كُسِروا بالخوف، وروحوا بالظفر".
"وكان أبو عبيدة الخواص يمشي في الأسواق ويضرب عَلَى صدره ويقول: واشوقاه إِلَى من يراني ولا أراه".
"وكانت امرأة من المتعبدات بمكة لا تزال تصرخ وتقول: "أو ليس عجبًا أن أكون حية بين أظهركم وفي قلبي من الاشتياق إِلَى ربي مثل شعل النار التي لا تطفأ حتى أصير إِلَى الطبيب الَّذِي (بيده) (١) برؤ دائي وشفائي".
وقال ذو النون: "إن المؤمن إذا آمن بالله واستحكم إيمانه خاف الله، فإذا خاف الله تولدت من الخوف هيبة الله، فإذا سكنت درجة الهيبة دامت طاعته لربه، فإذا أطاع تولد من الطاعة الرجاء، فإذا سكنت درجة الرجاء تولد من الرجاء المحبة، فإذا استحكمت معاني المحبة في قلبه سكن بعدها درجة الشوق، فإذا اشتاق أدّاه الشوق إِلَى الأنس بالله، فإذا أنس بالله اطمأن إِلَى الله، فإذا اطمأن إِلَى الله كان ليله في نعيم، ونهاره في نعيم، وسِرُّهُ في نعيم، وعلانيته في نعيم". انتهى.
ولا ريب أن الشوق يقتضي القلق، لكن قد يمنح الله بعض أهله ما يسكن قلقهم من الأنس به والطمأنينة إِلَيْهِ، كما أشار ذو النون -رحمه الله تعالى.
وعن إبراهيم بن أدهم قال: "قلت يومًا اللهم إن كنت أعطيت أحدًا من المحبين لك ما (سكنت) (٢) به قلوبهم قبل لقائك، فأعطني ذلك فلقد أضر بي القلق. قال: فرأيته ﵎ في (المنام) (٣) فوقفني بين يديه وقال لي: "يا إبراهيم، أما استحيت مني؟ تسألني أن أعطيك ما (تُسَكِّن) (٤) به قلبك قبل
стр. 72
لقائي، وهل يسكن قلب المشتاق إِلَى غير حبيبه؟ أم هل يستريح المحب إِلَى غير من (يشتاق) (١) إِلَيْهِ؟ قال: فقلت: يا رب، تهت في حبك؛ فلم أدر ما أقول".
وروى أبو نعيم بإسناده عن عبد العزيز بن محمد قال: "رأي في المنام قائلا يقول: من يحضر، من يحضر؟ " فأتيته فَقَالَ لي: أما ترى القائم الَّذِي يخطب الناس ويخبرهم عن أعلى مراتب الأنبياء؛ فأدركه لعلك تلحقه وتسمع كلامه قبل انصرافه. فأتيته فإذا الناس حوله وهو يقول:
ما نال عبدٌ من الرحمن منزلةً ... أعلى من الشوق إن الشوقَ محمودُ
ثم سلم ونزل، (فقلت) (٢) لرجل إِلَى جانبي: من هذا؟ قال: أما تعرفه؟! قلت لا. قال: هذا داود الطائي. فعجبت في منامي منه، فَقَالَ: أتعجب مما رأيت؟ والله (إن الَّذِي) (٣) عند الله من الزلفى لداود أكبر من هذا وأكثر.
ومما قيل في وصف المشتاقين:
أنَّ من الشوق فلولا دمعه ... أحرق ما بين العُذيب والنَّقَا
واستعرت أنفاسه وإنَّما ... (تَلَهُّبُ) (٤) الأنفاس من حَرِّ الجوى
مروا عَلَى وادي الغضا فقلَّوا ... من الجوى قلبي عَلَى جمر الغضا
...
стр. 73
الباب التاسع في رضا المحبين بمر الأقدار وتنعمهم ببلاء من يخلق ما يشاء ويختار
قد تقدم أن النبي ﷺ كان يقول في دعائه: "اللهم إني أسألك الرضا بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت، ولذة النظر إِلَى وجهك والشوق إِلَى لقائك" (١).
وخرج الترمذي (٢) من حديث أنس، عن النبي ﷺ قال: "إن الله إذا أَحَبّ قومًا ابتلاهم؛ فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط".
وروى جعفر بن برقان [عن ميمون بن مهران] (٣) عن يزيد بن الأصم، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "نظر رسول الله ﷺ إِلَى مصعب بن عمير مقبلا وعليه إهاب كبش قد تَنَطَّقَ به، فقاله النبي ﷺ : انظروا إِلَى هذا الرجل الَّذِي قد نوَّر الله قلبه، لقد رأيته بين أبوين يغذيانه بأطيب الطعام والشراب؛ فدعاه حب الله ورسوله إِلَى ما ترون". خرجه الإسماعيلي في مسند عمر، وأبو نعيم في الحلية (٤). وقد روى من وجه آخر مرسلا.
وروى حسين بن علي الرحبي -وفيه ضعف- عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "ما من عبد يحب الله ورسوله إلا كان الفقر أسرع إليه [من جرية السيل من رأس الجبل عَلَى وجهه، والفقر أسرع إِلَى من يحب الله
стр. 74
ورسوله] (١) من جرية السيل عَلَى وجهه، ومن أَحَبّ الله ورسوله فليعد للبلاء تجفافًا. وإنما يعني الصبر.
وقد روى [معنى] (١) هذا الحديث من وجوه متعددة ولكن ليس في أكثرها سوى [ذكر] (١) حب الرسول ﷺ .
قال موسى بن وردان: "لما احتضر معاذ بن جبل وتغشاه الموت جعل يقول: اخنق خنقك؛ فوعزتك إني أحبك".
قال شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم (عن) (٢) الحارث بن عميرة: "أن معاذًا نزع نزعًا لم ينزعه أحد، فكان كلما أفاق من (غمرة) (٣) فتح طرفه ثم قال: اخنقني خنقك؛ فوعزتك إنك تعلم أن قلبي يحبك" (٤).
وقال صالح بن حسان: "إن حذيفة لما نزل به الموت. قال: هذه آخر ساعة من الدُّنْيَا، اللهم إنك تعلم أني أحبك؛ فبارك لي في لقائك".
وقال أبو علي الرازي: "صحبت الفضيل بن عياش ثلاثين سنة (ما) (٥) رأيته ضاحكًا ولا متبسمًا إلا يوم مات ابنه علي، فقلت له في ذلك فَقَالَ: إن الله أَحَبّ أمرًا فأحببت ما أَحَبّ الله".
وقال مردويه سمعت الفضيل يقول: "درجة الرضا عن الله درجة المقربين ليس بينهم وبين الله إلا روح وريحان" قال: وسمعته يقول: "أحق الناس بالرضا عن الله أهل المعرفة بالله".
وقال أبو عبد الله النباحي: "سأل رجلٌ الفضيل بن عياش فَقَالَ: متى يبلغ الرجل غايته من حب الله (تعالى) (١)؟ فَقَالَ له الفضيل: إذا كان عطاؤه ومنعه
стр. 75
إياك عندك سواء فقد بلغت الغاية من حب الله".
وذكر أبو القاسم الدمشقي الحافظ في "تاريخه" بإسناد عن أبي شعيب قال: "سألت إبراهيم بن أدهم الصحبة إِلَى مكة قال: عَلَى شريطة: عَلَى أنك لا تنظر إلا لله وبالله فشرطت له ذلك عَلَى نفسي، فخرجت معه فبينما نحن في الطواف فإذا أنا بغلام قد افتتن الناس به وبحسنه وماله، فجعل إبراهيم يديم النظر إِلَيْهِ، فلما أطال ذلك قلت: يا أبا إسحاق، أليس شرطت عليّ أنك لا تنظر إلا لله وبالله؟! قال: بلى. قلت: (إني) (١) أراك تديم النظر إِلَى هذا الغلام! فَقَالَ: إن هذا ابني وولدي، وهؤلاء غلماني وخدمي الذين معه، ولولا شيء لقبَّلتُه ولكن انطلق فسلم عليه مني. قال: فمضيت إِلَيْهِ وسلمت عليه من والده، فجاء إِلَى والده فسلم عليه ثم صرفه مع الخدم. فَقَالَ: ارجع انتظر (أيش) (٢) يراد بك. ثم أنشأ يقول:
هجرت الخلق طُرًّا في هواكا ... وأيتمتُ العيالَ لكي أراكا
فلو قطعتني في الحبِّ إربًا ... لما حَنَّ الفُؤادُ إِلَى سواكا
وروى ابن أبي الدُّنْيَا بإسناده عن عبد الواحد بن زيد قال: "خرجت إِلَى ناحية الحربية، فإذا إنسان أسود مجذوم قد تقطعت كل جارحة له بالجذام، وعمي وأقعد، وإذا صبيان يرمونه بالحجارة حتى دموا وجهه [ورأسه] (٣) فرأيته يحرك شفتيه، فدنوت منه لأسمع ما يقول، فإذا هو يقول: يا سيدي [إنك لتعلم] (٣) أنك لو قرضت لحمي بالمقاريض ونشرت عظمي بالمناشير ما ازددت لك إلا حبًّا؛ فاصنع بي ما شئت! ".
وعن الأوزاعي قال: "حدثني بعض الحكماء قال: رأيت رجلاً [قد] (٣) ذهبت يداه ورجلاه وهو يقول: اللهم إني أحمدك حمدًا يوافي محامد خلقك كفضلك عَلَى سائر خلقك، إذ فضلتني عَلَى كثير ممن خلقت تفضيلا! فقلت له:
стр. 76
عَلَى أي نعمة تحمد؟! فَقَالَ: "أليس ترى ما قد صنع بي، قال: قلت: بلى. قال: فوالله لو أن الله صب عليّ [من] (١) السماء نارًا فأحرقتني، وأمر الجبال فدمرتني، وأمر البحار فغرقتني، وأمر الأرض فخسفت بى ما ازددت له إلا حبّا، ولا ازددت له إلا شكرًا".
وعن بكر بن خُنَيْس قال: "مررت بمجذوم وهو يقول: وعزتك وجلالك، لو قطعتني بالبلاء قطعًا ما ازددت لك إلا حبًّا".
وفي هذا المعنى يقول بعضهم:
لو قطعني الغرامُ إربًا إربًا ... ما ازددت عَلَى الملام إلا حبًّا
لا زلت بكم أسير وجدٍ صبا ... حتى أقضي عَلَى هواكم نحبًا
وروى أبو العباس بن مسروق بإسناده عن خلف البزار "أنَّه أتي بمجذوم ذاهب اليدين والرجلين أعمى، فجعله مع المجذومين وغفل عنه، ثم ذكره فَقَالَ له: يا هذا، غفلت عنك! فَقَالَ: حبيبي ومن أنا أحبه قد أحاطت محبته بأحشائي؛ فلا أجد لما أنا فيه من ألم مع محبته لا يغفل عني. فقلت له: إني نسيتك. قال: "إن لي من يذكرني، وكيف لا يذكر الحبيب حبيبه وهو نصب عينيه تائه العقل واللب؟! ".
وذكر أبو عبد الرحمن السلمي بإسناده عن بنان [الحمال] (١) قال: "ليس يتحقق (في الحب) (٢) حتى يتلذذ بالبلاء في الحب كما يتلذذ (الأغيار) (٣) بأسباب النعم".
وكان عبد الصمد الزاهد يقول: "أوجدهم في تعذيبه عذوبة -يشير إِلَى صبرهم عَلَى الضر والفقر".
وقالت امرأة من العارفات: "ما النعيم إلا الأنس بالله والموافقة لتدبيره".
стр. 77
وشكا رجل إِلَى فضيل الفقر، فَقَالَ فضيل: "أمدبّرًا غير الله تريد؟! ".
وقالت رابعة: "إن أولياء الله إذا قضى لهم شيئًا لم (يتسخطوه) (١) ".
وقال يحيى بن معاذ: "لو أحببت ربك ثم جوعك وأعراك لكان يجب أن تحتمله وتكتمه عن الخلق، فقد يحتمل (الحبيب) (٢) لحبيبه الأذى، فكيف وأنت تشكوه فيما لم يصنعه بك".
وفي هذا المعنى يقول القائل:
ويقبح من سواك الفعلُ عندي ... وتفعله فيحسنُ منك ذاكا
وقد تقدم ما أنشده أبو تراب النخشبي:
لا تُخدعن فللمحب دلائل ... ولديه من تحفِ الحبيبِ وسائلُ
منها تنعمه بمر بلائِه ... وسُرورُه في كلّ ما هو فاعل
فالمنع منه عطيةٌ مقبولةٌ ... والفقر إكرام وبر عاجل
كان فتح الموصلي: يجمع عياله (في) (٣) ليالي الشتاء ويضم كسائه عليهم ثم يقول: "اللهم أفقرتني وأفقرت عيالي وجوعتني وجوعت عيالي وأعريتني وأعريت عيالي، بأي وسيلة توسلتها إليك، وإنَّما تفعل هذا بأوليائك وأحبابك، فهل أنا منهم حتى أفرح. ودخل ليلة إِلَى أهله وهو صائم فلم يجد عندهم عشاءً، ولا ما يسرجون به فجلس يبكي من الفرح ويقول: "إلهي مثلي يترك بلا عشاء ولا سراج بأي يد كانت مني. فما زال يبكي إِلَى الصباح".
ويروى عن الفضيل بن عياش نحو هذا أيضًا.
"وكان علي بن بابويه الصوفي في الطواف (فهجم) (٤) القرامطة عَلَى
стр. 78
الناس فقتولهم فأخذته السيوف، فلما وقع تمثل بهذا البيت:
ترى المحبين صرعى في ديارهم ... كفتية الكهف لا يدرون كم لبثوا
"واستشهد لبعض السَّلف ولد في الجهاد، فجاء الناس يعزونه فيه فبكى وقال: ما أبكي عَلَى موته، إِنَّمَا أبكي كيف كان رضاه عن الله حين أخذته السيوف":
وفي هذا يقول القائل:
إن كان سكان الغضا ... رضوا بقتلي فرضا
والله لا كنت لما ... يهوى الحبيبُ مُبغضا
صرت لهم عبدًا وما ... للعبد أن يعترضا
***
стр. 79
فصل ["انكسار قلوبهم بحب ربهم"] (١)
ومما يستحليه المحبون لله اختيارهم الذل له عَلَى الشَّرفِ، والخمول عَلَى الشهرة.
قال مخلد بن الحسين: "ما أحبَّ الله عَبْدٌ فأحب أن يعرف الناس مكانه".
وقال أحمد بن أبي الحواري: "من عبد الله عَلَى المحبة لا يحب أن يرى خدمته سوى محبوبه".
وقال ذو النون: "كل مطيع مستأنس، وكل عاص مستوحش، وكل محب ذليل، وكل خائف هارب، وكل راج طالب".
وكان بشر يقول في دعائه: "اللهم إنك تعلم أن الذل أَحَبّ الي من العز، وأن الفقر أَحَبّ الي من الغنى، وأني لا أوثر عَلَى حبك شيئًا. فسمعه رجل فأخذه البكاء، فَقَالَ: [اللهم] (٢) أنت تعلم أني لو علمت أن هذا ها هنا لم أتكلم".
وسئل يوسف بن الحسين: "ما بال المحبين يتلذذون بالذل في المحبة؟!
فأنشأ يقول:
ذُلُّ الفتى في الحبِّ مكرمةٌ ... وخضوعه لحبيبه شرفُ
وفي هذا المعنى يقول القائل:
مساكين أهل الحبِّ حتى قبورهم ... عليها ترابُ الذلِّ بين المقابر
стр. 80
ويقول الآخر:
العزُّ ذُلي فلا تَلُمْنِي ... ما ينبغي يا عذولي مني
قال جعفر بن سليمان: عن مالك بن دينار، قال موسى ﵇: "إلهي أين أبغيك؟ فأوحى الله إِلَيْهِ يا موسى ابغني عند المنكسرة قلوبهم من أجلي، فإني أدنو منهم في كل يوم وليلة باعًا، ولولا ذلك لانهدموا" (١).
قال جعفر: "فقلت لمالك: كيف المنكسرة قلوبهم؟ فَقَالَ: سألت الَّذِي قرأ في (الكتاب) (٢) فَقَالَ: سألت الَّذِي سأل عبد الله بن سلام عن المنكسرة قلوبهم ما يعني؟ قال: المنكسرة قلوبهم بحب الله ﷻ (٣) عن حب غيره".
خرجه إبراهيم بن الجنيد.
...
стр. 81
الباب العاشر في ذكر خوف المحبين العارفين وفضله عَلَى خوف سائر الخائفين
قال الله -تعالى- في حق الفجار: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٤ - ١٧] فوصفهم بأن كسبهم ران عَلَى قلوبهم، والران هو ما يعلو [عَلَى] (١) القلب من الذنوب من ظلمة المعاصي وقسوتها، ثم ذكر جزاءهم عَلَى ذلك، وهو ثلاثة أنواع: الحجاب عن ربهم، ثم صلي الجحيم، ثم التوبيخ.
فأعظم عذاب أهل النار حجابهم عن ربهم ، ولما كانت قلوبهم في الدُّنْيَا مظلمة قاسية، لا يصل إليها شيء من نور الإيمان وحقائق العرفان كان جزاؤهم عَلَى ذلك في الآخرة حجابهم عن رؤية الرحمن.
قال بعض العارفين: "من عرف الله في الدُّنْيَا، عرفة بقدر تعرفه إِلَيْهِ، وتجلى له في الآخرة بقدر معرفته إياه في الدُّنْيَا، فرآه في الدُّنْيَا رؤية الأسرار، ويراه في الآخرة رؤية الأبصار؛ فمن لا يراه في الدُّنْيَا بسره، لا يراه في الآخرة بعينه" انتهى.
فخوف العارفين في الدنيا من احتجابه عن بصائرهم، وفي الآخرة من احتجابه عن أبصارهم ونواظرهم.
وكتب الأوزاعي إِلَى أخ له: "أما بعد؛ فإنَّه [قد] (١) أحيط بك من كل
стр. 82
جانب، واعلم أنَّه يسار بك في كل يوم وليلة، فاحذر الله والمقام بين يديه، وأن يكون آخر عهدك به، والسلام".
وكان عتبة الغلام يبكي بالليل ويقول: "قطع ذكر العرض عَلَى الله أوصالَ المحبين. ثم يحشرج البكاء حشرجة الموت ويقول: تراك يا مولاي تعذب (محبيك) (١) وأنت الحي الكريم. وبات ليلة بالساحل قائمًا يردد هذه الكلمات لا يزيد عليها ويبكي حتى أصح: إن تعذبني فإني لك مُحبُّ، وإن ترحمني فإني لك محبٌّ! ".
وكان كهمس يقول في الليل: "أتراك تعذبني وأنت قرة عيني يا حبيب قلباه؟! ".
وكان أبو سليمان [يبكي] (٢) ويقول: "لئن طالبني بذنوبي لأطالبنه بعفوه، ولئن طالبني ببخلي لأطالبنه بجوده، ولئن أدخلني النار، لأخبرن أهل النار أني كنت أحبه".
وأخذ هذا المعنى بعض [الشعراء] (٢) المتأخرين فَقَالَ:
وحقك لو أدخلتني النار قلت للـ ... ذين بها قد كنتُ ممن (أحبه) (٣)
وآيةُ حبِّ الصبِّ أن يَعْذُبَ الأسى ... إذا كان من يهوى عليهم (يصيبه) (٤)
كان بعض المحبين عند قوم يبكون من الخوف، فأنشد:
كلهم يعبدون من خوف نار ... ويرون النجاة فضلا جزيلا
أو بأن يسكنوا الجنان فيعطوا ... روضة من رياضها سلسبيلا
ليس لي في الجنان والنار رأيٌ ... أنا لا أبتغي بحبي بديلا
стр. 83
فقِيلَ لَهُ: لو طردوك، ما كنت تصنع؟ فَقَالَ:
أنا إن لم أجد من الحب وصلا ... رُمتُ في النار منزلا ومقيلا
ثم أزعجت أهلها بندائي ... بكرةً في عراصها وأصيلا
معشر المشركين نوحوا على من ... يدعي أنَّه يحبُّ الجليلا
لم يكن في الَّذِي ادّعاه محقًا ... فجزاه به العذاب الطويلا
وقد سبق قول رقية الموصلية: "إلهي وسيدي ومولاي، لو أنك عذبتني بعذابك كله، كان ما فاتني من قربك أعظم عندي من العذاب".
وقال ذو النون: "خوف النار عند خوف الفراق كقطرة في بحر لجي".
وكان الشبلي يهيج في داره وينشد:
عَلَى بعدك لا يصبر ... من عادته القرب
ولا يقوى عَلَى حجبك ... من تيَّمَه الحب
فإن لم ترك العين ... فقد يبصرك القلب
***
стр. 84
فصل ["الحياء والخوف من الله " (*)]
ومما يخافه العارفون فوات الرضا عنهم، وإن وجد العفو وترك العقوبة [فإن] (١) الرضا أَحَبّ إليهم من نعيم الجنة كله مع الإعراض وعدم التقريب والزلفى.
وقد قال : ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] يعني: أكبر من نعيم الجنة.
وفي الصحيح (٢) عن النبي ﷺ [قال] (١): "إن الله يقول لأهل الجنة: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ قالوا: وما أفضل من ذلك؟! قال: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا".
وكان مطرف يقول: "اللهم ارض عنا؛ فإن لم ترض عنا فاعف عنا".
ورئي بعضهم في المنام فسئل عن حاله فَقَالَ: "غفر لي وأعرض عني وعن جماعة من أهل العِلْم لم يعملوا بعلمهم".
فالمحبون العارفون يخافون من مثل هذه الحال، وإنَّما يسألون الرضا من أول الأمر.
قال الفضيل: "من سأل الله رضوانه فقد سأله عظيمًا. وقال: لو أخبرت عن جبريل [وميكائيل] (٣) وإسرافيل بشدة (اجتهاد) (٤) ما عجبت، وكان ذلك قليلاً عند ما يطلبون (أتدري) (٥) أي شيء يطلبون؟ وأي شيء يريدون؟
стр. 85
يريدون رضا ربهم ".
وقال جعفر بن سليمان: قال مالك بن دينار "وددت أن الله -تعالى- إذا جمع الخلائق يوم القيامة يقول لي: يا مالك، فأقول: لبيك، فيأذن لي أن أسجد بين يديه سجدة، فأعرف أنَّه قد رضي عني، فيقول: يا مالك، كن اليوم ترابًا".
وكان أبو عُبَيد البُسْرى يقول: "ما غمي ولا أسفي إلا أن يجعلني ممن عفي عنه. فقِيلَ لَهُ: [أليس] (١) الخلق عَلَى العفو يتذابحوا؛ فَقَالَ: أجل، ولكن أي شيء أقبح بشيخ مثلي يوقف غدًا بين يدي الله فيقال له: شيخُ سوءٍ كنت؛ اذهب فقد عفوت عنك، أنا أملي في الله أن يهب لي كل من أحبني".
ومما يشتد قلق العارفين منه الحياء من الله عند الوقوف بين يديه.
قال بعضهم: ما يمر بي أشد من الحياء من الله .
وقال الحسن: "لو لم نبك إلا من الحياء من ذلك المقام؛ لكان ينبغي لنا أن نبكي فنطيل البكاء".
وكان الفضيل يقول: "واسوءتاه منك وإن عفوت".
وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت محمد بن حاتم أبا جعفر يقول: قال الفضيل بن عياض: "لو خيرت بين أن أبعث فأدخل الجنة وبين أن لا أبعث اخترت أن لا أبعث. قال: فقلت لمحمد: هذا من الحياء؟ قال: نعم". وقال أحمد [بن أبي الحواري] (٢): وسمعت مُضَاء بن عيسى يقول:
كان بعض التابعين يقول: "لئن يؤمر بي من (الجنة) (٣) إِلَى النار أَحَبّ
стр. 86
إليّ من أن أقف بين يديه فيسألني ثم يأمر بي إِلَى الجنة" قال: فحدثت به أبا سليمان فَقَالَ: بل نقف بالموقف فتقر به أعيننا".
وإلى قول أبي سليمان ذهب أبو يزيد وغيره من المحبين، وإلى قول الفضيل ذهب حذيفة المرعشي؛ فإنَّه قال: "لو نزل عَلَيَّ ملك من السماء يخبرني أن لا أرى النار بعيني وأني أصير إِلَى الجنة، إلا أني أقف بين يدي ربي، ثم أصير إِلَى الجنة. فقلت: لا أريد الجنة ولا أقف ذلك الموقف".
ورُوي عن أحمد بن أبي الحواري معنى ذلك أيضاً.
ورُوي أن الأسود بن يزيد لما احتضر بكى: فقِيلَ لَهُ: ما هذا الجزع؟ قال: "ما لي لا أجزع ومن أحق بذلك مني، والله لو أتيت بالمغفرة من الله لأهمني الحياء منه مما قد صنعت، إن الرجل ليكون بينه وبين الرجل الذنب الصغير فيعفو عنه، فلا يزال مستحيًا منه".
قال ابن أبي الدُّنْيَا: حدثني حسين بن عبد العزيز قال: "كان عندنا شيخ عَلَى أمور ثم أقلع عنها، فلما احتضر أغمي عليه ثم أفاق، فَقَالَ: إن رأيت كأني ميت، وكأن آتيًا أتاني فانطلق بي إِلَى الله حتى وقف بي دون الحجاب، فكأنه أرادني عَلَى الدخول فتداخلني الحياء والخوف، وكأنه يقول: ما هو إلا الدخول عليه أو دخول النار. قال: فكأني اخترت دخول النار للذي أصابني من الحياء. قال: فانطلق بي ثم إنه عرج بي وقِيلَ لَهُ: انطلق به إِلَى الجنة".
ورُوي عن أبي حامد الخلقاني: "أنَّه أنشدَ الإمامَ أحمد هذين البيتين:
إذا ما قال لي ربي ... أما استحييت تعصيني
وتخفي الذنب من خلقي ... وبالعصيان تأتيني
فأمره أحمد بإعادتهما عليه، فأعادهما [عليه] (١) فدخل أحمد داره وجعل
стр. 87
يرددهما ويبكي".
وأنشد بعضهم:
يا حسرة العاصين عند معادهم ... هذا وإن قدموا عَلَى الجنات
لو لم يكن إلا الحياء من الَّذِي ... ستر القبيح (لأعظموا) (١) الحسرات
...
стр. 88
الباب الحادي عشر في شرف أهل الحب وأن لهم عند الله أعلى منازل القرب
في الصحيحين (١) عن أنس "أَنَّ رَجُلا سَأَلَ النَّبِى ﷺ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ يَا
رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ قَالَ: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا مِنْ (كَثِيرِ) (*) صَلاةٍ وَلا صِيامٍ وَلا صَدَقَةٍ، وَلَكِنِّى أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ.
وفي رواية للبخاري (٢): "فقلنا: ونحن كذلك؟ قال: نعم" [قال أنس] (**) ففرحنا يومئذ فرحًا شديدًا.
وفي رواية لمسلم (٣): "قال أنس فما فرحنا بعد الإسلام فرحًا أشد من قوله: "أنت مع من أحببت" قال أنس: "فأنا أَحَبّ الله ورسوله ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄ وأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بأعمالهم".
قال بعض العارفين: "يكفي (المحبين) ( ... ) شرفًا هذه المعية".
وقد قدمنا في أول [هذا] (**) الكتاب أن محبة الله الواجبة تستلزم امتثال طاعته واجتناب معصيته، وكذلك محبة الرسول ﷺ وأصحابه والتابعين لهم
стр. 89
بإحسان.
فالمحبة الصحيحة [لهم] (*) تقتضي مشاركتهم في أصل عملهم، وإن عجز عن بلوغ غايته. كما قال أنس ﵁: ولهذا قال السائل للنبي ﷺ "ما أعددت لها (كثير) (١) صلاة ولا صيام ولا صدقة" فدل عَلَى أنَّه قد أتى من ذلك بما وجب عليه [و] (٢) لم يأت بأزيد من ذلك.
قال عبيد بن عمير: "جاء رجل إِلَى النبي ﷺ فَقَالَ: يا رسول الله، الرجل يحب المصلين ولا يصلي إلا قليلاً، ويحب الصائمين ولا يصوم إلا قليلاً، ويحب الذاكرين ولا يذكر إلا قليلاً، ويحب المتصدقين ولا يتصدق إلا قليلاً، ويحب المجاهدين ولا يجاهد إلا قليلاً، وهو في ذلك يحب الله ورسوله؟ قال: هو يوم القيامة مع من أَحَبّ".
وقال أبو سالم (الجيشاني) (٣): جاء رجل إِلَى النبي ﷺ فَقَالَ: "يا رسول الله، إني أرى الرجل الجواد فأحب الجود وفيّ بخل، وأرى الرجل الحسن الخلق فأحب حسن الخلق (وفي خلقي شيء) (٤) وأرى الرجل الجريء فأحب الجراءة وفيَّ جبن؟ قال: أنت مع من أحببت".
قال الحسن: "ابن آدم لا تغتر بقول من يقول المرء مع من أَحَبّ، إنه من أَحَبّ قومًا اتبع آثارهم، ولن تلحق بالأبرار حتى تتبع آثارهم وتأخد بهديهم وتقتدي بِسُنَّتهم وتُصبحَ وتمسي وأنت عَلَى منهاجهم، حريصًا عَلَى أن تكون منهم فتسلك سبيلهم وتأخذ طريقهم، وإن كنت مقصرًا في العمل، فإنما ملاك الأمر أن تكون عَلَى استقامة، أما رأيت اليهود والنصارى وأهل الأهواء المردية يحبون
стр. 90
أنبياءهم وليسوا معهم؛ لأنهم خالفوهم في القول والعمل (وسلكوا) (١) غير طريقهم، فصار موردهم النار، نعوذ بالله من ذلك".
وفي "مسند البزار" (٢) من حديث أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: "إني لأعرف ناسًا ما هم بأنبياء، ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء [بمنزلتهم عند الله -سبحانه-" (٣) يوم القيامة، الذين يحبون الله ويحببونه إِلَى خلقه، يأمرونهم بطاعة الله، فإذا أطاعوا الله أحبهم الله".
وخرج إبراهيم بن الجنيد نحوه من حديث أنس مرفوعًا.
قال زيد بن أسلم: "لما وُضع عثمان بن مظعون في قبره قالت امرأته هنيئًا لك أبا السائب الجنة، فَقَالَ رسول الله ﷺ : وما علمك بذلك؟! قالت: كان يا رسول الله ﷺ يصوم النهار (ويقوم) (٤) الليل. قال: "بِحَسْبُكِ" (٥) لو قلت: كان يحب الله ورسوله" (٦).
وقال عتبة الغلام: "من عرف الله أحبه؛ ومن أَحَبّ الله أطاعه، ومن (أطاع الله) (٧) أكرمه، ومن أكرمه الله أسكنه في جواره، ومن أسكنه في جواره فطوباه وطوباه وطوباه ... ؟ فلم يزل يقول: وطوباه وطوباهء ... حتى خر ساقطًا مغشيًا عليه".
وقال فرقد السبخي: قرأت في بعض الكتب: "المحب لله -تعالى- أمير مؤمر عَلَى الأمراء، زمرته أول الزمر يوم القيامة، ومجلسه أقرب المجالس فيما
стр. 91
هنالك". خرجهما [إبراهيم] (١) بن الجنيد.
وخرج ابن أبي الدُّنْيَا بإسناده عن عبد الله بن عبد الرحمن قال: قال أرميا [﵇] (١): أي رب، أي عبادك أَحَبّ إليك؟ قال: أكثرهم لي ذكرًا، الذين يشتغلون بذكري عن ذكر الخلائق، الذين لا تعرض لهم وساوس (العباد) (٢)، ولا يحدثون أنفسهم بالبقاء، الذين إذا عرض لهم عيش الدُّنْيَا قلوه، إذا زوي عنهم سروا بذلك (أولئك الذين) (٣) أبحت لهم محبتي وأعطيتهم فوق (غاياتي) (٤) ".
وقال أحمد بن أبي الحواري: حدثنا رباح، حدثنا عبد الله بن سليمان، حدثنا موسى بن أبي الصباح "في قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٤٣] قال: إذا كان يوم القيامة يؤتى بأهل ولاية الله يقومون بين يدي الله ثلاثة أصناف:
فيؤتى برجل من المصنف الأول فيقول: عبدي، لماذا عملت؟ فيقول: يا رب خلقت الجنة وأشجارها وثمارها وأنهارها وحورها ونعيمها وما أعددت لأهل طاعتك فيها، فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري شوقًا إليها! فيقول الله -تعالى-: عبدي، إِنَّمَا عملت للجنة، هذه الجنة فادخلها، ومن فضلي عليك أن أعتقك من النار. قال: فيدخل هو ومن معه الجنة.
قال: ثم يؤتى برجل من المصنف الثاني فيقول: عبدي، لماذا عملت؟ فيقول: يا رب، خلقت نارًا وخلقت سلاسلها وأغلالها وسعيرها وسمومها ويحمومها، وما أعددت لأعدائك وأهل معصيتك فيها، فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري خوفًا منها! فيقول (الله) (١): عبدي، إِنَّمَا عملت ذلك خوفًا من النار
стр. 92
فإني أعتقتك من النار، ومن فضلي عليك أن أدخلك (جنتي) (١) فيدخل هو ومن معه الجنة.
قال: ثم يؤتى برجل من المصنف الثالث فيقول: عبدي، لماذا عملت؟ فيقول: عملت حبًّا لك وشوقًا إليك، وعزتك [وجلالك] (٢) لقد أسهرت ليلي وأظمأت نهاري شوقًا إليك وحبًّا (لك) (٣) فيقول ﵎: عبدي، إِنَّمَا عملت (حبًّا لي وشوقًا إِلَيّ) (٤) فيتجلى له الرب ﷻ ويقول) (٥): ها أنا ذا، انظر إِلَيَّ. ثم يقول من فضلي عليك أن أعتقك من النار (وأمنحك) (٦) الجنة وأزيرك ملائكتي وأسلم عليك بنفسي، فيدخل هو ومن معه الجنة".
خرجه ابن أبي حاتم في تفسيره.
وخرج ابن أبي الدُّنْيَا في "كتاب الجوع" من طريق إسحاق بن نوح بن عبد الله الشامي، عن أبيه، عن جده قال: قال عبد الله بن سلام: "يكون في آخر الزمان (قوم) (٧) خلت أنفسهم من لذة الدُّنْيَا وشهواتها، تكاد أنوارهم تلحق بأنوار الأنبياء يوم القيامة كلما نظر إليهم أهل ذلك الموقف والجمع العظيم كادت أبصارهم تذهب من النور الَّذِي بوجوههم. قيل: بم بلغوا ذلك؟! قال: بحبهم الله واتباع مسرته. جوعوا له أنفسهم ليقيها من الجوع يوم الجوع الأكبر، وأظمئوا له أنفسهم لينالوا حلاوة الري من فضله يوم العطش الأكبر، وأهملوا له العيون رجاء أن ينير لهم غدًا في (ظلمة) (٨) القيامة وأهوالها، زكوا أبدانهم
стр. 93
بترك المطعم والمشرب شوقًا إِلَى النظر إِلَى وجهه الكريم، أولئك الآمنون يوم (تعني) (١) الوجوه للحي القيوم".
ومن طريق إسحاق بن نوح، عن رجل من السكاسك، عن عبد الله بن ضمرة عن كعب قال: "إني لأجد نعت قوم يكونون في هذه الأمة بمنزلة الرهبانية، قلوبهم نور، وأفواههم نور، تنطق ألسنتهم بنور الحكمة، تعجب الملائكة من اجتهادهم واتصالهم بمحبة الله " (٢).
وروينا من رواية أحمد بن الفتح قال: "رأيت بشر بن الحارث في منامي فقلت له: ما فعل معروف الكرخي؟ فحرك رأسه ثم قال: هيهات حالت بيننا وبينه الحجب! إن معروفًا لم يعبد الله شوقًا إِلَى جنته ولا خوفًا من ناره (٣)، وإنَّما عبده شوقًا إِلَيْهِ، فرفعه الله -تعالى- إِلَى الرفيق الأعلى".
وقال الحافظ أبو نعيم: [حدثت عن المهلبي] (٤) قال الأنصاري: "رأيت معروف الكرخي في النوم كأنه تحت العرش (والله -تعالى- يقول) (٥): ملائكتي، من هذا؛ فقالت الملائكة: أنت أعلم، هذا معروف الكرخي قد سكر من حبك لا يفيق إلا بلقائك".
وفي الباب حديث مرفوع طويل وهو حسن المتن إلا أنَّه لا يصح تركنا ذكره لذلك.
وقال إبراهيم بن بشار الخراساني سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: "بؤسًا لأهل النار لو نظروا إِلَى زوار الرحمن وقد حملوا عَلَى النجائب يزفونهم إِلَى الله زفًّا وحشروا وفدًا، وقد نصبت لهم المنابر ووضعت لهم الكراسي، وقد أقبل
стр. 94
عليهم الجليل ﷻ بوجهه ليسرهم وهو يقول لهم "إِلَيّ عبادي، إِلَيَّ عبادي، إِلَيَّ أوليائي المطيعين، إليَّ أحبابي المشتاقين إليّ أصفيائي المحزونين، ها أنا ذا فاعرفوني، من كان منكم مشتاقًا أو محبًّا متملقًا فليستمتع بالنظر إِلَى وجهي الكريم، فوعزتي وجلالي لأفرحنكم بجواري، ولأسرنكم بقربي (ولأبيحنكم) (١) كرامتي من الغرفات تشرفون وعلى الأسرة تتكئون، تقيمون في دار المقامة أبدًا لا تظعنون، وتأمنون فلا تخافون، تصحون فلا تسقمون، تنعمون في رغد العيش لا تموتون، وتعانقون الحور الحسان فلا تملون ولا تسأمون، كلوا واشربوا هنيئًا، وتنعموا كثيرًا بما أنحلتم الأبدان وأنهكتم الأجسام ولزمتم الصيام وسهرتم بالليل والناس نيام".
قال وسمعته يقول: "لا تنال جنته إلا بطاعته ولا تنال ولايته إلا بمحبته. ولا تنال مرضاته إلا بترك معصيته، والله -تعالى- قد أعد المغفرة للأوابين، وأعد الرحمة للتوابين، وأعد الجنة للخائفين، وأعد رؤيته للمشتاقين، وأعد الحور للمطيعين".
...
стр. 95
الباب الثاني عشر في نبذ من كلام أهل المحبة وتحقيقهم تقوى به القلوب عَلَى سلوك طريقهم
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في "قوله تعالى ﴿الوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] قال يقول: الحبيب".
خرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١).
وفي حديث أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية -أو غيره- عن أبي هريرة في "قصة الإسراء الطويلة في ذكر سدرة المنتهى، قال: فيغشاها نور الخالق وغشيتها الملائكة مثل الغربان حين يقعن عَلَى الشجرة من حب الله -جل ثناؤه" (٢).
قال الجوزجاني: حدثنا أبو صالح أن معاوية حدثه عن يزيد بن ميسرة أنَّه
стр. 96
سمع أبا الدرداء يقول: "لما أهبط الله آدم إِلَى الأرض قال له: يا آدم، أحبني وحببني [إِلَى خلقي] (١) ولا تستطيع ذلك إلا بي، ولكني إذا رأيتك حريصًا عَلَى ذلك أعنتك عليه، فإذا فعلت ذلك (تجد) (٢) به اللذة والنضرة وقرة العين (والاطمأنينة) (٣).
وقال خليد العصري: "يا إخوتاه، هل منكم من أحد إلا يحب أن يلقى حبيبه؟ ألا فأحبوا ربكم وسيروا إِلَيْهِ سيرًا كريمًا".
خرجه الإمام أحمد، وخرّجه أبو نعيم، وفي رواية له: "فأحبوا الله وسيروا إِلَيْهِ سيرًا جميلاً لا مصعدًا ولا مميلا".
وخرج ابن أبي الدُّنْيَا (٤) من طريق ابن لهيعة، حدثني عبد الحميد بن عبد الله بن إبراهيم القرشي، عن أبيه قال: "لما نزل بالعباس بن عبد المطلب الموت قال لابنه عبد الله: إني موصيك بحب الله وحب طاعته، وخوف الله وخوف معصيته، وإنك إذا كنت كذلك لم تكره الموت متى أتاك".
وقال أحمد بن أبي الحواري: حدثنا أبو صالح الخراساني، حدثنا إسحاق ابن نجيح، عن إسماعيل الكندي قال: "جاء رجل من البصرة إلى طاوس ليسمع منه، فوافاه مريضًا فجلس عند رأسه يبكي، فَقَالَ: ما يبكيك؟! قال: والله ما أبكي عَلَى قرابة بيني وبينك ولا عَلَى دنيا جئت أطلبها منك، ولكن عَلَى العِلْم الَّذِي جئت أطلب منك يفوتني! فَقَالَ له طاوس: إني موصيك بثلاث كلمات إن حفظتهن علمت علم الأولين و [علم] (٥) الآخرين، وعلم ما كان (٦)،
стр. 97
وعلم ما يكون: خف الله حتى لا يكون عندك شيء أخوف منه، وارج الله حتى لا يكون عندك شيء أرجا منه، وأحب الله حتى لا يكون شيء أَحَب إليك منه؛ فإذا فعلت ذلك علمت علم الأولين، وعلم الآخرين، وعلم ما كان، وعلم ما يكون. فَقَالَ: لا جرم لا سألت أحدًا بعدك عن شيء ما بقيت".
وعن إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت الفضيل بن عياش يقول: "مر عيسى ﵇ بثلاثة من الناس نحلت (أبدانهم) (١) وتغيرت ألونهم فَقَالَ: ما الَّذِي (بَلَّغَكُم) (٢) ما أرى؟! قالوا: الخوف من النيران. قال: مخلوقًا خفتم وحق عَلَى الله أن يؤمن الخائف. ثم جاوزهم إِلَى ثلاثة أخر؛ فإذا هم أشد تغيرًا وأنحل أجسامًا، فَقَالَ: ما الله (بَلَّغَكُم) (٢) ما أرى؟! قالوا: الشوق إِلَى الجنة. قال: مخلوقًا اشتقتم وحق عَلَى الله أن يعطيكم ما رجوتم، ثم جاوزهم إِلَى ثلاثة أخر؛ فإذا هم أشد تغيرًا وأنحل أجسامًا، كان عَلَى وجوههم المرايا من النور. فَقَالَ: ما الَّذِي (بَلَّغَكُم) (٢) ما أرى؟! قالوا: حب الله قال: أنتم المقربون، أنتم المقربون، أنتم المقربون" (٣).
وروى إبراهيم بن الجنيد بإسناده عن محمد بن كعب قال: "أوحى الله إِلَى موسى ﵇: إن إبراهيم ﵇ لم يحبني أحد من خلقي كحبه إياي".
وعن أبي حازم القيساري قال: "مكتوب في الإنجيل: يا عيسى، الحق
стр. 98
والحق أقول: إني أَحَبّ إِلَى عبدي من نفسه التي بين جنبيه".
وعن ابن عيينة، عن رجل، عن يحيى بن أبي كثير اليمامي قال: "نظرنا فلم نجد شيئًا يتلذذ به المتلذذون أفضل من حب الله وطلب مرضاته".
وعن سعيد بن عامر، عن محمد بن ليث، عن بعض أصحابه قال: "كان حكيم بن حزام يطوف بالبيت ويقول: لا إله إلا الله، نعم الرب ونعم الإله، أحبه وأخشاه".
وعن بكر المزني قال: "ما فاق أبو بكر أصحاب محمد ﷺ بصوم ولا صلاة ولكن بشيء (كان) (١) في قلبه".
قال إبراهيم: بلغني عن ابن علية "أنَّه قال في عقيب هذا الحديث: الَّذِي كان في قلبه الحب لله -تعالى- والنصيحة في خلقه".
وقال ابن أبي الدُّنْيَا: حدثنا هارون بن سفيان، حدثنا عبد الله بن صالح، أخبرني بعض أهل البصرة قال: "لما استقضى سوّار بالبصرة كتب إِلَيْهِ أخ له كان يطلب العِلْم معه وكان ببعض الثغور: أما بعد؛ أوصيك بتقرى الله الَّذِي جعل التقوى عوضًا من كل فائت من الدُّنْيَا، ولم يجعل شيئًا من الدُّنْيَا يكون عوضًا من التقوى؛ فإن التقوى عقيدة كل عاقل مستبصر إليها يستروح وبها يستن، ولم يظفر أحد في عاجل هذه الدُّنْيَا وآجل الآخرة بمثل ما ظفر به أولياء الله الذين شربوا بكأس حبه فكانت قرة أعينهم فيه، وذلك أنهم أعملوا أنفسهم في جسيم الأدب وراضوها رياضة الأصحاء الصادقين، فطلقوها عن فضول الشهوات وألزموها الفوت المقلق، وجعلوا الجوع والعطش شعارًا لها برهة من الزمان حتى انقادت وأذعنت وعزفت لهم عن فضول الحطام، فلما ظعن حب فضول الدُّنْيَا من قلوبهم، وزايلتها أهواؤهم وانقطعت أمانيهم وصارت. الآخرة نصب أعينهم ومنتهى أملهم، ورث الله قلوبهم نور الحكمة، وقلدها قلائد العصمة، وجعلهم دعاة لمعالم الدين يلمون منه الشعث، ويشعبون منه الصدع، لم يلبثوا إلا يسيرًا
стр. 99
حتى جاءهم من الله موعود صادق اختص به العاملين له، والعالمين به دون من سواهم، فإذا سرك أن تسمع صفة الأبرار الأتقياء، فصفة هؤلاء فاستمع، وشمائلهم الطيبة فاتبع، وإياك يا سوار وبنيات الطريق والسلام".
وخرج أبو نعيم بإسناده عن الربيع بن برة، عن الحسن "في قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧] قال: النفس المؤمنة اطمأنت إِلَى الله واطمأن إليها، وأحبت لقاء الله وأحب لقاءها، ورضيت عن الله ورضي عنها، فأمر بقبض روحها، فغفر لها وأدخلها الجنة وجعلها من عباده الصالحين".
وروى ابن أبي الدُّنْيَا بإسناده عن مسمع بن عاصم، عن نعيم بن صبيح السعدي قال: "همم الأبرار متصلة بمحبة الرحمن، وقلوبهم تنظر إِلَى مواضع العز من الآخرة بنور أبصارهم".
قال مسمع: "وسمعت عابدًا من أهل البحرين يقول في جوف الليل: قرة عيني وسرور قلبي، ما الَّذِي أسقطني من عينك يا مانح العصم. ثم صرخ وبكى، ثم نادى: طوبى لقلوب ملأتها خشيتك، واستولت عليها محبتك، فمحبتك مانعة لها من كل لذة غير مناجاتك والاجتهاد في خدمتك، وخشيتك قاطعة لها عن سبيل كل معصية خوفًا من حلول سخطك. ثم بكى وقال: يا إخواتاه، ابكوا عَلَى فوت خير الآخرة حيث لا رجعة ولا حيلة".
وبإسناده عن أيوب بن خوط عن قتادة قال: "كان في حفرة عتيب شيخ يقال له ميسور بن محمد، وكان لا يقدر أن يسمع القرآن من شدة خوفه وكان يقول: سيد الأعمال: التقوى ثم البذل، ثم بعد البذل الشكر، ثم بعد الشكر الرضا، ثم بعد الرضا التعظيم، ثم بعد التعظيم الحب لله والإجلال له".
ومعنى هذا أن درجة الحب المستحبة التي ذكرناها في أول الكتاب متأخرة عن درجة الشكر والرضا والتعظيم والبذل.
أما الواجبة فإنها (داخلة) (١) في التقوى، كما سبق بيانه.
стр. 100
[الخوف والحب] (١)
ولذلك كان السَّلف يقدمون درجة الخوف عَلَى الشوق، كما روى ابن أبي الدُّنْيَا بإسناده عن واقد العابد مولى أم البنين قال: "قال لي رجل من العباد: ما رأيت القلوب بشيء أنقى جلاء منها بالخوف. قلت: فالشوق؟ قال: قد يشتاق وصدى الرين عَلَى قلبه".
قال: والرين يعني الذنب عَلَى الذنب. وكذلك كانت حالة العُلَمَاء الربانيين كالحسن وسفيان وأحمد وغيرهم، يظهر عليهم الخوف ولوازمه ويكثر كلامهم فيه ويقل كلامهم في المحبة وظهور آثارها عليهم أيضاً، حتى حذر طوائف من العُلَمَاء ممن يكثر دعوى الشوق والمحبة بغير خوف لما ظهر منهم من الشطح والدعاوي؛ بل والإباحة والحلول وغير ذلك من المفاسد، والله -سبحانه- أعلم.
ولهذا "كان أبو عبد الله بن الجلاء -وكان من كبار العارفين- إذا سئل عن المحبة قال: أنا ما لي وللكلام في المحبة، وأنا أريد أن أتعلم التوبة".
ويقال: إن أول من أظهر الكلام في المحبة والشوق وجمع الهمة وصفاء الفكر، وتكلم به عَلَى رؤس الناس: أبو حمزة الصوفي، وكان من أعيان العارفين أيضاً، وكان يجتمع بالإمام أحمد كثيرًا، وكان أحمد يسأله ويقول [له] (٢): ما تقول يا صوفي؟ ﵃ أجمعين.
وكان عباد البصري بعد طبقة الحسن وأصحابه كعبد الواحد بن زيد وأصحابه عتبة وضيغم وغيرهما يظهر منهم المحبة كثيرًا مع شدة الخوف أيضاً وكذلك رابعة العدوية والفضيل وداود الطائي وغيرهم.
стр. 101
قال إبراهيم بن الجنيد: حدثني عبد الرحيم بن يحيى الرملي، حدثني عثمان ابن عمارة قال: قال عتبة: "من سكن حبه قلبه لم يجد حرًّا ولا بردًا. قال عبد الرحيم: يعني من سكن حب الله قلبه شغله حتى لا يعرف الحر من البرد، ولا الحلو من الحامض، ولا الحار من البارد".
وقال عبد الواحد بن زيد: "كان عتبة يجيء إِلَى المسجد يوم الجمعة وقد أخذ الناس الظل، فيقوم عَلَى الحصى ويسجد السجدة الطويلة. قال عبد الواحد: ما أراه يعقل بحره". وسمع عتبة قائلا يقول: "سبحان جبار السماء إن المحب لفي عناء. فَقَالَ عتبة: صدقت والله! وغشى عليه".
وقال ضيغم [يومًا] (١) لمولى له: "منعني والله حب الله من الاشتغال بحب غيره! ثم سقط مغشيًّا عليه".
وكان كَلاَّبُ بن جُرَي العابد يقول في سجوده: "وعزتك لقد خالط قلبي من محبتك أمر يكل لساني عما أجد منه في نفسي".
وقدمت شعوانة العابدة وزوجها مكة فجعلا يطوفان ويصليان، فإذا كلَّ أو أعيا جلس وجلست خلفه، فيقول هو في جلوسه: "أنا العطشان من حبك لا أُرْوَى. وتقول هي بالفارسية: يا سيدي أنبتَّ لكل داء دواء في الجبال، ودواء المحبين في الجبال لم ينبت".
ودخلوا عَلَى عابد بالبصرة وهو يجود بنفسه ويقول: "أنا عطشان لم أرو من حب ربي، وجائع لم أشبع من حب ربي".
وقال المعافى بن عمران: "كلمت فتحًا الموصلي يومًا في شيء، فَقَالَ: لم تترك المحبة لله في قلوب أوليائه موضعًا لمحبة غيره".
وقال أبو معمر: "نظرت رابعة يومًا إِلَى رياح القيسي [وهو] (١) يقبل صبيًّا صغيرًا من أهله، فقالت: أتحبه يا رياح؟ قال: نعم. قالت: ما كنت أحسب
стр. 102
أن في قلبك موضعًا فارغًا لمحبة سواه! فخر رياح مغشيًا عليه، ثم أفاق وهو يمسح العرق عن وجهه وهو يقول: رحمة جعلها الله في قلوب عباده للأطفال".
وقال حذيفة المرعشي: "رأيت رجلاً بالرقة وبين يديه صَبِيَّان يلعبان ويقتتلان وهو يتشاغل بها فزجرهما ونهاهما. فقلت [له] (١): إني أحسبك تحبهما؟! قال: "لا والله ما أحبهما، ولكن أرحمهما؟ وما أحد أحبّ إليّ من الله ".
ثم اتسع الكلام في المحبة من زمن أبي سليمان الداراني وأصحابه بالشام كأحمد بن أبي الحواري وقاسم الجوعي.
وكان قاسم الجوعي يقول: "شبع الأولياء بالمحبة عن الجوع، ففقدوا لذاذة الطعام والشراب والشهوات ولذات الدُّنْيَا؛ لأنهم تلذذوا بلذة ليس فوقها لذة فقطعتهم عن كل لذة".
وبالعراق في زمن السري وأصحابه كالجنيد وأصحابه، وبمصر في زمن ذي النون وأقرانه.
وكان بعض من يذكر بالمحبة ربما حصل له وسوسة ونوع تغير عقل، كسعدون وسمنون، وكان [سمنون] (٢) شديد المحبة [ربما حصل له وسوسة] (١)، ويقال أنَّه تكلم يومًا في المحبة فاصطفقت قناديل المسجد حتى تكسرت، وأنه تكلم يومًا فيها فجاء طائر فضرب بمنقاره الأرض حتى مات؛ وكذلك كان ربما حصل للشبلي نوع تغير.
ومما ينسب من الشعر إِلَى بعض هذه الطبقة:
هجرت الورى في حب من جاد بالنعم ... وعفت الكرى شوقًا إِلَيْهِ فلم أنم
وموهت دهري بالجنون عن الورى ... لأكتم ما بي من هواه فما انكتم
стр. 103
فلما رأيتُ الشوق بالحب بائحا ... كشفت قناعي ثم قلت نعم نعم
فإن قيل مجنون فقد جنني الهوى ... وإن قيل مسقام فما بي من سقم
وحق الهوى والحب والعهد بيننا ... وحرمة روح الأنس في حندس (١) الظلم (٢)
لقد لامني الواشون فيك جهالةً ... فقلت لطرفي أفصح العذر فاحتشم
فعاتبهم طرفي بغير تكلم ... وأخبرهم أن الهوى يُورثُ السقم
فبالحلم يا ذا المنِّ لا تبعدنني ... وقرت مزاري منك يا بارئ النِّسم
وكان بعض هؤلاء يقول: "إذا بك لم أجن يا حبيبي فبمن؟! ".
ومن هؤلاء من كان يسمى مجنونًا كسعدون وغيره، ويسمون أيضاً "عقلاء المجانين" وكانت أقوالهم و [أحوالهم] (٣) محفوظة غالبًا، ويصدر منهم من الكلام الحسن شيء كثير.
...
стр. 104
[مفهوم جيد] (*)
وقد غلط طوائف من المتأخرين في أمرهم فظنوا أن حالهم هو غاية الكمال، وأن العقلاء كلهم من العُلَمَاء بالله، والعمال لله مقصرون عن درجتهم، وهذا خطأ قبيح جدًّا. ثم أدخلوا في طبقتهم من ليس منهم من المجانين الذين لا حكمة لديهم ولا ظهر شيء من الأحوال الصحيحة [عليهم] (١) وإنَّما تظهر منهم مخالفة الشرعة بالأعمال والأقوال الشنيعة، ولكن أحسنوا الظن بهم لما يظهر من بعضهم من الإخبار بالمغيبات في بعض الأحيان، مما قد ظرفر منه من الرهبان والكهان، ونشأ بهذا السبب اعتقاد أن الأولياء لهم طريقة غير طريقة الأنبياء، وأنهم واقفون مع الحقيقة لا يتقيدون بالشريعة إِلَى غير ذلك من أنواع الضلال والبدع الفظيعة.
ووجد بعض من كان في صدره النفاق كامنًا من أنواع الحلولية والإباحية سبيلا إِلَى إظهار ما في نفوسهم، فعظم الخطب بذلك واشرأب النفاق، ولو سمع بذلك أئمة الطريق العارفون بالله كالجنيد ومن قبله لجاهدوا في الله حق جهاده في إنكار هذه العظائم، ولن تخلو الأرض من قائم لله بحجته ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠].
وقد ورد حديث: "إن أكثر أهل الجنة البُله".
وله طريقان ضعيفان:
أحدهما: مسند من حديث أنس (٢)، والآخر: مرسل من مراسيل عمر بن
стр. 105
عبد العزيز (١).
قد رواه أحمد بن أبي الحواري بإسناده إِلَى عمر مرسلاً، ثم قال مفسرًا له: البُله عن الشر وأعلى عليين لأولي الألباب. يشير إِلَى أن درجة العقلاء أكمل وأعلى من درجة هؤلاء، وبَيَّن أن المراد: البله عن الشر الذين لا يعرفونه من شدة سلامة صدورهم، وإنما يعرفون الخير فقط.
وروى ابن أخي ابن وهب عن عمه عبد الله بن وهب، قال: "سألت مالكًا عن تفسير قول النبي ﷺ : أكثر أهل الجنة البله. فَقَالَ: الأبله مثل عبد الله ابن عمر ﵄ كان أبله في معاصي الله، فطنًا فيما يرضي الله، مسارعًا إِلَى ما يرضي الله، بطيئًا عن محارم الله، لا تأخذه في الله لومة لائم".
ثم رواه الحسن بن حبيب الدمشقي عن عبد الله بن عبد الحميد عن ابن أخي ابن وهب به.
وكذلك رُوي تفسيره عن الأوزاعي، قال إسحاق بن راهويه في "مسنده": حدثنا بقية بن الوليد قال: حدثنا الأوزاعي عن أبي يزيد الجوفي قال "قال رسول
стр. 106
الله ﷺ : "أكثر أمتي دخولا الجنة البله. قال: سألت الأوزاعي عن البله؟ قال: الذين يعرفون الخير ولا يعرفون الشر".
وهذا مرسل أيضاً.
***
стр. 107
فصل
[الخاتمة] (*)
ولنختم الكتاب بكلمات جوامع من أمر المحبة وأبيات (رائقة) (١) متضمنة لها.
روى الإمام أحمد في "كتاب الزهد" (٢) بإسناده عن عطاء بن يسار قال: "قال موسى ﵇: يا رب، من أهلك الذين هم أهلك الذين تظلهم في ظل عرشك؟ قال: هم البريئة أيديهم، الطاهرة قلوبهم، الذين يتحابون بجلالي، الذين إذا ذكرت ذكروا بي، وإذا ذكروا ذكرت بذكرهم؛ الذين يسبغون الوضوء في المكاره، وينيبون إِلَى ذكري كما تنيب النسور إِلَى وكورها، ويكلفون بحبي كلما يكلف الصبي بحب الناس، ويغضبون لمحارمي إذا استحلت كلما يغضب النمر إذا حرب".
وفي "كتاب المحبة" لإبراهيم بن الجنيد عن أحمد بن مخلد الخراساني قال: "قال الله : ألا قد طال شوق الأبرار إِلَى لقائي وأنا إليهم أشد شوقًا، وما شوق المشتاقين إِلَيّ إلا بفضل شوقي إليهم، ألا من طلبني وجدني، ومن طلب غيري لم يجدني، ومن ذا الَّذِي أقْبَلَ إليَّ فلم أُقْبِلْ إِلَيْهِ، ومن ذا الَّذِي توكل عليَّ فلم أكفه، ومن ذا الَّذِي دعاني فلم أجبه، ومن ذا الَّذِي سألني فلم أعطه؟ ".
قال أحمد بن أبي الحواري: حدثنا عمر بن سلمة السراج، عن أبي جعفر
стр. 108
المصري قال: "قال الله : يا معشر المتوجهين إليَّ بحبي، ما ضركم ما فاتكم من الدُّنْيَا إذا كنت لكم حظًّا، وما ضركم من عاداكم إذا كنت لكم سِلْمًا" وفي هذا المعنى يقول القائل:
هنيئًا لمن (أمسى) (١) وأنت حبيبه ... ولو أن (نيران) (٢) الغرامِ تذيبهُ
وطوبى لصب أنت ساكن سره ... ولو بان عنه إلفه وقريبه
وما ضر صَبًّا أن يبيت وماله ... نصيبٌ من الدُّنْيَا وأنتَ نصيبهُ
ومن تكُ راضٍ عنه في طي غيبه ... فما ضره في الناس من يستغيبه
فيا علةً في الصدر أنتَ شفاؤها ... ويا مرضًا في القلب أنت طبيبه
عُبيدُك في باب الرجا مُتضرعٌ ... إذا لم تجبه أنت من ذا يجيبه
بعيدٌ عن الأوطان يبكي بذلةٍ ... وهل ذاق طعم الذل إلا غريبه
تصدَّق عَلَى من ضاع منه زمانه ... ولم يدر حتى لاح منه مشيبه
غدا خاسرًا فالعار يكفيه والعنا ... وقد آن من ضوء النهار مغيبه
ومما أنشده (أبو زيد) (٣) النجراني -من المتقدمين- رحمة الله عليه:
محبٌّ نفى ما التذ من غمضه الفكر ... وأعقبه ضرًّا فأنهكه الضرُّ
وبات يراعي أنجما [من] (٤) بعد أنجم ... ويرعدُ من خوفٍ إِلَى أن بدا الفجرُ
ويخدم مولاه بألطف خدمة ... ويُسعده في حسن خدمته الصبرُ
به وبمن ساواه في الزهد والتقى ... إذا الجدبُ عمَّ الأرض يستنزل القطرُ
محب خلا بالحب خلوة واجد ... خلا بحبيب والظلام له ستر
стр. 109
يقول بذلتُ الحبَّ يا منتهى المنى ... ويا نور قلبي أنت لي سيدي ذُخرُ
فلا تُخْزِني يا رب وارحم تضرعي ... فقد وعظيم العفو أثقلني الوزر
وقد خفت من يوم المعادِ مخافةً ... تيقنت أني ليس لي فيهما عذر
بفضلك زدني منك قربًا وأدنني ... إليك دُنوًا لا يغيره الدهر
مُرَادي سقامي في الهوى هو قاتلي ... وبين سقامي والشفاء ينفذ العمر
وفي كبدي مما أقاسي من الهوى ... ومن (لوعات) (١) الحبِّ يا واحدي جَمر
غزا الحب قلبي قاصدًا بجيوشه ... ليأسره قسرًا فأذهله الأسرُ
(وحبك) (٢) لا أنساك ما دمتُ باقيًا ... وهل يتسلى من محبته فخر
وأنشدت بعض العارفات:
أحبك حبين حب الوداد ... وحب لأنك أهل لذكا
فأما الَّذِي هو حب الوداد ... فحب شغلت به (عَنْ) (٣) سواكا
وأما الَّذِي أنت أهلٌ له ... فكشفك الحجب حتى أركا
فما الحمد في ذا ولا ذاك لي ... ولكن لك الحمد في ذا وذاكا
وأنشدت أخرى منهن:
حبيب ليس يعدلُهُ حبيب ... ولا لسواه في قلبي نصيبٌ
حبيبٌ غاب عن بصري وشخصي ... ولكن عن فؤادي ما يغيب
وأنشد بعض المحبين:
أعميت عيني عن الدُّنْيَا وزينتها ... فأنت والروح مني غير مفترق
إذا ذكرتك وفي مقلتي أرقٌ ... من أول الليل حتى مطلعِ الفلق
стр. 110
وما تطابقت الأجفان عن سنةٍ ... إلا رأيتك بين الجفن والحدق
ارحم حشاشة نفس فيك قد تلفت ... قبل (الممات) (١) فهذا آخرُ الرمقِ
ولو مضى الكل مني لم يكن عجبًا ... وإنَّما عجبي في البعض كيفَ بقى
وأنشد بعضهم:
والله ما طلعت شمسٌ ولا غربت ... إلا وأنت حديثي بين جُلاسي
ولا هممت بشرب الماء من عطش ... إلا رأيت خيالا منك في الكاس
ولبعضهم:
ساكن في القلب يعمرُهُ ... لستُ أنساه فأذكرُهُ
غَابَ عن سمعي وعن بصري ... فسويداء القلب يبصره
وأنشد آخر منهم:
من عامل الله بتقواه ... وكان في الخلوة يرعاهُ
سقاه كأسًا من صفاء حبِّهِ ... يسليه عن لذةِ دُنياه
فأبعدَ الخلقَ وأقصاهم ... وانفرد العبدُ بمولاه
وأنشد بعضهم أيضاً:
أنت تدري يا حبيبي ... [من] (٢) حبيبي أنت تدري
ونحول الجسم والدمـ ... ـع يبوحان بسري
يا عزيزي قد كتمت الحـ ... ـبَّ حتى ضاق صدري
وأنشد بعضهم أيضاً:
أبى الحبُّ أن يخفى وكمْ قدْ كتمته ... فأصبح عندي قد أناخَ وطنبا