وهذه طريقة المتقدمين من الأصحاب لدخوله، وكثير من المتأخرين خرَّجها علي مسألة ملك العبد بتمليكه، فإن قُلنا: يملك فكذلك، وإن قلنا: لا يملك فهي كبيعٍ ربويّ بجنسه ومعه من غير جنسه عَلَى الخلاف فيه. قالوا: ولو وجد بهذا المال عيبًا.
وقلنا: هو ملك للعبد فهل يملك؟ الردّ بذلك عَلَى وجهين. وإن قلنا: لا يملكه، فله رده بغير خلاف. وهذه المسألة مبسوطة في غير هذا الموضع.
فصل [في بيع الخواتم بالسَّلم]
فأما السلم في الخواتيم فيصحُّ إذا ضبطها بأوصافها المعتبرة، فيذكر جنس الخاتم، ونوعه، ووزنه، وقدره، وسعته.
ثم إِن كان الخاتم فضة لم يجز جعله رأسه ماله فضةً ولا ذهبًا لفوات التقابض في المجلس. وإن جعله عرضًا جاز لأنّ العُروض -وإن كانت موزونة- لا يشترط في بيعها بأحد النقدين تقابض.
وإن كان الخاتم من غير الفضة والذهب جاز جعل رأس ماله ذهبًا أو فضة لما ذكرنا. وإن جعل رأس المال فيه عرضًا إنبنى علي جريان ربا النساء (١) في العروض، فإنَّه قلنا بجريانه فيها مع اختلاف الجنسين لم يجز ذلك بحال. وإن لم يجز في العروض جاز بكل حال. وإن أجريناه فيها مع اتحاد الجنس جاز جعل رأس ماله عرضًا من غير جنسه خاصة.
وهذا إذا كان الخاتم كله جنسًا واحدًا، فإن كان فصه من غيره مثل إن كان من جوهر لم يصحّ السلم فيه عند أصحابنا، لأن الجوهر لا يصح السلم فيه عندهم؛ لأنّ الجوهر لا ينضبط بالوصف بل بالرؤية.
стр. 72
وإن كان من عقيق فوجهان:
أحدهما: يصح السلم فيه بالوصف، وهو قول القاضي؛ لأنّه يمكن ضبطه (ويقل) (*) تفاوته.
والثاني: لا. وهو قول ابن عقيل لمساواته للجواهر في المعنى الَّذِي لا يمكن ضبطه بالقول.
وإن كان من غير ذلك مما يمكن ضبطه بالصفة، ويصح السلم فيه مفردًا كالحديد والنحاس وغيرهما صح عَلَى الصحيح، ويضبطه بما يتميز به ويتخرج فيه وجه آخر: أنَّه لا يصح السلم فيه بناء عَلَى أحد الوجهين فيما له أخلاط مقصودة تتميز كالثوب المنسوج من كتان وقطن والنبل المريش فإن فيه وجهين.
فصل [استصناع الخواتم]
وأما استصناع الخواتم فله صور:
إحداهما: أن يأتيه بفضة ويستأجره عَلَى (صياغتها) (**) خاتمًا بأجرة ما معلومة.
فهذه إجارة محضة لا ريب في جوازها.
وكذلك إذا اشترى منه فضة معلومة وتقابضا في المجلس، ثم شرط عليه صياغتها بأجرة معلومة.
وكذلك إذا اشترى منه فضة معلومة وشرط عليه عملها خاتمًا وقبضها ثم تركها عنده، فإن هذا من جنس اشتراط نفع البائع، والمذهب. المنصوص صحته، وفيه وجه أنَّه لا يصح.
وربما رجح هاهنا بأنه اشترى فضة ومنفعة بفضة، فهو كما لو اشترى جنسًا ربويًا ومعه غيره بجنسه، ولكن المنصوص هاهنا صحته، ومنعه إسحاق ابن راهويه.
стр. 73
ففي كتاب الخلاَّل عن إسحاق بن منصور قال:
قلت لأبي عبد الله: رجل ابتاع فضة من رجل واشترط عليه أن يصوغ خاتمًا، فَقَالَ: "هذا يكره. هذا يصيرُ نَسيئةً".
قال أحمد: جيد هذا مكروه في نفس البيع، ولكن لو سَمَّى له الكراء لم يكن به بأس، هو أيضاً شرط في صرف.
قال إسحاق: لا يجوز في هذا اشتراط، والصرف منتقض.
قلت: فقد فرق أبو عبد الله ﵁ بين أن يسمى له الكراء أولاً، فإن سمى له الكراء جاز، وعلله بأنه شرط في صرف، ومعناه: أن غايته أن يكون كالشرط.
وإن لم يُسمَّ له الكراء فقد كرهه، ولعله كرهه لما فيه من الجمع بين بيع الفضة بفضة، فيكون بيع جنسين بأحدهما كـ "مد عجوة" وهي ها هنا محرمة؛ لأنّه ينقص بالأجرة قيمة الفضة فتصير متفاضلة، بخلاف ما إذا ابتاع منه الفضة بوزنها ثم استأجره عَلَى صياغتها بأجرة معلومة، فإن تلك المفسدة تزول بتفصيل الثمن والأجرة. ويحتمل -وهو الأظهر- أن يكون كره ذلك إذا لم يُسَمِّ له الكراء لعدم التقابض، ولهذا علله بأنه يصير نسيئة في البيع بخلاف ما إذا سمى له الكراء فإنَّه يصير مستأجرًا له عَلَى الصياغة، فتصير يده يد إجارة محضة بائنةٍ عن يد المشتري فكأنه قد وكَّله في قبضه له، ولو فعل ذلك جاز وصحَّ القبض.
فكذلك إذا استأجره عليه إجارة مستقلة بأجرة مسماة بخلاف ما إذا لم يسمَّ له الأجره وشَرَطَ عليه العمل؛ فإن الإجارة تكون في ضمن عقد البيع فتكون تابعة له وداخلةً في ضمنه ولم يحصل القبض فكرهه لذلك.
ولعله كرهه كراهة تنزيه؛ لأنّ يد البائع أيضاً يد أجير في مده الصياغة، وإن كانت داخلة في ضمن البيع، ولهذا لا بد أن يكون قد زاد في الثمن لأجل الصياغة ولا بد. وقوله: فيما إذا سمى الكراء هو أيضاً شرط في صرف يومئذ، ذلك فإن معناه أنَّه لا يخرج بالتسمية عن أن يكون شرطًا في عقد الصرف كما لو لم يسمَّ.
стр. 74
وقد حملها القاضي في خلافه عَلَى أن الشرط إِنَّمَا يؤثر إذا كان في نفس العقد دون ما قبله وبعده، وساق رواية ابن منصور، ولعلها في رجل ابتاع فضة من رجل واشترط عليه أن يصوغ صياغًا فهو مكروه في نفس العقد، ولكن لو سأله الكراء لم يكن له تأثير.
والصورة الثانية: قال له: صُغ لي خاتمًا حتى أعطيك بوزن الفضة وأجرة الصياغة.
فهذا لا يجوز، ذكره القاضي وابن عقيل وغيرهما؛ لأنهما تبايعا فضة مجهولة بفضة مجهولة، وتفرقا قبل القبض، وأيضًا فالأجرة مجهولة.
الصورة الثالثة: قال له: صُغ لي خاتمًا حتى أعطيك درهمًا وأجرتك درهمًا.
فَقَالَ في المغني: ليس هذا ببيع درهم بدرهمين، بل قال أصحابنا: للصائغ أخذ الدرهمين أحدهما في مقابلة الخاتم، والثاني في مقابلة (أجره) (*) لعمله. انتهى.
وفيه نظر فإنَّ هذا ليس بيعًا لعدم التقابض في المجلسى ولا إجارة؛ لأنّ الإجارة إِنَّمَا تعقد عَلَى المنافع لا عَلَى الأعيان، وإنَّما تدخل فيها الأعيان تبعًا ﴿كجر﴾ (١) الناسخ أو تكون الأعيان فيها من جنس المنافع تستخلف شيئًا بعد شيء كلبن الظئر (٢) وماء البئر. وهذا كله مفقود قيما نحن فيه. وأيضًا فهذا بعيد عن أصلنا في سد الذرائع وإبطال الحيل، فإن هذا حيلة عَلَى بيع درهم بدرهمين نساء.
ومعلوم أن أحمد يمنع من باع شيئًا نسيئة بثمن في الذمة أن يبتاع به عند حلوله ما يباع به نسيئة سليم لذريعة ربا النسيئة خاصة، فكيف بربا الفضل مع النساء مع أن الحيلة ثم بعيدة أو متتفية، وها هنا ظاهرة، بل لا معنى لهذا غير الحيلة عَلَى بيع درهم بدرهمين.
стр. 75
وأيضًا فإن القاضي أبا يعلى في "الخلاف الكبير" ومن تابعه كابنه أبي الحسين، وأبي الخطاب، والشريف أبي جعفر ذكروا أن استصناع القمقم والطست والخف ونحو ذلك بمال معلوم لا يصح.
وهو قول الشافعي، واستدلوا عَلَى ذلك بأنه بيع ما ليس عنده عَلَى غير وجه السلم، فلم يجز كاستصناع الثياب فإنَّه لا يجوز بالاتفاق، وإن وصف طولها وعرضها وجنسها، وحكوا عن مالك جوازه إذا ضرب له أجلاً، وأنه جعله سلمًا. وعن أبي حنيفة جوازه استحسانًا لأجناسها في ذلك، ولم يزل في الإسلام ولم نعلم له (منكر) (١). وعن الرازي -من أصحابه- أنَّه يقع فاسدًا، لكن إذا جاء به الصانع ورضي به المستصنع كان ذلك بمنزلة عقد مبتدأ فيما بينهما. هذا مع أن هذه الأقوال كلها متوجهة عَلَى المذهب (توجيهًا) (*) ظاهرًا.
فإن السلم في هذه الأعيان لا يصح عَلَى أحد الوجهين إذا ذكر شروطها المعتبرة، والمستصنع لا بد أن يذكر صفاتها التي يختلف بها الثمن، فإذا ضرب مع ذلك أجلاً فهو السَّلم بعينه، وإلا فهو السَّلم الحال.
وفيه الخلاف المعروف، والتعليل بأن ذلك لم يزل في الإسلام، قد علل به أحمد نفسه في بيع التمر في جلاله.
وقد ذكر ابن المنذر أن الاستصناع جائز، وأنه إذا جاء عَلَى الوصف فلا خيار له فيه عن أبي ثور واختاره. وأما إذا تراضيا بذلك عند إحضاره، وسلَّم إِلَيْهِ الثمن قهذا بعينه بيع المعاطاة.
وقد قال أحمد في رواية "الأثرم" وقد سأله عن رجل أخذ من رجل رطلاً من كذا، ومنّا (٢) من كذا، ولم يقاطعه عَلَى سعره ولم يعطه ثمنه، أيجوز هذا؟
стр. 76
فَقَالَ: أليس عَلَى معنى البيع أخَذَهُ؟
قلت: بلى.
فَقَالَ: لا بأس، ولكن إذا حاسبه أعطاه عَلَى السعر يوم أخذه لا يوم يحاسبه.
والمقصود أن هذا الاستصناع في القمقم ونحوه قواعد المذهب وأصوله تدل عَلَى جوازه.
وقد ذكر الأصحاب بطلانه فكيف باستصناع الخاتم من فضة مع أنَّه في الحقيقة بيع المصوغ بجنسه متفاضلاً، فمثل هذا لا ريب في امتناعه عَلَى أصول المذهب وقواعده. والله أعلم.
فصل [إذا ظهر في الخاتم عيب بعد شرائه]
ولو اشترى الخاتم بدراهم ثم ظهر به عيبٌ.
فَقَالَ كثير من الأصحاب كالقاضي، وأبي الخطاب، وابن عقيل ليس له المطالبة بالأرش؛ لأنّ أخذ الأرش يُفضي إِلَى ربا الفضل، فيتعين له الردُّ فيرده إِن كان باقيا ويأخذ ثمنه.
وإن كان تالفًا فقالوا: له الفسخ ها هنا للضرورة، ويرد مثله أو قيمته ويسترجع الثمن.
وذكر في "المغني" وجهًا بجواز أخذ الأرشِ في المجلس؛ لأنّ الزيادة طرأت بعد العقد. ثم قال: وليس لهذا الوجه وجه.
ثم حكى عن ابن عقيل رواية أخرى بجواز أخذ الأرش مع التلف لتعذر رده بالفسخ، وابن عقيل ذكر هذه الرواية وبناها عَلَى الرواية المحكية عن أحمد بتقويم الصنعة في المصاغ مع ملاقاته بجنسه، وقد سبق ذكرها فكذلك الصفة. قال: والصحيح سقوطها، كما تقدم.
وهذا التعليل يشمل حالة البقاء والتلف، وإن أن قد فرض المسألة أولاً
стр. 77
مع التلف فإنَّه بنى ثبوت الأرش لعيب في المصاغ، عَلَى أن الصنعة والجودة فيه هل تقوَّم مع ملاقاتها بجنسها أم لا؟
فإن قومناها أثبتنا الأرش بفواتها وإلا فلا، ولكن إثباتنا للأرش بناء علي التقويم من ها هنا يستلزم جواز مقابلتها بزيادة (الوزن) (*) في الثمن، والمذهب خلافه. وأحمد -عَلَى قوله بالتقويم في رواية- يمنع من ملاقاتها بجنسها المساوي لها وزنًا لزيادتها عليه صفة، فكيف يجيز ها هنا أخذ زيادة لفواتها؟ وهل هذا إلا قول من يجيز بيع المصاغ بجنسه متفاضلاً؟ وأما إِن حدث عند المشتري به عيب آخر وأراد الردَّ فهل له رده مع أرشه؟
قال القاضي: لا، لإفضائه إِلَى المفاضلة المحذورة.
وأجازه صاحبا المغني والتلخيص لزوال العقد بالفسخ فلا يكون الضمان بالعقد بل لتلفه تحت يده الضامنة، وهذا إِنَّمَا يتمشى عَلَى أصل من يقول: الفسخ رفع للعقد من أصله.
فصل [في استئجار الخاتم للتحلي]
ومن ذلك: اسئجار الخاتم للتحلي به، وذلك جائز في الجملة؛ لأنها منفعة مباحة مقصودة، ثم إِن استأجره بغير جنسه جاز بلا إشكال.
ورُوي عن أحمد: الوقف في إجارته في الجملة.
وحمله القاضي عَلَى إجارته بجنسه. وإن استأجره بجنسه كاستئجار خاتم الفضة بفضة، فحكى الأصحاب فيه روايتين، والمنقول عن أحمد أنَّه قال: لا يعجبني.
قال أحمد في رواية "المروذي" وسأله عن الحلي يكرى؟ قال: هذا مكروه أي شيء يكرى الذهب والفضة؟
قلت: فيكون فيه الحب.
стр. 78
قال: هذا مكروه.
وقال جعفر بن محمد: سئل أحمد عن كراء الحلي.
قال: ما أدرى ما هذا؟ وأنكره.
وسئل عن كراء الثياب.
قال: لا بأس به.
وقال في رواية "ابن بختان": وسئل عن الحلي يكرى.
قال: يكرى دراهم بدراهم.
قِيلَ لَهُ: يكون فيه الحب واللؤلؤ؟
قال: لا.
هذه تدل عَلَى جواز إجارته بغير جنسه.
وقال ابن منصور:
قلت لأحمد: ما ترى في استئجار الحلي؟
قال: لا بأس به.
قيل: والسيف والسرج؟
قال أحمد: أما الحلي ما أدري ما هو، وأما السيف واللجام والسرج فلا بأس به.
وقال في رواية "حنبل": في الحلي إذا كان يكرى ويؤخذ أجره كان بمنزلة التجارة وجبت فيه الزكاة.
فوجه الصحة -وهي اختيار ابن عقيل، وقول أبي حنيفة والشافعي- أن الأجرة عوض عن منفعته المباحة لا عن عينه، فلا وجه للمنع منه.
ووجه البطلان -وهو اختيار القاضي وغيره، وقول بعض الشافعية- أن الأجرة تؤخذ عن المنفعة وعما يتلف من الأجزاء بالاستعمال، فيفضي إِلَى بيع فضة بفضة متفاضلة.
стр. 79
وهذا فيه ضعف؛ لأنّ الأجرة إنما هي عوض عن المنفعة خاصة، والأجزاء تتلف من ضمان مالكها، ولو كانت الأجزاء التالفة داخلة في العقد لم يجز إجارة كساء صوف بصوف، ولا ثوب قطن بغزل، ولا دار مذهبة بذهب.
وقد أطلق أبو الخطاب في "رءوس مسائله" الكراهة دون التحريم، وقد ذكر بعض الشافعية أن هذا النزاع في هذه المسألة مبني عَلَى أن المعقود عليه في الإجارة هل هو العين أو المنفعة؟
فإن قيل: إِنَّ العين لم يجز إجارة الحلي بجنسه، وإلا جاز. ولو استأجر فصًّا يضعه في خاتم جاز أيضاً، فَإِذَا انقضت مدة الإجارة فللمؤجر مطالبته برده، ويلزمه قلعه ليرده عَلَى مالكه. ذكره أصحابنا أيضاً.
فصل [في وقف الحلي]
وكذلك اختلفوا في كلام أحمد في صحة وقف الحلي.
فروى عنه الأثرم وحنبل: لا يصح. وأنكر الحديث الَّذِي رُوي عن أم سلمة في وقفه.
ونقل عنه بكر بن محمد فيمن وصى بفرس وسرج وخاتم مفضض، يوقف في سبيل الله حبيس، فهو عَلَى ما وقف وأوصى، وأن بيع الفضة التي في السرج واللجام وجعل في سرج مثله، فهو أَحَبّ إلي؛ لأنّ الفضة لا يُنْتَفعُ بها، ولعله يشتري بتلك الفضة سرج ولجامٌ فيكون أنفَعُ للمسلمين.
فقِيلَ لَهُ: فتباع الفضة وتصير في نفقةِ الفرسِ؟
قال: لا.
واختلف الأصحاب في هذه النصوص عنه فتأوَّل القاضي في "المجرد" ومن تابعه رواية حنبل والأثرم عَلَى أنه لا يصح الحديث عن أم سلمة في وقفه لا عَلَى أنَّ وقفه لا يصحّ.
стр. 80
وتأول أيضاً رواية بكر بن محمد، عَلَى أن وقف اللجام والسرج المفضض لا يصح.
فلذلك (*) أجاز أن يشتري به ما يُباحُ الانتفاعُ به، فيوقفُ عَلَى تلكَ الجهة.
وحُكي عن الآمديِّ أنَّه قال: أجاز أحمد وقف هذه الفضة تبعًا للفرس، لأن كان لا يجوزُ وقفُها مفردًا.
فَقَالَ صاحب "المغني" وغيرهُ: روايةُ بكر تدُلُّ عَلَى صحة وقف السرج واللجام المفضض بناءً عَلَى جواز تحلية خيل الجهاد بذلك، كما يباحُ محليةُ لباس الجهاد من الخُوذة والجَوشن وحمائلِ السيف. وإنَّما أباح بيعه وصرفَ ثمنه في سرجٍ ولجامٍ؛ لأنّه لا منفعة فيه.
وهؤلاء أقروا رواية حنبل والأثرم عَلَى ظاهرها، وجعلوا في صحة الحلي روايتين، والأولون يصححونه روايةً واحدةً، وهي طريقة ابن عقيل أيضًا وغيره.
وجمهورُ الأصحاب عَلَى صحة وقف الحُلي المباح. وهو قول القاضي وأصحابه؛ لأنّه عينٌ مباحةٌ منتفعٌ بها فجاز وقفُها كغيره، وروايةُ المنع إِنَّمَا تتجه عَلَى القول بمنعِ وقف المنقول.
فصل [في إتلاف الخاتم]
ولو أتلف له خاتمًا فله حالتان: إحداهما: أن يكون مباحًا كخاتم الفضة للرجل: فعليه ضمانُهُ، كما لو أتلف ثوبَهُ، ثم هل يضمَنُه بقيمته أو مثله؟
فيه وجهان:
احدهما: بالقيمة، قاله القاضي وصاحب المغني؛ لأنّ الصناعة تؤثِّر في قيمته، وهي مختلفةٍ فالقيمةُ فيه أحصر.
стр. 81
والثاني: بالمثل، وهو اختيار السامري وظاهرُ كلام أحمد. قال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد فيمن كسر ذهبًا أو فضة، قال: يصلحه أحبُّ إليّ إِن كان خلخالاً، وإن كان دينارًا أعطاه دينارًا آخر مثله.
ونقل مُهنا عنه فيمن رَهَن إبريق فضةٍ فانهشَم أو انكسَرَ يصوغُه كما كان.
فقِيلَ لَهُ: كيف يصوغُه وقد نهى النبي ﷺ عن آنيةِ الذهب والفضة؟ فسكت، كذا ساقه ابن عقيل، رواه مُهنا في "الرهن"، وقال: هي سهو؛ لأن الصياغة متقومة. وساقها أبو الخطاب عليه قيمة مصوغه، وقد حملَ القاضي هذا على التراضي.
وذكر ابن عقيل في كتاب "الرهن" أن رواية مُهنا وقع فيها الخطأ من وجهين:
من جهة تضمنه (الصياغة) (*) بمثلها وهي متقومة.
ومن جهة تضمنه صناعة الأواني وهي محرمة، وهذا باطل.
وقد رجع في كتاب "الغصب" ورد تأويل شيخه وقال: لا وجه لصرف كلام أحمد عن ظاهره، بل صناعة الآدمي يمكن احتذاء مثلها أو شكلها، فإذا عرفت الصورة كان إعادتها جزاءً للحق.
وقد وافق القاضي عَلَى أن من هدم جدارًا أو نقض بابًا فعليه إعادته، وهذا مثله.
فأما تضمين أحمد صناعة الأواني: فقد ذكر طائفة من الأصحاب عن أحمد أخذًا من هذا النص، وابن عقيل نفسه في باب الغصب خالف في ذلك، وذكر أن هذا رجوع عن ذلك لما نبه عَلَى تحريم هذه (الصياغة) (*) بدليل السنة. قال: ومن أحق منه بمراجعة الصواب وترك الرأي للسنة.
وكذلك اختلف الأصحاب في كل مسألة يُعترضُ عَلَى أحمد فيها فيسكت هل يكون رجوعًا أم لا؟
стр. 82
فَقَالَ ابن حامد: هو رجوع.
وقال غيره: ليس برجوع.
والمقصود هنا: أن أحمد لما حكم بالمثل في الصناعة وجب ضمان الحلي بمثله؛ لأنّ مادته مثلية بلا نزاع.
وقد نص عَلَى أن صورته وتأليفه مثلي فوجب ضمانه عند التلف بالمثل، وعلى الوجه الأول يضمنه بقيمته، فإذا كانت أكثر من وزنه فهل يجوز ضمانه من جنسه بأكثر منه وزنًا؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنّه ربا.
وفي مسائل "البرزاطي" سئل أحمد عن صَيرفيٍّ دُفع إِلَيْهِ دينارٌ محكك لينقده فنقضه وحكه.
قال: قد أحسن، ولا شيء عليه.
قِيلَ لَهُ: فإن كسرَهُ؟
قال: يغرم ما بين قيمته صحيحًا ومكسورًا فضة. وهو اختيار أبي الخطاب، وصاحبي المغني والمحرر ومذهب الثوري وأبي حنيفة وبعض الشافعية.
والثاني: يجوز، وهو اختيار القاضي، وابن عقيل، والصحيح من مذهب الشافعي؛ لأنّ الربا إِنَّمَا يجري في المعاوضات، لا في الغرامات، فإن الغرامة استدراك ظُلامة، ولهذا يجب الأرش في الكسر لتفويت الصناعة ولا يؤخذ عنها العوض في البيع، وسلم القاضي وابن عقيل أن ما لا صناعة فيه كالنقرة إذا خالفت قيمتها النقد لم يجز ضمانها من جنسها متفاضلاً، وفرَّقا بأن الصناعة فيها مالية زائدة، فلذلك ضمنت ولا صناعة في النقرة.
وهذا الوجه يَقربُ مما ذكره صاحب المغني في ردِّ أرش العيب الحادث عند المشتري كما تقدم.
стр. 83
وعلى هذا الأصل: لو كسر الخاتم ولم يتلفه فعليه إصلاحه، كما نصَّ عليه أحمد فى الحلي.
وعلى الوجه الأول: عليه أرشه مطلقًا سواء كان من جنسه أو لا. ذكره القاضي وغيره، وهو قول مالك والشافعي، وحكي عن أبي حنيفة أنَّه إِن أخذه مكسورًا فلا أرش له؛ لأنّ الصناعة في الأموال الربوية ملغاة، وإن لم يأخذه فله القيمة من غير الجنس. ووافقه في القيمة الثوري، وهذا قريب مما ذكره القاضي في أن المُصاغ إذا حدث به عيب عد المشتري ثم ظهر فيه عَلَى عيب وأراد ردّه لا يردّ معه أرشًا، فإن ردّ الأرش لم يوجبه عقد المعاوضة، بل وجب بحصوله تحت يده الضامنة، ولهذا يضمنه عند القاضي وكثير من الأصحاب بما نقص من قيمته مطلقًا لا بجزء من الثمن.
وقد ذكر صاحب "التلخيص" في مسألة حدوث العيب أنَّه إِن شاء أمسكه وغرم قيمته للبائع سليمًا من غير جنسه، وضمانه بغير الجنس إِنَّمَا يتفرع عَلَى القول بامتناع الأرش مع الردّ، إذ جواز رد عينه مع الأرش ومع منع ضمان قيمته من جنسه زائدة عَلَى وزنه تناقص محض.
الحالة الثانية:
أن يكون الخاتم مُحرَّمًا كالذهب عَلَى الرجال فلو كسره وهو لابسه لم يضمنه، هذا المعروف من المذهب بناء عَلَى أن كسر آنية الخمر وشق ظروفه لا يوجب ضمانًا، وسواء أمكنه إفراغه بدون ذلك أو لا. هذا هو الصحيح من المذهب.
وقد جاء في كسر أواني الخمر أحاديث متعددة ليس هذا موضع ذكرها.
وقد روى الإمام أحمد في "مسائل ابنه صالح" بإسناده أن عبد الرحمن ابن عوف دخل عَلَى عمر ومعه ولد صغير وعليه قميص حرير وقلبا ذهب، فشقَّ عمر القميصَ وفك القلبين فأعطاه الغلام، فَقَالَ: اذهب به إِلَى أمك.
стр. 84
وعن سعيد بن جبير قال: قدم حذيفة من سَفَرٍ وعلى صبيانه قميصٌ من حريرٍ؛ فمزقه عَلَى الغلمان وتركه عَلَى الجواري.
وعن ابن مسعود أنَّه مرَّ به صبيان له عليهم قُمُص من حريرٍ فأخذها (فشقَّها) (*) وقال: انطلقوا إِلَى أمكم فلتلبسكم غير هذا إِن شاءت.
ومعلومٌ أن الحرير مما يمكن انتفاع الجواري به، ولكن سقطت حرمته بإلباس ما لا يجوز إلباسه له، لكن لو كان لابسه جاهلاً بتحريمه فقد ذكر إبراهيم الحربي ﵀ في كتاب "الهدايا" له في حكم آنية الخمر أنَّه لا يجوز حينئذٍ الكسر عَلَى إذن صاحبه، وفيه روايتان أشهرهما: أنَّه لا يتوقف عَلَى إذنه مطلقًا.
وذكر أبو الخطاب في "انتصاره" في مسألة زكاة الحلي أن حليَّ الرجال المباح للنساء دونه لا يكسر؛ لأنّه ينتفع به النساء فهو كثياب الحرير. وأطلق ولم يفرق بين أن يكون في حال لبسه أو غيره. وأما إِن أتلفه بالكلية، فذكر طائفة من الأصحاب في الإناء المحرم: أنَّه يضمن قيمته بدون الصياغة الممنوعة، منهم القاضي، وابن عقيل في كتاب "الغصب"، وعلَّلَهُ ابن عقيل بأن النقدين مقصودان لذاتهما ليسا تابعين للصورة المحظورة بخلاف الأوتار والعيدان في آلات اللهو فإنها تابعة للصورة المحرمة فلا يضمنها. وهذا مخالف لما ذكراه أيضاً في مسألة سرقة آنية الخمر والصُّلبان ونحوهما، فإنَّه لا يقطع بسرقتها عندهما. وعلَّلا بأنها تبع للصورة المحرمة أو للخمر، فصار حكمها حكم متبوعها، حتى صرَّح ابن عقيل في تمام هذا الكلام بأنه لو أتلفها متل رأسًا، لم يضمن لمصيرها بمنزلة الخمر. وهذا ظاهره مخالف لما ذكره في "الغصب" إلا أن يحمل عَلَى ما عدا الذهب والفضة فيكون كلامه في الغصب مخصصًا له.
стр. 85
فصل [الشفعة في شراء الخاتم]
لو كان هذا الخاتم مشتركًا بين اثنين فباع أحدهما نصيبه، فهل للآخر أخذه بالشفعة أم لا؟
فيه روايتان معروفتان أشهرهما: أن لا شفعة فيه بناءً عَلَى أن الشفعة إِنَّمَا تثبت في العقار خاصةً، بل وثبوتها في العقار مختصّ عَلَى ظاهر المذهب بما ينقسم فيه فكيف بمنقولٍ لا ينقسم، وهذا قول أكثر الفقهاء.
والرواية الثانية: فيه الشفعة. نقلها حنبل قال: قيل لأحمد: فالحيوان دابة بين رجلين أو حمار أو ما كان من نحو ذلك؟
قال: هذا كله أوكد؛ لأنّه خليط، والشريك أحق به بالثمن، وهذا لا يمكن قسمته، فإذا عرضه عَلَى شريكه وإلا باعه بعد ذلك.
وكذلك أشار إِلَيْهِ في رواية غيره، وهو قول طائفة من السَّلف، وأهل الظاهر، وهو أقوى لحديث جابر:
"قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل مال لم يقسم" (١) وهذا عامٌ. وفي كتاب "الترمذي" (٢) من رواية ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "الشفعة في كل شيء".
وهو مما تفرد بوصله أبو حمزة السكري، عن عبد العزيز بن رفيع، عن ابن أبي مليكة. وأبو حمزة من رجال الشيخين، لكن خالفه جماعة من الثقات فرووه مرسلاً بدون ذكر ابن عباس.
стр. 86
وفي بعض ألفاظه:
"قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شيء: الأرض والدار، والجارية والخادم" (١).
وفي الباب أحاديث أخر. ولأن ما لا يقبل القسمة من المنقول يتأيد ضرر الشركة فيه فتكون الشفعة فيه أولى من ثبوتها في عقار يمكن قسمته فيندفع بها الضرر.
وإلى هذا المعنى أشار أحمد في رواية حنبل كما تقدم، وهذا النص منه يفيد ثبوت الشفعة في العقار الَّذِي لا ينقسم أيضاً، وقد صرح بذلك في رواية غيره وهو اختيار ابن عقيل، فيما حُكي عنه وطائفة من محققي أصحابنا المتأخرين، وقول أبي حنيفة، ومالك في رواية، والشافعي في القديم، واختاره ابن سُريج وأصحابنا، وليس هذا موضع بسط هذه المسائل.
فصل
إذا أودعه خاتمًا فإن أمَرَهُ بوضعه فى أصبعه جاز ذلك بلا إشكال، ثم إِن عيَّن له أصبعًا فوضعه فيها فلا كلام، وإن خالف ففيه مسائل:
أحدها: قال: اجعله في الخنصر، فلبسه في البنصر فلا ضمان.
ذكره القاضي، وابن عقيل، ومن تابعهما، لأنها أحرز من الخنصر لغلظها، وأيضًا فالخنصر وقاية للبنصر فإن الخنصر طرف، والبنصر من ورائها فهو كما لو أمره بإحرازه في بيت فأحرزه في بيت وراءه، ويتخرج فيه وجهٌ آخر بالضمان من الوجه المحكي فيما إذا أمره بإحرازه في حرز معين فأحرزه فيما هو أعلى منه.
لكن إن انكسر بوضعه (في البنصر) (*) لدقته ضمن بلا خلاف؛ لأنّه متعدي بذلك.
стр. 87
الثانية: قال: اجعله في البنصر، فجعله في الخنصر ضمن.
ذكره القاضي، وابنُ عقيل؛ لأن البنصر أغلظ فهي أحرز له، فعدوله إِلَى الخنصر عدول إِلَى دون الحرز الَّذِي عينه.
ومن الأصحاب من ذكر علَّةً أخرى، وهي أن لبسه في الخنصر استعمال له، والاستعمال موجب للضمان بخلاف وضعه في البنصر فإنَّه ليس باستعمال معتاد فلا يكون النقل إِلَيْهِ إلا إحرازًا.
الثالثة: جعله في الوسطى مع تعيين غيرها ففي "الكافي" إِن أمكن إدخاله في جميعها لم يضمن لأنها أغلظ من الخنصر والبنصر فهي أحرز، وإن لم يمكن إدخاله في جميعها فجعله في بعضها ضمن لسرعة سقوطه بذلك فهو به مفرط.
وأما إِن أودعه الخاتم ولم يكن يأمره بوضعه في الأصبع فهل له وضعهُ فيها؟ لا أعلمُ لهم فيه كلامًا، وينبغي أن يقالَ: إِن لم يجد أحرز منها وضعه في أصبعه، جاز ذلك بنية الإحراز كما يجوز ركوب الدابة المودعة لمصلحة السقي ونحوه.
وإن وجد حِرزًا غير الأصبع احتمل وجهين:
أحدهما: جوازه بنية الحفظ؛ لأنّ الأصبع للخاتم أحرز وأصون، فأدنى أحوالها أن تجعل كسائر الأحراز، وأنه لو لم يجز ذلك عند الإطلاق لم يجز النقل عند تعيين الأصبع إِلَى أحرز منها؛ لأنّ الثاني يكون لبسًا مجردًا عن إذن، ولكن يمكن أن يقال: قد وجد الإذن في الإحراز في الأصبع وإنَّما خالف في عينها.
ولأنه لو لم يكن ثَم فَرْقٌ بين اللبس بنيَّة الاحتراز واللبس بنيَّة التزَيُّن والانتفاع، لكان وضع الخاتم في الوسطى موجبًا للضمان بكل حال لأنّه منهي عنه من جهة الشارع، فلما أجازه الأصحاب ولم يوجبوا به الضمان دلَّ عَلَى الفرق عندهم بين اللبس للحفظ واللبس للانتفاع.
стр. 88
والثاني: لا يجوز؛ لأنّ ذلك لبس وانتفاع بمال المُودِع، فلا يجوز بدون إذنه أو دعوى الحاجة إِلَى حفظ المال به، ولهذا علل من علل من الأصحاب منع العدول عن البنصر إِلَى الحنصر بأن الوضع في الخنصر ليس معتادًا فيمنع وإن كان القصد به الحفظ.
فصل [حكم لُقطة الخاتم الذهب والفضة]
إذا اصطاد سمكة فوجد فيها خاتمًا فهو لُقطة.
نصَّ عليه أحمد في الذهب والفضة؛ لأنَّ الخاتم مالٌ ضائغٌ من ربِّه ليس مستفاد من البحر، بخلاف ما لو وجد فيها لؤلؤة فإنها له.
نص عليه أحمد أيضاً لأنها من مُباح البحر كالسمكة نفسها.
قال الأصحاب: إلا أن تكون اللؤلؤة عليها آثار المِلك، مثل أن تكون مثقوبة، فإنها تكون لقطة؛ لأنّ اللؤلؤ المثقوب جرى عليه مِلك الناس بلا ريب، فلو وجد اللؤلؤة في جوف شاة اشتراها فهي كالخاتم إذا وجده في جوفها؛ لأنّ الشاة لم تبتلعها من معدنها المباح بخلاف السمكة.
فأما إن اشترى سمكة فوجد فيها خاتمًا أو غيره من العين أو الورق ونحو ذلك مما لا يكون في البحر، فالمذهب المعروف عند الأصحاب أنَّه لقطة.
ونص عليه أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم وغيره؛ لأنّه مالٌ ضائع لا يُعرف ربه، فهو كما لو وجده في البر.
وقد حكى ابن أبي موسى وغيره فيما إذا اشترى شاةً فوجد في بطنها ذهبًا أو فضةً روايتين:
إحداهما: أنَّه لقطة، وقال: هي أصح.
والثانية: أنَّه لربِّ الشاة البائع لها.
стр. 89
قال صاحب التلخيص وغيره: إِنَّمَا يكون للبائع إذا ادعاها لقرب العهد ويشبه هذه الرواية ما يقوله في الركاز بناءً عَلَى إحدى الروايتين أنَّه لا يملك الأرض، بل هو لمن وجده فإذا وجده مالك الأرض فادَّعاه المالك قبله، أنَّه يدفع إِلَيْهِ بغير بينة ولا صفة في أحد الوجهين. وهو الَّذِي ذكره صاحب "المغني" لأنّ يده كانت عليه بكونها عَلَى محلها.
وفي وجهٍ آخر: أنَّه لابد في ذلك من بيِّنَة أو صفة. وقد نص أحمد في "المؤجر والمستأجر" إذا اختلفا في دفن في الدار: أنَّه لمن وصفه منهما، فيخرج هاهنا وجه آخر أنَّه لا يكون للبائع حتى يصفه، وبكل حال فالسمكة ليست كالشاة في ذلك، فإنا نعلم أنها لم تبتلع الخاتم ونحوه إلا من الماء لا من ملكه بخلاف الشاة، لكن لو ادعى أنَّه صادها من بركةٍ أعدَّها للسمك في ملكه وإن ذلك وقع منه في البركة توجه أن يقال هنا: هو له مع الوصف، فإنَّه لو لم يكن ذلك حقًّا لما عرف صفته لعدم اطلاعه عَلَى ما يبتلعه في الماء غالبًا.
وإن وجد في السمكة المشتراة لؤلؤة فهي للصياد. ذكره الأصحاب لأنّه ملك السمكة ابتداءً بما فيها ولم يخرج عنه بالبيع سوى السمكة فتبقى اللؤلؤة عَلَى ملكه.
فصل [في سرقة الخاتم]
لو نزع من يد نائم خاتمًا ثم رده إِلَى يده في نومه فهو ضامن له.
ذكره أبو الخطاب في "رءوس المسائل"، وأبو الحسين في "الفروع"، وغالب الظن أن القاضي قاله قبله في "الخلاف".
وحُكي عن أبي حنيفة أنَّه إن ردَّه في ذلك النوم لم يضمن، وفي غيره يضمن.
ووجه ما قاله أبو الخطاب: أنَّه لزمه الضمان بالأخذ فلا يبرأ منه إلا بالدفع إِلَى المالك أو وكيله، ولم يوجد ذلك بل تركه بمضيعة، فإنّ النائم لا قبض له ولا حفظ.
стр. 90
وجعل أصل هذه المسألة ما إذا أخذ اللقطة ثم ردَّها إِلَى موضعها، فإنَّه يضمن بذلك، والخلاف فيها مع أبي حنيفة أيضًا، وحكم الخفِّ ينزعه من رِجلِ النائم ثم يعيده، والدرهم يأخذه من جيبه ثم يرده إِلَيْهِ حكم الخاتم.
وقد ذكر ابن عقيل في كتاب السرقة من "الفصول" أنَّه لو أعاد المسروق إِلَى مال صاحبه فخلطه خلطًا لا يتميز به ولم يعلمه وإن كان لم يعلم بالأخذ برئ بذلك وإن كان علم لم يبرأ حتى يعلمه مراعاة لتطييب قلبه وتسليمه وتسليطه عَلَى ماله كما كان.
قال: ومتى تحقق أنَّه علم بالرد برئ، مثل أن يسرق دابته ويعلم بها ثم يعيدها إِلَى اصطبله، ويعلم أنَّه علم بعودها، فهذا يقتضي أنَّه يبرأ هاهنا بالرد إِلَى يده في تلك النومة كما قال أبو حنيفة؛ لأنّه لم يكن علم بالأخذ بخلاف رده في نومة أخرى فإنَّه لا يبرأ به حتى يستقيظ ويعلم بالرد. ولم يقل ابن عقيل أنَّه لا يبرأ إلا بالرد إِلَى يده حقيقة، بل صرح بالبراءة بردِّه إِلَى ما يجري مجرى يده وهو خلطه بماله، ولا ريب أن جيبه وإصبعه ورجله تجري مجرى يده وما فيها يحكمُ بأنه له، ولكن يقال: هي في حال نومه ليست حرزًا وإن كانت حرزًا في يقظته، ولهذا ذكر القاضي وابن عقيل أن الروايتين في قطع الطرار من الكم والجيب مأخذهما هل هما حرزان أم لا؟ قال: فَإِذَا قلنا: ليسا بحرزين ضمن بتركه الوديعة فيهما ثم صح أنها حرز في اليقظة، قال: لأنّ الشارع جعل وضع رأس النائم في المسجد عَلَى ردائه حرزًا، فَجيبُ المستيقظ أبلغ.
فصل [الهبة في الخاتم]
لو وهب له خاتمًا من أحد النقدين وشرط عليه الثواب فإن كان في الثواب المشترط نقدًا من جنس الخاتم أو غير جنسه، لم يجز لإفضائه إِلَى الربا المحظور: إما ربا الفضل أو النساء أو كلاهما، وإن كان من غير النقود جاز فإنّ الهبة بشرط الثواب بيعٌ فيعتبر فيها شروطه، والله أعلم.
стр. 91
آخر ما وجد بخط المؤلف ﵀، والله أعلم.
علقه أفقر عباد الله تعالى وأحوجهم إِلَى رحمته أحمد بن أبي بكر بن دريق بن عبد الرحمن المقدسي الحنبلي، غفر الله ذنوبه، وستر عيوبه في العشر الآخر من صفر الميمون سنة إحدى وستين وثمانمائة.
بلغ مقابلة بأصله بحسب الطاقة.
***