فصل "بعض الآثار عن الحب "
وقد ذكرنا في الباب الأول أن محبة الله الواجبة تقتضي محبة ما أوجب من الطاعات وامتثالها، وكراهة ما كرهه من المحرمات واجتنابها، وأن محبته المستحبة تقتضي محبة التقرب إِلَيْهِ بالنوافل والورع عن دقائق المكروهات، والمحبة الواجبة تقتضي أيضاً مخالفة الهوى، وإيثار ما يحبه ويرضاه عَلَى ما تشتهيه الأنفس وتهواه، فإذا تمكنت المحبة في القلب، وامتلأ القلب منها أخرجت من القلب محبة كل ما يكرهه الله فلم يبق في القلب سوى محبة الله ومحبة ما يحبه، فلم تنبعث الجوارح إلا إِلَى الطاعات التي تقتضي التقرب إِلَى الله، وصارت النفس حينئذ مطمئنة.
إِلَى هذا الإشارة في الحديث الإلهي: "فَإِذَا أحببته كنت سمعه الَّذِي يسمع به، وبصره الَّذِي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها ... "، وقد سبق ذكره.
وروى إبراهيم بن الجنيد بإسناده عن فرقد السبخي قال: "قرأت في بعض الكتب: من أَحَبّ الله -تعالى- لم يكن شيء عنده آثر من هواه، ومن أَحَبّ الدُّنْيَا لم يكن شيء عنده آثر من هوى نفسه".
والمحبة منتهى القربة والاجتهاد، ولم يسأم المحبون من طول اجتهادهم لله يحبونه ويحبون ذكره ويحببونه إِلَى خلقه، ويمشون بين عباده بالنصائح ويخافون عليهم من أعمالهم يوم تبدو الفضائح، وأولئك أولياء الله وأحباؤه وأهل صفوته، أولئك الذين لا راحة لهم دون لقائه.
وعن ثور بن زيد قال: "نظر الله إِلَى داود ﵇ وهو وحداني منتبذ، فَقَالَ: مالك وحداني؟ قال: "عاديت الخلق فيك.
стр. 37
قال: أو ما علمت أن من محبتي أن تعطف عَلَى عبادي وتأخذ عليهم بالفضل؟ هنالك أكتبك من أوليائي ومن أحبائي؛ فإذا كنت كذلك كتبتك في ديوان أهل المحبة".
وعن عبيد الله بن محمد التيمي قال: سمعتهم يذكرون عن بعض أولئك الفخام أنَّه قال: "إن العمل عَلَى المخالفة قد يغيره الرجاء، والعمل عَلَى المحبة لا يدخله الفتور".
وعن عبد الله بن أبي نوح قال: "سمعت رجلاً من العباد يقول في كلامه: إذا سئم الباطلون من بطالتهم فلن يسأم محبوبك من مناجاتك وذكرك".
وعن أبي جعفر المحبوبي قال: "ولي الله: المحب لله، لا يخلو قلبه من ذكر ربه، ولا يسأم من خدمته، فإذا أعرض أعرض عنه، وإذا أقبل إِلَى الله أقبل عليه برأفته ورحمته".
وعن مسلم أبي عبد الله قال: "من أَحَبّ الله آثر هوى الله- عَلَى هوى محبة نفسه، ومن خشي الله -تعالى- خرج من الدُّنْيَا بحسرات، والمؤمن من الله بمنزلة كل خير بين خوف وشفقة وطاعة ومحبة".
وعن الفضيل بن عياض قال: "الحب أفضل من الخوف، ألا ترى إذا كان لك عبدان أحدهما يحبك والآخر يخافك، فالذي يحبك منهما ينصحك شاهدًا كنت أو غائبًا لحبه إياك، والذي يخافك عسى أن ينصحك إذا شهدت لما يخاف، ويغشك إذا غبت ولم ينصحك".
وعن سعيد بن عمر أن ابن زرارة قال: "سمعت كَلابَ بن جُرَي يقول لرجل من الطفاوة وهو يوصيه بطرائق البر، فَقَالَ له:
وكن لربك ذا بر لتخدمه ... إن المحبين للأحباب خدام
قال: فصاح الطفاوي صيحة، فخر مغشيًا عليه".
وعن أبي عبد الرحمن المغازلي قال: "لا يعطى طريق المحبة غافل ولا ساه.
стр. 38
المحب لله -تعالى- طائر القلب، كثير الذكر، متسبب إِلَى رضوانه بكل سبيل يقدر عليه من الوسائل والنوافل دوبًا دوبًا، وشوقًا شوقًا".
وعن محمد بن النضر الحارثي قال: "ما يكاد يمل القربة إِلَى الله محب لله ولا يكاد يسأم من ذلك".
وقال محمد بن نعيم الموصلي: "إن القلب الَّذِي يحب الله يحب التعب والنصب لله، إنه لن ينال حب الله بالراحة".
وذكر ابن أبي الدُّنْيَا بإسناده "أن رجل قال لبعض العارفين: أوصني. قال: افش فعل الخيرات، وتوصل إِلَى الله بالحسنات، فإني لم أر شيئًا قط أرضى للسيد مما يحب؛ فبادر في محبته يسرع في محبتك. ثم بكى فَقَالَ له: زدني رحمك الله. قال: الصبر عَلَى محبة الله وإرادته رأس كل بر -أو قال: كل خير".
واجتمع أحمد بن أبي الحواري وقاسم الجوعي وجماعة من الصالحين بعد صلاة العتمة، وقد خرجوا من المسجد إِلَى بيت رجل قد دعاهم إِلَى طعام صنعه لهم، فأنشدهم رجل قبل دخول الباب:
علامة صدق المستخصين بالحب ... بلغوهم المجهود في طاعة الرب
وتحصيل طيب القوت من مجتنائه ... وإن كان ذاك القوت في مرتقى صعب
فلم يزل يردده وهم قيام حتى أذن مؤذن الفجر ورجعوا إِلَى المسجد.
وقد رُويت بيتان آخران مع هذين البيتين وهما:
وإمساك سوء اللفظ عن وَلَهِ جنسهم ... وإن ظلموا فالعفو من ذاك بالخطب
أولئك بالرحمن قرت عيونهم ... وحلوا من الإخلاص بالمنزل الرحب
وقال نصر: "اجتمعنا ليلة عَلَى الساحل ومعنا مسلم أبو عبد الله، فَقَالَ رجل من الأزد:
ما للمحب سوى إرادة حبه ... إن المحب بكل بر يضرع
قال: فبكى مسلم حتى خشيت والله أن يموت".
خرجه ابن أبي الدُّنْيَا.
стр. 39
الباب الخامس في استلذاذ المحبين بكلام محبوبهم وأنه غذاء قلوبهم وغاية مطلوبهم
خرج ابن ماجه (١) والترمذي من رواية موسى بن عبيدة عن المقبري عن الأدرع السلمي قال: "كان رجل يقرأ قراءة عالية، فمات بالمدينة فحملوا نعشه، فَقَالَ النبي ﷺ : ارفقوا به رفق الله به، إنه كان يحب الله ورسوله. قال: وحضر حضرته فَقَالَ: أوسعوا له وسع الله عليه فَقَالَ بعض الصحابة: يا رسول الله، لقد حزنت عليه؟ قال: أجل، إنه كان يحب الله ورسوله".
وروى أبو إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود قال: "لا يسأل عبد عن نفسه إلا القرآن، فإن كان يحب القرآن فإنَّه يحب الله ورسوله".
ورواه الحر بن مالك، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله مرفوعًا (٢): "من سره أن يحب الله ورسوله فليقرأ في المصحف" والموقوف أصح (٣).
стр. 40
ورويناه من طريق سلمة بن كهيل، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود قال: "من كان يحب أن يعلم أنَّه يحب الله فليعرض نفسه عَلَى القرآن، فمن أَحَبّ القرآن فهو يحب الله فإنما القرآن كلام الله ".
وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت ابن عيينة يقول: "لا تبلغون ذروة هذا الأمر حتى لا يكون شيء أَحَبّ إليكم من الله ، فمن أَحَبّ القرآن فقد أَحَبّ الله ".
قال أحمد بن أبي الحواري: سمعت محمد بن حفص يذكر عن عروة الرقي قال: "حب الله : حب القرآن، وحب رسول الله ﷺ : العمل بسنته" وقال أبو سعيد الخراز: "من أَحَبّ الله- أَحَبّ كلامه ولم يشبع من تلاوته".
وقال أبو طالب المكي: قال سهل بن عبد الله: "علامة حب الله: حب القرآن".
قال: وروينا عن أبي تراب النخشبي هذه الأبيات:
لا تخدعن فللمحب دلائل ... ولديه من تحف الحبيب وسائل
منها تنعمه بمر بلائه ... وسروره في كل ما هو فاعل
فالمنع منه عطية مقبولة ... والفقر إكرام وبر عاجل
ومن الدلائل أن يرى من عزمه ... طوع الحبيب وإن ألح العاذل
ومن الدلائل أن يرى متبسمًا ... والقلب فيه من الحبيب بلابل
ومن الدلائل أن يرى متفهما ... لكلام من يحظى لديه السائل
стр. 41
ومن الدلائل أن يرى متقشفا ... متحفظا في كل ما هو قائل
وقال أبو طالب: حدثونا عن بعض المريدين قال: "وجدت حلاوة المناجاة في مر الإرادات، فأدمت عَلَى قراءة القرآن ليلا ونهارًا، ثم لحقني فترة فانقطعت عن التلاوة، فسمعت قائلا يقول في المنام: إن كنت تزعم حبي فلم جفوت كتابي؟ أما ترى إِلَى ما فيه من لطيف عتابي.
قال: فانتبهت وقد أُشْرب قلبي محبة القرآن، فعاودت إِلَى حالي الأولى".
***
стр. 42
الباب السادس في أنس المحبين بالله وأنه ليس لهم مقصود من الدُّنْيَا والآخرة سواه
ثبت في الصحيحين (١) والسنن (٢) والمسانيد (٣) من غير وجه أن "جبريل ﵇ سأل النبي ﷺ عن الإحسان، فَقَالَ النبي ﷺ : "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك".
وقال بعض العارفين من السَّلف: "من عمل لله عَلَى المشاهدة فهو عارف، ومن عمل عَلَى مشاهدة الله إياه فهو مخلص"
فهذان مقامان:
أحدهما: الإخلاص، وهو أن يعمل العبد عَلَى استحضار مشاهدة الله إياه واطلاعه عليه وقربه منه، فإذا استحضر العبد ذلك في عمله وعمل عَلَى هذا المقام فهو مخلص لله؛ لأنّ استحضاره ذلك يمنعه من الالتفات إِلَى غير الله وإرادته بالعمل.
والثاني: المعرفة التي تستلزم المحبة الخالصة، وهو أن يعمل العبد عَلَى مشاهدة الله بقلبه، وهو أن يتنور قلبه بنور الإيمان وتنفذ بصيرته في العرفان حتى يصير الغيب عنده كالعيان، وهذا هو مقام الإحسان المشار إِلَيْهِ في حديث جبريل ﵇ ويتفاوت أهل هذا المقام فيه بحسب قوة نفوذ البصائر.
стр. 43
وقد فسر طائفة من العُلَمَاء المثل العلي المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٧] بهذا، ومثله قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥].
وقد فسرها أُبي بن كعب وغيره من السَّلف بأن المراد مثل نور الله في قلب المؤمنين.
ومن هذا حديث حارثة المشهور لما قال النبي ﷺ "وكأني أنظر إِلَى عرش ربي بارزًا؛ وكأني أنظر إِلَى أهل الجنة يتزاورون فيها، إِلَى أهل النار يتعاوون فيها.
فَقَالَ النبي ﷺ : "عرفت فالزم، عبد نَوَّر الله الإيمان في قلبه".
وهذا الحديث مروي مرسلاً، ورُوي مسندًا متصلاً، لكن من وجوه ضعيفة (١).
"وخطب عروة إِلَى ابن عمر ابنته وهما في الطواف فلم يجبه بشئ، ثم رآه بعد ذلك فاعتذر إِلَيْهِ. وقال: كنا في الطواف نتخايل الله بين أعيننا".
خرجه أبو نعيم (٢) وغيره (٣).
ويتولد من هذين المقامين للعارفين مقام الحياء من الله -عز جل-، وقد أشار النبي ﷺ إِلَى ذلك في حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده (٤) "أنَّه سئل عن كشف العورة خاليًا، فَقَالَ: الله أحق أن يستحيا منه"
وقد ندب النبي ﷺ إِلَى دوام استحضار معية الله وقربه وإلى الحياء منه بذلك
стр. 44
في غير حديث، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ... ﴾ [يونس: ٦١].
وخرج البزار من حديث عبد الله بن معاوية الغاضري "أن رجلاً قال: يا رسول الله، ما تزكية المرء نفسه؟ قال: أن يعلم أن الله حيث كان معه".
وخرج الطبراني (١) من حديث عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيث كنت" وبإسناد فيه نظر من حديث أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ : "ثلاثة في ظل الله -تعالى- يوم لا ظل إلا ظله: رجل حيث توجه علم أن الله معه ... " (٢) إلخ.
ومن حديث سعيد بن يزيد الأزدي "أنَّه قال للنبي ﷺ : أوصني.
قال: أوصيك أن تستحي من الله كما تستحي رجلاً صالحًا من صالحي قومك" (٣). ورويناه بإسناد فيه ضعف من حديث أبي أمامة أن النبي ﷺ قال: "استح من الله استحياؤك من رجلين من صالحي عشيرتك هما معك لا يفارقانك" (٤).
стр. 45
في هذا المعنى يقول بعضهم:
كأن رقيب منك يرعى خواطري ... وآخر يرعى ناظري ولساني
فما أبصرت عيناي بعدك منظرًا ... لغيرك إلا قلت قد رمقاني
ولا بدرت من في بعدك لفظة ... لغيرك إلا قلت قد سمعاني
ولا خطرت من ذكر غيرك خطرة ... عَلَى القلب إلا عرجا بعناني
إذا ما تسلى القاعدون عن الهوى ... بذكر فلان أو كلام فلان
وجدت الَّذِي يسلى سواي يشوقني ... إِلَى قربكم حتى أمل مكاني
وإخوان صدق قد سئمت لقاءهم ... وغضضت طرفي عنهمو ولساني
وما البغض أسلى عنهمو غير أنني ... أراك عَلَى كل الجهات تراني
ويتولد من ذلك أيضاً الأنس بالله والخلوة لمناجاته وذكره واستثقال ما يشغل عنه من مخالطة الناس والاشتغال بهم، وقد صح عن النبي ﷺ أنَّه قال: "إن أحدكم إذا كان يصلي فإنما يناجي رَبَّهُ أو رَبُّهُ بينه وبين القبلة" (١).
وأنه قال: "إن الله قبل وجهه إذا صلى" (٢).
وفي حديث الحارث الأشعري عن النبي ﷺ : "أن الله تعالى ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت" (٣) وفي حديث أبي هريرة (٤) وأبي
стр. 46
الدرداء (١) عن النبي ﷺ قال: "يقول الله : أنا مع عبدي إذا ذكرني وتحركت بي شفتاه".
وصح من حيث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : "يَقُولُ -اللَّهُ تعالى-: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِى بِي وَأَنَا مَعَهُ حَيْثُ يَذْكُرُنِي؛ فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِى نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلإ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ اقَتَرَبَ إِلَيَّ شِبْرًا اقْتَرَبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ اقْتَرَبْتُ إِلَيَّ ذِرَاعًا اقْتَرَبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً" (٢).
وروينا بإسناد فيه نظر عن أنس مرفوعًا: "إذا أَحَبّ أحدكم أن يحدث ربه فليقرأ" (٣).
وقال ثور بن يزيد: "قرأت في التوراة أن عيسى ﵇ قال: يا معشر الحواريين، كلموا الله كثيرًا وكلموا الناس قليلاً. قالوا: كيف نكلم الله كثيرًا؟! قال: اخلوا بمناجاته، اخلوا بدعائه".
خرجه أبو نعيم.
والتوراة اسم جنس للكتب المتقدمة كلها وتسمى أيضاً إنجيلاً وقرآنًا.
وخرج أيضاً بإسناد فيه ضعف عن رباح قال: "كان عندنا رجل يصلي كل يوم وليلة ألف ركعة حتى أقعد من رجليه، فكان يصلي جالسًا ألف ركعة، فإذا صلي العصر احتبى فاستقبل القبلة ويقول: عجبت للخليقة كيف أنست بسواك؟ بل عجبت للخليقة كيف استنارت قلوبها بذكر سواك؟! ".
стр. 47
وروينا من حديث أبي أسامة قال: "دخلت عَلَى محمد بن النضر الحارثي فرأيته كأنه ينقبض، فقلت: كأنك ترى تكره أن تؤتى؟
قال: أجل. قلت: أو ما تستوحش؟ قال: كيف أستوحش وهو يقول: أنا جليس من ذكرني؟!.
وقال بكر المزني: "من مثلك يا ابن آدم، خلى بينك وبين المحراب والماء، كلما شئت دخلت عَلَى الله ليس بينك وبينه ترجمان". خرجه عبد الله بن الإمام أحمد.
وروى ابن أبي الدُّنْيَا بإسناده عن شميط بن عجلان قال: "إن الله وسم الدُّنْيَا بالوحشة ليكون أنس المنقطعين به".
وعن حبيب أبي محمد "أنَّه كان يخلو في بيته ثم يقول: من لم تقر عينه بك فلا قرت، ومن لم يأنس بك فلا أنس".
وعن زكريا بن عدي قال: "سمعت عابدًا باليمن يقول: سرور المؤمن ولذته في الخلوة بمناجاة سيده ".
وعن أحمد بن أبي الحواري قال: حدثني أبو عبد الرحمن الأزدي قال: "مررت برجل ببيروت مدلى الرجلين في البحر يكبر. فقلت: يا شاب، ما لك جالس وحدك؟ قال: اتق الله ولا تقل إلا حقا، ما كنت قط وحدي منذ ولدتني أمي، إن معي ربي حيثما كنت، ومعي ملكان يحفظان علي، وشيطان ما يفارقني، فإذا عرضت لي حاجة إِلَى ربي سألته إياها بقلبي فجاءني بها".
وعن إبرهيم بن أدهم قال: "اتَّخذ الله صاحبًا ودع الناس جانبًا".
وعن عبد الواحد بن زيد قال: "كان أصحاب غزوان يَقُولُونَ له: ما يمنعك عن مجالسة إخوانك؟ فيبكي ويقول: إني أصبت راحة قلبي في مجالسة من لديه حاجتي".
стр. 48
وعن مسلم بن يسار قال: "ما تلذذ المتلذذون بمثل الخلوة بمناجاة الله ".
وعن عبد العزيز بن سليمان الراسبي، وكانت رابعة تسميه: سيد العابدين "أنَّه قِيلَ لَهُ: ما بقي مما يتلذذ به؟ قال: سرداب أخلو بربي فيه".
وعن مسلم العابد قال: "لولا الجماعة -يعني: الصلاة في الجماعة- ما خرجت من باب أبدًا حتى أموت.
وقال: ما يجد المطيعون الله لذة في الدُّنْيَا أحلى من الخلوة بمناجاة سيدهم، ولا أَحَبّ لهم في الآخرة من عظيم الثواب كبر في صدورهم وألذ في قلوبهم من النظر إِلَى الله ثم غشي عليه".
وعن شعيب بن حرب قال: "دخلت عَلَى مالك بن مغول وهو جالس في بيته وحده، فقلت: ألا تستوحش؟ قال: أو يستوحش مع الله أحد؟! ".
وعن يحيى بن سعيد قال: قال نصر بن يحيى بن أبي كثير -وكان من الحكماء: "لم نجد شيئًا أبلغ من الزهد في الدُّنْيَا من ثبات حرث الآخرة في قلب العبد، ومن ثبت ذلك في قلبه آنسه بالوحدة فأنس بها واستوحش من المخلوقين، فأول ما يهيج من حب الخلوة طلب العبد الإخلاص والصدق في جميع قوله وفعله فيما بينه وبين ربه، ويهيج منها الزهد في معرفة الناس والأنس بالله ﵎ ويهيج منها الوحشة من الناس والاستثقال لكلامهم والأنس بكلام رب العالمين".
ويروى عن إبراهيم بن أدهم قال: "أعلى الدرجات أن تنقطع إِلَى ربك وتستأنس إِلَيْهِ بقلبك وعقلك وجميع جوارحك حتى لا ترجو إلا ريك ولا تخاف إلا ذنبك وترسخ محبته في قلبك حتى لا تؤثر شيئًا عليه؛ فإذا كنت كذلك لم تبال في بر كنت أو في بحر أو في سهل أو في جبل؛ وكان شوقك بلقاء الحبيب شوق الظمآن إِلَى الماء البارد، وشوق الجائع إِلَى الطعام الطيب، ويكن ذكر الله عنك أحلى من العسل وأشهى من الماء العذب الصافي عن العطشان في
стр. 49
اليوم الصائف".
وقال الفضيل: "طوبى لمن استوحش من الناس وكان الله أنيسه".
وقال أبو سليمان: "لا آنسني الله إلا به أبدًا".
وقال رجل لمعروف الكرخي: "أوصني. قال: توكل عَلَى الله حتى يكون جليسك وأنيسك وموضع شكواك، وأكثر ذكر الموت حتى لا يكون لك جليس غيره، واعلم أن الشفاء لما نزل بك كتمانه، وأن الناس لا ينفعونك ولا يضرونك ولا يعطونك ولا يمنعونك".
وقال سعيد بن عثمان: سمعت ذا النون يقول: "من علامات المحب لله: ترك كل ما يشغله عن الله حتى يكون الشغل بالله وحده. ثم قال: إن من علامات المحبين لله أن لا يأنسوا بسواه ولا يستوحشوا معه ثم قال: إذا سكن حب الله القلب أنس بالله؛ لأن الله أجل في صدور العارفين من أن يحبوا سواه".
وكانت رابعة العدوية تنشد هذين البيتين:
ولقد جعلتك في الفؤاد محدثي ... وأبحت جسمي من أراد جلوسي
فالجسم مني للجليس مؤانس ... وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي
ورؤي بعض العارفين يصلي في مكان وحده، فلما سلم قِيلَ لَهُ:
"ما معك مؤنس؟ قال: بلى. قِيلَ لَهُ: أين هو؟ قال: أمامي وخلفي ومعي وعن يميني وعن شمالي وفوقي. قِيلَ لَهُ: معك زاد؟ قال: نعم: الإخلاص. قِيلَ لَهُ: أما تستوحش في وحدتك؟ قال: إن الأنس بالله قطع عني كل وحشة حتى لو كنت بين السباع ما خفتها".
وقال بعض العارفين: "عجبت لمن عرف الطريق إِلَى الله كيف يعيش مع غيره، والله -تعالى- يقول: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ ... ﴾ الآية [الزمر: ٥٤] ".
стр. 50
ولو استقصينا ما في هذا الباب من الأخبار والآثار لطال الكتاب جدًّا.
ومن الأنس -بالله الأنس بكلامه وذكره والأنس بالعلم النافع الَّذِي بلغه رسوله ﷺ عنه.
وروى أبو نعيم بإسناده عن ذي النون قال: "الأنس بالله نور ساطع، والأنس بالناس غم واقع".
"قيل لذي النون: ما الأنس بالله؟ قال: العِلْم والقرآن".
ومن كلام الفضيل بن عياض: "كفى بالله محبًّا وبالقرآن مؤنسًا وبالموت واعظًا، اتخذ الله صاحبًا وح الناس جانبًا.
وقال: "من لم يستأنس بالقرآن فلا أنس الله وحشته".
وقد رُوي من حديث أنس مرفوعًا: "علامة حب الله: حُبُّ ذكره، وعلامة بغض الله بغضُ ذكره" (١) من طريقين غير صحيحين.
وكان فتح الموصلي يقول: "المحب لله لا يجد مع حب لله للدنيا لذة، ولا يغفل عن ذكر الله طرفة عين".
خرجه إبراهيم بن الجنيد.
وخرج أيضاً بإسناده عن الربيع بن أنس عن بعض أصحابه قال: "علامة حب الله: كثرة ذكره، فإنك لن تحب شيئًا إلا أكثرت ذكره، وعلامة الدين: الإخلاص لله وعلامة العِلْم خشية الله ، وعلامة الشكر: الرضا بقضاء الله والتسليم للقدر".
ومما ينشأ من معرفة الله -تعالى- ومحبته الاكتفاء به والاستغناء به عن خلقه.
ومنه قول أحمد بن عاصم الأنطاكي: "من عرف الله اكتفى
стр. 51
به، ومن لم يعرفه اكتفى بخلقه دونه، فطال غمه وكثرت شكايته، ومن أَحَبّ -الله تعالى- لم يكن في قلبه فضلة لحب أحد؛ ولو أراد لم يترك".
ومنه قول علي بن الكاتب: "إذا انقطع العبد إِلَى الله بالكلية فأول ما يفيده: الاستغناء به عمن سواه".
ومنه قول بعض العارفين: "من لزم الباب أثبت في الخدم، ومن استغنى بالله أمن من العدم".
وفي بعض الإسرائيليات يقول الله :
"ابن آدم، اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فُتُّكَ فاتك كل شيء، وأنا أَحَبّ إليك من كل شيء".
وأنشد أبو الحسن بن سيار الزاهد:
تنقضي الدنيا وتفنى ... والفتى فيها مُعَنَّى
ليس في الدنيا نعيم ... لا ولا عيش مهنا
يا غنيا بالدنانير ... محب الله أغنى
ولبعضهم:
وكم كنت أخشى الفقر حتى وجدتكم ... فصرت أدل المفلسين عليكموا
***
стр. 52
فصل "هم العارفين رؤية ربهم "
وهمم العارفين المحبين متعلقة من الآخرة برؤية الله، والنظر إِلَى وجهه في دار كرامته والقرب منه، وقد سبق قول مسلم العابد في ذلك.
وقال عبد الواحد بن زيد عن الحسن: "لو علم العابدون أنهم لا يرون ربهم يوم القيامة لماتوا". وفي رواية عنه قال: "لذابت أنفسهم".
وقال إبراهيم الصائغ: "ما سرني أن لي نصف الجنة بالرؤية. ثم تلا: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] " وخرّجه ابن أبي حاتم.
وروى ابن منده بإسناده عن عبد الله بن وهب قال: "لو خيرت بين دخول الجنة والنظر إِلَى ربي لاخترت النظر إِلَيْهِ ".
وقال غزوان الرقاشي في قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥].
قال: "ما يسرني بحظي من المزيد الدُّنْيَا جميعها". خرجه الإمام أحمد -رحمه الله تعالى.
وخرج أيضاً بإسناده عن حبيب أبي محمد قال: "لأن كون في صحراء ليس عَلَيَّ إلا ظلمة وأنا جار لربي أَحَبّ إلي من جنتكم هذه" وقوله: من "جنتكم هذه" توبيخ لمن تعلق همته من العباد بأنواع نعيم الجنة المتعلق بالمخلوقات فيها مقتصرًا عَلَى ذلك.
ولهذا كان أبو سليمان يقول: "الدُّنْيَا عند الله أقل من جناح بعوضة، فما قيمة جناح البعوضة حتى يزهد فيها؟ إِنَّمَا الزهد في الجنة والحور العين، وكل نعيم خلقه الله ويخلقه حتى لا يرى الله في قلبك غيره".
وكان يقول: "أهل المعرفة دعاؤهم غير دعاء الناس، وهممهم من الآخرة
стр. 53
غير همم الناس".
وسئل عن أقرب ما يتقرب به العبد إِلَى الله ؟ فبكى وقال: "مثلي يُسْألُ عن هذا؟! أفضل ما يتقرب به العبد إِلَى الله أن يطلع عَلَى قلبك وأنت لا تريد من الدُّنْيَا والآخرة غيره".
وقال: "لو لم يكن لأهل المعرفة إلا هذه الآية الواحدة لاكتفوا بها ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢].
وقال: "أي شيء أراد أهل المعرفة؟ ما أرادوا كلهم إلا ما سأل موسى ﵇".
وذكر ابن أبي الدُّنْيَا بإسناده عن مسمع بن عاصم قال: اختلف العابدون عندنا في الولاية؛ فتكلموا في ذلك كلامًا كثيرًا، واجتمعوا عَلَى أن يأتوا امرأة من بني عدي يقال لها: أمة الجليل بنت عمرو، وكانت منقطعة جدًّا من طول الاجتهاد، فأتوا فعرضوا عليها اختلافهم وما قالوا، فقالت: ساعات الولي ساعات شغل عن الدُّنْيَا، ليس للولي المستحق في الدُّنْيَا من حاجة". ثم أقبلت عَلَى كلاب بن جري فقالت: من حدثك أو أخبرك أن وليه له هم غيره فلا تصدقه. قال مسمع: فما كنت أسمع إلا التصارخ من نواحي البيت".
وروى إبراهيم ببن الجنيد، عن محمد بن الحسين قال: حدثني حكيم بن جعفر قال: قال ضيغم لكلاب: "إن حبه شغل قلوب مريديه عن التلذذ بمحبة غيره، فليس لهم مع حبه لذة تداني محبته ولا يكون في الآخرة من كرامة الثواب أكبر عندهم من النظر إِلَى وجهه). قال: فسقط كلاب عند ذلك مغشيا عليه".
وروى بإسناده عن عبد العزيز بن سليمان العابد أنَّه كان يقول في كلامه: أنت أيها المحب، تزعم أن محبتك لله تحقيق، أما والله لو كنت كذلك لضاقت عليك الأرض برحبها حتى تصل إِلَى رضا حبيبك وإلى النظر إِلَى وجهه في دار كبريائه وعزه. قال: ولقد كان إذا أخد في هذا النعت سمعت التصارخ من نواحي المسجد".
стр. 54
"وقال حبيب الفارسي ليزيد الرقاشي: بأي شيء تقر عيون العابدين في الدُّنْيَا؟ وبأي شيء تقر عيونهم في الآخرة؟ فَقَالَ: أما الَّذِي تقر عيونهم به في الدُّنْيَا، فما أعلم [شيئًا] (١) أقر لعيون العابدين من التهجد في ظلمة الليل.
وأما الَّذِي تقر أعينهم به في الآخرة، فما أعلم شيئًا من نعيم الجنان وسرورها ألذ عند العابدين ولا أقر لعيونهم من النظر إلي ذي الكبرياء العظيم إذا رفعت تلك الحجب وتجلى لهم الكريم فصاح حبيب عند ذلك صيحة وخر مغشيًا عليه".
وكان علي بن الموفق كثيرًا ما يقول: "اللهم إن كنت تعلم أني أعبدك خوفًا من نارك فعذبني بها، وإن كنت تعلم أني أعبدك شوقًا إِلَى جنتك فاحرمنيها، وإن كنت تعلم أني إِنَّمَا أعبدك حبا مني لك وشوقًا إِلَى وجهك الكريم فأبحنيه واصنع بي ما شئت".
وكانت رقبة الموصلية تقول: "إني لأحب ربي حبا شديدًا، فلو أمر بي إِلَى النار لما وجد للنار حرا مع حبه، ولو أمر بي إِلَى الجنة لما وجدت للجنة لذة مع حبه هو الغالب علي".
وكانت تقول: "إلهي وسيدي ومولاي، لو أنك عذبتني بعذابك كله لكان ما فاتني من قربك أعظم عندى من العذاب، ولو نعمتني بنعيم الجنة كله، لكانت لذة حبك في قلبي أكبر".
ومن كلام ذي النون: "ما طابت الدُّنْيَا إلا بذكره، ولا طابت الآخرة إلا بعفوه، ولا طابت الجنان إلا برؤيته".
وقال أحمد بن أبي الحواري: حدثنا محمد بن يحيى الموصلي قال: سمعت نافعًا -وكان من عباد الجزيرة- يقول: "ليت ربي جعل ثوابي من عملي نظرة مني إِلَيْهِ، ثم يقول لي: يا نافع: كن ترابا".
وفي هذا المعنى يقول القائل:
حرمة الود مالي عنكمو عوض ... وليس لي في سواكم سادتي غرض
стр. 55
وقد شرطت عَلَى قوم صحبتهمو ... بأن قلبي بكم من دونهم فرضوا
ومن حديثي بكم قالوا به مرض ... فقلت لا زال عني ذلك المرض
وأنشد بعض العارفين:
يا حبيب القلوب من لي سواكا ... ارحم اليوم مذنبا فد أتاكا
أنت سؤلي ومنيتي وسروري ... قد أبى القلب أن يحب سواكا
يا مرادي وسيدي واعتمادي ... طال شوقي متى يكون لقاكا
ليس سؤلي من الجنان نعيم ... غير أني أريدها لأراكا
***
стр. 56
الباب السابع في سهر المحبين وخلوتهم بمناجاة مولاهم الملك الحق المبين
قال الله -تعالى-: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا ... ﴾ [السجدة: ١٦]. وأشرف الطمع طمع أهل الجنة في رؤية مولاهم وقربه وجواره.
وروى أبو نعيم بإسناده عن حسين بن زياد قال: "أخذ فضيل بن عياض بيدي فَقَالَ: يا حسين، ينزل الله -تعالى- كل ليلة إِلَى سماء الدُّنْيَا فيقول: كذب من ادعى محبتي؛ فَإِذَا جنه الليل نام عني، أليس كل حبيب يحب خلوة حبيبه، ها أنا ذا مطلع عَلَى أحبائي إذا جَنَّهم الليل مَثُلَتْ نفسي بين أعينهم، فخاطبوني عَلَى المشاهدة وكلموني عَلَى حضوري، غدًا أقر أعين أحبائي في جناني".
ورُوي من وجه آخر، وفيه: "جعلت أبصارهم في قلوبهم، ومثلت نفسي بين أعينهم".
وروى أبو نعيم بإسناده عن أحمد بن أبي الحواري قال: "دخلت عَلَى أبي سليمان فرأيته يبكي، فقلت: ما يبكيك؟ قال: ويحك يا أحمد؟ إذا جن الليل وخلال حبيب بحبيبه افترش أهل المحبة أقدامهم وجرت دموعهم عَلَى خدودهم وأشرف الجليل ﷻ عليهم وقال: بعيني من تلذذ بكلامي واستروح إِلَى مناجاتي، وإني مطلع عليهم في خلواتهم، أسمع أنينهم وأرى بكاءهم وحنينهم، يا جبريل، ناد فيهم ما هذا الَّذِي أراه منكم؟ وهل خبركم مخبر أن حبيبًا يعذب أحبابه بالنار، بل كيف يجمل أن أعذب قومًا إذا جنهم الليل
стр. 57
تملقوني، فبي حلفت إذا وردوا القيامة عَلَيَّ أن أسفر لهم عن وجهي] (*) وأمنحهم رياض قدسي".
ورويت هذه القصة من وجه آخر عن أحمد [بن أبي الحواري] (١) عن أبي سليمان، وفي أولها زيادة وهي: أن الله -تعالى- ينزل في كل ليلة إِلَى سماء الدُّنْيَا فيقول: كذب من ادعى محبتي، فإذا جنه الليل نام عني، كيف ينام (محب) (٢) عن حبيبه؟ وأنا المطلع عليه، إذا قاموا جعلت أبصارهم في قلوبهم فكلموني عَلَى المخاطبة ... " وذكر الباقي بمعنى ما تقدم مختصراً.
وروى "أبو نعيم" أيضاً بإسناده عن ذي النون أنَّه قال:
"لو رأيت أحدهم وقد قام إِلَى صلاته وقراءته، فلما وقف في محرابه واستفتح كلام سيده خطر عَلَى قلبه أن ذلك المقام هو المقام الَّذِي يقوم الناس فيه لرب العالمين، فانخلع قلبه وذهل عقله، فقلوبهم في ملكوت السماوات معلقة، وأبدانهم بين يدي الخالق عارية، وهمومهم بالفكر دائمة.
وبإسناده عن ذي النون أيضاً "أنَّه قال في وصفهم: يتلذذون بكلام الرحمن، ينوحون، به عَلَى أنفسهم نوح الحمام، فرحين في خلواتهم لا تفتر لهم جارحة في الخلوات، ولا تستريح لهم قدم تحت ستور الظلمات".
ومن طريق إسحاق السلولي [قال] (٢): حدثتني أم سعيد بن علقمة - وكانت طائية- قالت: "كان بيننا وبين داود الطائي جدار قصير، فكنت أسمع حنينه عامة الليل لا يهدأ (وكثيرًا ما) (٣) سمعته يقول في جوف الليل: اللهم همك عطل عَلَيَّ الهموم، وخالف بيني وبين السهاد، وشوقي إِلَى النظر إليك أوثق مني اللذات وحال بيني وبين الشهوات، فأنا في سجنك أيها الكريم
стр. 58
مطلوب".
قالت: "وربما ترنم في السحر بشيء من القرآن" فأرى أن جميع نعيم الدُّنْيَا جمع في ترنمه تلك الساعة. قالت: وكان يكون في الدار وحده، وكان لا يصبح -أي: لا يسرج".
وروى الحافظ أبو الفرج بإسناده عن الربيع قال: "بت أنا ومحمد بن المنكدر وثابت البناني عند ريحانة المجنونة (بالأُبُلَّةِ) (١) فقامت بالليل وهي تقول:
قام المحب إِلَى المؤمل قومةً ... كاد الفواد من السرور يطير
فلما كان جوف الليل سمعتها تقول أيضاً:
لا تأنسن بمن توحشك نظرته ... فتمنعن من التذكار في الظلم
واجهد وكد وكن في الليل ذا شجن ... يسقيك كأس وداد العز والكرم
قال: ثم نادت: واحزناه! واسلباه!. فقلت: مم ذا؟! فقالت:
ذهب الظلام بأنسه وبإلفه ... ليت الظلام بأنسه يتجدد".
وروى ابن أبي الدُّنْيَا بإسناده عن مطرف بن أبي بكر الهذلي قال:
"كانت عجوز في عبد القيس متعبدة (فإذا) (٢) جاء الليل تحزمت ثم قامت إِلَى المحراب، وكانت تقول: المحب لا يسأم من خدمة حبيبه".
وسئل بعض العارفين عن حاله، فأنشد:
من لم يبت والحب حشو فؤاده ... لم يدر كيف تقت الأكباد
وروينا من طريق الحسن بن علي بن يحيى بن سلام قال: "قيل ليحيى بن معاذ -يروي عن رجل من أهل الخير- وكان قد أدرك الأوزاعي وسفيان أنَّه سئل: متى تقع الفراسة عَلَى الغائب؟ قال: إذا كان محبًّا لما أَحَبّ الله، مبغضًا لما أبغض الله وقعت فراسته عَلَى الغائب. فَقَالَ يحيى:
стр. 59
كل محبوب سوى الله سرف ... وهموم وغموم وأسف
كل محبوب فمنه لي خلف ... ما خلا الرحمن ما منه خلف
إن للحب دلالات إذا ... ظهرت من صاحب الحب عُرِف
صاحب الحب حزين قلبه ... دائم الغصة (مهموم) (١) دَنِف
همه في الله لا في غيره ... ذاهب العقل وبالله كلف
أشعت الرأس خميص بطنه ... أصفر (الوجنة و) (٢) الطرف ذرف
دائم (التذكير) (٣) من حب الَّذِي ... حبه غاية غايات الشرف
فإذا أمعن في الحب له ... وعلاه الشوق (من داء) (٤) كشف
باشر المحراب يشكو بئسه ... وأمام الله مولاه وقف
قائما قدامه منتصبًا ... لهجا يتلو بآيات الصحف
راكعًا طورًا وطورًا ساجد ... باكيًا والدمع في الأرض يكف
أورد القلب عَلَى (الحب) (٥) الَّذِي ... فيه حب الله حقا فعرف
ثم جالت كفه في شجر ... ينبت الحب (فسمى) (٦) واقتطف
إن ذا الحب لمن يعني به ... لا بدار ذات - لهو وطرف
لا ولا الفردوس لا يألفها ... لا ولا الحوراء من فوق غرف
وروى أبو موسى المديني بإسناده عن أبي محمد عبد الله بن عروة قال:
أنشدني بعض الناس:
стр. 60
تشاغل قوم بدنياهم ... وقوم تخلوا (بمولاهم) (١)
فألزمهم باب مرضاته ... وعن سائر الخلق أغناهم
فما يعرفون سوى حبه ... وطاعته طول محياهم
يصفون بالليل أقدامهم ... وعين المهيمن ترعاهم
فطورًا يناجونه سجدًا ... ويبكون طورًا خطاياهم
إذا فكروا في الَّذِي أسلفوا ... أذاب القلوب وأبكاهم
وإن يسكن الخوف لاذوا به ... وباحوا إِلَيْهِ بشكواهم
وأصبحوا صيامًا عَلَى جهدهم ... تبارك من هو قواهم
هم القوم أعطوا مليك الملو ... ك صدق القلوب فوالاهم
هم المحبون بنياتهم ... أرادوا رضاه فأعطاهم
وأسكنهم في فراديسه ... وأعلى المنازل بواهم
فنالوا المراد (ومازوا) (٢) به ... فطوبى لهم ثم طوباهم
قرأت بخط عبد الله بن أحمد بن صابر السلمي: أنشدنا أبو إسحاق إبراهيم ابن محمد بن عقيل الشهرزوري لبعضهم:
قليل العزاء كثير الندم ... طويل النحيب عَلَى ما اجترم
جرى دمعه فبكى جفنه ... فصار البكاء بدمع ودم
يخاف البيات بهجم الممات ... وفقد الحياة بضر السقم
ويخفي محبة رب العلى ... فتظهر أنفاسه ما (كتم) (٣)
وأسبل من طرفه عبرة ... عَلَى الصحن من خده فانسجم
стр. 61
وبات (يحارب محرابه) (١) ... ولما تزل قدم عن قدم
فلما (تبت) (٢) أحشاؤه ... من الشوق (رق) (٣) عليه الألم
وكم ليلة رام فيها المنام ... فصاح به حبه لا تنم
وناح عَلَى جسد ناحل ... أطال النحول به فانهدم
أناب إِلَى الله مستغفرًا ... فصار له من أعز الخدم
...
стр. 62
الباب الثامن في شوق المحبين إِلَى لقاء رب العالمين
الشوق إِلَى لقاء الله درجة عالية رفيعة تنشأ من قوة الحبة لله وقد كان النبي ﷺ يسأل الله هذه الدرجة.
خرج الإمام أحمد (١) وابن حبان في "صحيحه" (٢)، والحاكم (٣) من حديث
عمار بن ياسر "أن النبي ﷺ كان يدعو بهذا الدعاء: «اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ وقُدرتِكَ على الخَلقِ أَحْيني مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَكَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، وَالْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقِ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زِيِّنَا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مَهْتَدِينَ».
وخرج الطبراني (٤) نحوه من حديث فضالة بن عبيد عن النبي ﷺ ، وخرج الإمام أحمد (٥) والحاكم (٦) عن زيد بن ثابت "أن النبي ﷺ علمه دعاء وأمره أن يتعاهد به أهله كل يوم، وفيه:
стр. 63
"اللهم إني أسألك الرضا (بالقدر) (١) وبرد العيش بغد الموت، ولذة النظر (في) (٢) وجهك (وشوقًا) (٣) إِلَى لقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة".
وإنَّما قال: "من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة" والله أعلم؛ لأنّ محبة لقاء الله وهو محبة الموت تصدر غالبًا إما من ضراء وهي ضراء الدُّنْيَا، وقد نهى عن تمني الموت حينئذ، وإما عن فتنة مضلة، وهي خشية الفتنة في الدين، وهو غير منهي عنه في هذه الحال.
والمسئول ها هنا الشوق إِلَى لقاء الله [غير] (٤) الناشئ عن هذين الأمرين؛ بل عن محض المحبة، وقد دل قوله تعالى في حق اليهود: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٩٤] عَلَى أن من كان عَلَى حالة حسنة من الاستعداد للقاء الله؛ فإنَّه يتمنى لقاء الله ويحبه، وأنه لا يكره ذلك إلا من هو مريب في أمره، ولهذا قال: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٩٥] ثم قال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٩٦] فذمهم عَلَى حرصهم عَلَى الحياة الدُّنْيَا.
وفي مسند الإمام أحمد (٥) عن النبي ﷺ قال: "لا يتمنى الموت إلا من وثق بعمله"
وقد كان كثير من السَّلف الصالح يتمنون الموت شوقًا إِلَى [لقاء] (٦) الله -عز
стр. 64
وجل -فكان أبو الدرداء يقول:
"أَحَبّ الموت اشتياقًا إِلَى ربي، وأحب الفقر تواضعًا لربي، وأحب المرض تكفيرًا لخطيئتي" (١).
وقال محمد بن زياد: "اجتمع رجال من الأحبار -أو قال [من] (٢) العُلَمَاء والعباد- وذكروا الموت، فَقَالَ بعضهم: [لو] (٣) أتاني آت أو ملك الموت فَقَالَ: أيكم سبق إِلَى هذا العمود فوضع يده عليه لمات؟ لرجوت أن لا يسبقني إِلَيْهِ أحد منكم شوقًا إِلَى لقاء الله ".
وقال عبد الله بن زكريا: "لو خيرت بين أن (أعمر) (٤) مائة سنة في طاعة [الله] (٢) أو أقبض في يومي هذا أو في ساعتي هذه لاخترت أن أقبض في يومي هذا أو في ساعتي هذه شوقًا إِلَى الله ورسوله إِلَى الصالحين من عباده".
وكان أبو عبد ربه الزاهد يقول "لو أنَّه قيل: من مس هذا العمود لمات، لسرني أن أقوم إِلَيْهِ شوقًا إِلَى لقاء الله ورسوله".
وقال أبو عتبة الخولاني: "كان إخوانكم لقاء الله أَحَبّ إليهم من الشهد".
قال سفيان: "كان بالكوفة رجل متعبد من همدان، فكان يقول: ما تطيب نفسي بالموت إلا إذا ذكرت لقاء الله فإني أجد نفسي عند ذلك تطيب بالموت لما ترجو في لقاء الله من البركة والسرور".
وذكروا عنه أنَّه كان يقول: "إذا ذكرت القدوم عَلَى الله كنت أشد اشتياقًا إِلَى الموت من الظمآن الشديد ظمأه في اليوم الحار الشديد حره إِلَى الشراب البارد الشديد برده".
وقال رياح القيسي (٥): "أتيت الأبرد بن ضرار فَقَالَ لي: يا رياح، هل
стр. 65
طالت بك الليالي والأيام؟ فقلت له: بم؟ قال: بالشوق إِلَى لقاء الله. قال: فسكت، وأتيت رابعة فذكرت ذلك لها. قال: فسمعت تخريق قميصها من وراء ثوبها وهي تقول: لكني نعم"
وقال عبيد الله بن محمد التميمي: "سمعت امرأة من المتعبدات تقول: والله لقد سئمت من الحياة حتى لو وجدت الموت يباع لاشتريته شوقًا إِلَى لقاء الله وحبًّا للقائه: قال فقلت لها: أفعلى ثقة أنت من عملك؟ قالت: لا ولكن لحبي إياه وحسن ظني به، أَفَتَرَاهُ يعذبني وأنا أحبه؟! ".
وقال سلمة العوصي: "إني لمشتاق إِلَى (الموت) (١) منذ أربعين سنة؛ منذ فارقت الحسن بن صالح. قِيلَ لَهُ: ولم؟ قال: لو لم يشتق العامل إلا إِلَى (لقائه) (٢) لكان ينبغي له أن يشتاق".
"وكان أبو عبد الله النباحي يقول في مناجاته: إنك لتعلم أنك لو خيرتني بين أن تكون لي الدُّنْيَا منذ خلقت أَتَنعَّمُ فيها حلالاً ولا أُسئَلُ عنها يوم القيامة، وبين أن تخرجَ نفسي الساعة لاخترت أن تخرج نفسي الساعة. ثم قال: (أما) (٣) تحب أنك تلقى من تطيع؟ ".
"وصحب رجل فتح بن شخرف ثلاثين سنة قال: فلم أره رفع رأسه إِلَى السماء إلا مرة [واحدة] (٤) رفع رأسه وفتح عينيه ونظر إِلَى السماء ثم قال: [قد] (٤) طال شوقي إليك؛ فعجل قدومي عليك".
وقال فتح الموصلي في [يوم] (٤) عيد أضحى: "قد تقرب المتقربون بقربانهم، وأنا أتقرب إليك بطول حزني يا محبوب، لم تتركني في أرقة الدُّنْيَا محزونًا؟ ". ثم غشي عليه، وحمل فدفن بعد ثلاث ﵀ -تعالى".
فهذا حال من غلب عليه الشوق والرجاء، فأما من غلب عليه الخوف فإنَّه
стр. 66
بخلاف ذلك، ولا يتمنى الموت؛ بل يستعظمه حتى يكاد يتصدع قلبه من ذكره.
وقد نازع أبو سليمان الداراني: من كان يتمنى الموت شوقًا إِلَى لقاء الله، وخالفهم في ذلك وقال: لو أعلم أن الأمر كما تقولون لأحببت أن نفسي تخرج الساعة، ولكن كيف بانقطاع الطاعة والحبس في البرزخ؟ وإنَّما نلقاه بعد البعث".
وقال أحمد بن أبي الحواري: "فهو في الدُّنْيَا أحرى أن نلقاه -يعني: بالذكر".
فأبو سليمان وصاحبه أحمد بن أبي الحواري -رحمهما الله تعالى- يقولان: ما يجده العارفون المحبون في الدُّنْيَا من حلاوة الطاعة ولذة المعاملة واستنارة القلوب وتقربها من علام الغيوب أكمل مما يحصل لهم في البرزخ قبل البعث، فإنَّه لا يمكن رؤية الله -تعالى- بالأبصار إلا في يوم القيامة.
وقد جاء في حديث: "إن يوم القيامة أول يوم نظرت فيه عين إِلَى الله ".
وأما الأولون فإنهم يخالفون في ذلك ويَقُولُونَ قد يحصل للمحبين في البرزخ اتصال وقرب من الله -سبحانه- ورؤية للأرواح، فيكون ذلك أكمل من الحاصل لهم في الدُّنْيَا بالعمل؛ كما أن نعيم البرزخ بالمخلوقات من الجنة أكمل من نعيم الدُّنْيَا أيضاً، وقد قال النبي ﷺ : "اعلموا أنكم لن تروا ريكم حتى تموتوا" (١).
وهذا يدل بمفهومه عَلَى أن (رؤيته) (٢) سبحانه تحصل بعد الموت.
وقد روى في ذلك من المبشرات الأحلامية قديمًا وحديثًا ما يطول ذكره؛ و [قد] (٣) اتفق العارفون كلهم عَلَى أن ما يحصل بعد البعث للعارفين المحبين أكمل
стр. 67
مما يحصل لقلوبهم في الدُّنْيَا؛ فإن غاية الحاصل [للقلوب] (١) في الدُّنْيَا هو تجلي أنوار الإيمان في القلب، حتى يصير الغيب كأنه شهادة، ومن قال: إن الأرواح والقلوب تكافح ذات الرب -سبحانه- في الدُّنْيَا عيانًا، فهو غالط، فإن هذا لم يثبت لأحد إلا للنبي ﷺ ليلة الإسراء، كما ذكره الصحابة ﵃ وصنف بعضهم مصنفًا سماه "تفضيل العبادات عَلَى نعيم الجنات" وأشار إِلَى أن العبادات حق الرب، وأن النعيم حظ النفس، وكأنه ظن أن لا نعيم في الجنة إلا التمتع بالمخلوقات [فيها] (١) وهو غلط عظيم، فإن أعلى نعيم الجنة ما يحصل فيها من معرفة الله ومشاهدته، فإن علم اليقين يصير هناك عين اليقين، وتتجدد معرفة عظيمة لم تكن موجودة قبل ذلك؛ بل ولم تخطر عَلَى قلب بشر وكذلك توحيد أهل الجنة ودوام ذكرهم هو من أكمل لذاتهم، ولذلك يلهمون التسبيح، كما يلهمون النفس.
قال ابن عيينة: "لا إله إلا الله لأهل الجنة كالماء البارد لأهل الدُّنْيَا" وكذلك ترنمهم بالقرآن و (سماعه) (٢) وأعلاه سماعه من الله (٣) فأين هذا من تلاوة أهل الدُّنْيَا وذكرهم؟ وأما سائر العبادات فما كان منها فيه مشقة عَلَى الأبدان فإن أهل الجنة قد أسقط ذلك عنهم؛ وكذلك ما فيه نوع ذل وخضوع كالسجود ونحوه.
وأما ما في العبادات من النعيم الحاصل بها لأهل المعرفة في الدُّنْيَا، فإنَّه يحصل لهم في الجنة أضعافا مع راحة (الجسد) (٤) من مشقة التكاليف التى في الدُّنْيَا، فتجتمع لهم راحة القلب والبدن عَلَى أكمل الوجوه.
وهذا مثل الصلاة، فإن العارفين في الدُّنْيَا إِنَّمَا يتنعمون بما فيها من المناجاة وآثار القرب، وما يرد عليهم من الواردات في تلاوة الكتاب، ونحو ذلك من
стр. 68
نعيم القلوب، وربما يستغرقون [به] (١) عن الشعور بتعب الأبدان، فهذا القدر الَّذِي حصل لهم به التنعم في الدُّنْيَا يتزايد في الجنة بلا ريب، لا سيما في أوقات الصلوات؛ فإن أكملهم من ينظر إِلَى وجه الله كل يوم مرتين، بكرة وعشية، في وقت صلاة (الفجر) (٢) وصلاة العصر، كما جاء في حديث ابن عمر مرفوعًا (٣) وموقوفًا، وإلى ذلك أشار النبي ﷺ بالمحافظة عَلَى هاتين الصلاتين (عقب) (٤) ذكره رؤية الرب -سبحانه- في حديث جرير البجلي (٥).
فالنعيم الحاصل لأهل الجنة بالرؤية والمخاطبة في هذين الوقتين أكمل مما كان حاصلا في الدُّنْيَا، وكذلك صلاة الجمعة فإنهم يجتمعون في وقتها في يوم المزيد ويتجلى لهم سبحانه ويحاضرهم محاضرة.
وكذلك في العيدين، فهذا أكمل مما [كان] (١) يحصل لهم في الدُّنْيَا في صلاتهم من آثار القرب وحلاوة المناجاة مع راحة البدن ونعيمه أيضاً.
فتبين بهذا أن نعيم الجنة أكمل من نعيم الدُّنْيَا مطلقًا، وسواء في ذلك نعيم الأبدان بال والشرب والجماع ونعيم [القلوب] (١) والأرواح بالمعارف والعلوم والقرب والاتصال والأنس والمشاهدة، فظهر بهذا أن قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ [النمل: ٨٩] هو عَلَى ظاهره من غير حاجة إِلَى تأويل ولا
стр. 69
تكلف؛ فإن كثيرًا من المفسرين فسروا الحسنة بكلمة. التوحيد والجزاء عليها بالجنة، ثم استشكلوا تفضيل الجنة عَلَى التوحيد، وبما ذكرناه يزول الإشكال.
ويتبين أن التوحيد الَّذِي في الجنة أكمل من التوحيد الَّذِي في الدُّنْيَا وهو جزاء له، وكذلك المعرفة والمحبة والشوق أيضاً، فقد جاء في بعض أحاديث يوم المزيد (١): "أنهم ليسوا إِلَى شيء أشوق منهم إِلَى يوم الجمعة" وشيبة بهذا الغلط الَّذِي أشرنا إِلَيْهِ قول من قال: إن العارفين لا يشتاقونا إِلَى الله في الدُّنْيَا؛ لأنهم يشهدونه بقلوبهم حاضرًا، وتباشر قلوبهم أنواره ويتجلى لها فيستأنسون به ويطمئنون إِلَيْهِ.
وهذا وإن كان نقل عن بعض السَّلف المتقدمين فهو أيضاً غلط، ولعله صدر من قائله في حال استغراقه في مشاهدة ما شاهده، فظن أنَّه ليس وراء ذلك مطلب، وهذا كما قال بعضهم: "إنه تمر بي أوقات أقول: إن كان أهل الجنة في مثل ما أنا فيه إنهم لفي عيش طيب".
ومعلوم أن أهل الجنة في أضعاف أضعاف ما هو فيه من النعيم واللذة، ولكنه لما استعظم ما حصل له من النعيم ظن أنَّه ليس وراءه شيء، وعند التحقيق يتبين أن ما حصل في الدُّنْيَا للقلوب من تجلي أنوار الإيمان يدل عَلَى عظمة ما يحصل في الجنة، وليس بينهما نسبة فيتزايد بذلك الشوق إِلَى ما وراءه، ولهذا "كان النبي ﷺ يسأل ربه الشوق إِلَى لقائه" (٢) مع أنَّه أكمل الخلق مشاهدة ومعرفة، وكان يقول في الوصال: "إني لست كهيئتكم، إني أظل عند ربي
стр. 70
يُطعمني ويسقيني" (١).
ويشير إِلَى ما يتجلى لقلبه من آثار القُرْبِ والأُنْسِ مما يقويه ويغذيه ويغنيه عن الطعام والشراب.
كما قال القائل:
لها أحاديث من ذكراك تشغلُها ... عن (الطعام) (٢) وتلهيها عن الزاد
ولم يزل أئمة العارفين يثبتون الشوق ويخبرون به عن أنفسهم.
قال عبد الواحد بن زيد: "يا إخوتاه، ألا تبكون شوقًا إِلَى الله ؟ ألا إنه من بكى شوقًا إِلَى سيده لم يحرمه النظر إِلَيْهِ".
وقال صالح المري: بلغني عن كعب أنَّه كان يقول: "من بكى اشتياقًا إِلَى الله أباحه النظر إِلَيْهِ ﵎".
قال حبيب بن عبيد: "كان دليجة إذا مشي طاشت قدماه من العبادة، فقيل له: ما شأنك؟! قال: الشوق. فقِيلَ لَهُ: أبشر؛ فإن الأمير قد بعث إِلَى سرح المسلمين ليأذن لهم. فيقول: ليس شوقي إِلَى ذلك، إن شوقي إِلَى من يحثها".
وقال عثمان بن صخر العتكي: "طوبى لمحبي الرب الذين عبدوه بالفرح والسرور والأنس والطمأنينة، فصاروا الصفوة من الخلق والخاصة من البرية، يحنون إِلَيْهِ حنين الولهان؟ ويشتاقون إِلَيْهِ شوق (من ليس له صبر) (٣) عنه قد
стр. 71
كُسِروا بالخوف، وروحوا بالظفر".
"وكان أبو عبيدة الخواص يمشي في الأسواق ويضرب عَلَى صدره ويقول: واشوقاه إِلَى من يراني ولا أراه".
"وكانت امرأة من المتعبدات بمكة لا تزال تصرخ وتقول: "أو ليس عجبًا أن أكون حية بين أظهركم وفي قلبي من الاشتياق إِلَى ربي مثل شعل النار التي لا تطفأ حتى أصير إِلَى الطبيب الَّذِي (بيده) (١) برؤ دائي وشفائي".
وقال ذو النون: "إن المؤمن إذا آمن بالله واستحكم إيمانه خاف الله، فإذا خاف الله تولدت من الخوف هيبة الله، فإذا سكنت درجة الهيبة دامت طاعته لربه، فإذا أطاع تولد من الطاعة الرجاء، فإذا سكنت درجة الرجاء تولد من الرجاء المحبة، فإذا استحكمت معاني المحبة في قلبه سكن بعدها درجة الشوق، فإذا اشتاق أدّاه الشوق إِلَى الأنس بالله، فإذا أنس بالله اطمأن إِلَى الله، فإذا اطمأن إِلَى الله كان ليله في نعيم، ونهاره في نعيم، وسِرُّهُ في نعيم، وعلانيته في نعيم". انتهى.
ولا ريب أن الشوق يقتضي القلق، لكن قد يمنح الله بعض أهله ما يسكن قلقهم من الأنس به والطمأنينة إِلَيْهِ، كما أشار ذو النون -رحمه الله تعالى.
وعن إبراهيم بن أدهم قال: "قلت يومًا اللهم إن كنت أعطيت أحدًا من المحبين لك ما (سكنت) (٢) به قلوبهم قبل لقائك، فأعطني ذلك فلقد أضر بي القلق. قال: فرأيته ﵎ في (المنام) (٣) فوقفني بين يديه وقال لي: "يا إبراهيم، أما استحيت مني؟ تسألني أن أعطيك ما (تُسَكِّن) (٤) به قلبك قبل
стр. 72
لقائي، وهل يسكن قلب المشتاق إِلَى غير حبيبه؟ أم هل يستريح المحب إِلَى غير من (يشتاق) (١) إِلَيْهِ؟ قال: فقلت: يا رب، تهت في حبك؛ فلم أدر ما أقول".
وروى أبو نعيم بإسناده عن عبد العزيز بن محمد قال: "رأي في المنام قائلا يقول: من يحضر، من يحضر؟ " فأتيته فَقَالَ لي: أما ترى القائم الَّذِي يخطب الناس ويخبرهم عن أعلى مراتب الأنبياء؛ فأدركه لعلك تلحقه وتسمع كلامه قبل انصرافه. فأتيته فإذا الناس حوله وهو يقول:
ما نال عبدٌ من الرحمن منزلةً ... أعلى من الشوق إن الشوقَ محمودُ
ثم سلم ونزل، (فقلت) (٢) لرجل إِلَى جانبي: من هذا؟ قال: أما تعرفه؟! قلت لا. قال: هذا داود الطائي. فعجبت في منامي منه، فَقَالَ: أتعجب مما رأيت؟ والله (إن الَّذِي) (٣) عند الله من الزلفى لداود أكبر من هذا وأكثر.
ومما قيل في وصف المشتاقين:
أنَّ من الشوق فلولا دمعه ... أحرق ما بين العُذيب والنَّقَا
واستعرت أنفاسه وإنَّما ... (تَلَهُّبُ) (٤) الأنفاس من حَرِّ الجوى
مروا عَلَى وادي الغضا فقلَّوا ... من الجوى قلبي عَلَى جمر الغضا
...
стр. 73
الباب التاسع في رضا المحبين بمر الأقدار وتنعمهم ببلاء من يخلق ما يشاء ويختار
قد تقدم أن النبي ﷺ كان يقول في دعائه: "اللهم إني أسألك الرضا بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت، ولذة النظر إِلَى وجهك والشوق إِلَى لقائك" (١).
وخرج الترمذي (٢) من حديث أنس، عن النبي ﷺ قال: "إن الله إذا أَحَبّ قومًا ابتلاهم؛ فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط".
وروى جعفر بن برقان [عن ميمون بن مهران] (٣) عن يزيد بن الأصم، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "نظر رسول الله ﷺ إِلَى مصعب بن عمير مقبلا وعليه إهاب كبش قد تَنَطَّقَ به، فقاله النبي ﷺ : انظروا إِلَى هذا الرجل الَّذِي قد نوَّر الله قلبه، لقد رأيته بين أبوين يغذيانه بأطيب الطعام والشراب؛ فدعاه حب الله ورسوله إِلَى ما ترون". خرجه الإسماعيلي في مسند عمر، وأبو نعيم في الحلية (٤). وقد روى من وجه آخر مرسلا.
وروى حسين بن علي الرحبي -وفيه ضعف- عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "ما من عبد يحب الله ورسوله إلا كان الفقر أسرع إليه [من جرية السيل من رأس الجبل عَلَى وجهه، والفقر أسرع إِلَى من يحب الله
стр. 74
ورسوله] (١) من جرية السيل عَلَى وجهه، ومن أَحَبّ الله ورسوله فليعد للبلاء تجفافًا. وإنما يعني الصبر.
وقد روى [معنى] (١) هذا الحديث من وجوه متعددة ولكن ليس في أكثرها سوى [ذكر] (١) حب الرسول ﷺ .
قال موسى بن وردان: "لما احتضر معاذ بن جبل وتغشاه الموت جعل يقول: اخنق خنقك؛ فوعزتك إني أحبك".
قال شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم (عن) (٢) الحارث بن عميرة: "أن معاذًا نزع نزعًا لم ينزعه أحد، فكان كلما أفاق من (غمرة) (٣) فتح طرفه ثم قال: اخنقني خنقك؛ فوعزتك إنك تعلم أن قلبي يحبك" (٤).
وقال صالح بن حسان: "إن حذيفة لما نزل به الموت. قال: هذه آخر ساعة من الدُّنْيَا، اللهم إنك تعلم أني أحبك؛ فبارك لي في لقائك".
وقال أبو علي الرازي: "صحبت الفضيل بن عياش ثلاثين سنة (ما) (٥) رأيته ضاحكًا ولا متبسمًا إلا يوم مات ابنه علي، فقلت له في ذلك فَقَالَ: إن الله أَحَبّ أمرًا فأحببت ما أَحَبّ الله".
وقال مردويه سمعت الفضيل يقول: "درجة الرضا عن الله درجة المقربين ليس بينهم وبين الله إلا روح وريحان" قال: وسمعته يقول: "أحق الناس بالرضا عن الله أهل المعرفة بالله".
وقال أبو عبد الله النباحي: "سأل رجلٌ الفضيل بن عياش فَقَالَ: متى يبلغ الرجل غايته من حب الله (تعالى) (١)؟ فَقَالَ له الفضيل: إذا كان عطاؤه ومنعه
стр. 75
إياك عندك سواء فقد بلغت الغاية من حب الله".
وذكر أبو القاسم الدمشقي الحافظ في "تاريخه" بإسناد عن أبي شعيب قال: "سألت إبراهيم بن أدهم الصحبة إِلَى مكة قال: عَلَى شريطة: عَلَى أنك لا تنظر إلا لله وبالله فشرطت له ذلك عَلَى نفسي، فخرجت معه فبينما نحن في الطواف فإذا أنا بغلام قد افتتن الناس به وبحسنه وماله، فجعل إبراهيم يديم النظر إِلَيْهِ، فلما أطال ذلك قلت: يا أبا إسحاق، أليس شرطت عليّ أنك لا تنظر إلا لله وبالله؟! قال: بلى. قلت: (إني) (١) أراك تديم النظر إِلَى هذا الغلام! فَقَالَ: إن هذا ابني وولدي، وهؤلاء غلماني وخدمي الذين معه، ولولا شيء لقبَّلتُه ولكن انطلق فسلم عليه مني. قال: فمضيت إِلَيْهِ وسلمت عليه من والده، فجاء إِلَى والده فسلم عليه ثم صرفه مع الخدم. فَقَالَ: ارجع انتظر (أيش) (٢) يراد بك. ثم أنشأ يقول:
هجرت الخلق طُرًّا في هواكا ... وأيتمتُ العيالَ لكي أراكا
فلو قطعتني في الحبِّ إربًا ... لما حَنَّ الفُؤادُ إِلَى سواكا
وروى ابن أبي الدُّنْيَا بإسناده عن عبد الواحد بن زيد قال: "خرجت إِلَى ناحية الحربية، فإذا إنسان أسود مجذوم قد تقطعت كل جارحة له بالجذام، وعمي وأقعد، وإذا صبيان يرمونه بالحجارة حتى دموا وجهه [ورأسه] (٣) فرأيته يحرك شفتيه، فدنوت منه لأسمع ما يقول، فإذا هو يقول: يا سيدي [إنك لتعلم] (٣) أنك لو قرضت لحمي بالمقاريض ونشرت عظمي بالمناشير ما ازددت لك إلا حبًّا؛ فاصنع بي ما شئت! ".
وعن الأوزاعي قال: "حدثني بعض الحكماء قال: رأيت رجلاً [قد] (٣) ذهبت يداه ورجلاه وهو يقول: اللهم إني أحمدك حمدًا يوافي محامد خلقك كفضلك عَلَى سائر خلقك، إذ فضلتني عَلَى كثير ممن خلقت تفضيلا! فقلت له: