← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 151144

استنشاق نسيم الأنس من نفحات رياض القدس

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (111 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

استنشاق نسيم الأنس من نفحات رياض القدس

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ رب يسر وأعن يا كريم [قال الشيخ الإمام العالم العلامة الأوحد، شيخ الإسلام والسنة، قامع البدعة، بقية السَّلف الصالح، وعمدة الخلف: أبو الفرج عبد الرحمن بن الشيخ الإمام القدوة أبي العباس أحمد بن رجب الحنبلي ﵁ وجزاه عن الأمة خيرًا]. الحمد لله الَّذِي فتح عَلَى قلوب أحبابه من فيح محبته، فعبق فيهم نشره وفاح، وشرح صدور أوليائه بنور معرفته؛ فأشرق عليهم نوره ولاح، أحياهم بين رجائه وخشيته، وغذاهم بولائه ومحبته؛ فلا تسأل عما هم فيه من السرور والأفراح، فسبحان من ذكره قوت القلوب وقرة العيون وسرور النفوس وروح الحياة وحياة الأرواح، وتبارك الذي من خشيته تتجافي عن المضاجع الجنوب، وبرجاء رحمته تتنفس عن نفوس الخائفين الكروب، وبروح محبته تطمئن القلوب وترتاح، ما طابت الدُّنْيَا إلا بذكره ومعرفته، ولا الآخرة إلا بقربه ورؤيته، فلو احتجب عن أهل الجنة لاستغاث أهل الجنة في الجنة كما يستغيث أهل النار في النار، وأعلنوا بالصياح، كل قلوب تألهت سواه فهي فاسدة ليس لها صلاح، وكل صدور خلت من هيبته وتقواه فهي ضيقة ليس لها انشراح، وكل نفوس أعرضت عن ذكره فهي مظلمة الأرجاء والنواح ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥]. أحمده ونشر ذكره كلما نشر فاح، وأشكره، ومزيده عَلَى الشارين يتجدد بالغدو والرواح. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، له شهادة استمدها سلاحًا عَلَى الأعداء، فنعم الجنة ونعم السلاح، واستعدها مفتاحا لباب دار البقاء، فما للجنة

стр. 3

سواها مفتاح، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بعثه مفصحًا بتوحيده أي إفصاح، موضحًا لعبيده سبيل الهدى كل الاتضاح، فلم يزل ﷺ يعرف بالله حتى يعرف توحيده في جميع النواح، ويخوف بالله حتى لانت القلوب القاسية وصلحت كل (الفلاح) (١) [(*) ويذكر بآلاء الله حتى انشرحت القلوب بمحبته أعظم انشراح، وصلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة تكون سببًا للفلاح، فحي عَلَى الصلاة وحي عَلَى الفلاح. أما بعد؛ فإن الله -تعالى- خلق الخلق وأوجدهم لعبادته الجامعة لخشيته ورجائه ومحبته كلما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وإنَّما يعبد الله -سبحانه- بعد العِلْم به ومعرفته، فبذلك خلق السماوات والأرض وما فيهما للاستدلال بهما عَلَى توحيده وعظمته كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] وقد علم أن العبادة إِنَّمَا تبنى عَلَى ثلاثة أصوال: الخوف والرجاء والمحبة. وكل منهما فرض لازم، والجمع بين الثلاثة حتم واجب، فلهذا كان السَّلف يذمون من تعبد بواحد منها وأهمل الآخرين؛ فإن بدع الخوارج ومن أشبههم إِنَّمَا حدثت من التشديد في الخوف والإعراض عن المحبة والرجاء، وبدع المرجئة نشأت من التعليق بالرجاء وحده والإعراض عن الخوف، وبدع كثير من أهل الإباحة والحلول ممن ينسب إِلَى التعبد، نشأت من إفراض المحبة والأعراض عن الخوف والرجاء. وقد كثر في المتأخرين المنتسبن إِلَى السلوك تجريد الكلام في المحبة وتوسيع القول فيها بما لا يساوي علي الحقيقة مثقال حبة، إذا هو عار عن الاستدلال بالكتاب والسنة، وخال من ذكر كلام من سلف من سلف الأمة وأعيان الأئمة،

стр. 4

وإنما هو مجرد دعاوي، قد تشرف بأصحابها عَلَى مهاوي، وربما استشهدوا بأشعار عشاق الصور، وفي ذلك ما فيه من عظيم الخطر، وقد يحكون حكايات العشاق، ويشيرون إِلَى التأدب بما سلكوه من الآداب والأخلاق، وكل هذا ضرره عظيم، وخطره جسيم. وقد يكثر ذكر المحبة ويعيدها ويبديها من هو بعيد عن التلبس بمقدماتها ومباديها، وما أحسن قول ذي النون -رحمة الله تعالى- وقد ذكر عنده الكلام في المحبة فَقَالَ: "اسكتوا عن هذه المسألة، لا تسمعها النفوس فتدعيها" فإن النفوس من الكبر والفخر والغرور "والمتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور" (١)، وكثير ما تقترن دعوى المحبة بالشطح والإدلال وما ينافي العبودية من الأقوال والأفعال. ...

стр. 5

محتويات الكتاب وقد استخرت الله -تعالى- في جمع ما ورد في الكتاب والسنة، وكلام أعيان سلف الأمة، ومن سلك سبيلهم من العارفين الأئمة، في محبة الله- جل وعلا- وعلاماتها وطرقها ولوازمها ومقتضياتها، وإن كنت لا أستقصي ذلك كله؛ فإنَّه يطول جداً، وإنَّما أذكر منه أبوابًا أعدها عدًّا، وهي اثنا عشر بابًا: (الباب الأول): في لزوم محبة الملك القدوس وتقديمها عَلَى الأموال والأولاد والنفوس. (الباب الثاني): في بيان أن من أعظم المطالب وأهمها سؤال الله محبته عَلَى أكمل الوجوه وأتمها. (الباب الثالث): في بيان الأسباب التي تستجلب بها محبة رب الأرباب. (الباب الرابع): في علامات المحبة الصادقة من التزام طاعة الله والجهاد في سبيله واستحلاء الملامة في ذلك واتباع رسوله. (الباب الخامس): في استلذاذ المحبين بكلام محبوبهم وأنه غذاء قلوبهم وغاية مطلوبهم. (الباب السادس): في أنس المحبين بالله وأنه ليس لهم مقصود من الدُّنْيَا والآخرة سواء. (الباب السابع): في سهر المحبين وخلواتهم بمناجاة مولاهم الملك الحق المبين. (الباب الثامن): في شوق المحبين إِلَى لقاء رب العالمين. (الباب التاسع): في رضا المحبين بمر الأقدار وتنعمهم ببلاء من يخلق ما يشاء ويختار. (الباب العاشر): في ذكر خوف المحبين العارفين وفضله عَلَى خوف سائر الخائفين.

стр. 6

(الباب الحادي عشر): في شرف أهل الحب وأن لهم عند الله أعلى منازل القرب. (الباب الثاني عشر): في نبذ من كلام أهل المحبة وتحقيقهم تقوى به القلوب علي سلوك طريقهم، وسميته (استنشاق نسم الأنس من نفحات رياض القدس) فإن قلوب الأحباب تشتاق باستنشاق نسيم الاقتراب، وقد خرج "الطبراني" (١) من حديث عمرو بن عبد الغفار -وهو ضعيف عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر مرفوعًا "أن الله -جل وعلا- يقول للجنة: طيبي لأهلك ليزدادوا طيبًا" فذلك البرد يجده الناس في السحر من ذلك. ويروى بإسناد فيه ضعف، عن مجاهد، عن عطية، عن أبي سعيد قال: "إن الله خلق جنة عدن من ياقوتة حمراء ثم قال لها: تزيني. فتزينت، ثم قال لها: تكلمي. فقالت: طوبى لمن رضيت عنه. فأطبقها وعلقها بالعرش فلم يدخلها بعد ذلك إلا الله لا إله غيره يدخلها كل سحر، فذلك برد السحر". وخرّجه الحاكم والبيهقي بإسناد جيد عن مجاهد من قوله مختصراً، وأنشد بعضهم: تمر الصبا صفحًا بسكان ذي الغضا ... ويصدع قلبي أن يهب هبوبها قريبة عهد بالحبيب وإنما ... هوى كل نفس حيث حل حبيبها وقد قيل: إن القلب المحب تحت فحمة الليل جمرة، كما هب عليه نسيم السحر التهب. وأنشدوا في هذا المعني: تذكرني مر النسيم عهودكم ... فأزداد شوقًا كلما هبت الريح أراني إذا ما أظلم الليل أشرفتْ ... بقلبي من نار الغرام مصابيح

стр. 7

أصلي بذكراكم إذا كنت خاليًا ... ألا إن تذكار الأحبة تسبيح يشح فؤادي أن يخامر سره ... سواكم وبعض الشح في المرء ممدوح وإن لاح برق بالغوير تقطع الـ ... ـفؤاد عَلَى واد به البان والشيح والله المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ***

стр. 8

الباب الأول في لزوم محبة الملك القدوس وتقديمها عَلَى حب الأموال والأولاد والنفوس قال الله : ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤]. قال أبو عبد الله محمد بن خفيف الصوفي: "سألنا أبو العباس بن سريج بشيراز فَقَالَ لنا: محبة الله فرض أم غير فرض؟ قلنا: فرض، قال: ما الدلالة عَلَى فرضها؟ فما منا من أتى بشيء يقبل فرجعنا إِلَيْهِ وسألناه: ما الدليل عَلَى فرض محبة الله ؟ فَقَالَ: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ﴾ إلى قوله: - ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] قال: فتوعدهم الله عَلَى تفضيل محبتهم لغيره عَلَى محبته ومحبة رسوله، والوعيد لا يقع إلا عَلَى فرض لازم وحتم واجب". وفي "الصحيحين" (١) عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أَحَبّ إِلَيْهِ من والده وولده والناس أجمعين". وفي "الصحيحين" (٢) أيضاً أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "يا رسول الله، والله لأنت أَحَبّ إلي من كل شيء إلا من نفسي. فَقَالَ: لا يا عمر حتى أكون أَحَبّ إليك من نفسك. فَقَالَ: والله لأنت أَحَبّ إلي من نفسي. فَقَالَ: الآن يا عمر".

стр. 9

ومعلوم أن محبة الرسول إِنَّمَا هي تابعة لمحبة الله جل وعلا؛ فإن الرسول إِنَّمَا يحب موافقة لمحبة الله له، ولأمر الله بمحبته وطاعته واتباعه، فإذا كان لا يحصل الإيمان إلا بتقديم محته عَلَى الأنفس والأولاد والآباء والخلق كلهم، فما الظن بمحبة الله ؟ وذكر ابن إسحاق عن المغيرة بن عثمان بن الأخنس، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن "أن النبي - صلى الله عليه سلم- خطب لما قدم المدينة فَقَالَ في خطبته (١): "أحبوا من أَحَبّ الله وأحبوا الله من كل قلوبكم". وقد جعل النبي ﷺ تقديم محبة الله ورسوله عَلَى محبة غيرهما من خصال الإيمان ومن علامات وجود حلاة الإيمان في القلوب. ففي "الصحيحين" (٢) عن أنس ﵁، وأن النبي ﷺ قال: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أَحَبّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يلقى في النار". وفي رواية "النسائي" (٣): "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان وطعمه: أن يكون الله ورسوله أَحَبّ إليه مما سواهما، وأن يحب في الله ويبغض في الله، وأن توقد نار [عظيمة] (*) فيقع فيها أَحَبّ إليه من أن يشرك بالله شيئًا". وفي مسند الإمام أحمد (٤) عن أبي رزين العقيلي قال: "قلت يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده

стр. 10

ورسوله، وأن يكون الله ورسوله، أَحَبّ البك مما سواهما، وأن تحرق في النار أَحَبّ إليك من أن تشرك بالله، وأن تحب غير ذي نسب لا تحبه إلا لله، فَإِذَا كنت كذلك فقد دخل حب الإيمان في قلبك كما دخل حب الماء للظمآن في اليوم القائظ" (١). ورُوي من حديث المقداد بن الأسود عن النبي ﷺ قال: "من أَحَبّ الله ورسوله صادقًا من قلبه، ولقي المؤمنين فأحبهم، ومن كان أمر الجاهلية عنده كنار أججت فألقي فيها فقد طَعِمَ طَعْمَ الإيمان -أو قال: بلغ ذروة الإيمان" (٢). ومن هذا المعني أن الله -تعالى- قال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ... ﴾ [الممتحنة: ١٠] فأمر بامتحانهن ليعلم إيمانهن، فكان النبي ﷺ يحلفهن أنهن ما خرجن إلا حبًّا لله ورسوله، لم يخرجن رغبة في غير ذلك؛ فيكون ذلك علماً بإيمانهن. قال ابن عباس في هذه الآية: "كانت المرأة إذا أتت النبي ﷺ لتسلم حلفها بالله: ما خرجتي من بغض زوج إلا حبًّا لله ورسوله؟ ". وهو موجود في بعض نسخ الترمذي (٣) كذلك. وخرّجه البزار في "مسنده" (٤)، وابن جرير (٥) وابن أبي حاتم، ولفظه:

стр. 11

"حلفها بالله ما خرجتي من بغض زوج، وبالله ما خرجتي إلا حبًّا لله ورسوله". وخرج إبراهيم بن الجنيد الختلي في "كتاب المحبة" بإسناد ضعيف عن أبي هريرة مرفوعًا قال: "الإيمان في قلب الرجل أن يحب الله ". ومن مراسيل الزهري أن النبي ﷺ قال: "رأس الإيمان المحبة لله وطابع الإيمان: البر والعدل، وتحقيق الإيمان بإكرام ذي الدِّين وذي الشيبة". ***

стр. 12

فصل محبة الله عَلَى درجتين: ١ - فرض لازم ٢ - درجة السابقين ومحبة الله عَلَى درجتين: إحداهما فرض لازم، وهي أن يحب الله -سبحانه- محبة توجب له، محبة ما فرض الله عليه، وبغض ما حرمه عليه، ومحبة لرسوله المبلغ عنه أمره ونهيه، وتقديم محبته عَلَى النفوس والأهلين أيضاً كما سبق، والرضا بما بلغه عن الله من الدين وتلقي ذلك بالرضا والتسليم، ومحبة الأنبياء والرسل والمتبعين لهم بإحسان جملة وعمومًا لله وبغض الكفار والفجار جملة وعمومًا لله وهذا القدر لابد منه في تمام الإيمان الواجب، ومن أخل بشيء منه فقد نقص من إيمانه الواجب بحسب ذلك. قال الله : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] وكذلك ينقص من محبته الواجبة بحسب ما أخل به من ذلك، فإن المحبة الواجبة تقتضي فعل الواجبات وترك المحرمات. وخرج أبو نعيم (١) من حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن سالما -يعني: مولى أبي حذيفة- شديد الحب لله لو كان لا يُخافُ الله ما عصاه" يشير إِلَى أن محبة الله تمنعه من أن يعصيه. وذكر أبو عبيد في "غريبه" (٢) أن عمر قال: "نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه" (٣).

стр. 13

قال الحسن بن آدم: "أَحَبّ الله يحبك الله، واعلم أنك لن تحب الله حتى تحب طاعته". وقال عبد الله بن حنيف: "قال رجل لرابعة إني أحبك في الله. قالت: "فلا تعصي الَّذِي أحببتني له". وسئل ذو النون: متي أَحَبّ ربي؟ قال: "إذا كان ما يبغضه عندك أمر من الصبر". وقال بشر بن السري. "ليس من أعلام الحب أن تحب ما يبغض حبيبك". وقال أبو يعقوب النهرجوري: كل من ادعى محبة الله ﷻ ولم يوافق الله في أمره فدعواه باطلة، وكل محب ليس يخاف الله فهو مغرور". وقال يحيى بن معاذ: "ليس بصادق من ادعى محبة الله ولم يحفظ حدوده". وقال رويم: "المحبة الموافقة في جميع الأحوال" وأنشد: ولو قلت لي مت مت سمعًا وطاعة ... وقلت لداعي الحق أهلا ومرحبًا وقد تقدم أن العبد لا يجد حلاوة الإيمان حتى يحب المرء لا يحبه إلا لله، وحتى يكره أن يرجع إِلَى الكفر، كما يكره أن يلقي في النار. ولهذا المعني كان الحب في الله والبغض في الله من أصول الإيمان. وخرج الترمذي (١) من حديث معاذ بن أنس الجهني، عن النبي ﷺ قال: "من أعطى لله ومنع لله وأحب لله وأبغض لله؛ فقد استكمل إيمانه". وخرج الإمام أحمد (٢) وزاد فيه: "وأنكح لله" وفي لفظ له أيضاً (٣) "أن النبي ﷺ سئل عن أفضل الإيمان قال: أن تحب لله وتبغض لله وتعمل لسانك في

стр. 14

ذكر الله، وخرج أبو داود (١) من حديث أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: "من أَحَبّ لله وأبغض لله وأعطى لله؛ فقد استكمل الإيمان". ومن حديث أبي ذر، عن النبي ﷺ قال: "أفضل الإيمان: الحب في الله والبغض في الله" (٢). وخرج الإمام أحمد (٣) من حديث البراء بن عازب، عن النبي ﷺ قال: "إن أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله وتبغض في الله". ومن حديث عمرو بن الجموح، عن النبي ﷺ قال: "لا يجِدُ العبْدُ حقَّ صرِيح الإيمانِ حتَّى يُحبَّ للَّهِ ويبْغِضَ للَّه، فإذا أحبَّ للهِ، وأبْغَضَ للَّهِ فقدْ استحقَّ الولايَةَ منَ اللَّه، وإن أوْليائِي منْ عبادي وأحبَّائِي منْ خلقِي يُذْكَرُون بذِكرِي وأُذكرُ بذكرِهِم" (٤). وفي هذا المعني أحاديث كثيرة: وروى ليث عن مجاهد عن ابن عباس قال: "من أَحَبّ في الله وأبغض في الله ووالى في الله وعادى في الله فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك". وقد صار عامة مؤاخاة الناس علي أمر الدُّنْيَا وذلك لا يجدي عَلَى أهله شيئًا. خرجه ابن جرير الطبري. وخرج أيضًا بإسناده عن ابن مسعود قال: "من أَحَبّ لله وأبغض لله ومنع لله وأعطى لله فقد توسط الإيمان". وخرج الحاكم (٥) من حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال:

стр. 15

"الشرك أخفى من دبيب النمل عَلَى الصفا في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحب عَلَى شيء من الجور، وتبغض عَلَى شيء من العدل، وهل الدين إلا الحب في الله والبغض في الله؟! قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ﴾ [آل عمران: ٣١] وقال: صحيح الإسناد، وفيما قاله نظر؛ ففي هذا الحديث أن محبة ما يبغضه الله وبغض ما يحبه الله من الشرك الخفي. وروينا من طريق الأصمعي، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد أنَّه قال في قوله تعالى: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥] قال: لا يحبون غيره". وحينئذ فلا يكمل التوحيد الواجب إلا بمحبة ما يحبه الله وبغض ما يبغضه الله، وكذلك لا يتم الإيمان الواجب إلا بذلك. ومن هنا يعلم أن الإخلال ببعض الواجبات وارتكاب بعض المحرمَّات ينقص به الإيمان الواجب بحسب ذلك، كما قال النبي ﷺ "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ... " (١) الحديث. وروى الإمام أحمد (٢) من طريق الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب قال: "من أصبح وأكبر همه غير الله فليس من الله". وقد رُوي هذا مرفوعًا من حديث أنس بأسانيد ضعيفة (٣).

стр. 16

فهذه الدرجة من محبة الله فرض واجب عَلَى كل مسلم وهي درجة المقتصدين أصحاب اليمين الدرجة الثانية درجة السابقين المقربين، وهي أن ترتقي المحبة إلي ما يحبه الله من نوافل الطاعات، وكراهة ما يكرهه من دقائق المكروهات، وإلى الرضا بما يقدره ويقضيه مما يؤلم النفوس من المصائب، وهذا فضل مستحب مندوب إِلَيْهِ. وفي صحيح البخاري (١)، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "يقول الله «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنَتْهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لِأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَ أَكْرَهُ مَسَاءَتَه». وقد رُوي هذا المعني عن النبي ﷺ من حديث علي بن أبي طالب (٢) ﵁ وابن عباس (٣) -وأبي أمامة (٤) وعائشة (٥) ﵃ بأسانيد

стр. 17

فيها نظر. وذكر ابن أبي الدُّنْيَا بإسناده عن سهيل أخي حزم قال: بلغني عن عامر بن عبد قيس أنَّه كان يقول: "أحببت الله حبًّا سهل علي كل مصيبة، ورضاني بكل قضية، فما أبالي مع حبي إياه ما أصبحت عليه وما أمسيت". وقال إبراهيم بن الجنيد: حدثنا محمد بن الحسن، حدثني عبيد الله بن محمد التميمي "أن رجلاً قال لعابد: أوصني -أو عظني- فَقَالَ: أي الأعمال أغلب عَلَى قلبك؟ فَقَالَ الرجل: والله ما أجد شيئًا أنفع للمحب عند حبيبه من المبالغة في محبته وهل تدري ما ذلك؟ أن لا يعلم شيئًا فيه رضاه إلا أتاه، ولا يعلم شيئًا فيه سخطه إلا اجتنبه، فعند ذلك ينزل المحبون من الله منازل المحبة. قال: فصرخ العابد والسائل وسقطا". وقد تبين بما ذكرناه أن محبة الله إذا صدقت أوجبت محبة طاعته وامتثالها، وبغض معصيته واجتنابها، وقد وقع المحب أحيانًا في تفريط في بعض المأمورات وارتكاب لبعض المحظورات ثم يرجع عَلَى نفسه بالملامة، وينزع عن ذلك ويتداركه بالتوبة. وفي صحيح البخاري (١) "أن رجلاً كان يؤتى به إِلَى النبي ﷺ قد شرب الخمر، فَقَالَ رجل: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به؟ فَقَالَ رسول الله: لا تلعنه؛ فإنَّه يحب الله ورسوله". وقد رُوي عن الشعبي في "قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] قال: التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وإذا أَحَبّ الله عبدًا لم يضره ذنبه". وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: "إن الله -تعالى- ليحب العبد حتى يبلغ من حبه إذا أحبه أن يقول له: اذهب فاعمل ما شئت؛ فقد غفرت لك".

стр. 18

والمراد من هذا أن الله -تعالى- إذا أَحَبّ عبدًا وقدر عليه بعض الذنوب؛ فإنَّه يقدر له الخلاص منها بما يمحوها من توبة إو عمل صالح أو مصائب مكفرة، كما في الحديث عن النبي ﷺ قال: "أذنب عبد ذنبًا فَقَالَ: أي ربي، عملت ذنبًا؛ فاغفر لي؟ -فذكر الحديث- إِلَى أن قال- فليعمل ما شاء" (١). والمراد ما دام عَلَى هذا، كما عمل ذنبًا اعترف به وندم عليه واستغفر منه، فأما مع الإصرار عليه فلا، وكذلك المحبة الصادقة الصحيحة تمنع من الإصرار عَلَى الذنوب وعدم الاستحياء من علام الغيوب. وما أحسن قول بعضهم: تعصي الإله وأنت تزعم حبه ... هذا لعمري في القياس شنيع لو كان حبك صادقًا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع ...

стр. 19

الباب الثاني في بيان أن من أعظم المطالب وأهمها سؤال الله تعالى محبته عَلَى أكمل الوجوه وأتمها روى معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أتاني ربي ﵎ في أحسن صورة -يعني: في المنام- فذكر الحديث، وقال في آخره: قال: سل. قلت: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت بقوم فتنة فتوفني إليك غير مفتون، وأسألك حبك، وحب من يحبك، وحب كل عمل يقربني إِلَى حبك. فَقَالَ ﷺ : إنها حق؛ فادرسوها وتعلموها". خرجه الإمام أحمد (١) والترمذي (٢) وقال: حسن صحيح. وخرّجه الحاكم (٣) وقال: صحيح الإسناد. وفي بعض الروايات: "وحب عمل يبلغني حبك". وخرج البزار (٤) والطبراني (٥) والحاكم (٦) من حديث ثوبان، عن النبي ﷺ

стр. 20

نحوه. وخرج البزار (١) بإسناد فيه ضعف، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ نحوه، وفي حديثه: "اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يقربني إِلَى حبك، اللهم إني أسألك إيمانا يباشر قلبي حتى أعلم أنَّه لن يصيبني إلا ما كتبت لي، ورضني بما قسمت لي". وخرج الترمذي (٢) والحاكم (٣) من حديث أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: "كان من دعاء داود ﵇: اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك والعمل الَّذِي يبلغني حبك، اللهم اجعل حبك أَحَبّ الي من نفسي وأهلي ومن الماء البارد". قال: وكان النبي ﷺ إذا ذكر داود وتحدث عنه قال: "كان داود أعبد البشر". وقال الترمذي: حديث حسن غريب. وخرج الترمذي (٤) أيضاً من حديث عبد الله بن يزيد الخطمي الأنصاري، عن النبي ﷺ "أنَّه كان يقول في دعائه: اللهم ارزقني حبك، وحب من ينفعني حبه عندك، اللهم ما رزقتني مما أَحَبّ فاجعله فراغًا لي فيما تحب" وقال: حسن غريب. وخرج ابن أبي الدُّنْيَا وغيره من رواية أبي بكر بن أبي مريم، عن الهيثم بن مالك الطائي "أن النبي ﷺ كان يدعو: اللهم اجعل حبك أَحَبّ الأشياء إلي، واجعل خشيتك أخوف الأشياء عندي، واقطع عني حاجات الدُّنْيَا بالشوق إِلَى

стр. 21

لقائك، وإذا أقررت أعين أهل الدُّنْيَا بدنياهم؛ فاقرر عيني من عبادتك" (١). وهذا مرسل. وخرج ابن أبي الدُّنْيَا أيضاً من رواية أبي بردة قال: "صليت إِلَى جنب ابن عمر فسمعته حين يسجد يقول: اللهم اجعل حبك أَحَبّ الأشياء إلي، وخوفك أخوف الأشياء عندي" وخرّجه أبو نعيم (٢)، ولفظه: "اللهم اجعلك أَحَبّ الأشياء إِلَيَّ وأخشى عندي". وصح من رواية نافع عن ابن عمر "أنَّه كان يدعو عَلَى الصفا والمروة وفي مناسكه فيقول في دعائه: اللهم اجعلني ممن يحبك ويحب ملائكتك، ويحب رسلك، ويحب عبادك الصالحين، اللهم حببني إليك وإلى ملائكتك وإلى رسلك وإلى عبادك الصالحين" (٣) في دعاء له كثير. وروى إبراهيم بن الجنيد في كتاب المحبة له بإسناد إِلَى أبي الزاهرية قال: "كان داود ﵇ يقول: "اللهم اجعلني من أحبائك؛ فإنك إذا أحببت عبدًا غفرت ذنبه لأن كان عظيمًا وقبلت عمله وإن كان يسيرًا". وبإسناد عن صالح بن مسمار قال: "بلغنا أن الله أرسل إِلَى سليمان بن داود ﵉ بعد موت أبيه داود ملكًا من الملائكة، فَقَالَ له الملك: إن ربي أرسلني إليك لتسأله حاجة. قال سليمان: فإني أسأل ربي أن يجعل قلبي يحبه كما كان قلب أبي داود يحبه، وأسال الله -تعالى- أن يجعل قلبي يخشاه كما كان قلب أبي يخشاه. فَقَالَ الرب ﵎: أرسلت إِلَى عبدي ليسألني حاجة فكانت حاجته أن أجعل قلبه يحبني وأجعل قلبه يخشاني، وعزتي لأكرمنه. فوهب له ملكًا لا ينبغي لأحد بعده؛ ثم قال: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٣٩، ٤٠].

стр. 22

وعن سلام بن مسكين قال: سمعت الحسن يقول: "اللهم املأ قلوبنا إيمانا بك، ويقينا بك ومعرفة بك وتصديقًا لك وحبًّا لك، وشوقًا إِلَى لقائك". وعن عبد الواحد بن زيد "أنَّه كان يقول في دعائه: اللهم إني أسألك أركانًا قوية عَلَى عبادتك، وأسألك جوارح مسارعة إِلَى طاعتك، وأسألك هممًا متعلقة بمحبتك". وعن مرثد بن أبي عامر عن الحسن بن علي "أنَّه كان يقول في دعائه: اللهم ارزقني محبة لك تقطع بها عني محبات الدُّنْيَا ولذاتها، وارزقني محبة لك تجمع لي بها خير الآخرة ونعيمها، اللهم اجعل محبتك آثر الأشياء عندي وأقرها لعيني واجعلني أحبك حب الراغبين في محبتك، حبًّا لا يخالطه حب هوى أعلى منه في صدري، ولا أكثر منه في نفسي حتى يشتغل قلبي به عن السرور بغيره، حتى يكمل لي به عندك الثواب غدًا في أعلى منازل المحبين لك يا كريم" قال: وكان من خيار أهل البيت، وكان يدعو بهذا الدعاء في آخر كلامه ويبكي. وعن عقبة بن فضالة قال: "كان أبو عبيدة الخواص يقول في دعائه بعد ما كبر: اللهم ارزقني حبًّا لك، وحبًّا لطاعتك، وحبًّا لمطيعك، وحبًّا لأوليائك، وحبًّا لأهل محبتك وخدمتك، اللهم ارزقني حبًّا ترفعني به عندك في أعلى درجات العلى في منازل المحبين لك". قال: وكان يبكي حتى يكاد يهمد وكان قد كبر جدًّا. وعن أبي صخر، عن محمد بن كعب القرظي "أن عمر بن عبد العزيز أرسل يومًا إِلَيْهِ -وعمر أمير المدينة يومئذ- فَقَالَ: يا أبا حمزة، إنه أسهرتني البارحة آية قال محمد: وما هي أيها الأمير؟ فَقَالَ: قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ قال محمد: إِنَّمَا عنى الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الولاة من قريش ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ عن الحق ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ وهم أهل اليمن. قال عمر: يا ليتني وإياك منهم! قال: آمين".

стр. 23

وروى ابن أبي الدُّنْيَا بإسناده عن سعيد بن صدقة أبي مهلهل قال: "أتاني آت في منامي فَقَالَ: أتحب الله؟ قلت: أي والله الَّذِي لا إله غيره، إني لأحبه وأحب طاعته. قال: أفلا تناديه نداء أوليائه؟ قلت: وما هو؟ قال: قل: نبهني إلهي للخطر العظيم من محبتك يا باري النسم". قال أحمد بن أبي الحواري: حدثنا أبو قرة، حدثنا حميد بن قائد قال: كان بعض التابعين يقول: "إلهي أعطيتني من غير أن أسألك؛ فكيف تحرمني وأنا أسألك، اللهم إني أسألك أن تسكن عظمتك في قلبي وأن تسقيني شربة من كأس حبك". قال أحمد: وحدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه قال: "كان من دعاء مريم أم عيسى ﵉ اللهم املأ قلبي بك فرحًا وغش وجهي منك الحياء". وكان من دعاء بعض التابعين "اللهم أعمت قلبي بخوفك وخشيتك، وأحيه بحبك وذكرك". ***

стр. 24

الباب الثالث في بيان الأسباب التي تستجلب بها محبة رب الأرباب فمن ذلك معرفة نعمة الله علي عباده، وقد جبلت القلوب علي حب من أحسن إليها. وهذا الكلام مروي عن ابن مسعود. ورُوي عنه مرفوعًا ولا يصح (١). قال بعضهم: "إذا كانت القلوب جبلت عَلَى حب من أحسن إليها فوا عجبًا لمن لا يري محسنًا غير الله كيف لا يميل بكُلِّيته إِلَيْهِ". وقال بعض السَّلف: "ذكر النعيم يورث الحب لله ". قال الفضيل: "أوحى الله إِلَى داود ﵇: أحبني وأحب من يحبني وحببني إِلَى عبادي. قال: يا رب، هذا أحبك وأحب من يحبك، فكيف أحببك إِلَى عبادك؟! قال: تذكرني ولا تذكر مني إلا حسنًا".

стр. 25

ويروى عن كعب قال: "أوحى الله إِلَى موسى- ﵇: أتحب أن تحبك أحبتي وملائكتي وما ذرأت من الجن والإنس؟ قال: نعم يا رب. قال: ذكرهم آلائي ونعمائي؛ فإنهم لا يذكرون مني إلا كل حسنة". وعن أبي عبد الله الجدلي قال: "أوحى الله إِلَى داود ﵇ يا داود، أحبني وأحب من يحبني وحببني إِلَى الناس؟ قال: يا رب، أحبك وأحب من يحبك؛ فكيف أحببك إِلَى الناس؟ قال: تذكرهم آلائي ونعمائي فلا يذكرون مني إلا حسنًا". ويروى عن ابن عباس. عن النبي ﷺ قال: "أحبوا الله لما يغذوكم من نعمة، وأحبوني لحب الله وأحبوا أهل بيتي لحبي". وهذا الحديث موجود في بعض نسخ كتاب الترمذي (١). والحب عَلَى النعم من جملة شكر المنعم وهو واجب عَلَى من أنعم عليه، ولهذا يقال: إن الشر يكون بالقلب واللسان والجوارح. ومن الأسباب أيضاً: معرفة الله -تعالى-: قال الحسن بن أبي جعفر: سمعت عتبة الغلام يقول: "من عرف الله - تعالى- أحبه، ومن أَحَبّ الله أطاعه، ومن أسكنه في جواره فطوباه وطوباه وطوباه". قال فلم يزل يقول: "وطوباه، وطوباه" حتى خر ساقطًا مغشيًا عليه. خرجه إبراهيم بن الجنيد. وقال بديل بن ميسرة: "من عرف ربه أحبه، ومن عرف الدُّنْيَا زهد فيها". خرجه الإمام أحمد وغيره.

стр. 26

ومن أعظم أسباب المعرفة الخاصة: التفكر في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء. قال الجوزجاني: حدثني صاحب لي عن جعفر بن سليمان قال: "كنا نكون عند مالك بن دينار عشية جمعة، فكان يجيء خليفة العبدي بعد العصر فيأخذ بعضادتي الباب فيقول: يا أبا يحيى، عليك السلام، يا أبا يحيى، لو أن الله - تعالى- لم يعبد إلا عن رؤية ما عبده أحد، لأنه لا تدركه الأبصار ولكن المؤمنون تفكروا في مجيء هذا الليل إذا جاء فطبق كل شيء وملأ كل شيء، ومجيء سلطان النهار وتفكروا في مجيء النهار إذا جاء فملأ كل شيء وطبق كل شيء، ومجيء سلطان الليل، وتفكروا في السحاب المسخر بين السماء والأرض، وتفكروا في الفلك التى تجري في البحر بما ينفع الناس، وتفكروا في مجيء الشتاء والصيف، فوالله ما زال المؤمنون يتفكرون فيما خلق لهم ربهم حتى أيقنت قلوبهم، وحتى كأنما عبدوا الله عن رؤية". وكان شميط بن عجلان يقول: "دلنا ربنا عَلَى نفسه في هذه الآية: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ... ﴾ الآية [الأعراف: ٥٤، ويونس: ٣]. وفي القرآن شيء كثير من التذكير بآيات الله الدالة عَلَى عظمته وقدرته وجلاله وكماله وكبريائه ورأفته ورحمته وبطشه وقهره وقدرته وانتقامه، غير ذلك من صفاته العلى وأسمائه الحسنى والندب إِلَى التفكر في مصنوعاته الدالة علي كماله، فإن القلوب مفطورة عَلَى محبة الكمال، ولا كمال عَلَى الحقيقة إلا له ، ولهذا كان السَّلف يفضلون التفكر عَلَى نوافل البدن. ورُوي ذلك عن الحسن وابن المسيب. قال عمر بن عبد العزيز: "الفكر في نعم الله أفضل العبادة". وقال عبد الله بن محمد التيمي: "أفضل النوافل طول الفكرة". وكان أكثر عمل أبي الدرداء الاعتبار والتفكر.

стр. 27

وكلام الإمام أحمد يدل عَلَى مثل هذا أيضاً. وقال ذو النون: تناول المعرفة بثلاث: "بالنظر في الأمور كيف دبرها، وفي المقادير كيف قدرها، وفي الخلائق كيف خلقها". "وسئل أبو سليمان الداراني: بأي شيء تنال معرفة الله؟ قال: بطاعته. قيل: فبأي شيء تنال طاعته؟ قال: به". فكلما قويت معرفة العبد بالله قويت محبته له ومحبته لطاعته، وحصلت له لذة العبادة من الذكر وغيره عَلَى قدر ذلك. وقد روى ابن أبي الدُّنْيَا بإسناده عن ابن عمر- ﵄ قال: "أخبرني أهل الكتاب أن هذه الأمة تحب الذكر كما تحب الحمامة وكرها، ولهم أسرع إِلَى ذكر الله من الإبل إِلَى وردها يوم ظمئها". وعن مالك بن دينار قال: "ما تلذذ المتلذذون بمثل ذكر الله ". وعنه قال: "قرأت في التوراة: أيها الصديقون تنعموا بذكري في الدُّنْيَا؛ فإنَّه لكم في الدُّنْيَا نعيم وفي الآخرة جزاء". وقال محمد بن كعب القرظي: "وجدت في بعض الحكمة: أيها الصديقون، افرحوا بي وتنعموا بذكري". وقال مسلم أبو عبد الله: "ما تلذذ المتقون بشيء في صدورهم ألذ من حب الله ومحبة أهل ذكره". وقال أحمد بن غسان: "قرأت في زبور داود ﵇: أحبوا الله يا صِدِّيقيه، افرحو أيها الصديقون بالله وتنعموا بذكره". وقال أحمد بن أبي الحواري عن أبي جعفر الرقي قال: "ما فرح أحد بغير الله إلا بالغفلة عن الله ". قال وحدثنا محمود عمن أخبره قال: "رأيت بالبصرة رجلاً كثير الدواب قليل الطعم جيد البدن؛ فقلت له: أراك كثير الدوب قليل الطعم جيد البدن؟

стр. 28

قال: ذلك من فرحي بحب الله ، إذا ذكرت أنَّه ربي وأنا عبده لم يمنع أن يصلح". وقال الفضل الرقاشي: "والله لو جمع للعباد جميع لذات الدُّنْيَا بحذافيرها لكان امتهانهم أنفسهم لله بطاعته ألذ وأحلى عندهم من ذلك كله". وقال إبراهيم بن أدهم: "أعلى الدرجات: أن يكون ذكر الله عندك أحلى من العسل، وأشهى من الماء العذب الصافي عند العطشان في اليوم الصائف". وقال زبيد اليامي: "إن لله عبادًا ذكروه فخرجت نفوسهم به إعظامًا واشتياقًا، وقومًا ذكروه فوجلت قلوبهم فرقًا وهيبة له، فلو أحرقوا بالنار لم يجدوا مس النار، وآخرون ذكروه في الشتاء وبرده فارفضوا عرقًا من خوفه، وقومًا ذكروه فحالت ألوانهم غبرًا، وقومًا ذكروه فجفت أعينهم سهرًا". "وكان أبو حفص النيسابوري إذا ذكر الله تغيرت عليه حاله حتى كان يرى ذلك منه جميع من حضره، ففعل ذلك مرة فلما رجع قال: ما أبعد ذكرنا من ذكر المحققين، فما أظن محققًا يذكر الله من غير غفلة ثم يبقى بعد ذلك حيًّا إلا الأنبياء؛ فإنهم أيدوا بقوة النبوة، وخواص الأولياء بقوة ولايتهم، ومع ذلك كله فلو كشف الغطاء لتبين أن الأمر أعظم وأعظم. ولهذا يقول أهل الجنة إذا كشفت لهم الحجب ورأوه معاينة قالوا: سبحانك، ما عبدناك حق عبادتك" (١). وفي حديث آخر: «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً فِي السَّمَاءِ قِيَامًا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ تَرْعَدُ فَرَائِصُهُمْ مِنْ مَخَافَتِهِ، مَا مِنْهُمْ مَلَكٌ تَقْطُرُ مِنْ عَيْنَيْهِ دَمْعَةٌ إِلَّا وَقَعَتْ عَلَى مَلَك يُسَبِّحُ، وَلِلَّهِ مَلَائِكَةً سُجُودًا مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَمْ يَرْفَعُوا رُءُوسَهُمْ وَلَا يَرْفَعُونَهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَصُفُوفًا لَمْ يَتَفَرَّقُوا عَنْ مَقَامِهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَإِذَا

стр. 29

كان يوم القيامة تجلى لهم ربهم فينظرون إِلَيْهِ ﵎، فقالوا: سبحانك ما عبدناك كما ينبغي لك". خرجه ابن أبي الدُّنْيَا (١) والأجري (٢) مرفوعًا. ورُوي نحوه من وجه آخر مرسلاً (٣)؛ ورُوي عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا (٤) نحوه أيضاً. وفي الصحيحين (٥) عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال "إنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ؛ فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ. قَالَ: فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ، قَالَ: فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ -وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ-: مَا يَقُولُ عِبَادِي؟ قَالَ يَقُولُونَ: يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ، قَالَ يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَتَحْمِيدًا، وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا ... " وذكر بقية الحديث، وإذا كان مخلوق يقول في مخلوق: وكنت أرى أن قد تناها بي الهوى ... إِلَى غاية ما فرقها لي مطلب فلما تلاقينا وعاينت حسنها ... تيقنت أني إنما كنت ألعب فكيف بالخالق الملك الحق العظيم الَّذِي لا يُقَدَّرُ حق قدره، ولا يحيط خلقه به علماً، ولا يحصون ثناء عليه، وهو كما أثنى عَلَى نفسه؟!.

стр. 30

فصل "الأسباب الجالبة لمحبة الله " ومن الأسباب الجالبة لمحبة الله معاملة الله بالصدق والإخلاص ومخالفة الهوى، فإن ذلك سبب لفضل الله عَلَى عبده وأن يمنحه محبته. قال بشر الحافي: قال فتح الموصلي: "من أدام النظر بقلبه ورثه ذلك الفرح بالمحبوب، ومن آثره عَلَى هواه، ورثه ذلك حبه إياه، ومن اشتاق إِلَيْهِ وزهد فيما سواه ورعى حقه وخافه بالغيب، ورثه ذلك النظر إِلَى وجهه الكريم". خرجه أبو نعيم وغيره. ويقال: إن سرى السقطي -رحمه الله تعالى- كان له دكان فاحترق السوق الَّذِي فيه دكانه ولم يحترق دكانه، فأخبر بذلك فَقَالَ: "الحمد لله. ثم تفكر في ذلك فرأى أنَّه قد سر بعطب الناس وسلامته، فتصدق بما في دكانه، فشكر الله له ذلك ورقاه إلى درجة المحبة، وسئل مرة عن حاله فأنشد: من لم يبت والحب حشو فؤاده ... لم يدر كيف تفتت الأكباد وبلغ من أمره "أنَّه لما مرض رفع ماؤه إِلَى الطبيب، فلما رآه الطبيب قال: هذا عاشق! فصعق حامل الماء وغشي عليه. ونظروا إِلَى جسده مرة وكان سقيمًا مضنيًا، فَقَالَ: لو شئت أن أقول هذا كله من محبته لقلت". "وسئل المرتعش: بم تنال المحبة؟ قال: بموالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه وأصله الموافقة". ومن أعظم ما تستجلب به المحبة: كثرة الذكر مع الحضور. وقال ذو النون: "من شغل قلبه ولسانه بالذكر قذف الله في قلبه الاشتياق إِلَيْهِ". وقال إبراهيم بن الجنيد: "كان يقال: من علامة المحبة لله: دوام الذكر

стр. 31

بالقلب واللسان، وقل ما ولع المرء بذكر الله إلا أفاد منه حب الله- ﷻ ". ومما يستجلب به المحبة تلاوة القرآن بالتدبر والتفكر، ولا سيما الآيات المتضمنة للأسماء والصفات والأفعال الباهرات، ومحبة ذلك يستوجب به العبد محبة الله ومحبة الله له. وفي الصحيحين (١) عن أنس "أن رجلاً كان يصلي بهم ويختم قراءته ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فأمر النبي ﷺ أن يسأل عن ذلك، فَقَالَ إنها صفة الرحمن وأنا أَحَبّ أن أقرأها؟ فَقَالَ ﷺ : أخبروه أن الله يحبه". ومن أسباب المحبة نذكر ما ورد في الكتاب والسنة من رؤية أهل الجنة لربهم وزيارتهم له واجتماعهم يوم المزيد، فإن ذلك تستجلب به المحبة الخالصة. وقد أشار إِلَى ذلك الحسن قال دلهم عن الحسن: "أوصيكم بتقوى الله وإدمان التفكر، فإنَّه مفتاح خلال الخير كله، وبه يخص الله كل موفق، واعلموا أن خير ما ظفرتم به مدرك من تفكر بخالصة الله وشرب بكأس حبه، وأن أحباء الله هم الذين ظفروا بطيب الحياة، وذاقو لذة نعيمها بما وصلوا إِلَيْهِ من مناجاة حبيبهم، وما وجدوا من حلاوة حبه في قلوبهم، ولا سيما إذا خطر عَلَى بال أحدهم، وذكر مشافهته وكشف ستور الحجب عنه في المقام الأمين والسرور الدائم وأراهم جلاله، وأسمعهم لذيذ منطقه، ورد عليهم جواب ما ناجوه به أيام حياتهم؛ إذ قلوبهم به مشغوفة، وإذ مودتهم إِلَيْهِ معطوفة وإذ هم له مأثورون وإليه منقطعون، فليبشر المصفون له ودهم بالمنظر العجيب بالحبيب، فوالله ما أراه يحل لعاقل، ولا يجمل به أن يستوعبه حب أحد سوى حب الله ". خرجه ابن أبي الدنيا وغيره.

стр. 32

الباب الرابع في علامات المحبة الصادقة من التزام طاعة الله -تعالى- والجهاد في سبيله واستحلاء الملامة في ذلك واتباع رسوله. قال الله -جل وعلا-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤]. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]. فوصف الله -سبحانه- المحبين له بخمسة أوصاف: أحدها: الذلة عَلَى المؤمنين، والمراد لين الجانب وخفض الجناح والرأفة والرحمة للمؤمنين، كما قال تعالى لرسوله: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] ووصف أصحابه بمثل ذلك في قوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] وهذا يرجع إِلَى أن المحبين لله يحبون أحباءه ويعودون عليهم بالعطف والرأفة والرحمة، وقد سبق في الباب الأول بيان ذلك. الثاني: العزة عَلَى الكافرين، والمراد الشدة والغلظة عليهم، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التحريم: ٩]. وهذا يرجع إِلَى أن المحبين له يبغضون أعداءه، وذلك من لوازم المحبة

стр. 33

الصادقة كما سبق تقريره أيضاً. الثالث: الجهاد في سبيل الله وهو مجاهدة أعدائه باليد واللسان، وذلك أيضاً من تمام معاداة أعداء الله الَّذِي تستلزمه المحبة، وأيضًا فالجهاد في سبيل الله فيه دعاء الخلق إِلَى الله وردهم إِلَى بابه بالقهر لهم والغلبة، كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. قال مجاهد وغيره: يعني: كنتم خير الناس للناس، فخير الناس للناس أنفعهم لهم، ولا نفع أعظم من الدعاء إِلَى التوحيد والطاعة والنهي عن الشرك والمعصية. "وسئل الحسن البصري عن رجل له أم فاجرة فَقَالَ: يقيدها؛ فما وصلها بشيء أعظم من أن يكفها عن معاصي الله -تعالى". قال إبراهيم بن أدهم: "سمعت رجلين من الزهاد يقول أحدهما للآخر يا أخي، ما ورث أهل المحبة محبتهم؟ قال: فأجابه الآخر: ورثوا النظر بنور الله والعطف عَلَى أهل معاصي الله. قال: فقلت له: كيف يعطف عَلَى قوم قد خالفوا أمر محبوبهم؛ فَقَالَ: مقت أعمالهم وعطف عليهم ليزيلهم بالمواعظ عن فعالهم وأشفق عَلَى أبدانهم من النار. لا يكون المؤمن مؤمنًا حقًّا حتى يرضى للناس ما يرضاه لنفسه". الرابع: أنهم لا يخافون لومة لائم، والمراد أنهم يجتهدون فيما يرضى به من الأعمال ولا يبالون بلومة من لامهم في شيء منه إذا كان فيه رضا ربهم. وهذا من علامات المحبة الصادقة، وإن المحب يشتغل بما يرضي به حبيبه ومولاه، ويستوي عنده من حمده في ذلك أو لامه، وفي هذا المعنى يقول بعضهم:

стр. 34

وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبًّا لذكرك فليلمني اللوم الخامس: متابعة الرسول ﷺ وهو طاعته واتباعه في أمره ونهيه. قال مبارك بن فضالة عن الحسن: "كان ناس عَلَى عهد النبي ﷺ يَقُولُونَ: يا رسول الله، إنا نحب ربنا حبًّا شديدًا. فأحب الله أن يجعل لحبه علمًا، فأنزل الله ﵎: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]. وقد قرن الله بين محبة رسوله في قوله تعالى: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] وكذلك ورد في السنة في أحاديث كثيرة جدًّا سبق ذكر بعضها، والمراد أن الله تعالى لا توصل إِلَيْهِ إلا من طريق رسوله ﷺ باتباعه وطاعته. كما قال الجنيد وغيره من العارفين: "الطرق إِلَى الله مسدودة إلا من اقتفى أثر الرسول ﷺ ". وكلام أئمة العارفين في هذا الباب كثير جداً. قال إبراهيم بن الجنيد: "يقال علامة المحب عَلَى صدق الحب ست خصال: أحدها: دوام الذكر بقلبه بالسرور بمولاه. والثانية: إيثاره محبة سيده عَلَى محبة نفسه ومحبة الخلائق، يبدأ بمحبة مولاه قبل محبة نفسه ومحبة الخلائق. والثالثة: الأنس به، والاستثقال لكل قاطع يقطع عنه أو شاغل يشغله عنه. والرابعة: الشوق إِلَى لقائه والنظر إِلَى وجهه. الخامسة: الرضا عنه في كل شديدة وضر ينزل به.

стр. 35

والسادسة: اتباع رسوله ﷺ . ومحبة الرسول ﷺ عَلَى درجتين: إحداهما فرض: وهي المحبة التي تقتضي قبول ما جاء به الرسول ﷺ من عند الله وتلقيه بالمحبة والرضا والتعظيم والتسليم، وعدم طلب الهدى من غير طريقه بالكلية، ثم حسن الاتباع له فيما بلغه عن ربه من تصديقه في كل ما أخبر به، وطاعته فيما أمر به من الواجبات، والانتهاء عما نهي عنه من المحرمات، ونصرة دينه والجهاد لمن خالفه بحسب القدرة. فهذا القدر لا بد منه ولا يتم الإيمان بدونه. والدرجة الثانية فضل، وهي المحبة التي تقتضي حسن التأسي به، وتحقيق الاقتداء بسنته في أخلاقه وآدابه ونوافله وتطوعاته وأكله وشربه ولباسه وحسن معاشرته لأزواجه، وغير ذلك من آدابه الكاملة وأخلاقه الطاهرة، والاعتناء بمعرفة سيرته وأيامه واهتزاز القلب عند ذكره، وكثرة الصلاة عليه لما سكن في القلب من محبته وتوقيره ومحبة استماع كلامه، وإيثاره عَلَى كلام غيره من المخلوقين. ومن أعظم ذلك الاقتداء به في زهده في الدُّنْيَا والاجتزاء باليسير منها ورغبته في الآخرة. قال سهل التستري: من علامات حب الله: حب القرآن وعلامة حب الله وحب القرآن وحب النبي ﷺ وعلامة حب النبي ﷺ : حب السنة، وعلامة حب السنة: حب الآخرة، ومن علامة حب الآخرة: بغض الدُّنْيَا، وعلامة بغض الدُّنْيَا أن لا يأخذ منها إلا زادًا يبلغه إِلَى الآخرة. ***

стр. 36

فصل "بعض الآثار عن الحب " وقد ذكرنا في الباب الأول أن محبة الله الواجبة تقتضي محبة ما أوجب من الطاعات وامتثالها، وكراهة ما كرهه من المحرمات واجتنابها، وأن محبته المستحبة تقتضي محبة التقرب إِلَيْهِ بالنوافل والورع عن دقائق المكروهات، والمحبة الواجبة تقتضي أيضاً مخالفة الهوى، وإيثار ما يحبه ويرضاه عَلَى ما تشتهيه الأنفس وتهواه، فإذا تمكنت المحبة في القلب، وامتلأ القلب منها أخرجت من القلب محبة كل ما يكرهه الله فلم يبق في القلب سوى محبة الله ومحبة ما يحبه، فلم تنبعث الجوارح إلا إِلَى الطاعات التي تقتضي التقرب إِلَى الله، وصارت النفس حينئذ مطمئنة. إِلَى هذا الإشارة في الحديث الإلهي: "فَإِذَا أحببته كنت سمعه الَّذِي يسمع به، وبصره الَّذِي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها ... "، وقد سبق ذكره. وروى إبراهيم بن الجنيد بإسناده عن فرقد السبخي قال: "قرأت في بعض الكتب: من أَحَبّ الله -تعالى- لم يكن شيء عنده آثر من هواه، ومن أَحَبّ الدُّنْيَا لم يكن شيء عنده آثر من هوى نفسه". والمحبة منتهى القربة والاجتهاد، ولم يسأم المحبون من طول اجتهادهم لله يحبونه ويحبون ذكره ويحببونه إِلَى خلقه، ويمشون بين عباده بالنصائح ويخافون عليهم من أعمالهم يوم تبدو الفضائح، وأولئك أولياء الله وأحباؤه وأهل صفوته، أولئك الذين لا راحة لهم دون لقائه. وعن ثور بن زيد قال: "نظر الله إِلَى داود ﵇ وهو وحداني منتبذ، فَقَالَ: مالك وحداني؟ قال: "عاديت الخلق فيك.

стр. 37

قال: أو ما علمت أن من محبتي أن تعطف عَلَى عبادي وتأخذ عليهم بالفضل؟ هنالك أكتبك من أوليائي ومن أحبائي؛ فإذا كنت كذلك كتبتك في ديوان أهل المحبة". وعن عبيد الله بن محمد التيمي قال: سمعتهم يذكرون عن بعض أولئك الفخام أنَّه قال: "إن العمل عَلَى المخالفة قد يغيره الرجاء، والعمل عَلَى المحبة لا يدخله الفتور". وعن عبد الله بن أبي نوح قال: "سمعت رجلاً من العباد يقول في كلامه: إذا سئم الباطلون من بطالتهم فلن يسأم محبوبك من مناجاتك وذكرك". وعن أبي جعفر المحبوبي قال: "ولي الله: المحب لله، لا يخلو قلبه من ذكر ربه، ولا يسأم من خدمته، فإذا أعرض أعرض عنه، وإذا أقبل إِلَى الله أقبل عليه برأفته ورحمته". وعن مسلم أبي عبد الله قال: "من أَحَبّ الله آثر هوى الله- عَلَى هوى محبة نفسه، ومن خشي الله -تعالى- خرج من الدُّنْيَا بحسرات، والمؤمن من الله بمنزلة كل خير بين خوف وشفقة وطاعة ومحبة". وعن الفضيل بن عياض قال: "الحب أفضل من الخوف، ألا ترى إذا كان لك عبدان أحدهما يحبك والآخر يخافك، فالذي يحبك منهما ينصحك شاهدًا كنت أو غائبًا لحبه إياك، والذي يخافك عسى أن ينصحك إذا شهدت لما يخاف، ويغشك إذا غبت ولم ينصحك". وعن سعيد بن عمر أن ابن زرارة قال: "سمعت كَلابَ بن جُرَي يقول لرجل من الطفاوة وهو يوصيه بطرائق البر، فَقَالَ له: وكن لربك ذا بر لتخدمه ... إن المحبين للأحباب خدام قال: فصاح الطفاوي صيحة، فخر مغشيًا عليه". وعن أبي عبد الرحمن المغازلي قال: "لا يعطى طريق المحبة غافل ولا ساه.

стр. 38

المحب لله -تعالى- طائر القلب، كثير الذكر، متسبب إِلَى رضوانه بكل سبيل يقدر عليه من الوسائل والنوافل دوبًا دوبًا، وشوقًا شوقًا". وعن محمد بن النضر الحارثي قال: "ما يكاد يمل القربة إِلَى الله محب لله ولا يكاد يسأم من ذلك". وقال محمد بن نعيم الموصلي: "إن القلب الَّذِي يحب الله يحب التعب والنصب لله، إنه لن ينال حب الله بالراحة". وذكر ابن أبي الدُّنْيَا بإسناده "أن رجل قال لبعض العارفين: أوصني. قال: افش فعل الخيرات، وتوصل إِلَى الله بالحسنات، فإني لم أر شيئًا قط أرضى للسيد مما يحب؛ فبادر في محبته يسرع في محبتك. ثم بكى فَقَالَ له: زدني رحمك الله. قال: الصبر عَلَى محبة الله وإرادته رأس كل بر -أو قال: كل خير". واجتمع أحمد بن أبي الحواري وقاسم الجوعي وجماعة من الصالحين بعد صلاة العتمة، وقد خرجوا من المسجد إِلَى بيت رجل قد دعاهم إِلَى طعام صنعه لهم، فأنشدهم رجل قبل دخول الباب: علامة صدق المستخصين بالحب ... بلغوهم المجهود في طاعة الرب وتحصيل طيب القوت من مجتنائه ... وإن كان ذاك القوت في مرتقى صعب فلم يزل يردده وهم قيام حتى أذن مؤذن الفجر ورجعوا إِلَى المسجد. وقد رُويت بيتان آخران مع هذين البيتين وهما: وإمساك سوء اللفظ عن وَلَهِ جنسهم ... وإن ظلموا فالعفو من ذاك بالخطب أولئك بالرحمن قرت عيونهم ... وحلوا من الإخلاص بالمنزل الرحب وقال نصر: "اجتمعنا ليلة عَلَى الساحل ومعنا مسلم أبو عبد الله، فَقَالَ رجل من الأزد: ما للمحب سوى إرادة حبه ... إن المحب بكل بر يضرع قال: فبكى مسلم حتى خشيت والله أن يموت". خرجه ابن أبي الدُّنْيَا.

стр. 39

الباب الخامس في استلذاذ المحبين بكلام محبوبهم وأنه غذاء قلوبهم وغاية مطلوبهم خرج ابن ماجه (١) والترمذي من رواية موسى بن عبيدة عن المقبري عن الأدرع السلمي قال: "كان رجل يقرأ قراءة عالية، فمات بالمدينة فحملوا نعشه، فَقَالَ النبي ﷺ : ارفقوا به رفق الله به، إنه كان يحب الله ورسوله. قال: وحضر حضرته فَقَالَ: أوسعوا له وسع الله عليه فَقَالَ بعض الصحابة: يا رسول الله، لقد حزنت عليه؟ قال: أجل، إنه كان يحب الله ورسوله". وروى أبو إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود قال: "لا يسأل عبد عن نفسه إلا القرآن، فإن كان يحب القرآن فإنَّه يحب الله ورسوله". ورواه الحر بن مالك، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله مرفوعًا (٢): "من سره أن يحب الله ورسوله فليقرأ في المصحف" والموقوف أصح (٣).

стр. 40

ورويناه من طريق سلمة بن كهيل، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود قال: "من كان يحب أن يعلم أنَّه يحب الله فليعرض نفسه عَلَى القرآن، فمن أَحَبّ القرآن فهو يحب الله فإنما القرآن كلام الله ". وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت ابن عيينة يقول: "لا تبلغون ذروة هذا الأمر حتى لا يكون شيء أَحَبّ إليكم من الله ، فمن أَحَبّ القرآن فقد أَحَبّ الله ". قال أحمد بن أبي الحواري: سمعت محمد بن حفص يذكر عن عروة الرقي قال: "حب الله : حب القرآن، وحب رسول الله ﷺ : العمل بسنته" وقال أبو سعيد الخراز: "من أَحَبّ الله- أَحَبّ كلامه ولم يشبع من تلاوته". وقال أبو طالب المكي: قال سهل بن عبد الله: "علامة حب الله: حب القرآن". قال: وروينا عن أبي تراب النخشبي هذه الأبيات: لا تخدعن فللمحب دلائل ... ولديه من تحف الحبيب وسائل منها تنعمه بمر بلائه ... وسروره في كل ما هو فاعل فالمنع منه عطية مقبولة ... والفقر إكرام وبر عاجل ومن الدلائل أن يرى من عزمه ... طوع الحبيب وإن ألح العاذل ومن الدلائل أن يرى متبسمًا ... والقلب فيه من الحبيب بلابل ومن الدلائل أن يرى متفهما ... لكلام من يحظى لديه السائل
следующие страницы →