← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 151146

اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى - ضمن مجموع رسائل ابن رجب

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (87 стр.). Показаны 71–87 · переход к 76.

стр. 71

وكان بعض السَّلف يجلس بالليل مطرقا رأسه، ويمد يديه وهو ساكت كحال المسكين المستعطي. وقال طاوس: دخل علي بن الحسين الحجر ليلة فصلى، فسمعته يقول في سجوده: عُبيدك بِفِنَائِكَ، مسكينك بفنائك، فقيرك بفنائك، سائلك بفنائك. قال طاوس: فحفظتهن، فما دعوت بهن في كرب إلا فرج عني. وكان بعض العباد قد حج ثمانين حجة عَلَى قدميه، فبينما هو في الطواف وهو يقول: يا حبيبي! يا حبيبي! فهتف به هاتف: ليس ترضى أن تكون مسكينًا حتى تكون حبيبًا! فغشي عليه فكان بعد ذلك يقول: مسكينك مسكينك. ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أنا الفقير إِلَى رب السماوات ... أنا المسكين في مجموع حالاتي أنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي ... والخير إن جاءنا من عنده يأتي قوله ﷺ : "وأن تغفر لي وترحمني": المغفرة والرحمة يجمعان خير الآخرة كله؛ لأنّ المغفرة (ستر) (*) الذنب مع وقاية شره، وقد قيل: إنه لا تجتمع المغفرة مع عقوبة الذنب، حيث كانت المغفرة وقاية لشر الذنب، وهذا لا يكون مع عقوبة عليه، ولذلك سمي المِغفر مغفرًا؛ لأنّه يستر الرأس ويقيه الأذى، وهذا بخلاف العفو، فإنَّه يكون تارة قبل العقوبة وتارة بعدها. وأما الرحمة فهي دخول الجنة وعلوّ درجاتها، وجميعُ ما في الجنة من (النعيم) (**) بالمخلوقات، ومن رضى الله وقربه ومشاهدته وزيارته فإنَّه من رحمة الله، وفي الحديث الصحيح: "إن الله يقول للجنة: أنت رحمتي

стр. 72

أرحم بك من أشاء من عبادي" (١). فكل ما في الجنة فهو من رحمته ، وإنَّما تنال برحمته لا بالعمل كما قال ﷺ : "لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله". قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟!. قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" (٢). قوله ﷺ : "وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون": المقصود بهذا الدعاء سلامة العبد من فتن الدُّنْيَا مدة حياته، فإن قُدِّر الله عَلَى عباده فتنة قبض عبده إِلَيْهِ قبل وقوعها، وهذا من أم الأدعية فإن المؤمن إذا عاش سليمًا من الفتن ثم قبضه الله قبل وقوعها وحصول الناس فيها كان في ذلك نجاة له من الشر كله، وقد أمر النبي ﷺ أصحابه أن يتعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن (٣). وفي حديث آخر: "وجنبنا الفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن" (٤). وكان يخص بعض الفتن العظيمة بالذكر، فكان يتعوَّذ في صلاته من أربع، ويأمر بالتعوذ منها: "أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال" (٥). ففتنة المحيا يدخل فيها فتنُ الدين والدنيا كلها، (كالكفر) (*) والبدع

стр. 73

والفسوق والعصيان. وفتنة الممات يدخل فيها سوء الخاتمة وفتنة الملكين في القبر، فإن الناس يفتنون في قبورهم مثل أو قريبًا من فتنة الدجال. ثم خصَّ فتنة الدجال بالذكر لعظم موقعها، فإنَّه لم يكن في الدُّنْيَا فتنة قبل يوم القيامة أعظم منها، وكلما قرب الزمان من الساعة كثرت الفتن. وفي حديث معاوية عن النبي ﷺ أنَّه قال: "إنه لم يبق من الدُّنْيَا إلا بلاء وفتنة" (١). وقد أخبر النبي ﷺ عن الفتن التي تكون كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدُّنْيَا (٢). وكان أول هذه الفتن ما حدث بعد عمر ﵁، ونشأ من تلك الفتن قتلُ عثمان ﵁، وما ترتب عليه من إراقة الدماء وتفرُّق القلوب وظهور فتن الدين كبدع الخوارج المارقين من الدين وإظهارهم ما أظهروا، ثم ظهور بدع أهل القدر والرفض ونحوهم، وهذه هي الفتنة التي تموج كموج البحر المذكورة في حديث حذيفة المشهور حين سأله عنها عمر (٣)، وكان حذيفة ﵁ من كثر الناس سؤالاً للنبي ﷺ عن الفتن خوفًا من الوقوع فيها (٤). ولما حضره الموت قال: حبيب جاء عَلَى فاقة، لا أفلح من ندم! الحمد لله الَّذِي سبق بي الفتنة! قادتها وعلوجها (٥) (٦). وكان موته قبل قتل عثمان ﵁ بنحو من أربعين يومًا، وقيل: بل مات (بعد قتل) عثمان.

стр. 74

وكان في تلك الأيام رجل من الصحابة نائمًا، فأتاه آتٍ في منامه فَقَالَ له: قم! فاسأل الله أن يعيذك من الفتنة التي أعاذ منها صالح عباده، فقام فتوضأ وصلى، ثم اشتكى ومات (بعد قليل) (*). وقد رُوي عن النبي ﷺ أنَّه قال لرجل: "إذا مت أنا وأبو بكر وعمر وعثمان فإن استطعت أن تموت فمت" (١)، وهذا إشارة إِلَى هذه الفتن التي وقعت بمقتل عثمان ﵁. والدعاء بالموت خشية الفتنة في الدين جائزٌ، وقد دعا به الصحابة والصالحون بعدهم، ولما حج عمر ﵁ آخر حجة حجها استلقى بالأبطح ثم رفع يديه وقال: اللهم إنه قد كبرت سني، ورق عظمي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفتون. ثم رجع إِلَى المدينة فما انسلخ الشهر حتى قتل ﵁ (٢). ودعا علي ربه أن يريحه من رعيته حيث سئم منهم فقتل عن قريب.

стр. 75

ودعت زينب بنت جحش لما جاءها عطاءُ عمر من المال فاستكثرته وقالت: اللهم لا يدركني عطاء عمر بعدها، فماتت قبل العطاء الثاني (١). ولما ضجر عمر بن عبد العزيز من رعيته حيث ثقل عليهم قيامه فيهم بالحق طلب من رجل كان معروفا بإجابة (الدعوة) (*) أن يدعو له بالموت، فدعا له ولنفسه بالموت فماتا. ودعي طائفة من السَّلف الصالح إِلَى ولاية القضاء، فاستمهلوا ثلاثة أيام فدعوا الله لأنفسهم بالموت فماتوا. واطُّلع عَلَى حال بعض الصالحين ومعاملاته التي كانت سرًّا بينه وبين ربه، فسأل الله أن يقبضه إِلَيْهِ خوفًا من فتنة (الاشتهار) (**) فمات. فإن الشهرة بالخير فتنة كما جاء في الحديث: "كفى بالمرء فتنة أن يُشار إِلَيْهِ بالأصابع، فإنها فتنة" (٢).

стр. 76

كان سفيان الثوري يتمنى الموت كثيرًا فسئل عن ذلك، فَقَالَ: ما يدريني! لعلي أدخل في بدعة، لعلي أدخل فيما لا يحلّ لي، لعلي أدخل في فتنة، أكون قد مت فسبقت هذا. واعلم أن الإنسان لا يخلوا من فتنة، قال ابن مسعود: لا يقل أحدكم: أعوذ بالله من الفتن، ولكن ليقل: أعوذ بالله من مضلات الفتن. ثم تلا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] (١). يشير إِلَى أنَّه لا يستعاذ من المال والولد وهما فتنة. وفي المسند أن النبي ﷺ أمر أم سلمة أن تقول: "اللهم رب النبي محمد اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن ما أبقيتني" (٢). وقد جعل النبي، النساء والأموال فتنة، ففي الصحيح عنه ﷺ قال: "ما تركت بعدي فتنة أضر عَلَى الرجال من النساء" (٣). وفيه أيضاً (٤) أنَّه ﷺ قال: "والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تُبسط عليكم الدُّنْيَا كما بُسطت عَلَى من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم".

стр. 77

وفي صحيح مسلم (١) عنه ﷺ قال: "اتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء". وفي الترمذي (٢) أنَّه ﷺ قال: "لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال". وقد قال الله : ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٠]، فالرجل فتنة للمرأة، والمرأة فتنة للرجل، والغني فتنة للفقير، والفقير فتنة للغني، والفاجر فتنة للبر، والبر فتنة للفاجر، والكافر فتنة للمؤمن، والمؤمن فتنة للكافر قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]، وقال : ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]، فجعل كل ما يصيب الإنسان من شر أو خير فتنة، يعني أنَّه محنة يمتحن بها، فإن أصيب بخير امتحن به شكره، وإن أصيب بشر امتحن به صبره. وفتنة السراء أشد من فتنة الضراء، قال عبد الرحمن بن عوف ﵁: بُلينا بفتنة الضراء فصبرنا، وبلينا بفتنة السراء فلم نصبر (٣). وقال بعضهم: فتنة الضراء يصبر عليها البر والفاجر، ولا يصبر عَلَى فتنة السراء إلا صديق. ولما ابتلي الإمام أحمد بفتنة الضراء صبر ولم يجزع، وقال: كانت زيادة في إيماني. فلما ابتلي بفتنة السراء جزع وتمنّى الموت صباحًا ومساء، وخشي أن يكون نقصًا في دينه. ثم إن المؤمن لابد أن يفتن بشيء من الفتن المؤلمة الشاقة عليه ليمتحن إيمانه كما قال الله تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا

стр. 78

يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٢، ٣]، ولكن الله يلطف بعباده المؤمنين في هذه الفتن، ويصبرهم عليها، ويثيبهم فيها، ولا يلقيهم في فتنة مضلة مهلكة تذهب بدينهم، بل تمر عليهم الفتن وهم فيها في عافية. وأخرج ابن أبي الدنيا من حديث ابن عمر مرفوعًا: "إن لله ضنائن (١) من عباده يغذوهم في رحمته، ويحييهم في (عافية) (*)، ويتوفاهم إِلَى جنته، أولئك الذين تمر عليهم الفتن كقطع الليل المظلم، وهم (فيها) (**) في عافية" (٢). والفتن الصغار التي يُبتلى بها المرء في أهله وماله وولده وجاره تكفِّرها الطاعات من الصلاة والصيام والصدقة كذا جاء في حديث حذيفة (٣). ورُوي عنه أن سأل النبي ﷺ قال: إن في لساني ذربًا، وإن عامة ذلك عَلَى أهلي. فَقَالَ له: "أين أنت من الاستغفار"؟! (٤). وأما الفتن المضلة التي يخشى منها فساد الدين فهي التي يُستعاذ منها، ويسأل الموت قبلها، فمن مات قبل وقوعه في شيء من هذه الفتن فقد حفظه الله

стр. 79

وحماه. وفي "المسند" عن محمود بن لبيد عن النبي ﷺ قال: "اثنتان يكرههما ابن آدم: يكره الموت، والموت خيرٌ للمؤمن من الفتنة، ويكره قلة المال، وقلة المال أقل للحساب" (١). قوله ﷺ : "وأسألك حبك، وحب من يحبك، وحب العمل الَّذِي يبلغني حبك": هذا الدعاء يجمعُ كل خير، فإن الأفعال الاختيارية من العباد إِنَّمَا تنشأ عن محبة وإرادة، فإن كانت محبة الله ثابتة في قلب العبد نشأت عنها حركات الجوارح فكانت بحسب ما يحبه الله ويرتضيه، فأحبَّ ما يحبه الله من الأعمال والأقوال كلها، ففعل حينئذ الخيرات كلها وترك المنكرات كلها، وأحب من يحبه الله من خلقه، وهذا الدعاء كانت الأنبياء ﵈ تدعوا به كما في الترمذي (٢) عن النبي ﷺ "أن داود ﵇ كان يقول: اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يبلغني ألى حبك، اللهم اجعل حبك أَحَبّ إليَّ من نفسي وأهلي ومن الماء البارد". وفيه أيضاً (٣) أن النبي ﷺ كان يدعو: "اللهم ارزقني حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يبلغني إِلَى حبك، اللهم ما رزقتني مما أَحَبّ فاجعله قوة لي فيما تحب، وما زويت عني مما أحب فاجعله فراغًا لي فيما تحب". وفي حديث مرسل خرَّجه ابن أبي الدُّنْيَا وغيره أن النبي ﷺ كان يقول: "اللهم اجعل حبك أَحَبّ الأشياء إِلَيَّ، وخشيتك أخوف الأشياء عندي، واقطع عني حاجات الدُّنْيَا بالشوق إِلَى لقائك، وإذا أقررت أعين أهل الدُّنْيَا من دنياهم

стр. 80

فأقرر عيني من عبادتك" (١). ومن كان همه طلب محبة الله أعطاه الله فوق ما يريده من الدُّنْيَا تبعًا. قال بعض السَّلف: لما توفي داود ﵇ أرسل الله إِلَى سليمان ﵇: ألك حاجة تسألني إياها؟ فَقَالَ سليمان: اسأل الله أن يجعل قلبي يحبه كما كان قلب أبي داود يحبه، وأن يجعل قلبي يخشاه كما كان قلب أبي داود يخشاه. فشكر الله له ذلك وأعطاه ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده. ومحبة الله عَلَى درجتين: إحداهما: واجبة، وهي المحبة التي توجب للعبد محبة ما يحبه الله من الواجبات، وكراهة ما يكرهه من المحرمات، فإن المحبة التامة تقتضي الموافقة، (لمن يحبه) (*) في محبة ما يحبه، وكراهة ما يكرهه خصوصًا فيما يحبه ويكرهه من المحب نفسه فلا تصح المحبة بدون فعل ما يحبه المحبوب من محبه، وكراهة ما يكرهه المحبوب من محبه. وسُئل بعض العارفين عن المحبة، فَقَالَ: الموافقة في جميع الأحوال. وأنشد: ولو قلت لي مت مت سمعًا وطاعة ... وقلت لداعي الموت أهلاً ومرحبًا وأنشد آخر منهم: تعصي الإله وأنت تزعم حبه ... هذا لعمري في القياس شنيع لو كان حبك صادقًا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع ومتى أخلَّ العبد ببعض الواجبات، أو ارتكب بعض المحرمات فمحبته لربه

стр. 81

غير تامة، فالواجب عليه المبادرة بالتوبة، والاجتهاد في تكميل المحبة المُفضية لفعل الواجبات كلها واجتناب المحرمات كلها، وهذا معنى قول النبي ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن" (١). فإن الإيمان الكامل يقتضي محبة ما يحبه الله، وكراهة ما يكرهه، والعمل بمقتضى ذلك، فلا يرتكب أحد شيئًا من المحرمات أو يخل بشيء من الواجبات إلا لتقديم هوى النفس المقتضي لارتكاب ذلك عَلَى محبة الله تعالى المقتضية لخلافه. الدرجة الثانية من المحبة: درجة المقربين، وهي أن يمتلئ القلبُ بمحبة الله حتى توجب له محبة النوافل، والاجتهاد فيها، وكراهة المكروهات، والانكفاف عنها، والرضا بالأقضية والأقدار المؤلمة للنفوس لصدورها عن المحبوب، كما قال عامر بن قيس: أحببت الله حبًّا هوَّن عَلَيَّ كلَّ مصيبة، ورضَاني بكل بلية، فلا أبالي مع حبي إياه عَلَى ما أصبحت ولا عَلَى ما أمسيت. وقال عمر بن عبد العزيز لما مات ولده الصالح: إن الله أَحَبّ قبضه، وإني أعوذ بالله أن يكون لي محبة في شيء من الأمور يخالف محبة الله. كان يقول: إذا أصبحت فمالي سرور إلا في مواقع القضاء والقدر. وأنشد بعضهم: يا من يعز علينا أن نفارقهم ... وجداننا كل شيء بعدكم عدم إن كان سركم ما قد بليت به ... فما لجرح إذا أرضاكم ألم وحسب سلطان الهوى ... أن يلذ فيه كل ما يؤلم كان عمار بن ياسر ﵁ يقول: اللهم لو أعلم أنَّه أرضى لك عني

стр. 82

أن أرمي بنفسي من هذا الجبل فأتردى فأسقط فعلت، ولو أعلم أنَّه أرضى لك أن أوقد نارًا عظيمة فأقع فيها فعلت، ولو أعلم أنَّه أرضى لك عني أن ألقي نفسى في الماء فأُغرق نفسي فعلت، وإني لا أقول هذا إلا أريد وجهك، وأنا أرجو أن لا تخيّبني وأنا أريد وجهك (١). وقُتل لبعض الصالحين ولدان في الجهاد، فعزّاه الناس فيهما فبكى وقال: ما أبكى لفقدهما، إِنَّمَا أبكي كيف كان رضاهما عن الله حيث أخذتهما السيوف. وكان بعض العارفين يطوف بالبيت، فهجمت القرامطة عَلَى الناس فقتلوهم في الطواف، فوصلوا إِلَيْهِ فلم يقطع الطواف حتى سقط من ضرب السيوف صريعًا فأنشد: ترى المحبين صرعى في ديارهم ... كفتية الكهف لا يدرون كم لبثوا أقل ثمن المحبة بذل الروح: بدم المحب يباع وصلهم ... فمن الَّذِي يبتاع بالثمن قال بعض العارفين: إن كنت تسمح ببذل روحك في هذه الطريق، وإلا فلا تشتغل بالترهات: خاطر بروحك في هوانا واسترح ... إن شئت تحظى بالمحِّل الأعظم لا يشغَلَنَّك شاغل عن وصلنا ... وانهض عَلَى قدم الرجاء وقدَّم ولما كانت محبة الله لها لوازم، وهي محبة ما يحبه الله من الأشخاص والأعمال، وكراهة ما يكرهه من ذلك، سأل النبي ﷺ الله مع محبته محبة شيئين آخرين. أحدهما: محبة من يحب ما يحبه الله تعالى. فإن من أحبَّ الله أحبَّ أحبَّاءه فيه ووالاهم، وأبغض أعداءه وعاداهم كما قال ﷺ : "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله

стр. 83

أَحَبّ إِلَيْهِ مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ... " (١). الحديث. وأعظم من تجب محبته في الله أنبياؤه ورسله، وأعظمهم نبيه محمد ﷺ الَّذِي افترض الله عَلَى الخلق كلهم متابعته، وجعل متابعته علامةً لصحة محبته كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١]، وتوعد من قدم محبة شيء من المخلوقين عَلَى محبته ومحبة رسوله ومحبة الجهاد في سبيله في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾ [التوبة: ٢٤]. ووصف المحبين له باللين للمؤمنين: من الرأفة بهم والرحمة والمحبة لهم، والشدة عَلَى الكافرين: من البغض لهم والجهاد في سبيله، فَقَالَ تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤]. والثاني: محبة ما يحبه الله تعالى من الأعمال وبها يبلغ إِلَى حبه. وفي هذا إشارة إِلَى أن درجة المحبة لله إِنَّمَا تُنال (بطاعته) (*) وبفعل ما يحبه، فإذا امتثل العبد أوامر مولاه وفعل ما يحبه أحبه الله تعالى ورقّاه إِلَى درجة محبته كما في الحديث الإلهي الَّذِي خرّجه البخاري: "وما تقرب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه" (٢). فأفضل ما استجلبت به محبة الله فعلُ الواجبات، وتركُ المحرَّمات، ولهذا جعل النبي ﷺ من علامات وجدان حلاوة الإيمان أن يكره أن يرجع إِلَى الكفر كما يكره أن يلقى في النار.

стр. 84

وسئل ذو النون: متى أَحَبّ ربي؟ قال: إذا كان ما يكرهه عندك أمرَّ من الصبر. ثم بعد ذلك الاجتهاد في نوافل الطاعات، وتركُ دقائق المكروهات والمشتبهات. ومن أعظم ما تحصل به محبة الله من النوافل: تلاوة القرآن، وخصوصًا مع التدبر، قال ابن مسعود: لا يسأل أحدكم عن نفسه إلا القرآن، فمن أَحَبّ القرآن فهو يحب الله ورسوله. ولهذا قال النبي ﷺ لمن قال: إني أَحَبّ سورة (قل هو الله أحد) لأنها صفة الرحمن. فَقَالَ: "أخبروه أن الله يحبه" (١). وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: لما قدم النبي ﷺ المدينة خطب، فَقَالَ في خطبته: "إن أحسن الحديث كتاب الله، قد أفلح من زينه الله في قلبه، وأدخله في الإسلام بعد الكفر، واختاره عَلَى ما سواه من الأحاديث، إنه أحسن الحديث وأبلغه، أحبوا من أَحَبّ الله، أحبوا الله من كل قلوبكم" (٢). وكان بعضهم يكثر تلاوة القرآن ثم فتر عن ذلك فرأى في المنام قائلاً يقول له: إن كنت تزعم حبي ... فلم جفوت كتابي أما تدبّرت ما فيـ ... ـه من لطيف عتابي فاستيقظ وعاد إِلَى تلاوته. ومن الأعمال التي توصل إِلَى محبة الله تعالى وهي من أعظم علامات المحبين: كثرة ذكر الله بالقلب واللسان.

стр. 85

قال بعضهم: ما أدمن أحد ذكر الله إلا وأفاد منه محبة الله. وقال ذو النون: من أدمن ذكر الله قذف الله في قلبه نور الاشتياق إِلَيْهِ. وقال بعض التابعين: علامة حب الله كثرة ذكره، فإنك لن تحب شيئًا إلا أكثرت ذكره. وقال فتح الموصلي: المحب لله لا يجد مع حب الله للدنيا لذة، ولا يغفل عن ذكر الله طرفة عين. المحبون إن نطقوا نطقوا بالذكر، وإن سكتوا اشتغلوا بالفكر: فإن نطقتُ فلم ألفظ بغيركم ... وإن سكتُّ فأنتم عقد إضماري ومن علامات المحبين لله وهو مما يحصل به المحبة أيضاً حب الخلوة بمناجاة الله تعالى، وخصوصًا في ظلمة الليل: الليل لي ولأحبابي (أحادثهم) (*) ... وأنتجيهم لي يسمحوا بوصالي قال الفضيل: يقول الله : كذب من ادعى محبتي فإذا جنَّه الليل نام عني، أليس كل (حبيب) (**) يحب خلوة حبيبه، ها أنا مطَّلع عَلَى أحبابي إذا جنَّهم الليل جعلت أبصارهم في قلوبهم، ومثلت نفسي بين أعينهم (١)، فخاطبوني عَلَى المشاهدة، وكلموني عَلَى حضوري، غدًا أقر عين أحبابي في جناني: تنام عيناك وتشكوا الهوى ... لو كنت صبًّا لم تكن نائمًا قلوب المحبين جمرة تحت فحمة الليل، كلما هب عليها نسيمُ السحر التهبت، يذكرني مرّ النسيم عهودكم ... فأزداد شوقًا كلما هبت الريح

стр. 86

أراني إذا ما أظلم الليل أَشْرَقَتْ ... بقلبي من نار الغرام مصابيح كلما جنَّ الغاسق حَنَّ العاشق: لو أنك أبصرت أهل الهوى ... إذا غابت الأنجم الطلع فهدا ينوح عَلَى ذنبه ... وهذا يصلي وذا يركع من لم يكن له مثل تقواهم لم يدر ما الَّذِي أبكاهم، ومن لم يشاهد جمال يوسف لم يدر ما الَّذِي آلم قلب يعقوب. [وسُئل السري السقطي عن حاله فأنشد:] (*). من لم يبت والحب حشو فؤاده ... لم يدر كيف تفتت الأكباد أين رجال الليل؟! أين ابن أدهم والفضيل؟! ذهب الأبطال وبقي كل بطال، يا من رضي من الزهد بالزي، ومن الفقر بالاسم، ومن التصوف بالصوف، ومن التسبيح بالسبح، أين فضل الفضيل؟! أين جد الجنيد؟! أين سر السري؟! أين بشر بشر؟! أين همة ابن أدهم؟! ويحك إن لم تقدر عَلَى معرفة معروف فاندب عَلَى ربع رابعة هاتيك ربوعهم وفيها كانوا ... بانوا عنها فليتهم ما بانوا ناديتُ وفي حشاشتي نيران ... يا دار متى تحوَّل السكان؟! يا من كان له قلب فانقلب، يا من كان له وقت مع الله فذهب، قيام الأسحار يستوحش لك، صيام النهار يسأل عنك، ليالي الوصال تعاتبك عَلَى انقطاعك: تشاغلتم عنا بصحبة غيرنا ... وأظهرتم الهجران ما هكذا كنا وأقسمتم أن لا تحولوا عن الهوى ... فقد وحياة الحبِّ حلتم وما حلنا ليالي كنا نجتني من ثماركم ... فقلبي إِلَى تلك الليالي لقد حنّا

стр. 87

إخواني! مجالسُ الذكر شراب المحبين، وترياق المذنبين ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة: ٦٠]، مجالس الذكر مآتم الأحزان، فهذا يبكي لذنوبه، وهذا يندب لعيوبه وهذا يتأسف عَلَى فوات مطلوبه، وهذا يتلهف لإعراض محبوبه، وهذا ييوح بوجده، وهذا ينوح عَلَى (فقده) (*). ما أذكر عيشنا الَّذِي قد سلفا ... إلا وجف القلبُ وكم قد وجفا واهًا لزماننا الَّذِي كان صفا ... وا أسفًا وهل يَرُدُّ فائتًا واأسفا يا ليتنا بزمزم والحجر ... (يا حيرتنا) (**) قُبيل يوم النَّفر هل يرجع صفو ما مضى من عمري ... أدري ما كان ليتني لا أدري كأني أرى الخلع خُلعت عَلَى المقبولين، كأني أرى الملائكة تصافح التائبين، تعالوا نبكي عَلَى المطردوين: ما زالت دهرًا (للقلى) ( ... ) متعرضا ... ولطالما قد كنت عنا معرضا جانبتنا دهرًا فلما لم تجد ... عوضًا سوانا صرت تبكي ما مضى لو كنت لازمت الوقوف ببابنا ... للبست من إحساننا خلع الرضا لكن تركت حقوقنا وهجرتنا ... فلذاك ضاق عليك متسع الفضا تم الكتاب بحمد الله وحسن توفيقه وصلى الله عَلَى سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. ...