لأنّ التحريم فيها لا يعود إِلَى شرط فيها ولا ركن ولا واجب.
وحكي عن أبي بكر عبد العزيز ما يقتضي بطلانها، وهو قول طائفة من أهل الظاهر كابن حزم وغيره، نظرًا إِلَى فعل الصلاة عَلَى وجه منهي عنه في الجملة.
فصل [في عد الآي والركعات في الصلاة بالخاتم]
ومن ذلك عد الآي والركعات في الصلاة بالخاتم، روى الفضل بن شاذان الرازي المقري في كتاب "عد الآي والركعات في الصلاة" من طريق عبد الرحمن ابن القاسم، عن أبيه، عن عائشة "أنها كانت إذا صلت المكتوبة عدت صلاتها بخاتمها، تحوله في يديها حتى تفرغ من صلاته وتحفظ به".
وعن أبي معشر عن إبراهيم قال: لا بأس أن يحفظ الرجل صلاته بخاتمه.
فصل [فيما إذا مات الرجل وفي يده خاتم هل ينزع]
ومن ذلك أن الميت إذا كان في يده خاتم نزع عنه، ولم يترك معه، فإن لم يخرج بُرِد وأُزيل عنه. ذكره الأصحاب؛ لأنّ في تركه إضاعة للمال بغير غرض صحيح.
وقد تقدم في ذكر خاتم الذهب أن أبا أسيد صاحب النبي ﷺ نزعوا عنه خاتمه بعد موته.
وقد روى ابن أبي الدُّنْيَا في "كتاب القبور" بإسناده عن عنبسة بن سعيد - وكان عالمًا- قال: وجد أبو موسى مع دانيال مصحفًا وجرة فيها ودك ودراهم وخاتمه، فكتب أبو موسى بذلك إِلَى عمر، فكتب إليه: أما المصحف فابعث به إلينا، وأما الودك فابعث إلينا منه، ومُرْ من قبلك من المسلمين يستبقون به، وأقسم الدراهم بينهم، فأما الخاتم فقد نفلناكه.
стр. 59
ثم روى من حديث ابن وهب، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: رأيت في يد أبي بردة -يعني: ابن (أبي) (١) موسى الأشعري خاتمًا نقش فصه أسَدان، بينهما رَجُلٌ يلحسان ذلك الرجل، فَقَالَ أبو بردة: هذا الخاتم خاتم ذلك الرجل الميت الَّذِي زعم أهل ذلك البلد أنَّه دانيال، أخذه أبو موسى يوم دفنه، فسأل أبو موسى: علماء تلك القرية عن نقش ذلك الخاتم فَقَالَ: إِنَّ الملك الَّذِي كان دانيال في سلطانه جاءه المنجمون وأصحاب العِلْم فقالوا: إنه يولد ليلة كذا وكذا غلام يعوق ملكك ويفسده. فَقَالَ الملك: والله لا يبقى غلام يولد تلك الليلة إلا قتل، إلا أنهم أخذوا دانيال فألقوه في أجمة الأسد، فبات الأسد ولبوته يلحسانه، فجاءت أمه فوجدتهما يلحسانه، فنجاه الله تعالى بذلك حتى بلغ ما بلغ. قال أبو بردة: قال أبو موسى: قال علماء تلك القرية فنقش دانيال صورته، وصورة الأسدين يلحسانه في خاتمه، لئلا ينسى نعمة الله في ذلك.
قلت: كان التصوير لحاجة مباحًا في غير هذه الملة كما أخبر الله عن سليمان أن الجن يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل، وقد رُوي في حديث أسلفناه "أن النبي ﷺ قُبض والخاتم في يمينه". فلو ثبت لدل عَلَى هذا الحكم، فإن خاتمه لم يدفن معه، بل بقي عند أبي بكر مدة خلافته، ثم عند عمر وعثمان إِلَى أن سقط في بئر أويس، وقد كان بعض الناس يوصي بترك خاتمه معه إذا دفن، كما روى ابن أبي الدُّنْيَا في كتاب "المحتضرين" عن أبي إسحاق الرياحي عن مرجا بن وداع قال: كان شاب به رهق فاحتضر فقالت له أمه: يا بني أوص بشيء، قال: نعم. خاتمي لا تسلبينه فإن فيه ذكر الله لعل الله أن يرحمني، فمات فرؤي في النوم، فَقَالَ: أخبروا أمي أن الكلمة قد نفعتني، وأن الله قد غفر لي.
стр. 60
ولكن لم يثبت ذلك عمن نعتد بقوله، وليس في هذا عرض صحيح، فإن دفن ما فيه ذكر الله مع الميت، وإن كان قد نقل عن كثير بن العباس أنَّه أوصى أن يكتب معه عَلَى أكفانه، وينبغي أن تتأكد كراهة ترك خاتم الحديد مع الميت، لما ورد من أنَّه حلية أهل النار، ومتى دفن معه فهو كما لو وقع ماله قيمة يجوز نبشه لأخذه.
وأما الشهيد فإن الأصحاب ذكروا أنَّه ينزع عنه صلاحه وآلات القتال خاصة ويدفن في بقية ثيابه؛ لأنّ النبي ﷺ إِنَّمَا أمر أن ينحى عنهم الجلود والحديد وهما آلات القتال، فهل يقال: يلحق الخاتم بالثياب الملبوسة؛ لأنّه لباس أيضاً؟ وإن كان زينة فهو كثياب الجمال الَّذِي عليه؟ ويقال: يلحق بالنفقة التي معه، فتؤخذ منه؟ هذا فيه تردد، والأشبه تخريجه عَلَى وجهين من مسألة إلحاق الحلي في سلب الكافر المقتول بثيابه، فيكون لقاتله عَلَى المذهب المشهور، وعلى وجه يلحق بالنفقة الموجردة معه، فيكون غنيمة. والأقرب ترك الخاتم ونزع غيره من الحلي عنه؛ لأنّه قد يكون كثيرًا كما إذا قتلت المرأة في المعركة وعليها حلي كثير، فترك مثل هذا معها إضاعة للمال بغير فائدة.
وقد نص أحمد في رواية صالح عَلَى نزع المنطقة عن الشهيد.
وقد أورد ابن أبي الدُّنْيَا في كتاب "القبور" من طريق ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنَّه حدَّث أن رجلاً من أهل نجران في زمن عمر بن الخطاب ﵁ حفر خربة من خرب نجران لبعض حاجته، فوجد عبد الله بن الثامر تحت دفن منها قاعدًا واضعًا يديه عَلَى ضربة في رأسه، ممسك عليها يده، فإذا أخرت يده عنها ثغبت دمًا، فإن أرسلت يده ردها عليه فأمسك دمها، وفي يده خاتم مكتوب فيه "ربي الله"، فكتب فيه إِلَى عمر يخبره بأمره، فكتب إِلَيْهِ عمر أن أقروه عليَّ حاله، وردوا عليه الدفن الَّذِي كان عليه. ففعلوا.
стр. 61
قلت: عبد الله بن الثامر يقول بعض الناس: إنه الغلام الَّذِي كان يتردد إِلَى الراهب والساحر، ولم يقدر الملك عَلَى قتله حتى قتله بسهم من كنانته بإشارته إِلَيْهِ بذلك وقال: بسم الله رب الغلام، فآمن الناس حينئذٍ برب الغلام، فخد لهم أخاديد وحديثه في "صحيح مسلم" (١). ومن الناس من يقول: هو غيره وقصته شبيهة بقصته، عَلَى ما ذكره أهل السير، لكنها مخالفة لسياق الحديث.
وفي "مصنف عبد الرزاق" عن ابن جريج، عن محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى قال: لا يدفن الشهيد في حذاء خفين ولا نعلين ولا سلاح ولا خاتم. قال: يدفنه في المنطقة والتبان. انتهى.
وروى عبد الرزاق أيضاً عن الثوري أو غيره عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي قال: ينزع عن القتيل خفاه وسراويله.
فصل [في حكم زكاة الحلي]
ومن ذلك وجوب الزكاة فيما يلبسه الرجل من خاتم الفضة، وذلك مبني عَلَى وجوب الزكاة في الحلي المباح للنساء، والمذهب الصحيح أنَّه لا زكاة فيه.
قال أحمد: هو عن خمسة من الصحابة أن زكاته عاريته، وهو قول مالك والشافعي وإسحاق وأبي عبيد، وغيرهم فإنَّه خرج باللبس والاستعمال عن مشابهة النقود المعدة للإنفاق إِلَى شبه ثياب الزينة ونحوها.
وعن أحمد رواية أخرى بوجوب زكاته أيضاً، كقول الثوري والأوزاعي وأبي حنيفة وغيرهم.
وفي المسألة أحاديث من الطرفين لا يثبت منها شيء مرفوع إِلَى النبي ﷺ ، وليس هنا موضع بسطها.
وقد ذكر أبو علي بن البناء في كتاب "الجعال والأقسام" له أن حلي النساء المباح لا زكاة فيه، ولم يحك فيه خلافًا، وحكى في حلي الرجال المباح وجهين، وهذا يقتضي أنَّا عَلَى قولنا بسقوط الزكاة في حلي النساء، يخرج في
стр. 62
حلي الرجال وجهان، وهذا غريب مخالف لما ذكره الأكثرون وأكثر ما يمكن أن يفرق به بين حلي الرجال والنساء، أن تحلي المرأة غير مكروه، بل هي مرغبة فيه لأجل بعلها، بخلاف الرجل، فإن تحليه بالفضة غير مستحب، وإنَّما هو مباح أو مكروه كما سبق. والصحيح التسوية بينهما، لأن هذا الفرق يقابله أن تحلي الرجال إِنَّمَا يباح باليسير من الفضة أولى، وهذا كله في المباح، أما المحظور كخاتم الذهب الَّذِي يلبسه الرجل ففيه الزكاة بلا نزاع، وأما كيفية الزكاة في الحلي، فالنصاب يعتبر بالوزن ولا يكمل بالقيمة فلو كان وزنه دون نصاب وقيمته نصاب لجودة صناعته، فلا زكاة فيه سواء كانت صناعته محرمة أو مباحة، كما لو كانت النقود لا تبلغ نصابًا وزنًا، وتبلغ قيمته نصابًا لجودتها أو ضربها.
هذا هو المشهور من المذهب، وقول الأئمة الثلاثة والثوري، وقد حكاه بعض الأصحاب إجماعًا.
وفي المذهب وجهان آخران.
أحدهما: أنَّه يكمل النصاب بالقيمة إِن كانت الصياغة مباحة، لأنها مالية متقومة شرعًا، ولهذا يعتبر بقيمتها في الإخراج، كما سنذكره. فكذا في النصاب بخلاف النقود، وهذا قول ابن عقيل، وقد أشار إِلَيْهِ أحمد رحمه الله تعالى في حلي التجارة أنَّه يُقَوَّمُ.
والثاني: اعتبار قيمته في تكميل النصاب سواء كانت صياغته مباحة أو محرمة، وهذا اختيار ابن عقيل أيضاً في موضع من فصوله في دُمْلَج ذهب يلبسه رجل أنَّه يقوم، وهذا متجه فيما كان جنسه يباح لبسه في الجملة كالدملج، فإنَّه يصلح للنساء، وإنَّما المحرم استعمال الرجل له، فلا يُسقط استعماله تقويمه، بخلاف ما كان جنسه محرمًا تحريما مطلقًا كالخف، فإنه لا يباح للرجال ولا للنساء، ولأن العادة لم تجر بالتحلي به، ولا حاجة إِلَيْهِ، بل هو سَرَفٌ محضٌ.
стр. 63
وأما في إخراج زكاته إذا بلغ وزنه نصابًا وكانت قيمته أزيد من وزنه، فإنَّه قلنا نعتبر القيمة في تكميل النصاب ففي الإخراج كذلك، وإن قلنا لا يعتبر في التكميل فهل يعتبر في الإخراج؟ هاهنا عَلَى وجهين.
أحدهما: لا يعتبر أيضاً. قالوا: وهو ظاهر كلام أحمد في رواية غير واحد، وصححه أبو عبد الله السامري، وهو قول مالك، ونحوه قول أبي حنيفة وأبي يوسف.
والثاني: يعتبر.
وهو اختيار القاضي وأصحابه: وأخذوه من إيماء أحمد أيضاً، وهو قول الشافعي، ومحمد بن الحسن وغيرهما. ثم اختلفوا في معنى اعتبار القيمة في الإخراج، فقالت طائفة منهم: تجعل زيادة القيمة مضمومة إِلَى الوزن كالمال المضموم إِلَى مال آخر ويزكى الجميع، فإذا كان وزن المُصاغ مائتي درهم وقيمته ثلاثمائة، أخرج عنه زكاة ثلاثمائة: سبعة ونصفًا.
وهذا عَلَى قول ابن عقيل ظاهر، فإنَّه جعل زيادة القيمة تضم إِلَى الوزن في تكميل النصاب يها.
وأما الأكثرون فيَقُولُونَ: إِنَّمَا تضم القيمة إِلَى الوزن تبعًا لكمال الوزن نصابًا. وهؤلاء يجيزون إخراج زكاة هذه الزيادة قيمة، ويجيزون الإخراج من جنس ذلك الحلي مصاغًا بحيث تجتمع زكاته من قيمة ووزن كامل نصابه، ويجيزون أيضاً إخراج أجود منه صفةً ومثله وزنًا مقابلة للصنعة بالجودة.
هذا قول القاضي، وأبي الفتح الحلواني، وأبي الخطاب، وابن عقيل.
وقالت طائفة: بل يجب إخراج ربع عشر الحُلي عَلَى صفته خاصة وليست زيادة القيمة مالاً مضمومًا إِلَى النصاب، بل الصياغة صفة في المال، فيجب إخراج الزكاة عَلَى صفة المال، فيخرج ربع عشره زنة وقيمة، فإن أخرج مثله وزنًا من غيره وكان أجود منه بحيث تقابل جودته زيادة الصنعة جاز.
стр. 64
وأما إِن أخرج من جنسه نقدًا، وجَبَر زيادة الصنعة بزيادة في المخرج، خرج علي الخلاف في إخراج البهرجة عن الصَّحاح ومعها مقدار الفضل بينهما.
وينبغي أيضاً أن يقال: إخراجُ شيء من جنسه أجود منه عَلَى غير صفة صياغته، يخرج عَلَى الوجهين في إخراج الهزيلة عن السمينة إذا كانت بقيمتها؛ لأنّ الجنس والقيمة واحدة، والاختلاف في الصفة. إلا أن يقال: في الهزيلة عيب بخلاف هذا فإن فيه جودة، فلهذا جعلوا الجواز هاهنا إجماعًا وهذه طريقة صاحب الكافي والمحرر وغيرهما. هذا كله في المباح.
فأما المحظور اتخاذه فأكثر الأصحاب عَلَى أن الاعتبار بوزنه دون قيمته، لأنّ صنعته مُلغاة شرعًا.
وذكر أبو الخطاب فيه الوجهين. وصرَّح في "رؤس المسائل" له بأن فيه الروايتين، ونَصَر اعتبار القيمة.
فصل [في حكم رمي الجمرة بفص الخاتم]
ومن ذلك: لو كان في يده خاتم فَصُّهُ من حجرٍ كالمَرمَر، والرُّخام، ونحوهما فرمي به الجمرة، هل يجزئه أم لا؟
فيه وجهان حكاهما في المغني:
- أحدهما: لا يجزئه. وهو الَّذِي رجحه، وعلله بأن الفصَّ تبع للخاتم، والرمي إِنَّمَا يكون بالمتبوع، والمبتوع لا يجزئ الرميُ به.
- والثاني: يجزئه، لأنّه قد رمى بحجر.
وهذا الوجه هو ظاهر كلام أحمد، والقاضي.
أما أحمد فإنَّه قال في رواية "المروذي" فيمن رمى بفص وكان حجرًا:
стр. 65
لا يرمي إلا بمثل ما رُوي عن النبي ﷺ "بمثل حصى الحذف" (١). قِيلَ لَهُ: فإن رمى من غير تلك الحجارة. فَقَالَ: يرمي بمثل ما أمر الحاج.
فلم يعلل المنع إلا بأنّ الفص ليس مثل حصى الخَذَف الَّذِي أمر بالرمي به، وهذا يقتضي أنَّه لو كان كبيرًا كحصى الخذف لأجزأ.
ونصُّه هذا يدل عَلَى أنَّه لا يجزئ ما دون حصى الخذف، وكذلك رُوي عنه في الحَجَر الكبير ما يقتضي أنَّه لا يجزئ أيضاً.
وللأصحاب وجهٌ آخر بإجزاء الصغير والكبير. وأما القاضي فإنَّه ذكر في "خلافه" قصة سُكينة بنت الحسين ﵄ وأنها رمَت بستة أحجارٍ فأعوَزَها سابعٌ فرمت بخاتمها. وأجاب عنها بجوابين.
أحدهما: أن الفرض يسقط بالست، فالسابع غير واجب بناءً عَلَى قولنا أن الست مجزئة.
والثاني: أنَّه قد قيل يحتمل أن يكون فَصُّهُ حجرًا فاعتدت بذلك، والخواتيم لا تخلو من فَصٍّ. هذا لفظه في الثاني.
فصل [في حكم بيع الخواتم]
ومن ذلك: بيع الخواتيم. ولها صورتان:
إحداهما: أن يكون الخاتم من فضة، وفصه غير فضة.
أو يكون الخاتم غير فضة، وهو مُحلى بفضة، ويباع بالدراهم.
فهذا من فروع المسألة الملقبة بـ "مد عجوة". وفيها طريقان للأصحاب:
أحدهما: وهو المشهور عن المتأخرين كالقاضي وأصحابه أن فيها روايتين أصحهما: البُطلان بكل حال، كقول الشافعي.
ولمالك تفصيلٌ بين الثُّلث وغيره، ولأحمد نصوصٌ في المنع لصورة الخاتم بفُصوصه حتى يُفصَلَ، في رواية ابن منصور، والحسن بن ثواب، وأحمد ابن القاسم، وحنبل، وأبي طالب، والأثرم.
стр. 66
والثانية: الجواز بشرط أن تكون الدراهم المشترى بها أكثر من الفضة التي في الخاتم، ليكون بقية الثم مقابلاً لما فيه من غير الفضة.
وهو قول أبي حنيفة. والأولى هي المذهب عندهم لما في "صحيح مسلم" (١) عن فضالة بن عبيد قال:
«أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ بِقِلاَدَةٍ فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ ابْتَاعَهَا رَجُلٌ بِتِسْعَةِ دَنَانِيرَ أَوْ سَبْعَةِ دَنَانِيرَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا حَتَّى تُمَيِّزَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ. فَقَالَ: إِنَّمَا أَرَدْتُ الْحِجَارَةَ».
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا حَتَّى يميز بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ».
قال: "فرده حتى ميز بينهما". رواه أبو داود (٢) وهذا لفظه. وأصل الحديث في صحيح مسلم، وكذا النسائي (٣)، والترمذي (٤) وصححه.
وأهلُ القول الثاني يجيبون عنه بأن مسلمًا رواه في "صحيحه" (٥) مصرحًا ولفظه.
"اشتريت قلادةً يوم خيبر باثني عشر دينارًا فيها ذهب وخرز، فَفَصَّلتُها (٦)، فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارًا، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فَقَالَ: "لا تباع حتى تُفَصَّلَ".
وفي لفظ له أيضاً (٧): "فأمر رسول الله ﷺ بالذهب الَّذِي في القلادة فَنُزِعَ وَحْدَهُ , ثُمَّ قَالَ لهم رسول الله ﷺ : «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ».
стр. 67
فهذا صريح بأنَّ الذهب الَّذِي في القلادة كان أكثر من الدنانير التي اشتريت به، ومثل هذا لا يجوز بلا ريب. ولو لم يكن الذهب مقصودًا؛ لأن قيام المقضي للمنع لا يزيله قصد غيره.
واستدل المجيزون أيضاً بقوله: "حتى يُفَصَّلَ" وما بعد الغاية مخالفٌ لما قبلها، فدلَّ عَلَى أنَّه يجوزُ بيعهُ بعد التفصيل، والعلم إذا اقتضى ذلك النقد بجنسه وزنًا بوزن، وهو الَّذِي جزم به أبو بكر في "التنبيه".
والثاني: الجواز، وهو الَّذِي ذكره التميمي في خصاله.
ومأخذ الخلاف هو الخلاف في بيع الجنس بغيره جزافًا.
وقال الشيرازي: الأظهر المنع، ويشهد لهذه الرواية من كلام أحمد ما روى عنه البرزاطي قال: قيل لأحمد: رجلٌ كانت معه مائة درهم فضة جياد، فأضاف إليها مائة درهم نحاس، وصاغها حلية لنفسه، ثم احتاج إِلَى بيع ذلك. هل يجوز أن يبيع ذلك بمائة درهم الفضة التي كانت فيه؟
قال: لا يجوز بيع ذلك كله بالفضة، ولا بالذهب، ولا بوزنه من الفضة والنحاس، ولا يجوز بيعه حتى يخلص الفضة من النحاس، ويبيع كل واحد منهما وحده.
والطريقة الثانية: وهي طريقة القدماء من الأصحاب كأبي بكر، وابن أبي موسى، ومن تابعهما أنَّه لا يجوز شراء المُحلَّى بجنس حليته قولاً واحدًا، وفي شرائه بنقد آخر روايتان، أصحُّهُما عندهم: المنع أيضًا،
وهو الَّذِي جَزَم به أبو بكر، وعللوه بأنه لو بان مستحقًا وقد استهلك لم يدر بما يرجع عَلَى صاحبه.
وقد يشكل فَهْمُ هذا وتوجيه هذه الطريقة عَلَى كثير من الناس.
ووجهُها: أنَّ بيعَ المُحلَّى بجنسه قبل التمييز والفصل بينه وبين جنسه يؤدي إِلَى الربا؛ لأنّه بيعٌ ربويٌّ بجنسه من غير تحقُّق مساواة؛ لأنّ بعض
стр. 68
الثمن مقابل العرض، فيبقى الباقي مقابلاً للربوي، ومع الجهل بمقداره لا يتحقق التساوي بينه وبين ما قابله من الثمن، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل.
وأما بيعُه بنقد آخر، فإن أجزناه فلأن بيع أحد النقدين بالآخر لا يعتبر فيهما التساوي، فلا يضُرُّ الجهل بهما أو بأحدهما، وإن منعناه فلأنه يؤدي إِلَى أن تستحق الحلية عَلَى المشتري وقد استهلكت عنده، فيضمنها لصاحبها ثم يريد أن يرجع عَلَى البائع بحصتها من الثمن، فلا يدري بم يرجع عليه؛ لأنّ الثمن (يتقسط) (*) هاهنا بالقيمة فيفضي إِلَى الربا؛ لأنّه قد يأخذ منه أقل من تلك الفضة أو أكثر. وهذا يشبه ما نص عليه أحمد في المنع من بيع أحد النقدين بالآخر جزافًا، وهو الَّذِي ذكره أبو بكر، وابن أبى موسى أيضاً، والقاضي في "خلافه" وعللوه بأنه لو استحقَّ أحدُهُما لم يدر بم يرجع عَلَى صاحبه فيؤدي إِلَى الربا من جهة العقد، وهو ضعيف، فإنَّه إذا بانَ مستحقًّا تبينا أنَّه لا عقد فيه البتة، وإنَّما دفع إِلَيْهِ نقدًا عَلَى وجه المعاوضة ولم يأخذ منه عوضهُ فيصالحُه عنه، كما لو أتلف له فضَّةَ أو ذهبًا لا يُعلمُ مقدارُه، ويشبه هذا اشتراط العِلْم برأس مال السَّلَم، وضبط صفاته، وأنه إذا أسلم في جنسين لم يجز حتى يبين قسط كل واحد منهما، فإنَّ ذلك سلم وهذا صرف، وأحكامها متشابهة في الجملة. فهذا الَّذِي ذكره ابن أبي موسى وغيره في بيع العرض المحلى بنقد، فأما مع تمييز الربوي ومعرفة مقداره، فإنما منع مما يظهر فيه وجه (الحلية) (**) كبيع عشرة دراهم مكسرة بثمانية صحاح، وفلسين أو ألف صحاحًا بألف مكسرة، وثوب أو ألفٍ صحاحًا ودينار بألف ومائة مكسرة.
والطريقة الأولى أشهر وأوجه.
ومتى كان الخاتم من غير النقدين وهو مموَّه بالفضة أو بالذهب تمويهًا يسيرًا تافهًا لا يتحصل منه شيءٌ، فهو كتزويق الدار، فيجوز بيعهُ بجنس حليته في
стр. 69
هذه الحال، ويباحُ لبسُ هذا المموَّه بالذهب عَلَى هذه الصفة وجهًا واحدًا. قاله بعض أصحابنا.
الصورة الثانية: أن يكون الخاتم غير فضة وهو محلى بفضة، فذهب بعض أهل العِلْم إِلَى أنَّه لا يجوز بيعهُ بنقد من جنسه أزيد منه إلا وزنًا. وهو مذهبُنا ﴿ ... ﴾ (*) وأبي حنيفة وغيرهم لقول النبي ﷺ : "الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ" (١).
قد رُوي عن النبي ﷺ من حديث عبادة وغيره. ولهذا أنكر عبادةُ بيعَ الأواني من النقود بجنسها، واستدلَّ بهذا الحديث.
وقد ورد في "سنن أبي داود" (٢) في حديث عبادة زيادة وهي: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا».
وقد روى مالك في "الموطأ" (٣) فيه حديثًا مرفوعًا عن ابن عمر أن صائغًا سأله عن ذلك فنهاه ابن عمر، وقال: "هذا عهد نبينا ﴿إلينا، وعهدنا إليكم﴾ " (**).
وقال الشافعي، والدارقطني: إِنَّمَا هو عهد صاحبنا يعني: عمر، وهو أصح. وحكى عن مالك جواز بيع المضروب بقيمته من جنسه، وأنكر أصحابه ذلك عن، وحكي أيضاً عن بعض السَّلف، واختاره الشيخ أبو العباس ابن تيمية؛ لأنَّ الصياغة فيها متقومة فلابد من مقابلتها بعوض، فإنَّ في إجبار الناس عَلَى بذلها مجانًا ظلم فلا يؤمر به، ولأنها قد خرجت بالصياغة عن حيز النقود إِلَى السلع المتقومة.
стр. 70
ولهذا يقول كثير من العُلَمَاء -كالثوري وأبي حنيفة، وأحمد في إحدى الروايتين: أنَّه لا يجري الربا في معمول الصُّفر، والنحاس، والقطن، والكتان لخروجه (بالصياغة) (*) عن الوزن، وحمل قوله ﷺ " «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ" على الدراهم دون المُصاغ صياغة مُباحة، فإنَّه بالصياغة خرج دخوله في إطلاق الذهب والفضة، وصار سلعةً من السَّلع كالثياب ونحوها، وحمل إنكارَ عُبادةَ عَلَى ما كانت صياغتُه محرَّمة؛ لأنّه إِنَّمَا أنكر بيع الأواني لا الحُلي المُباح.
فأما بيعُهُ بجنسه بدراهم مثله وزنًا فالصحيح جوازه. وحكى الأصحابُ روايةً أخرى بالمنع أيضاً بناء عَلَى الرواية المحكية بالمنع من بيع الصحاح بالمكسرة لأنّ (الصياغة) (*) قيمة بدليل حالة الإتلاف فيصير كأنه ضمَّ قيمة (الصياغة) (*) إلي الخاتم وباعها بوزن الخاتم فضة فيقع التفاضل بذلك.
وقد ذكر صاحب المغني أن هذا باطل بالجيد بالرديء، ولكن ابن عقيل ذكر في النقد الجيد بالرديء الخلاف أيضاً، لكنه أبطله بالجيد بالرديء في سائر المكيلات، وكذلك حكى الخلاف في بيع القراضة بالصحاح، (والمصوغ بمصوغ) (**) يخالفه في الصنعة جودةً أو رداءةً.
فأما بيع خواتيم الرصاص والحديد بالرصاص والحديد فينبني عَلَى جريان الربا في معمولها.
وفي ذلك قولان هما روايتان عن أحمد.
فصل
ولو اشترى [ .... ] ( ... ) بفضة، فالمذهب المنصوص جوازه مطلقًا إذا لم تكن الفضة مقصودة حتى [ ... ] ( ... ) من الثمن لجاز، كما إذا كان عَلَى الجارية حليٌ كثيرة.
стр. 71
وهذه طريقة المتقدمين من الأصحاب لدخوله، وكثير من المتأخرين خرَّجها علي مسألة ملك العبد بتمليكه، فإن قُلنا: يملك فكذلك، وإن قلنا: لا يملك فهي كبيعٍ ربويّ بجنسه ومعه من غير جنسه عَلَى الخلاف فيه. قالوا: ولو وجد بهذا المال عيبًا.
وقلنا: هو ملك للعبد فهل يملك؟ الردّ بذلك عَلَى وجهين. وإن قلنا: لا يملكه، فله رده بغير خلاف. وهذه المسألة مبسوطة في غير هذا الموضع.
فصل [في بيع الخواتم بالسَّلم]
فأما السلم في الخواتيم فيصحُّ إذا ضبطها بأوصافها المعتبرة، فيذكر جنس الخاتم، ونوعه، ووزنه، وقدره، وسعته.
ثم إِن كان الخاتم فضة لم يجز جعله رأسه ماله فضةً ولا ذهبًا لفوات التقابض في المجلس. وإن جعله عرضًا جاز لأنّ العُروض -وإن كانت موزونة- لا يشترط في بيعها بأحد النقدين تقابض.
وإن كان الخاتم من غير الفضة والذهب جاز جعل رأس ماله ذهبًا أو فضة لما ذكرنا. وإن جعل رأس المال فيه عرضًا إنبنى علي جريان ربا النساء (١) في العروض، فإنَّه قلنا بجريانه فيها مع اختلاف الجنسين لم يجز ذلك بحال. وإن لم يجز في العروض جاز بكل حال. وإن أجريناه فيها مع اتحاد الجنس جاز جعل رأس ماله عرضًا من غير جنسه خاصة.
وهذا إذا كان الخاتم كله جنسًا واحدًا، فإن كان فصه من غيره مثل إن كان من جوهر لم يصحّ السلم فيه عند أصحابنا، لأن الجوهر لا يصح السلم فيه عندهم؛ لأنّ الجوهر لا ينضبط بالوصف بل بالرؤية.
стр. 72
وإن كان من عقيق فوجهان:
أحدهما: يصح السلم فيه بالوصف، وهو قول القاضي؛ لأنّه يمكن ضبطه (ويقل) (*) تفاوته.
والثاني: لا. وهو قول ابن عقيل لمساواته للجواهر في المعنى الَّذِي لا يمكن ضبطه بالقول.
وإن كان من غير ذلك مما يمكن ضبطه بالصفة، ويصح السلم فيه مفردًا كالحديد والنحاس وغيرهما صح عَلَى الصحيح، ويضبطه بما يتميز به ويتخرج فيه وجه آخر: أنَّه لا يصح السلم فيه بناء عَلَى أحد الوجهين فيما له أخلاط مقصودة تتميز كالثوب المنسوج من كتان وقطن والنبل المريش فإن فيه وجهين.
فصل [استصناع الخواتم]
وأما استصناع الخواتم فله صور:
إحداهما: أن يأتيه بفضة ويستأجره عَلَى (صياغتها) (**) خاتمًا بأجرة ما معلومة.
فهذه إجارة محضة لا ريب في جوازها.
وكذلك إذا اشترى منه فضة معلومة وتقابضا في المجلس، ثم شرط عليه صياغتها بأجرة معلومة.
وكذلك إذا اشترى منه فضة معلومة وشرط عليه عملها خاتمًا وقبضها ثم تركها عنده، فإن هذا من جنس اشتراط نفع البائع، والمذهب. المنصوص صحته، وفيه وجه أنَّه لا يصح.
وربما رجح هاهنا بأنه اشترى فضة ومنفعة بفضة، فهو كما لو اشترى جنسًا ربويًا ومعه غيره بجنسه، ولكن المنصوص هاهنا صحته، ومنعه إسحاق ابن راهويه.
стр. 73
ففي كتاب الخلاَّل عن إسحاق بن منصور قال:
قلت لأبي عبد الله: رجل ابتاع فضة من رجل واشترط عليه أن يصوغ خاتمًا، فَقَالَ: "هذا يكره. هذا يصيرُ نَسيئةً".
قال أحمد: جيد هذا مكروه في نفس البيع، ولكن لو سَمَّى له الكراء لم يكن به بأس، هو أيضاً شرط في صرف.
قال إسحاق: لا يجوز في هذا اشتراط، والصرف منتقض.
قلت: فقد فرق أبو عبد الله ﵁ بين أن يسمى له الكراء أولاً، فإن سمى له الكراء جاز، وعلله بأنه شرط في صرف، ومعناه: أن غايته أن يكون كالشرط.
وإن لم يُسمَّ له الكراء فقد كرهه، ولعله كرهه لما فيه من الجمع بين بيع الفضة بفضة، فيكون بيع جنسين بأحدهما كـ "مد عجوة" وهي ها هنا محرمة؛ لأنّه ينقص بالأجرة قيمة الفضة فتصير متفاضلة، بخلاف ما إذا ابتاع منه الفضة بوزنها ثم استأجره عَلَى صياغتها بأجرة معلومة، فإن تلك المفسدة تزول بتفصيل الثمن والأجرة. ويحتمل -وهو الأظهر- أن يكون كره ذلك إذا لم يُسَمِّ له الكراء لعدم التقابض، ولهذا علله بأنه يصير نسيئة في البيع بخلاف ما إذا سمى له الكراء فإنَّه يصير مستأجرًا له عَلَى الصياغة، فتصير يده يد إجارة محضة بائنةٍ عن يد المشتري فكأنه قد وكَّله في قبضه له، ولو فعل ذلك جاز وصحَّ القبض.
فكذلك إذا استأجره عليه إجارة مستقلة بأجرة مسماة بخلاف ما إذا لم يسمَّ له الأجره وشَرَطَ عليه العمل؛ فإن الإجارة تكون في ضمن عقد البيع فتكون تابعة له وداخلةً في ضمنه ولم يحصل القبض فكرهه لذلك.
ولعله كرهه كراهة تنزيه؛ لأنّ يد البائع أيضاً يد أجير في مده الصياغة، وإن كانت داخلة في ضمن البيع، ولهذا لا بد أن يكون قد زاد في الثمن لأجل الصياغة ولا بد. وقوله: فيما إذا سمى الكراء هو أيضاً شرط في صرف يومئذ، ذلك فإن معناه أنَّه لا يخرج بالتسمية عن أن يكون شرطًا في عقد الصرف كما لو لم يسمَّ.
стр. 74
وقد حملها القاضي في خلافه عَلَى أن الشرط إِنَّمَا يؤثر إذا كان في نفس العقد دون ما قبله وبعده، وساق رواية ابن منصور، ولعلها في رجل ابتاع فضة من رجل واشترط عليه أن يصوغ صياغًا فهو مكروه في نفس العقد، ولكن لو سأله الكراء لم يكن له تأثير.
والصورة الثانية: قال له: صُغ لي خاتمًا حتى أعطيك بوزن الفضة وأجرة الصياغة.
فهذا لا يجوز، ذكره القاضي وابن عقيل وغيرهما؛ لأنهما تبايعا فضة مجهولة بفضة مجهولة، وتفرقا قبل القبض، وأيضًا فالأجرة مجهولة.
الصورة الثالثة: قال له: صُغ لي خاتمًا حتى أعطيك درهمًا وأجرتك درهمًا.
فَقَالَ في المغني: ليس هذا ببيع درهم بدرهمين، بل قال أصحابنا: للصائغ أخذ الدرهمين أحدهما في مقابلة الخاتم، والثاني في مقابلة (أجره) (*) لعمله. انتهى.
وفيه نظر فإنَّ هذا ليس بيعًا لعدم التقابض في المجلسى ولا إجارة؛ لأنّ الإجارة إِنَّمَا تعقد عَلَى المنافع لا عَلَى الأعيان، وإنَّما تدخل فيها الأعيان تبعًا ﴿كجر﴾ (١) الناسخ أو تكون الأعيان فيها من جنس المنافع تستخلف شيئًا بعد شيء كلبن الظئر (٢) وماء البئر. وهذا كله مفقود قيما نحن فيه. وأيضًا فهذا بعيد عن أصلنا في سد الذرائع وإبطال الحيل، فإن هذا حيلة عَلَى بيع درهم بدرهمين نساء.
ومعلوم أن أحمد يمنع من باع شيئًا نسيئة بثمن في الذمة أن يبتاع به عند حلوله ما يباع به نسيئة سليم لذريعة ربا النسيئة خاصة، فكيف بربا الفضل مع النساء مع أن الحيلة ثم بعيدة أو متتفية، وها هنا ظاهرة، بل لا معنى لهذا غير الحيلة عَلَى بيع درهم بدرهمين.
стр. 75
وأيضًا فإن القاضي أبا يعلى في "الخلاف الكبير" ومن تابعه كابنه أبي الحسين، وأبي الخطاب، والشريف أبي جعفر ذكروا أن استصناع القمقم والطست والخف ونحو ذلك بمال معلوم لا يصح.
وهو قول الشافعي، واستدلوا عَلَى ذلك بأنه بيع ما ليس عنده عَلَى غير وجه السلم، فلم يجز كاستصناع الثياب فإنَّه لا يجوز بالاتفاق، وإن وصف طولها وعرضها وجنسها، وحكوا عن مالك جوازه إذا ضرب له أجلاً، وأنه جعله سلمًا. وعن أبي حنيفة جوازه استحسانًا لأجناسها في ذلك، ولم يزل في الإسلام ولم نعلم له (منكر) (١). وعن الرازي -من أصحابه- أنَّه يقع فاسدًا، لكن إذا جاء به الصانع ورضي به المستصنع كان ذلك بمنزلة عقد مبتدأ فيما بينهما. هذا مع أن هذه الأقوال كلها متوجهة عَلَى المذهب (توجيهًا) (*) ظاهرًا.
فإن السلم في هذه الأعيان لا يصح عَلَى أحد الوجهين إذا ذكر شروطها المعتبرة، والمستصنع لا بد أن يذكر صفاتها التي يختلف بها الثمن، فإذا ضرب مع ذلك أجلاً فهو السَّلم بعينه، وإلا فهو السَّلم الحال.
وفيه الخلاف المعروف، والتعليل بأن ذلك لم يزل في الإسلام، قد علل به أحمد نفسه في بيع التمر في جلاله.
وقد ذكر ابن المنذر أن الاستصناع جائز، وأنه إذا جاء عَلَى الوصف فلا خيار له فيه عن أبي ثور واختاره. وأما إذا تراضيا بذلك عند إحضاره، وسلَّم إِلَيْهِ الثمن قهذا بعينه بيع المعاطاة.
وقد قال أحمد في رواية "الأثرم" وقد سأله عن رجل أخذ من رجل رطلاً من كذا، ومنّا (٢) من كذا، ولم يقاطعه عَلَى سعره ولم يعطه ثمنه، أيجوز هذا؟