← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 151143

فضائل الشام

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (111 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

فضائل الشام

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله منجي من شاء من عباده المؤمنين من الهلكة، ومصطفي ما شاء من بلاده بمزيد الإيمان والبركة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فطوبى لمن وحده، وتبًّا لمن أشركه. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المخصوص بالفضل الَّذِي ما بلغه سواه ولا أدركه، مولده بمكة، ومهاجره طَيْبَة، وملكه بالشام فهي لأمته خير مملكة، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اقتفى طريقه وسلكه، وبعد. فإن الله -تعالى- جعل البلدة الحرام مبدأ لخلقه وأمره؛ فأول ما خلق من الأرض مكان البيت، ومنه دُحيتِ الأرض وهو أول مسجد وضع عَلَى وجه الأرض لعِبَادَةِ الله -تعالى- وتوحيده، وفيه ابتدأت رسالة. خاتم النبيين، وأنزل الكتاب المبين، وجعل الشام منتهى الخلق والأمر، ففي آخر الزمان يستقر الإيمان وأهله بالشام، وهي أرض المحشر والنشر للأنام. وقد اجتمعت في هذا الكتاب ما ورد في حماية الشام وصيانتها بما فيها من الإيمان والإسلام تطييبًا لقلوب المؤمنين وتسكينًا لهم مما حدث بالشام من الحوادث المزعجة في سنة إحدى واثنين وتسعين بعد سبع مئين من هجرة إمام المتقين، وخاتم النبيين صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، والله المسئول أن يحسن لنا وللمسلمين العاقبة، وأن يجعلنا من الطائفة القائمة بالحق الغالبة. وقد قسمته إِلَى عشرة أبواب، والله الموفق للصواب. الباب الأول: فيما ورد في الأمر بسُكنى الشام. الباب الثاني: فيما ورد في استقرار العِلْم والإيمان بالشام. الباب الثالث: فيما ورد في حفظ الشام من الفتن. الباب الرابع: فيما ورد في استقرار خيار أهل الأرض في آخر الزمان بالشام، وأن الخير فيها أكثر منه في سائر بلاد المسلمين. الباب الخامس: فيما ورد في أن الطائفة المنصورة بالشام.

стр. 3

الباب السادس: فيما ورد في أن الأبدال بالشام. الباب السابع: فيما ورد في بركة الشام. الباب الثامن: في حفظ الله الشام بالملائكة الكرام. الباب التاسع: فيما ورد في بقاء الشام بعد خراب غيرها من الأمصار. الباب العاشر: فيما ورد في فضل دمشق بخصوصها. وبالله المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ***

стр. 4

الباب الأول ما ورد في الأمر بسُكْنى الشام عن عبد الله بن حوالة قال: قال رسول الله ﷺ : "سَيَصِيرُ الأَمْرُ إِلَى أَنْ يَكُونَ أَجْنَادًا مُجَنَّدَةً، جُنْدٌ بِالشَّامِ، وَجُنْدٌ بِالْيَمَنِ، وَجُنْدٌ بِالْعِرَاقِ، فَقَالَ ابْنُ حَوَالَةَ: خِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ! فَقَالَ: عَلَيْكَ بِالشَّامِ؛ فَإِنَّهَا خِيرَةُ اللَّهِ مِنْ أَرْضِهِ، يَجْتَبِي إِلَيْهَا خِيرَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ، فَأَمَّا إِنْ أَبَيْتُمْ فَعَلَيْكُمْ بِيَمَنِكُمْ، وَاسْقُوا مِنْ غُدْرِكُمْ (١)، فَإِنَّ اللَّهَ توكل -وفي رواية: تَكَفَّلَ -لِي بِالشَّامِ وَأَهْلِهِ". خرجه الإمام أحمد (٢) وأبو داود (٣) وابن حبان في صحيحه (٤)، والحاكم (٥) وقال: صحيح الإسناد. وقال أبو حاتم الرازي (٦): هو حديث صحيح حسن غريب. قلت: وله طرق كثيرة، قد ذكرتها في شرح كتاب الترمذي مستوفاة. وخرَّج البزار (٧) نحوه، من حديث أبي الدرداء، وخرج البزار (٨) أيضاً، والطبراني (٩) نحوه من حديث ابن عمر.

стр. 5

وخرَّج الطبراني أيضاً من حديث واثلة بن الأسقع (١)، والعرباض (٢) بن سارية. وخرَّج الإمام أحمد (٣) والترمذي (٤) وابن حبان (٥) في صحيحه من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "تَخْرُجُ نَارٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ فَتَسُوقُ النَّاسَ قُلنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: عَلَيْكُمْ بِالشَّامِ» وصححه الترمذي. وخرَّج الإمام أحمد (٦) والترمذي (٧) من حديث بهز بن حكيم (٨) قال: "قلت يا رسول الله، أين تأمرني؟ قال: ها هنا. ونحى بيده نحو الشام. قال: إنكم محشورون رجالاً وركبانًا، وتخرون عَلَى وجوهكم". وفي رواية خرج الإمام أحمد (٩): "وأشار بيده إِلَى الشام، فقال: إِلَى ها هنا تحشرون" وصححه الترمذي أيضاً. وخرَّج الإمام أحمد (١٠) من حديث أبي أمامة الباهلي عن النبي ﷺ قال: "عليكم بالشام". وخرج الطبراني (١١) من حديث ابن عباس قال: "جاء رجل إِلَى رسول الله

стр. 6

- ﷺ فَقَالَ: يا رسول الله، إني أريد الغزو في سبيل الله، قال: عليك بالشام؛ فإن الله قد تكفل لي بالشام وأهله". وخرج الإمام أحمد (١) من حديث أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "كيف تصنع إن أُخرجت من المدينة؟ قلت: إِلَى السَّعة والدَّعة أنطلق، حين (٢) أكون حمامةً من حمام مكة. قال: فكيف تصنع إن أُخرجت من مكة؟ قلت: إِلَى السَّعة والدَّعة، إِلَى الشام والأرض المقدسة. قال: فكيف تصنع إن أُخرجت من الشام؟ قلت: إذًا والذي بعثك بالحق أضع سيفي عَلَى عاتقي. فَقَالَ: أو خيرٌ من ذلك تسمع وتطيع، وإن كان عبدًا حبشيًّا". وخرج ابن أبي خيثمة من حديث ذي الأصابع، أنَّه قال: "يا رسول الله، أين تأمرنا إن ابتلينا بالبقاء بعدك؟ قال: عليك بالشام". وخرج الترمذي (٣) من حديث ابن عمر "أن مولاة له أتته فقالت: اشتد عليّ الزمان، وأنا أريد أن أخرج إِلَى العراق، قال: فهلا إِلَى الشام؛ أرض المنشر ... " وذكر الحديث، وقال: حسن غريب (٤). وروى يحيى بن سعيد عن عبد الله بن هبيرة "أن أبا الدرداء كان قاضيًا بالشام فكتب إِلَى سلمان: هلم إِلَى الأرض المقدسة، أرض الجهاد". وروى الطبراني (٥) من حديث أرطاة بن المنذر قال: حدثني أبو الضحاك، قال: "أتيت ابن عمر فسألته: أين أنزل؟ فَقَالَ: إنَّ الناصية الأولى من أصحاب رسول الله ﷺ ساروا بلواء رسول الله ﷺ حين نزلوا الشام، ثم نزلوا حمص خاصة، فانظر ما كانوا عليه فأته". وروينا من حديث ابن ثوبان عن منصور بن المعتمر عن علقمة قال: "قدم

стр. 7

كعب عَلَى عمر المدينة، فَقَالَ له عمر: يا كعب، ما يمنعك بالنزول (١) بالمدينة، فإنها مهاجر رسول الله ﷺ وبها مدفنه؟ قال: يا أمير المؤمنين، إني وجدت في كتاب الله المنزل في التوراة، وإن الشام كنز الله في أرضه، وبها كنز الله من عباده". ورواه عبد الرزاق (٢) عن معمر، عن قتادة: "أن كعبًا قال لعمر: إني وجدت ... " فذكره. وروى إبراهيم بن أدهم عن عطاء الخراساني قال: لما هممت بالنُّقلة من خراسان شاورت من بها من أهل العِلْم: أين ترون أن أنزل بعيالي؟ فكلهم يقول: عليك بالشام، ثم أتيت البصرة فشاورت من بها: أين ترون أن أنزل بعيالي؟ فكلهم يقول: عليك بالشام، ثم أتيت الكوفة فشاورت من بها من أهل العِلْم: أين ترون أن أنزل بعيالي؟ فكلهم يقول: عليك بالشام، ثم أتيت مكة فشاورت من بها من أهل العِلْم: أين ترون لي أن أنزل بعيالي؟ فكلهم يقول: عليك بالشام، ثم أتيت المدينة: فسألت من بها من أهل العِلْم: أين ترون لي أن أنزل بعيالي؟ فكلهم يقول: عليك بالشام. خرَّجه ابن أبي خيثمة. وروى الصلت بن حكيم عن وهب بن منبه، قال: قال هرم بن حبَّان لأويس القرني: يا أخي، إني أخاف الوحشة من بعدك، فَقَالَ أويس: ما ظننت أن أحدًا يعرف الله فيستوحش معه، قال: قلت له: فأين أكون؟ قال: فأومأ بيده نحو الشام. قال: فقلت: كيف أصنع بالمعيشة؟ قال: إن خالط هذه النفوس الضعف فما ينفعها شيء. وذكر أبو بكر الخلال في كتاب "الجامع" عن أبي بكر المروذي قال: سئل أبو عبد الله -يعني: أحمد بن حنبل-: أين ترى إذا كره المكان الَّذِي هو فيه أن ينتقل؟ قال: إِلَى المدينة، قيل: فغير المدينة؟ قال: مكة. قيل: فغير هذا؟

стр. 8

قال: الشام، والشام أرض المحشر، ثم قال: دمشق، لأنها يجتمع إليها الناس إذا غلبت عليهم الروم. ونقل إسحاق بن إبراهيم بن هانئ وأبو طالب عن أحمد، قريبًا من ذلك، زاد أبو طالب: قلت له: فأصير إِلَى دمشق؟ قال: نعم. قلت: فالرملة؟ قالا: لا، هي قريبة من الساحل. ونقل حنبل عن أحمد قال: إذا لم يكن للرجل حرمة فالساحل والرباط أعظم للأجر، يَردُّ عن المسلمين، والشام بلد مبارك. ونقل أبو داود عن أحمد أنَّه قِيلَ لَهُ: هذه الأحاديث التي جاءت أن الله تكفل لي بالشام وأهله، ونحو هذا قال: ما أكثر ما جاء في هذا. قِيلَ لَهُ: فلعله في الثغور. قال: لا. وقال: أرض بيت المقدس أين هي؟ ولا يزال أهل الغرب ظاهرين عَلَى الحق، هم أهل الشام. ونقل يعقوب بن بختان قال: سمعت أبا عبد الله -يعني: أحمد- يقول: كنت آمُر بحمل الحريم إِلَى الشام، فأما اليوم فلا. ونقل مهنّا وبكر بن محمد وأبو الحارث عن أحمد نحوه. وزاد في روايتهما قال: لأنّ الأمر قد اقترب. زاد مهنّا قال: أخاف عَلَى الذرية من العدو. وقال جعفر بن محمد: سألت أبا عبد الله عن الحرمة، قلت: دمشق، فأعجبه ذلك، وأحسبه قال: نعم. ونقل حنبل، قيل لأبي عبد الله: فأين أَحَبّ إليك أن ينزل الرجل بأهله وينتقل؟ قال: كل المدينة معقل للمسلمين مثل دمشق. قال أبو بكر الخلال: كل ما ذكروه عن أبي عبد الله -يعني: أحمد- من معاقل المدن، ثم ذكرهم عند التوفي بآلائها أيضاً فهذا لما يبلغه من الحوادث، فأما ذكرهم عنه دمشق فهي عنده معقل دون الشام ودون غيرها إلا ما ذكر في أول

стр. 9

الباب من محبة المدينة عَلَى غيرها. انتهى. وحاصل ما نُقِل عن الإمام أحمد أنَّه يُسْتَحَبُّ سُكْنَى الشام والانتقال بالذرية والعيال إِلَى معاقلها كدمشق، فأما أطرافها وثغورها القريبة من السواحل فلا يستحب سكناها بالذرية، لما يخشى عليهم من إغارة الكفار، وإنَّما يستحب الإقامة بها للرباط بدون نقل النساء والذرية. وكل ما كان من بلد من بلدانها أقرب إِلَى السواحل، وأشد خوفًا، فإنَّه يكره نقل الذرية إِلَيْهِ. فأما الأحاديث في فضائل الشام فلا تختص عنده بثغورها، بل هي عامة لجميع أرض الشام، كبيت المقدس، وما والاه ودمشق وغيرها، والله تعالى أعلم. وكذلك كره الأوزاعي نقل الذرية إلي الثغور التي يخشى عليها من العدو دون الثغور التي يغلب عليها الأمن من العدو. وفي كتاب "المراسيل" (١) لأبي داود عن الوضين بن عطاء عن مكحول والقاسم أبي عبد الرحمن أن رسول الله ﷺ قال: "لا تنزلوا الذرية -يعني- بإزاء العدو". وروى جويبر، عن الضحاك، عن النبي ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يعرض ذريته لسَبَاء المشركين" خرّجه أبو إسحاق الفزاري في كتاب "السير" وهو مرسل، وجويبر ضعيف. وروى أبو إسحاق عن الحسن بن الحسن عن عمر بن عبد العزيز أنَّه صرف قومًا قدموا عليه من اليمامة أرادوا سُكنى دمشق عنها، فقالوا: اختر لنا، قال: قِنَّسرِين. وهكذا كان عمر بن العزيز يختار لنفسه بلاد قنسرين عَلَى دمشق، وإنَّما اختار هذا لقرب العدو، وكون مقامه فيه أنفع للمسلمين؛ لتجهيز الجيوش ووصول الأخبار، وغير ذلك من مصالح العامة. والله أعلم.

стр. 10

الباب الثاني ما ورد في استقرار العِلْم والإيمان بالشام عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ قال: «إِنِّي رَأَيْتُ كَأَنَّ عَمُودَ الْكِتَابِ (١) انْتُزِعَ مِنْ تَحْتِ وِسَادَتِي، فَأَتْبَعْتُهُ بَصَرِي، فَإِذَا هُوَ نُورٌ سَاطِعٌ عُمِدَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، أَلَا وَإِنَّ الْإِيمَانَ إِذَا وَقَعَتِ الْفِتَنُ بِالشَّامِ» خرّجه الحاكم (٢) وقال: صحيح عَلَى شرط الشيخين. وفي رواية خرّجها [أبو] (٣) القاسم بن عساكر في "تاريخ دمشق": "فَأَوَّلتُهُ المُلْك". وللحديث طرق عن عبد الله بن عمرو، قد ذكرتها في شرح الترمذي. وخرّجه الإمام أحمد (٤) من حديث أبي الدرداء، وعمرو بن العاص (٥) عن النبي ﷺ بنحوه. وخرّجه الطبراني (٦) من حديث عمر بن الخطاب وابنه عبد الله (٧) - رضي

стр. 11

الله عنهما- ويروى نحوه من حديث أبي أمامة وعائشة، وفي إسناديهما ضعف. وخرَّج الإمام أحمد (١) والنسائي (٢) من حديث سلمة بن [نفيل] (٣) سمع النبي ﷺ يقول: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين عَلَى الناس يزيغ الله قلوب أقوام فيقاتلونهم، يرزقهم الله منهم حتى يأتي أمر الله لي هم عَلَى ذلك، ألا إن [عقب] (٤) دار المؤمنين الشام". وروى أبو القاسم الحافظ (٥) بإسناده عن أبي الدرداء أنَّه كان بدمشق فسأله معاوية أن يرجع إِلَى حمص، فَقَالَ: يا معاوية، أتأمرني بالخروج من عقر دار الإسلام. وعقر الشيء: أصله، ومنه قول النبي ﷺ : "إني لَبِعُقْرِ حوضي" أي: عند أصله. وروى شهاب بن خراش، عن سفيان الثوري، عن الأعمش، عن خيثمة، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "يأتي عليكم زمان لا يبقى مؤمن إلا لحق بالشام". خرجه أبو القاسم الدمشقي الحافظ في "تاريخه" (٦) وقال: رواه ابن المبارك، وابن مهدي، وقبيصة، و [أبو] (٧) حذيفة، عن سفيان، فوقفوه عَلَى عبد الله بن عمرو، وهو المحفوظ. قلت: وكذا خرّجه عبد الرزاق (٨) في "كتابه" عن معمر، عن الأعمش.

стр. 12

وخرَّج ابن عدي (١) من رواية أحمد بن كنانة، عن مقسم، عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "إذا ذهب الإيمان من الأرض وجد ببطن الأردن". وقال: حديث منكر، وأحمد بن كنانة شامي منكر الحديث. وروى المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن، قال: مَدَّ الفُرات عَلَى عهد عبد الله بن مسعود، فكره الناس مَدَّه، فَقَالَ عبد الله: يا أيها الناس، لا تكرهوا مَدَّه، فإنَّه يوشك أن يلتمس فيه ملء طست من ماء فلا يوجد، وذلك حين يرفع كل ماء إِلَى عنصره، ويكون الحساء وبقية المؤمنين بالشام". ورواه الأعمش، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن مسعود بنحوه، إلا أنَّه ذكر فيه أن الماء قل بالفرات، وقال فيه: "ويبقى الماء والمؤمنون بالشام". وخرّجه عبد الرزاق في "كتابه" (٢) عن معمر، عن الأعمش، عن القاسم ابن عبد الرحمن، قال: "شُكِي إِلَى ابن مسعود الفرات، فقالوا: نخشى أن ينفتق علينا، فلو أرسلت له من يَسْكره، فَقَالَ عبد الله: "لا نسكره؛ فوالله ليأتين عَلَى الناس زمان لو التمستم فيه ملء طست من ماء ما وجدتموه، وليرجعن كل ماء إِلَى عنصره، ويكون بقية الماء والمسلمين بالشام". وروى سعيد بن راشد القيسي عن عطاء عن ابن عمر، قال: "يأتي عَلَى الناس زمان لا يبقى مؤمن إلا لحق بالشام" (٣). وروى أبو مسهر، حدثنا صدقة بن خالد، سمعت عبد الرحمن بن يزيد بن جابر يقول: كان يقال: "من أراد العِلْم فلينزل [بداريا، بين عنس] (٤) وخولان.

стр. 13

وروى ضمرة، عن رجاء بن أبي سلمة، عن عطاء الخراساني قال: ما رأيت ففيها أفقه إذا وجدته من شامي. وقال [يعقوب] (١) بن سفيان (٢): سمعت الحسن بن الربيع يقول: سمعت ابن المبارك يقول: ما رحلت إِلَى الشام إلا لاستغني عن حديث أهل الكوفة. وقد ذكرنا في أول الباب الرواية عن النبي ﷺ بتأويل آية استقرار الكتاب بالشام بالملك، فإن الكتاب إِنَّمَا يقام به بملك يؤيده ويقاتل به من خرج عنه، كما جمع الله بين الأمرين في قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥] وروى العوام بن حوشب، عن سليمان بن أبي سليمان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "الخلافة بالمدينة، والملك بالشام" (٣). وروى شهاب بن خراش، حدثنا عبد الملك بن عمير، عمن حديثه قال: قال رسول الله ﷺ : "خلافتي بالمدينة، وملكي بالشام" (٤). وروى الوليد بن مسلم، عن مروان بن جناح، عن يونس بن ميسرة بن حَلْبَس قال: قال رسول الله: " «هَذَا الْأَمْرُ كَائِنٌ بِالْمَدِينَةِ ثُمَّ بِالشَّامِ ثُمَّ بِالْجَزِيرَةِ ثُمَّ بِالْعِرَاقِ ثُمَّ بِالْمَدِينَةِ ثُمَّ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَإِذَا كَانَتْ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ فَثَمَّ عُقْرُ دَارِهَا وَإنْ يُخْرِجُهَا قَوْمٌ فَتَعُودُ إِلَيْهِمْ أَبَدًا» (٥). قال أبو القاسم الحافظ: يعني بقوله: بالجزيرة أمر مروان بن محمد الحمار. وبقوله: بالمدينة بعد العراق، يعني به: المهدي الَّذِي يخرج آخر الزمان ثم

стр. 14

ينتقل إِلَى بيت القدس، وبها يحاصره الدجال، فالله أعلم. ورُوي عن ابن عباس "أنَّه سأل كعبًا: كيف تجد نعت النبي ﷺ في التوراة؟ قال كعب: نجده محمد بن عبد الله، يولد بمكة، ويهاجر إِلَى طابة، ويكون ملكه بالشام" (١) وقد رُوي هذا عن كعب من وجوه كثيرة، وفي بعض ألفاظه: "سلطانه بالشام". ...

стр. 15

الباب الثالث فيما ورد في حفظ الشام من الفتن وأنها معقل المسلمين في ذلك الزمن قد تقدم في الباب الأول حديث ابن عمر، وبهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده في المعنى. وفي الباب الثاني حديث "أن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام". وفي رواية خرجها الطبراني (١) من حديث عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ قال: "رأيت في المنام أخذوا عَمُودَ الْكتَاب فَعَمَدُوا بِهِ إِلَى (السماء) (٢)؛ فَإِذَا وَقَعَتِ الْفِتَنَةُ فَالأَمْرُ بِالشَّامِ". وفي مسند الإمام أحمد (٣) عن ابن حوالة قال: «قَالَ لِي رَسُولَ اللهِ ﷺ : يَا ابْنَ حَوَالَةَ، كَيْفَ تَصْنَعُ فِي فِتْنَةٍ تَثُورُ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ كَأَنَّهَا صَيَاصِي بَقَرٍ؟» (٤) قُلْتُ: أَصْنَعُ مَاذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «عَلَيْكَ بِالشَّامِ». وروى ثور بن يزيد، عن حفص بن بلال بن سعيد (٥)، عن أبيه، وإن النبي ﷺ قال: "إذا وقعت الفتن فهاجروا إِلَى الشام؛ فإنها من الله بمنظر، وهي أرض المحشر: خرجه أبو القاسم الحافظ (٦) وهو مرسل.

стр. 16

وروى حماد بن سلمة، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده "أن النبي ﷺ قال لأبي ذر: إذا رأيت البناء قد بلغ مبلغًا -يعني:- المدينة، فعليك بالشام". ورُوي معناه عن الحسن، عن أبي أَسِيدِ الأنصاري، عن النبي ﷺ . وروى نافع، عن ابن عمر، عن كعب قال: "يوشك نار تخرج من اليمن تسوق الناس إِلَى الشام، تغدو معهم إذا غدوا، وتروح معهم إذا راحوا، فَإِذَا سمعتم بها فأخرجوا إِلَى الشام". وروى قطن بن وهب، عن مولاة لعبد الله بن عمر "أنها أرادت الجلاء في الفتنة واشتد عليها الزمان فاستأمرت عبد الله بن عمر، فَقَالَ: أين؟ قالت: العراق، قال: فلا إِلَى الشام، إِلَى المحشر". وروى هشام بن عمار، حدثنا الوليد، حدثنا خليد وسعيد، عن قتادة "في قوله تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١] قال: أنجاهما الله إِلَى الشام أرض المحشر والمنشر، وبها يجتمع الناس رأسًا واحدًا، وبها ينزل عيسى ابن مريم ﵇ وبها يُهْلك الله المسيح الكذاب". وقال ابن أبي خيثمة: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ضمرة، عن ابن شوذب قال: تذاكرنا الشام قال؛ فقلت لأبي سهل: أما بلغك أنَّه يكون بها كذا؟ قال: بلى، ولكن ما كان لها فهو أيسر مما يكون بغيرها. وروى نعيم بن حماد (١)، عن أبي ربيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: "ستكون فتنة تشمل الناس كلهم، لا يسلم منهم إلا الجند الغربي". وسنذكر فيما بعد أن الشام وما والاها مكان أهل المدينة يسمونها الغرب. وقد سبق حديث عبد الله بن حوالة عن النبي ﷺ أن الله تكفل لي بالشام

стр. 17

وأهله. وكان أبو إدريس الخولاني إذا حدث به قال: ومن تكفل الله به فلا ضيعة عليه. ورُوي عن عبد الله بن حوالة أنَّه كان إذا حدث به قال مثل ذلك أيضًا. وبقية هذا الباب سيأتي -إن شاء الله تعالى- في الباب الأخير في ذكر دمشق، فإنَّه ورد أنها معقل المسلمين من الملاحم، وأن من سكنها نجا وسنذكر فيه إن شاء الله حديث معقل المسلمين من الروم دمشق، ومن الدجال بيت المقدس، ومن يأجوج ومأجوح الطور، وهذه الأماكن الثلاثة كلها من أرض الشام. ***

стр. 18

الباب الرابع فيما ورد في استقرار خيار أهل الأرض في آخر الزمان بالشام وأن الخير فيها أكثر منه في سائر بلاد المسلمين قد سبق حديث: "أنها صفوة الله من بلاده، يسوق إليها خيرته من عباده". خرَّج الإمام أحمد (١) وأبو داود (٢) واللفظ له من حديث قتادة، عن شهر ابن حوشب، عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ، فَخِيَارُ أَهْلِ الأَرْضِ أَلْزَمهم مُهَاجرِ إِبْرَاهِيمَ، وَتَنْفِي الأرْض شِرَار أهْلِها تَلْفِظَهُمْ أَرْضُهُمْ (٣)، وَتَقْذَرُهُم (٤) نَفْسُ الرَّحْمَنِ، وَتَحْشَرُهُمُ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ». وعند الإمام أحمد (٥): "ينحاز الناس إِلَى مهاجر إبراهيم". وعنده في ذكر النار: "تبيت معهم إذا باتوا، تقيل معهم إذا قالوا، وتأكل من تَخَلَّف" (٥). وخرّجه نعيم بن حماد في كتاب "الفتن" (٦) وعنده: "وتحشرهم نار من

стр. 19

عدن مع القردة والخنازير". وقد رُوي موقوفًا عَلَى عبد الله بن عمرو، ورواه أبو جناب الكلبي، عن شهر، عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ بنحوه. خرّجه من طريقه الإمام أحمد (١)، ورواية قتادة ومن تابعه أشبه، وقد رواه عبد الله بن صالح، عن موسى بن علي [بن] رباح (٢)، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ خرَّجه من طريقه الحاكم في "المستدرك" (٣) وقال: صحيح عَلَى شرط الشيخين. وفيما قاله نظر. وقد رُوي هذا الحديث عن الأوزاعي، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ولم يسمعه الأوزاعي من نافع، إِنَّمَا بلغه عنه، ولم يسم من حديثه عنه، والله أعلم. وخرَّج الحاكم (٤) من حديث عفير بن معدان سمع سليم بن عامر يحدث عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: "الشام صفوة الله من بلاده يسوق إليها صفوة عباده، من خرج من الشام إِلَى غيرها فبسخطه، ومن دخلها من غيرها فبرحمته". وقال: صحيح الإسناد عَلَى شرط مسلم، كذا قال، وعفير بن معدان ضعيف الحديث. وروى إسماعيل بن عياش، عن عبد العزيز بن [عبيد] الله (٥)، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: "صفوة الله من أرض الشام، وفيها صفوته ممن خلقه وعباده" وخرجه الطبراني (٦) وعبد العزيز هذا فيه ضعف. ويروى نحوه من حديث معاذ عن النبي ﷺ بإسناد ضعيف.

стр. 20

وفي مسند الإمام أحمد (١) من حديث أبي المثنى، عن أبي أمامة قال: "لا تقوم الساعة حتى يتحول خيار أهل العراق إِلَى الشام، ويتحول شرار أهل الشام إِلَى العراق" وهذا موقوف. وخرَّج الطبراني (٢) من حديث أنس قال: "قلت": يا رسول الله، أين الناس يوم القيامة؟ قال: "في خير أرض الله وأحبها إِلَيْهِ؛ الشام، وهي أرض فلسطين". وهو منكر، وفي إسناده: إبراهيم بن حرب العسقلاني، قال العقيلي (٣): حدث بمناكير. وروى معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا فسد أهل الشام، فلا خير فيكم، ولا تزال طائفة من أمتي منصورين، لا يضرهم من خذلهم، حتى تقوم الساعة". خرجه الإمام أحمد (٤) والترمذي (٥)، وقال: "حسن صحيح" وابن حبان في [صحيحه] (٦) (٧). وخرج ابن ماجه (٨) آخره. وروى أبو خليد الدمشقي، عن الوضين بن عطاء، عن مكحول، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "الْخَيْر عشرَة أعشار، تِسْعَة بِالشَّام، وَوَاحِد فِي سَائِر الْبلدَانِ، وَالشَّر عشرَة أعشار، وَاحِد بِالشَّام، وَتِسْعَة فِي سَائِر الْبلدَانِ، وَإِذا فسد أهل الشَّام فَلَا خير فِيكُم".

стр. 21

في إسناده ضعف وانقطاع، ولعله موقوف. وروى الأعمش، عن عبد الله بن ضرار الأسدي، عن أبيه، عن ابن مسعود قال: "قسم الله الْخَيْر فَجعله عشرَة أعشار، فَجعلت (١) تِسْعَة أعشار بِالشَّام وبقيته فِي سَائِر الْأَرْض، وَقسم الشَّرّ، فَجعله عشرَة أعشار، فَجعل جزءًا منه فِي الشَّام، وبقيته فِي سَائِر الْأَرْضين". وقيل: عن الأعمش، عن عبد الله بن سراقة، عن أبيه، عن ابن مسعود. وقيل: عن الأعمش، عن سعيد بن عبد الله بن ضرار، عن أبيه، وعن خيثمة قالا: قال عبد الله ... فذكره (٢). خرَّجه ابن أبي خيثمة. وروى زياد بن عِلاَقة، عن ثابت بن قُطبة، عن عبد الله بن مسعود، قال: "إن تسعة أعشار الخير بالشام، وعُشْر بغيرها، وإن تسعة أعشار الشر بغيرها وعُشْر بها، وسيأتي عليكم زمان يكون أحب مال الرجل فيه حمر ينتقل عليها إِلَى الشام". وقيل: عن زياد بن علاقة، عن قطبة بن مالك، عن ابن مسعود. وقد رُوي هذا المعنى مرفوعًا، من وجه ضعيف، من رواية بقية بن الوليد، عن صباح بن مجالد، عن عطية، عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: "إذا كان سنة خمس وثلاثين ومائة خرج مردة الشياطين كان حبسهم سليمان بن داود ﵉ في جزيرة العرب، فذهب تسعة أعشارهم في العراق يجادلونهم، وعُشْر بالشام". خرجه العقيلي (٣)، وقال: لا أصل لهذا الحديث.

стр. 22

وخرّجه [ابن] (١) عدي (٢) من طريق بقية، عن عبد الواحد بن زياد، عن الصباح ... فذكره. وقال: الصباح هذا ليس بالمعروف، وهو من مشايخ بقية الذين لا يروي عنهم غيره. ورُوي عن كعب الأحبار، قال: الخير عشرة أجزاء، فتسعة أجزاء الخير في الشام، وجزء في سائر الأرضين. خرجه ابن أبي خيثمة (٣). وخرج الطبراني (٤) من حديث ابن وهب: أخبرني ابن [لهيعة] (٥) ويحيى [بن] (٦) أيوب عن عقيل عن الزهري عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة عن الأخنس عن ابن عمر، عن النبي ﷺ : «دَخَلَ إِبْلِيسُ الْعِرَاقَ فَقَضَى حَاجَتَهُ وَدَخَلَ الشَّامَ فَطَرَدُوهُ، حَتَّى بَلَغَ [بسَاق] (٧) وَدَخَلَ مِصْرَ فَبَاضَ فِيهَا وَفَرَّخَ، وَبَسَطَ عَبْقَرِيَّهُ». وقال: تفرد به ابن وهب بهذا الإسناد. وفي رواية عن الطبراني قال ابن وهب: أرى ذلك في فتنة عثمان، لأن الناس افتتنوا فيه، وسلم أهل الشام. ورُوي من وجه آخر من رواية خطاب بن يوسف، حدثنا عباد بن كثير عن سعيد عن قتادة عن سالم عن ابن عمر، عن النبي ﷺ : "إن الشيطان أتى العراق فباض فيهم وأفرخ، ثم إِلَى مصر، فبسط عبقريه وجلس، ثم أتى إِلَى الشام فطردوه". ورُوي موقوفًا فرواه يعقوب بن [سفيان] (٨) ثنا إبراهيم بن المنذر، حدثني

стр. 23

[عباس] (١) بن أبي شملة، عن موسى بن يعقوب، عن زيد بن أبي عتاب عن أسيد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن عمر (٢) قال: "نزل الشيطان [بالشرق] (٣) فقضى قضاءه، ثم خرج يريد الأرض المقدسة الشام فمنع، فخرج عَلَى ساق حتى جاء المغرب فباض بيضة، وبسط بها عبقريه". وهذا الموقوف أشبه، ويروى نحوه مختصرًا بإسناد منقطع عن إياس ابن معاوية مرسلاً. وخرج الطبراني (٤) من رواية أبي عبد السلام- صالح بن رستم مولى بني هاشم- عن عبد الله بن حوالة عن النبي ﷺ قال: "إن الله يقول: يَا شَامُ، يدي عليك، يَا شَامُ، أَنْتِ صَفْوَتِي مِنْ بِلَادِي، أُدْخِلُ فِيكِ خَيْرَة مِنْ عِبَادِي, أَنْتِ سَوْطُ نِقْمَتِي، وَسَوْطُ عَذَابِي, أَنْتِ [الْأَنْدَرُ] (٥) وَإِلَيْكِ الْمَحْشَرُ. [وَرَأَيْتُ] (٦) لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَمُودًا أَبْيَضَ كَأَنَّهُ لُؤْلُؤَة تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ، قُلْتُ: [مَا] (٧) تَحْمِلُونَ؟ قَالُوا: عَمُودُ الْإِسْلَامِ، أَمَرَنَا أَنَ نَضَعَهُ بِالشَّامِ، وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ رَأَيْتُ الْكِتَابَ اخْتُلِسَ مِنْ تَحْتِ وِسَادَتِي, فَظَنَنْتُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ تَخَلَّى مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ فَأَتْبَعْتُهُ بَصَرِي، فَإِذَا هُوَ نُورٌ بَيْنَ يَدَيَّ حَتَّى وُضِعَ بِالشَّامِ". وهذه الألفاظ غير محفوظة في حديث ابن حوالة فإنَّه رُوي من طرق كثيرة، ليس فيها شيء من ذلك وروى إسماعيل بن عياش عن الأسود بن [أحمد

стр. 24

العبسي] (١) عن وهب الذماري، قال: إن الله كتب للشام: إني فدَّسْتُكِ وباركتك، جعلت فيك مقامي، وأنت صفوتي من بلادي، وأنا سائق إليك صفوتي من عبادي؛ فاتسعي لهم برزقك [ومسألتك] (٢) كما يتسع الرحم أن [وضع] (٣) فيه اثنان وسعه، وإن ثلاثة مثل ذلك، وعيني عليك بالظل والمطر من أول السنين إِلَى آخر الدهر، فلن أنساك حتى أنسى يميني، وحتى تنسى ذات الرحم ما في رحمها. وروى ضمرة بن ربيعة عن الوليد بن صالح قال: في [كتاب] (٤) الأول: إن الله يقول للشام: أنت [الأندر] (٥) ومنك المنشر، وإليك المحشر، فيك ناري، ونُوري من دخلك، رغبة فيك، فبرحمتي ومن خرج منك رغبة [عنك] (٦) فبسخطي، تتسع لأهلها كما يتسع الرحم للولد. وخرّجه ابن أبي خيثمة في "تاريخه" وزاد في آخره: مهما أعجزهم فيها، فلن يعجزهم فيها [الخبز والزيت] (٧). ويروي من غير وجه عن كعب أنَّه وجد في الكتب السابقة أن الشام كنز الله في أرضه، بها كنزه من عباده. وقد سبق ذكره. ويروى أيضاً عن كعب أنَّه كان يقول: يا أهل الشام، إن الناس يريدون أن يضعوكم، والله يرفعكم، وإن الله يتعهدكم كما يتعاهد الرجل نبله في كنانته؛ لأنها أَحَبّ أرضه إِلَيْهِ، يسكنها أَحَبّ خلقه إِلَيْهِ، من دخلها مرحوم، ومن خرج منها فهو مغبون.

стр. 25

وقال الأوزاعي عن ثابت بن معبد قال الله : "يا شام، أنت خيرتي من بلادي، أسكنك خيرتي من عبادي". وعن وهب بن منبه قال: "إني لأجد ترداد الشام في الكتب، حتى كأنه ليس لله حاجة إلا بالشام". وعن كعب قال: "أَحَبّ البلاد إِلَى الله: الشام، وأحب الشام إِلَى الله القدس، وأحب القدس: جبل نابلس، ليأتين عَلَى الناس زمان يتماسحونه بالحبال بينهم". وعن كعب وروى أبو المهدي عن أبي [الزاهرية] (١) عن الصنابحي يرفعه، قال: "أوصى الله إِلَى الشام: إنك واري، وقراري، وأنت [الأندر] وأنت منبت أنبيائي، وأنت موضع قدسي، وأنت موضع موطئي، وإليك أسوق [خيري] (٢) من خلقي، وإليك محشر عبادي، ولم تزل [عيني] (٣) عليك من أول يوم من الدهر إِلَى آخر يوم من الدهر بالظل والمطر، وإذا عجز أهلك المال لمن يعجزهم الخبز والماء. وروينا في كتاب "فضائل الشام" (٤) للربعي بإسناده عن يونس بن حلبس قال: "أشرف عيسى ﵇ عَلَى الغوطة، فَقَالَ: يا غوطة، إن عجز الغني أن يجمع منك كنزًا، لم يعجز المسكين أن يشبع منك خبزًا". وروى خالد الخراساني، حدثنا جسر - هو ابن الحسن - عن الحسن قال: "خيار أهل الشام خير من خياركم، وشرار أهل الشام خير من شراركم، قالوا: ولم تقول هذا يا أبا سعيد؟ قال: لأنّ الله -تعالى- يقول: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١].

стр. 26

وقال يحيى بن صالح: سمعت إسماعيل بن عياش يقول: لما أنْ خرجت من عند المهدي لقيني هشيم بن بشير، فَقَالَ لي: يا أبا عتيبة، جزاك الله عن الإسلام خيرًا، سمعت أشياخنا يَقُولُونَ: صَالحُوكم خير من صالحينا، وطالحوكم خير من طالحينا. أخرج ذلك كله الحافظ أبو القاسم الدمشقي في أول "تاريخه" (١). وروى يعقوب بن شيبة بإسناده عن الحارث بن عميرة أنَّه قدم عَلَى "مسعود" (٢)، فَقَالَ له: ممن أنت يا ابن أخي؟ فَقَالَ الحارث: من أهل الشام. فَقَالَ: نعم الحي أهل الشام، لولا واحدة، لولا أنهم يشهدون عَلَى أنفسهم أنهم من أهل الجنة ... وذكر الحديث. ...

стр. 27

الباب الخامس فيما ورد في أن الطائفة المنصورة بالشام في "الصحيحين" (١) عن عمير بن هانئ أنَّه سمع معاوية يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم عَلَى ذلك". قال عمير: فَقَالَ مالك بن يخامر: قال معاذ: وهم بالشام. فَقَالَ معاوية: هذا مالك بن يخامر يزعم أنَّه سمع معاذًا يقول: وهم بالشام. وروى حماد بن زيد عن الجريري عن مطرف عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون عَلَى الحق ظاهرين عَلَى من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال". قال مطرف: فنظرت في هذه العصابة فوجدتهم أهل الشام. وقد خرجه الإمام أحمد (٢) وأبو داود (٣) بدون قول مطرف. وخرج مسلم في "صحيحه" (٤) من حديث سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يزال الغرب ظاهرين عَلَى الحق حتى تقوم الساعة" وقد فسر الإمام أحمد أهل الغرب في هذا الحديث بأهل الشام؛ فإن التشربق والتغريب

стр. 28

أمر نسبي، والنبي ﷺ إِنَّمَا قال هذا بالمدينة، وقد سمي النبي ﷺ وأهل نجد والعراق أهل المشرق، فلذلك كانوا يسمون أهل الشام أهل المغرب؛ لأن الشام تتغرّب عن المدينة، كما أن نجدًا تتشرّق عنها. وكانوا يسمون البصرة هِندًا، لأنها من جهة الهند، ومنها يُسلك إِلَى الهند، ولهذا قال خالد لما عزله عمر عن الشام: إن عمر أمرني أن [آتي] (١) الهند. قال الرواي: وكانت الهند عندنا البصرة. وفسرت طائفة أخرى الغرب المذكور في هذا الحديث بالدلو العظيم، وقالوا: المراد بهم العرب (٢)؛ لأنهم يستقون [بالغرب] (٣) وهذا قول علي بن المديني وغيره. وقد وردت الأحاديث أن [العرب تهلك] (٤) في آخر الزمان، فلا يبقى منهم بقية إلا بالشام، فيرجع الأمر إِلَى تفسير الحديث بأهل الشام، كما روى يونس بن أبي إسحاق، حدثنا إدريس بن يزيد وداود بن يزيد [الأوديان] (٥)، حدثنا والدنا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "أول الناس هلاكًا فارس ثم [العرب] (٦) من قربها، ثم أشار بيده قبل الشام: إلا بقية ها هنا" (٧). ورواه سعيد بن بشير عن داود (الأزدي) (٨) عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "أول الناس هلكة فارس، ثم الغرب، إلا بقايا ها هنا - يعني:

стр. 29

بالشام" (١). وخرج ابن ماجه (٢) من حديث أبي أمامة "أن النبي ﷺ لما نزل خروج الدجال خارج المدينة قِيلَ لَهُ: يا رسول الله، فأين [العرب] (٣) يومئذ؟ قال: هم يومئذ قليل، وجُلَّهُم ببيت المقدس". وقد ورد عن النبي ﷺ التصريح بأن هذه الطائفة المنصورة بالشام. فروى يعقوب بن سفيان، حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا يحيى بن حمزة، حدثني أبو علقمة الحضرمي أن عمير (الأسود) (٤) وكثير بن مرة الحضرمي قالا: إن أبا هريرة وابن السَّمط كانا يقولان: "لا يزال المسلمون في الأرض حتى تقوم الساعة، وذلك أن رسول الله ﷺ قال: لا تزال عصابة من أمتي قوَّامة عَلَى أمر الله، لا يضرُّها من خالفها، تقاتل أعداء الله، كما ذهب حرب نشأ حرب قوم آخرين". يزيغ الله قلوب قوم ليرزقهم منهم حتى تأتيهم الساعة كأنها قطع الليل المظلم، فيفزعون لذلك، حتى [يلبسوا] (٥) له أبدان الدروع". وقال رسول الله ﷺ : "وهم أهل الشام. ونكت رسول الله ﷺ بأصبعه يومئ بها إِلَى الشام حتى أوجعها" (٦). وذكر البخاري في "تاريخه" (٧) عن عبد الله بن يوسف نحوه. وخرَّج ابن ماجه (٨) من أوله إِلَى قوله: "ولا يضرها من خالفها" عن

стр. 30

[هشام] (١) بن عمار عن [يحيى] (٢) بن حمزة به، ولم يذكر في إسناده ابن السمط. وله طريق أخرى من رواية الصعق بن حزن عن سيار بن الحكم عن جبر عن عبيدة الحمصي الشاعر عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "هذه الأمة منصورة بعدي، منصورون أينما توجهوا، لا بضرهم [من خالفهم] (٣) من الناس حتى يأتي أمر الله، أكثرهم من الشام". وفي رواية: هم أهل الشام. ورواة بقية بن الوليد، حدثنا [حشرج] (٤) بن نباتة، حدثني سيار أبو الحكم عن شهر بن حوشب عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ فذكره بنحوه. ورواية الصعق بن حزن أصح. والصعق ثقة، وشيخ بقية غير معروف. وقد رُوي من حديث أنس من رواية محمد بن كثير المصيصي عن الأوزاعي عن قتادة عن أنس عن النبي ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي ... " فذكر الحديث، "وقال وأومأ بيده إِلَى الشام". وذكره الترمذي في "كتاب العلل" (٥) وقال: سألت البخاري عنه، فَقَالَ: هو منكر خطأ، إِنَّمَا هو عن قتادة عن مطرف عن عمران بن حصين. قلت: حديث قتادة عن مطرف عن عمران قد خرجه الإمام أحمد (٦) وأبو

стр. 31

داود (١)، وقد سبق ذكره، وأن الجُريريَّ رواه عن مطرف، وذكر فيه عنه أنَّه قال: نظرت فيهم فوجدتهم أهل الشام. وأما الأوزاعي فإنَّه روى هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير عن أبي هريرة عن النبي ﷺ من غير ذكر الشام. قال الأوزاعي: فحدثت به قتادة فَقَالَ: لا أعلم أولئك إلا أهل الشام. كذلك رواه الوليد بن مسلم عن الأوزاعي، وكذا رواه يحيى بن حمزة عنه إلا أنَّه قال: عن يحيى عن جابر، وقال فيه: قال الأوزاعي: وحدثني به قتادة، فزعم أنهم أهل الشام. ورواه عقبة بن علقمة عن الأوزاعي عن يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة، فوصل إسناد أبي هريرة، والمحفوظ الأول. ورُوي من وجه آخر: من رواية عباد بن عباد أبي عتبة البرمكي عن أبي زرعة [السيباني] (٢) عن أبي وعْلَة [العكي] (٣) عن كريب السحولي، حدثني مرة البهزي أنَّه سمع النبي ﷺ يقول: "لا تزال طائفة من أمتي عَلَى الحق ظاهرين عَلَى من ناوأهم، وهم كالإناء بين الأكلة حتى يأتي أمر الله، وهم عَلَى ذلك، قلنا: يا رسول الله، وأين هم؟ قال: بأكناف بيت المقدس". خرجه الطبراني (٤) وغيره إلا أن رواية الطبراني عن أبي زرعة العكي، وهو وهم.

стр. 32

ورواهُ ضمرة بن ربيعة عن أبي زرعة الشيباني عن عمرو بن عبد الله الحضرمي عن أبي أمامة عن النبي ﷺ بنحوه. وقال فيه: "قالوا يا رسول الله، وأين هم؟ قال: ببيت المقدس وما حوله، لا يضرهم خذلان من خذلهم، ظاهرين عَلَى الحق إِلَى أن تقوم الساعة". أخرجه ابن أبي خيثمة والطبراني (١) وقال: لم يروه عن عامر إلا الوليد، تفرد به إسماعيل بن عياش. وخرّجه ابن عدي (٢)، وقال: هذا الحديث بهذا اللفظ ليس يرويه إلا ابن عياش عن الوليد، والوليد بن عباد ليس بمعروف، وحديثه غير مستقيم. انتهى. وقد قال بعضهم في هذا الإسناد: عن عاصم الأحول، عن أبي صالح الخولاني، قاله أبو القاسم الدمشقي الحافظ (٣). الوجه الثاني: رواه خيثمة بن [سليمان] (٤) الحافظ، حدثنا العباس بن الوليد، أخبرنا محمد بن شعيب، أخبرني أبو المغيرة عمرو بن [شراحيل] (٥) العنسي أنَّه سمع حيان بن [وبرة] (٦) المري ببيروت يحدث عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا يزال بدمشق عصابة يقاتلون عَلَى الحق حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون". الوجه الثالث: من رواية محمد بن عائذ، حدثنا الهيثم بن حميد، حدثنا يزيد الحميري، رفعه إِلَى أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يزال عصابة من أمتي يقاتلون عَلَى أبواب دمشق وما حولها، وعلى أبواب بيت المقدس وما

стр. 33

حولها، لا يضرهم خذلان من خذلهم، ظاهرين عَلَى الحق إِلَى أن تقوم الساعة". الوجه الرابع: من رواية موسى بن أيوب، حدثنا عبد الله بن القاسم (١) عن السري بن بزيع عن السري عن الحسن عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون عَلَى أبواب بيت المقدس وما حولها، وعلى أبواب أنطاكية وما حولها، وعلى أبواب دمشق، وما حولها، وعلى أبواب الطالقان وما حولها، ظاهرين عَلَى الحق، لا يبالون من خذلهم ولا من نصرهم". غريب جدًّا، وفي إسناده من لا يعرف، ومما يدل عَلَى أن هذه الطائفة بالشام حديث شعبة عن معاوية بن قرة عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، لا تزال طائفة من أمتي منصورين، لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة". خرجه الإمام أحمد (٢)، والترمذي (٣) وقال: حديث حسن صحيح. ورواه سعيد بن عبد الجبار، عن أرطاة بن المنذر، حدثني معاوية بن قرة عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ قال: "إذا هلك أهل الشام فلا خير في أمتي، ولا تزال طائفة من أمتي يقاتلون عَلَى الحق ظاهرين لا يبالون بخلاف من خالفهم أو خذلان من خذلهم حتى يأتي أمر الله، وهم عَلَى ذلك وهو يشير إِلَى الشام". خرجه أبو القاسم الحافظ (٤). ورواية شعبة عن معاوية بن قرة عن أبيه أصلح. وقد ذكرنا فيما تقدم حديث سلمة بن نفيل عن النبي ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين عَلَى الناس يزيغ الله قلوب أقوام فيقاتلونهم، ويرزقهم الله

стр. 34

منهم حتى يأتي أمر الله وهم عَلَى ذلك، ألا إن عقر دار المؤمنين الشام". خرجه الإمام أحمد (١) والنسائي (٢). وفي رواية لأبي القاسم البغوي: "وعقر دار المؤمنين يومئذ بالشام" (٣) وفيه إشارة إِلَى أن هذه الطائفة، أو معظمها بالشام. وأما من قال من العُلَمَاء أن هذه الطائفة المنصورة هم أهل الحديث. كما قاله ابن المبارك، ويزيد بن هارون، وأحمد بن حنبل، وعلي ابن المديني، والبخاري وغيرهم، فإنَّه غير مناف لما ذكرناه؛ لأنّ الشام في آخر الزمان بها يستقر الإيمان وملك الإسلام، وهي عقر دار المؤمنين، فلابد أن يكون فيها من ميراث النبوة من العِلْم ما يحصل به سياسة الدين والدنيا، وأهل العِلْم بالسنة النبوية بالشام هم الطائفة المنصورة القائمين بالحق الذين لا يضرهم من خذلهم. وروى محمد بن أيوب بن ميسرة عن حَلْبَس عن أبيه خريم بن فاتك الأسدي أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "أهل الشام سوط الله في أرضه، ينتقم بهم ممن يشاء من عباده، وحرام عَلَى منافقيهم أن يظهروا عَلَى مؤمنيهم، ولا يموتوا إلا همًّا وغمًّا". خرجه الطبراني (٤) وغيره، ورُوي عن خريم موقوفًا. وروى عبد الله بن [مسلم] (٥) بن هرمز عن مجاهد عن تبيع عن كعب قال: أهل الشام سيف من سيوف الله، ينتقم الله بهم ممن عصاه في أرضه. ويروى عن عون بن عبد الله بن عتبة قال: قرأت فيما أنزل الله عَلَى بعض

стр. 35

الأنبياء أن الله يقول: الشام كنانتي، فإذا غضبت عَلَى قوم رميتهم منها بسهم. وروى سعيد بن بشير عن قتادة في قوله -تعالى-: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] قال: هم أهل الشام. ورواه خليد عن قتادة قال: لا أعلم أولئك إلا أهل الشام. وروى عطاء بن السائب قال: سمعت عبد الرحمن الحضرمي [أيام] (١) ابن الأشعث يخطب وهو يقول: يا أهل الشام، أبشروا؛ فإن فلانًا أخبرني أن رسول الله ﷺ قال: "يكون قوم في آخر أمتي يعطون من الأجر مثل ما يعطى أولهم، ويقاتلون أهل الفتن وينكرون المنكر وأنتم هم". وروى [عمرو] (٢) بن مرزوق، أنا عمران القطان، عن يزيد بن [سفيان] (٣) عن أبي هريرة قال: "لا تسبوا أهل الشام، فإنهم جند الله المقدم". وروى مالك بن أبي عامر [أنَّه] (٤) سمع كعبًا يقول: نجد صفة الأرض في كتاب الله (٥) عَلَى صفة النسر، فالرأس الشام والجناحان المشرق والمغرب، فإذا قرع (٦) الرأس هلك الناس، وايم الَّذِي نفسي كعب بيده، ليأتين عَلَى الناس زمان لا يبقى جزيرة من جزائر العرب -أو قال: مصر من أمصار العرب - إلا وفيهم مغيث كذا - جبل من الشام يقاتلونهم عن الإسلام، لولاهم كفروا". وقد ورد النهي عن قتال أهل الشام وذم من قاتلهم؛ فروى يعقوب بن شيبة في "مسنده" حدثنا الأسود بن عامر، حدثنا شريك، عن الأعمش، عن حبيب

стр. 36

ابن أبي ثابت عن أبي إدريس عن المنتقب ابن بحينة (١) قال: قال علي ﵁: "لا تقاتلوا أهل الشام بعدي". وروى أبو القاسم من الحافظ (٢) بإسناده عن [أبي بكر] (٣) النهشلي قال: كنت في الجمع -يعني: جمع الكوفة- يوم جاء [أهل] (٤) الشام يقاتلون أهل الكوفة، فإذا شيخ حسن الخطاب، حسن الهيئة عَلَى دابة له، وهو يقول: اللهم لا تنصرنا عليهم، اللهم فرق بيننا وبينهم، اللهم، اللهم؟ فقلت: يا عبد الله، ألا تتقي الله؟! ترى قومًا قد جاءوا يريدون، يقاتلون مقاتلينا ويسبون ذرارينا، وأنت تقول: اللهم لا تنصرنا عليهم؟! فَقَالَ: ويحك! إني سمعت عبد الله بن مسعود يقول: لا يغلب أهل الشام إلا شرار الخلق. ...

стр. 37

الباب السادس فيما ورد في أن الأبدال بالشام قال الإمام أحمد (١): حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، حدثني شريح بن عبيد قال: "ذكر [أهل] (٢) الشام عند علي بن أبي طالب فقالوا: العنهم يا أمير المؤمنين قال: لا؛ إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الأبدال يكونون بالشام وهم [أربعون] (٣) رجلاً، كلما مات رجل بدل الله مكانه رجلاً فيستقي بهم الغيث وينصر بهم عَلَى الأعداء، ويصرف عن أهل الشام بهم العذاب". شريح بن عبيد شامي، معروف، قيل: إنه لم يسمع من علي، لكنه أدركه فإنَّه يروي عن عقبة بن عامر، وفضالة بن عبيد، ومعاوية، وغيرهم. ورُوي عن علي من وجه آخر: من رواية [ابن لهيعة] (٤) حدثني عياش بن عباس عن عبد الله بن زرير عن علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ قال: "يكون في آخر الزمان فتنة، (يخلص) (٥) فيها الناس كما (يخلص) (٥) الذهب في المعدن، فلا تسبوا أهل الشام، ولكن سبوا شرارهم؛ فإنَّه فيهم الأبدال، يوشك أن يرسل عَلَى أهل الشام سَبب من السماء فيفرق جماعتهم، حتى لو قاتلتهم الثعالب غلبتهم، فعند ذلك

стр. 38

يخرج خارج من أهل بيتي في ثلاث رايات، المكثر يقول: هم خمسة عشر ألفًا، والمقل يقول: هم اثنا عشر ألفًا، أمارتهم: أمت أمت، يلقون سب رايات، تحت كل راية منها رجل يطلب الملك، فيقتلهم الله جميعًا، ويرد الله إِلَى المسلمين ألفتهم ونعمتهم وقاصيهم ودانيهم". خرجه الطبراني (١). وقد روى ذكر الأبدال عن علي موقوفًا، وهو أشبه. روى أبو صالح حدثني أبو شريح أنَّه سمع الحارث بن يزيد يقول: حدثني عبد الله بن زرير الغافقي أنَّه سمع علي بن أبي طالب يقول: "لا تسبوا أهل الشام؛ فإن فيهم الأبدال وسبوا ظلمتهم". وروى الفرج بن فضالة، حدثنا عروة بن رويم اللخمي عن رجاء بن حيوة عن الحارث بن جبريل عن علي بن أبي طالب قال: قال علي بن أبي طالب: إلا تسبوا أهل الشام". وروى سفيان بن عيينة حدثنا زياد بن سعد عن الزهري عن أبي عثمان بن [سَنَّة] (٢) قال: قام رجل فسب أهل الشام فَقَالَ: [علي ﵁] (٣) إلا تسبوهم جمًّا غفيرًا، فإن فيهم الأبدال". وروى عبد الرزاق (٤) عن معمر عن الزهري عن عبد الله بن صفوان، قال: "قال رجل يوم صفين: اللهم العن أهل الشام! فَقَالَ علي: لا تسبوا أهل الشام جمًّا غفيرًا؛ فإن بها الأبدال، فإن بها الأبدال، فإن بها الأبدال". ورواه ابن المبارك ومحمد بن كثير المصيصي عن معمر فقالا: عن الزهري

стр. 39

عن صفوان بن عبد الله بن صفوان عن علي ... فذكره. وكذا رواه صالح بن كيسان عن الزهري عن صفوان بن عبد الله. ورواه الأوزاعي عن الزهري فأرسله عن علي، ولم يذكر بينهما أحدًا. وروى يعقوب بن سفيان (١)، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا شريك عن عثمان بن أبي زرعة، عن أبي صادق، قال: "سمع [علي] (٢) رجلاً وهو يلعن أهل الشام فَقَالَ: علي: لا تعم؛ فإن فيهم الأبدال". وروى يعقوب بن شيبة في مسنده، حدثنا عثمان بن محمد، حدثنا جرير عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي الطفيل قال: خطبنا علي فذكر الخوارج، فقام رجل فلعن أهل الشام، فَقَالَ له علي: ويحك؟ لا تعمم إن كنت لاعنًا فلانًا فلانًا، وأشياعه، فإن فيهم الأبدال، ومنك الغضب" (٣). ويروى عن وكيع [عن] (٤) فطر عن أبي الطفيل عن علي قال: "الأبدال بالشام، والنجباء بالكوفة". وروى إسحاق بن إبراهيم الأزدي عن فطر عن أبي الطفيل قال: قال علي: [إذا قام قائم آل محمد جمع له أهل المشرق وأهل المغرب، فيجتمعون كما يجتمع قرع الخريف، فأما الرفقاء فمن أهل الكوفة، وأما الأبدال فمن أهل الشام". وروى ابن لهيعة عن خالد بن يزيد السكسكي عن سعيد بن أبي هلال عن علي قال: "النجباء بمصر، والأبدال بالشام وهم قليل". وقال كعب: "الأبدال ثلاثون". وهذا منقطع. ورواه عن الليث بن سعد، عن عياش بن عباس، عن علي، وهو أيضاً منقطع.

стр. 40

ورُوي عن علي من وجوه أخر، فهذا الأثر صحيح عن علي ﵁ من قوله. وقد رُوي [مرفوعًا] (١) من غير حديث علي أيضاً من رواية عمرو بن واقد حدثنا يزيد بن أبي مالك عن شهر بن حوشب قال: "لما فتح معاوية مصر، جنح أهل مصر يسبون أهل الشام، فَقَالَ عوف - وأخرج وجهه من برنسه-: يا أهل مصر، أنا عوف بن مالك: لا تسبوا أهل الشام؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: فيهم الأبدال، وبهم يرزقون، وبهم ينصرون" عمرو بن واقد فيه ضعف. ورُوي من حديث أنس من طريق العلاء بن زيدل (٢) عن أنس عن النبي ﷺ قال: "البدلاء أربعون: اثنان وعشرون بالشام، وثمانية عشر بالعراق، كما مات منهم واحد أبدل الله مكانه آخر، فَإِذَا جاء الأمر قبضوا كلهم فعند ذلك تقوم الساعة". العلاء بن زيد متروك. ورُوي من وجه آخر من طريق يزيد الرقاشي، وهو ضعيف جدًّا من قبل حفظه، عن أنس عن النبي ﷺ : "دعائم أمتي عصائب اليمن [و] (٣) أربعون رجلاً من الأبدال بالشام، كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلاً، أما إنهم لم [يبلغوا] (٤) ذلك بكثرة صلاة ولا صيام، ولكن بسخاء الأنفس، وسلامة الصدور، والنصيحة للمسلمين". وقد رُوي في ذلك آثار موقوفة كثيرة.
следующие страницы →