"ذَلِكَ بِأَنِّي جَوَادٌ وَاجِدٌ مَاجِدٌ أَفْعَلُ مَا أُرِيدَ, عَطَائِي كَلَامٌ، وَعَذَابِي كَلَامٌ, إِذَا أَرَدْتُ شَيْئًا فَأِنَّمَا أَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ".
فكيف يسأل الفقير العاجز ويترك الغني القادر؟ إن هذا لأعجب العجب!
قال بعض السَّلف: إني لأستحي من الله أن أسأله الدُّنْيَا وهو (يملكها) (*) فكيف أسألها من لا يملكها؟! يعني: المخلوق.
وحصل لبعض السَّلف ضيق في معيشته حتى هم أن يطلب من بعض إخوانه، فرأى في منامه قائلا يقول:
أيحسن بالحرِّ المريد
إذا وجد عند الله ما يريد
أن يميل بقلبه إِلَى العبيد
فاستيقظ وهو من أغنى الناس قلبًا.
وقال بعض السَّلف: قرأت في بعض الكتب المنزلة: "يقول الله : (أَيُؤَمَّلُ) (**) غَيْرِي لِلشَّدَائِدِ؟! وَالشَّدَائِدُ بِيَدِي وَأَنَا الْحَيُّ الْقَيُّومُ, وَيُرْجَى غَيْرِي وَيُطْرَقُ بَابُهُ بِالْبُكْرَاتِ؟! وَبِيَدِي مَفَاتِيحُ الْخَزَائِنِ، وَبَابِي مَفْتُوحٌ لِمَنْ دَعَانِي, مَنْ ذَا الَّذِي أَمَّلَنِي لِنَائِبَةٍ فَقَطَعْتُ بِهِ أَوْ مَنْ ذَا الَّذِي رَجَانِي لِعِظَمٍ فَقَطَعْتُ رَجَاءِهِ, وَمَنْ ذَا الَّذِي طَرَقَ بَابِي فَلَمْ أَفْتَحْهُ لَهُ؟
أَنَا غَايَةُ الْآمَالِ، فَكَيْفَ تَنْقَطِعُ الْآمَالُ دُونِي؟!
أَبَخِيلٌ أَنَا؟ فَيُبَخِّلُنِي عَبْدِي! أَلَيْسَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ وَالْكَرْمُ وَالْفَضْلُ كُلُّهُ لِي؟! فَمَا يَمْنَعُ الْمُؤَمِّلِينَ أَنْ يُؤَمِّلُونِي, لَوْ جَمَعْتُ أَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ أَعْطَيْتُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا أَعْطَيْتُ الْجَمِيعَ وَبَلَّغْتُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَمَلَهُ، لَمْ يَنْقُصْ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي عُضْوَ ذَرَّةٍ.
стр. 37
وكيف ينقص ملك أنا قيِّمه؟؟ فيا بؤسًا للقانطين من رحمتي، ويا بؤسا لمن عصاني وتوثّب عَلَى محارمي".
ومنها: أن الله يحب أن يسأل، ويغضب عَلَى من لا يسأله فإنَّه يريد من عباده أن يرغبوا إِلَيْهِ ويسألوه ويدعوه ويفتقروا إِلَيْهِ، ويحب الملحين في الدعاء.
والمخلوق غالبًا يكره أن يُسأل لفقره وعجزه.
قال ابن السَّمَّاك: لا تسأل من يفر منك من أن تسأله، واسأل من أمرك أن تسأله.
وقال أبو العتاهية:
الله يَغضبُ إنْ تَرَكتَ سُؤالهُ ... وبُنيَّ آدَمَ حِينَ يُسألُ يَغضبُ
فاجعل سؤالك للإله فإنما ... في فضل نعمة ربنا نتقلب
كان يحيى بن معاذ يقول: يا من يغضب عَلَى من لا يسأله لا تمنع من قد سألك.
وأنشد بعض الأعراب:
أيا مالك لا تسأل الناس والتمس ... يكفيك فضل الله فالله أوسع
ولو يسأل الناس التراب لأوشكوا ... إذا قيل هاتوا أن يملوا ويمنعوا
ومنها: "أن الله -تعالى- يستدعي من عباده سؤاله، وينادي كل ليلة: هل من سائل فأعطيه سؤاله؟ هل من داع فأستجيب له؟ " (١).
وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].
فأي وقت دعاه العبد وجده سميعًا قريبًا مجيبًا ليس بينه وبينه حجاب ولا بواب، وأما المخلوق فإنَّه يمتنع بالحجاب والأبواب، ويعسر الوصول إِلَيْهِ في أغلب الأوقات.
стр. 38
قال طاوس لعطاء: إياك أن تطلب حوائجك إِلَى من أغلق دونك بابه ويجعل دونها حجابه، وعليك بمن بابه مفتوح إِلَى يوم القيامة، أمرك أن تسأله ووعدك أن يجيبك.
وقال وهب بن منبه لبعض العُلَمَاء: ألم أخبر أنك تأتي الملوك وأبناء الملوك تحمل إليهم علمك؟! ويحك تآتي من يغلق عليك بابه، ويظهر لك فقره ويواري عنك غناه! وتَدَعُ من يفتح لك بابه بنصف الليل وبنصف النهار ويظهر لك غناه؟ ويقول: ادعني استجب لك؟!.
ورأى ميمون بن مهران الناس مجتمعين عَلَى باب بعض الأمراء فَقَالَ: من كانت له حاجة إِلَى سلطان فحجبه فإن بيوت الرحمن مُفتحة، فليأت مسجدًا فليصل ركعتين ثم ليسأل حاجته.
وكان بكر المزني يقول: من مثلك يا ابن آدم؟! متى شئت تطهرت ثم ناجيت ربك ليس بينك وبينه حجاب ولا ترجمان.
وسأل رجل بعض الصالحين أن يشفع له في حاجة إِلَى بعض المخلوقين، فَقَالَ له: أنا لا أترك بابًا مفتوحًا، وأذهب إِلَى باب مغلق.
وفي هذا المعنى يقول بعضهم:
وأفنية الملوك محجبات ... وباب الله مبذول الفناء
وقال آخر:
قل للذين تحصنوا عن سائل ... بمنازل من دونها حجّاب
إن حال دون لقائكم بوابكم ... فالله ليس لبابه بوّاب
ولبعض العُلَمَاء:
لا تجلس بباب من ... يأبى عليك دخول داره
وتقول حاجتي إِلَيْهِ ... يعوقها إن لم أداره
واتركه واقصد ربها ... تقضى ورب الدار كاره
стр. 39
وخرَّج ابن أبي الدُّنْيَا (١) من حديثِ أبي عبَيدةَ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ "أنَّ رجلاً جاءَ إلى النبيِّ ﷺ فقالَ يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ بَني فُلانٍ أغاروا عليَّ فذهبُوا بابنِي وإبلِي. فقالَ له النبيُّ ﷺ : إنَّ آلَ محمَّدٍ كذا وكذا أهلَ بيتٍ ما لهُم مدٌّ منْ طعامٍ أو صاعٍ، فاسألِ اللَّهَ .
فرجعَ إلى امرأتهِ، فقالت: ما قالَ لكَ؟ فأخبرَهَا، فقالتْ: نِعْمَ ما رَدَّ عليكَ. فما لبثَ أن ردَّ اللَّهُ عليه ابنَه وإبلَهُ أوفرَ ما كانتْ.
فأتى النبيَّ ﷺ فأخبرَهُ فصعدَ المنبرَ فحَمِدَ اللَّهَ وأثنى عليهِ، وأمرَ الناسَ بمسألةِ اللَّهِ والرغبة إليهِ، وقرأَ عليهِمْ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣].
وسأل رجل ثابتًا البناني أن يشفع له إِلَى قاض في قضاء حاجة له، فقام ثابت معه، فكان كلما مر بمسجد في طريقه دخل فصلى فيه ودعا، فما وصل إِلَى مجلس القاضي إلا وقد قام منه، فعاتبه طالب الحاجة في ذلك فَقَالَ: ما كنت إلا في حاجتك. فقضى الله حاجته، ولم يحتج إِلَى القاضي.
وكان إِسْحَاقَ بْنِ عَبَّادٍ الْبَصْرِيِّ نَائِمًا، فَرَأَى فِي مَنَامِي قَائِلًا يَقُولُ لَهُ: أَغِثِ الْمَلْهُوفَ. فاسْتَيْقَظَ فَسَأَلَ: هَلْ فِي جِيرَانِهِ مُحْتَاجٌ؟ قَالُوا: مَا نَدْرِي؟ ثُمَّ نَامُ فَأَتَاهُ ثَانِيًا وَثَالِثًا، فَقَالَ لَهُ: أَتَنَامُ وَلَمْ تُغِثِ الْمَلْهُوفَ؟ فَقَامَ وَأَخَذَ مَعَهُ ثَلَاثَمِائَةَ دِرْهَمٍ، وَرَكِبَ بَغْلَه فخرج إِلَى البَصْرَةِ حَتَّى وَقَفَ بِهِ عَلَى بَابِ مَسْجِد يُصَلَّى فِيهِ عَلَى الْجَنَائِزِ، فَدَخَلَ المَسْجِدَ فَإِذَا رَجُلٌ يُصَلِّي فَلَمَّا أحَسَّ بِهِ انْصَرَفَ فَدَنَا مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ، فِي هَذَا الْوَقْتِ؟ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ؟! مَا أَخْرَجَتْكَ؟ قَالَ: أَنَا رَجُلٌ كَانَ رَأْسُ مَالِي مِائَةَ دِرْهَمٍ فَذَهَبَتْ مِنْ يَدَيَّ وَلَزِمَنِي دَيْنُ مِائَتَا دِرْهَمٍ. فَأَخْرَجَ لَهُ الدَّرَاهِمَ وَقَالَ: هَذِهِ ثَلَاثُمِائَةِ دِرْهَمٍ خُذْهَا. فَأَخَذَهَا ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَتَعْرِفُنِي؟ قَالَ: لَا.
قَالَ لَهُ: أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبَّادٍ، فَإِنْ نَابَتْكَ نَائِبَةٌ فَأْتِنِي فَإِنَّ مَنْزِلِي فِي مَوْضِعِ كَذَا.
стр. 40
فَقَالَ لَهُ: رَحِمَكَ اللهُ إِنْ نَابَتْنَا نَائِبَةٌ فَزِعْنَا إِلَى مَنْ أَخْرَجَكَ فِي هَذَا الْوَقْتِ حَتَّى جَاءَ بِكَ إِلَيْنَا.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أصبحنا ذات يوم فقالت أمي لأبي: والله ما في بيتك شيء يأكله ذو كبد. فقام فتوضأ ولبس ثيابه ثم صلّى في بيته، قال: فالتفتت إليّ أمي، فقالت: إن أباك ليس يزيد عَلَى ما ترى، فاخرج أنت. فخرجت، فخطر ببالي صديق لنا تمّار فجئت إِلَى سوقه، فلما رآني صاح بي وذهب بي إِلَى منزله وأطعمني، ثم أخرج لي صرة فيها ثلاثون دينارًا من غير أن أذكر له شيئًا من حالنا إلا ابتداء منه. وقال: اقرأ عَلَى أبيك السلام، وقل له: إنا جعلنا له شركًا في كل شيء من (تجرنا) (*) وهذا نصيبه منه.
وعن شقيق البلخي قال: كنت في بيتي قاعدًا فَقَالَ لي أهلي:
ترى ما بهؤلاء الأطفال من الجوع، ولا يحل لك أن تجمل عليهم ما لا طاقة لهم به؟ قال: فتوضأت، وكان لي صديق لا يزال يقسم عَلَيَّ بالله إن يكن لي حاجة أن أعلمه بها ولا أكتمها عنه فخطر ذكره ببالي، فلما خرجت من المنزل مررت بالمسجد فذكر ما رُوي عن أبي جعفر قال: من عرض له حاجة إِلَى مخلوق فليبدأ فيها بالله .
فدخلت المسجد وصليت ركعتين، فلما كنت في التشهد أفرغ عَلَيَّ النوم، فرأيت في منامي أنَّه قيل: يا شقيق، أتدل العباد عَلَى الله ثم تنساه! فاستيقظت وعلمت أن ذلك تنبيه نبهني به ربي، فلم أخرج من المسجد حتى صليت العشاء الآخرة ثم انصرفت إِلَى المنزل، فوجدت الَّذِي أردت أن أقصده قد حركه الله وأجرى لأهلي عَلَى يديه ما أغناهم.
وعن إبراهيم بن أدهم أنَّه خرج إِلَى الغزو مع أصحابه، وأنهم تناهدوا فوضع كل واحد منهم دينارًا، ففكر فيمن يقصد من إخوانه ويستقرض منه ثم استفاق فبكى وقال: واسوءتاه أطلب من العبيد، وأترك مولاهم فيقول لي: من
стр. 41
كان أحق أن تطلب منه: أنا أو عبدي؟ فتوضأ وصلى ركعتين وخرّ ساجدًا، وقال: يا رب، قد عَلِمْتَ ما كان مني وذلك بخطئي وجهلي فإن عاقبتني عليه فأنا أهل لذلك، وإن عفوت عني فأنت أهل لذلك وقد عرفت حاجتي فاقضها برحمتك. ثم رفع رأسه فإذا هو بنحو أربعمائة دينار فتناول منها دينارًا واحدًا وذهب.
وعن أصبغ بن زيد قال: مكثت أنا ومن عندي ثلاثًا لم نطعم شيئًا، فخرجت إِلَيَّ ابنتي الصغيرة وقالت: يا أبة، الجوع! فأتيت الميضأة فتوضأت وصليت ركعتين وألهمتُ دعاء دعوت به وفي آخره:
"اللهم افتح عَلَيّ منك رزقًا لا تجعل لأحد عليّ فيه منة، ولا لك علي في الآخرة فيه تبعة، برحمتك يا أرحم الراحمين". ثم انصرفت إِلَى البيت فإذا بابنتي الكبيرة قد قامت إِلَيّ وقالت: يا أبة جاء عمي الساعة بهذه الصرة من الدراهم وحمَّال عليه دقيق، وحمَّال عليه من كل شيء في السوق، وقال: أقرئوا أخي السلام، وقولوا له: إذا احتجت إِلَى شيء فادع بهذا الدعاء تأتك حاجتك.
قال أصبغ: والله ما كان لي أخ قط ولا أعرف من كان هذا القائل، ولكن الله عَلَى كل شيء قدير!.
وعن الحكم بن موسى قال: أصبحت يومًا، فقالت لي المرأة: ليس عندنا دقيق ولا خبز! فخرجت ولا أقدر عَلَى شيء، فقلت في الشارع: "اللهم إنك تعلم أني أعلم أنك تعلم أنَّه لا دقيق لي ولا خبزًا -وقال: ولا دراهم- فأتنا بذلك". فلقيني رجل، فَقَالَ: خبزًا تريد أو دقيقًا؟
فقلت له: أحدهما ثم مشيت نهاري أجمع لا أقدر عَلَى شيء فرجعت فقدّم أهلي إِلَيَّ خبزًا، ولحمًا واسعًا، فقلت: من أين هذا لكم؟ قالوا: من الَّذِي وجهت به. فَسَكَتُّ.
وعن الأوزاعي قال: رأيت رجلاً في الطواف وهو متعلق بأستار الكعبة وهو
стр. 42
يقول: يا رب، إني فقير كما ترى، وصبيتي قد عروا كما ترى، وناقتي قد عجفت كما ترى، فما ترى يا من ترى ولا يُرى؟
فإذا بصوت من خلفه: يا عاصم، يا عاصم، الحق عمك! فقد هلك بالطائف وقد خلف ألف نعجة، وثلاثمائة ناقة وأربعمائة دينار، وأربعه أعبد، وثلاثة أسياف يمانية، فامض فخذها فليس له وارث غيرك.
قال: فقلت: يا عاصم، إن الَّذِي دعوت لقد كان قريبًا منك.
قال: يا هذا، أما سمعت قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦].
والآثار والحكايات في هذا المعنى كثيرة جدًّا يطول الكتاب بذكرها، وهي موجودة في مثل "كتاب الفرج بعد الشدة" و"كتاب مجابي الدعوة" لابن أبي الدُّنْيَا، وفي "كتاب المستصرخين بالله عند نزول البلاء" للقاضي أبي الوليد بن الصغار، و"كتاب المستغيثين بالله عند نزول البلاء" للحافظ أبي القاسم ابن بشكوال الأندلسيين وفي غيرها من كتب الزهد والرقائق والتواريخ وغيرها.
وروى الشيخ أبو الفرج في "تاريخه الكبير" بإسناده عن الحسن بن سفيان الفسوي الحافظ أنَّه كان مقيمًا بمصر مع جماعة من أصحابه يكتبون الحديث، فاحتاجوا فباعوا ما معهم حتى لم يبق لهم ما يباع، وبقوا ثلاثة أيام جياعًا لا يجدون شيئًا يكون وأصبحوا في اليوم الرابع وقد عزموا عَلَى المسألة لشدة الضرورة، فاقترعوا عَلَى من يسأل لهم، فخرجت القرعة عَلَى الحسن بن سفيان قال: فتحيرت ودهشت ولم تسامحني نفسي بالمسألة، فعدلت إِلَى زاوية المسجد أصلي ركعتين طويلتين وأدعو الله لكشف الضر وسياقة الفرج، فلم أفرغ من الصلاة حتى دخل المسجد رجل معه خادم في يده منديل، فَقَالَ: من منكم الحسن بن سفيان؟ فرفعت رأسي من السجود وقلت: أنا.
فَقَالَ: إن الأمير ابن طولون يقرئكم السلام والتحية، ويعتذر إليكم في الغفلة عن تفقد أحوالكم والتقصير الواقع في رعاية حقوقكم، وقد بعث إليكم
стр. 43
بما يكفي نفقة الوقت، وهو زائر لكم غدًا ومعتذرًا إليكم بلفظه ووضع (في يد) (*) كل واحد منا صرة فيها مائة دينار، قال: فتعجبنا وسألناه عن السبب، قال: إنه كان اليوم نائمًا فرأى فارسًا في الهواء يقول له: قم فأدرك الحسن بن سفيان وأصحابه؛ فإنهم منذ ثلاثة أيام جياع في المسجد الفلاني!
فَقَالَ له: من أنت؟ قال: أنا رضوان صاحب الجنة. قال الحسن: فشكرنا الله وأصبحنا أحوالنا وسافرنا تلك الليلة من مصر خشية أن يزورنا الأمير، فيطلع الناس عَلَى أسرارنا فيكون ذلك سبب ارتفاع اسم، وانبساط جاه، ويتصل ذلك بنوع من الرياء والسمعة.
وروى أيضاً بإسناد له عن محمد بن هارون الروياني أنَّه اجتمع هو ومحمد ابن نصر المروزي ومحمد بن علويه الورَّاق ومحمد بن إسحاق بن خزيمة ... فذكر معنى هذه الحكاية وأن المصلي والداعي كان هو ابن خزيمة، وبإسناد آخر أن الأربعة كانوا محمد بن جرير، ومحمد بن نصر، ومحمد بن خزيمة، ومحمد بن هارون.
...
стр. 44
وقوله ﷺ : "وإذا استعنت فاستعن بالله "
لما أمر ﵇ بحفظ الله والتعرف إِلَيْهِ في الرخا، وذلك هو العبادة حقيقة ثم أرشد إِلَى سؤال الله وحده ودعائه و"الدعاء هو العبادة" كما في حديث النعمان بن بشير عن النبي ﷺ ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].
خرَّجه أهل السنن الأربعة (١).
أرشد بعد ذلك إِلَى الاستعانة بالله وحده وهذا منتزع من قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] وهي كلمة عظيمة جامعة يقال: إن سر الكتب الإلهية كلها ترجع إليها وتدور عليها.
وفي استعانة الله وحده فائدتان:
إحداهما: أن العبد عاجز عن الاستقلال بنفسه في عمل الطاعات.
والثانية: أنَّه لا معين له عَلَى مصالح دينه ودنياه إلا الله ، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله الله فهو المخذول.
وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : "احرص عَلَى ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز" (٢).
وكان ﷺ يقول في خطبته ويعلم أصحابه أن يقولوا: "الحمد لله نستعينه ونستهديه" (٣).
стр. 45
وأمر معاذ بن جبل أن لا يدع في دبر كل صلاة أن يقول: "اللهم أعني عَلَى ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" (١).
وكان من دعائه ﷺ : "يا رب أعني ولا تعن عليّ" (٢).
وفي دعاء القنوت الَّذِي كان يدعو به عمر وغيره: "اللهم إنا نستعينك".
وفي الأثر المعروف -ويقال إن موسى ﵇ قاله لما ضرب البحر فانفلق-: اللهم لك الحمد وإليك المشتكى، وأنت المستعان وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فالعبد محتاج إِلَى الاستعانة بالله في فعل المأمورات، وفي ترك المحظورات، وفي الصبر عَلَى المقدورات كما قال يعقوب ﵇ لبنيه: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨].
ولهذا قالت عائشة هذه الكلمة لما قال أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله مما قالوا.
وقال موسى لقومه: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾ [الأعراف: ١٢٨]، وقال الله لنبيه ﷺ : ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١١٢]، ولما بشَّر ﷺ عثمان بالجنة عَلَى بلوى تصيبه قال: الله المستعان (٣).
ولما دخلوا عَلَى عثمان وضربوه جعل يقول والدماء تسيل عليه: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، اللهم إني أستعيذ بك عليهم وأستعينك عَلَى
стр. 46
جميع أموري، وأسألك الصبر عَلَى ما ابتليتني.
ورُوي عن أبي طلحة أن النبي ﷺ قال في بعض غزواته حين لقي العدو: "يَا مَالِكَ يَوْمِ الدِّينِ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. قال أبو طلحة: فَلَقَدْ رَأَيْتُ الرِّجَالَ تُصْرَعُ" (١) خرَّجه أبو الشيخ الأصبهاني.
فالعبد محتاج إِلَى الاستعانة بالله في مصالح دينه ودنياه، كما قال الزبير في وصيته لابنه عبد الله بقضاء دينه: إن عَجزتَ فاستعن بمولاي.
فَقَالَ له: يا أبت من مولاك؟ قال: الله.
قال: فما وقعت في كُربة من دَيْنِهِ إلا قلتُ: يا مولى الزبير، اقض عنه دينه فيقضيه؟.
وقال عمر بن الخطاب ﵁ في أول خطبة خطبها عَلَى المنبر: ألا إن العرب جمل أنف قد أَخَذْتُ بخطامه، ألا وإني حامله عَلَى المحجة ومستعن بالله عليه.
وكذلك يحتاج العبد الاستعانة بالله عَلَى أهوال ما بين يديه من الموت وما بعده.
لما احتضر خالد بن الوليد قال رجل ممن حوله: والله، إنه ليسؤه -يعني: الموت- قال خالد: أجل، فأستعين الله .
وبكى عامر بن عبد الله بن الزبير عند موته وقال: إِنَّمَا أبكي عَلَى حر النهار وبرد القيام -يعني: صيام النهار وقيام الليل- وقال: إني أستعين الله عَلَى مصرعي هذا بين يديه.
ومن كلام بعض المتقدمين: يا رب، عجبت لمن يعرفك يرجو غيرك!
عجبت لمن يعرفك كيف يستعين بغيرك!.
стр. 47
وكتب الحسن إِلَى عمر بن عبد العزيز ﵀: لا تستعن بغير الله فيكلك الله إِلَيْهِ.
وقال بعضهم: فاستعن بالله واستعنه فإنَّه خير مستعان.
***
стр. 48
وقوله ﷺ : "جف القلم بما هو كائن" وفي الرواية الأخرى: "رفعت الأقلام وجفت الكتب" وفي الرواية الأخرى: "وجفت الصحف "
كله كناية عن نفوذ المقادير وكتابتها جميعها في كتاب جامع من أمد بعيد، فإن الكتاب إذا كتب وفرغ من كتابته وبعد عهده فقد رفعت الأقلام عنه وجفت الأقلام التي كتب به من مدادها وجفت الصحيفة المكتوب فيها بالمداد المكتوب به فيها.
وهذا من (أحسن) (*) الكنايات وأبلغها، وقد دل الكتاب والسنة الصحيحة عَلَى مثل هذا المعنى، قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢].
قال الضحاك عن ابن عباس: إن الله خلق القلم فأمره ليجري بإذنه، وعِظَم القلم كقدر ما بين السماء والأرض، فَقَالَ القلم: بم يا رب أجري؟ قال: بما أنا خالق وكائن في خلقي من قطر أو نبات أو نفس أو أثر -يعني به: العمل- أو رزق أو أجل. فجرى القلم بما هو كائن إِلَى يوم القيامة، فأثبته الله في الكتاب المكتوب عنده تحت العرش.
وروى أبو ظبيان عن ابن عباس: إن أول شيء خلقه الله القلم، فَقَالَ له: اكتب قال: وما كتب؟ قال: القدر. فجرى بما هو كائن إِلَى أن تقوم الساعة ثم قرأ: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ١] (١)، وروى أبو الضحى عن ابن عباس نحوه أيضاً (٢).
стр. 49
ورُوي حديث أبي الضحى مرفوعًا، ولا يثبت رفعه (١). ورُوي ابن بطة بإسناد ضعيف عن أبي هريرة مرفوعًا: "أَوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ الْقَلَمَ ثُمَّ خَلَقَ النُّونَ، وَهِيَ الدَّوَاةُ ثُمَّ قَالَ: اكْتُبْ. قَالَ: مَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾، ثُمَّ خُتِمَ عَلَى الْقَلَمِ فَلَمْ يَنْطِقْ وَلَا يَنْطِقُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (٢).
وخرَّج الإمام أحمد (٣) وأبو داود (٤) والترمذي (٥) من حديث عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ الْقَلَمُ ثُمَّ قَالَ: اكْتُبْ. فَجَرَى فِي تِلْكَ اَلسَّاعَةِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمٍ اَلْقِيَامَةِ".
وفي "صحيح مسلم" (٦) عن عبد الله بن عمرو- ﵄ عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ».
وخرَّج الإمام أحمد (٧) والترمذي (٨) والنسائي (٩) من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي يَدِهِ كِتَابَانِ فَقَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا هَذَانِ الكِتَابَانِ؟» فَقُلْنَا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِلَّا أَنْ تُخْبِرَنَا، فَقَالَ: لِلَّذِي فِي يَدِهِ اليُمْنَى: هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ العَالَمِينَ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ الجَنَّةِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ
стр. 50
ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ، فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا. ثُمَّ قَالَ لِلَّذِي فِي شِمَالِهِ: هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ العَالَمِينَ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ النَّارِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا. فَقَالَ أَصْحَابُهُ: فَفِيمَ العَمَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَ أَمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ؟! فَقَالَ: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا؛ فَإِنَّ صَاحِبَ الجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ، وَإِنَّ صَاحِبَ النَّارِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيْهِ فَنَبَذَهُمَا ثُمَّ قَالَ: فَرَغَ رَبُّكُمْ مِنَ العِبَادِ، ﴿فَرِيقٌ فِي الجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧]».
وخرَّج الإمام أحمد (١) من حديث أبي الدرداء عن النبي ﷺ : "فرغ الله إِلَى كل عبد من خمس: من أجله ورزقه وأثره ومضجعه وشقي أو سعيد".
وخرَّج الإمام أحمد (٢) والترمذي (٣) من حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: "خلق الله كل نفس وكتب حياتها ورزقها ومصائبها".
وخرَّج مسلم (٤) من حديث جابر "أنَّ رَجُلاً قال: يا رسول الله، فِيمَ الْعَمَلُ الْيَوْمَ أَفِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ أَوْ فِيمَا نَسْتَقْبِلُ؟ قَالَ: لَا، بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ. قَالَ: فَفِيمَ الْعَمَلُ؟ قَالَ: اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ".
وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة جدًّا، وكذلك الآثار الموقوفة. وقال بعضهم:
سلم الأمر كله جف بالكائن القلم ... إن للناس خالقًا لا مرد لما حكم
...
стр. 51
وقوله ﷺ بعد هذا: "فلو أنَّ الخلق جميعًا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يقضه الله لك لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه "
يريد بذلك أن ما يصيب العبد مما يضره أو ينفعه في دنياه فكله مقدر عليه، ولا يمكن أن يصيبه ما لم يكتب له ولم يُقدَّر عليه ولو اجتهد عَلَى ذلك الخلق كلهم جميعًا، وقد دلّ القرآن أيضاً عَلَى مثل هذا في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١] وقوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [الحديد: ٢٢] وقوله: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
وخرَّج الإمام أحمد (١) من حديث أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: «إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ».
وخرَّج أبو داود (٢) وابن ماجه (٣) من حديث زيد بن ثابت عن النبي ﷺ معناه أيضاً.
واعلم أن مدار جميع هذه الوصية من النبي ﷺ لابن عباس عَلَى هذا الأصل، وما بعده وما قبله متفرع عليه وراجع إِلَيْهِ، فإنَّه إذا علم العبد أنَّه لن يصيبه إلا ما كتب الله له من خير أو شر أو نفع أو ضر، وأن اجتهاد
стр. 52
الخلق كلهم جميعًا عَلَى خلاف المقدور غير مفيد شيئًا ألبتة، علم حينئذ أن الله تعالى وحده هو الضار النافع والمعطي المانع، فأوجب ذلك للعبد توحيد ربه وإفراده بالاستعانة والسؤال والتضرع والابتهال، وإفراده أيضاً بالعبادة والطاعة؛ لأنّ المعبود إِنَّمَا يقصد بعبادته جلب المنافع ودفع المضار، ولهذا ذم الله سبحانه من يعبد ما لا ينفع ولا يضر ولا يغني عن عابده شيئًا، وأيضًا فكثير ممن لا يحقق الإيمان (في قلبه) (*) يقدّم طاعة مخلوق عَلَى طاعة الله رجاء نفعه أو دفعًا لضره، فإذا تحقق العبد تفرد الله وحده بالنفع والضر وبالعطاء والمنع، أوجب ذلك إفراده بالطاعة والعبادة، ويقدم طاعته عَلَى طاعة الخلق كلهم جميعًا، كما يوجب ذلك أيضاً إفراده سبحانه بالاستعانة به، والطلب منه.
وقد اشتملت هذه الوصية العظيمة الجامعة عَلَى هذه الأمور المهمة كلها.
فإن حفظ العبد لله هو حفظ حدوده ومراعاة حقوقه وهو حقيقة عبادته، وهو أول ما صُدِّرت به هذه الوصية، ورُتِّب عَلَى ذلك حفظ الله لعبده، وهو نهاية ما يطلبه العبد من ربه ويريده منه، ثم عقَّب ذلك بذكر التعرف إِلَى الله في الرخاء، وأنه مقتض لمعرفة الله لعبده في الشدة وهذا هو من تمام حفظ الله لعبده وداخل فيه، إلا أن حالة الشدة لما كان العباد مضطرين فيها إِلَى من يعرفهم ويفرج عنهم خُصَّت بالذكر لهذا المعنى، وفي هذه الحالة يُخلص المشركون الدعاء إِلَى الله وحده، ويُفردونه بالسؤال والطلب لعلمهم أنَّه لا يكشف الضر سواه سبحانه، ثم يعودون عند كشف الضر عنهم إِلَى الشرك كما ذكر سبحانه ذلك عنهم في مواضع من كتابه وذمَّهم عليه، فأمر ﷺ بمخالفتهم في ذلك بالتعرف إِلَى الله في حال الرخاء بإخلاص الدين له وحده وبطاعته والتقرب إِلَيْهِ، ليوجب ذلك معرفته لهم في الشدة وكشفها عنهم.
ثم عقب ذلك بذكر إفراد الله بالسؤال، وإفراده بالاستعانة وذلك يشمل حال الشدة وحال الرخاء. ثم ذكر بعد هذا كله الأصل الجامع الَّذِي (تنبني) (*)
стр. 53
عليه هذه المطالب، وهو: تفرد الله- بالضر والنفع والعطاء والمنع، وأنه لا يصيب العبد من ذلك كله إلا ما سبق تقديره وقضاه له، وأن الخلق كلهم عاجزون عن إيصال نفع أو ضر غير مقدَّر في الكتاب السابق.
وتحقيق هذا يقتضي انقطاع العبد عن التعلق بالخلق، وعن سؤالهم واستعانتهم ورجائهم بجلب نفع أو دفع ضر، وخوفهم من إيصال ضر أو منع نفع، وذلك يستلزم إفراد الله سبحانه بالطاعة والعبادة أيضاً، وأن تُقدم طاعته عَلَى طاعة الخلق كلهم جميعًا، وأن يُتقى سخطه وإن كان فيه سخط الخلق جميعًا، وقد جاء في حديث أبي سعيد مرفوعًا: «إِنَّ مِنْ ضَعْفِ الْيقِينِ أَنْ تُرْضِيَ النَّاسَ بِسُخْطِ اللهِ، وَأَنْ تَحْمَدَهُمْ عَلَى رِزْقِ اللهِ، وَأَنْ تَذُمَّهُمْ عَلَى مَا لَمْ يَؤْتِكَ اللهُ، إِنَّ رِزْقَ اللهِ لَا يَجُرُّهُ إِلَيْكَ حِرْصُ حَرِيصٍ، وَلَا يَرُدُّهُ كُرْهُ كَارِهٍ» (١).
ورُوي عن ابن مسعود من قوله نحوه.
وما أحسن قول بعضهم:
فليتك تحلو والحياة مريرة ... وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الَّذِي بيني وبينك عامر ... وبيني وبين العالمين خراب
إذا صح منك الود فالكل هين ... وكل الَّذِي فوق التراب ترابُ
فمن تحقق أن كل مخلوق فوق التراب فهو تراب، فكيف يقدم عَلَى طاعة شيء من التراب عَلَى طاعة رب الأرباب؟ أم كيف يُرضي التراب بسخط الملك الوهاب إن هذا لشيء عجاب!
وقد دلّ القرآن عَلَى هذا الأصل وهو تفرد الله -سبحانه- بالعطاء والمنع في
стр. 54
مواضع كثيرة جدًّا كقوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢].
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٧].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨].
وقوله تعالى حاكيًا عن نبيه نوح ﵇ أنَّه قال لقومه: ﴿إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١].
وقوله تعالى حاكيًا عن نبيه هود ﵇ ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٤ - ٥٦].
وقال بعضهم:
ما قدر الله لي لابد يدركني ... من ذا الَّذِي يدفع المقدور بالحذر
الله أولى بنا منا بأنفسنا ... إن نحن إلا مماليك المقتدر
وشكا رجل إِلَى فضيل الفاقة، فَقَالَ له فضيل: أمدبِّرًا غير الله تريد؟!
وقال بعضهم:
دبر فليس بمغن عنك تدبير ... وليس يعدوك بالتدبير تقدير
إن الأمور لها رب يدبرها ... فما قضى الرب ساقته المقادير
***
стр. 55
وقوله ﷺ : "واعلم أنَّ في الصبر عَلَى ما تكره خيرًا كثيرًا "
وفي رواية عمر مولى غفرة عن ابن عباس زيادة قبل هذا الكلام وهي: "فإن استطعت أن تعمل لله بالرضا في اليقين فافعل، وإن لم نستطع فإن في الصبر عَلَى ما تكره خيرًا كثيرًا" (١).
ومراده باليقين هاهنا تحقيق الإيمان بما سبق ذكره من التقدير السابق كما ورد ذلك صريحًا في رواية ابنه علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه، لكن بإسناد ضعيف، وفي روايته زيادة وهي: قلت: يا رسول الله كيف أصنع باليقين؟ قال: "أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك".
فإذا أنت أحكمت باب اليقين فحصول اليقين للقلب بالقضاء السابق والتقدير الماضي يوجب رضا النفس بالقضاء والقدر وطمأنينتها به، وقد دلّ القرآن عَلَى هذا المعنى بعينه في قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣].
قال الضحاك في هذه الآية: عزّاهم ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ لا تأسوا عَلَى شيء من أمر الدُّنْيَا فإنا لم نقدره لكم ﴿وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ لا تفرحوا بشيء من أمر الدُّنْيَا أعطيناكموه، فإنَّه لم يكن يزوى عنكم. خرّجه ابن أبي الدُّنْيَا.
وقال سعيد بن جبير في هذه الآية: لكيلا تأسوا عَلَى ما فاتكم من العافية والخصب إذا علمتم أنَّه كان مكتوبًا عليكم قبل أن يخلقكم. خرَّجه ابن أبي حاتم.
ومن هذا المعنى قول بعض السَّلف: الإيمان بالقدر يُذْهِبُ الهم
стр. 56
والحزن، وقد أشار النبي ﷺ إِلَى ذلك بقوله في الحديث الصحيح عنه: "احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ، فَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ [كَانَ] (*) كَذَا [وَكَذَا] (*) وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ" (١). فأشار في هذا الحديث إِلَى أن تذكير النفس بالقدر السابق عند المصائب يذهب وساوس الشيطان الموجبة للهم والحزن والندم عَلَى تعاطي الأسباب الدافعة لوقوعها.
وقال أنس: خدمت النبي ﷺ عشر سنين، فما قال لي لشيء فعلته لم فعلت كذا وكذا؟ ولا شيء لم أفعله: ألا فعلت كذا (٢). وقال: وكان إذا لامني بعض أهله، قال: "دعوه فلو قُدِّرَ شيء كان" خرّجه الإمام أحمد (٣) بهذه الزيادة.
وخرَّج ابن أبي الدُّنْيَا بإسناد فيه نظر عن عائشة ﵂ قالت: كان أكثر كلام النبي ﷺ في بيته إذا خلا: "ما قضى من أمر يكن" وخرَّج أيضاً حديثًا مرسلاً أن النبي ﷺ قال لابن مسعود: "لا تكثر همك ما يُقدَّر يكن، وما ترزق يأتيك" وفي حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : "لا حول ولا قوة إلا بالله، دواء من تسعة وتسعين داء، أيسرها: الهم" خرّجه الطبراني (٤) والحاكم (٥).
стр. 57
فإن تحقيق هذه الكلمة يقتضي تفويض الأمور إِلَى الله، وأنه لا يكون إلا ما شاء والإيمان بذلك يذهب الهم والغم، وقد وصى النبي ﷺ رجلاً فَقَالَ: "لا تتهم الله في شيء قضاه لك" (١).
فإذا نظر المؤمن بالقضاء والقدر في (حكم) (*) الله ورحمته، وأنه غير متهم في قضائه دعاه ذلك إِلَى الرضا بالقضاء، وقال الله : ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] قال علقمة في هذه الآية: هي المصيبة تصيب الرجل فيعلم أنها من عند الله فيسلّم لها ويرضى.
وفي الحديث الصحيح (٢) عن النبي ﷺ قال: "لَا يَقْضِي اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ من قَضَاء إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ فَصَبَرَ كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ".
وقد دلّ القرآن عَلَى مثل هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥١، ٥٢] فأخبر أنَّه لن يصيبهم إلا ما كتب لهم، فدلّ عَلَى أنَّه لهم بكل حال سواء كان مما يلائم أو لا يلائم، وأخبر أنَّه تعالى مولاهم، ومن تولاه الله لم يخذله بل هو يتولى مصالحه، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال: ٤٠] ثم عقب ذلك بقوله: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢] يعني إما النصر والظفر، وإما الشهادة، وأيّهما كان فهو حسن.
وخرَّج الترمذي (٣) من حديث أنس عن النبي ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِي فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ".
стр. 58
قال أبو الدرداء: إن الله إذا قضى قضاء أَحَبّ أن يُرضى به. وقالت أم الدرداء: إن الراضين بقضاء الله الذين ما قضى لهم رضوا به، لهم في الجنة منازل، يغبطهم بها الشهداء يوم القيامة.
وقال ابن مسعود (١): إن الله بقسطه وعلمه جعل الروح والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط. وقد رُوي هذا مرفوعًا من وجه ضعيف (٢).
وكان عمر بن عبد العزيز يقول: لقد تركتني هؤلاء الدعوات وما لي في شيء من الأمور إرب إلا في مواقع قدر الله ، وكان يدعو بها كثيرًا: اللهم ارضني بقضائك وبارك لي في قدرك، حتى لا أَحَبّ تعجيل شيء أخرته، ولا تأخير شيء قدّمته.
وقال ابن عون: ارض بقضاء الله عَلَى ما كان من عسر ويسر؛ فإن ذلك أقل لهمك، وأبلغ فيما تطلب من أمر آخرتك، واعلم أن العبد لن يصيب حقيقة الرضا حتى يكون رضاه عند الفقر والبلاء كرضاه عند الغنى والرخاء، كيف تستقضي الله في أمرك؟ ثم تسخط إن رأيت قضاءه مخالفًا لهواك! ولعل ما هويت من ذلك لو وفق لك لكان فيه هلاكك، وترضى قضاءه إذا وافق هواك وذلك لقلة علمك بالغيب! وكيف تستقضيه إن كنت ذلك؟ ما أنصفت من نفسك ولا أصبت باب الرضا!
وهذا كلام حسن، ومعناه أن العبد إذا استخار الله فينبغي له أن يرضى لما اختاره له من موافق لهواه أو مخالف له؛ لأنّه لا يدري في أيهما الخيرة له والله تعالى غير متهم في قضائه لمن استخاره.
ومن ها هنا كان طائفة من السَّلف ابن مسعود وغيره يأمرون من يخاف أن
стр. 59
لا يصبر عَلَى ما يخالف هواه مما يختار له أن يقول في استخارته: في عافية فإنَّه قد يختار له البلاء ولا يصبر عليه، وقد رُوي مرفوعًا من وجه ضعيف (١)!.
وعن بكر المزني أن رجلاً كان يكثر الاستخارة فابتلي فجزع ولم يصبر فأوحى الله إِلَى نبي من أنبيائهم أن قل لعبدي فلان: إذا لم يكن من أهل العزائم فهلا استخرتني في عافية!
وفي حديث سعد المرفوع: «مِنْ سَعادَةِ الْمَرْءِ استِخَارَتُهُ رَبُّهُ وَرِضَاهُ بِمَا قَضَى، وَإِنَّ مِنْ شَقَاوَتهِ تَرْكُهُ الاسْتِخَارَةَ وَسَخَطُهُ بِمَا قَضَى» خرَّجه الترمذي (٢) وغيره (٣).
وللرضا بالقضاء أسباب منها:
يقين العبد بالله وثقته بأنه لا يقضي للمؤمن قضاء إلا وهو خير له، فيصير كالمريض المستسلم للطبيب الحاذق الناصح فإنَّه يرضى بما يفعله به من مؤلم وغيره لثقته به ويقينه أنَّه لا يريد له إلا الأصلح، وهذا الَّذِي أشار إِلَيْهِ ابن عون في كلامه المتقدم ذكره.
ومنها:
النظر إِلَى ما وعد الله من ثواب الرضا، وقد يستغرق العبد في ذلك حتى ينسى ألم المقضي به كما رُوي عن بعض الصالحات من السلف أنها عثرت فانكسر ظفرها، فضحكت وقالت: أنساني لذة ثوابه مرارة ألمه.
ومنها:
وهو أعلى من ذلك كله الاستغراق في محبة المبتلي ودوام ملاحظة جلاله وجماله وعظمته وكماله الَّذِي لا نهاية له، فإن قوة ملاحظة ذلك يوجب
стр. 60
الاستغراق فيه حتى لا يشعر بالألم كما غاب النسوة اللاتي شاهدن يوسف عن ألم تقطيع أيديهن بمشاهدته.
قال الجنيد سألت سريًّا: هل يجد المحب ألم البلاء؟ فَقَالَ: لا. وهذا إشارة منه إِلَى هذا المقام، ومنه قول جماعة من أهل البلاء: دعه يفعل بنا ما يشاء فلو قطعنا إربًا إربًا ما ازددنا له إلا حبًّا.
وفي هذا المعنى يقول بعضهم:
لو قطّعني الغرام إربًا إربًا ... ما ازددت عَلَى الملام إلا حبًّا
لا زلت بكم أسير وجدٍ صبا ... حتى أقضي عَلَى هواكم نحبا
وكان إبراهيم بن أدهم قد خرج من ملكه وماله وولده وحشمه، فرأى ولده في الطواف فلم يكلمه، وقال:
هجرتُ الخلق طرّا في (رضاكا) (*) ... وأيتمتُ العيال لكي أراكا
فلو قطّعتني في الحب إربًا ... لما حنَّ الفؤاد إِلَى سواكا
كان جماعة من المحبين كالفضيل وفتح الموصلي إذا باتوا ليلة بغير عشاء ولا سراج اشتد فرحهم، وبكوا من الفرح، وقالوا: مثلنا يترك بغير عشاء ولا سراج بأي يد كانت منَّا، وبأي وسيلة توسلنا بها، وكان فتح يجمع ولده في ليالي الشتاء، ويغطيهم بكسائه، ويقول: أجعتني وأجعت عيالي، وأغربتني وأغربت عيالي، وإنَّما تفعل ذلك بأوليائك وأحبابك فهل أنا منهم حتى أفرح؟.
ودخلوا عَلَى بعض السَّلف وهو مريض فقالوا له: ما تحب؟ فَقَالَ: أحبُّه إِلَيّ أحبُّه إِلَيْهِ.
وفي هذا المعنى يقول بعضهم:
عذابه فيك عذب ... وبعده فيك قرب
وأنت عندي كروحي ... بل أنت منها أَحَبّ
حسبي من الحب أني ... لما تحب أحبُّ
стр. 61
وأنشد أبو تراب:
لا تخدعن فللمحب دلائل ... ولديه من تحف الحبيب وسائل
منها تنعمه بمرِّ بلائه ... وسروره في كل ما هو فاعل
فالمنع منه عطية مقبولة ... والفقر إكرامٌ وبرٌّ عاجل
دخلوا عَلَى رجل قد قتل ولده في الجهاد يعزونه فبكى وقال: ما أبكي عَلَى قتله، إِنَّمَا أبكي كيف كان رضاه عن الله حين أخذته السيوف؟:
إن كان سكان الغضا ... رضوا بقتلي فرضى
والله لا كنت لما ... يهوى الحبيب مبغضا
صرت لهم عبدًا وما ... للعبد أن يعترضا
هم قلبوا قلبي من الشـ ... ـوق عَلَى جمر الغضا
يا ليت أيام الحمى ... يعود منها ما مضى
من لمريض لا يرى ... إلا الطبيب الممرضا
والمقصود أن النبي ﷺ أمر ابن عباس بالعمل لله بالرضا إن استطاعه، ثم قال له: "فإن لم تستطع فإن في الصبر عَلَى ما تكره خيرًا كثيرًا".
وهذا يدل عَلَى أن الرضا بالأقدار المؤلمة ليس بحتم واجب؛ وإنَّما هو فضل مندوب إِلَيْهِ، فمن لم يستطع الرضا فليلزم الصبر، فإن الصبر واجب لابد منه، وفيه خير كثير، فإن الله تعالى أمر بالصبر ووعد عليه جزيل الأجر، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] وقال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧] وقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ [الحج: ٣٤، ٣٥].
قال الحسن: الرضا عزيز ولكن الصبر مُعَوَّلُ المؤمن.
стр. 62
قال سليمان الخواص: الصبر دون الرضا، فالرضا: أن يكون الرجل قبل نزول المصيبة راض بأي ذلك كان، والصبر: أن يكون بعد نزول المصيبة يصبر.
وحقيقة الفرق بين الصبر والرضا: أن الصبر كف النفس وحبسها عن التسخط مع وجود الألم، والرضا يوجب انشراح الصدر وسعته، وإن وجد الإحساس بأصل الألم لكن الرضا يخفف الإحساس بالألم لما يباشر القلب من روح اليقين والمعرفة، وقد يزيل الإحساس به بالكلية عَلَى ما سبق تقريره.
ولهذا قال طائفة كثيرة من السَّلف منهم عمر بن عبد العزيز، والفضيل، وأبو سليمان، وابن المبارك، وغيرهم: إن الراضي لا يتمنى غير حاله التي هو عليها بخلاف الصابر.
وقد رُوي عن طائفة من الصحابة هذا المعنى أيضاً، وأنهم كانوا لا يتمنون غير ما هم عليه من الحال، منهم عمر وابن مسعود.
قال عبد العزيز بن أبي روَّاد: كان عابد يتعبد في بني إسرائيل، فرأى في منامه أن فلانة زوجتك في الجنة، فاستضافها ثلاث ليال لينظر عملها، فكانت تنام وهو يقوم، وتفطر وهو يصوم، فلما فارقها سألها عن أوثق عملها عندها، قالت: هو ما رأيت، إلا خصلة واحدة، إن كنت في شدة لم أتمنّ أني في رخاء، وإن كنت في مرض لم أتمنّ أني في صحة وإن كنت جائعة لم أتمنّ أني شبعانة، وإن كنت في شمس لم أتمنّ أني في ظلٍّ.
فَقَالَ العابد: هذه والله خصلة يعجز عنها العباد.
وكما أن الصبر إِنَّمَا يكون عند الصدمة الأولى، كما صح ذلك عن النبي ﷺ (١) فالرضا إِنَّمَا يكون بعد نزول البلاء، كما كان النبي ﷺ يقول في دعائه: "وأسألك الرضا بعد القضاء" (٢).
стр. 63
لأنّ العبد قد يعزم عَلَى الرضا بالقضاء قبل وقوعه، فَإِذَا وقع انفسخت تلك العزيمة.
فمن رضي بعد وقوع القضاء، فهو الراضي حقيقة.
وفي الجملة: فالصبر واجب لابد منه، وما بعده إلا السخط، ومن سخط أقدار الله فله السخط مع ما يتعجل له من الألم وشماتة الأعداء به أعظم من جزعه، كما قال بعضهم:
لا تجزعن من كل خطب عرا ... ولا ترى الأعداء ما يشمتوا
يا قوم بالصبر ينال المنى ... إذا لقيتم فئة فاثبتوا (*)
وقال النبي ﷺ :
"من يتصبر يصبره الله، وما أُعطي أحد عطاءً خيرًا ولا أوسع من الصبر" (١).
وقال عمر: وَجدنا خير عيشنا بالصبر (٢).
وقال علي: إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له (٣).
وقال الحسن: الصبر كنز من كنوز الجنة، لا يعطيه الله إلا لمن كرم عليه.
وقال ميمون بن مهران: ما نال أحد شيئًا من جسيم الخير، نبي فمن دونه إلا بالصبر.
وقال إبراهيم التيمي: ما من عبد (وهبه الله) (**) صبراً عَلَى الأذى،
стр. 64
وصبرًا عَلَى البلاء وصبرًا عَلَى المصائب، إلا وقد أوتي أفضل ما أوتيه أحد بعد الإيمان بالله .
وهذا منتزع من قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إِلَى قوله: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
والمراد بالبأساء: الفقر ونحوه، وبالضراء: المرض ونحوه، وحين البأس: حال الجهاد.
وقال عمر بن عبد العزيز: ما أنعم الله عَلَى عبد نعمة فانتزعها منه، فعاضه مكان ما انتزع منه الصبر إلا كان ما عوضه خيرًا مما انتزع منه، ثم تلا: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
وكان بعض الصالحين في جيبه ورقة يفتحها كل ساعة فينظر فيها، وفيها مكتوب: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨].
والصبر الجميل هو أن يكتم العبد المصيبة ولا يخبر بها.
قال طائفة من السَّلف في قوله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ٨٣] قالوا: لا شكوى معه.
كان الأحنف بن قيس قد ذهبت عينه من أربعين سنة ولم يذكرها لأحد.
وذهبت عين عبد العزيز بن أبي روَّاد من عشرين سنة، فتأمله ابنه يومًا فَقَالَ له: يا أبت، قد ذهبت عينك! فَقَالَ: نعم يا بني، الرضا عن الله أذهب عين أبيك من عشرين سنة.
وكان الإمام أحمد لا يشتكي ما به من المرض إِلَى أحد، وذُكرَ له أن مجاهدًا كان يكره الأنين في المرض، فتركه فلم يئن حتى مات، وكان يقول لنفسه: يا نفسي، اصبري ولا تندمي.
ودخل بعض العارفين عَلَى مريض يقول: آه، فَقَالَ له ذلك العارف: ممن؟!
стр. 65
وفي هذا المعنى يقول بعضهم:
تفيض النفوس بأوصابها ... وتكتم عوادها ما بها
وما أنصفت مهجة تشتكي ... هواها إِلَى غير أحبابها
قال يحيى بن معاذ: لو أحببت ربك ثم جوعك وأعراك، لكان يجب أن تحتمله وتكتمه عن الخلق، فقد يحتمل الحبيب لحبيبه الأذى فكيف وأنت تشكوه فيما لم يصنعه بك؟:
ويقبح من سواك الفعل عندي ... وتفعله فيحسن منك ذاكا
كان الرسول ﷺ وأصحابه يشدون عَلَى بطونهم الحجارة من الجوع (١).
أن أُويس يلتقط الكسر من المزابل، والكلابُ تزاحمه، فنبح عليه كلب يومًا فَقَالَ: يا كلب، لا تؤذ من لا يؤذيك، كل مما يليك وآكل ما يليني، فإن دخلت الجنة فأنا خير منك، وإن دخلت النار فأنت خير مني.
وكان إبراهيم بن أدهم يلتقط السنبل مع المساكين، فرأى منهم كراهة لمزاحمته، فَقَالَ: أنا تركت ملك بلخ أفأزاحم المساكين عَلَى لقط السنبل؟ فكان بعد ذلك لا يلتقط إلا مع الدواب التي ترعى فيه.
وكان الإمام أحمد يلتقط السنبل مع المساكين أيضاً.
وآجر سفيان الثوري نفسه من جمالين في طريق مكة، فطبخ لهم طعامًا فأفسده. فضربوه.
وكان فتح الموصلي يوقد النار للناس بالأجرة:
من أجلك قد تركت خدي أرضا ... للشامت والحسود حتى ترضى
مولاي إِلَى متى بهذا أحظى ... عمر يفنى وحاجتي ما تقضى
стр. 66
غيره:
كم أحمل في هواك ذلا وعنا ... كم أصبر فيك تحت سقم وضنا
لا تطردنّي فليس عنك غنى ... خذ روحي إن أردت الثمنا
من أجل هواكم هويت العشقا ... قلبي كلف ودمعتي ما ترقا
في حبكم يهون ما قد ألقى ... ما يسعد بالنعيم من لا يشقى
كانت مصائب الدُّنْيَا عندهم نعمًا، حتى قال بعضهم: ليس بفقيه من لم يعد البلاء نعمة والرخاء مصيبة.
ومن الإسرائيليات: إذا رأيت الغنى مقبلا فقل: ذنب عجلت عقوبته، وإذا رأيت الفقر مقبلا فقل: مرحبًا بشعار الصالحين.
وقال بعض السَّلف: إني لأصاب بالمصيبة فأحمد الله عليها أربع مرات: أحمد الله إذ لم تكن أعظم مما هي، وأحمد الله إذ رزقني الصبر عليها، وأحمده إذ وفقني للاسترجاع، وأحمده إذ لم يجعلها في ديني.
انتظار الفرج بالصبر عبادة، فإن البلاء لا يدوم:
اصبر لكل مصيبة وتجلد ... واعلم بأن الضر غير مؤبد
واصبر كما صبر الكرام فإنها ... نُوَبٌ تنوب اليوم تكشف في غد
إذا غُمِسَ أعظم الناس بلاء في الدُّنْيَا في نعيم الجنة غمسة، قِيلَ لَهُ: هل رأيت بؤسًا قط؟ هل مر بك بؤس قط؟ قال: لا يا رب (١).
يا نفس ما هي إلا صبر أيام ... كأن مدتها أضغاث أحلام
يا نفس جوزي عن الدُّنْيَا مبادرة ... وخل عنها فإن العيش قدام
قال غيره:
وما هي إلا ساعة ثم تنقضي ... ويذهب هذا كله ويزول
стр. 67
وقوله ﷺ : "واعلم أنَّ النصر مع الصبر "
هذا موافق لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥].
وقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ... ﴾ الآية [الأنفال: ٦٦].
وقوله تعالى في قصة طالوت: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩].
وقوله تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥] إِلَى غير ذلك من الآيات والأحاديث في الأمر بالصبر عند لقاء العدو كثيرة جدًا.
وقال عمر لأشياخ من بني عبس: بم قاتلتم الناس؟ قالوا: بالصبر، لم نلق قومًا إلا صبرنا لهم كما صبروا لنا.
قال بعض السَّلف: كلنا نكره الموت وألم الجراح، ولكن نتفاضل بالصبر.
وسئل البطال عن الشجاعة فَقَالَ: صبر ساعة.
وهذا كله في جهاد العدو الظاهر وهو جهاد الكفار، وكذلك في جهاد العدو الباطن وهو جهاد النفس والهوى، فإن جهادهما من أعظم الجهاد كما قال النبي ﷺ :
стр. 68
"المجاهد من جاهد في الله" (١).
وقال عبد الله بن عمرو لرجل سأله عن الجهاد: ابدأ بنفسك فجاهدها، وابدأ بنفسك فاغزها.
ويروى بإسناد ضعيف من حديث "جابر أن رسول الله ﷺ قال لقوم رجعوا
من الغزو: قَدِمْتُمْ مِنَ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ. قيل وما الجهاد الأكبر؟ قال: مُجَاهَدَةِ الْعَبْدِ هَوَاهُ" (٢).
وقال أبو بكر الصديق ﵁ في وصيته لعمر ﵁ حين استخلفه: إن أول ما أحذرك نفسك التي بين جنبيك.
ويروى من حديث سعد بن سنان عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ ومن حديث أبي مالك الأشجعي عن النبي ﷺ مرسلاً قال: "لَيْسَ عَدُوُّكَ الَّذِي إِذَا قَتَلَكَ أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ، وَإِذَا قَتَلْتَهُ كَانَ لَكَ نُورًا، أَعْدَى عَدُوّكَ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ" (٣).
وأخذ هذا المعنى العباس بن الأحنف الشاعر فَقَالَ:
قلبي إِلَى ما ضرني داعي ... يكثر أحزاني وأوجاعي
لقل ما أبقى عَلَى ما أرى ... يوشك أن ينعاني الناعي
كيف احتراسي من عدوي إذا ... كان عدوي بين أضلاعي
فهذا الجهاد أيضاً يحتاج إِلَى صبر، فمن صبر عَلَى مجاهدة نفسه وهواه وشيطانه غلب وحصل له النصر، ومن جزع ولم يصبر عَلَى مجاهدة ذلك غلب
стр. 69
وقهر وأسر، وصار ذليلا أسيرًا في يدي شيطانه وهواه، كما قيل.
قال غيره:
رب مستور سبته صبوة ... فتعرى صبره فانهتكا
صاحب الشهوة عبد فإذا ... غلب الشهوة صار الملكا
قال ابن المبارك ﵀: من صبر فما أقل ما يصبر، ومن جزع فما أقل ما يجزع.
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ :
"ليس الشديد بالصُّرعة، إِنَّمَا الشديد الَّذِي يملك نفسه عند الغضب" (١).
ووصف بعضهم الأحنف بن قيس فَقَالَ: كان أشد الناس سلطانًا عَلَى نفسه عند الغضب.
قيل لبعضهم: إن فلانًا يمشي عَلَى الماء! فَقَالَ: من مكّنه الله من مخالفة هواه فهو أقوى ممن يمشي عَلَى الماء.
واعلم أن نفسك بمنزلة دابتك، إن عرفت منك الجدّ جدت، وإن عرفت منك الكسل طمعت فيك، وطلبت منك حظوظها وشهواتها.
كان أبو سليمان الداراني يقول: كنت بالعراق، أمر عَلَى تلك القصور والمراكب والملابس والمطاعم التي للملوك، فلا تلتفت نفسي إِلَى شيء من ذلك، وأمر عَلَى التمر، فتكاد نفسي تقع عليه، فذكر ذلك لبعض العارفين فَقَالَ: تلك الشهوات آيس نفسه منها فآيست والتمرة أطعمها فيه فطعمت، كما قيل:
صبرت عَلَى اللذات حتى تولت ... وألزمت نفسي هجرها فاستمرت
وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى ... فإن طعمت تاقت لها وإلا تسلت
وكانت عَلَى الأيام نفسي عزيزة ... فلما رأت عزمي عَلَى الذل ذلت
стр. 70
فقوله ﷺ : "إن النصر مع الصبر "
يشمل الصبر عَلَى جهاد العبد لعدوه الظاهر، وجهاده لعدوه الباطن وهو نفسه وهواه، وكان السَّلف يفضلون هذا الصبر عَلَى الصبر عَلَى البلاء.
قال ميمون بن مهران: الصبر صبران: الصبر عَلَى المصيبة حسن، وأفضل من ذلك الصبر عن المعاصي.
وقال سعيد بن جبير: الصبر عَلَى نحوين: أحدهما الصبر عما حرم الله، والصبر لما افترض الله من عبادته، فذلك أفضل الصبر، والصبر الآخر في المصائب.
وقد ورد في هذا حديث مرفوع من حديث علي (١). لكنه لا يثبت.
...
стр. 71
قوله ﷺ : "أَنَّ الفرج مع الكرب "
هذا يشهد له قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ ... ﴾ [الشورى: ٢٨].
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا ... ﴾ [الروم: ٤٨].
وقول النبي ﷺ في حديث أبي رزين العقيلي:
"ضَحِكَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ وَقُرْبِ غِيَرِهِ" خرَّجه الإمام أحمد (١)، وخرَّج ابنه عبد الله (٢) من حديث أبي رَزِينٍ أيضًا في حديث طويل عن النبي ﷺ قال: "علم الله يوم الغيث إنه ليشرف عليكم أَزَلينَ قَنِطِينَ، فَيَظَلُّ يَضْحَكُ، قَدْ يَعْلَمُ أَنَّ غَيرَكُمْ إِلى قرب".
والمعنى أنَّه سبحانه يعجب من قنوط عباده عند احتباس المطر عنهم، وخوفهم وإشفاقهم ويأسهم من الرحمة، وقد قدر الله تغيير هذه الحال عنهم عن قرب بإنزال المطر ولكنهم لا يشعرون.
وهذا كما اشتكى ذلك الرجل إِلَى النبي ﷺ وهو قائم يخطب يوم الجمعة احتباس المطر وجهد الناس فرفع النبي ﷺ يديه فاستسقى لهم حتى نشأ السحاب ومطروا إِلَى الجمعة الأخرى حتى قاموا إليه يسضحي لهم ففعل فأقلعت السماء (٣).
وقد قص الله في كتابه قصصًا كثيرة تتضمن وقوع الفرج بعد الكرب والشدة،
стр. 72
كما قص نجاة نوح ومن معه في الفلك من الكرب العظيم، مع إغراق سائر أهل الأرض.
وكما قص نجاة إبراهيم ﵇ من النار التي ألقاه المشركون فيها، وأنه جعلها عليه بردًا وسلامًا، وكما قص قصة إبراهيم ﵇ مع ولده الَّذِي أمر بذبحه ثم فداه بذبح عظيم.
وكما قص قصة موسى ﵇ مع أمه لما ألقته في اليم حتى التقطه آل فرعون، وقصته مع فرعون لما نجّى الله موسى في البحر وأغرق عدوه.
وكما قص أيوب ويونس ويعقوب ويوسف- ﵈ وقصة قوم يونس لما آمنوا.
وكما قص الله قصص محمد ﷺ ونصره عَلَى أعدائه ونجاته منهم في عدة مواطن مثل قصته في الغار وقصته يوم بدر ويوم أُحد ويوم حنين.
وكما قص سبحانه قصة عائشة ﵂ في حديث الإفك وبرأها مما رميت به (١).
وقصة الثلاثة: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ (٢) [التوبة: ١١٨].
وفي السنة من هذا المعنى شيء كثير أيضاً مثل قصة الثلاثة الذين دخلوا الغار فانطبقت عليهم الصخرة، فدعوا الله بأعمالهم الصالحة، ففرج عنهم (٣).
ومثل قصة إبراهيم وسارة مع الجبار الَّذِي طلبها من إبراهيم، ورد الله كيد الفاجر (٤).
والحكايات الواقعة في هذا المعنى في الإسلام وقبله كثيرة جدًّا لا يمكن
стр. 73
استقصاؤها وكثير منها مذكور في الكتب المصنفة: في "الفرج بعد الشدة" لابن أبي الدُّنْيَا وغيره، وكتاب "مجابي الدعوة" لابن أبي الدُّنْيَا، وكتاب "المستغيثين بالله والمستصرخين به" وكتب كرامات الأولياء، وأخبار الصالحين، وفي كتب التواريخ وغيرها.
ونحن نذكر هاهنا طرفًا يسيرًا، من أظرف ما حكي في هذا الباب ليعتبر به.
ذكر بعض العُلَمَاء في مصنف له -وأظنه من المغاربة- أنَّه سمع من أبي ذر الهروي الحافظ يحكي أنَّه كان ببغداد يقرأ عَلَى أبي حفص بن شاهين في دكان عطار، وأنه شاهد رجلاً جاء إِلَى العطار فدفع إِلَيْهِ عشرة دراهم وأخذ منه حوائج، وجعلها في طبق ووضعه عَلَى رأسه، فزلق ووقع طبقه وتفرقت حوائجه، فبكى واشتد بكاؤه وقال: لقد ضاع مني في قافلة كذا وكذا هميان فيه أربعمائة دينار - أو قال: أربعة آلاف دينار- ومعها فصوص قيمتها أكثر من ذلك فما جزعت لضياعها، ولكن ولد لي الليلة ولد فاحتجنا في البيت إِلَى ما تحتاج إِلَيْهِ النفساء، ولم يكن عندي غير هذه العشرة دراهم، فلما قدر الله ما قدر جزعت، وقلت: لا أنا عندي ما أرجع به اليوم إِلَى أهلي ولا ما أكتسب لهم غدًا، ولم يبق لي حيلة إلا الفرار عنهم وتركهم عَلَى هذه الحال فيهلكون بعدي، فلم أملك نفسي أن جزعت هذا الجزع.
قال أبو ذر: ورجل من شيوخ الجند جالس على باب داره فسمع هذا كله، فسأل الجندي أبا حفص أن يدخل هو وأصحابه والرجل المصاب معه إِلَى بيته ففعل، وطلب من الرجل المصاب إعادة الحكاية في الهيمان فأعاد ذلك عليه، وسأله عن من كان في تلك القافلة وعن المكان الَّذِي ضاع فيه الهميان، فأخبره، ثم سأله عن صفة الهميان وعلامته، فأخبره بذلك، فَقَالَ: لو رأيته كنت تعرفه؟ قال: نعم. قال: فأخرجه إِلَيْهِ فلما رآه، قال: هذا الهميان الَّذِي سقط مني وفيه من الأحجار ما صفته كذا وكذا، ففتح الهميان فوجد الأحجار عَلَى ما وصف، فدفعه إِلَيْهِ وخرج من عنده وقد صار من الأغنياء.
فلما خرج بكى الشيخ الجندي بكاء شديدًا، فسئل عن سبب بكائه فَقَالَ: إنه لم يكن بقي لي في الدُّنْيَا أمل ولا أمنية أتمناها إلا أن يأتي الله بصاحب هذا المال
стр. 74
فيأخذه، فلما قضى الله بذلك بفضله ولم يبق لي أمل علمت أنَّه قد حان أجلي.
قال أبو ذر: فما انقضى شهر حتى توفي، وصلينا عليه ﵀.
وحكى هذا المصنف أيضاً في كتابه عن رجل حكى له بالموصل أن رجلاً كان عندهم تاجرًا يسافر بتجارته إِلَى البلدان، فسافر مرة بجميع ماله وما يملكه إِلَى الكوفة، فوافقه في تلك السفرة رجل فخدمه فأحسن خدمته، وأنس به حتى وثق به، ثم استغفله في بعض المنازل وأخذ دابته وما عليها من المال والمتاع، ولم يبق له شيئًا ألبتة، واجتهد في طلبه فلم يقع له عَلَى خبر، فرجع إِلَى بلده راجلاً جائعًا، فدخل المدينة ليلا وهو عَلَى تلك الحال فطرق بابه، فلما علم به أهله سروا به وقالوا: الحمد لله الَّذِي جاء بك في هذا الوقت، فإن أهلك قد ولدت اليوم ولدًا وما وجدنا ما نشتري به ما تحتاج إِلَيْهِ النفساء، ولقد كانت هذه الليلة طاوية فاشتر لنا دقيقًا ودهنا نسرج به، فلما سمع ذلك زاد في غمه وكربه، وكره أن يخبرهم بما جرى له فيحزنهم، فخرج إِلَى حانوت رجل كان بالقرب من داره فسلم عليه، وأخذ منه دهنًا وغيره مما يحتاج إِلَيْهِ، فبينما هو يخاطبه إذ التفت فرأى خرجه الَّذِي هرب به خادمه مطروحًا في داخل الحانوت، فسأله عنه فَقَالَ: إن رجلاً ورد عَلَيَّ بعد العشاء واشترى مني عشاء واستضافني فأضفته، فجعلت خرجه في حانوتي ودابته في دار جارنا، والرجل بائت في المسجد، فنهض إِلَى المسجد ومعه الخرج فوجد الرجل نائمًا، فرفسه فاستيقظ مذعورًا، فَقَالَ له: أين مالي يا خائن؟ قال: هوذا عَلَى عنقك والله ما فقد منه ذرة.
واستخرج الدابة من موضعها، ووسع عَلَى أهله وأخبرهم حينئذ بخبره.
وتشبه هاتين الحكايتين ما حكاه التنوخي في كتابه "الفرج بعد الشدة" والحكاية طويلة، وملخصها: أن رجلاً كان ببغداد في زمن الرشيد، وكان صيرفيًّا، فابتاع جارية بخمسمائة دينار، وشغف بها حتى تعطل عن معاشه بسبب ملازمتها، وأنفق رأس ماله حتى لم يبق معه منه شيء، وحملت جاريته فصار ينقض داره ويبيع أنقاضها حتى فرغت ولم يبق له حيلة فضربها الطَّلق وهو عَلَى تلك الحال، وطلبت منه ما يصلح للنفساء، وشكت إِلَيْهِ أنها تموت إن لم يعجل
стр. 75
عليها بذلك، فبكى وخرج عَلَى وجهه، وهم أن يغرق نفسه في دجلة، ثم خاف عقاب الله فامتنع، وخرج ماشيًا عَلَى قدميه من قرية إِلَى قرية حتى بلغ خراسان، فأقام بها واكتسب بها مالا، وكتب إِلَى بلده ستة وستين كتابًا ليتعرف خبر الجارية، فلم يعد إليه الجواب فلم يشك أنها ماتت.
ثم رجع إِلَى بغداد بعد مدة طويلة، ومعه مال قيمته عشرون ألف دينار، فخرج عَلَى قافلته اللصوص فأخذوا ما معه كله، وعاد بثيابه فقيرًا، ولم يزل يتوصل حتى دخل بغداد فقيرًا كما خرج منها بعد أن غاب عنها قريبًا من ثلاثين سنة، فقصد داره فوجدها عامرة وبابها حسن، وعليه بواب وغلمان وبغال، فسأل عن الدار: لمن هي؟! فقيل: هي لابن فلان الصيرفي -وسموا الرجل باسمه- قالوا: وهو ابن داية أمير المؤمنين، وهو جهبذه وصاحب بيت ماله، وأخبره الَّذِي سأله أن أباه أخبره أن أبا هذا الرجل صاحب الدار كان صيرفيًّا جليلا فافتقر، وإن أم هذا الصبي ضربها الطلق فخرج أبوه يطلب لها شيئًا، ففقد وهلك، وأن أمه أرسلت إِلَى بعض الجيران تستغيث بهم، فقاموا لها بحوائج الولادة، ثم أنَّه ولد لأمير المؤمنين ولد ذكر وذلك الولد هو المأمون، وأنه عرض عليه جميع الدايات فلم يقبل أثدائهن، فأرشدوا إِلَى أم هذا الصبي فَحُمِلَت إِلَى دار الرشيد، فحين وضع فم المولود عَلَى ثديها قبله وأرضعته، وصارت عندهم في حال جليلة، ثم لما ولى المأمون الخلافة كانت المرأة وابنها معه، وبنى ابنها هذه الدار، وسأله عن أمه: أحية هي؟ قالوا: نعم، وهي تمضي إِلَى دار الخليفة أيامًا وتكون عند ابنها أيامًا، فجاء الرجل الصيرفي حتى دخل الدار مع الناس فرآها في غاية الحسن ورأى في صدرها شابًّا يشبهه، وبين يديه الكتاب والأموال والموازين يقبضون ويُقبضون، فجلس الرجل في غمار الناس حتى تفرقوا ولم يبق غيره فَقَالَ له الشاب: يا شيخ، هل من حاجة؟ قال: نعم أنا أبوك. قال: فتغير وجهه ووثب مسرعًا، ثم استدعاه إِلَى داره وأجلسه عَلَى كرسي وهناك ستار، فَقَالَ له الشيخ: لعلك تريد أن تختبر صدق قولي من جهة فلانة؟ وذكر اسم جاريته أم الصبي، فسمعت الجارية صوته فرفعت الستارة