← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 151146

اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى - ضمن مجموع رسائل ابن رجب

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (87 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه ثقتي الحمد لله رب العالمين، وصلاته وسلامه عَلَى محمد خاتم النبيين، وإمام (المتقين) (*)، ورسول رب العالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إِلَى يوم الدين. خرَّج الإمام أحمد (١) ﵀: من حديث مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: احْتَبَسَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى كِدْنَا نَتَرَاءَى قَرْنَ الشَّمْسِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيعًا فَثَوَّبَ (٢) بِالصَّلَاةِ وَصَلَّى وَتَجَوَّزَ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: «كَمَا أَنْتُمْ عَلَى مَصَافِّكُمْ كَمَا أَنْتُمْ». ثُمَّ أَقْبَلَ (إِلَيْنَا) (**) فَقَالَ: "إِنِّي سَأُحَدِّثُكُمْ مَا حَبَسَنِي عَنْكُمُ الْغَدَاةَ: إِنِّي قُمْتُ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّيْتُ مَا قُدِّرَ لِي، فَنَعَسْتُ فِي صَلَاتِي حَتَّى اسْتَثْقَلْتُ (٣)، فَإِذَا أَنَا بِرَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي رَبِّ. قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ . قُلْتُ: لَا أَدْرِي رَبِّ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي يا رَبِّ فَرَأَيْتُهُ وَضَعَ كَفَّه بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ صَدْرِي، وَتَجَلَّى لِي كُلُّ شَيْءٍ وَعَرَفْتُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ . قُلْتُ: فِي الْكَفَّارَاتِ وَالدَّرَجَاتُ.

стр. 3

قَالَ: وَمَا الْكَفَّارَاتُ؟. قُلْتُ: نَقْلُ الْأَقْدَامِ إِلَى الْجُمُعَاتِ، وَالجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَواتِ، وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ (عَلَى) (*) الْكَرِيهَاتِ. فَقَالَ: وَمَا الدَّرَجَاتُ؟ قُلْتُ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَلِينُ الْكَلَامِ، وَالصَّلَاةُ وَالنَّاسُ نِيَامٌ. قَالَ: سَلْ يَا مُحَمَّدُ. قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي، وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةً فِي قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ، وَأَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي إِلَى حُبِّكَ". وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّهَا حَقٌّ فَادْرُسُوهَا وَتَعَلَّمُوهَا». وخرّجه الترمذي (١)، وقال: "حديث (حسن صحيح) (**) "، قال: وسألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا، فَقَالَ: "هذا حديث حسن صحيح (٢).

стр. 4

قلت: وفي إسناده اختلاف، وله طرق متعددة، وفي بعضها زيادة وفي بعضها نقصان، وقد ذكرت عامة أسانيده وبعض ألفاظه المختلفة في كتاب "شرح الترمذي". وفى بعض ألفاظه عند الإمام أحمد (١) والترمذي (٢) أيضاً: "المشي عَلَى الأقدام إِلَى الجماعات" بدل "الجُمُعات". وفيه أيضاً عندهما (٣) بعد ذكر الكفّارات زيادة: "ومن فعل ذلك عاش بخير ومات بخير وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه". وفيه (٤) أيضاً عندهما: "والدرجات: إفشاء السلام ... " بدلاً لين الكلام". وفي بعض رواياته (٥): " ... فعلمت ما في "السماء" (*) والأرض". ثم تلى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥]. وفي رواية أخرى (٦): " ... فتجلَّى لي ما بين السماء والأرض". وفي رواية (٧): ... "ما بين المشرق والمغرب".

стр. 5

وفي بعضها زيادة في الدعاء الَّذِي فيه وهي (١): " ... وتتوب عَلَى.". وفي بعضها (٢): "إصباغ الوضوء في السَّبرات". وفي بعضها (٣): "وقال: يا محمد! إذا صلّيت فقلْ: اللهم إني أسألك فعل الخيرات ... " فذكره. والمقصود هنا: شرحُ الحديث وما يُستنبط منه من المعارف والأحكام وغير ذلك. ففي الحديث دلالة عَلَى أن النبي ﷺ لم يكن من عادته تأخير صلاة الصبع إِلَى قرب طلوع الشمس، وإنما كانت عادتُه التغليس بها، وكان أحيانًا يسفر بها عند انتشار الضوء عَلَى وجه الأرض، وأما تأخيرها إِلَى قريب طلوع الشمس فلم يكن من عادته، ولهذا اعتذرَ لهم عنه في هذا الحديث. وقد قيل: إن تأخيرها إِلَى هذا الإسفار الفاحش لا يجوز لغير عذر، وأنَّه وقت ضرورة كتأخير العصر إِلَى بعد اصفرار الشمس، وهو قول القاضي من أصحابنا في بعض كتبه، وقد أومأ إِلَيْهِ الإمام أحمد، وقال: "هذه صلاة مفرط، إِنَّمَا الإسفار أن ينتشر الضوءُ عَلَى الأرض". وفي الحديث: دلالة عَلَى أنّ من أخَّر الصلاة إِلَى آخر الوقت لعذر أو غيره وخاف خروج الوقت في الصلاة إن طوّلها أن يخففها حتى يدركها كلَّها في الوقت.

стр. 6

وأما قول أبي بكر الصديق ﵁ لما طوّل في صلاة الفجر وقرأ بالبقرة فقِيلَ لَهُ: كادت الشمس أن تطلع! فَقَالَ: "لو طلعت لم تجدنا غافلين" (١)، فإن أبا بكر ﵁ لم يتعمد التأخير إِلَى طلوع الشمس ولا أن يُمدَّها ويطيلها حتى تطلع الشمس لأنه دخل فيها بغلس، وأطال القراءة وربما كان قد استغرق في تلاوته فلو طلعت الشمس حينئذٍ لم يضره لأنّه لم يكن متعمدًا لذلك. وهذا يدل عَلَى أنَّه كان يرى صحة الصلاة لمن طلعت عليه الشمس وهو في صلاته كما أمر النبي ﷺ من طلعت عليه الشمس -وقد صلّى ركعة من الفجر- أن يضيف إليها أخرى (٢). وفي حديث معاذ: دليل عَلَى أن من رأى رؤيا تسرُّه فإنَّه يقصها عَلَى أصحابه وإخوانه المحبين له، ولاسيما إن تضمنت رؤياه بشارة لهم، وتعليمًا لما ينفعهم، وقد كان النبي ﷺ إذا صلّى الفجر يقول لأصحابه: "من رأى منكم الليلة رؤيا"؟ (٣). وفيه أيضاً: أن من استثقل نومه في تهجده بالليل حتى رأى رؤيا تسره فإنَّ في ذلك بشرى له. وفي مراسيل الحسن: "إذا نام العبد -وهو ساجد- باهى الله به الملائكة، يقول: يا ملائكتي انظروا إِلَى عبدي: جسده في طاعتي وروحه عندي". وفيه: دلالة عَلَى شرف النبي ﷺ وتفضيله بتعليمه. ما في (السماوات) (*) والأرض، وتجلَّى ذلك له مما تختصم فيه الملائكة في السماء وغير ذلك، كما أُريَ

стр. 7

إبراهيم ملكوت السماوات والأرض. وقد ورد في غير حديث مرفوعًا (١) وموقوفًا (٢) أنَّه ﷺ أعطي علم كلِّ شيء خلا مفاتيح الغيب الخمس التي اختص الله بعلمها، وهي المذكورة في قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤]. وأما وصف النبي ﷺ لربه بما وصفه به فكل ما وصف النبي ﷺ به ربه فهو حق وصدق يجب الإيمان والتصديق به كما وصف الله به نفسه مع نفي التمثيل عنه، ومن أشكل عليه فهم شيء من ذلك واشتبه عليه فليقل كما مدح الله تعالى به الراسخين في العِلْم وأخبر عنهم أنهم يَقُولُونَ عند المتشابه: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]. وكلما قال النبي ﷺ في القرآن: "وما جهلتهم منه فكلوه إِلَى عالمه"، خرّجه الإمام أحمد (٣) والنسائي وغيرهما، ولا يتكلَّف ما لا علم له به فإنَّه يُخشى عليه من ذلك الهلكة. سمع ابن عباس يومًا من يروي عن النبي ﷺ شيئًا من هذه الأحاديث فانتفض رجل استنكارًا لذلك، فَقَالَ ابن عباس: "ما فرق هؤلاء؟! يجدون رقة عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه" خرَّجه عبد الرزاق في "كتابه" (٤) عن معم، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄. فكلما سمع المؤمنون شيئًا من هذا الكلام قالوا: هذا ما أخبرنا الله به ورسوله ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢].

стр. 8

وفي الحديث دلالة عَلَى أن الملأ الأعلى -وهم الملائكة أو المقرَّبون منهم- يختصمون فيما بينهم، ويتراجعون القول في الأعمال التي تُقرِّب بني آدم إِلَى الله وتكفر بها عنهم خطاياهم، وقد أخبر الله عنهم بأنهم يستغفرون للذين آمنوا ويدعون لهم. وفي الحديث الصحيح (١): "إن الله إذا أحبَّ عبدًا نادى: يا جبريل إني أَحَبّ فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض". وقال أبو هريرة ﵁: "إذا مات ابن آدم قال الناس: ما خلَّف؟. وقالت الملائكة: ما قدَّم؟ " (٢). فالملائكة يسألون عن أعمال بني آدم ولهم اعتناء بذلك واهتمامٌ به. وبقي الكلام عَلَى المقصود من الحديث، وهو: ذكر الكفّارات والدرجات والدعوات، ونعقد لكل واحدة منها فصلاً مفردًا. ...

стр. 9

الفصل الأول في ذكر الكفَّارات وهي إسباغ الوضوء في الكريهات، ونقل الأقدام إِلَى الجُمعات (أو) (*) الجماعات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات. وسميت هذه كفارات لأنها تكفر الخطايا والسيئات، ولذلك جاء في بعض الروايات: "من فعل ذلك عاش بخير، ومات بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه". وهذه الخصال المذكورة الأغلب عليها تكفيرُ السيئات، ويحصل بها أيضاً رفعُ الدرجات كما في صحيح مسلم (١) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "ألا أدلكم عَلَى ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟! ". قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "إسباغ الوضوء عَلَى المكاره، وكثرة الخطأ إِلَى المساجد، وانتظارُ الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرِّباط، فذلكم الرباط". وقد رُوي هذا المعنى عن النبي ﷺ من وجوه متعددة. فهذه ثلاثة أسباب تُكفَّر بها الذنوب: أحدها: الوضوء، وقد دلَّ القرآن عَلَى تكفيره للذنوب في قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ إلى قوله ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فقوله تعالى: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ يشمل طهارة ظاهر البدن بالماء، وطهارة الباطن من الذنوب والخطايا، وإتمامُ النعمة إِنَّمَا يحصل بمغفرة الخطايا وتكفيرها، كما قال تعالى لنبيه

стр. 10

- ﷺ : ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [الفتح: ٢]. وقد استنبط هذا المعنى محمد بن كعب القرظي، ويشهد له الحديث الَّذِي خرّجه الترمذي (١) وغيره (٢) عن معاذ ﵁ أن النبي ﷺ سمع رجلاً يدعو، يقول: اللهم إني أسألك تمام النعمة. فَقَالَ له: "أتدري ما تمامُ النعمة؟ ". قال: دعوةٌ دعوت بها، أرجو بها الخير. فَقَالَ النبي ﷺ : "إن تمام النعمة: النجاةُ من النار، ودخول الجنة". فلا تتِمُّ نعمة الله عَلَى عبده إلا بتكفير سيئاته. وقد تكاثرت النصوص عن النبي ﷺ بتكفير الخطايا بالوضوء كما في "صحيح مسلم" (٣) عن عثمان ﵁ أنَّه توضأ ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ مثل وضوئي هذا ثم قال: "من توضأ هكذا غُفرَ له ما تقدم من ذنبه وكانت صلاته ومشيه إِلَى المسجد نافلة". وفيه (٤) أيضاً عنه عن النبي ﷺ قال: "من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره". وفيه أيضاً (٥) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا توضأ

стр. 11

العبد المسلم - أو المؤمن - فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء -أو مع آخر قطر الماء، فَإِذَا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء -أو مع آخر قطر الماء- حتى يخرج نقيًّا من الذنوب". وفيه أيضاً (١) عن عمرو بن عَبَسَة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْكُمْ مِنْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ فَيَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ إِلَّا (خَرَّجت) (*) خَطَايَا وَجْهِهِ وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ، ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ إِلَّا (خَرَّجت) (*) خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ إِلَّا خَرَّجت خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ إِلَّا خَرَّجت خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ إِلَّا خَرَّجت خَطَايَا رِجْلَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ أَهْله وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ إِلَّا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ». وفي "الموطأ" (٢) "ومسند الإمام أحمد" (٣) "وسنن النسائي" (٤) "وابن ماجه" (٥) عن الصنابحي عن النبي ﷺ قال: «إِذَا تَوَضَّأَ الْمُؤْمِنُ فَمَضْمَضَ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ فِيهِ، فَإِذَا اسْتَنْثَرَ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ أَنْفِهِ، فَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ وَجْهِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَشْفَارِ عَيْنَيْهِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ يَدَيْهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِ يَدَيْهِ، فَإِذَا مَسَحَ بِرَأْسِهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رَأْسِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَيْهِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رِجْلَيْهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ كَانَ مَشْيُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَصَلاَتُهُ نَافِلَةً».

стр. 12

وفي "المسند" عن أبي أمامة (١) عن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ وَيُمَضْمِضُ فَاهُ وَيَتَوَضَّأُ كَمَا أَمَرَ اللهُ إِلَّا حَطَّ اللهُ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ: مَا نَطَقَ بِهِ فَمُهُ، وَمَا مَسَّ بِيَدَيْهِ، وَمَا مَشَى إِلَيْهِ، حَتَّى إِنَّ الْخَطَايَا تَحَادَرُ مِنْ أَطْرَافِهِ، ثُمَّ إِذَا هُوَ مَشَى إِلَى الْمَسْجِدِ فَرِجْلٌ تَكْتُبُ حَسَنَةً، وَأُخْرَى تُمْحِي سَيِّئَةً». وفيه أيضًا (٢) عن النبي ﷺ قال: "أيما رجل قام إلى وضوئه يريد الصلاة ثم غسل كفيه، نزلت خطيئته من كفيه مع أول قطرة، فإذا مضمض واستنشق واستنثر نزلت خطيئته من لسانه وشفتيه مع أول قطرة، فإذا غسل وجهه نزلت خطيئته من سمعه وبصره مع أول قطرةٍ، فإذا غسل يديه إلى المرفقين ورجليه إلى الكعبين سلم من كل ذنب هو له، ومن كل خطيئة كهيئته يوم ولدته أمه، فإذا قام إلى الصلاة رفع الله بها درجته، وإن قعد قعد سالماً". وفي هذا المعنى أحاديثُ (أخر) (*)، وفيما ذكرناه كفاية. وقد وردت النصوص أيضاً بحصول الثواب عَلَى الوضوء، وهذا زيادة عَلَى تكفير السيئات به: ففي "صحيح مسلم" (٣) عن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مَنْ تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ قَالَ: أشهد أَن لَا اله الا الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابٍ مِنَ الْجَنَّةِ الثَمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ". وفيه أيضاً (٤): عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "تبلغ الحلية من المؤمن حيث

стр. 13

يبلغ الوضوء". وفيه أيضاً (١): عنه عن النبي ﷺ قال: "أنتم الغر المحجلون من إسباغ الوضوء". وخرّجه البخاري (٢)، ولفظه: "إن أمتي يدعون يوم القيامة غرًّا محجلين من أثر الوضوء". واعلم أن حديث معاذ بن جبل في المنام إِنَّمَا فيه ذكر إسباغ الوضوء عَلَى الكريهات، وكذا في حديث أبي هريرة المبدوء بذكره في هذا الفصل، فهاهنا أمران: أحدهما: إسباغ الوضوء، وهو إتمامه إبلاغه مواضعه الشرعية كالثوب السابغ المغطي للبدن. وفي "مسند البزار" (٣) عن عثمان مرفوعًا: "من توضأ فأسبغ الوضوء غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر". إسناده لا بأس به، وأخرجه ابن أبي عاصم (٤) من وجه آخر عن عثمان. وخرَّج النسائي (٥) وابن ماجه (٦) من حديث أبي مالك الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إسباغ الوضوء شطر الإيمان". [وخرّجه مسلم (٧)، ولفظه: "الطهور شطر الإيمان"] (*).

стр. 14

وثانيهما: أن يكون إسباغه عَلَى الكريهات، والمراد أن يكون عَلَى حالة تكره النفس فيها الوضوء، وقد فُسِّر بحال نزول المصائب فإن النفس حينئذٍ تطلب الجزع، فالاشتغال عنه بالصبر والمبادرة إِلَى الوضوء والصلاة من علامة الإيمان كما قال الله : ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] وقال تعالى: ﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣]. والوضوء مفتاح الصلاة، وقد يٌطفأ به حرارة القلب الناشئة عن ألم المصائب، كما يؤمر من غضب بإطفاء غضبه بالوضوء. وفُسِّرت الكريهات بالبرد الشديد، ويشهد له أن في بعض روايات حديث معاذ: " ... إسباغ الوضوء (عَلَى) (*) السبرات"، والسبرة: شدة البرد، ولا ريب أن إسباغ الوضوء في البرد يشق عَلَى النفس وتتألم به، وكل ما يؤلم النفوس ويشق عليها فإنَّه كفارة للذنوب وإن لم يكن للإنسان فيه صنعٌ ولا تسبب كالمرض وغيره كما دلت النصوص الكثيرة عَلَى ذلك. وأما إن كان ناشئًا عن فعل هو طاعة لله فإنَّه يكتب لصاحبه به أجر، وترفعِ به درجات كالألم الحاصل للمجاهد في سبيل الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠]، وكذلك [ألم] (**) الجوع والعطش الَّذِي يحصل للصائم، فهكذا التألم بإسباغ الوضوء في البرد. ويجب الصبر عَلَى الألم بذلك، فإن حصل به الرضى فذلك مقام خواصِّ العارفين المحبين، وينشأ الرضا بذلك عن ملاحظة أمور: أحدها: تذكر فضل الوضوء من حطَّه للخطايا، ورفعه للدرجات وحصول الغرة والتحجيل به، وبلوغ الحلية في الجنة إِلَى حيث يبلغ، وهذا كما انكسر ظفر

стр. 15

بعض الصالحات من السَّلف من عثرة عثرتها فضحكت وقالت: أنساني حلاوة ثوابه مرارة وجعه. وقال بعض العارفين: من لم يعرف ثواب الأعمال ثَقُلت عليه في جميع الأحوال. الثاني: تذكُّر ما أعده الله لمن عصاه من العذاب بالبرد والزمهرير، فإن [شدة] (*) برد الدُّنْيَا يذكِّر بزمهرير جهنم، وفي الحديث الصحيح (١): "إن أشد ما تجدون من البرد من زمهرير جهنم". فملاحظة هذا الألم الموعود يهون الإحساس بألم برد الماء، كما رُوي عن زبيد اليامي أنَّه قام ليلة للتهجد -[وكان] (*) البرد شديدًا- فلما أدخل يده في الإناء وجد شدة برده فذكر زمهرير جهنم فلم يشعر ببرد الماء بعد ذلك، وبقيت يده في الماء حتى أصبح، فقالت له جاريته: مالك لم تصل الليلة كما كنت تصلي؟!. فَقَالَ: إني لما وجدت شدة برد الماء (ذكرتُ) (**) زمهرير جهنم فما شعرت به حتى أصبحت، فلا تخبري بهذا أحدًا ما دمت حيًّا. الثالث: ملاحظة جلال من أمر بالوضوء، ومطالعة عظمته وكبريائه، وتذكُّر التهيؤ للقيام بين يديه ومناجاته في الصلاة (فذلك يهوِّن) ( ... ) كل ألم ينال العبدَ في طلب مرضاته من برد الماء وغيره، وربما لم يشعر بألمه بالكلية كما قال بعض العارفين: بالمعرفة هانت عَلَى العاملين العبادة. قال سعيد بن عامر: بلغني أن إبراهيم الخليل ﵇ كان إذا توضأ سُمع لعظامه قعقعة.

стр. 16

وكان علي بن الحسين إذا توضأ اصفر لونه، فيقال له: ما هذا الَّذِي يعتريك عند الوضوء؟!. فيقول أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم؟. وكان منصور بن زاذان إذا فرغ من وضوئه يبكي حتى يرتفع صوته، (فقيل) (*) له: ما شأنك؟!. (فَقَالَ) (**): وأي شيء أعظم من شأني، إني أريد أن أقوم بين يدي من لا تأخذه سنة ولا نوم، فلعله (يعرض) ( ... ) عني. وكان عطاء السليمي إذا فرغ من وضوئه ارتعد وانتفض وبكى بكاءً شديدًا، فقِيلَ لَهُ في ذلك، فَقَالَ: إني أريد أن أتقدم إِلَى أمر عظيم: إني أريد أن أقوم بين يدي الله . الرابع: استحضار اطلاع الله عَلَى عبده في حال العمل له، وتحمل المشاق لأجله، فمن تيقَّن أن البلاء بعين من يحبه هان عليه الألم كما أشار تعالى إِلَى ذلك وله لنبيه ﷺ : ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]. وقوله تعالى لموسى وهارون ﵉: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]. وقال: "اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك" (١). وقال أبو سليمان الداراني: قرأت في بعض الكتب: يقول الله : "بعيني ما تحمَّل المتحمِّلون من أجلي، وكابد المكابدون في طلب مرضاتي، فكيف بهم وقد صاروا في جواري، وتبحبحوا في رياض خلدي؟ فهنالك فليبشر المُصَفُّون لله أعمالهم بالمنظر العجيب من الحبيب

стр. 17

القريب، أترون أني أضيع لهم عملاً؟ فكيف وأنا أجود عَلَى المولين عني، فكيف بالمقبلين إليّ؟ ". فبإسباغ الوضوء في البرد -لاسيما في الليل- يطلع الله عليه، ويرضى به، ويباهي به الملائكة، فاستحضار ذلك يهون ألمه. وفي "المسند" (١) وصحيح ابن حبان (٢) عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: "رجلان من أمتي يقوم أحدهما من الليل يعالج نفسه إِلَى الطهور وعليه عُقَدٌ فيتوضأ، فَإِذَا وضّأ يديه انحلَّت عقدة، وإذا وضّأ وجهه انحلَّت عقدة، إذا مسح برأسه انحلّت عقدة، وإذا وضّأ رجليه انحلَّت عقدة، فيقول الرب للذين وراء الحجاب: انظروا إِلَى عبدي هذا يعالج نفسه، ما سألني عبدي هذا فهو له ... " وذكر بقية الحديث. وروى عطية عن أبي سعيد عن النبي ﷺ : "إن الله يضحك إِلَى ثلاثة نفر: رجل قام من جوف الليل فأحسن الطُّهور فصلى ... " (٣) وذكر الحديث. كان بعض السَّلف له ورد بالليل ففتر عنه، فهتف به هاتف يقول: بعين الله في الليل لما يصنع خدّامه ... إذا قاموا وحثَّتهم عَلَى الخدمة أحكامه الخامس: الاستغراق في محبة من أمر بهذه الطاعة، وأنه يرضى بها ويحبها كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فمن امتلأ قلبه من محبة الله أَحَبّ ما يحبه وإن شق عَلَى النفس وتألمت به، كما يقال: المحبة تهوَّن الأثقال. وقال بعض السَّلف في مرضه: أحَبُّهُ إِلَيّ أحَبُّهُ إِلَيْهِ.

стр. 18

وكما قيل: فما لجرح إذا أرضاكم ألم وكما قيل أيضاً: في حبكم يهون ما قد ألقى ... ما يسعد بالنعيم من لا يشقى من خدم من يحب تلذّذ بشقائه في خدمته. وقال بعضهم: القلبُ المحبُّ لله يحب النصب له. وقال عبد الصمد: أوجدهم في عذابه عُذوبة. فإسباغ الوضوء عَلَى المكاره من علامات المحبِّين كما في "كتاب الزهد" للإمام أحمد (١) عن عطاء بن يسار قال: "قال موسى ﵇: يا رب! من أهلك الذين هم أهلك، الذين تظلهم في ظل عرشك؟. قال: هم البريئة (أيديهم) (*)، الطاهرة قلوبهم، الذين يتحابون بجلالي، الذين إذا ذُكرت ذكروا بي، وإذا ذُكروا ذكرت بذكرهم، الذين يُسبغون الوضوء في المكاره، ويُنيبون إِلَى ذكري كما تنيب النسور إِلَى أوكارها، ويكلفون بحبي كما يكلف الصبي بحب الناس، ويغضبون لمحارمي إذا استحلت كما يغضب النمر إذا حَرِبَ". وقد يخرق الله العادة لبعض المحبِّين له فلا يجد ألم برد الماء، كما كان بعض السَّلف قد دعا الله أن يهوِّن عليه الطهور في الشتاء، فكان يؤتى بالماء وله بخار، وربما سُلِب بعضهم الإحساس في الحرِّ والبرد مطلقًا. وكان علي بن أبي طالب ﵁ قد دعا له النبي ﷺ أن يذهب الله عنه الحر والبرد، فكان يلبس في الصيف لباس الشتاء، وفي الشتاء لباس

стр. 19

الصيف (١). وقال النبي ﷺ فيه: "إنه يحب الله رسوله، ويحبه الله ورسوله" (٢). ورأى أبو سليمان الداراني في طريق الحج في شدة برد الشتاء شيخًا عليه أخلاقٌ رثَّة وهو يرشح عرقًا، فسأله عن حاله، فقال: إِنَّمَا الحر والبرد خلقان لله ، فإن أمرهما أن يغشياني أصاباني، لأن أمرهما أن يتركاني تركاني. وقال: أنا في هذه البرية منذ ثلاثين سنة يلبسني في البرد فيحًا من محبته، ويُلبسني في الصيف بردًا من محبته. وقيل لآخر -وعليه خرقتان في برد شديد: لو استترت في موضع يكنك من البرد!. فأنشد: ويحسن ظني أنني في فنائه ... وهل أحدٌ في كنِّه يجد البردا ...

стр. 20

السبب الثاني من مكفّرات الذنوب: المشيُ عَلَى الأقدام إِلَى الجماعات وإلى الجُمُعات ولا سيما إن توضأ الرجل في بيته ثم خرج إِلَى المسجد لا يريد بخروجه إلا الصلاة فيه كما في الصحيحين (١) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "صَلاَةُ الرَّجُلِ فِي الجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلاَتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْسة وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ لاَ يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلاَةُ لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلِ المَلاَئِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، وَلاَ يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلاَةَ". وفي صحيح (٢) مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ مَشَى إِلَى بَيْتٍ مَنْ بُيُوتِ اللهِ لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللهِ، كَانَتْ خَطْوَتَاهُ (*) إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً، وَالْأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً». وفي الصحيحين (٣) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "كل خطوة يمشيها إِلَى الصلاة صدقة". وفي "المسند" (٤) وصحيح ابن حبان (٥) عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال:

стр. 21

"إذا تطهر الرجل ثم أتى المسجد يرعى الصلاة كتب له كاتباه بكل خطوة يخطوها إِلَى المسجد عشر حسنات" (١). وفيهما أيضًا (٢) عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: "مَنْ رَاحَ إِلَى مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ فَخَطَوَاتِهِ: خَطْوَةٌ تَمْحُو سَيِّئَةً، وَخَطْوَةٌ تُكْتَبُ حَسَنَةٌ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا". وفي سنن أبي داود (٣) عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: "من خرج من بيته متطهرًا إِلَى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم". وفية (٤) أيضاً عن رجل من الأنصار عن النبي ﷺ قال: "مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، لَمْ يَرْفَعْ قَدَمَهُ الْيُمْنَى إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً، وَلَمْ يَضَعْ قَدَمَهُ الْيُسْرَى إِلَّا حَطَّ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً، فَلْيُقَرِّبْ أَوْ لِيُبَعِّدْ، فَإِنْ أَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى فِي جَمَاعَةٍ غُفِرَ لَهُ". والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًّا. والمشي إِلَى الجُمُعات له مزيد فضل، لاسيما إن كان بعد الاغتسال، كما في السنن (٥) عن أوس بن أوس -عن النبي ﷺ قال: «مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ

стр. 22

وَاغْتَسَلَ، وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ، وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ، وَدَنَا مِنَ الْإِمَامِ، وَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ أَجْرُ سَنَةٍ: صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا». وكلما بعد المكان الَّذِي يمشي منه إِلَى المسجد كان المشي منه أفضل لكثرة الخُطا. وفي صحيح مسلم (١) عن جابر قال: كانت دارُنا نائية عن المسجد، فأردنا أن نبيع بيوتنا فنقرب من المسجد، فنهانا رسول الله ﷺ وقال: "إن لكم بكل خطوة حسنة". وفي صحيح البخاري (٢) عن أنس أن النبي ﷺ قال: "يا بني سلمة! ألا تحتسبون آثاركم؟ ". وفي الصحيحين (٣) عن أبي موسى أن النبي ﷺ قال: "إن أعظم الناس أجرًا في الصلاة: أبعدهم إليها ممشى فأبعدهم". ومع هذا فنفس الدار القريبة من المسجد أفضل من الدار البعيدة عنه لكنَّ المشي من الدار البعيدة أفضل. ففي المسند (٤) عن حذيفة عن النبي ﷺ قال: «فَضْلُ الدَّارِ الْقَرِيبَةِ مِنَ الْمَسْجِدِ عَلَى الدَّارِ البَعِيدَةِ الشَّاسِعَةِ كَفَضْلِ الْغَازِي عَلَى الْقَاعِدِ» وإسناده منقطع. والمشيُ إِلَى المسجد أفضل من الركوب كما تقدّم في حديث أوس في الجُمُعة، ولهذا جاء في حديث معاذ ذكرُ المشي عَلَى الأقدام، وكان النبي ﷺ لا يخرجُ إِلَى الصلاة إلا ماشيًا حتى العيد يخرج إِلَى المُصلَّى ماشيًا، فإن الآتي للمسجد زائر

стр. 23

الله، والزيارة عَلَى الأقدام أقربُ إِلَى الخضوع والتذلل كما قيل: لو جئتكم زائرًا أسعى عَلَى بصري ... لم أدِّ حفًّا وأي الحق أديت؟! وفي صحيح البخاري (١) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من غدا إِلَى المسجد أو راح أعد الله له نزلا في الجنة كلما كدا أو راح". والنزل: هو ما يعد للزائر عند قدومه. وفي الطبراني (٢) من حديث سلمان مرفوعًا: "من توضأ في بيته فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد فهو زائرُ اللهِ تعالى، وحق عَلَى المزور أن يكرم الزائر". وفي "صحيح مسلم" (٣) عن أبي بن كعب قال: كان رجل لا أعلم رجلاً أبعد من المسجد منه، وكان لا تُخطئه صلاة في المسجد، قال: فقِيلَ لَهُ -أو قلت له- لو اشريت حمارًا تركبه في الظلمات وفي الرمضاء. فَقَالَ: ما يسرني أن منزلي إِلَى جنب المسجد، إني أريد أن يُكتبَ لي ممشاي إِلَى المسجد ورجوعي إذا رجعت إِلَى أهلي فَقَالَ رسول الله ﷺ : "قد جمع الله لك ذلك كله". وكلما شقَّ المشي إِلَى المسجد كان أفضل، ولهذا فضل المشي إِلَى صلاة العشاء وصلاة الصبح، وعدل بقيام الليل كله كما في "صحيح مسلم" (٤) عن عثمان عن النبي ﷺ قال: "من صلّى العشاء في جماعة فكأنَّما قام نصف الليل، ومن صلَّى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله". وفي "الصحيحين" (٥) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "أثقل صلاة

стр. 24

عَلَى المنافقين: صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا". وإنما ثقلت هاتان الصلاتان عَلَى المنافقين لأنّ المنافق لا ينشط للصلاة إلا إذا رآه الناس كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]. وصلاة العشاء والصبح يقعان في ظلمة، فلا ينشط للمشي إليهما إلا كل مخلصٍ يكتفي برؤية الله وحده لعلمه به. وثواب المشي إِلَى المساجد في الظلم: النور التام في ظلم القيامة كما في سنن أبي داود (١) والترمذي (٢) عن بريدة عن النبي ﷺ قال: "بشر المشائين في الظلم إِلَى المساجد بالنور التام يوم القيامة" وخرّجه ابن ماجه (٣) من حديث سهل بن سعد، وقد رُوي من وجوه كثيرة (٤).

стр. 25

وفي بعضها زيادة: "يفزع الناسُ ولا يفزعون" (١). قال النخعي: وكانوا يرون أن المشي في الليلة الظلماء موجبة، يعني: توجب المغفرة. وروينا عن الحسن قال: أهل التوحيد في النار لا يقيدون، فيقول الخزنة بعضهم لبعض: ما بال هؤلاء لا يقيدون وهؤلاء يقيدون؟! فيناديهم منادٍ: إن هؤلاء كانوا يمشون في ظُلم الليل إِلَى المساجد. كما أن مواضع السجود من عصاة الموحدين في النار لا تأكلها النار (٢)، فكذلك الأقدام التي تمشي إِلَى المساجد في الظلم لا تقيد في النار، ولا يُسوِّي في العذاب بين من خدمه وبين من لم يخدمه وإن عذبه:

стр. 26

ومن كان في سخطه محسنًا ... فكيف يكون إذا ما رضي؟! لما كانت الصلاة صلة بين العبد وربه، ومناجاة تظهر فيها آثارُ تَجَلِّيه لقلوب العارفين وقربه، شرع قبل الدخول فيها الطهارة، فإنَّه لا يصلح للوقوف بين يدي الله والخلوة بمناجاته إلا طاهر، فأما المتلوث بالأوساخ الظاهرة والباطنة فلا يصلح للقرب، فشرع الله للمُصلي غسل أعضائه بالماء، ورتب عليها طهارة الذنوب وتكفيرها، حتى يجتمع لمن يريد المناجاة طهارة ظاهره وباطنه، ثم شرع المشي إِلَى المساجد. وفيه أيضاً: تكفير الخطايا حتى تكمل طهارة الذنوب إن بقى منها شيء بعد الوضوء، حتى لا يقف العبد في مقام المناجاة إلا بعد كمال طهارة ظاهره وباطنه من درن الأوساخ والذنوب. ولهذا شرع له تجديد التوبة والاستغفار عقب كل وضوء حتى تكمل طهارة ذنوبه كما خرَّج النسائي (١) من حديث أبي سعيد مرفوعًا وموقوفًا: "من توضأ فأسبغ الوضوء، ثم قال عند فراغه من وضوئه: سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك خُتم عليها بخاتم، فوضعت تحت العرش فلم يكسر إِلَى يوم القيامة". ومتى اجتهد العبد عَلَى تكميل طهارته ومشيه إِلَى المسجد ولم يقوَ ذلك عَلَى تكفير ذنوبه فإن الصلاة يكمل بها التكفير، كما في الصحيحين (٢) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "أرأيتم لو أنَّ نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ " قالوا: لا ييقى من درنه شيء. قال: "فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهنّ الخطايا". وإن قويَ الوضوء وحده عَلَى تكفير الخطايا فالمشي إِلَى المسجد والصلاة بعده

стр. 27

تكون زيادة حسنات، وهذا هو المراد بقول النبي ﷺ في حديث عثمان والصنابحي: " ... وكان مشيه إِلَى المسجد وصلاته نافلة"، وقد سبق ذكر الحديثين. واعلم أن جمهور العُلَمَاء عَلَى أن هذه الأسباب كلها إِنَّمَا تكفر الصغائر دون الكبائر، وقد استدل بذلك عطاء وغيره من السَّلف في الوضوء. وقال سلمان الفارسي ﵁: الوضوء يكفر الجراحات الصغار، والمشي إِلَى المسجد يكفر (أكثر) (*) من ذلك، والصلاة تكفر (أكثر) (*) من ذلك. خرَّجه محمد بن نصر المروزي. ويدل عَلَى أن الكبائر لا تكفر بذلك ما في "الصحيحين" (١) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "الصلوات الخمس، والجمعة إِلَى الجمعة، ورمضان إِلَى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر". وفي "صحيح مسلم" (٢) عن عثمان عن النبي ﷺ قال: "ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها وسجودها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة وذلك الدهر كله". فانظر إِلَى كم تُيَسَّرُ لك أسباب تكفير الخطايا لعلك تطهر منها قبل الموت فتلقاه طاهرًا، فتصلح لمجاورته في دار السلام، وأنت تأبى إلا أن تموت عَلَى خبث الذنوب فتحتاج إِلَى تطهيرها في كير جهنم. يا هذا! أما علمت أنَّه لا يصلح لقربنا إلا طاهر؟! فإن أردت قربنا ومناجاتنا اليوم فطهِّر ظاهرك وباطنك لتصلح لذلك، وإن أردت قربنا ومجاورتنا غدًا فطهر قلبك من سوانا لتصلح لمجاورتنا ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ

стр. 28

أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩]، القلب السليم الَّذِي ليس فيه غير محبة الله، ومحبة ما يحبه الله، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، فما كل أحد يصلح لمجاورة الله تعالى غدًا، ولا كل أحد يصلح لمناجاة الله اليوم، ولا عَلَى كل الحالات تحسن المناجاة: الناس من الهوى عَلَى أصناف ... هذا نقض العهد وهنا وافي هيهات من الكدور تبغي الصافي ... ما يصلح للحضرة قلبٌ جافي ***

стр. 29

السبب الثالث من مكفرات الذنوب الجلوس في المساجد بعد الصلوات والمراد بهذا الجلوس انتظارُ صلاةٍ أخرى كما في حديث أبي هريرة: " ... وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط، فذلكم الرباط" (١) فجعل هذا من الرباط في سبيل الله ، وهذا أفضل من الجلوس قبل الصلاة لانتظارها فإن الجالس لانتظار الصلاة ليؤديها ثم يذهب تقصر مدة انتطاره، بخلاف من صلّى صلاة ثم جلس ينتظر أخرى فإن مدته تطول، فإن كان كلما صلّى صلاة جلس ينتظر ما بعدها فقد استغرق عمره بالطاعة، وكان ذلك بمنزلة الرباط في سبيل الله . وفي "المسند" (٢) وسنن ابن ماجه (٣) عن عبد الله بن عمرو قال: صلينا مع رسول الله ﷺ المغرب، فرجع من رجع، وعقب من عقب، فجاء رسول الله ﷺ مسرعًا قد حفزه النفس، قد حسر عن ركبيته فَقَالَ: "أبشروا! هذا ربكم قد فتح بابًا من أبواب السماء يباهي بكم الملائكة، يقول: أنظروا إِلَى عبادي قد قضوا فريضة وهم ينتظرون أخرى". وفي "المسند" (٤) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "منتظر الصلاة من بعد

стр. 30

الصلاة كفارس اشتدَّ به فرسه في سبيل الله عَلَى كشحه (١) تُصلِّي عليه ملائكة الله ما لم يحدث أو يقوم، وهو في الرباط الأكبر". ويدخل في قوله: "والجلوس في المساجد بعد الصلوات": الجلوس للذكر والقراءة وسماع العِلْم وتعليمه ونحو ذلك، لاسيما بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، فإنَّ النصوص قد وردت بفضل ذلك، وهو شبيه بمن جلس ينتظر صلاة أخرى؛ لأنّه قد قضى ما جاء إِلَى المسجد لأجله من الصلاة وجلس ينتظر طاعة أخرى. وفي "الصحيح" (٢) عن النبي ﷺ قال: "وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده". وأما الجالس قبل الصلاة في المسجد لانتظار تلك الصلاة خاصة فهو في صلاة حتى يصلي، وفي "الصحيحين" (٣) عن أنس عن النبي ﷺ أنَّه لما أخر صلاة العشاء الآخرة ثم خرج فصلى بهم: قال لهم: "إنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة". وفيهما أيضاً (٤) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "الملائكة تصلي عَلَى أحدكم ما دام في مصلاه ما لم يحدث: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه. ولا يزال أحدكم في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه، لا يمنعه أن ينقلب إِلَى أهله إلا الصلاة". وفي رواية لمسلم (٥): "ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث فيه". وهذا يدل عَلَى أن المراد بالحدث: حدث اللسان ونحوه من الأذى، وفسره

стр. 31

أبو هريرة بحدث الفرج، وقيل: إنه يشمل الحدثين. وفي "المسند" (١) عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: "القاعد يرعى الصلاة كالقانت، ويكتب من المصلين من حين يخرج من بيته حتى يرجع إِلَيْهِ". وفي رواية له (٢): "فَإِذَا صلّى في المسجد ثم قَعد فيه كان كالصائم القانت حتى يرجع". وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة. وبالجملة فالجلوس في المسجد للطاعات له فضلٌ عظيمٌ، وفي حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا يوطِّنُ رجلٌ المساجد للصلاة والذكر إلا تبشبش الله به كما يتبشبش أهل الغائب إذا قَدِمَ عليهم غائبهم" (٣). وروى درّاج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: "من ألف المسجد ألفه الله" (٤). وقال سعيد بن المسيب: من جلس في المسجد فإنما يجالس الله . وصح عن النبي ﷺ أنَّه عدَّ من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: "رجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إِلَيْهِ" (٥). وإنَّما كان ملازمة المسجد للطاعات مكفرًا للذنوب لأنّ فيه مجاهدة النفس، وكفًا لها عن أهوائها فإنها لا تميل إلا إِلَى الانتشار في الأرض لابتغاء الكسب أو لمجالسة الناس لمحادثتهم أو للتنزه في الدور الأنيقة والمساكن الحسنة ومواطن النَّزه ونحو ذلك، فمن حبس نفسه في المساجد عَلَى الطاعة فهو مرابط لها في سبيل الله، مخالف لهواها وذلك من أفضل أنواع الصبر والجهاد.

стр. 32

وهذا الجنس -أعني ما يؤلم النفس ويخالف هواها- فيه كفارة للذنوب وإن كان لا صنع فيه للعبد كالمرض ونحوه، فكيف بما كان حاصلا عن فعل العبد واختياره إذا قصد به التقرب إِلَى الله ؟! فإن هذا من نوع الجهاد في سبيل الله الَّذِي يقتضي تكفير الذنوب كلها. ولهذا المعنى كان المشيُ إِلَى المساجد كفارة للذنوب أيضًا، وهو نوع من الجهاد في سبيل الله أيضاً، كما خرّجه الطبراني (١) من حديث أبي أمامة عن النبي ﷺ : "الغدو والرَّواح إِلَى المساجد من الجهاد في سبيل الله". كان زياد مولى ابن عباس أحد العباد الصالحين، وكان يلازم مسجد المدينة، فسمعوه يومًا يعاتب نفسه ويقول لها: "أين تريدين أن تذهبي؟! إِلَى أحسن من هذا المسجد!! تريدين أن تُبصري دار فلان ودار فلان". لما كانت المساجد في الأرض بيوت الله أضافها الله إِلَى نفسه تشريفًا لها، وتعلّقت قلوب المحبين لله بها، لنسبتها إِلَى محبوبهم، وارتاحوا إِلَى ملازمتها لإظهار ذكره فيها ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧]. أين يذهب المحبون عن بيوت مولاهم؟! قلوبُ المحبين ببيوت محبوبهم متعلقة، وأقدام العابدين إِلَى بيوت معبودهم مترددة: يا حبّذا العرعرُ النجدي والبان ... ودارُ قومٍ بأكناف الحِمى بانوا وأطيبُ الأرض ما للقلبِ فيه هوى ... سَمُّ الخَياط مع المحبوبِ ميدانُ لا يُذكرُ الرَّملُ إلا حَنَّ مُغتربٌ ... له بذي الرمل أوطارٌ وأوطانُ يهفو إلى البان من قلبي نوازعُه ... وما بيَ البانُ بل مَن دارهُ البانُ

стр. 33

الفصل الثاني في ذكر الدرجات المذكورة في حديث معاذ وهي ثلاث درجات: أحدها: إطعام الطعام، وقد جعله الله في كتابه من الأسباب الموجبة للجنة ونعيمها، قال الله : ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢) مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (١٣) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾ إِلَى قوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾. [الإنسان: ٨ - ٢٥] فوصف فاكهتهم وشرابهم جزاء لإطعامهم الطعام. وفي "الترمذي" (١) من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: "أيما مؤمن أطعم مؤمنًا عَلَى جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، ومن سقى مؤمنًا عَلَى ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم". وفي "المسند" (٢) و"الترمذي" (٣) عن علي عن النبي ﷺ قال: "إن في

стр. 34

الجنة غرفًا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها. قالوا: لمن هي يا رسول الله؟. قال: "لمن أطعم الطعام، وأطاب الكلام، وصلى بالليل والناس نيام". وفي حديث عبد الله بن سلام الَّذِي خرّجه "أهل السنن" (١) أنَّه سمع النبي ﷺ أول قدومه المدينة يقول: "أيها الناس! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام". وفي حديث عبادة عن النبي ﷺ أنَّه سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله وجهاد في سبيله وحج مبرور، وأهون من ذلك: إطعام الطعام، ولين الكلام" خرجه الإمام أحمد (٢). وفي حديث هانئ بن يزيد أن رجلاً قال: يا رسول الله! دُلني عَلَى عمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار؟. قال: "تطعم الطعام، وتفشي السلام" (٣). وفي حديث حذيفة عن النبي ﷺ قال: "من ختم له بإطعام مسكين دخل الجنة" (٤). وفي الصحيحين (٥) من حديث عبد الله بن عمرو أن رجلاً قال: يا رسول الله! أي الإسلام خير؟.

стр. 35

قال: "تطعم الطعام، وتقرئ السلام عَلَى من عرفت ومن لم تعرف". وفي حديث صهيب عن النبي ﷺ قال: "خيركم من أطعم الطعام" خرجه الإمام أحمد (١). فإطعام الطعام يوجب دخول الجنة، ويباعد من النار وينجي منها كما قال تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١١ - ١٦]. وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : "اتقوا النار ولو بشق تمرة" (٢). وكان أبو موسى الأشعري يقول لولده: اذكروا صاحب الرغيف. ثم ذكر أن رجلاً من بني إسرائيل عبد الله سبعين سنة، ثم إن الشيطان حسَّن في عينيه امرأة فأقام معها سبعة أيام، ثم خرج هاربًا فأقام مع مساكين فتصدق عليه برغيف كان بعض أولئك المساكين (يريده) (*)، فآثره به ثم مات، فوُزنت عبادته بالسبعة أيام التي مع المرأة فرجحت الأيام السبعة بعبادته، ثم وزن الرغيف بالسبعة الأيام فرجح بها (٣). ويتأكد إطعام الطعام للجائع وللجيران خصوصًا، وفي "الصحيح" (٤) عن أبي موسى الأشعرى عن النبي ﷺ قال: "أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكوا العاني" (٥). وفي "صحيح مسلم" (٦) عن أبي ذر عن النبي ﷺ قال له: "يا أبا ذر! إذا طبخت مرقةً فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك".

стр. 36

وفي المسند" (١) و "صحيح الحاكم" (٢) عن [ابن] عمر عن النبي ﷺ قال: "أيما أهل عَرْصةٍ (٣) أصبح فيهم امرؤ جائعًا فقد برئت منهم ذمة الله ". وقال ﷺ : "لا يشبع المؤمن دون جاره" (٤). وفي "صحيح الحاكم" (٥) عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "ليس بالمؤمن الَّذِي يشبع وجاره جائع". وفي رواية: "ما آمن من بات شبعانًا، وجاره طاويًا" (٦). فأفضل أنواع إطعام الطعام: الإيثار مع الحاجة كما وصف الله تعالى بذلك الأنصار ﵃ فَقَالَ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]، وقد صحَّ أن سبب نزولها أن رجلاً منهم أخذ ضيفًا من عند النبي ﷺ يضيفه، فلم يجد عنده إلا قوت صبيانه، فاحتال هو وامرأته حتى نوّما صبيانهما، وقام إِلَى السراج كأنه يصلحه فأطفأه، ثم جلس مع الضيف يريه أنَّه يأكل معه ولم يأكل، فلما غدا عَلَى رسول الله ﷺ قال له: "عجب الله من

стр. 37

صنيعكما الليلة". ونزلت هذه الآية (١). وكان كثير من السَّلف يؤثر بفطوره غيره وهو صائم ويصبح صائما، منهم: عبد الله بن عمر ﵄ وداود الطائي، وعبد العزيز بن سليمان، ومالك بن دينار، وأحمد بن حنبل وغيرهم. وكان ابن عمر لا يفطر إلا مع اليتامى والمساكين، وربما علم أن أهله قد ردوهم عنه فلم يفطر في تلك الليلة. ومنهم من كان لا يأكل إلا مع ضيف له، قال أبو السوار العدوي: كان رجال من بني عدي يصلون في هذا المسجد، ما أفطر أحد منهم عَلَى طعام قط وحده، إن وجد من يأكل معه أكل، وإلا أخرج طعامه إِلَى المسجد (فأكله) (*) مع الناس، وأكل الناس معه. وكان منهم من يطعم إخوانه الطعام وهو صائم، ويجلس يخدمهم ويروحهم، منهم الحسن وابن المبارك، وكان ابن المبارك ربما يشتهي الشيء فلا يصنعه إلا لضيف ينزل به فيأكله مع ضيفه. وكان كثير منهم يفضل إطعام الإخوان عَلَى الصدقة عَلَى المساكين. وقد رُوي هذا المعنى مرفوعًا من حديث أنس بإسناد ضعيف، ولاسيما إن كان الإخوان لا يجدون مثل ذلك الطعام. كان بعضهم يعمل الأطعمة الفاخرة ثم يطعمها إخوانه الفقراء، ويقول: إنهم لا يجدونها. ومنهم من يقول: إني لا أشتهيه، وإنَّما صنعته لأجلكم. وبعضهم اتخذ حلاوة فأطعمها المعتوه، فَقَالَ له أهله: إن هذا لا يدري!. فَقَالَ: لكن الله يدري. واشتهى الربيع بن خثيم حلواء فلما صنعت له دعا بالفقراء فأكلوا، فَقَالَ له أهله: أتعبتنا ولم تأكل!. فَقَالَ: ومن أكله غيري!

стр. 38

وقال آخر منهم -وجرى له نحو من ذلك:- إذا أكلته كان في الحش، وإذا أطعمته كان عند الله مذخورًا. ورُوي عن علي قال: لأنّ أجمع أناسًا من إخواني عَلَى صاع من طعام، أَحَبّ إِلَيَّ من أن أدخل سوقكم هذا فأبتاع نسمة فأعتقها. وعن أبي جعفر محمد بن علي قال: لأنّ أدعو عشرةً من أصحابى فأطعمهم طعامًا يشتهونه أَحَبّ إِلَيَّ من أن أعتق عشرة من ولد إسماعيل. أأصف الإيثار لمن يبخل بأداء الحقوق الواجبة عليه؟! أأطلب الشجاعة من الجبان، وأستشهد عَلَى رؤية الهلال من هو من جملة العميان؟! كم بين من قيل فيه: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ﴾ [التوبة: ٧٦] وبين من قيل فيه: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩].؟! كم بيننا وبين القوم كما بين اليقظة والنوم. لا تعرضن لذكرنا في ذكرهم ... ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد فيا من يطمع في علو الدرجات من غير عمل صالح هيهات هيهات! ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١]. نزلوا بمكة في قبائل هاشم ... ونزلت بالبيداء أبعد منزل (الثاني من الدرجات): لين الكلام، وفي رواية: "إفشاء السلام". وهو داخل في لين الكلام، وقد قال الله : ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٤، ٣٥]، وقال تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، ولما قال النبي ﷺ . "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" قالوا له: وما الحج المبرور يا

стр. 39

رسول الله؟ قال: "إطعام الطعام، ولين الكلام". خرّجه الإمام أحمد (١)، وقد تقدّم في ذكر إطعام الطعام أحاديث أُخر في طيب الكلام. وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : "والكلمة الطيبة صدقة" (٢). وفيه أيضًا: "اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة" (٣). وأما إفشاء السلام فمن موجبات الجنة، وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة (٤) عن النبي ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم عَلَى شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟! أفشوا السلام بينكم". وخرَّج أبو داود من حديث أبي أمامة (٥) عن النبي ﷺ قال: "إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام". ويروى من حديث ابن مسعود مرفوعًا (٦) وموقوفًا (٧): "إذا مر الرجل بالقوم فسلّم عليهم فردوا عليه كان له عليهم فضل درجة لأنّه ذكرهم بالسلام، وإن لم يردوا عليه رد عليه ملأ خير منهم وأطيب". وقد رُوي من حديث عمران بن حصين وغيره أن رجلاً دخل عَلَى النبي ﷺ فَقَالَ: السلام عليكم. فَقَالَ النبي ﷺ : "عشر"، ثم جاء آخر فَقَالَ: السلام عليكم ورحمة الله. فَقَالَ رسول الله ﷺ "عشرون"، ثم جاء

стр. 40

آخر فَقَالَ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فَقَالَ رسول الله: "ثلاثون". خرجه الترمذي (١) وغيره (٢). وخرّجه أبو داود (٣). وزاد: ثم جاء آخر فَقَالَ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته. قال النبي ﷺ : "أربعون" ثم قال: "هكذا تكون الفضائل" (٤). وقد سبق حديث: "أن تقرأ السلام عَلَى من عرفت ومن لم تعرف". وفي حديث ابن مسعود مرفوعًا: "من أشراط الساعة: السلام بالمعرفة. خرَّجه الإمام أحمد (٥). وإنَّما جمع بين إطعام الطعام ولين الكلام ليكمل بذلك الإحسان إِلَى الخلق بالقول والفعل، فلا يتم الإحسان بإطعام الطعام إلا بلين الكلام وإفشاء السلام، فإن أساء بالقول بطل الإحسان بالفعل من الإطعام وغيره كما قاله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]، وربما كان معاملة النَّاس بالقول الحسن أَحَبّ إليهم من الإحسان بإعطاء المال كما قال لقمان لابنه: يا بني! لتكن كلمتك طيبة، ووجهك منبسطا، تكن أَحَبّ إِلَى الناس ممن يعطيهم الذهب والفضة. وقد كان النبي ﷺ يلين القول لمن يشهد له بالشر فينتفي بذلك شره، وكان ﷺ لا يواجه أحدًا بما يكره في وجهه، ولم يكن ﷺ فحاشًا ولا متفحشًا. ورُوي عن ابن عمر أنَّه كان ينشد: بني إن البر شيء هين ... وجه طليق وكلام لين
следующие страницы →