← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 151143

فضائل الشام

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (111 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ابن أبي ثابت عن أبي إدريس عن المنتقب ابن بحينة (١) قال: قال علي ﵁: "لا تقاتلوا أهل الشام بعدي". وروى أبو القاسم من الحافظ (٢) بإسناده عن [أبي بكر] (٣) النهشلي قال: كنت في الجمع -يعني: جمع الكوفة- يوم جاء [أهل] (٤) الشام يقاتلون أهل الكوفة، فإذا شيخ حسن الخطاب، حسن الهيئة عَلَى دابة له، وهو يقول: اللهم لا تنصرنا عليهم، اللهم فرق بيننا وبينهم، اللهم، اللهم؟ فقلت: يا عبد الله، ألا تتقي الله؟! ترى قومًا قد جاءوا يريدون، يقاتلون مقاتلينا ويسبون ذرارينا، وأنت تقول: اللهم لا تنصرنا عليهم؟! فَقَالَ: ويحك! إني سمعت عبد الله بن مسعود يقول: لا يغلب أهل الشام إلا شرار الخلق. ...

стр. 37

الباب السادس فيما ورد في أن الأبدال بالشام قال الإمام أحمد (١): حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، حدثني شريح بن عبيد قال: "ذكر [أهل] (٢) الشام عند علي بن أبي طالب فقالوا: العنهم يا أمير المؤمنين قال: لا؛ إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الأبدال يكونون بالشام وهم [أربعون] (٣) رجلاً، كلما مات رجل بدل الله مكانه رجلاً فيستقي بهم الغيث وينصر بهم عَلَى الأعداء، ويصرف عن أهل الشام بهم العذاب". شريح بن عبيد شامي، معروف، قيل: إنه لم يسمع من علي، لكنه أدركه فإنَّه يروي عن عقبة بن عامر، وفضالة بن عبيد، ومعاوية، وغيرهم. ورُوي عن علي من وجه آخر: من رواية [ابن لهيعة] (٤) حدثني عياش بن عباس عن عبد الله بن زرير عن علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ قال: "يكون في آخر الزمان فتنة، (يخلص) (٥) فيها الناس كما (يخلص) (٥) الذهب في المعدن، فلا تسبوا أهل الشام، ولكن سبوا شرارهم؛ فإنَّه فيهم الأبدال، يوشك أن يرسل عَلَى أهل الشام سَبب من السماء فيفرق جماعتهم، حتى لو قاتلتهم الثعالب غلبتهم، فعند ذلك

стр. 38

يخرج خارج من أهل بيتي في ثلاث رايات، المكثر يقول: هم خمسة عشر ألفًا، والمقل يقول: هم اثنا عشر ألفًا، أمارتهم: أمت أمت، يلقون سب رايات، تحت كل راية منها رجل يطلب الملك، فيقتلهم الله جميعًا، ويرد الله إِلَى المسلمين ألفتهم ونعمتهم وقاصيهم ودانيهم". خرجه الطبراني (١). وقد روى ذكر الأبدال عن علي موقوفًا، وهو أشبه. روى أبو صالح حدثني أبو شريح أنَّه سمع الحارث بن يزيد يقول: حدثني عبد الله بن زرير الغافقي أنَّه سمع علي بن أبي طالب يقول: "لا تسبوا أهل الشام؛ فإن فيهم الأبدال وسبوا ظلمتهم". وروى الفرج بن فضالة، حدثنا عروة بن رويم اللخمي عن رجاء بن حيوة عن الحارث بن جبريل عن علي بن أبي طالب قال: قال علي بن أبي طالب: إلا تسبوا أهل الشام". وروى سفيان بن عيينة حدثنا زياد بن سعد عن الزهري عن أبي عثمان بن [سَنَّة] (٢) قال: قام رجل فسب أهل الشام فَقَالَ: [علي ﵁] (٣) إلا تسبوهم جمًّا غفيرًا، فإن فيهم الأبدال". وروى عبد الرزاق (٤) عن معمر عن الزهري عن عبد الله بن صفوان، قال: "قال رجل يوم صفين: اللهم العن أهل الشام! فَقَالَ علي: لا تسبوا أهل الشام جمًّا غفيرًا؛ فإن بها الأبدال، فإن بها الأبدال، فإن بها الأبدال". ورواه ابن المبارك ومحمد بن كثير المصيصي عن معمر فقالا: عن الزهري

стр. 39

عن صفوان بن عبد الله بن صفوان عن علي ... فذكره. وكذا رواه صالح بن كيسان عن الزهري عن صفوان بن عبد الله. ورواه الأوزاعي عن الزهري فأرسله عن علي، ولم يذكر بينهما أحدًا. وروى يعقوب بن سفيان (١)، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا شريك عن عثمان بن أبي زرعة، عن أبي صادق، قال: "سمع [علي] (٢) رجلاً وهو يلعن أهل الشام فَقَالَ: علي: لا تعم؛ فإن فيهم الأبدال". وروى يعقوب بن شيبة في مسنده، حدثنا عثمان بن محمد، حدثنا جرير عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي الطفيل قال: خطبنا علي فذكر الخوارج، فقام رجل فلعن أهل الشام، فَقَالَ له علي: ويحك؟ لا تعمم إن كنت لاعنًا فلانًا فلانًا، وأشياعه، فإن فيهم الأبدال، ومنك الغضب" (٣). ويروى عن وكيع [عن] (٤) فطر عن أبي الطفيل عن علي قال: "الأبدال بالشام، والنجباء بالكوفة". وروى إسحاق بن إبراهيم الأزدي عن فطر عن أبي الطفيل قال: قال علي: [إذا قام قائم آل محمد جمع له أهل المشرق وأهل المغرب، فيجتمعون كما يجتمع قرع الخريف، فأما الرفقاء فمن أهل الكوفة، وأما الأبدال فمن أهل الشام". وروى ابن لهيعة عن خالد بن يزيد السكسكي عن سعيد بن أبي هلال عن علي قال: "النجباء بمصر، والأبدال بالشام وهم قليل". وقال كعب: "الأبدال ثلاثون". وهذا منقطع. ورواه عن الليث بن سعد، عن عياش بن عباس، عن علي، وهو أيضاً منقطع.

стр. 40

ورُوي عن علي من وجوه أخر، فهذا الأثر صحيح عن علي ﵁ من قوله. وقد رُوي [مرفوعًا] (١) من غير حديث علي أيضاً من رواية عمرو بن واقد حدثنا يزيد بن أبي مالك عن شهر بن حوشب قال: "لما فتح معاوية مصر، جنح أهل مصر يسبون أهل الشام، فَقَالَ عوف - وأخرج وجهه من برنسه-: يا أهل مصر، أنا عوف بن مالك: لا تسبوا أهل الشام؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: فيهم الأبدال، وبهم يرزقون، وبهم ينصرون" عمرو بن واقد فيه ضعف. ورُوي من حديث أنس من طريق العلاء بن زيدل (٢) عن أنس عن النبي ﷺ قال: "البدلاء أربعون: اثنان وعشرون بالشام، وثمانية عشر بالعراق، كما مات منهم واحد أبدل الله مكانه آخر، فَإِذَا جاء الأمر قبضوا كلهم فعند ذلك تقوم الساعة". العلاء بن زيد متروك. ورُوي من وجه آخر من طريق يزيد الرقاشي، وهو ضعيف جدًّا من قبل حفظه، عن أنس عن النبي ﷺ : "دعائم أمتي عصائب اليمن [و] (٣) أربعون رجلاً من الأبدال بالشام، كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلاً، أما إنهم لم [يبلغوا] (٤) ذلك بكثرة صلاة ولا صيام، ولكن بسخاء الأنفس، وسلامة الصدور، والنصيحة للمسلمين". وقد رُوي في ذلك آثار موقوفة كثيرة.

стр. 41

فروى سيف بن عمر -وفيه ضعف- عن ابن عمر، وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: كان الشام قد أقبل فإذا أقبل جند من اليمن، وممن بين المدينة واليمن، فاجتاز أحدهم بالشام. قال عمر: يا ليت شعري عن الأبدال هل مرت بها الركبان (١). ورواه سيف من طريق آخر منقطع عن عمر. وروى عيسى بن يونس عن هشام عن من سمع الحسن يقول: لن تخلو الأرض من سبعين صِدِّيقًا، وهم الأبدال، لا يهلك منهم رجل إلا أخلف مكانه مثله، أربعون بالشام، وثلاثون في سائر الأرضين. وروى إسماعيل بن عياش حدثتني أم عبد الله بن خالد بن معدان عن أبيها، قال: قالت الأرض للرب : كيف تدعني وليس عَلَى نبي؟! قال: سوف أدع عليك أربعين صِدّيقًا بالشام. وروى زيد بن الحباب، حدثنا معاوية - أُراه عن [أبي] (٢) الزاهرية قال: قال الأبدال ثلاثون رجلاً بالشام بهم يجأرون، وبهم يرزقون، فإذا مات رجل أبدل الله مكانه. وروى بقية [عن الوليد بن كامل البجلي] (٣) قال: سمعت الفضيل بن فضالة يقول: إن الأبدال بالشام من حمص خمسة وعشرون رجلاً، ومن دمشق ثلاثة عشر رجلاً، ونبيان اثنان. ورُوي عن رجاء بن [حيوة] (٤) أنَّه بلغه أن ببيسان [رجلين] (٥) من الأبدال.

стр. 42

وعن الحسن بن يحيى الخشني قال: بدمشق من الأبدال سبعة عشر نفسًا، وببيسان أربعة. وعنه قال: بدمشق من الأبدال خمسة، وأربعة ببيسان. وروى ابن أبي خيثمة في "تاريخه" حدثنا هارون بن معروف، نا ضمرة، عن ابن شوذب قال: الأبدال سبعون، فستون بالشام، وعشرة بسائر الأرضين (١). وقال ضمرة عن عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه: الأبدال أربعون إنسانًا. قلت: أربعون رجلاً، قال: لا تقل: أربعون رجلاً، قل: أربعون إنسانًا، لعل فيهم نساء. وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان يقول: الأبدال بالشام، والنجباء بمصر، والعُصَب باليمن، والأخيار بالعراق. وروى ابن أبي الدُّنْيَا (٢) عن هارون بن عبد الله عن سيار عن جعفر بن سليمان، حدثنا شيخ من أهل صنعاء من جلساء وهب بن منبه قال: رأيت رسول الله ﷺ في المنام، فقلت: يا رسول الله: أين بدلاء أمتك؟ فأومأ بيده نحو الشام، فقلت: يا رسول الله، أما بالعراق منهم أحد؟ قال: بلى، محمد بن واسع، وحسان بن أبي سنان، ومالك بن دينار، الَّذِي يمشي في الناس بمثل زهد أبي ذر في زمانه. وقد رويت أحاديث كثيرة في الأبدال لا تخلو من ضعف في أسانيدها، وبعضها موضوع، ولكن ليس فيها ذكر الشام، فلم نذكرها لذلك، وفي بعضها أن أعمالهم أنهم يعفون عمن ظلمهم، ويحسنون إِلَى من أساء إليهم، ويواسون فيما أتاهم الله . وقد رُوي ذكر الأبدال عن الحسن وقتادة وغيرهم من السَّلف.

стр. 43

وفي مراسيل ابن أبي رباح عن النبي ﷺ قال: "الأبدال من الموالي". خرجه الترمذي (١). ومن أحسن ما ورد في وصفهم: ما رواه ابن أبي الدُّنْيَا (٢) حدثنا أبو حاتم الرازي محمد بن إدريس حدثنا عثمان (٣) بن مطيع، حدثنا سفيان بن عيينة قال: قال أبو الزناد: لما ذهبت النبوة وكانوا أوتاد الأرض، أخلف الله مكانهم أربعين رجلاً من أمة محمد ﷺ يقال لهم: الأبدال، لا يموت الرجل منهم حتى ينشئ الله مكانه آخر يخلفه، وهم أوتاد الأرض، قلوب ثلاثين منهم عَلَى مثل يقين إبراهيم ﵇ لم يفضلوا الناس بكثرة الصلاة ولا بكثرة الصيام، ولا بحسن التخشع، ولا بحسن الحلية، ولكن بصدق الورع، وحسن النية، وسلامة القلوب، والنصيحة لجميع المسلمين ابتغاء مرضاة الله، بصبر وخير، ولب حليم، وبتواضع في غير مذلة، واعلم أنهم لا يلعنون شيئًا، ولا [يزدرون] (٤) أحدًا فوقهم، ولا يتطاولون عَلَى أحد تحتهم، ولا يحقرون، ولا يحسدون، ليسوا بمتخشعين ولا متماوتين ولا معجبين ولا يحبون الدُّنْيَا، ليسوا اليوم في خشية وغدًا في غفلة. وروى إبراهيم بن هانئ عن الإمام أحمد قال: إن لم يكن أصحاب الحديث هم الأبدال، فلا أدري من هم. ومراده بأصحاب الحديث من حفظ الحديث وعلمه وعمل به، فإنَّه نص أيضاً عَلَى أن أهل الحديث من عمل بالحديث لا من اقتصر على طلبه. ولا ريب أن من علم سنن النبي ﷺ وعمل بها وعلمها الناس فهو من خلفاء الرسل، وورثة الأنبياء، ولا أحدًا أحق بأن يكون من الأبدال منه، والله أعلم.

стр. 44

ومما يشهد لذلك -الأبدال- كونهم في الشام- حديث خرجه الإمام أحمد (١)، وأبو داود (٢) من حديث قتادة عن أبي الخليل عن صاحب له عن أم سلمة عن النبي ﷺ قال: "يكون اختلاف عند موت خليفة، فيخرج رجل من أهل المدينة هاربًا إِلَى مكة، فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرج وهو كاره، فيبايعونه بين الركن والمقام، ويبعث إِلَيْهِ بعث من الشام فيخسف بهم بالبيداء بين مكة والمدينة، فإذا رأى الناس ذلك أتاه أبدال [الشام وعصابة أهل العراق] (٣) فيبايعونه ... " وذكر بقية الحديث. وقد اختلف في تسمية هذا الرجل [المبهم] (٤) في إسناده، فقيل: هو مجاهد، وقيل: هو عبد الله بن الحارث ورجحه محمد بن حاتم الرازي (٥)، والله أعلم. ...

стр. 45

الباب السابع فيما ورد في بركة الشام قال الله : ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: ١٣٧]. وإنما أورث الله بني إسرائيل أرض الشام. وقال : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١]. وقال تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١]. وقال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأنبياء: ٨١]. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [سبأ: ١٨]. روى الربيع عن أبي العالية عن أبي بن كعب (١) أنَّه قال في قوله تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١]. قال: الشام، وما من ماء عذب إلا يخرج من تلك الصخرة التي ببيت المقدس. ورُوي بإسناد ضعيف عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [سبأ: ١٨]. يعني: الأرض المقدسة: أرض الشام. وعن الحسن في قوله تعالى: ﴿مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾

стр. 46

[الأعراف: ١٣٧] يقول: مشارق الشام ومغاربها. وكذا قال زيد بن أسلم وقتادة وسفيان. وقال السدي في قوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأنبياء: ٨١] قال: أرض الشام. قال الوليد بن مسلم: حدثنا زهير بن محمد، قال: حدّثت أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله -تعالى- بارك ما بين العريش [والفرات] (١) وخص فلسطين بالتقديس" يعني: التطهير. ورُوي عن كعب قال: إن الله تعالى بارك في الشام من الفرات إِلَى العريش. وعنه قال: بارك الله في أرض الشام من الفرات إِلَى العريش، وخص بالتقديس من أرض حمص إِلَى رفح. وعنه أنَّه جاء إِلَيْهِ [رجل] (٢) فَقَالَ: إني أريد الخروج أبتغي من فضل الله، قال: عليك بالشام؛ فإنَّه ما ينقص من بركة الأرضين يزاد بالشام (٣). وقال عقبة بن وساج عمن حديثه قال: ما ينقص من الأرض شيء يزاد في الشام، وما ينقص من الشام يزاد في فلسطين. وقال سليمان بن عبد الرحمن: حدثنا أبو عبد الملك الجزري قال: إذا كانت الدُّنْيَا في بلاء وقحط كان الشام، في رخاء وعافية، وإذا كان الشام (٤) في بلاء وقحط كان بيت المقدس في رخاء وعافية. وقال: الشام مباركة، وفلسطين مقدسة، وبيت المقدس قدس القدس. ويروي عن كعب قال: قدس ميسرة الشام مرتين وقدست سائر الشام مرة واحدة.

стр. 47

وعن ثور بن يزيد قال: قدس الأرض الشام، وقدس الشام فلسطين، وقدس فلسطين: بيت المقدس، وقدس: بيت المقدس الجبل، وقدس الجبل: المسجد، وقدس المسجد: القبة. واعلم أن البركة في الشام تشمل البركة في أمور الدين والدنيا، ولهذا سميت: الأرض المقدسة. قال -تعالى- حاكيًا عن موسى ﵇: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢١]. ولما "قال النبي ﷺ لأبي ذر: كيف تصنع إن أخرجت من المدينة؟ قال: أنطلق إِلَى الشام والأرض المقدسة المباركة". وقد خرّجه الإمام أحمد (١) وغيره. وفي رواية الإمام أحمد (٢) قال: "الحق بالشام؛ فإن الشام أرض الهجرة، وأرض المحشر وأرض الأنبياء". وكتب أبو الدرداء إِلَى سلمان: هلمَّ إِلَى أرض الجهاد. قال قتادة: الأرض المقدسة: أرض الشام. وقال عكرمة والسدي: هي أريحا. وقال الكلبي: دمشق وفلسطين، والمراد بالمقدسة المطهرة من الشرك وتوابعه، ولذلك كانت أرض الأنبياء. قال ضمرة بن ربيعة: سمعت أنَّه لم يبعث [نبي] (٣) إلا من الشام، فإن لم يكن فيها أُسري به إليها. وروى الوليد بن مسلم، حدثنا عفير بن معدان، عن (سليم) (٤) بن عامر،

стр. 48

عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: (أنزل القرآن) (١) في ثلاثة أمكنة: مكة والمدينة والشام". قال الوليد: يعني: بيت المقدس. خرجه الحاكم (٢) وقال: صحيح الإسناد. كذا قال. وفي رواية: "أنزلت علي النبوة في ثلاثة أمكنة ... " فذكره، وعفير بن معدان ضعيف. وقد سمى الله الشام: مبوأ صدق. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾. قال قتادة: بوأهم الشام وبيت المقدس. وأما حد الشام: فروى الشافعي (٣) أخبرني (عمي محمد بن عباس) (٤) عن حسن بن القاسم الأزرقي (٥) قال: "وقف رسول الله ﷺ عَلَى ثنية تبوك، فَقَالَ: "ما ها هنا شام [وما ها هنا يمن] (٦) وأشار بيده إِلَى جهة المدينة". وزعم الواقدي في "مغازيه" بغير إسناد أن "وادي القرى أول طرف الشام من جهة الحجاز، وما وراءه إِلَى المدينة حجاز". ورعم بعض الأئمة المتأخرين أن حد الشام من جهة الحجاز عقبة الصوان. قال: وتسمى: المنحنى، فما فوقها شام وما تحتها حجاز، وهو غريب لم يتابع

стр. 49

عليه. وقال سالم بن عبد الأعلى حدثنا أبو الأعيس القرني، وكان قد أدرك أصحاب النبي ﷺ قال "سئل عن البركة التي تدرك في الشام أين مبلغ حدّه؟ قال: أول حددوة عريش مصر، والحد الآخر جبل طرف الثنية، والحد الآخر: الفرات، والحد الآخر جبل فيه قبر هود (١) النبي ﷺ ". وقال أبو حاتم بن حبان في صحيحه (٢): أول الشام: بالس (٣)، وآخره: عريش مصر. ويروي عن معاذ بن جبل قال: أرض المقدسة ما بين العريش إِلَى الفرات. ولكن إسناده لا يصح. وقد دعا النبي ﷺ للشام بالبركة، ففي صحيح البخاري (٤) عن عمران أن النبي ﷺ قال: "اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا. قالوا: وفي نجدنا؟ قال: هناك الزلزال والفتن، وبها -أو قال: منها- يخرج قرن الشيطان". ولحديث ابن عمر طرق متعددة عنه، قد ذكرتها في شرح الترمذي، وخرج الطبراني من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ معناه. ...

стр. 50

فصل ومن بركاتها الدينية أنها أرض الجهاد، فأهلها في جهاد ورباط، ونفقتهم عَلَى أنفسهم كالنفقة في سبيل الله، تضاعف سبعمائة ضعف. وقد كتب أبو الدرداء إِلَى سلمان: هلم إِلَى الأرض المقدسة، أرض الجهاد، ولذلك كان السَّلف يختارون الإقامة بها للجهاد، كما فعل (*) ذلك رؤساء مسلمة الفتح من قريش. وقال أرطاة بن المنذر (١): قال عمر: أعظم الناس أجرًا: رويجل بالشام أخذ بلجام فرسه يكلأ من وراءه بيضة المسلمين لا يدري أسبع يفترسه أم هامة تلدغه أو عدو يغشاه. وكان ابن ( ... ) (٢) وغيره من العُلَمَاء يَقُولُونَ: من أراد علم السير فعليه بأهل الشام؛ فإنهم لكثرة جهادهم أعلم الناس بأحكام الجهاد. وعن الشافعي قال: من أراد علم الملاحم فعليه بأهل الشام. وقد صنف أبو إسحاق الفزاري كتابًا كبيرًا في السير فيه علم كبير مما يتعلق بالجهاد لا يكاد يوجد في غيره مجموعًا. وقد ورد حديث مرفوع غريب من رواية أبي مطيع معاوية بن يحيى حدثنا أرطاة بن المنذر عمن حديثه عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله: "أهل الشام وأزواجهم وذرياتهم وعبيدهم إِلَى منتهى الجزيرة مرابطون؛ فمن نزل مدينة من المدائن فهو في رباط أو في ثغر من الثغور فهو في جهاد". خرجه الطبراني وغيره (٣).

стр. 51

ورواه ابن جوصا حدثنا عمرو بن عثمان حدثنا ابن حمير عن سعيد البجلي عن شهر بن حوشب عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: "ستفتح عَلَى أمتي من بعدي الشام وشكًا (*)، فَإِذَا فتحها فاتحها فأهل الشام مرابطون إِلَى منتهى الجزيرة ورجالهم ونساؤهم وصبيانهم وعبيدهم، فمن احتل ساحل من تلك السواحل فهو في جهاد، ومن احتل بيت المقدس وما حولها فهو في رباط". غريب جدًّا، وسعيد هذا غير معروف. وروى أبو زرعة [يحيى] (١) بن [أبي] (١) عمرو السيباني (٢) عن عبد الله بن باشرة (٣) أنَّه أخبره عن سعيد بن سفيان القاري (٤) قال: توفي أخي وأوصى بمائة دينار في سبيل الله، فلم يكن عامئذ غازية [فما تأمرني] (٥) فقدمت المدينة في حج أو عمرة، فدخلت عَلَى عثمان بن عفان، وعنده رجل قاعد، فقلت: يا أمير المؤمنين توفي أخي وأوصى بمائة دينار في سبيل الله -تعالى- فلم تجئنا غازية، فَقَالَ عثمان: إن الله أمرنا بالإسلام فأسلمنا كلنا فنحن المسلمون، وأمرنا بالهجرة فهاجرنا، فنحن المهاجرون أهل المدينة، ثم أمرنا بالجهاد فجاهدنا، فأنتم المجاهدون أهل الشام أنفقها عَلَى نفسك وعلى أهلك وعلى ذوي الحاجة ممن حولك، فإنك لو خرجت بدرهم، ثم اشتريت به لحمًا فأكلت أنت وأهلك كتب لك بسبعمائة درهم. فخرجت من عنده فسألت عن الرجل الَّذِي كان عنده فإذا هو علي بن أبي طالب ﵁.

стр. 52

فصل ومن بركات الشام الدينية أن نور النبي ﷺ عند ولادته سطع إليها فأشرقت قصورها منه، فكان ذلك أول مبدأ دخول نوره ﷺ الشام، ثم دخلها نور دينه وكتابه فأشرقت به وطهرت مما كان فيها من الشرك والمعاصي، وكمل بذلك قدسها وبركتها. فخرج الإمام أحمد (١) والحاكم في صحيحه (٢) من حديث العرباض بن سارية قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ، سَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ، دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبِشَارَةُ عِيسَى، وَرُؤْيَا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ، وَكَذَلِكَ أُمَّهَاتُ (النَّبِيِّينَ) (٣) يَرَيْنَ، وَإِنَّ أُمَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَأَتْ حِينَ وَضَعَتْهُ نُورًا (أَضَاءَ) (٤) مِنْهُ قُصُور الشَّام". وخرج أبو القاسم البغوي نحوه من حديث فرج بن فضالة عن لقمان بن عامر عن أبي أمامة عن النبي ﷺ . وخرَّج الحاكم (٥) أيضاً من حديث خالد بن معدان، عن أصحاب رسول الله ﷺ أنهم قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك ... فذكره. وفي حديثه: "قصور بُصْرى من أرض الشام". وقال: صحيح الإسناد. وخرّجه الامام أحمد (٦) من حديث خالد بن معدان عن عبد الرحمن بن

стр. 53

عمرو السلمي عن عتبة (١) بن عبد عن النبي ﷺ أن أمهُ قالت: "إني رأيت خرج مني نور أضاءت به قصور الشام". ورواه الأحوص بن حكيم عن خالد بن معدان عن عبد الرحمن بن غنم عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ والذي قبله أصح. وروى الطبراني (٢) وأبو نعيم من حديث بقية بن الوليد، حدثني صفوان بن عمرو عن حجر (٣) بن مالك الكندي، عن أبي مريم الكندي قال: أقبل أعرابي من بهز، حتى جلس إِلَى النبي ﷺ فَقَالَ: أي شيء كان من أمر نبوتك أول؟ قال: أخذ الله مني الميثاق كما أخذ من النبيين ميثاقهم. وتلا: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: ٧]. وبشر بي المسيح عيسى ابن مريم ﵉ ورأت أم رسول الله ﷺ في منامها أنَّه خرج من بين رجليها سراج أضاءت لها منه قصور الشام، فَقَالَ الأعرابي: هاه؟ وأدنى رأسه منه، وكان في سمعه شيء فَقَالَ رسول الله ﷺ : "ووراء ذلك، ووراء ذلك" مرتين، أو ثلاثًا. أبو مريم الكندي؛ قيل: إنه صحابي نزل حمص. وروى محمد بن عائذ حدثنا الوليد بن مسلم عن عثمان بن أبي عاتكة وغيره "أن آمنة بنت وهب أنها حين وضعته كفأت عليه برمة حتى تتفرغ له، قالوا: فوجدت البرمة قد انشقت عن نور أضاء منه قصور كثيرة من قصور الشام". فكان مولد رسول الله ﷺ بمكة، وابتداء النبوة له بها، وأنزل الكتاب عليه بمكة، ثم أسري به إِلَى الشام من المسجد الحرام إِلَى المسجد الأقصى، ثم رجع إِلَى مكة ثم هاجر إِلَى المدينة، ثم في آخر عمره كتب إِلَى الشام، وإلى هرقل، وإِلَى كثير من أتباعه، ثم غزا بنفسه غزوة تبوك، ثم رجع ثم بعث سرية

стр. 54

إِلَى مؤتة، ثم بعث جيش أسامة فتوفي رسول الله ﷺ قبل خروجهم ثم ابتدأ أبو بكر الصديق بفتوح الشام، واستكمل في زمن عمر ﵁. وذكر ابن عائذ (١) قال: قال الوليد بن مسلم: أخبرني ابن لهيعة عن أبي الأسود القرشي عن عروة، أنَّه كان في كتاب أبي بكر إِلَى خالد بن الوليد أن أعجل إِلَى إخوانكم بالشام، فوالله لقرية من قرى الأرض المقدسة يفتحها الله علينا أَحَبّ إِلَيّ من رستاق من رساتيق العراق. وأخبر النبي ﷺ أنَّه "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى". ففي الصحيحين (٢) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى". وهذه النار خرجت من وادي بقرب مدينة النبي ﷺ سنة أربع وخمسين وستمائة، واشتهر أمرها وشوهد من ضوئها بالليل عناق الإبل ببصرى، واستفاض وبعد ذلك بقليل ثم خراب العراق بواقعة بغداد المشهورة ودخول أكثر الكفار إليها، وقتل خليفة بني العباس وعامة أهلها، وبذلك ثم خراب بلاد المشرق عَلَى أيدي التتار، وانتقل من حينئذٍ إِلَى الشام عامة أهل العراق، وخيارهم كما أخبر بذلك أبو أمامة، وقد سبق كلامه، وعظم أمر الشام، وكثر أهلها، واتسعت عمارتها وكثر بها علم النبوة الموروث، عن خاتم النبيين ﷺ ثم في آخر الزمان تخرج نار تحشر الناس كلهم إِلَى الشام، وهي أول أشراط الساعة كما في "صحيح البخاري" (٣) عن أنس عن النبي ﷺ أنَّه قال: "أول أشراط الساعة نار تحشرهم من المشرق إِلَى المغرب، ويجتمع الناس كلهم حينئذ بعد ذلك". وسنذكر هذه النار فيما بعد، إن شاء الله.

стр. 55

الباب الثامن في حفظ الله -تعالى- الشام بالملائكة الكرام خرج الإمام أحمد (١) والترمذي (٢) والحاكم (٣) من حديث زيد بن ثابت قال: "كنا عند رسول الله ﷺ نؤلف القرآن من الرقاع، فَقَالَ رسول الله: "طوبى للشام. قلنا: لأي ذلك يا رسول الله؟! قال: لأنّ ملائكة الرحمن باسطة أجنحنها عليها". وقال الترمذي: حسن صحيح غريب (٤). وقال الحاكم: صحيح عَلَى شرط الشيخين. وفي رواية خرجها ابن خزيمة (٥): "إن ملائكة الرحمة" وفي رواية للطبراني (٦) في هذا الحديث: "إن الرحمن باسط رحمته عليه"، وفي رواية

стр. 56

رويناها في كتاب "فضائل الشام" لأبي الحسن الربعي (١) أن النبي ﷺ وقال: "طوبى لأهل الشام ... " فذكره. وذكر الحافظ أبو القاسم (٢) من رواية معروف الخياط قال: سمعت واثلة بن الأسقع يقول: إن الملائكة تغشى مدينكم هذه -يعني: دمشق- ليلة الجمعة، فإذا كان بكرة افترقوا عَلَى أبواب دمشق براياتهم وبنورهم، فيكونون سبعين رجلاً، ثم ارتفعوا، ويدعون الله لهم: اشف مريضهم، ورد غائبهم. ...

стр. 57

الباب التاسع فيما ورد في بقاء الشام بعد خراب غيرها من الأمصار ذكر الحافظ أبو القاسم (١) من طريق محمد بن هارون [بن محمد بن] (٢) بكار بن بلال، حدثنا أبي عن أبيه محمد بن بكار، حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة عن عوف بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "تخرب الدُّنْيَا، أو قال: الأرض -قبل الشام بأربعين سنة". هذا غريب منكر منقطع، ومحمد بن بكار متكلم فيه. وبإسناده (٣) عن كعب الأحبار قال: إني لأجد في كتاب الله المنزل إن خراب الأرض قبل الشام بأربعين عامًا. وبإسناده (٤) عن [أبي] (٥) عبد ربه قال: يبعث تُبَيْعًا أكثر من ثلاثين مرة يقول: تخرب الأرض وتعمر الشام، حتى يكون من العمران كالرمانة، ولا يبقى فيها ضربة في سهل ولا جبل إلا عمرت، وليعرس فيها من البحر ما لم يغرس في زمن نوح وتبين فيها القصور اللائحة في السماء، فإذا رأيت ذلك، فقد نزل بك الأمر. وبإسناده عن بجير بن سعد قال: يقيم الشام بعد خراب الأرض أربعين عامًا. وروينا في كتاب "فضائل الشام" لأبي الحسن الربعي من طريق عبد الخالق بن

стр. 58

زيد بن واقد عن أبيه عن عطية بن قيس قال: قال كعب: ليبنينّ في دمشق مسجد يبقى بعد خراب الأرض أربعين عامًا. وبإسناده عن الوليد بن مسلم عن عثمان بن أبي العاتكة عن علي بن زيد عن القاسم أبي عبد الرحمن قال: أوحى الله إِلَى جبل قاسيون أن هب ظلك وبركتك بجبل بيت المقدس، ففعل، فأوحى الله إِلَيْهِ: أما إذ فعلت، فإني سأبني لي في حضنك بيتًا. قال الوليد: في حضنك أي: في وسطك بيتًا، وهو هذا المسجد، يعني: مسجد دمشق أُعبَدُ فيه بعد خراب الدُّنْيَا أربعين عامًا، ولا تذهب الأيام والليالي حتى أعيد عليك ظلك وبركتك. فهو عند الله بمنزلة المؤمن الضعيف المتضرع. قال أبو القاسم الحافظ: هذا هو المحفوظ. وقد روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص ضد هذه الأقوال ثم ساق من طريق أبي جعفر محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا أبي، حدثنا معاوية بن هشام، حدثنا سفيان عن أبي ظبيان عن عبد الله بن عمرو، قال: قال: أول أهل الأرض خرابًا: الشام. قلت: أبو جعفر متكلم فيه، والأولى تدل عَلَى صحة القول الأول كما ذكر أبو القاسم أنَّه المحفوظ؛ فإن الشام تبقى عامرة فيها أهلها بعد خراب المدينة، وبعد خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم، وخروج يأجوج ومأجوج، وبعد ظهور النار التي هي من أول أشراط الساعة وبعد بعث الله الريح الطيبة التي تقبض أرواح المؤمنين. وكل هذا قد ذكر في الأحاديث. فخرج الإمام أحمد (١) وأبو داود (٢) من حديث معاذ بن جبل عن النبي ﷺ

стр. 59

قال: "عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية، وفتح القسطنطينية خروج الدجال ثم ضرب بيده وقال: إن هذا الحق، كما أنك قاعد". وقد صح أن عيسى ﵇ ينزل شرقي دمشق، وسيأتي ذكره فيما بعد -إن شاء الله. وثبت في الصحيح (١) أيضاً أن الدجال يهلك بالشام، وأن عيسى ﵇ يتجاوز بمن معه من المؤمنين إِلَى الطور وهو من الشام. وفي صحيح مسلم (٢) عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: «يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ، لَا أَدْرِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ شَهْرًا، فَيَبْعَثُ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، كَأَنَّ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، فَيَطْلُبُهُ، فَيُهْلِكُهُ، ثُمَّ يَمْكُثُ فِي النَّاسِ سَبْعَ سِنِينَ ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ (السَّمَاء) (٣) فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ أَوْ إِيمَانٍ إِلَّا قَبَضَهُ، حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ فِي كَبِدِ جَبَلٍ لَدَخَلَتْهُ عَلَيْهِ حَتَّى تَقْبِضَهُ -سمعته من رسول الله ﷺ فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ، وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ، لَا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُونَ مُنْكَرًا، فَيَتَمَثَّلُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ: أَلَا تَسْتَجِيبُونَ، فَيَقُولُونَ: مَا تَأْمُرُنَا؟! وَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ، دَارٌّ رِزْقُهُمْ، حَسَنٌ عَيْشُهُمْ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ... »، وذكر بقية الحديث. وقد ذكرنا فيما تقدم عن ابن مسعود أن الفرات لا يبقى فيها طست من ماء، ويرجع كل ماء إِلَى عنصره، ويبقى الماء وبقية المؤمنين بالشام، ولا يبقى مؤمن إلا من انحاز مع عيسى ابن مريم إِلَى جبل الطور، ولا يبقى ماء إلا بالشام، فإن أصل مياه الدنيا من الشام، فترجع إِلَى عنصرها.

стр. 60

ورُوي عن كعب قال: والذي نفسي بيده، ما شرب ماء عذب إلا يخرج من تحت هذه الصخرة، حتى العين التي بدارين بتخرج من تحت هذه الصخرة، يعني: عينًا في البحر. وروى ابن أبي حاتم في تفسيره من حديث شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٧] قال: من أربعة أنهار: سيحان، وجيحان، والفرات، والنيل. فكل ماء عذب شربه ابن آدم من هذه الأنهار؛ فإنها تخرج من تحت الصخرة التي في بيت المقدس. ( ... ) (١) قال: يوشك الرعد والبرق أن يهاجرا إِلَى الشام حتى لا يكون رعد ولا برق إلا ما بين الفرات والعريش. وخرج ابن أبي خيثمة وغيره عن الأوزاعي قال: يهاجر الرعد والبرق إِلَى مهاجر إبراهيم، حتى لا يبقى قطرة إلا فيما بين الفرات والعريش. وعن عباد بن منصور، حدثنا أبو قلابة أن الرعد والبرق سيهاجر من أرض العراق إِلَى أرض الشام حتى لا يبقى بها رعد ولا برق، ويدل عَلَى صحة ذلك أيضاً أن النار التي هي أول أشراط الساعة تسوق الناس إِلَى الشام. وقد ذكرنا في أول الكتاب حديث ابن عمر عن النبي ﷺ : "تخرج نار من حضرموت تسوق الناس، قالوا: يا رسول الله، ما تأمرنا؟ قال: عليكم بالشام". وهو حديث اختلف فيه نافع وسالم؛ فرواه سالم عن ابن عمر عن النبي ﷺ ورواه نافع عن ابن عمر عن كعب من قوله. وفي حديثه: "يوشك تخرج نار اليمن تسوق الناس إِلَى الشام". وذكرنا أيضاً حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: "إنكم تحشرون ها هنا -وأشار بيده إِلَى الشام".

стр. 61

وذكرنا حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ : "سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ، فخيار أهل الأَرْض ألزمهم مُهَاجَرِ إِبْرَاهِيمَ وَيَبْقَى فِي الْأَرْضِ شِرَارُ أَهلهَا، تَلْفِظُهُمْ أَرْضُوهُمْ، وَتَقْذَرُهُمْ نَفْسُ اللَّهِ، وَتَحْشُرُهُمُ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ". وفي رواية: "تكون هجرة بعد هجرة، فخيار الأرض إِلَى مهاجر إبراهيم ... " وذكر الحديث، فهذا كله يدل عَلَى أن خيار الناس في آخر الزمان مهاجرون إِلَى مهاجر إبراهيم ﵇، وهي الشام طوعًا فيجتمعون فيها، وأما شرار الناس فيحشرون كرهًا (١) تحشرهم النار من بلادهم إِلَى الشام. وقد تكاثرت الأحاديث والآثار بذكر هذه النار، ففي صحيح البخاري (٢) عن أنس أن النبي ﷺ قال: "أول أشراط الساعة نار تحشرهم من المشرق إِلَى المغرب". والمراد بالمغرب ها هنا -والله أعلم-: الشام، كما سبق في تفسير قوله ﷺ : "لا يزال أهل الغرب ظاهربن عَلَى الحق". وفي الصحيحين (٣) عن أبي هريرة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ، رَاغِبِينَ رَاهِبِين وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ، َتَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا، تَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا، وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا». فهذه الثلاث المذكورة في هذا الحديث: أحدها: من يحشر راغبًا، وهو من يهاجر إِلَى الشام طوعًا. والثاني: من يحشر رهبة وخوفًا عَلَى نفسه؛ لظهور الفتن في أرضه. والثالث: من تحشره النار قسرًا، وهو شر الثلاثة وخرج الإمام أحمد (٤) من حديث أبي ذر قال: "أقلنا مع رسول الله ﷺ (فرأينا) (٥) ذا الحليفة، فتعجل

стр. 62

رجال إِلَى المدينة، وبات رسول الله ﷺ وبتنا معه، فلما أصبح سأل عنهم فقيل: تعجلوا، فَقَالَ: تعجلوا إِلَى المدينة والنساء، أما إنهم سيدعونها أحسن ما كانت، ثم قال: ليت شعري (من) (١) تخرج نار من اليمن من جبل الوراق، تضيء منها أعناق الإبل بروكًا ببصرى كضوء النهار". وهذا فيه إشعار بأن هذه النار هي التي تخرج أهل المدينة منها. وفي صحيح مسلم (٢) عن حذيفة قال: أخبرني رسوك الله ﷺ مما هو كائن إِلَى أن تقوم الساعة، فما منه شيء إلا وقد سألته، إلا أني لم أسأله ما يخرج أهل المدينة من المدينة. وفي صحيح البخاري (٣) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (ينزلون) (٤) المدينة عَلَى خير ما كانت لا يغشاها إلا العوافي -يريد: عوافي السباع والطير- وآخر من يحشر راعيان من مزينة -يريدان المدينة ينعقان بغنمهما فيجدونها وحوشًا- حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرَّا عَلَى وجوههما". وفي "المسند" (٥) عن جابر عن النبي ﷺ قال: "ليسيرن راكب في جانب المدينة فيَقُولُونَ: قد كان في هذه مرة حاضر من المؤمنين كثير". وقد سبق حديث: "عمارة بيت المقدس: خراب يثرب". وهذا يدل عَلَى خرابها قبل خروج الدجال. وقد ثبت أن الدجال ينزل خارجها، وأنها ترجف، فيخرج إِلَيْهِ كل منافق ومنافقة. فإما أن يكون المراد بخرابها ضعف أمرها، وقلة بركاتها أو أن أهلها يخرجون منها في بعض الفتن ثم يعودون إليها.

стр. 63

وفي "المسند" (١) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "يوشك أن يرجع الناس إِلَى المدينة حتى يصير [مسالحهم بِسَلاحٍ] (*)، وسَلاح بوزن لَحَام أسفل من خيبر". وقد خرجه أبو داود (٢) وغيره من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "يوشك المسلمون أن يحاصروا [إِلَى] (٣) المدينة، حتى يكون أبعد مسالحهم بسلاح". قال الزهري: سلاح: قريب من خيبر. وفي الترمذي (٤) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "آخر قرية من قرى الإسلام خرابا: المدينة". وذكر عن البخاري (٥) أنَّه تعجب منه، يريد أنَّه استنكره، وهو منكر جدًّا مخالف للأحاديث، والله أعلم. وفي مسند الإمام أحمد (٦) عن رافع بن بشر -أو [بسر] (٧) عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: "يوشك أن تخرج نار من حبس سيل تسير بسير بطئة الإبل، تسير النهار، وتقيم الليل، فتغدوا وتروح". يقال: غدت النار أيها النار فاغدوا، قالت النار أيها الناس قيلوا، راحت النار أيها الناس روحوا، من أدركته أكلته!.

стр. 64

وفي صحيح الحاكم (١) من حديث أبي البدَّاح بن عاصم عن أبيه عن النبي ﷺ أنَّه [قال:] (*) "يوشك أن تخرج نار من حبس سيل نار تضيء إليها أعناق الإبل ببصرى". حبس السيل: الظاهر أنَّه بقرب المدينة من منازل بني سليم. وفي "صحيح مسلم" (٢) عن حذيفة بن أسيد عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ السَّاعَةَ لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْا قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ ... فَذَكَرَ: الدُّخَّانُ والدَّجَّالُ والدَّابةُ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، ونزول عيسى ﵇ ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم". وفي رواية له (٣): "ونار تخرج من قعر عدن ترحل الناس". وخرّجه الترمذي (٤) وعنده: "ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس أو تحشر الناس فتبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا". وخرج الحاكم (٥) من حديث واثلة بن الأسقع عن النبي ﷺ نحوه، وقال فيه: "ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إِلَى المحشر تحشر الذر والنمل". وقال: صحيح الإسناد. وخرج أيضاً (٦) من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: "تبعث نار عَلَى أهل المشرق، فتحشرهم إِلَى المغرب تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم

стр. 65

حيث قالوا، يكون لها ما سقط منهم، وتخلف فتسوقهم سوق الجمل الكبير". وخرج الإمام أحمد (١) والنسائي (٢) والحاكم (٣) من حديث أبي ذر قال: "حدثني الصادق المصدوق ﷺ أن الناس يحشرون عَلَى ثلاثة أفواج؛ فوج راكبين [ ... ] (٤) طاعمين كاسين، وفوج يمشون ويسعون، وفوج تسحبهم الملائكة عَلَى وجوههم وتحشرهم النار. فَقَالَ قائل منهم: هذان قد عرفناهما فما بال هؤلاء الذين يسعون ويمشون؟! قال: يُلْقي الله الآفة عَلَى الظهر حتى لا يبقى ظهر، حتى أن الرجل ليكون له الحديثة المعجبة فيغطيها بالشارف ذي القتب، فلا يقدر عليها، فقد تضمنت هذه الأحاديث أمرين: أحدهما: أن الناس تحشرهم النار إِلَى المحشر. وفي حديث أنس وعبد الله بن عمرو، أنهم يحشرون إِلَى المغرب، والظاهر أنَّه أريد بالمغرب مغرب المدينة، وهو الشام، ويدل عَلَى أن المحشر إِلَى الشام حديث ابن عمر وحديث بهز بن حكيم عن أبيه، عن جده، كما سبق. وقد روى ذلك صريحًا عن جماعة من السَّلف. خرجه نعيم بن حماد في كتاب "الفتن" (٥) عن ابن اليمان عن (جراح) (٦) عن أرطاة عمن حديثه عن كعب قال: قال عبد الله بن عمرو: "يبعث الله بعد قبص عيسى ابن مريم والمؤمنين بتلك الريح الطيبة نارًا، تخرج من نواحي الأرض تحشر الناس والدواب والذر إِلَى الشام".

стр. 66

وعن ابن عيينة (١) عن ابن طاوس عن أبيه قال: قال معاذ بن جبل: "اخرجوا من اليمن قبل انقطاع الحبل (٢) وقبل أن لا يكون لكم راد إلا الجراد (٣) وقبل أن تحشركم نار إِلَى الشام". وبإسناده عن أبي هريرة (٤) قال: "يحشر الناس إِلَى الشام عَلَى ثلاثة أصناف: صنف عَلَى وجوههم وصنف عَلَى الإبل، وصنف عَلَى أقدامهم". وبإسناده عن كعب (٥) قال: تخرج نار من القسطنطينية فتركد عند الدرب بين سيحان وجيحان، ونار أخرى تخرج من عدن تبلغ بصرى تقوم إذا قاموا، وتسير إذا ساروا، وإن الفرات ليجري ماؤه أول النهار وبالعشي تجري كبريتًا ونارًا، وتخرج نار من الغرب تبلغ العريش وأخرى من نحو المشرق فتبلغ كذا وكذا فتقيم زمانا لا تنطفئ حتى يشك الشاك، ويقول الجاهل: لا جنة ولا نار، إلا هذه، تجتنب في مسيرها مكة والمدينة والحرم كله، حتى تلج الشام، تحشر جميع الناس. وعنه (٦) قال: إذا عثر إنسان أو دابته قالت له النار: تعست وانتكست، لو شئت هاجرت قبل اليوم، حتى تنتهي إِلَى بصرى فتقيم أربعين عامًا، وحتى يسأل الكافر، فيقول: هذه النار التي كانوا يوعدون!. الثاني: أن في بعض الأحاديث خروج النار من اليمن وفي بعضها من المشرق، وفي بعضها ما يدل عَلَى خروجها من قرب المدينة، وكله حق. وقد ذكرنا في هذه الآثار أنها تخرج من أماكن متعددة. فروى نعيم بن حماد (٧) من طريق علي بن زيد بن جدعان عن رجل عن أبي

стр. 67

هريرة قال: "تخرج نار من قبل المشرق، ونار أخرى من قبل المغرب تحشران الناس بين أيديهم القردة، يسيران بالنهار، ويكتمان بالليل حتى يجتمعا بجسر منبج. وهذا كله يدل عَلَى أن الشام هي أرض المحشر والمنشر وأن الناس كلهم يجتمعون إليها في آخر الزمان، ولذلك تسمى أرض الشام: أرض المحشر. وفي "المسند" (١) عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "كيف أنت إذا أخرجوك منه -يعني: مسجد المدينة-؟ فقلت: إذًا ألحق بالشام، فإن الشام أرض الهجرة وأرض المحشر، وأرض الأنبياء، فذكر الحديث. وخرج الطبراني (٢) والحاكم (٣) وغيرهما من حديث أبي ذر عن النبي ﷺ قال: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه -يعني: بيت المقدس - ولنعم المصلى هو أرض المحشر والمنشر، وليأتين عَلَى الناس زمان، ولبسطة قوسه من حيث يرى منه بيت المقدس أفضل وخير من الدُّنْيَا جميعًا". وخرج الإمام أحمد (٤) وأبو داود (٥) وابن ماجه (٦) من حديث ميمونة مولاة رسول الله ﷺ قالت: "قلت: يا رسول الله، أفتنا في بيت المقدس؟ قال: أرض المحشر والمنشر ائتوه فصلوا فيه ... " وذكر الحديث. وروى عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم "أن اليهود آتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا أبا القاسم، إن كنت صادقًا أنك نبي فالحق الشام، فإن الشام أرض المحشر وأرض الأنبياء! فصدق رسول الله ﷺ ما قالوا، فغزا غزوة تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله عليه آيات

стр. 68

من سورة بني إسرائيل بعد ما ختم السورة: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا ... ﴾ إِلَى قوله ﴿تَحْوِيلًا﴾ " [الإسراء: ٧٦، ٧٧]. فأمره الله -تعالى- بالرجوع إِلَى المدينة، قال: فيه محياك ومماتك، ومنها تبعث. خرجه آدم بن أبي إياس في تفسيره عن عبد الحميد بمعناه (١). وفي مراسيل الحسن (٢) قال: "نزلت قريظة عَلَى حكم سعد بن معاذ فقتل رسول الله ﷺ منهم ثلاثمائة وقال لبقيتهم: انطلقوا إِلَى أرض المحشر؛ فإني في آثاركم -يعني: أرض الشام، فسيرهم إليها". وفي صحة هذا عن الحسن نظر؛ فإن قريظة قتلت مقاتلتهم، وسبيت ذراريهم، وإنَّما الذين سيروا إِلَى الشام بنو النضير، وفيهم نزلت سورة الحشر. وروى أبو سعيد (البقال) (٣) عن عكرمة عن ابن عباس قال: "من شك أن المحشر ها هنا، يعني: الشام- فليقرأ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر: ٢]. قال: قال لهم رسول الله ﷺ يومئذ: اخرجوا. قالوا: إِلَى أين؟ قال: إِلَى أرض المحشر". وخرّجه البزار (٤) في مسنده، وعنده: فَقَالَ رسول الله ﷺ : "هي أرض المحشر -يعني: الشام". وروى نعيم بن حماد في كتابه عن يزيد بن أبي حكيم عن الحكم بن أبان

стр. 69

عن عكرمة قال: يحشر الناس نحو الشام، وأول من حشر من هذه الأمة بنو النضير. وهذا فيه إشارة إِلَى أن الحشر إِلَى الشام ليس هو مرة واحدة، بل هو مرات كثيرة، وأول ما وقع منه حشر بني النضير إليها. ويدخل في ذلك خروج من خرج من الصحابة، ومن بعدهم بعد. وقد روى عن عامر بن عبد قيس أنَّه لما أخرج من البصرة كرها إِلَى الشام وكان راكبًا عَلَى بعيره، قال: الحمد لله الَّذِي حشرني راكبًا، فجعل مسيره إِلَى الشام حشرًا. وقد ذكر أن النار التي خرجت بالحجار، وأضاءت منها أعناق الإبل ببصرى، تكامل عقيبها خراب بلاد العراق عَلَى أيدي التتار، وانتقل غالب خيار أهل العراق، بعد ذلك إِلَى الشام فهذا نوع من الحشر، وهو حشر خيار الناس إِلَى الشام (وأما شرارهم) (١) فتحشرهم النار قسرًا بعد قبض المؤمنين. وحديث عبد الله بن عمرو صريح في هذا المعنى، ولفظه: ستكون هجرة بعد هجرة، ينحاز الناس إِلَى مهاجر إبراهيم لا يبقى في الأرض إلا شرار أهلها، تلفظهم أرضوهم، تقذرهم نفس الله، تحشرهم النار مع القردة والخنازير، تبيت معهم إذا باتوا وتقيل معهم إذا قالوا، وتأكل من تخلف. وفي رواية: "ستكون هجرة بعد هجرة، تخرج خيار أهل الأرض إِلَى مهاجر إبراهيم ﵇ هو الشام". قال قتادة في قوله : ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦]. قال: إِلَى الشام، كان مهاجره. والله أعلم. ...

стр. 70

الباب العاشر ما ورد في فضل دمشق بخصوصها وفيه فصول الفصل الأول فيما ورد من ذلك في القرآن: قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠]. روى تمام الرازي (١) وغيره من حديث مسلمة بن علي، حدثنا أبو سعيد الأسدي عن سليم بن عامر عن أبي أمامة عن النبي ﷺ أنَّه تلا هذه الآية: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] قال: هل تدرون أين هي؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هي بالشام، بأرض يقال لها: الغوطة، مدينة يقال لها: دمشق، هي خير مدائن الشام". إسناده ضعيف؛ مسلمة بن علي ضعيف، وشيخه لا يعرف. ورُوي عن عكرمة عن ابن عباس "في هذه الآية قال: هي دمشق". وفي رواية عنه، قال: "هي أنهار دمشق". ورواه أيضاً يحيى الأنصاري عن سعيد بن المسيب من قوله. ورواه يحيى عن سعيد عن عبد الله بن سلام. وفي رواية عن سعيد قال: "هي دمشق ذات قرار ومعين الغوطة".

стр. 71

وفي رواية رويناها في كتاب "فضائل الشام" لأبي الحسن الربعي (١) قال: "هي مسجد دمشق". وقال يزيد بن شجرة: "دمشق هي الربوة المباركة". عن قتادة عن الحسن "في هذه الآية قال: هي أرض ذات أشجار وأنهار - يعني: أرض دمشق". وعنه قال: "ذات معيشة تقوتهم وتحملهم وماء جارٍ". قال: "هي الربوة، هي دمشق". وفي رواية عنه (٢) قال: "ذات ثمار كثيرة وماء، هي دمشق". وعنه قال: "هي الغوطة". وممن قال أن الربوة هي دمشق: خالد بن معدان، وغيره من السَّلف. وقالت طائفة: هي الرملة. وروى عبد الرزاق (٣) عن بشر بن (رافع) (٤) أخبرني أبو عبد الله بن عم أبي (٥) هريرة، سمع أبا هريرة يقول في "قوله : ﴿إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] هي الرملة، من فسلطين". بشر بن رافع ضعيف الحديث. وخرج الطبراني (٦) وغيره، من رواية عباد بن عباد الرملي عن أبي زرعة السيباني عن أبي وعلة العكي عن كريب (السحولي) (٧)، حدثني مرة البهزي

стр. 72

سمع النبي ﷺ يقول: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على من ناوأهم، وهم كالإناء بين الأكلة، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك. قلنا: يا رسول الله، وأين هم؟ قال: بأكناف بيت المقدس. قال: وحدثني أن الرملة هي الربوة. وذلك أنها مغربة ومشرقة. كذا رواه زكريا بن نافع الأرسوفي، ومحمد بن عبد العزيز البرمكي، عن عباد، وهو أبو عتبة الخواص الزاهد. والظاهر أن قوله: وحدثني، يشير به إِلَى مرّة، فهو من كلام مرة، ليس مرفوعًا. ورواه رواد بن الجراح -وقد اختلط بأخرَةَ عن عبَّاد فرفعه. ورواه هشام بن عمار حدثنا المغيرة بن المغيرة، حدثنا يحيى بن أبي عمرو السيباني- وهو أبو زرعة- قال: مرض رجل من عك، يقال له: الأقرع عَلَى عهد رسول الله ﷺ فأتى يعوده، فَقَالَ له: "إنك لا تموت ولا تدفن إلا بالربوة. فمات ودفن بالرملة، فكانت عك إذا مات الرجل منهم بالأردن حمل ودفن بالرملة -مكان الأقرع". وهذا مرسل. وخرّجه ابن منده في "معرفة الصحابة" بإسناد مجهول عن الأقرع بن [شفي العكي] (١) قال: "دخل عليّ النبي ﷺ في مرض فَقَالَ: لتبقين ولتهاجرن إِلَى الشام، وتموت وتدفن بالربوة من أرض فلسطين" (٢). ثم قال: رواه إسماعيل بن رشيد الرملي عن ضمرة بن ربيعة عن قادم بن

стр. 73

(ميسور) (١) القرشي عن رجال (٢) من عك، عن الأقرع. قلت: خرجه آدم بن أبي إياس في تفسيره، عن ضمرة عن قادم بن ميسور، قال: "مرض رجل من أهل عك يقال له: الأقرع ... " فذكره مرسلاً. وبتقدير صحة الحديث، فلا يدل عَلَى أن هذه الربوة المذكورة في الحديث هي المذكورة في القرآن، والله أعلم. وقال طائفة: الربوة المذكورة في القرآن: بيت المقدس. قال قتادة فيما رواه مسكين بن بكير عن جرير بن حازم عنه، فعلى هذه الأقوال الثلاثة، الربوة المذكورة في القرآن هي من أرض الشام، وقيل: إنها مصر. رُوي عن وهب بن منبه: وقيل: الإسكندرية، رواه عبد الرحمن بن زيد ابن أسلم عن أبيه. وقيل: هي الكوفة، وهو أضعف الأقوال وأردأها. رواه أهل الكوفة من الشيعة عن جعفر الصادق وأبيه أبي جعفر، ولا يصح غيرهما (٣) إن شاء الله تعالى. وقال الله : ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: ١ - ٣]. فطور سنين: هو الطور الَّذِي كلم الله -عليه موسى ﵇ والبلد الأمين: مكة، وأما التين والزيتون، اختلف في تفسيرهما. وقد رُوي حديث مرفوع، رواه محمد بن بيان بن مسلم، حدثنا الحسن بن

стр. 74

عرفة حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك عن الزهري، عن أنس "أن النبي ﷺ فرح بنزول هذه السورة فرحًا شديدًا، قال: فسألنا ابن عباس عن تفسيرهما؟ فَقَالَ: التين: بلاد الشام، والزيتون: بلاد فلسطين ... " وذكر بقية الحديث. وهذا كذب لا مرية فيه. قال الحافظ أبو بكر الخطيب (١): هذا الحديث بهذا الإسناد باطل لا أصل له، والرجال المذكورون في إسناده كلهم أئمة مشهورون غير محمد بن بيان، ونرى العلة من جهته ومن أورد هذا الحديث بهذا الإسناد، فقد أغنى أهل العِلْم عن أن ينظروا في حاله ويبحثوا عن أمره، يعني: أنَّه أبان عن كذبه، وفضح نفسه. وأشد من هذا نكرة ما خرجه الحافظ أبو القاسم الدمشقي (٢) من طريق أبي الفضل العباس بن منجور مولى أمير المؤمنين، حدثنا أبو محمد المراغي حدثنا قتيبة حدثنا أبو عوانة، عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه سلم- وذكر حديثًا طويلاً، وفيه: إن الله اختار من المدائن أربعة وهي البلدة والمدينة وهي النخلة، وبيت المقدس وهي الزيتون، ودمشق وهي التينة. وقال: هذا حديث منكر [بمرة] (٣). وأبو الفضل والمراغي مجهولان. قلت: هو موضوع لا شك في ذلك. وروى عوف عن يزيد أبي عبد الله عن كعب قال: التين: مسجد دمشق، والزيتون: بيت المقدس. وروى عبد الرحمن بن أبي عمار عن كعب قال: التين: دمشق، والزيتون: بيت المقدس. وروى أبو حمزة العطار عن الحسن في ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ قال: جبال ومساجد بالشام.

стр. 75

وعن خالد بن معدان في التين والزيتون، قال: دمشق. وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: ﴿وَالتِّينِ﴾، قال: الجبل الَّذِي عليه دمشق، والزيتون: الَّذِي عليه بيت المقدس. وكذا قال خليد بن دعلج عن قتادة. وروى سعيد بن بشير عن قتادة قال: التين: دمشق، والزيتون: بيت المقدس. وفي رواية أخرى قال: التين: مسجد دمشق، والزيتون: مسجد بيت المقدس. وعن الحكم قال: التين: دمشق، والزيتون: فلسطين. وعن الحارث بن محمد قال: التين: مسجد دمشق، والزيتون: مسجد بيت المقدس. وعن محمد بن كعب قال: أقسم الله بأربعة مساجد، التين: مسجد أصحاب الكهف، والزيتون: مسجد إيلياء، ومسجد الطور، ومسجد الحرام. وعن الربيع بن أنس قال: التين والزيتون: جبل عليه التين والزيتون. وعن يزيد بن ميسرة قال: أربعة أجبل مقدسة: طور زيتا، وطور سيناء، وطور تيناء، وطور تيمانا، قال: فطور زيتا: طور بيت المقدس، وطور سيناء: طور موسى ﵇. وطور تيناء: مسجد دمشق. وطور تيمانا: مكة يشرفها الله تعالى. وقالت طائفة: المراد به التين والزيتون المأكولان. رُوي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة، والكلبي وغيرهم. وروى العوفي عن ابن عباس، التين: مسجد نوح الَّذِي بنى (عَلَى) (١)
следующие страницы →