← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 151142

نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (87 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي ﷺ لابن عباس

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ رب يسر يا كريم الحمد لله رب العالمين حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، وصلى الله عَلَى محمد النبي الأمي وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. خرج الإمام أحمد (١) من حديث حَنَشٍ الصَّنْعَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [﵁] (٢). قَالَ: "كُنْتُ رَدِيفَ (النَّبِيِّ) (*) ﷺ فَقَالَ: يَا غُلامُ -أَوْ يَا غُلَيِّمُ- أَلا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهِنَّ؟ فَقُلْتُ: بَلَى، فَقَالَ: احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَى اللهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، قَدْ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَوْ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ جَمِيعًا أَرَادُوا أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللهُ [عَلَيْكَ] (**) لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللهُ عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَاعْلَمْ أنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا". هكذا ساقه من طريق حنش مع إسنادين آخرين منقطعين، وفي السياق أنَّه لا يحفظ حديث بعضهم من بعض.

стр. 3

وخرّجه أيضاً (١) من طريق حنش وحده مختصراً، ولفظه: "يَا غُلامُ، إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا: احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، فَقَدْ رُفِعَتِ الأَقْلامُ وَجُفَّتِ الكُتُبِ، فَلَوْ جَاءَتِ الأُمَّةُ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللهُ لَكَ لَمَا اسْتَطَاعَتْ، وَلَوْ أَرَادَتْ أنْ تَضُرَّكَ بِشَيءٍ لَمْ يَكْتُبُهُ اللهُ لَكَ لَمَا اسْتَطَاعَتْ عَلَيهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا". هكذا ساقه من طريق [حنش] (٢)، وخرّجه الترمذي (٣) بنحو هذا السياق المختصر ولفظه: «إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَإِنْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ». وقال: حديث حسن صحيح. وقال الحافظ أبو عبد الله بن منده: لهذا الحديث طرق عن ابن عباس وهذا أصحها. قال: وهذا إسناد مشهور ورواته ثقات. قلت: قد رُوي هذا الحديث عن ابن عباس من رواية جماعة؛ عنه فمنهم: علي ابنه، وعطاء، وعكرمة. ومن رواية عمر (٤) مولى غفرة، وعبد الملك بن

стр. 4

عمير (١)، وابن أبي مليكة عن ابن عباس (٢). وقيل أنهما لم يسمعا منه، وفي أسانيدها جميعها مقال، وفي ألفاظها بعض الزيادة والنقص. ورُوي عن النبي ﷺ أنَّه وصى بذلك ابن عباس من حديث علي بن أبي طالب، وأبي سعيد الخدري (٣)، وسهل بن سعد، وغيرهم من الصحابة، وفي أسانيدها أيضًا مقال. وذكر العقيلي (٤) أن أسانيد الحديث كلها لينة، وبعضها أصلح من بعض. قلت: وأجود أسانيده من رواية حنش عن ابن عباس التي ذكرناها، وهو إسناد حسن لا بأس به. وقد استوفينا ذكر طرق الحديث مع الكلام عليها في كتاب "شرح الترمذي". ومقصودنا ها هنا الكلام عَلَى معنى الحديث وشرح ألفاظه، فإنَّه تضمن وصايا عظيمة وقواعد كلية من أهم أمور الدين وأجلها، حتى قال الإمام أبو الفرج [ابن الجوزي] (*) في كتابه "صيد الخاطر": تدبرت هذا الحديث فأدهشني وكدت أطيش. ثم قال: واأسفًا من الجهل بهذا الحديث، وقلة الفهم لمعناه. ...

стр. 5

فقوله ﷺ : "احفظ الله يحفظك " يعني: احفظ حدود الله وحقوقه وأوامره ونواهيه وحفظ ذلك هو الوقوف عند أوامره بالامتثال، وعند نواهيه بالاجتناب، وعند حدوده فلا تتجاوز ولا تتعدى ما أمر به إِلَى ما نهى عنه. فدخل في ذلك فعل الواجبات جميعًا وترك المحرمًات كلها، كما في حديث أبي ثعلبة المرفوع: «إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوها، وَحَرَّمَ حُرُمَاتٍ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا» (١).

стр. 6

وذلك كله يدخل في حفظ حدود الله، كما ذكره الله في قوله: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ... ﴾ [التوبة: ١١٢]. وقال تعالى: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٣٢، ٣٣]. وفسر الحفيظ ها هنا بالحافظ لأوامر الله، وفسر بالحافظ لذنوبه حتى يرجع منها، وكلاهما يدخل في الآية. ومن حفظ وصية الله لعباده وامتثلها فهو داخل أيضاً، والكل يرجع إِلَى معنى واحد. وقد ورد في بعض ألفاظ حديث يوم المزيد في الجنة: "إن الله تعالى يقول لأهل الجنة، إذا استدعاهم إِلَى زيارته وكشف لهم الحجب: مرْحَبًا بعبادي الَّذين حفظوا وصيتي، وراعوا عهدي، وخافوني بِالْغَيْبِ، وَكَانُوا مني على كل حَال مشفقين" (١).

стр. 7

فأمره ﷺ لابن عباس بحفظ الله يدخل فيه هذا كله. ومن أعظم ما يجب حفظه من المأمورات الصلوات الخمس، قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج: ٣٤]. وقال النبي ﷺ : "من حافظ عليها كان له عند الله عهدًا أن يدخله الجنة ... " (١) الحديث. وفي حديث آخر: " «مَنْ حَافَظَ عَلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٢). الحديث. وكذلك الطهارة فإنها مفتاح الصلاة، وقال النبي ﷺ : "لا يحافظ عَلَى الوضوء إلا مؤمن" (٣). فإن العبد تنتقض طهارته ولا يعلم بذلك إلا الله، فالمحافظة عَلَى الوضوء للصلاة دليل عَلَى ثبوت الإيمان في القلب. ومما أمر الله بحفظه الأيمان لمَّا ذكر كفارة اليمين قال: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] فإن الأيمان كثيرًا ما تقع من الناس وموجباتها مختلفة، فتارة يجب بها كفارة يمين وتارة يجب بها كفارة مغلظة، وتارة يلزم بها المحلوف عليه من طلاق ونحوه. فمن حفظ أيمانه دل عَلَى دخول الإيمان في قلبه. وكان السَّلف كثيرًا يحافظون عَلَى الأيمان، فمنهم من كان لا يحلف بالله ألبتة، ومنهم من كان يتورع حتى يكفر عما شك في الحنث فيه. ووصى الإمام

стр. 8

أحمد ﵀ عند موته أن تخرج عنه كفارة يمين. وقال: أظن أني حنثت في يمين حلفتها. وقد رُوي عن أيوب ﵇ أنَّه كان إذا مر باثنين يحلفان بالله ذهب فكفر عنهما بيمين، لئلا يأثمان وهما لا يشعران. ولهذا لما حلف عَلَى ضرب امرأته مائة جلدة، أفتاه الله بالرخصة لحفظه لأيمانه وأيمان غيره. وقد اختلف العُلَمَاء، هل تتعدى الرخصة لحلفه أم لا؟ وقال يزيد بن أبي حبيب: بلغني أن من حملة العرش من يسيل من عينيه أمثال الأنهار من البكاء، فإذا رفع رأسه قال: سبحانك، ما (تخشى) (*) حق خشيتك؟ فيقول الله تعالى: لكن الذين يحلفون باسمي كاذبين لا يعلمون ذلك. وقد ورد التشديد العظيم في الحلف الكاذب، ولا يصدر كثرة الحلف بالله والحلف به كاذبًا من الجهل بالله وقلة هيبته في الصدور. ومما يلزم المؤمن حفظه رأسه وبطنه، كما في حديث ابن مسعود المرفوع: "الِاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَيَحْفَظِ البَطْنَ وَمَا حَوَى" خرجه الإمام أحمد (١) والترمذي (٢). وحفظ الرأس وما وعى، يدخل فيه السمع والبصر واللسان من المحرمات. وحفظ البطن وما حوى: يتضمن حفظ القلب عن الإصرار عَلَى محرم. وقد جُمع -ذلك كله في قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]. ويدخل في حفظ البطن وما حوى: حفظه من إدخال الحرام. إِلَيْهِ من

стр. 9

المأكولات والمشروبات. ومما يجب حفظه من المنهيات: حفظ اللسان والفرج. وفي حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : "من حفظ ما بين لحييه وما بين رجليه دخل الجنة" خرجه الحاكم (١). وخرّجه البخاري (٢) من حديث سهل بن سعد عن النبي ﷺ ولفظه: "من يضمن لي ما بين لحييه ورجليه، أضمن له الجنة". وفي مسند الإمام أحمد (٣) عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: "من حفظ ما بين فقميه (٤) وفرجه دخل الجنة". وقد أمر الله بحفظ الفروح خاصة ومدح الحافظين لها، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ... ﴾ [النور: ٣٠]. وقال تعالى: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]. وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ... ﴾ [المؤمنون: ٥، ٦]. وقد رُوي عن أبي إدريس الخولاني أن أول ما وصى الله آدم عند إهباطه إِلَى الأرض بحفظ فرجه، أن لا يضعه إلا في حلال. ...

стр. 10

قوله: "يحفظك " يعني أن من حفظ حدود الله وراعى حقوقه، حفظه، فإن الجزاء من جنس العمل، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]. وقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]. وقال: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧]. وحفظ الله -تعالى- لعبده وماله. وفي حديث ابن عمر قال: لم يكن رسول الله ﷺ يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَتِي وَآمِنْ رَوْعَاتِي وَاحْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي». خرجه الإمام أحمد (١) وأبو داود (٢) والنسائي (٣) وابن ماجه (٤). وهذا الدعاء منتزع من قوله : ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ الآية [الرعد: ١١]. قال ابن عباس: هم الملائكة يحفظونه بأمر الله، فإذا جاء القدر خلوا عنه (٥).

стр. 11

وقال علي ﵁: إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يُقَدَّرْ، فإذا جاء القَدَرُ خليا بينه وبينه، وإن الأجل جنة حصينة (١). وقال مجاهد: ما من عبد إلا له ملك يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام، فما من شيء يأتيه إلا قال: وراءك، إلا شيئًا قد أذن الله فيه فيصيبه. ومن حفظ الله للعبد: أن يحفظه في صحة بدنه وقوته وعقله وماله. قال بعض السَّلف: العالم لا يحزن، وقال بعضهم: من جمع القرآن متع بعقله. وتأول ذلك بعضهم عَلَى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: ٥] وهو أرذل العمر ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التين: ٦]. وكان أبو الطيب الطبري قد جاوز المائة سنة وهر ممتع بعقله وقوته، فوثب يومًا من سفينة كان فيها إِلَى الأرض وثبة شديدة. فعوتب عَلَى ذلك، فَقَالَ: هذه جوارح حفظناها عن المعاصي في الصغر، فحفظها الله علينا في الكبر. وعكس هذا أن الجنيد رأى شيخًا يسأل الناس، فَقَالَ: إن هذا ضيع الله في صغره، فضيعه الله في كبره. وقد يحفظ الله العبد بصلاحه في ولده وولد ولده، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: ٨٢]: إنهما حفظا بصلاح أبيهما. وقال محمد بن المنكدر: إن الله ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده وقريته التي هو فيها، والدويرات التي حولها، فما يزالون في حفظ من الله وستره. وقال ابن المسيب لابنه: يا بني (لأزيدن) (*) في صلاتي من أجلك، رجاء

стр. 12

أن أحفظ فيك. وتلا هذه الآية: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: ٨٢]. وقال عمر بن عبد العزيز: ما من مؤمن يموت إلا حفظه الله في عقبه وعقب عقبه. وقال يحيى بن إسماعيل بن سلمة بن كُهيل: كان لي أخت أسنَّ مني فاختلطت وذهب عقلها وتوحشت، وكانت في غرفة في أقصى سطوحنا، فمكثت بذلك بضع عشرة سنة، فبينما أنا نائم ذات ليلة إذا باب يدق نصف الليل، فقلت: من هذا؟ قالت: كجه، فقلت: أختي؟! قالت: أختك، ففتحت الباب فدخلت ولا عهد لها بالبيت أكثر من عشر سنين. فقالت: أتيت الليلة في منامي فقيل لي: إن الله قد حفظ أباك إسماعيل لسلمة جدك، وحفظك لأبيك إسماعيل؛ فإن شئت دعوت الله فذهب ما بك، وإن شئت صبرت ولك الجنة؛ فإن أبا بكر وعمر قد شفعا فيك إِلَى الله بحب أبيك وجدك إياهما، فقلت: فإذا كان لابد من اختيار أحدهما فالصبر عَلَى ما أنا فيه والجنة، وإن الله لواسع بخلقه لا يتعاظمه شيء، إن شاء أن يجمعهما لي فعل. قالت: فقيل لي: فإن الله قد جمعهما لك ورضي عن أبيك وجدك بحبهما أبا بكر وعمر ﵄، قومي فانزلي، فأذهب الله تعالى ما كان بها. ومتى كان العبد مشتغلاً بطاعة الله فإن الله يحفظه في تلك الحال، كما في مسند الإمام أحمد (١) عن حميد بن هلال عن رجل قال: "أتيت النبي ﷺ فإذا هو يريني بيتًا فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَةً كَانَتْ فِيهِ فَخَرَجَتْ فِي سَرِيَّةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَتَرَكَتْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ عَنْزًا وَصِيصِيَتَهَا (٢)، كَانَتْ تَنْسِجُ بِهَا قَالَ: فَفَقَدَتْ عَنْزًا، مِنْ غَنَمِهَا وَصِيصِيَتَهَا فَقَالَتْ: يَا رَبِّ، إِنَّكَ قَدْ ضَمِنْتَ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِكَ أَنْ تَحْفَظَ عَلَيْهِ، وَإِنِّي قَدْ فَقَدْتُ عَنْزًا مِنْ غَنَمِي

стр. 13

وَصِيصِيَتِي، وَإِنِّي أَنْشُدُكَ عَنْزِي وَصِيصِيَتِي. قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ شِدَّةَ مُنَاشَدَتِهَا رَبِّهَا ﵎، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَأَصْبَحَتْ عَنْزُهَا وَمِثْلُهَا وَصِيصِيَتُهَا وَمِثْلُهَا، وَهَاتِيكَ [فَأْتِهَا]. قَالَ: قُلْتُ: بَلْ أُصَدِّقُكَ". وكان شيبان الراعي يرعى غنمًا في البرية، فإذا جاءت الجمعة خط عليها خطًّا وذهب إِلَى الجمعة ثم يرجع وهي كلما تركها. وكان بعض السَّلف في يده الميزان يزن بها دراهم، فسمع الأذان فنهض ونفضها عَلَى الأرض وذهب إِلَى الصلاة، فلما عاد جمعها فلم يذهب منها شيء. ومن أنواع حفظ الله لمن حفظه في دنياه: أن يحفظه من شر كل من يريده بأذى من الجن والإنس. كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] قالت عائشة ﵂: يكفيه غم الدُّنْيَا وهمها. وقال الربيع بن خثيم. يجعل له مخرجًا من كل ما ضاق عَلَى الناس. وكتبت عائشة إِلَى معاوية: إن اتقيت الله كفاك الناس، وإن اتقيت الناس لم يغنوا عنك من الله شيئًا (١). وكتب بعض الخلفاء إِلَى الحكم بن عمرو الغفاري كتابًا يأمره فيه بأمر يخالف كتاب الله، فكتب إِلَيْهِ الحكم: إني نظرت في كتاب الله فوجدته قَبلَ كتاب أمير المؤمنين، وإن السماوات والأرض لو كانتا رتقًا عَلَى امرئ فاتقى الله ، جعل الله له مخرجًا، والسلام. قال بعضهم شعرًا: بتقوى الإلهِ نجا من نجَا. . . وفازَ وصارَ إلى مَا رَجَا ومن يتقِّ اللَّهِ يجعلْ له. . . كما قالَ من أمره مَخْرَجَا

стр. 14

ويرزقه من حيث لا يحتسب. .. وإن ضاق أمرًا به فرجًا كتب بعض السَّلف إِلَى أخيه: أما بعد: فإنه من اتقى الله فقد حفظ نفسه، ومن ضيع تقواه فقد ضيع نفسه، والله الغني عنه. ومن عجيب حفظ الله تعالى لمن حفظه: أن يجعل الحيوانات المؤذية بالطبع حافظة له من الأذى وساعية في مصالحه، كما جرى لسفينة (١) مولى النبي ﷺ حيث كسر به المركب وخرج إِلَى جزيرة فرأى السبع، فَقَالَ له: يا أبا الحارث، أنا سفينة مولى النبي ﷺ فجعل يمشي حوله ويدله عَلَى الطريق حتى أوقفه عليها، ثم جعل يُهَمْهِمُ كأنه يودعه وانصرف عنه. وكان أبو إبراهيم السائح قد مرض في برية بقرب دير، فَقَالَ: لو كنت عند باب الدير لنزل الرهبان فعالجوني، فجاء السبع فاحتمله عَلَى ظهره حتى وضعه عَلَى باب الدير فرآه الرهبان فأسلموا وكانوا أربعمائة. وكان إبراهيم بن أدهم نائمًا في بستان وعنده حية في فمها طاقة نرجس، فما زالت تذب عنه حتى استيقظ. فمن حفظ الله حفظه من الحيوانات المؤذية بالطبع، وجعل تلك الحيوانات حافظة له. ومن ضيع الله ضيعه الله بين خلقه، حتى يدخل عليه الضرر بشيء ممن كان يرجو أن ينفعه، ويصير أخص أهله به وأرفقهم به يؤذيه. كما قال بعضهم: إني لأعصى الله فأعرف ذلك في خلق خادمي وحماري. يعني: أن خادمه يسوء خلقه عليه ولا يطيعه، وحماره يستعصي عليه فلا يواتيه لركربه. فالخير كله مجموع في طاعة الله والإقبال عليه، والشر كله مجموع في معصيته والإعراض عنه.

стр. 15

قال بعض العارفين: من فارق سُدَّة سيده لم يجد لقدميه قرارًا أبدًا. وقال بعضهم شعرًا: والله ما جئتكم زائرًا ... إلا وجدت الأرض تطوى لي ولا ثنيت العزم عن بابكم ... إلا تعثرت بأذيالي بالله فاعفوا واصفحوا واجبروا ... كسري فحالي بكم حالي النوع الثاني من الحفظ: وهو أشرفها وأفضلها، حفظ الله تعالى لعبده في دينه، فيحفظ عليه دينه وإيمانه في حياته من الشبهات المردية والبدع المضلة، والشهوات المحرمة، ويحفظ عليه دينه عند موته، فيتوفاه عَلَى الإسلام. قال الحكم بن أبان عن أبي مكي: إذا حضر الرجل الموت يقال للملك: شم رأسه، قال: أجد في رأسه القرآن. قال: شم قلبه. قال: أجد في قلبه الصيام، قال: شم قدميه. قال: أجد في قدميه القيام. قال: حفظ نفسه فحفظه الله . خرجه ابن أبي الدُّنْيَا. وقد ثبت في "الصحيحين" (١) في حديث البراء بن عازب أن النبي ﷺ علَّمه أن يقول عند منامه: "اللهم إن قبضت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين". وفي حديث عمر عن النَّبِيَّ ﷺ "أَنَّهُ عَلَّمَهُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ احْفَظْنِي بِالْإِسْلَامِ قَائِمًا، وَاحْفَظْنِي بِالْإِسْلَامِ قَاعِدًا، وَاحْفَظْنِي بِالْإِسْلَامِ رَاقِدًا، فَلاَ تُطِعْ فِيَّ

стр. 16

عدوًا ولا حاسدًا، خرجه ابن حبان في "صحيحه" (١). وكان النبي ﷺ إذا وَدَّعَ من يريد السفر يقول له. "أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك" (٢). وفي رواية، وكان يقول: "إن الله إذا استودع شيئًا حفظه" خرجه النسائي (٣) وغيره (٤). وخرج الطبراني (٥) حديثًا مرفوعًا: "إن العبد إذا صلّى الصلاة عَلَى وجهها صعدت إِلَى الله ولها برهان كبرهان الشمس وتقول لصاحبها: حفظك الله كما حفظتني، وإذا ضيَّعها لفت كما يلف الثوبُ الخَلِقُ ثم يضرب بها وجه صاحبها وتقول: ضيعك الله كما ضيعتني". وكان عمر ﵁ يقول في خطبته: اللهم اعصمنا بحفظك وثبتنا عَلَى

стр. 17

أمرك. ودعا رجل لبعض السَّلف بأن يحفظه الله فَقَالَ: يا أخي، لا تسأل عن حفظه، ولكن قل يحفظ الإيمان. يعني: أن المهم هو الدعاء بحفظ الدين، فإن الحفظ الدنيوي قد يشترك فيه البر والفاجر، فالله يحفظ عَلَى المؤمن دينه ويحول بينه وبين ما يفسده عليه بأسباب قد لا يشعر العبد ببعضها وقد يكون يكرهه. وهذا كما حفظ يوسف ﵇ قال: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤] فمن أخلص لله خلصه الله من السوء والفحشاء وعصمه منها من حيث لا يشعر، وحال بينه وبين أسباب المعاصي المهلكة. كما رأى معروف الكرخي شبابًا يتهافتون في الخروج إِلَى القتال في فتنة، فَقَالَ: اللهم احفظهم، فقِيلَ لَهُ: تدعو لهؤلاء؟ فَقَالَ: إن حفظهم لم يخرجوا إِلَى القتال. وسمع عمر ﵁ رجلاً يقول: اللهم إنك تحول بين المرء وقلبه، فَحُلْ بيني وبين معاصيك. فأعجب ذلك عمر ودعا له بخير (١). ورُوي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]، قال: يحول بين المؤمن وبين المعصية التي تجره إِلَى النار (٢). حج بعضُ المتقدمين فبات بمكة مع قوم فهمَّ بمعصية، فسمع هاتفًا يهتف يقول: ويلك، ألم تحج؟ فعصمه الله مما هم به.

стр. 18

وخرج بعضهم مع رفقة إِلَى معصية، فلما همَّ بمواقعتها هتف به هاتف: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] فتركها. ودخل رجل غيضة ذات شجر فَقَالَ: لو خلوت ها هنا بمعصية من كان يراني؟ فسمع صوتًا ملأ ما بين حافتي الغيضة: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]. وهمَّ رجل بمعصية فخرج إليها فمرَّ في طريقه بقاصٍّ يقص عَلَى الناس، فوقف عَلَى حلقته فسمعه يقول: أيها الهامُّ بالمعصية، أما علمت أن خالق الهمة مطلع عَلَى همَّتك؟ فوقع مغشيًا عليه فما أفاق إلا من توبة. كان بعض الملوك الصالحين قد تعلق قلبه بمملوك له جميل فخشي عَلَى نفسه؛ فقام ليلة واستغاث الله، فمرض المملوك من ليلته ومات بعد ثلاث. ومنهم من عُصِمَ بموعظة جرت عَلَى لسان من أراد منه الموافقة عَلَى المعصية، كما جرى لأحد الثلاثة الذين دخلوا الغار وانطبقت عليهم الصخرة، فإنَّه لما جلس من تلك المرأة مجلس الرجل من امرأته، قالت له: يا عبد الله. اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه فقام عنها (١). وكذلك الكفل من بني إسرائيل، كان لا يتورع عن معصية، فأعجبته امرأة فأعطاها ستين دينارًا، فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته ارتعدت، فَقَالَ: أكرهتك؟ قالت: لا، ولكن عمل ما عملته قط، وإنَّما حملني عليه الحاجة. فَقَالَ: تخافين الله ولا أخافه! ثم قام عنها ووهب لها الدنانير وقال: والله لا يعصي الله الكفلُ أبدًا. ومات من ليلته فأصجع مكتوبًا عَلَى بابه، قد غفر الله للكفل. خرج الإمام أحمد (٢) والترمذي (٣) حديثه هذا من حديث ابن عمر مرفوعًا.

стр. 19

وراود رجل امرأة عن نفسها وأمرها بغلق الأبواب ففعلت، وقالت له: قد بقي باب واحد، قال: وأي باب هو؟ قالت: الباب الَّذِي بيننا وبين الله فلم (يعرض) (*) لها. وراود رجل أعرابية، قال لها: ما يرانا إلا الكواكب، قالت: فأين مكوكبها؟! وهذا كله من ألطاف الله وحيلولته بين العبد ومعصيته. قال الحسن -وذكر أهل المعاصي-: هانوا عليه فعصوه، ولو عزوا عليه لعصمهم. وقال بشر: ما أصر عَلَى معصية الله كريم، ولا آثر الدُّنْيَا عَلَى الآخرة حكيم. ومن أنواع حفظ الله لعبده في دينه: أن العبد قد يسعى في سبب من أسباب الدُّنْيَا، إما الولايات أو التجارات أو غير ذلك، فيحول الله بينه وبين ما أراده لما يعلم له من الخيرة في ذلك وهو لا يشعر مع كراهته لذلك. قال ابن مسعود: إن العبد ليهم بالأمر من التجاوة والإمارة حتى ييسر له، فينظر الله إليه فيقول للملائكة: اصرفوه عنه، فإني إن يسَّرته له أدخلته النار. فيصرفه الله عنه، فيظل يتطير، يقول: سبقني فلان، دهاني فلان، وما هو إلا فضل الله .

стр. 20

وأعجب من هذا أن العبد قد يطلب بابًا من أبواب الطاعات، ولا يكون فيه خيرة، فيحول الله بينه وبينه صيانة له وهو لا يشعر. وخرج الطبراني (١) وغيره (٢) حديث أنس مرفوعًا. "يقول الله إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُ إِيمَانَهُ إِلَّا الْفَقْرُ، وَإِنْ بَسَطْتُ عَلَيْهِ أَفْسَدَهُ ذَلِكَ, وَإِنَّ

стр. 21

مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُ إِيمَانَهُ إِلَّا الْغِنَى، وَلَوْ أَفْقَرْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُ إِيمَانَهُ إِلَّا الصِّحَّةُ، وَلَوْ أَسْقَمْتُهُ لَأَفْسَدُهُ ذَلِكَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُ إِيمَانَهُ إِلَّا السَّقَمُ وَلَوْ أَصْحَحْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ, وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ يَطْلُبُ بَابًا مِنَ الْعِبَادَةِ فَأَكُفُّهُ عَنْهُ لِكَيْ لَا يَدْخُلَهُ الْعُجْبُ، إِنِّي أُدَبِّرُ عِبَادِي بِعِلْمِي بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ إِنِّي عَلِيمٌ خَبِيرٌ". كان بعض المتقدمين يكثر سؤال الشهادة، فهتف به هاتف: إنك إن غزوت أسرت وإن أسرت تنصرت. فكف عن سؤاله. وفي الجملة: فمن حفظ حدود الله وراعى حقوقه، تولى الله حفظه في أمور دينه ودنياه، وفي دنياه وآخرته. وقد أخبر الله تعالى في كتابه أنَّه وليُّ المؤمنين، وأنه يتولى الصالحين، وذلك يتضمن أنَّه يتولى مصالحهم في الدُّنْيَا والآخرة، ولا يكلهم إِلَى غيره، قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]. وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١]. وقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]. وقال: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]. فمن قام بحقوق الله عليه فإن الله يتكفل له بالقيام بجميع مصالحه في الدُّنْيَا والآخرة؛ فمن أراد أن يتولى الله حفظه ورعايته في أموره كلها فليراع حقوق الله عليه، ومن أراد ألا يصبيه شيء مما يكره فلا يأت شيئًا مما يكرهه الله منه. كان بعض السَّلف يدور عَلَى المجالس ويقول: من أَحَبّ أن تدوم له العافية فليتق الله. وقال العمري الزاهد لمن طلب منه الوصية: كما تحب أن يكون الله لك،

стр. 22

فهكذا كن لله وقال صالح بن عبد الكريم يقول الله "وعزتي وجلالي لا أطلع عَلَى قلب عبد أعلم أن الغالب عليه حب التمسك بطاعتي، إلا توليت سياسته وتقويمه". وفي بعض الكتب المتقدمة: يقول الله "يا ابن آدم، ألا تعلمني ما يضحكك؟! يا ابن آدم، اتقني ونم حيث شئت". والمعنى: أنك إذا قمت بما عليك لله من حقوق التقوى فلا تهتم بعد ذلك بمصالحك، فإن الله هو أعلم بها منك، وهو يوصلها إليك عَلَى أتم الوجوه من غير اهتمام منك بها. وفي حديث جابر عن النبي ﷺ "مَنْ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَتَهُ عِنْدَ اللَّهِ، فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ مَنْزِلَةِ اللَّهِ عَنْهُ، فَإِنَّ اللَّهَ يُنْزِلُ الْعَبْدَ مِنْهُ، حَيْثُ أَنْزَلَهُ مِنْ نَفْسِهِ» (١). فهذا يدل عَلَى أنَّه على قدر اهتمام العبد بحقوق الله وبأداء حقوقه ومراعاة حقوقه ومراعاة حدوده، واعتنائه بذلك وحفظه له يكون اعتناؤه به وحفظه له، فمن كان غاية همه رضا الله عنه وطلب قربه ومعرفته ومحبته وخدمته، فإن الله يكون له عَلَى حسب ذلك كما قال تعالى ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] بل هو سبحانه أكرم الأكرمين، فهو يجازي بالحسنة عشرًا ويزيد، ومن تقرَّب منه شبرًا تقرب منه ذراعًا. ومن تقرب منه ذراعًا تقرب منه باعًا، ومن أتاه يمشي أتاه هرولة. فما يؤتى الإنسان إلا من قِبل نفسه ولا يصيبه المكروه إلا من تفريطه في حق

стр. 23

ربه . كما -قال علي ﵁: لا يرجوَنَّ عبد إلا ربه، ولا يخافنَّ إلا ذنبه. وقال بعضهم: من صَفَّى صُفِّي له، ومن خلَّطَ خُلِّطَ عليه. وقال مسروق: من راقب الله في خطرات قلبه، عصمه الله في حركات جوارحه. وبسط هذا المعنى يطول جدًّا، وفيما أشرنا إِلَيْهِ كفاية، ولله الحمد. ***

стр. 24

وقوله ﷺ : "احفظ الله تجده أمامك" وفي رواية أخرى: "تجاهك " معناه أن من حفظ حدود الله وراعى حقوقه، وجد الله معه في جميع الأحوال، يحوطه وينصره ويحفظه ويوفقه ويؤيده ويسدده، فإنَّه قائم عَلَى كل نفس بما كسبت، وهو تعالى مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. قال قتادة: ومن يتق الله يكن معه، ومن يكن الله معه فمعه الفئة التي لا تغلب، والحارس الَّذِي لا ينام، والهادي الَّذِي لا يضل. كتب بعض السَّلف إِلَى أخ له أما بعد؛ فإن كان الله معك فمن تخاف؟ وإن كان عليك فمن ترجو؟ والسلام. وهذه المعية الخاصة بالمتقين، غير المعية العامة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] وقوله: ﴿وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨] فإن المعية الخاصة تقتضي النصر والتأييد والحفظ والإعانة، كما قال تعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]. وقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]. وكان ﷺ قد قال لأبي بكر الصديق ﵁ في تلك الحال: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ " (١). فهذا غير المعنى المذكور في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ ... ﴾ الآية [المجادلة: ٧]. فإن ذلك عام لكل جماعة، ومن هذا المعنى الخاص الحديث الإلهي وقوله فيه:

стр. 25

"وَلاَ يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا" (١). إِلَى غير ذلك من نصوص الكتاب والسنة الدالة عَلَى قرب الرب سبحانه ممن أطاعه واتقاه، وحفظ حدوده وراعاه. ودخل بُنان الحمال البرية عَلَى طريق تبوك فاستوحش، فهتف به هاتف: لم تستوحش، أليس حبيبك معك؟ فمن حفظ الله وراعى حقوقه وجده أمامه وتجاهه عَلَى كل حال، فاستأنس به واستغن به عن خلقه. وفي الحديث: "أفضل الإيمان أن يعلم العبد أن الله معه حيث كان" خرجه الطبراني (٢) وغيره (٣). وبسط هذا القول يطول جدًّا. كان بعض العُلَمَاء البربانيين كثير السفر عَلَى التجريد وحده، فخرج الناس مرة معه يودعونه فردهم، وأنشد: إِذَا نَحْنُ أَدْلَجْنَا وَأَنْتَ أَمَامَنَا ... كَفَى لِمَطَايَانَا بِذِكْرِكَ هَادِيًا وكان الشبلي ينشد هذا البيت، وربما قطع مجلسه عليه. ...

стр. 26

قوله ﷺ : "تعرف إِلَى الله في الرخاء، يعرفك في الشدة " المعنى: أن العبد إذا اتقى الله وحفظ حدوده وراعى حقوقه في حال رخائه وصحته، فقد تعرف بذلك إِلَى الله وكان بينه وبينه معرفة، فعرفه ربه في الشدة وعرف له عمله في الرخاء، فنجاه من الشدائد بتلك المعرفة. وهذه أيضاً معرفة خاصة تقتضي القرب من الله ، ومحبته لعبده، وإجابته لدعائه، وليس المراد بها المعرفة العامة فإن الله لا يخفى عليه حال أحد من خلقه، كما قال تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] وقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦]. وهذا التعرف الخاص هو المشار إِلَيْهِ في الحديث الإلهي. "وَلاَ يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ -إلى أن قال-: وَلَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ" (١). اجتمع الفضيل بشعوانة العابدة فسألها الدعاء، فقالت: يا فضيل، وما بينك وبينه؟ ما إن دعوته أجابك: فشهق الفضيل شهقة خرَّ مغشيًّا عليه. وقال أبو جعفر السائح: أتى الحسن إِلَى حبيب أبي محمد هاربًا من الحَجَّاج، فَقَالَ: يا أبا محمد احفظني من الشرط، هم عَلَى إثري. فَقَالَ: استحييت لك يا أبا سعيد، أليس بينك وبينه من الثقة ما تدعوه فيسترك من هؤلاء؟! ادخل البيت فدخل الشرط عَلَى إثره فلم يروه.

стр. 27

فذكروا ذلك للحجاج فَقَالَ: بل كان في بيته إلا أن الله طمس أعينهم فلم يروه. ومتى حصل هذا التعرف الخاص للعبد حصل للعبد معرفة خاصة بربه توجب له الأنس به والحياء منه، وهذه معرفة خاصة غير معرفة المؤمنين العامة. ومدار العارفين كلهم عَلَى هذه المعرفة وهذا التعرف، وإشاراتهم تومئ إِلَى هذا. سمع أبو سليمان رجلاً يقول: سهرت البارحة في ذكر النساء، فَقَالَ: ويحك، أما تستحي منه، يراك ساهرًا في ذكر غيره؟! ولكن كيف تستحي ممن لا تعرف؟!. وقال أحمد بن عاصم الأنطاكي: أَحَبّ ألا أموت حتى أعرف مولاي. وليس معرفته الإقرار به ولكن المعرفة الَّذِي إذا عرفته استحييت منه. وهذه المعرفة الخاصة والتعرف الخاص [توجب] طمأنينة العبد بربه وثقته به في إنجائه من كل شدة وكرب وتوجب استجابة الرب دعاء عبده. لما اختفى الحسن البصري من الحجاج قِيلَ لَهُ: لو خرجت من البصرة فإنا نخاف أن يدل عليك، فبكى ثم قال: أخرج من مصري وأهلي وإخواني؟ إن معرفتي بربي وبنعمته عليّ [تدلني] عَلَى أنَّه سينجيي ويخصلني منه إن شاء الله تعالى؟ فما ضرَّه الحجاج بشيء، ولقد كان يكرمه بعد ذلك إكرامًا شديدًا ويحسن ذكره. وقال رجل لمعروف: ما الَّذِي هيجك عَلَى الانقطاع والعبادة [و] [*] ذكر الموت والبرزخ والجنة والنار؟ فَقَالَ معروف: أى شيء هذا، إن مَلِكًا هذا كله بيده، إن كانت بينك وبينه معرفة كفاك جميع هذا. ومما يبين هذا ويوضحه الحديث الذي خرجه "الترمذي" (١) من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ .

стр. 28

من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد، فليكثر الدعاء في الرخاء". وخرج ابن أبي الدُّنْيَا (١) وابن أبي حاتم (٢) وابن جرير (٣) وغيرهم من حديث يزيد الرقاشي عن أنس يرفعه: «أَنَّ يُونُسَ ﵇ لَمَّا دَعَا فِي بَطْنِ الْحُوتِ، قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبِّ، هَذَا صَوْتٌ مَعْرُوفٌ مِنْ بِلَادٍ غَرِيبَةٍ فَقَالَ اللَّهُ: أَمَا تَعْرِفُونَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: عَبْدِي يُونُسُ قَالُوا: عَبْدُكَ يُونُسُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ يُرْفَعُ لَهُ عَمَلٌ مُتَقَبَّلٌ وَدَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالُوا: يَا رَبِّ، أَفَلَا تَرْحَمُ مَا كَانَ يَصْنَعُ فِي الرَّخَاءِ فَتُنْجِيَهِ مِنَ الْبَلَاءِ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَأَمَرَ اللَّهُ الْحُوتَ فَطَرَحَهُ بِالْعَرَاءِ». قال الضحاك بن قيس: اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة، إن يونس ﵇ كان يذكر الله، فلما وقع في بطن الحوت قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٣، ١٤٤]. وإن فرعون كان طاغيًا ناسيًا لذكر الله، فلما أدركه الغرق قال: آمنت، فَقَالَ الله تعالى: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١]. وقال رشدين بن سعد: قال رجل لأبي الدرداء أوصني، فَقَالَ: اذكر الله في السراء يذكرك في الضراء. وقال سلمان الفارسي: إذا كان الرجل دعّاءً في السراء ونزلت به ضراء فدعا الله ، فقالت الملائكة. صوت معروف ... فشفعوا له، وإذا كان ليس بدعّاءٍ في السراء فنزلت به ضراء، فدعا الله قالت

стр. 29

الملائكة: صوت ليس بمعروف، فلا يشفعون له. وحديث الثلاثة الذين دخلوا الغار (١) (وأطبقت) (*) عليهم الصخرة يشهد لهذا أيضًا؛ فإنهم فُرِّجَ عنهم بدعائهم لله بما كان سبق منهم من الأعمال الصالحة الخالصة في حال الرخاء: من بر الوالدين، وترك الفجور، وأداء الأمانة الخفية. فإذا علم أن التعرف إِلَى الله في الرخاء يوجب معرفة الله لعبده في الشدة، فلا شدة يلقاها المؤمن في الدُّنْيَا أعظم من شدة الموت، وهي أهون مما بعدها إن لم يكن مصير العبد إِلَى خير، وإن كان مصيره إِلَى خير، فهي آخر شدة يلقاها. فالواجب عَلَى العبد الاستعداد للموت قبل نزوله بالأعمال الصالحة والمبادرة إِلَى ذلك، فإنَّه لا يدري المرء متى تنزل به هذه الشدة من ليل أو نهار. وذكر الأعمال الصالحة عند الموت مما يحسن ظن المؤمن بربه، ويهون عليه شدة الموت ويقوي رجاءه. قال بعضهم: كانوا يستحبون أن يكون للمرء خبيئة من عمل صالح، ليكون أهون عليه عند نزول الموت أو كما قال. وكانوا يستحبون أن يموت (الرجل) (**) عقب طاعة عملها من حج أو جهاد أو صيام. وقال النخعي: كانوا يستحبون أن يلقنوا العبد محاسن عمله عند موته لكي يحسن ظنه بربه. قال أبو عبد الرحمن السُّلمى في مرضه: كيف لا أرجو ربي وقد صمت له ثمانين رمضان؟!. ولما احتُضِر أبو بكر بن عياش وبكوا عليه قال: لا تبكوا، فإني ختمت

стр. 30

القرآن في هذه الزاوية ثلاث عشرة ألف ختمة. ورُوي عنه أنَّه قال لابنه: أترى أن الله يضيع لأبيك أربعين سنة يختم القرآن كل ليلة؟. وقال بعض السَّلف لابنه عند موته ورآه يبكي: لا تبك فما أتى أبوك فاحشة قط. وختم آدم بن أبي إياس القرآن وهو مسجى للموت ثم قال: بحبي لك إلا رفقت بي في هذا المصرع، كنت أؤملك لهذا اليوم، كنت أرجوك، لا إله إلا الله. ثم قضى ﵀. وكان عبد الصمد الزاهد يقول عند موته: سيدي، لذه الساعة خبأتك، ولهذا اليوم اقتنيتك حقق حسن ظني بك. وقال ابن عقيل عند موته وقد بكى النسوة: قد وَقَّعْتُ عنه خمسين سنة، فدعوني أتهنأ بلقائه. ولما هجم القرامطة عَلَى الحُجَّاج وقتلوهم في الطواف، وكان علي بن باكويه الصوفي يطوف فلم يقطع (الطواف) (*) والسيوف تأخذه حتى وقع، فأنشد: ترى المحبين صرعى في ديارهم ... كفتيةِ الكهف لا يدرون كم لبِثُوا تالله لو حلف الأحباب أنهم ... موتى من البين يوم البين ما حنثوا فمن أطاع الله واتقاه وحفظ حدوده في حياته تولاه الله عند وفاته، وتوفاه عَلَى الإيمان، وثبته بالقول الثابت في القبر عند سؤال الملكين، ودفع عنه عذاب القبر، وآنس وحشته في تلك الوحدة والظلمة. قال بعض السَّلف: إذا كان الله معك عند دخول القبر، فلا بأس عليك ولا وحشة. ورؤي بعض العُلَمَاء الصالحين في النوم بعد موته، فسئل عن حاله فَقَالَ:

стр. 31

يؤنسني ربي . فمن كان الله أنيسه في خلواته في الدُّنْيَا، فإنَّه يرجى أن يكون أنيسه في ظلمات اللحود إذا فارق الدُّنْيَا وتخلى عنها، وفي هذا المعنى يقول بعضهم: فيا رب كن لي مؤنسًا يوم وحشتي ... فإني (بما) (*) أنزلته لمصدق وما ضرني أني إِلَى الله صائر ... ومن هو من أهلي أبر وأرفق وكذلك أهوال القيامة وأفزاعها وشدائدها، إذا تولى الله عبده المطيع له في الدُّنْيَا، أنجاه من ذلك كله. قال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] قال: من الكرب عند الموت ومن أفزاع يوم القيامة. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس [﵄] في هذه الآية: ننجيه من كل كرب في الدُّنْيَا والآخرة (١). وقال زيد بن أسلم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [الأحقاف: ١٣] قال: يُبَشَّر في ذلك عند موته، وفي قبره ويوم يبعث، فإنَّه لفي الجنة وما ذهبت فرحة البشارة من قلبه. وقال ثابت البناني في هذه الآية: بلغنا أن المؤمن حيث يبعثه الله من قبره يتلقاه ملكاه اللذان كانا معه في الدُّنْيَا فيقولان له: لا تخف ولا تحزن، فيؤمِّن الله خوفه ويقر الله عينه، فما من عظيمة تغشى الناس يوم القيامة إلا وهي للمؤمن قرة عين، لما هداه الله ولما كان يعمل في الدُّنْيَا. خرج ذلك كله ابن أبي حاتم وغيره. وأما من لم يتعرف إِلَى الله في الرخاء، فليس له من يعرفه في الشدة لا في الدُّنْيَا ولا في الآخرة. وشواهد هذا مشاهدة حالهم في الدُّنْيَا، وحالهم في الآخرة أشد، وما لهم من ولي ولا نصير.

стр. 32

وقوله ﷺ : "إذا سألت فاسأل الله " أمر بإفراد الله بالسؤال ونهي في سؤال غيره من الخلق، وقد أمر الله تعالى بسؤاله، فَقَالَ: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]. وفي "الترمذي" (١) عن ابن مسعود مرفوعًا: "سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يُسأل". وفيه (٢) عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "من لا يسأل الله يغضب عليه". وفيه أيضاً (٣): "إن الله يحب الملحين في الدعاء".

стр. 33

وفي حديث آخر: "ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع" (١). وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة، وفي النهي عن سؤال الخلق أحاديث كثيرة صحيحة. وفي حديث (ابن مسعود) (*) مرفوعًا:

стр. 34

"لا يزال العبد يسأل. وهو غني حتى يخلق وجهه فما يكون له عند الله وجه" (١) وقد بايع النبي ﷺ جماعة من أصحابه عَلَى أن لا يسألوا الناس شيئًا (٢)، منهم: أبو بكر الصديق، وأبو ذر، وثوبان، وكان أحدهم يسقط سوطه أو خطام ناقته فلا يسأل أحدًا أن يناوله. واعلم أن سؤال الله تعالى دون خلقه هو المتعين عقلا وشرعًا وذلك من وجوه متعددة منها: أن السؤال فيه بذل لماء الوجه وذلة للسائل، وذلك لا يصلح إلا لله وحده، فلا يصلح الذل إلا له بالعبادة والمسألة، وذلك من علامات المحبة الصادقة. سئل يوسف بن الحسين ما بال المحبين يتلذذون بذلهم في المحبة؟ فأنشد: ذل الفتى في الحب مكرمة ... وخضوعه لحبيبه شرف وهذا الذل وهذه المحبة لا تصلح إلا لله وحده وهذا هو حقيقة العبادة التي يختص بها الإله الحق. كان الإمام أحمد ﵀ يقول في دعائه: اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك (فصنه) (*) عن المسألة لغيرك. وقال أبو الخير الأقطع: كنت بمكة سنة فأصابتني فاقة وضر، فكنت كلما

стр. 35

أردت أن أخرج إِلَى المسألة هتف بي هاتف يقول: الوجه الَّذِي يسجد لي تبذله لغيري؟ وفي هذا المعنى يقول بعضهم: ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله ... بدلاً وإن نال الغنى بسؤال وإذا السؤال مع النوال وزنته ... رجح السؤال وخف كل نوال فإذا ابتليت ببذل وجهك سائلاً ... فابذله للمتكرم المفضال ولهذا المعنى كان عقوبة من أكثر المسألة بغير حاجة أن يأتي يوم القيامة وليس عَلَى وجهه مزعة لحم، كما ثبت ذلك في "الصحيحين" (١) لأنّه أذهب عز وجهه وصيانته وماءه في الدُّنْيَا، فأذهب الله من وجهه في الآخرة جماله وبهاءه الحسي فيصير عظمًا بغير لحم ويذهب جماله وبهاؤه المعنوي، فلا يبقى له عند الله وجاهة. ومنها أن في سؤال الله عبودية عظيمة؛ لأنها إظهار للافتقار إِلَيْهِ، واعتراف بقدرته عَلَى قضاء الحوائج، وفي سؤال المخلوق ظلم؛ لأنّ المخلوق عاجز عن جلب النفع لنفسه ودفع الضر عنها، فكيف يقدر عَلَى ذلك لغيره؟ وسؤاله إقامة له مقام من يقدر وليس هو بقادر. ويشهد لهذا المعنى الحديث الَّذِي في "صحيح مسلم" (٢) عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ . «يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي، إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا (غمس) (*) فِي الْبَحْرَ». وفى الترمذي (٣) وغيره زيادة في هذا الحديث وهي:

стр. 36

"ذَلِكَ بِأَنِّي جَوَادٌ وَاجِدٌ مَاجِدٌ أَفْعَلُ مَا أُرِيدَ, عَطَائِي كَلَامٌ، وَعَذَابِي كَلَامٌ, إِذَا أَرَدْتُ شَيْئًا فَأِنَّمَا أَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ". فكيف يسأل الفقير العاجز ويترك الغني القادر؟ إن هذا لأعجب العجب! قال بعض السَّلف: إني لأستحي من الله أن أسأله الدُّنْيَا وهو (يملكها) (*) فكيف أسألها من لا يملكها؟! يعني: المخلوق. وحصل لبعض السَّلف ضيق في معيشته حتى هم أن يطلب من بعض إخوانه، فرأى في منامه قائلا يقول: أيحسن بالحرِّ المريد إذا وجد عند الله ما يريد أن يميل بقلبه إِلَى العبيد فاستيقظ وهو من أغنى الناس قلبًا. وقال بعض السَّلف: قرأت في بعض الكتب المنزلة: "يقول الله : (أَيُؤَمَّلُ) (**) غَيْرِي لِلشَّدَائِدِ؟! وَالشَّدَائِدُ بِيَدِي وَأَنَا الْحَيُّ الْقَيُّومُ, وَيُرْجَى غَيْرِي وَيُطْرَقُ بَابُهُ بِالْبُكْرَاتِ؟! وَبِيَدِي مَفَاتِيحُ الْخَزَائِنِ، وَبَابِي مَفْتُوحٌ لِمَنْ دَعَانِي, مَنْ ذَا الَّذِي أَمَّلَنِي لِنَائِبَةٍ فَقَطَعْتُ بِهِ أَوْ مَنْ ذَا الَّذِي رَجَانِي لِعِظَمٍ فَقَطَعْتُ رَجَاءِهِ, وَمَنْ ذَا الَّذِي طَرَقَ بَابِي فَلَمْ أَفْتَحْهُ لَهُ؟ أَنَا غَايَةُ الْآمَالِ، فَكَيْفَ تَنْقَطِعُ الْآمَالُ دُونِي؟! أَبَخِيلٌ أَنَا؟ فَيُبَخِّلُنِي عَبْدِي! أَلَيْسَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ وَالْكَرْمُ وَالْفَضْلُ كُلُّهُ لِي؟! فَمَا يَمْنَعُ الْمُؤَمِّلِينَ أَنْ يُؤَمِّلُونِي, لَوْ جَمَعْتُ أَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ أَعْطَيْتُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا أَعْطَيْتُ الْجَمِيعَ وَبَلَّغْتُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَمَلَهُ، لَمْ يَنْقُصْ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي عُضْوَ ذَرَّةٍ.

стр. 37

وكيف ينقص ملك أنا قيِّمه؟؟ فيا بؤسًا للقانطين من رحمتي، ويا بؤسا لمن عصاني وتوثّب عَلَى محارمي". ومنها: أن الله يحب أن يسأل، ويغضب عَلَى من لا يسأله فإنَّه يريد من عباده أن يرغبوا إِلَيْهِ ويسألوه ويدعوه ويفتقروا إِلَيْهِ، ويحب الملحين في الدعاء. والمخلوق غالبًا يكره أن يُسأل لفقره وعجزه. قال ابن السَّمَّاك: لا تسأل من يفر منك من أن تسأله، واسأل من أمرك أن تسأله. وقال أبو العتاهية: الله يَغضبُ إنْ تَرَكتَ سُؤالهُ ... وبُنيَّ آدَمَ حِينَ يُسألُ يَغضبُ فاجعل سؤالك للإله فإنما ... في فضل نعمة ربنا نتقلب كان يحيى بن معاذ يقول: يا من يغضب عَلَى من لا يسأله لا تمنع من قد سألك. وأنشد بعض الأعراب: أيا مالك لا تسأل الناس والتمس ... يكفيك فضل الله فالله أوسع ولو يسأل الناس التراب لأوشكوا ... إذا قيل هاتوا أن يملوا ويمنعوا ومنها: "أن الله -تعالى- يستدعي من عباده سؤاله، وينادي كل ليلة: هل من سائل فأعطيه سؤاله؟ هل من داع فأستجيب له؟ " (١). وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]. فأي وقت دعاه العبد وجده سميعًا قريبًا مجيبًا ليس بينه وبينه حجاب ولا بواب، وأما المخلوق فإنَّه يمتنع بالحجاب والأبواب، ويعسر الوصول إِلَيْهِ في أغلب الأوقات.

стр. 38

قال طاوس لعطاء: إياك أن تطلب حوائجك إِلَى من أغلق دونك بابه ويجعل دونها حجابه، وعليك بمن بابه مفتوح إِلَى يوم القيامة، أمرك أن تسأله ووعدك أن يجيبك. وقال وهب بن منبه لبعض العُلَمَاء: ألم أخبر أنك تأتي الملوك وأبناء الملوك تحمل إليهم علمك؟! ويحك تآتي من يغلق عليك بابه، ويظهر لك فقره ويواري عنك غناه! وتَدَعُ من يفتح لك بابه بنصف الليل وبنصف النهار ويظهر لك غناه؟ ويقول: ادعني استجب لك؟!. ورأى ميمون بن مهران الناس مجتمعين عَلَى باب بعض الأمراء فَقَالَ: من كانت له حاجة إِلَى سلطان فحجبه فإن بيوت الرحمن مُفتحة، فليأت مسجدًا فليصل ركعتين ثم ليسأل حاجته. وكان بكر المزني يقول: من مثلك يا ابن آدم؟! متى شئت تطهرت ثم ناجيت ربك ليس بينك وبينه حجاب ولا ترجمان. وسأل رجل بعض الصالحين أن يشفع له في حاجة إِلَى بعض المخلوقين، فَقَالَ له: أنا لا أترك بابًا مفتوحًا، وأذهب إِلَى باب مغلق. وفي هذا المعنى يقول بعضهم: وأفنية الملوك محجبات ... وباب الله مبذول الفناء وقال آخر: قل للذين تحصنوا عن سائل ... بمنازل من دونها حجّاب إن حال دون لقائكم بوابكم ... فالله ليس لبابه بوّاب ولبعض العُلَمَاء: لا تجلس بباب من ... يأبى عليك دخول داره وتقول حاجتي إِلَيْهِ ... يعوقها إن لم أداره واتركه واقصد ربها ... تقضى ورب الدار كاره

стр. 39

وخرَّج ابن أبي الدُّنْيَا (١) من حديثِ أبي عبَيدةَ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ "أنَّ رجلاً جاءَ إلى النبيِّ ﷺ فقالَ يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ بَني فُلانٍ أغاروا عليَّ فذهبُوا بابنِي وإبلِي. فقالَ له النبيُّ ﷺ : إنَّ آلَ محمَّدٍ كذا وكذا أهلَ بيتٍ ما لهُم مدٌّ منْ طعامٍ أو صاعٍ، فاسألِ اللَّهَ . فرجعَ إلى امرأتهِ، فقالت: ما قالَ لكَ؟ فأخبرَهَا، فقالتْ: نِعْمَ ما رَدَّ عليكَ. فما لبثَ أن ردَّ اللَّهُ عليه ابنَه وإبلَهُ أوفرَ ما كانتْ. فأتى النبيَّ ﷺ فأخبرَهُ فصعدَ المنبرَ فحَمِدَ اللَّهَ وأثنى عليهِ، وأمرَ الناسَ بمسألةِ اللَّهِ والرغبة إليهِ، وقرأَ عليهِمْ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]. وسأل رجل ثابتًا البناني أن يشفع له إِلَى قاض في قضاء حاجة له، فقام ثابت معه، فكان كلما مر بمسجد في طريقه دخل فصلى فيه ودعا، فما وصل إِلَى مجلس القاضي إلا وقد قام منه، فعاتبه طالب الحاجة في ذلك فَقَالَ: ما كنت إلا في حاجتك. فقضى الله حاجته، ولم يحتج إِلَى القاضي. وكان إِسْحَاقَ بْنِ عَبَّادٍ الْبَصْرِيِّ نَائِمًا، فَرَأَى فِي مَنَامِي قَائِلًا يَقُولُ لَهُ: أَغِثِ الْمَلْهُوفَ. فاسْتَيْقَظَ فَسَأَلَ: هَلْ فِي جِيرَانِهِ مُحْتَاجٌ؟ قَالُوا: مَا نَدْرِي؟ ثُمَّ نَامُ فَأَتَاهُ ثَانِيًا وَثَالِثًا، فَقَالَ لَهُ: أَتَنَامُ وَلَمْ تُغِثِ الْمَلْهُوفَ؟ فَقَامَ وَأَخَذَ مَعَهُ ثَلَاثَمِائَةَ دِرْهَمٍ، وَرَكِبَ بَغْلَه فخرج إِلَى البَصْرَةِ حَتَّى وَقَفَ بِهِ عَلَى بَابِ مَسْجِد يُصَلَّى فِيهِ عَلَى الْجَنَائِزِ، فَدَخَلَ المَسْجِدَ فَإِذَا رَجُلٌ يُصَلِّي فَلَمَّا أحَسَّ بِهِ انْصَرَفَ فَدَنَا مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ، فِي هَذَا الْوَقْتِ؟ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ؟! مَا أَخْرَجَتْكَ؟ قَالَ: أَنَا رَجُلٌ كَانَ رَأْسُ مَالِي مِائَةَ دِرْهَمٍ فَذَهَبَتْ مِنْ يَدَيَّ وَلَزِمَنِي دَيْنُ مِائَتَا دِرْهَمٍ. فَأَخْرَجَ لَهُ الدَّرَاهِمَ وَقَالَ: هَذِهِ ثَلَاثُمِائَةِ دِرْهَمٍ خُذْهَا. فَأَخَذَهَا ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَتَعْرِفُنِي؟ قَالَ: لَا. قَالَ لَهُ: أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبَّادٍ، فَإِنْ نَابَتْكَ نَائِبَةٌ فَأْتِنِي فَإِنَّ مَنْزِلِي فِي مَوْضِعِ كَذَا.

стр. 40

فَقَالَ لَهُ: رَحِمَكَ اللهُ إِنْ نَابَتْنَا نَائِبَةٌ فَزِعْنَا إِلَى مَنْ أَخْرَجَكَ فِي هَذَا الْوَقْتِ حَتَّى جَاءَ بِكَ إِلَيْنَا. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أصبحنا ذات يوم فقالت أمي لأبي: والله ما في بيتك شيء يأكله ذو كبد. فقام فتوضأ ولبس ثيابه ثم صلّى في بيته، قال: فالتفتت إليّ أمي، فقالت: إن أباك ليس يزيد عَلَى ما ترى، فاخرج أنت. فخرجت، فخطر ببالي صديق لنا تمّار فجئت إِلَى سوقه، فلما رآني صاح بي وذهب بي إِلَى منزله وأطعمني، ثم أخرج لي صرة فيها ثلاثون دينارًا من غير أن أذكر له شيئًا من حالنا إلا ابتداء منه. وقال: اقرأ عَلَى أبيك السلام، وقل له: إنا جعلنا له شركًا في كل شيء من (تجرنا) (*) وهذا نصيبه منه. وعن شقيق البلخي قال: كنت في بيتي قاعدًا فَقَالَ لي أهلي: ترى ما بهؤلاء الأطفال من الجوع، ولا يحل لك أن تجمل عليهم ما لا طاقة لهم به؟ قال: فتوضأت، وكان لي صديق لا يزال يقسم عَلَيَّ بالله إن يكن لي حاجة أن أعلمه بها ولا أكتمها عنه فخطر ذكره ببالي، فلما خرجت من المنزل مررت بالمسجد فذكر ما رُوي عن أبي جعفر قال: من عرض له حاجة إِلَى مخلوق فليبدأ فيها بالله . فدخلت المسجد وصليت ركعتين، فلما كنت في التشهد أفرغ عَلَيَّ النوم، فرأيت في منامي أنَّه قيل: يا شقيق، أتدل العباد عَلَى الله ثم تنساه! فاستيقظت وعلمت أن ذلك تنبيه نبهني به ربي، فلم أخرج من المسجد حتى صليت العشاء الآخرة ثم انصرفت إِلَى المنزل، فوجدت الَّذِي أردت أن أقصده قد حركه الله وأجرى لأهلي عَلَى يديه ما أغناهم. وعن إبراهيم بن أدهم أنَّه خرج إِلَى الغزو مع أصحابه، وأنهم تناهدوا فوضع كل واحد منهم دينارًا، ففكر فيمن يقصد من إخوانه ويستقرض منه ثم استفاق فبكى وقال: واسوءتاه أطلب من العبيد، وأترك مولاهم فيقول لي: من
следующие страницы →