← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 151147

التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (297 стр.). Показаны 281–297 · переход к 286.

стр. 281

في النار، إلاَّ من لم تبلغه الدعوة، أو لم يتمكن من فهمها، عَلَى ما جاء فيهم من الاختلاف، والمنتسبون إِلَى اتباع الرسل، كثير منهم من تمسك بدين منسوخ، وكتاب مبدل، وهم أيضاً من أهل النار، كما قَالَ تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧]. وأما المنتسبون إِلَى الكتاب المحكم، والشريعة المؤيدة، والدين الحق، فكثير منهم من أهل النار أيضاً، وهم المنافقون الذين هم في الدرك الأسفل من النار، وأما المنتسبون إِلَيْه ظاهرًا وباطنًا، فكثير منهم فتن بالشبهات، وهم أهل البدع والضلال. وقد وردت الأحاديث بأن هذه الأمة ستفترق عَلَى بضع وسبعين فرقة، كلها في النار إلاَّ فرقة واحدة، وكثير منهم أيضًا فق بالشهوات المحرمة المتوعد عليها بالنار -وإن لم يقتض ذلك الخلود فيها- فلم ينج من الوعيد بالنار، ويستحق الوعد المطلق بالجنة من هذه الأمة، إلاَّ فرقة واحدة، وهي من كان عَلَى ما كان عليه النبيّ ﷺ وأصحابه ظاهرًا وباطنًا، وسلم من فتنة الشهوات والشبهات، وهؤلاء قليل جدًّا، لا سيما في الأزمان المتأخرة والقرآن يدل عَلَى أن أكثر الناس هم أهل النار، وهم الذين اتبعوا الشيطان، كما قَالَ تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٢٠]. وقال تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥]. فأما عصاة الموحدين، فأكثر من يدخل النار منهم النساء، كما في الصحيحين (١)، عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ ، أنّه قَالَ في خطبة الكسوف: "رأيت النار، ورأيت أكثر أهلها النساء، بكفرهن، قيل: أيكفرون بالله؟! قَالَ: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إِلَى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئًا، قالت: "ما رأيت منك خيرًا قط".

стр. 282

وفي صحيح مسلم (١) "عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: اطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء". وخرج البخاري (٢)، من حديث عمران بن حصين، عن النبيّ ﷺ مثله. وخرجا في الصحيحين (٣)، من حديث أبي سعيد الخدري، عن النبيّ ﷺ ، أنّه قَالَ: "يا معشر النساء، تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار"، فقلن: "ولم ذاك يا رسول الله"؟ قَالَ: "تكثرن [اللعن] (*) وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين، أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن". وخرج مسلم، من حديث جابر (٤) وابن عمر (٥) وأبي هريرة (٦)، عن النبيّ ﷺ بنحوه. وخرجا في الصحيحين (٧)، من حديث أسامة بن زيد ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "قمت عَلَى باب الجنة، فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجد محبوسون، غير أن أهل النار قد أمر بهم إِلَى النار، وقمت عَلَى باب النار، فَإِذَا عامة من دخلها النساء". وخرج الإمام أحمد (٨)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "اطلعت في الجنة، فرأيت [أكثر] (**) أهلها الفقراء، واطلعت في

стр. 283

النار فرأيت [أكثر] (*) أهلها الأغنياء والنساء". وفي صحيح مسلم (١)، عن عمران بن حصين، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "إن أقل ساكني الجنة النساء". وقد أشكل عَلَى بعض الناس الجمع بين هذا الحديث، وبين حديث أبي هريرة عن النبيّ ﷺ ، أنّه قَالَ في أهل الجنة: "لكل واحد منهم زوجتان". وفي صحيح مسلم (٢)، عن أيوب، عن ابن سيرين، قَالَ: إما تفاخروا، وإما تذاكروا، الرجال في الجنة أكثر أم النساء؟ فَقَالَ أبو هريرة: ألم يقل أبو القاسم، ﷺ : "إن أول زمرة تدخل الجنة، عَلَى صورة القمر ليلة البدر، والتي تليها عَلَى أضوء كوكب دري في السماء، لكل واحد منهم زوجتان اثنتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة أعزب". فرام بعضهم الجمع بين الحديثين، بأن قلة النساء في الجنة، إِنَّمَا هو قبل خروج عصاة الموحدين من النار، فَإِذَا خرجوا منها كان النساء حينئذ أكثر، والصحيح أن أبا هريرة أراد أن جنس النساء في الجنة أكثر من جنس الرجال، لأنّ كل رجل منهم له زوجتان، ولم يرد أن النساء من ولد آدم أكثر من الرجال. ويدل عَلَى هذا، أنّه ورد في بعض روايات حديث أبي هريرة هذا الصحيحة: "لكل واحد منهم زوجتان من الحور العين". كذلك رواه يونس، عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ خرّجه من طريقه الإمام أحمد (٣). وكذا رواه هشام، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، خرج حديثه البيهقي (٤).

стр. 284

وخرج هذه اللفظة البخاري (١) في صحيحه، من حديث عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ . ويشهد لذلك، وإن في بعض ألفاظ روايات حديث أبي هريرة هذا، المخرجة في الصحيح أيضاً (٢): "وأزواجهم الحور العين" بدل قوله: "لكل واحد منهم زوجتان"، فهاتان الزوجتان من الحور العين، لا بد لكل رجل دخل الجنة منهم، وأما الزيادة عَلَى ذلك، فتكون بحسب الدرجات والأعمال، ولم يثبت في حصر الزيادة عَلَى الزوجتين شيء. ويدل أيضاً عَلَى ما ذكرناه، ما خرّجه مسلم في صحيحه (٣)، من حديث أبي سعيد، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "أدنى أهل الجنة منزلة، رجل صرف الله وجهه عن النار قبل الجنة، فذكر الحديث، وفي آخره قَالَ: ثم يدخل بيته، فيدخل عليه زوجتان من الحور العين .. " وذكر الحديث. وكذلك ورد في الشهيد، إذا استشهد أنه "يبتدره زوجتان من الحور العين"، فدل هذا عَلَى أن لكل رجل من أهل الجنة زوجتين من الحور العين (٤)، ولو كان أدنى أهل الجنة منزلة، والله أعلم. وروى عبد الله بن الإمام أحمد بإسناده، عن أبي صالح، قَالَ: بلغنا أن أكثر ذنوب أهل النار في النساء، كأنه يشير في الزنا ومتعلقاته. وروى ابن أبي الدُّنْيَا، بإسناد منقطع، عن ابن مسعود، قَالَ: "ذنبان لا يغفران، فذكر أحدهما، رجل زين له سوء عمله فرآه حسنًا، فإن هذه التي يهلك فيها من يهلك من هذه الأمة". يشير إِلَى الشبهات المضلة، والله أعلم. ...

стр. 285

الباب الثلاثون في ذكر صفات أهل النار وأصنافهم وأقسامهم قد سبق قول ابن مسعود، أنّه لا يترك في النار سوى أربعة، وليس فيهم خير، وأخذه من قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٤ - ٤٦]. وفي الصحيحين (١)، عن "حارثة بن وهب، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم عَلَى الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار؟: كل عتل جواظ مستكبر". والعتل قَالَ مجاهد وعكرمة: هو القوي. وقال أبو رزين: هو الصحيح. وقاله عطاء بن يسار: عن وهب الذماري، قَالَ: تبكي السماء والأرض من رجل ألم الله خلقه، وأرحب جوفه، وأعطاه معظمًا من الدُّنْيَا، ثم يكون ظلومًا غشومًا للناس، وذلك العتل الزنيم. قَالَ إبراهيم النخعي: العتل: الفاجر، والزنيم: اللئيم في أخلاق الناس. وروى شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، وإن رسول الله ﷺ ، قَالَ: "لا يدخل الجنة جواظ ولا جعظري ولا العتل الزنيم. فَقَالَ رجل من المسلمين: ما الجواظ الجعظري والعتل الزنيم"؟ فَقَالَ رسول الله ﷺ : الجواظ: الَّذِي جمع ومنع، وأما الجعظري: فالفظ

стр. 286

الغليظ، قَالَ الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وأما العتل الزنيم: فشديد الخلق، رحيب الجوف، مصحح، أكول شروب، واجد للطعام والشراب، ظلوم للناس" (١). وروى معاوية بن صالح، عن كثير بن الحارث، عن القاسم مولى معاوية، قَالَ: سئل رسول الله ﷺ عن العتل الزنيم، قَالَ: "هو الفاحش اللئيم". قَالَ معاوية: وحدثني عياض بن عبد الله الفهري، عن موسى بن عقبة، عن النبيّ ﷺ بذلك. خرّجه له ابن أبي حاتم. وأما المستكبر، فهو الَّذِي يتعاطى التكبر عَلَى الناس والتعاظم عليهم، وقد قَالَ تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠]. وقد ذكرنا فيما سبق حديث "يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر، يساقون إِلَى سجن في النار، يقال له: بولس، نعلوهم نار الأنيار، يغشاهم الذل من كل مكان" (٢). فإن عقوبة التكبر الهوان والذل، كما قَالَ الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأحقاف: ٢٠]. وفي الحديث الصحيح، عن النبيّ ﷺ ، فيما يحكيه عن ربه ، قَالَ: "الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهن ألقيته في جهنم" (٣). وفي الصحيحين (٤)، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: لا يدخلني إلاَّ

стр. 287

ضعفاء الناس وسقطهم، قَالَ الله للجنة: أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء من عبادي،، وقال للنار: إِنَّمَا أنت عذابي، أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها، وأما النار فلا تمتلئ حتى يضع عليها رجله، فتقول قط قط، فهنالك تمتلئ، وينزوي بعضها إِلَى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحدًا، وأما الجنة، فإن الله ينشيء لها خلقًا". وفي رواية خرجها ابن أبي حاتم: فقالت النار: "مالي لا يدخلني إلاَّ الجبارون والمتكبرون والأشراف وأصحاب الأموال؟ ". وخرج الإمام أحمد (١)، من حديث أبي سعيد، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "افتخرت الجنة والنار، فقالت النار: يا رب، يدخلني الجبابرة والمتكبرون والملوك والأشراف، وقالت الجنة: أي رب، يدخلني الضعفاء والفقراء والمساكين" وذكر الحديث بمعنى ما تقدّم. وسبب هذا، وإن الله ، حف الجنة بالمكاره، وحف النار بالشهوات، كما قَالَ تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٣٧ - ٤١]. وفي صحيح البخاري (٢)، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "حجبت الجنة بالمكاره، وحجبت النار بالشهوات". وخرّجه مسلم (٣)، ولفظه: "حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات". وخرّجه أيضاً من حديث أنس (٤)، عن النبيّ ﷺ .

стр. 288

وخرّجه الإمام أحمد (١) وأبو داود (٢) والترمذي (٣) من حديث أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "لما خلق الله الجنة والنار، أرسل جبريل إِلَى الجنة"، فَقَالَ: انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قَالَ: فجاءها، فنظر إليها وإلى ما أعد لأهلها، قَالَ فرجع إِلَيْهِ، فَقَالَ: وعزتك، لا يسمع بها أحد إلاَّ دخلها، فأمر بها فحفت بالمكاره، فَقَالَ: ارجع إليها، فانظر إِلَى ما أعددت لأهلها، قَالَ: فرجع إليها، فَإِذَا هي قد حفت بالمكاره فرجع إِلَيْهِ، فَقَالَ: وعزتك، لقد خفت إلا يدخلها أحد، قَالَ: فاذهب إِلَى النار فانظر إِلَى ما أعددت لأهلها، قَالَ: فجاءها فنظر إليها فإذا هي يركب بعضها بعضًا، فرجع إِلَيْه فقال: وعزتك، لا يسمع بها أحد فيدخلها، فأمر بها فحفت بالشهوات، فَقَالَ: ارجع إليها فرجع إليها فَقَالَ: وعزتك، لقد خشيت ألا ينجو منها أحد إلاَّ دخلها". فتبين بهذا، أن صحة الجسد وقوته وكثرة المال والتنعم بشهوات الدُّنْيَا والتكبر والتعاظم عَلَى الخلق، وهي صفات أهل النار التي ذكرت في حديث حارثة بن وهب، هي جماع الطغيان والبغي، كما قَالَ تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧]. والطغيان وإيثار الحياة الدُّنْيَا وشهواتها من موجبات النار، كما قَالَ تعالى: ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: ٣٨ - ٤٠]. وأما الضعيف في البدن، والاستضعاف في الدُّنْيَا من قلة المال والسلطان، مع الإيمان فهو جماع كل خير، ولهذا يقال: من العصمة أن لا تجد، فهذه صفات أهل الجنة، التي ذكرت في حديث حارثة. وقد رُوي نحو حديث حارثة، من وجوه متعددة، وفي بعضها زيادات. خرج الإمام أحمد (٤) من حديث أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ:

стр. 289

ألا أنبئكم بأهل الجنة؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قَالَ: الضعفاء المغلوبون، ألا أنبئكم بأهل النار؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قَالَ: كل شديد جعظري، هم الذين لا يألمون رؤوسهم". ومن حديث سراقة بن مالك بن جعشم، أن النبيّ ﷺ ، قَالَ له: "يا سراقة، ألا أخبرك بأهل الجنة وأهل النار؟ قَالَ: بلى يا رسول الله، قَالَ: أما أهل النار فكل جعظري جواظ مستكبر، وأما أهل الجنة فالضعفاء المغلوبون" (١). ومن حديث عبد الله بن عمر، وعن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "أهل النار كل جعظري جواظ مستكبر جماع مناع، وأهل الجنة الضعفاء المغلوبون" (٢). ومن حديث أنس، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "ألا أخبركم بأهل الجنة وأهل النار؟ أما أهل الجنة، فكل ضعيف متضعف أشعث، ذو طمرين لو أقسم عَلَى الله لأبره، وأما أهل النار، فكل جعظري جواظ جماع مناع ذي تبع (٣) ". وقد سبق تفسير الجعظري بالفظ الغليظ الجافي. وخرج الطبراني (٤) من حديث أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: ألا أخبركم بصفة أهل النار وأهل الجنة"؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قَالَ: "كل ضعيف متضاعف، ذي طمرين، لو أقسم عَلَى الله لأبره، ألا أنبئكم بصفة أهل النار"؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قَالَ: "كل جظ جعظ مستكبر. قَالَ: فسألته ما الجظ؟ قَالَ: الضخم، أما الجعظر قَالَ: العظيم في نفسه".

стр. 290

وروى عثمان بن أبي العاتكة، عن أبي جعفر الحنفي، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "ألا أنبئكم بأهل النار"؟ قالوا: بلى، قَالَ: كل سمين ليس طيب الريح". وروى سليم بن عامر، عن فرات البهراني، عن أبي عامر الأشعري، أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ أهل النار؟ فَقَالَ: "لقد سألت عن عظيم، كل شديد قعبري" فَقَالَ: وما القعبري يا رسول الله؟ قَالَ: "الشديد عَلَى العشيرة، الشديد عَلَى الأهل، الشديد عَلَى الصاحب، قَالَ: فمن أهل الجنة يا رسول الله؟ فَقَالَ: "سبحان الله! لقد سألت عن عظيم، كل ضعيف مزهد" (١). وفي المعنى أحاديث أخر. وفي صحيح مسلم (٢) عن عياض بن حمار، أن النبيّ ﷺ ، قَالَ في خطبته: "وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى، ومسلم عفيف متعفف ذو عيال، وأهل النار خمسة: الضعيف الَّذِي لا زَبْرَ له (٣) الذين هم فيكم تبع لا يغون أهلاً ولا مالاً، والخائن الَّذِي لا يخفى له طمع وإن دق إلاَّ خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلاَّ وهو يخادعك عن أهلك ومالك" وذكر البخل والكذب والشنظير الفاحش. وفي هذا الحديث جعل النبيّ ﷺ أهل الجنة ثلاثة أصناف: أحدها: ذو السلطان المقسط المتصدق، وهو من كان له سلطان عَلَى الناس فسار في سلطانه بالعدل، ثم ارتقى إِلَى درجة الفضل. والثاني: الرحيم الرقيق القلب الَّذِي لا يخص برحمته قرابته، بل يرحم

стр. 291

المسلمين [عموماً] (*) فهذان القسمان أهل الفضل والإحسان. والثالث: العفيف المتعفف ذو العيال. وهو من يحتاج إِلَى ما عند الناس وهو يتعفف عنهم، وهذا أحد نوعي الجود، أعني العفة عما في أيدي الناس، لا سيما مع الحاجة. وقد وصف الله في كتابه أهل الجنة ببذل الندى وكف الأذى، ولو كان الأذى بحق فَقَالَ: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. فهذا حال معاملتهم للخلق ثم وصف قيامهم بحق الحق فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ إِلَى آخر الآيتين [آل عمران: ١٣٥ - ١٣٦]. فوصفهم الله عند الذنوب بالاستغفار، وعدم الإصرار وهو حقيقة التوبة النصوح. وقريب من هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ [البلد: ١١ - ١٨]. والعقبة قد فسرها ابن عباس بالنار، وفسرها ابن عمر بعقبة في النار كما تقدم، فأخبر سبحانه أن اقتحامها، وهو قطعها ومجاوزتها، يحصل بالإحسان إِلَى الخلق، إما بعتق الرقبة، وإما بالإطعام في المجاعة، والمُطْعَمُ إما يتيم من ذوي القربى أو مسكين قد لصق بالتراب فلم يبق له شيء، ولا بد مع الإحسان أن يكون من أهل الإيمان، والآمر لغيره بالعدل والإحسان، وهو التواصي بالصبر والتواصي بالمرحمة، وأخبر سبحانه أن هذه الأوصاف أوصاف أهل الميمنة. وأما أهل النار، فقد قسمهم النبيّ ﷺ خمسة أصناف:

стр. 292

الصنف الأول: الضعيف الَّذِي لا زبر له: ويعني بالزبر القوة والحرص عَلَى ما ينتفع به في الآخرة من التقوى والعمل الصالح. وخرج العقيلي (١) من حديث أبي هريرة مرفوعًا "إن الله يبغض المؤمن الَّذِي لا زبر له". قَالَ بعض رواة الحديث: يعني الشدة في الحق. ولما حدث مطرف بن عبد الله بحديث عياض بن حمار هذا وبلغ إِلَى قوله: "الضعيف الَّذِي لا زبر له" فقِيلَ لَهُ: أو يكون هذا؟ قَالَ: نعم، والله لقد أدركتهم في الجاهلية، وإن الرجل ليرعى عَلَى الحي [ماله] (*) إلاَّ وليدتهم يطؤها. وقال ابن شوذب: يقال: إن عامة أهل النار كل ضعيف لا زبر له، الذين هم من اليوم تبع لا يبغون أهلاً ولا مالاً، خرّجه عبد الله بن الإمام أحمد في الزهد. وهذا القسم شر أقسام الناس، ونفوسهم ساقطة، لأنّه ليس لهم همم في طلب الدُّنْيَا ولا الآخرة، وإنما همة أحدهم شهوة بطنه وفرجه كيف اتفق له، وهو تبع للناس خادم لهم أو طواف عليهم سائل لهم. الصنف الثاني: الخائن الَّذِي لا يخفى له طمع وإن دق إلاَّ خانه: يعني لا يقدر عَلَى خيانة ولو كانت حقيرة يسيرة إلاَّ بادر إليها واغتنمها، ويدخل في ذلك التطفيف في المكيال والميزان لحقر التافه، وكذلك الخيانة في الأمانات القليلة كالودائع وأموال اليتامى وغير ذلك وهي من خصال النفاق، وربما يدخل في الخيانة من خان الله ورسوله في ارتكاب المحارم سرًّا مع إظهار اجتنابها. قَالَ كثير من السَّلف: كنا نحدث أن صاحب النار من لا تمنعه خشية الله من

стр. 293

شيء [خفي له] (*). الصنف الثالث: المخادع الَّذِي دأبه صباحًا ومساءً مخادعة الناس عَلَى أهليهم وأموالهم: والخداع من أوصاف المنافقين، كما وصفهم الله تعالى بذلك، ومعناه إظهار الخير وإضمار الشر، لقصد التواصل إِلَى أموال الناس وأهاليهم والانتفاع بذلك، وهو من [جملة] (*) المكر والحيل المحرمة، وفي حديث ابن مسعود عن النبيّ ﷺ : "من غشنا فليس منا، والمكر والخداع في النار" (١). المصنف الرابع: الكذب والبخل: ولم يحفظ الراوي ما قاله ﷺ في هذا حفظًا جيِّدًا، والكذب والبخل خصلتان. وفي مسند الإمام أحمد (٢) في هذا الحديث الكذب أو البخل بالشك، وقد قيل: إنه عدهما واحدًا، كذا قاله مطر الورق وهو أحد رواة هذا الحديث. والكذب والبخل، كلاهما ينشأ عن الشح، كما جاء في الحديث، والشح هو شدة حرص الإنسان عَلَى ما ليس له من الوجوه المحرمة، وينشأ عنه البخل، وهو إمساك الإنسان ما في يده والامتناع من إخراجه في وجوهه التي أمر بها، فالمخادع الَّذِي سبق ذكره هو الشحيح، وهذا المصنف هو البخيل، فالشحيح آخذ المال بغير حقه، والبخل منعه من حقه، كذلك رُوي تفسير الشح والبخل عن ابن مسعود وطاووس وغيرهما من السَّلف.

стр. 294

وفي الأثر إن الشيطان قَالَ: مهما غلبني ابن آدم فلم يغلبني بثلاث: يأخذ المال من غير حله، أو ينفقه في غير وجهه، أو يمنعه من حقه. وينشأ عن الشح أيضاً، الكذب والمخادعة والتحيل عَلَى ما لا يستحقه الإنسان بالطرق الباطلة المحرمة. وفي الصحيح (١) عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "إن الكذب يهدي إِلَى الفجور، والفجور يهدي إِلَى النار". وفي "المسند" (٢) عن عبد الله بن عمر، وقَالَ: سئل النبيّ ﷺ ما عمل أهل النار؟ قَالَ: "الكذب، إذا كذب العبد فجر، وإذا فجر كفر وإذا كفر دخل النار". الصنف الخامس: الشنظير: وقد فسر بسيء الخلق، والفحاش هو الفاحش المتفحش، وفي الصحيحين (٣) عن عائشة ﵂، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "إن من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه". وفي الترمذي (٤)، عن ابن مسعود، عن النبيّ ﷺ "إن الله يبغض الفاحش البذيء". والبذيء هو الَّذِي يجري عَلَى لسانه بالسفه ونحوه من لغو الكلام. وفي "المسند" (٥) عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "بحسب امرئ من الشر أن يكون فاحشًا بذيئًا بخيلاً جبانًا". فالفاحش هو الَّذِي يفحش في منطقه ويستقبل الرجال بقبيح الكلام من السب ونحوه، ويأتي في كلامه بالسخف وما يفحش ذكره.

стр. 295

فصل في ذكر أول من يدخل النار من عصاة الموحدين خرج الإمام أحمد (١) من حديث أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "عرض علي أول ثلاثة يدخلون الجنة، وأول ثلاثة يدخلون النار، فأما أول ثلاثة يدخلون الجنة فالشهيد، وعبد مملوك لا يشغله رق الدُّنْيَا عن طاعة ربه، وفقير متعفف ذو عيال، وأول ثلاثة يدخلون النار: فأمير متسلط، وذو ثروة من مال لا يؤدي حق الله في ماله، وفقير فخور". وخرج الترمذي (٢) أوله وقال: حديث حسن. فهؤلاء الأصناف الثلاثة من أهل النار، وضد الأصناف الثلاثة من أهل الجنة المذكورين في حديث عياض بن حمار، فإن السلطان المسلط ضد العادل المحسن، والغني الَّذِي يمنع حق الله ضد الرحيم الرقيق القلب بذي القربى وكل مسلم، والفقير الفخور ضد المتعفف الصابر عَلَى شدة الفقر وضره. وأوصاف هؤلاء الثلاثة هي: الظلم، والبخل، والكبر، والثلاثة ترجع إِلَى الظلم، لأنّ المسلط يظلم الناس بيده، والبخيل يظلم الفقراء بمنع حقوقهم الواجبة في ماله، والفقير الفخور يظلم الناس بفخره عليهم، بقوله، وأذاه لهم بلسانه. وفي صحيح مسلم (٣)، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ ، في حديث طويل ذكر فيه المقاتل والقارئ والمتصدق الذين يراءون بأعمالهم،

стр. 296

وقال: "أولئك أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة يا أبا هريرة". فقد يجمع بين هذا الحديث والذي قبله، بأن هؤلاء الثلاثة أول من تسعر بهم النار، وأولئك الثلاثة أول من يدخل النار وتسعير النار أخص من دخولها، فإن تسعيرها يقتضي تلهيبها وإيقادها، وهذا قدر زائد عَلَى مجرد الدخول، وإنما زاد عذاب أهل الرياء عَلَى سائر العصاة، لأنّ الرياء هو الشرك الأصغر، والذنوب المتعلقة بالشرك أعظم من المتعلقة بغيره. وقد ورد أن فسقة القراء يبدأ بهم قبل المشركين، فروى عبد الملك بن إبراهيم الجدي، حدثنا عبد الله بن عبد العزيز العمري، عن أبي طوالة، عن أنس، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "الزبابية أسرع إِلَى فسقة القراء منهم إِلَى عبدة الأوثان"، فيَقُولُونَ: "يبدأ بنا قبل عبدة الأوثان؟ فيقال لهم: ليس من علم كمن لا يعلم". خرّجه الطبراني (١) وأبو نعيم (٢) وقال: غريب من حديث أبي طوالة، تفرد به عنه العمري، انتهى. والعمري هذا هو أبو عبد الرحمن الزاهد ﵀. وقد ذكرنا، في الباب الخامس والعشرين، أحاديث متعددة في خروج عنق من النار يوم القيامة، تتكلم، وأنها تلتقط من صفوف الخلق: المشركين والمتكبرين وأصحاب التصاوير، وفي رواية "ومن قتل نفسًا بغير نفس، فينطلق بهم قبل سائر الناس بخمسمائة عام". وروى ابن عباس وغيره من السَّلف، وإن ذلك يكون قبل نشر الدواوين ونصب الموازين.

стр. 297

وجاء في حديث مرفوع، وإن ذلك يكون قبل حساب الناس، والله أعلم. تم الكتاب بحمد الله وحسن توفيقه، فالحمد لله، ولا إله إلاَّ الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله العلي العظيم. وقد وقع الفراغ من نسخه صبح الخميس رابع يوم من شهر ربيع الآخر من سنة خمس وخمسين وثلاثمائة وألف من الجرة النبوية، عَلَى مهاجرها أفضل الصلاة والسلام، عَلَى يد الفقير إِلَى ربه، المقر بالذنب والتقصير الراجي عفو ربه وإحسانه صالح بن عبد العزيز بن مرشد، غفر الله له ذنوبه، وثبته عَلَى دينه، وأحسن له الخاتمة، وغفر لوالديه وذريته وإخوانه وقرابته وجميع المسلمين والمؤمنات، وصلى الله عَلَى نبينا محمد وعلى آله وصحه أجمعين، وسلم تسليمًا كثيرًا، والحمد لله رب العالمين حمدًا كثيرًا. ***