← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 151146

اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى - ضمن مجموع رسائل ابن رجب

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (87 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وفي المسند" (١) و "صحيح الحاكم" (٢) عن [ابن] عمر عن النبي ﷺ قال: "أيما أهل عَرْصةٍ (٣) أصبح فيهم امرؤ جائعًا فقد برئت منهم ذمة الله ". وقال ﷺ : "لا يشبع المؤمن دون جاره" (٤). وفي "صحيح الحاكم" (٥) عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "ليس بالمؤمن الَّذِي يشبع وجاره جائع". وفي رواية: "ما آمن من بات شبعانًا، وجاره طاويًا" (٦). فأفضل أنواع إطعام الطعام: الإيثار مع الحاجة كما وصف الله تعالى بذلك الأنصار ﵃ فَقَالَ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]، وقد صحَّ أن سبب نزولها أن رجلاً منهم أخذ ضيفًا من عند النبي ﷺ يضيفه، فلم يجد عنده إلا قوت صبيانه، فاحتال هو وامرأته حتى نوّما صبيانهما، وقام إِلَى السراج كأنه يصلحه فأطفأه، ثم جلس مع الضيف يريه أنَّه يأكل معه ولم يأكل، فلما غدا عَلَى رسول الله ﷺ قال له: "عجب الله من

стр. 37

صنيعكما الليلة". ونزلت هذه الآية (١). وكان كثير من السَّلف يؤثر بفطوره غيره وهو صائم ويصبح صائما، منهم: عبد الله بن عمر ﵄ وداود الطائي، وعبد العزيز بن سليمان، ومالك بن دينار، وأحمد بن حنبل وغيرهم. وكان ابن عمر لا يفطر إلا مع اليتامى والمساكين، وربما علم أن أهله قد ردوهم عنه فلم يفطر في تلك الليلة. ومنهم من كان لا يأكل إلا مع ضيف له، قال أبو السوار العدوي: كان رجال من بني عدي يصلون في هذا المسجد، ما أفطر أحد منهم عَلَى طعام قط وحده، إن وجد من يأكل معه أكل، وإلا أخرج طعامه إِلَى المسجد (فأكله) (*) مع الناس، وأكل الناس معه. وكان منهم من يطعم إخوانه الطعام وهو صائم، ويجلس يخدمهم ويروحهم، منهم الحسن وابن المبارك، وكان ابن المبارك ربما يشتهي الشيء فلا يصنعه إلا لضيف ينزل به فيأكله مع ضيفه. وكان كثير منهم يفضل إطعام الإخوان عَلَى الصدقة عَلَى المساكين. وقد رُوي هذا المعنى مرفوعًا من حديث أنس بإسناد ضعيف، ولاسيما إن كان الإخوان لا يجدون مثل ذلك الطعام. كان بعضهم يعمل الأطعمة الفاخرة ثم يطعمها إخوانه الفقراء، ويقول: إنهم لا يجدونها. ومنهم من يقول: إني لا أشتهيه، وإنَّما صنعته لأجلكم. وبعضهم اتخذ حلاوة فأطعمها المعتوه، فَقَالَ له أهله: إن هذا لا يدري!. فَقَالَ: لكن الله يدري. واشتهى الربيع بن خثيم حلواء فلما صنعت له دعا بالفقراء فأكلوا، فَقَالَ له أهله: أتعبتنا ولم تأكل!. فَقَالَ: ومن أكله غيري!

стр. 38

وقال آخر منهم -وجرى له نحو من ذلك:- إذا أكلته كان في الحش، وإذا أطعمته كان عند الله مذخورًا. ورُوي عن علي قال: لأنّ أجمع أناسًا من إخواني عَلَى صاع من طعام، أَحَبّ إِلَيَّ من أن أدخل سوقكم هذا فأبتاع نسمة فأعتقها. وعن أبي جعفر محمد بن علي قال: لأنّ أدعو عشرةً من أصحابى فأطعمهم طعامًا يشتهونه أَحَبّ إِلَيَّ من أن أعتق عشرة من ولد إسماعيل. أأصف الإيثار لمن يبخل بأداء الحقوق الواجبة عليه؟! أأطلب الشجاعة من الجبان، وأستشهد عَلَى رؤية الهلال من هو من جملة العميان؟! كم بين من قيل فيه: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ﴾ [التوبة: ٧٦] وبين من قيل فيه: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩].؟! كم بيننا وبين القوم كما بين اليقظة والنوم. لا تعرضن لذكرنا في ذكرهم ... ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد فيا من يطمع في علو الدرجات من غير عمل صالح هيهات هيهات! ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١]. نزلوا بمكة في قبائل هاشم ... ونزلت بالبيداء أبعد منزل (الثاني من الدرجات): لين الكلام، وفي رواية: "إفشاء السلام". وهو داخل في لين الكلام، وقد قال الله : ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٤، ٣٥]، وقال تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، ولما قال النبي ﷺ . "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" قالوا له: وما الحج المبرور يا

стр. 39

رسول الله؟ قال: "إطعام الطعام، ولين الكلام". خرّجه الإمام أحمد (١)، وقد تقدّم في ذكر إطعام الطعام أحاديث أُخر في طيب الكلام. وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : "والكلمة الطيبة صدقة" (٢). وفيه أيضًا: "اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة" (٣). وأما إفشاء السلام فمن موجبات الجنة، وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة (٤) عن النبي ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم عَلَى شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟! أفشوا السلام بينكم". وخرَّج أبو داود من حديث أبي أمامة (٥) عن النبي ﷺ قال: "إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام". ويروى من حديث ابن مسعود مرفوعًا (٦) وموقوفًا (٧): "إذا مر الرجل بالقوم فسلّم عليهم فردوا عليه كان له عليهم فضل درجة لأنّه ذكرهم بالسلام، وإن لم يردوا عليه رد عليه ملأ خير منهم وأطيب". وقد رُوي من حديث عمران بن حصين وغيره أن رجلاً دخل عَلَى النبي ﷺ فَقَالَ: السلام عليكم. فَقَالَ النبي ﷺ : "عشر"، ثم جاء آخر فَقَالَ: السلام عليكم ورحمة الله. فَقَالَ رسول الله ﷺ "عشرون"، ثم جاء

стр. 40

آخر فَقَالَ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فَقَالَ رسول الله: "ثلاثون". خرجه الترمذي (١) وغيره (٢). وخرّجه أبو داود (٣). وزاد: ثم جاء آخر فَقَالَ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته. قال النبي ﷺ : "أربعون" ثم قال: "هكذا تكون الفضائل" (٤). وقد سبق حديث: "أن تقرأ السلام عَلَى من عرفت ومن لم تعرف". وفي حديث ابن مسعود مرفوعًا: "من أشراط الساعة: السلام بالمعرفة. خرَّجه الإمام أحمد (٥). وإنَّما جمع بين إطعام الطعام ولين الكلام ليكمل بذلك الإحسان إِلَى الخلق بالقول والفعل، فلا يتم الإحسان بإطعام الطعام إلا بلين الكلام وإفشاء السلام، فإن أساء بالقول بطل الإحسان بالفعل من الإطعام وغيره كما قاله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]، وربما كان معاملة النَّاس بالقول الحسن أَحَبّ إليهم من الإحسان بإعطاء المال كما قال لقمان لابنه: يا بني! لتكن كلمتك طيبة، ووجهك منبسطا، تكن أَحَبّ إِلَى الناس ممن يعطيهم الذهب والفضة. وقد كان النبي ﷺ يلين القول لمن يشهد له بالشر فينتفي بذلك شره، وكان ﷺ لا يواجه أحدًا بما يكره في وجهه، ولم يكن ﷺ فحاشًا ولا متفحشًا. ورُوي عن ابن عمر أنَّه كان ينشد: بني إن البر شيء هين ... وجه طليق وكلام لين

стр. 41

ولبعضهم: خذ العفو وأمر بعرف كما ... أمرت وأعرض عن الجاهلين ولن في الكلام لكل الأنام ... فمستحسن من ذوي الجاه لين وقد وصف الله في كتابه أهل الجنة بمعاملة الخلق بالإحسان بالمال واحتمال الأذى، فَقَالَ تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣، ١٣٤] فالإنفاق في السراء والضراء يقتضي غاية الإحسان بالمال من الكثرة والقلة، وكظم الغيظ والعفو عن الناس يقتضي عدم المقابلة عَلَى السوء بمثله من قول وفعل، وذلك يتضمن إلانة القول، واجتناب الفحش والإغلاظ في المقال ولو كان مباحًا، وهذا نهاية الإحسان، فلهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. ومن هذا قول بعضهم وقد سئل عن حسن الخلق، فَقَالَ: بذل الندى (١) وكف الأذى. وهذا الوصف المذكور في القرآن أكملُ من هذا، لأنّه وصفهم ببذل الندى، واحتمال الأذى. وحُسن الخُلُق يبلغ به العبد درجات المجتهدين في العبادة، كما قال النبي ﷺ : "إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم النهار، القائم الليل" (٢). ورؤي بعض السَّلف في المنام فسئل عن بعض إخوانه الصالحين، فَقَالَ: وأين ذلك؟ رُفع في الجنة بحُسن الخلق. ومما يندب إِلَى إلانة القول فيه: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يكون برفق كما قال تعالى في حق الكفار: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]

стр. 42

قال بعض السَّلف: ما أغضبت أحدًا فقبل منك. وكان أصحاب ابن مسعود إذا رأوا قومًا عَلَى ما يُكره يَقُولُونَ لهم: مهلاً مهلاً بارك الله فيكم. ورأى بعض التابعين رجلاً واقفًا مع امرأة فَقَالَ لهما: إن الله يراكما، سترنا الله وإياكما. ودُعي الحسن إِلَى دعوة، فجيء بآنية فضة فيها حلواء، فأخذ الحسن الحلواء فقلبها عَلَى رغيف وأكل منها، فَقَالَ بعض من حضر: هنا نهيٌ في سكون. ورأى الفُضيل رجلاً يعبث في صلاته فزبره، فقال له الرجل: يا هذا! ينبغي لمن يقوم لله أن يكون ذليلاً. فبكى الفضيل، وقال له: صدقت. قال شعب بن حرب: ربما مرَّ سفيان الثوري بقوم يلعبون الشطرنج، فيقول: ما يصنع هؤلاء؟ فيقال له: يا أبا عبد الله ينظرون في كتاب. فيُطأطئ رأسه ويمضي، وإنَّما يريد بذلك ليُعلم أنه قد أنكر. وقال سفيان: لا يأمرُ بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا من كان فيه خصال ثلاث: رفيق بما يأمر، رفيق بما ينهى، عدل بما يأمر، عدل بما ينهى، عالم بما يأمر، عالم بما ينهى. وقال الإمام أحمد: الناس يحتاجون إِلَى مداراة ورفق في الأمر بالمعروف بلا غلظة إلا رجلاً معلنًا بالفسق فإنَّه لا حرمة له. وكان كثير من السَّلف لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا سرًّا فيما بينه وبين من يأمره وينهاه. وقالت أم الدرداء: من وعظ أخاه سرًّا فقد زانه، ومن وعظه علانية فقد شأنه (١). وكذلك مقابلة الأذى بإلانة القول كما قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤]، وقال تعالى: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾

стр. 43

[الرعد: ٢٢]، قال بعض السَّلف: هو الرجل يسبه الرجل فيقول له: إن كنت صادقًا فغفر الله لي، وإن كنت كاذبًا فغفر الله لك. قال رجل لسالم بن عبد الله وقد زحمت راحلتُه راحلتَه في سفر: ما أراك إلا رجل سوء. فَقَالَ له سالم: ما أراك أبعدت. وقالت امرأة لمالك بن دينار: يا مُرائي!. قال: متى عرفت اسمي؟! ما عرفه أحدٌ من أهل البصرة غيرك. ومرَّ بعضهم عليَّ صبيان يلعبون بجوزٍ، فوطئ عَلَى بعض الجوز بغير اختياره فكسره، فَقَالَ له الصبي: يا شيخ النار! فجلس الشيخ يبكي ويقول: ما عرفني غيره. ومرَّ بعضهم مع أصحابه في طريق فرموا عليهم رمادًا، فَقَالَ الشيخ لأصحابه: من يستحق النار فصالحوه عَلَى الرماد؟! يعني فهو رابح. ورأى جندي إبراهيم بن أدهم خارج البلد فسأله عن العمران، فأشار له إِلَى القبور، فضرب رأسه ومضى، فقِيلَ لَهُ إنه إبراهيم بن أدهم! فرجع يعتذر إِلَيْهِ، فَقَالَ له إبراهيم: الرأس الَّذِي يحتاج إِلَى اعتذارك تركته ببلخ. ومرَّ به جندي آخر وهو ينظر بستانًا لقوم بأجرة، فسأله أن يناوله شيئًا فلم يفعل وقال: إن أصحابه لم يأذنوا لي في ذلك. فضرب رأسه، فجعل إبراهيم يُطأطئ رأسه وهو يقول: اضرب رأسًا طالما عصى الله (١). من أجلك قد جعلت خدي أرضًا ... للشامت والحسود حتى ترضى

стр. 44

(الثالث من الدرجات): الصلاة بالليل والناس نيام، فالصلاة بالليل من موجبات الجنة كما سبق ذكره في غير حديث، وقد دلّ عليه قول الله : ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٥ - ١٩]، فوصفهم بالتيقظ بالليل، والاستغفار بالأسحار، وبالإنفاق من أموالهم. وكان بعض السَّلف نائمًا فأتاه آتٍ في منامه فَقَالَ له: قم فصلِّ، أما علمت أن مفاتيح الجنة مع أصحاب الليل، هم خُزّانها هم خُزّانها. وقيام الليل يوجب علو الدرجات في الجنة، قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، فجعل جزاءه عَلَى التهجد بالقرآن بالليل أن يبعثه المقام المحمود، وهو أعلى درجاته ﷺ . قال عون بن عبد الله: يدخل الله الجنة أقوامًا فيعطيهم حتى يملوا، وفوقهم ناس في الدرجات العلى، فلما نظروا إليهم عرفوهم، فقالوا: ربنا إخواننا كنا معهم، فبم فضلتهم علينا؟ فيقول: هيهات هيهات! إنهم كانوا يجوعون حين تشبعون، ويظمئون حين تروون، ويقومون حين تنامون، ويشخصون حين تخفضون". ويوجب أيضاً من نعيم الجنة ما لم يطلع عليه العباد في الدُّنْيَا، قال الله : ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦، ١٧]. وفي "الصحيح" (١) عن النبي ﷺ قال: يقول الله : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر عَلَى قلب بشر. اقرءوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا

стр. 45

يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]. قال بعض السَّلف: أخفوا لله العمل فأخفى الله لهم الجزاء، فلو قدموا عليه لأقر تلك الأعين عنده. ومما يجزي به المتهجدين في الليل: كثرة الأزواج من الحور العين في الجنة، فإن المتهجد قد ترك لذة النوم ولذة التمتع بأزواجه طلبًا لما عند الله ، فعوضه الله تعالى خيرًا مما تركه وهو الحور العين في الجنة، ومن هنا قال بعضهم: طول التهجد مهور الحور العين في الجنة. وكان بعض السَّلف يحيى الليل بالصلاة ففتر عن ذلك، فأتاه آتٍ في منامه فَقَالَ له: قد كنت يا فلان تدأب في الخطبة، فما الَّذِي قصر بك عن ذلك؟. قال: وما ذلك؟. قال: كنت تقوم من الليل، أو ما علمت أن المتهجد إذا قام إِلَى التهجد قالت الملائكة: قد قام الخاطب إِلَى خطبته؟! ورأى بعضهم في منامه امرأة لا تشبه نساء الدُّنْيَا فَقَالَ لها: من أنت؟ قالت: حوراء أمة الله. فَقَالَ لها: زوجيني نفسك. قالت: اخطبني إِلَى سيدي وأمهرني. قال: وما مهرك؟. قالت: طولُ التهجد. نام بعض المتهجدين ذات ليلة فرأى في منامه حوراء تنشد: أتخطب مثلي وعني تنام ... ونوم المحبين عنا حرام لأنا خلقنا لكل امرئ ... كثير الصلاة براه (١) الصيام وكان لبعض السَّلف ورد من الليل فنام عنه ليلة، فرأى في منامه جارية كأنّ وجهها القمرُ ومعها رق فيه كتاب مكتوب، فقالت: اتقرأ؟ قال: نعم. فأعطته إياه ففتحه فإذا فيه مكتوب: أألهتك لذة نومة عن خير عيش ... مع الخيرات في غُرف الجنان تعيش مخلدًا لا موت فيه ... وتنعم في الجنان مع الحسان

стр. 46

تيقظ من منامك إن خيرًا ... من النوم التهجد بالقران فاستيقظ، قال: فوالله ما ذكرتها إلا ذهب عني النوم. كان بعض الصالحين له وردٌ فنام عنه، فوقف عليه فتى في منامه فَقَالَ له بصوت محزون: تيقظ لساعات من الليل يا فتى ... لعلك تحظى في الجنان بحورها فتنعم في دار يدوم نعيمها ... محمد فيها والخليل يزورها فقم فتيقظ ساعة بعد ساعة ... عساك تُوفِّي ما بقى من مهورها كان بعض السَّلف الصالحين كثير التعبد، وبكى شوقًا إِلَى الله ستين سنة، فرأى في منامه كأنه عَلَى ضفة نهر يجري بالمسك، حافتاه شجر لؤلؤ ونبتٌ من قضبان الذهب، فإذا بجوار مزينات يقلن بصوت واحد: ذرانا إله الناس رب محمد ... لقوم عَلَى الأقدار بالليل قُوَّم يناجون رب العالمين إلههم ... وتسري هموم القوم والناس نُوَّم فَقَالَ: بخ بخ لهؤلاء! من هم؟ لقد أقر الله أعينهم بكن. فقلن: أوما تعرفهم؟ قال: لا. فقلن: بلى هؤلاء المتهجدون أصحاب القرآن والسهر. وكان بعض الصالحين ربما نام في تهجده فتوقظه الحوراء في منامه فيستيقظ بإيقاظها. ورُوي عن أبي سليمان الداراني أنَّه قال: ذهب بي النوم ذات ليلة في صلاتي، فإذا بها -يعني: الحوراء- تنبهني وتقول: يا أبا سليمان! أترقد وأنا أربى لك في الخدور منذ خمسمائة عام؟!. وفي رواية عنه أنَّه نام ليلة في سجوده قال: فإذا بها قد ركضتني برجلها وقالت: حبيبي أترقد عيناك والملك يقظان ينظر إِلَى المتهجدين في

стр. 47

تهجدهم؟ بؤسًا لعين آثرت لذة نوم عَلَى مناجاة العزيز، قم فقد دنا الفراغ، ولقي المحبون بعضهم بعضا، فما هذا الرقاد يا حبيبي وقرة عيني؟ أترقد عيناك وأنا أربى لك في الخدور منذ خمسمائة عام؟. فوثب فزعًا وقد عرق من توبيخها له، قال: وإن حلاوة منطقها لفي سمعي وقلبي (١). وكان أبو سليمان يقول: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدُّنْيَا. وقال يزيد الرقاشي لحبيب العجمي: ما أعلم شيئًا أقر لعيون العابدين في الدُّنْيَا من التهجد في ظلمة الليل، وما أعلم شيئًا من نعيم الجنان وسرورها ألذَّ عند العابدين ولا أقرّ لعيونهم من النظر إِلَى ذي الكبرياء العظيم إذا رفعت تلك الحجب وتجلّى لهم الكريم. فصاح حبيب عند ذلك وخرَّ مغشيًّا عليه. وكان السري يقول: رأيت الفوائد ترد في ظلام الليل. وقال أبو -سليمان-: إذا جنَّ الليل وخلا كل حبيب بحبيبه، افترش أهل المحبة أقدامهم، وجرت دموعهم عَلَى خدودهم، أشرف الجليل ﷻ فنادى؟ يا جبريل! بعيني من تلذذ بكلامي، واستروح إِلَى مناجاتي، ناد فيهم يا جبريل: ما هذا البكاء؟! هل رأيتم حبيبا يعذب أحبَّاءه؟ أم كيف يجمل بي أن أعذب قومًا إذا جنَّهم الليل تلمقوني؟ فبي حلفت إذا قدموا عليّ يوم القيامة لأكشفنَّ لهم عن وجهي الكريم ينظرون إليّ وأنظر إليهم (٢). وسئل الحسن: لم كان المتهجدون أحسن الناس وجوهًا؟. قال: لإنهم خلوا بالرحمن فألبسهم نورًا من نوره.

стр. 48

رأت امرأة من الصالحات في منامها كأن حللا قد فرقت عَلَى أهل مسجد محمد بن جحادة، فلما انتهى الَّذِي يفرقها إِلَيْهِ دعا بسفط (١) مختوم فأخرج منه حلة صفراء، قالت: فلم يقم لها بصري، فكساه إياها، وقال: هذه لك بطول السهر. قالت: فوالله لقد كنت أراه -تعني: محمد بن جحادة- بعد ذلك فأتخايلها عليه- تعني تلك الحلة. قال كرز بن وبرة: بلغني أن كعبًا قال: إن الملائكة ينظرون من السماء إِلَى الذين (يتهجدون) (*) بالليل كما تنظرون أنتم إِلَى نجوم السماء. يا نفس فاز الصالحون بالتقى ... وأبصروا الحق وقلبي قد عمي يا حُسْنَهُم والليل قد جنهم ... ونورهم يفوق نور الأنجم ترنموا بالذكر في ليلهم ... فعيشهم قد طاب بالترنم قلوبهم للذكر قد تفرغت ... دموعهم كلؤلؤ منتظم أسحارهم بهم لهم قد أشرقت ... وخلع الغفران خير القِسَمِ في بعض الآثار يقول الله كل ليلة: يا جبريل أقم فلانًا وأنم فلانًا. قام بعض الصَّالحين في ليلة باردة، وكان عليه خلقان رثَّة فضربه البرد فبكى، فسمع هاتفًا يقول: أقمناك وأنمناهم، ثم تبكي علينا! تنبهوا أيا أهيل ودي ... كم ذا الكرى، هب نسيم نجد كم بين خال وجوٍّ وساهر ... وراقد وكاتم ومبدي قيل لابن مسعود: ما نستطيع قيام الليل. قال: أبعدتكم ذنوبكم. وقيل للحسن: أعجزنا قيام الليل.

стр. 49

قال: قيدتكم خطاياكم. إِنَّمَا يؤهل الملوك للخلوة بهم ومخاطبتهم من يخلص في ودادهم ومعاملتهم، فأما من كان من أهل مخالفتهم فلا يرضونه لذلك: الليل لي ولأحبابي أحادثهم ... قد اصطفيتهم كي يسمعوا ويعوا لهم قلوب بأسرار لها ملئت ... عَلَى ودادي وإرشادي لهم طبعوا قد أثمرت شجرات الفهم عندهم ... فما جَنَوْا إذ جَنَوْا مما به ارتفعوا سَرَوْا فما وهنوا عجزًا وما ضعفوا ... وواصلوا حبل تقريبي فما انقطعوا ***

стр. 50

الفصل الثالث في ذكر الدعوات المذكورة في هذا الحديث وهي: "اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحبَّ المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون، وأسألك حبك، وحب من يحبك، وحب العمل الَّذِي يبلغني حبك". فَقَالَ النبي ﷺ : "تعلموهن وادرسوهن فإنهن حق". هذا دعاء عظيم من أجمع الأدعية وأكملها، فقوله: "أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات"، يتضمن طلب كل خير وترك كل شر، فإن الخيرات تجمع كل ما يحبه الله تعالى ويقرب منه من الأعمال والأقوال من الواجبات والمستحبات، والمنكرات تشمل كل ما يكرهه الله تعالى ويباعد منه من الأقوال والأعمال، فمن حصل له هذا المطلوب حصل له خير الدُّنْيَا والآخرة. وقد كان النبي ﷺ يستحب مثل هذه الأدعية الجامعة، قالت عائشة: كان النبي ﷺ يعجبه الجوامع من الدعاء، ويدع ما بين ذلك. خرَّجه أبو داود (١). وقوله: "وحب المساكين"، هذا قد يُقال أنَّه من جملة فعل الخيرات، وأفرده بالذكر لشرفه وقوة الاهتمام به، كما أفرد أيضاً ذكر حب الله تعالى وحب من يحبه وحب عمل يبلغه إِلَى حبه، وذلك أصل فعل الخيرات كلها، وقد يقال أنَّه طلب من الله أن يرزقه أعمال الطاعات بالجوارح وترك المنكرات بالجوارح، وأن يرزقه ما يوجب له ذلك، وهو حبه وحب من يحبه وحب عمل يبلغه حبه، فهذه المحبة بالقلب موجبة لفعل الخيرات بالجوارح ولترك المنكرات بالجوارح، وسأل الله تعالى أن يرزقه المحبة فيه.

стр. 51

فقد تضمن هذا الدعاء سؤال حب الله وحب أحبابه وحب الأعمال التي تقرب من حبه والحب فيه، وذلك مقتض فعل الخيرات كلها. وتضمن ترك المنكرات والسلامة من الفتن، وذلك يتضمن اجتناب الشر كله، فجمع هذا الدعاء طلب خير الدُّنْيَا، وتضمن سؤال المغفرة والرحمة، وذلك يجمع خير الآخرة كله، فجمع هذا الدعاء خير الدُّنْيَا والآخرة. والمقصود أن حب المساكين أصل الحب في الله تعالى؛ لأنّ المساكين ليس عندهم من الدُّنْيَا ما يوجب محبتهم لأجله، فلا يحبون إلا لله ، والحب في الله من أوثق عرى الإيمان. ومن علامات ذوق حلاوة الإيمان، وهو صريح الإيمان، وهو أفضل الإيمان، وهذا كله مروي عن النبي ﷺ أنَّه وصف به الحب في الله تعالى (١).

стр. 52

ورُوي عن ابن عباس أنَّه قال: "به تنال ولاية الله، وبه يوجد طعم الإيمان" (١). وحب المساكين قد وصى به النبي ﷺ غير واحد من أصحابه، قال أبو ذر: أوصاني رسول الله ﷺ أن أَحَبّ المساكين، وأن أدنو منهم. خرَّجه الإمام أحمد (٢). وخرَّج الترمذي (٣) عن عائشة أن النبي ﷺ قال لها: "يا عائشة! أحبي المساكين وقرِّبيهم فإن الله يقربك يوم القيامة". ويروى أن داود ﵇ كان يجالس المساكين، ويقول: يا رب مسكين بين مساكين. ولم يزل السَّلف الصالح يوصون بحب المساكين، كتب سفيان الثوري إِلَى بعض إخوانه: "عليك بالفقراء والمساكين والدنو منهم، فإن رسول الله ﷺ كان يسأل ربه حب المساكين". وحب المساكين مستلزم لإخلاص العمل لله تعالى، والإخلاص هو أساس الأعمال الَّذِي لا تثبت الأعمال إلا عليه، فإن حب المساكين يقتضي إسداء النفع إليهم بما يمكن من منافع الدين والدنيا، فَإِذَا حصل إسداء النفع إليهم حبًّا لهم والإحسان إليهم كان هذا العمل خالصًا، وقد دلّ القرآن عَلَى ذلك، قال : ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٨ - ٩]، وقال : ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ

стр. 53

﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢]، وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٢٨]. قال سعد بن أبي وقاص: نزلت هذه الآية في ستة: فيَّ وفي ابن مسعود وصهيب وعمار والمقداد وبلال، قالت قريش لرسول الله ﷺ : إنا لا نرضى أن نكون أتباعًا لهم فاطردهم عنك. فأنزل الله : ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ الآية (١). وقال خباب بن الأرت في هذه الآية: جاء الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن فوجدوا رسول الله ﷺ مع صهيب وعمار وبلال وخباب قاعدًا في ناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول النبي ﷺ حقَّروهم، فأتوه فخلوا به، وقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وجوه العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبُد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنك، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت. قال: "نعم". قالوا: فاكتب لنا عليك كتابًا. قال: فدعا بصحيفة، ودعا عليًّا ليكتب ونحن قعود في ناحية فنزل جبريل ﵇ فَقَالَ: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ثم ذكر الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن فَقَالَ: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣] ثم قال: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] قال: فدنونا منه حتى وضعنا ركبنا عَلَى ركبتيه، وكان رسول الله ﷺ يجلس معنا فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزله الله : ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ وتجالس الأشراف ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [الكهف: ٢٨] يعني: عيينة والأقرع. قال خباب: فكنا نقعد مع النبي ﷺ فإذا

стр. 54

بلغنا الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم. خرجه ابن ماجه (١) وغيره (٢). وكان النبي ﷺ يعود المرضى من مساكين أهل الدينة ويشيِّع جنائزهم، "وكان لا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين حتى يقضي حاجتهما" (٣)، وعلى هذا الهدي كان أصحابه من بعده والتابعون لهم بإحسان. ورُوي عن أبي هريرة قال: كان جعفر بن أبي طالب يحب المساكين ويجلس إليهم، ويحدثهم ويحدثونه، وكان النبي ﷺ يكنيه: أبا المساكين (٤). وفي رواية: أنَّه كان يطعمهم، وربما أخرج لهم عكَّة (٥) العسل فشقوها ولعقوها (٦). وكانت زينب بنت خزيمة أم المؤمنين تسمى أم المساكين لكثرة إحسانها إليهم، وتوفيت في حياه النبي ﷺ . وقال ضرار بن مرة في وصف علي بن أبي طالب في أيام خلافته: كان

стр. 55

يُعظم أهل الدين، ويحب المساكين. ومرَّ ابنه الحسن عَلَى مساكين يأكلون، فدعوه فأجابهم وأكل معهم، وتلا: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: ٢٣] ثم دعاهم إِلَى منزله فأطعمهم وأكرمهم. وكان ابن عمر لا يأكل غالبًا إلا مع المساكين، ويقول: لعلَّ بعض هؤلاء أن يكون ملكًا يوم القيامة. وجاء مسكين أعمى إِلَى ابن مسعود -وقد ازدحم الناس عنده- فناداه: يا أبا عبد الرحمن! آويت أرياب الخزِّ واليمنية (١) وأقصيتني لأجل أني مسكين. فَقَالَ له: أدنه. فلم يزل يدنيه حتى أجلسه إِلَى جانبه أو بقربه. وكان مطرف بن عبد الله يلبس الثياب الحسنة ثم يأتي المساكين ويُجالسهم. وكان سفيان الثوري يعظم المساكين ويجفو أهل الدُّنْيَا، فكان الفقراء في مجلسه هم الأغنياء، والأغنياء هم الفقراء. وقال سليمان التيمي: كنا إذا طلبنا علية أصحابنا وجدناهم عند الفقراء والمساكين. وقال الفضيل: من أراد عز الآخرة فليكن مجلسه مع المساكين. ومن فضائل المساكين أنهم أكثر أهل الجنة كما قال النبي ﷺ : "قُمت عَلَى باب الجنة فإذا عامة من دخلها المساكين" (٢). وقال ﷺ : "تحاجت الجنة والنار، فقالت الجنة: لا يدخلني إلا الضعفاء والمساكين" (٣). وسئل النبي ﷺ عن أهل الجنة، فَقَالَ: "كل ضعيف متضعف" (٤).

стр. 56

وهم أول الناس دخولاً الجنة كما صحَّ عنه ﷺ : "أن الفقراء يسبقون الأغنياء إِلَى الجنة بأربعين عامًا" (١). وفي رواية: "أنهم يدخلون الجنة بنصف يوم، وهو خمسمائة سنة" (٢). وهم أول الناس إجازة عَلَى الصراط كما صحَّ عنه ﷺ أنَّه سئل: من أول الناس إجازة عَلَى الصراط؟. فَقَالَ: "فقراء المهاجرين" (٣). وهم أول الناس ورودًا الحوض كما قال ﷺ : "أول الناس ورودًا عليه: فقراء المهاجرين، [الدنس ثيابًا والشعث رؤوسًا] (٤)، الذين لا ينكحون المتنعمات، ولا تفتح لهم السدد (٥) " (٦). وهم أتباع الرسل كما أخبر الله تعالى عن نوح ﵇ أن قومه عيَّروه باتباع الضعفاء له فقالوا: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]، وكذلك قال هرقل لأبي سفيان لما سأله عن النبي ﷺ : وهل يتبعه أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟ فَقَالَ: بل ضعفاؤهم. قال هرقل: هم أتباع الرسل (٧).

стр. 57

وهم أفضل من الأغنياء عند كثير من العُلَمَاء أو أكثرهم، وقد دلَّ عَلَى ذلك أدلة كثيرة، منها قول النبي ﷺ حين مرَّ به الغني والمسكين في المسجد: "هذا - يعني: المسكين- خير من ملء الأرض من مثل هذا -يعني: الغني" وقد خرجه البخاري (١) وغيره (٢). ومنهم من لو أقسم عَلَى الله لأبره كما في الصحيح عن النبي ﷺ أنَّه قال في أهل الجنة: "كل ضعيف متضعف لو أقسم عَلَى الله لأبره" (٣). وفي رواية: "أشعث ذو طمرين" (٤)، وفي رواية خرَّجها ابن ماجه: "أنهم ملوك الجنة" (٥)، وفي الحديث المشهور: "رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم عَلَى الله لأبره" خرّجه الحاكم (٦) وغيره (٧).

стр. 58

رب ذي طمرين نضوٍ (١) ... يأمن العالم شره لا يُرى إلا غنيًّا ... وهو لا يملك ذره ثم لو أقسم في شيء ... عَلَى الله أبره قال ابن مسعود: كونوا جدد القلوب، خلقان الثياب، سرج الليل، مصابيح الظلام، تُعرفون في أهل السماء، وتخفون عَلَى أهل الأرض. طوبى لعبدٍ بحبلِ الله مُعْتَصَمُه ... على صراطٍ سَويٍّ ثابتٍ قدمُه رثّ اللباس جديدِ القلب مُستترٍ ... في الأرض مشتهرٍ فوقَ السما سمُه ما زال (يستحقرُ) (*) الأُولَى بِهمَّته ... حتى ترقّت إلى الأخرى به هِمَمُه فذاك أعظمُ من التاج مُتّكئاً ... على النمارق مُحتفّاً به خَدَمُه واعلم أن محبة المساكين لها فوائد كثيرة، منها: أنها توجب إخلاص العمل لله ؛ لأنّ الإحسان إليهم لمحبتهم لا يكون إلا لله ؛ لأنّ نفعهم في الدُّنْيَا لا يرجى غالبًا، فأما من أحسن إليهم ليمدح بذلك فما أحسن إليهم حبًّا لهم بل حبًّا لأهل الدُّنْيَا، وطلبًا لمدحهم له بحب المساكين. ومنها: أنَّها تزيل الكبر، فإن المستكبر لا يرضى مجالسة المساكين كما سبق عن رؤساء قريش والأعراب ومن حذا حذوهم من هذه الأمة ممن تشبّه بهم، حتى أن بعض علماء السوء كان لا يشهد الصلاة في جماعة خشية أن تزاحمه المساكين في الصف. ويمتنع بسبب هذا الكبر خير كثير جدًّا، فإن مجالس الذكر والعلم يقعُ فيها كثيرًا مجالسة المساكين، فإنهم أكثر هذه المجالس، فيمتنع المتكبر من هذه المجالس بتكبره، وربما كان المسموع منه الذكر والعلم من جملة المساكين، فيأنف

стр. 59

أهل الكبر من التردد إِلَى مجلسه لذلك فيفوتهم خير كثير. وقد أخبر الله تعالى عن المشركين أنهم قالوا: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] يشيرون إِلَى عظماء مكة والطائف كعتبة بن ربيعة وأخيه شيبة ونحوهما من صناديد قريش وثقيف ذوي الأموال والشَّرفِ فيهم ممن كان أكثر مالاً من محمد ﷺ وأعظم رياسة عندهم، ورد عليهم سبحانه بأنه يقسم رحمته كما يشاء، وأنه كما رفع درجات بعضهم عَلَى بعض في الدُّنْيَا فكذلك يرفعها في الآخرة، وأن رحمته بالنبوة والعلم والإيمان خير مما يجمعونه من الأموال التي تفنى، فهو سبحانه يختص بهذه الرحمة الدينية من يشاء ويرفعه عَلَى أهل النعم الدنيوية، وقد خص محمدًا ﷺ بما لم يشركه فيه غيره من هذه النعم كما قال تعالى له: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]. وقد كان علي بن الحسين يجلس في مجلس زيد بن أسلم فيُعاتب عَلَى ذلك فيقول: إِنَّمَا يجلس المرءُ حيث يكون له فيه نفعٌ. أو كما قال، يشير إِلَى أنَّه ينتفع بسماع ما لم يسمعه من العِلْم والحكمة، وزيد بن أسلم أبوه مولى لعمر، وعلي ابن الحسن سيد بني هاشم وشريفهم. ولما اجتمع الزهرى وأبو حازم الزاهد بالمدينة عند بعض بني أمية -لما حج- وسمع الزهري كلام أبي حازم وحكمته أعجبه ذلك، وقال: هو جاري منذ كذا وكذا، وما جالسته ولا عرفت أن هذا العِلْم عنده!. فقال له أبو حازم: أجل إني من المساكين، ولو كنت من الأغنياء لعرفتني فوبَّخه بذلك. وفي رواية عنه أنَّه قال له: لو أحببت الله لأحببتني، ولكنك نسيت الله فنسيتني. يشير إِلَى أنَّ من أحبَّ الله تعالى أحبَّ المساكين من أهل العِلْم والحكمة لأجل محبته لله تعالى، ومن غفل عن الله تعالى غفل عن أوليائه من المساكين فلم يرفع بهم رأسًا، ولم ينتفع بما اختصَّهم الله به من الحكمة والعلوم النافعة التي لا توجد عند غيرهم من أهل الدُّنْيَا.

стр. 60

وقد كان علماء السَّلف يأخذون العِلْم عن أهله والغالبُ عليهم المسكنة وعدم المال والرفعة في الدُّنْيَا، ويدعون أهل الرياسات والولايات فلا يأخذون عنهم شيئًا مما عندهم من العِلْم بالكلية. ومنها: أنَّه يوجب صلاح القلب وخشوعه، وفي "المسند" عن أبي هريرة أن رجلاً شكى إِلَى رسول الله ﷺ قسوة قلبه، فَقَالَ له: "إن أحببت أن يلين قلبك فأطعم المسكين وامسح رأس اليتيم" (١). ومنها: أنَّ مجالسة المساكين تُوجب رضى من يجالسهم برزق الله ، وتعظُمُ عنده نعمة الله عليه بنظره في الدُّنْيَا إِلَى من دونه. ومجالسة الأغنياء تُوجب التسخط بالرزق، ومدَّ العين إِلَى زينتهم وما هم فيه، وقد نهى الله نبيه ﷺ عن ذلك فَقَالَ تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١]، وقال النبي ﷺ : "انظروا إِلَى من دونكم ولا تنظروا إِلَى من فوقكم، فإنّه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم" (٢). قال أبو ذر أوصاني رسول الله ﷺ أن أنظر إِلَى من دوني ولا أنظر إِلَى من فوقي، وأوصاني أن أحبَّ المساكين وأن أدنو منهم (٣). وكان عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود يجالس الأغنياء فلا يزال في غمَّ، لأنّه لا يزال يرى من هو أحسن منه لباسًا ومركبًا ومسكنًا ومطعمًا، فتركهم وجالس المساكين فاستراح من ذلك. وقد رُوي عن النبي ﷺ من أنَّه نهى عائشة من مخالطة الأغنياء (٤).

стр. 61

وقال عمر: إياكم والدخول عَلَى أهل السعة فإنَّه مسخطةٌ للرزق. واعلم أن المسكين إذا أُطلق يُراد به غالبًا من لا مال له يكفيه، فإن الحاجة توجب السكون والتواضع، بخلاف الغنى فإنَّه يوجب الطغيان، ولهذا ذُمَّ الفقير المختال وعظم وعيده لأنّه عصى بما ينافي فقره، وهو الاختيال والزهو والكبر. ولما كان المسكين عند الإطلاق لا ينصرف إلا إِلَى من لا كفاية له من المال وصى الله تعالى بإيثار المساكين وإطعامهم الطعام، ومدح من يُطعمهم، وذمَّ من لا يحف عَلَى إطعامهم، وجعل لهم حقًّا في أموال الصدقات والفيء وخُمس الغنائم وحضور قسمة الأموال. وهؤلاء المساكين عَلَى قسمين: أحدهما: من هو محتاج في الباطن وقد أظهر حاجته للناس. والثاني: من يكتم حاجته ويظهر للناس أنَّه غنيٌّ فهذا أشرف القسمين، وقد مدح الله هذا في قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، وقال النبي ﷺ : "ليس المسكين بهذا الطوَّاف الَّذِي ترده اللقمه واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين من لا يجد ما يغنيه، ولا يُفطن له فيتصدق عليه" (١). وقال بعضهم: هذا المحروم المذكور في قوله : ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩].

стр. 62

فأخبر النبي ﷺ أن من كتم حاجته فلم يُفطن له أحقُّ باسم المسكين من الَّذِي أظهر حاجته بالسؤال، وأنه أحقُّ بالبر منه، وهذا يدل عَلَى أنهم كانوا لا يعرفون من المساكين إلا من أظهر حاجته بالسؤال، وبهذا فرَّق طائفة من العُلَمَاء بين الفقير والمسكين، فقالوا: من أظهر حاجته فهو مسكين، ومن كتمها فهو فقير. وفي كلام الإمام أحمد إيماء إِلَى ذلك، وإن كان المشهور عنه أن التفريق بينهما بكثرة الحاجة وقلتها كقول كثير من الفقهاء، وهذا حيث جمع بين ذكر الفقير والمسكين كما في آية الصدقات، (وأما إن) (*) أفرد أحد الاسمين دخل فيه الآخر عند الأكثرين. وقد كان كثير من السَّلف يكتم حاجته ويظهر الغنى تعففًا وتكرمًا، منهم: إبراهيم النخعي كان يلبس ثيابًا حسانًا، ويخرج بها إِلَى الناس وهم يرون أنَّه تحل له الميتة من الحاجة. وكان بعض الصالحين يلبس الثياب الجميلة وفي كمه مفتاح دار كبيرة ولا مأوى له إلا المساجد. وكان آخر لا يلبس جبة في الشتاء لفقره، ويقول: بي علة تمنعني من لبس المحشو، وإنَّما يعني به الفقر. شعر: إن الكريم ليُخفي عنك عُسرته ... حتى تراه غنيًّا وهو مجهود وكان بعكس هؤلاء من يلبس ثياب المساكين مع الغنى تواضعًا لله ، وبُعدًا من الكبر كما كأن يفعله الخلفاء الراشدون الأربعة وبعدهم عمر بن عبد العزيز، وكذلك كان جماعة من الصحابة منهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهما ﵃. ورُوي أن أبا بكر الصديق -رضى الله عنه- كان يُنشد:

стр. 63

إذا أردت شريف الناس كلهم ... فانظر إِلَى ملك في زي مسكين ذاك الَّذِي حسُنت في الناس سيرته ... وذاك يصلح للدنيا وللدين وكان علي ﵁ يعاتب عَلَى لباسه فيقول: هو أبعدُ من الكبر، وأجدر أن يقتدي بي المسلم (١). وعُوتب عمر بن عبد العزيز عَلَى ذلك فَقَالَ: إن أفضل القصد عند الجدة. يعني: أفضل ما اقتصد الرجل في لباسه عقدرته ووجدانه. وفي سنن أبي داود (٢) وغيره (٣) عن النبى ﷺ أنَّه قال: "البذاذة من الإيمان" يعني: التقشف. وفي الترمذي (٤) عن النبي ﷺ : "من ترك اللباس تواضعًا لله وهو يقدر عليه دعاه الله يوم القيامة [عَلَى رؤوس الخلائق] (٥) حتى يخيره من أي حُلل الإيمان شاء يلبسها". وخرَّجه أبو داود (٦) من وجه آخر ولفظه: "من ترك ثوب جمال -أحسبه قال: تواضعًا- كساه الله حلة الكرامة". وإنما يُذم من ترك اللباس مع قدرته عليه بخلا عَلَى نفسه، أو كتمانًا لنعمة الله ، وفي هذا جاء الحديث المشهور: "إن الله إذا أنعم عَلَى عبد نعمة أَحَبّ أن يرى أثر نعمته عَلَى عبده" (٧).

стр. 64

ومن لبس لباسًا حسنًا إظهارًا لنعمة الله ولم يفعله اختيالاً كان حسنًا. وكان كثير من الصحابة والتابعين يلبسون لباسًا حسنًا، منهم: ابن عباس، والحسن البصري. وقد صحَّ عن النبي ﷺ أنَّه سئل عن الرجل يحب أن يكون لباسه حسنًا ونعله حسنًا؟ قال: "ليس ذلك بالكبر، إِنَّمَا الكبر بطر الحق وغمط الناس" (١). يعني: التكبر عن قبول الحق والانقياد له، واحتقارُ الناس وازدراؤهم فهذا هو الكبر، فأما مجرد اللباس الحسن الخالي عن الخيلاء فليس بكبر، واحتقارُ الناس مع رثاثة اللباس كبر. وقد رُوي عن النبي ﷺ أنَّه كان ماشيًا في طريق، وهناك أمة سوداء، فَقَالَ لها رجل: الطريق! الطريق! للنبي ﷺ . فقالت: الطريق يُمنةً ويُسرةً!. فَقَالَ النبي ﷺ : "دعوها فإنَّه جبارة". خرَّجه النسائي (٢) وغيره (٣)، وفي رواية للطبراني (٤) وغيره: قالوا: يا رسول الله! إنها. يعني: مسكينة. قال:

стр. 65

"إن ذاك قلبها". يعني: أن الكبر في قلبها وإن كان لباسها لباس المساكين. وقال الحسن: إن قومًا جعلوا التواضع في لباسهم والكبر في صدورهم، إن أحدهم أشد كبرًا بمدرعته من صاحب السرير بسريره، وصاحب المنبر بمنبره. قال أحمد بن أبي الحواري: قال لي سليمان بن أبي سليمان -وكان يُعدلُ بأبيه: أي شيء أرداو بثياب الصوف؟. قلت: التواضع. قال: وما يتكبر أحدهم إلا إذا لبس الصوف". وقال أبو سليمان: يكون ظاهرك قطنيًّا وباطنك صوفيًّا. قال أبو الحسن بن بشار: صوَّف قلبك، والبس القوهي عَلَى القوهي. يعني: رفيع الثياب. فمتى أظهر الإنسان لباس المساكين لدعوى الصلاح ليشتهر بذلك عند الناس كان ذلك كبرًا ورياء، ومن هنا ترك كثير من السَّلف المخلصين اللباس المختص بالفقراء والصالحين، وقالوا: إنه شهرة. ولما قدم سيّار أبو الحكم البصرة لزيارة مالك بن دينار لبس ثيابًا حسنة ثم دخل المسجد فصلى صلاة حسنة، فرآه مالك -ولم يعرفه- فَقَالَ له: يا شيخ! إني أرغب بك عن هذه الثياب مع هذه الصلاة. فَقَالَ له: يا مالك! ثيابي هذه تضعني عندك أم ترفعُني؟! قال: بل تضعك. فَقَالَ: نعم الثوب ثوب يضع صاحبه عند الناس، ولكن انظر يا مالك لعل ثوبيك هذين -يعني: الصوف- أنزلاك عند الناس ما لم يُنزلاك من الله. فبكى مالك وقام إِلَيْهِ واعتنقه، وقال له: أنشدك الله أنت سيار أبو الحكم؟ قال: نعم. فلهذا كَرِه من كَرِه من السَّلف كابن سيرين وغيره لباس الصوف حيث صار شعار الزاهدين، فيكون لباسه إشهارًا للنفس، وإظهارًا للزهد، وأما النبي صلّى الله عليه وسلم

стр. 66

فكان يلبس ما وجد، فتارة يلبس لباس الأغنياء من حلل اليمن وثياب الشام ونحوها، وتارة يلبس لباس المساكين فيلبس جُبَّة من صوف أحيانًا، وأحيانًا يتزر بعباءة ويهنأ إبل الصدقة بيده، يعني أنَّه يطليها بيده ويُصلحها كما يفعل أرباب الإبل بها. ولم يبعث الله نبيًّا من أهل الكبر، وإنَّما بعث من لا كبر عنده، ولا يتكبر عن معالجة الأشياء التي يأنف منها المتكبرون كرعاية الإبل (والغنم) (*)، وإجارة نفسه (١) عند الحاجة إِلَى الاكتساب: ومن أعطاه الله منهم مُلكًا فإنَّه يزداد به تواضعا لله كداود وسليمان ومحمد ﷺ . وقد يطلق اسم المسكين ويُراد به من استكان قلبه لله، وانكسر له وتواضع لجلاله وكبريائه وعظمته وخشيته ومحبته ومهابته. وعلى هذا المعنى حمل بعضهم الحديث المروي عن النبي ﷺ أنَّه قال: "اللهم أحييني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين" خرَّجه الترمذي من حديث أنس (٢)، وخرّجه ابن ماجه من حديث ابن عباس (٣). وفي حمله عَلَى ذلك نظرٌ لأنّ في تمام حديثيهما ما يدل عَلَى أن المراد به المساكين من المال؛ لأنّه ذكر سَبْقَهُم الأغنياء إِلَى الجنة، مع أن في إسناد الحديثين ضعفًا. وقد خُيِّر النبي ﷺ بين أن يكون نبيًّا ملكًا أو عبدًا رسولاً، فأشار إِلَيْهِ جبريل أن تواضع. فَقَالَ: بل عبدًا رسولاً. وكان بعد ذلك لا يأكل متكئًا، ويقول:

стр. 67

"آكل كما يأكل العبد. وأجلس كما يجلس العبد" (١). قال الحسن: قال رسول الله ﷺ : "فأعطاني الله لذلك أن جعلني سيد ولد آدم، وأول شافع، أول مشفع، وأول من تنشق عنه الأرض". وصحَّ عنه ﷺ أنَّه قال: "إِنَّمَا أنا عبد، فقولوا:

стр. 68

عبد الله ورسوله" (١). فأشرف أسمائه: عبد الله ولهذا سُمِّى بهذا الاسم في القرآن في أفخر مقاماته، فلما حقق ﷺ (عبوديته لربه) (*) حصلت له السيادة عَلَى جميع الخلق. كان كثير من العارفين يقول في مناجاته لربه: كفى بي فخرًا أني لك عبدٌ، وكفى بي شرفًا أنك لي رب. وكان بعضهم يقول: كلما ذكرت أنَّه ربي وأني عبده حصل لي من السرور ما يصلح به بدني: شرف النفوس دخولها في رقهم ... والعبد يحوي الفخر بالمتملَّك وكان أبو يزيد البسطامي ينشد: واليتني صرت شيئًا ... من غير شيء أعد أصبحت للكل مولى ... لأنني لك عبد فمن انكسر قلبه لله تعالى -واستكان وخشع وتواضع جبره الله ورفعه بقدر ذلك وفي الأثر المشهور: أن الله قال لموسى ﵇

стр. 69

حين سأله: أين أجدك؟. قال: عند المنكسرة قلوبهم من أجلي، فإني أدنو منهم كل يوم باعًا ولولا ذلك لانهدموا (١). ورُوي عن عبد الله بن سلام أنَّه فسره، فَقَالَ: هم المنكسرة قلوبهم بحب الله عن حب غيره. وفي الحديث المشهور المرفوع: "إن الله تعالى إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له، فَإِذَا تجلَّى لقلوب العارفين عظمة الله وجلاله وكبرياؤه اندكَّت قلوبهم من هيبته، وخشعت وانكسرت من محبته ومخافته" (٢). مساكين أهل الحب حتى قبورهم ... عليها تراب الذل بين المقابر فالمسكين في الحقيقة من استكان قلبه لربه وخشع من خشيته ومحبته، ولا يكون المسكين ممدوحًا بدو هذه الصفة، فإن من لم يخشع قلبه مع فقره وحاجته فهو جبار كتلك الأمة السوداء التي قال فيها النبي ﷺ : "إنها جبارة". وهو إما عائل مستكبر أو فقير مختال، وكلاهما لا ينظر الله إِلَيْهِ يوم القيامة، فالمؤمن يستكين قلبه لربه ويخشع له ويتواضع، ويظهر مسكنته وفاقته إِلَيْهِ في الشدة والرخاء، أما في حال الرضا فإظهارًا للشكر، وأما في حال الشدة فإظهارًا للذل والعبودية والفاقة والحاجة إِلَى كشف الضر، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٦]، فذمّ من لا يستكين لربه عند الشدة، وكان النبي ﷺ يخرج عند الاستسقاء متواضعًا متخشعًا

стр. 70

متمسكنًا (١). وحبس لمطرف بن عبد الله قريب له فلبس خلقان ثيابه، وأخذ بيده قصبة، وقال: أتمسكن لربي لعله يُشفعني فيه. ومما يشرع فيه التمسكن لله حال الصلاة كما في حديث الفضل بن عباس عن النبي ﷺ قال: "الصلاة مثنى مثنى، تَشَهَّدُ في كل ركعتين، وتخَشَّعُ، وتَضَرَّع وتمسكن، وتقنع يديك -يقول: ترفعهما- وتقول: يا رب ثلاثًا، فمن لم يفعل ذلك (فهي خداج) (*) ". خرّجه الترمذي (٢) وغيره (٣). وكذلك يشرع إظهار المسكنة في الدعاء. خرَّج الطبراني (٤) من حديث ابن عباس قال: رأيت النبي ﷺ يدعو بعرفة، ويداه إِلَى صدره كاستطعام المسكين. ومن حديثه أيضاً أن النبي ﷺ قال في دعائه عشية عرفة: "أَنَا الْبَائِسُ الْفَقِيرُ، الْمُسْتَغِيثُ الْمُسْتَجِيرُ، الْوَجِلُ الْمُشْفِقُ، الْمُقِرُّ الْمُعْتَرِفُ بِذَنْبِهِ، أَسْأَلُكَ مَسْأَلَةَ الْمِسْكِينِ، وَأَبْتَهِلُ إِلَيْكَ ابْتِهَالَ الْمُذْنِبِ الذَّلِيلِ، وَأَدْعُوكَ دُعَاءَ الْخَائِفِ الضَّرِيرِ" (٥).

стр. 71

وكان بعض السَّلف يجلس بالليل مطرقا رأسه، ويمد يديه وهو ساكت كحال المسكين المستعطي. وقال طاوس: دخل علي بن الحسين الحجر ليلة فصلى، فسمعته يقول في سجوده: عُبيدك بِفِنَائِكَ، مسكينك بفنائك، فقيرك بفنائك، سائلك بفنائك. قال طاوس: فحفظتهن، فما دعوت بهن في كرب إلا فرج عني. وكان بعض العباد قد حج ثمانين حجة عَلَى قدميه، فبينما هو في الطواف وهو يقول: يا حبيبي! يا حبيبي! فهتف به هاتف: ليس ترضى أن تكون مسكينًا حتى تكون حبيبًا! فغشي عليه فكان بعد ذلك يقول: مسكينك مسكينك. ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أنا الفقير إِلَى رب السماوات ... أنا المسكين في مجموع حالاتي أنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي ... والخير إن جاءنا من عنده يأتي قوله ﷺ : "وأن تغفر لي وترحمني": المغفرة والرحمة يجمعان خير الآخرة كله؛ لأنّ المغفرة (ستر) (*) الذنب مع وقاية شره، وقد قيل: إنه لا تجتمع المغفرة مع عقوبة الذنب، حيث كانت المغفرة وقاية لشر الذنب، وهذا لا يكون مع عقوبة عليه، ولذلك سمي المِغفر مغفرًا؛ لأنّه يستر الرأس ويقيه الأذى، وهذا بخلاف العفو، فإنَّه يكون تارة قبل العقوبة وتارة بعدها. وأما الرحمة فهي دخول الجنة وعلوّ درجاتها، وجميعُ ما في الجنة من (النعيم) (**) بالمخلوقات، ومن رضى الله وقربه ومشاهدته وزيارته فإنَّه من رحمة الله، وفي الحديث الصحيح: "إن الله يقول للجنة: أنت رحمتي

стр. 72

أرحم بك من أشاء من عبادي" (١). فكل ما في الجنة فهو من رحمته ، وإنَّما تنال برحمته لا بالعمل كما قال ﷺ : "لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله". قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟!. قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" (٢). قوله ﷺ : "وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون": المقصود بهذا الدعاء سلامة العبد من فتن الدُّنْيَا مدة حياته، فإن قُدِّر الله عَلَى عباده فتنة قبض عبده إِلَيْهِ قبل وقوعها، وهذا من أم الأدعية فإن المؤمن إذا عاش سليمًا من الفتن ثم قبضه الله قبل وقوعها وحصول الناس فيها كان في ذلك نجاة له من الشر كله، وقد أمر النبي ﷺ أصحابه أن يتعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن (٣). وفي حديث آخر: "وجنبنا الفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن" (٤). وكان يخص بعض الفتن العظيمة بالذكر، فكان يتعوَّذ في صلاته من أربع، ويأمر بالتعوذ منها: "أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال" (٥). ففتنة المحيا يدخل فيها فتنُ الدين والدنيا كلها، (كالكفر) (*) والبدع

стр. 73

والفسوق والعصيان. وفتنة الممات يدخل فيها سوء الخاتمة وفتنة الملكين في القبر، فإن الناس يفتنون في قبورهم مثل أو قريبًا من فتنة الدجال. ثم خصَّ فتنة الدجال بالذكر لعظم موقعها، فإنَّه لم يكن في الدُّنْيَا فتنة قبل يوم القيامة أعظم منها، وكلما قرب الزمان من الساعة كثرت الفتن. وفي حديث معاوية عن النبي ﷺ أنَّه قال: "إنه لم يبق من الدُّنْيَا إلا بلاء وفتنة" (١). وقد أخبر النبي ﷺ عن الفتن التي تكون كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدُّنْيَا (٢). وكان أول هذه الفتن ما حدث بعد عمر ﵁، ونشأ من تلك الفتن قتلُ عثمان ﵁، وما ترتب عليه من إراقة الدماء وتفرُّق القلوب وظهور فتن الدين كبدع الخوارج المارقين من الدين وإظهارهم ما أظهروا، ثم ظهور بدع أهل القدر والرفض ونحوهم، وهذه هي الفتنة التي تموج كموج البحر المذكورة في حديث حذيفة المشهور حين سأله عنها عمر (٣)، وكان حذيفة ﵁ من كثر الناس سؤالاً للنبي ﷺ عن الفتن خوفًا من الوقوع فيها (٤). ولما حضره الموت قال: حبيب جاء عَلَى فاقة، لا أفلح من ندم! الحمد لله الَّذِي سبق بي الفتنة! قادتها وعلوجها (٥) (٦). وكان موته قبل قتل عثمان ﵁ بنحو من أربعين يومًا، وقيل: بل مات (بعد قتل) عثمان.

стр. 74

وكان في تلك الأيام رجل من الصحابة نائمًا، فأتاه آتٍ في منامه فَقَالَ له: قم! فاسأل الله أن يعيذك من الفتنة التي أعاذ منها صالح عباده، فقام فتوضأ وصلى، ثم اشتكى ومات (بعد قليل) (*). وقد رُوي عن النبي ﷺ أنَّه قال لرجل: "إذا مت أنا وأبو بكر وعمر وعثمان فإن استطعت أن تموت فمت" (١)، وهذا إشارة إِلَى هذه الفتن التي وقعت بمقتل عثمان ﵁. والدعاء بالموت خشية الفتنة في الدين جائزٌ، وقد دعا به الصحابة والصالحون بعدهم، ولما حج عمر ﵁ آخر حجة حجها استلقى بالأبطح ثم رفع يديه وقال: اللهم إنه قد كبرت سني، ورق عظمي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفتون. ثم رجع إِلَى المدينة فما انسلخ الشهر حتى قتل ﵁ (٢). ودعا علي ربه أن يريحه من رعيته حيث سئم منهم فقتل عن قريب.

стр. 75

ودعت زينب بنت جحش لما جاءها عطاءُ عمر من المال فاستكثرته وقالت: اللهم لا يدركني عطاء عمر بعدها، فماتت قبل العطاء الثاني (١). ولما ضجر عمر بن عبد العزيز من رعيته حيث ثقل عليهم قيامه فيهم بالحق طلب من رجل كان معروفا بإجابة (الدعوة) (*) أن يدعو له بالموت، فدعا له ولنفسه بالموت فماتا. ودعي طائفة من السَّلف الصالح إِلَى ولاية القضاء، فاستمهلوا ثلاثة أيام فدعوا الله لأنفسهم بالموت فماتوا. واطُّلع عَلَى حال بعض الصالحين ومعاملاته التي كانت سرًّا بينه وبين ربه، فسأل الله أن يقبضه إِلَيْهِ خوفًا من فتنة (الاشتهار) (**) فمات. فإن الشهرة بالخير فتنة كما جاء في الحديث: "كفى بالمرء فتنة أن يُشار إِلَيْهِ بالأصابع، فإنها فتنة" (٢).
следующие страницы →