ظهراني جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيزه، ولا يتكلم يومئذ إلاَّ الرسل، ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم السعدان؟
قالوا: "نعم يا رسول الله.
قَالَ: فإنَّه مثل شوك السعدان، غير أنّه لا يعلم قدر عظمها إلاَّ الله ، تخطف الناس بأعمالهم، [فمنهم الموبق بعمله]، ومنهم المجازى حتى ينجى".
وذكر الحديث. وفي آخره قَالَ: وأبو سعيد الخدري مع أبي هريرة لا يرد عليه من حديثه شيئًا.
وخرج مسلم (١)، من حديث أبي مالك الأشجعي، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، وأبي مالك، عن ربعي، عن حذيفة، كلاهما عن النبيّ ﷺ ، فذكر حديث الشفاعة، وفيه قَالَ: فيأتون محمدًا ﷺ فيقوم، ويؤذن له، وترسل معه الأمانة والرحم، فيقومان جنبتي الصراط يمينًا وشمالاً، فيمر أولكم كالبرق قَالَ: قلت بأبي أنت وأمي، أي شيء كمر البرق؟ قَالَ: ألم تروا إِلَى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين؟! ثم كمر الريح، ثم كمر الطير، وأشد الرجال تجري بهم أعمالهم، ونبيكم ﷺ ، قائم عَلَى الصراط يقول: "رب سلم سلم، حتى تعجز أعمال العباد، وحتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلاَّ زحفًا قَالَ: وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة، مأمورة بأخذ من أمرت بأخذه، فمخدوش ناج، ومكردس في النار. والذي نفس أبي هريرة بيده إن قعر جهنم لسبعين خريفًا".
وفي حديث الصور الطويل، الَّذِي سبقت الإشارة إِلَيْهِ، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم، كَقَدْر الشَّعْرَة أو كحد السيف، له كلاليب وخطاطيف، وحسك كحسك السعدان، دونه جسر دحض مزلقة". وهو يشعر بالتفريق بين الجسر والصراط، والأحاديث الصحيحة السابقة تدل عَلَى أنهما واحد.
وروى أبو خالد الدالاني، عن المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة، عن مسروق، عن عبد الله، عن النبيّ ﷺ ، فذكر حديثًا طويلاً، وفيه قَالَ: والصراط
стр. 247
كحد السيف، دحض مزلة قَالَ: فيَقُولُونَ: "انجوا عَلَى قدر نوركم، فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالطرف، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كأشد الرجال ويرمل رملاً، فيمرون عَلَى قدر أعمالهم، حتى يمر الَّذِي نوره عَلَى إبهام قدمه، تخر يد وتتعلق يد، وتخر رجل وتعلق رجل، فتصيب جوانبه النار". خرّجه الحاكم (١) وصححه هو وغيره من الحفاظ.
وفي سنن أبي داود (٢)، عن الحسن، عن عائشة ﵂، أنها ذكرت النار فبكت، فَقَالَ لها رسول الله ﷺ : مالك يا عائشة؟ قالت: ذكرت النار فبكيت، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؛ فَقَالَ رسول الله ﷺ : أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحدًا: عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزإنه أم يثقل؟ وعند الكتب حين يقال: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩]، حتى يعلم أين يقع كتابه أفي يمينه أو من وراء ظهره؟ وعند الصراط إذا وضع بين ظهراني جهنم حافتاه كلاليب كثيرة وحسك كثيرة، يحبس الله بها من شاء من خلقه، حتى يعلم أينجو أم لا؟.
وروى ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن القاسم، عن عائشة ﵂، عن النبيّ ﷺ نحوه. إلاَّ أنّه ذكر الميزان وتطاير الكتب وخروج عنق من النار، وقال: "لجهنم جسر أدق من الشعر وأحد من السيف، وعليه كلاليب وحسك تأخذ من شاء الله، والناس عليه كالطرف وكالبرق وكالريح وكأجاود الخيل والركاب، والملائكة يَقُولُونَ: رب سلم سلم، فناج مسلم، ومخدوش مسلم، ومكور في النار عَلَى وجهه" خرّجه الإمام أحمد (٣).
وروى أبو سلام الدمشقي: حدثني عبد الرحمن، حدثني رجل من كندة، قال: أتيت عائشة، فقلت: حدثك رسول الله ﷺ ، أنّه يأتي عليه ساعة لا يملك
стр. 248
لأحد فيها شفاعة؟ قالت: [لقد] (*) سألته عن هذا، قَالَ: نعم، حين يوضع الصراط، لا أملك لأحد فيه شفاعة، حتى أعلم أين يسلك بي؟ ويوم تبيض وجوه وتسود وجوه، حتى أنظر ماذا يفعل بي أوقال: يوحى إلي؟ وعند الجسر، حين يستحد ويستحر.
قلت: وما يستحد ويستحر؟
قَالَ: يستحد حتى يكون مثل شفرة السيف، ويستحر حتى يكون مثل الجمرة، فأما المؤمن، فيجيزه ولا يضره، وأما المنافق، فيتعلق، حتى إذا بلغ وسطه، خر من قدميه، [فهوى بيده إِلَى قدميه. قالت: فهل رأيت من يسعى حافيًا، فتأخذه شوكة حتى كادت تنفذ قدميه؟!] (*) فإنها كذلك، يهوي بيده ورأسه إِلَى قدميه، فتضربه الزبانية بخطاف في ناصيته وقدميه، فتقذفه في جهنم، فيهوي فيها مقدار خمسين عامًا. قلت: وما ثقل الرجل؟ قَالَ: ثقل عشر خلفات سمان فيومئذ: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١]. خرّجه بقي بن مخلد في "مسنده" وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١) وفي إسناده جهالة، وفي بعض ألفاظه نكارة.
والأحاديث الصحيحة تدل عَلَى أن الصراط، إِنَّمَا يوضع بعد الإذن في الشفاعة كما سبق.
وخرج الإمام أحمد (٢)، من حديث أبي بكرة، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "يحمل
стр. 249
الناس عَلَى الصراط يوم القيامة، فتتقاذع بهم جنبتا الصراط، تقاذع الفراش في النار، فينجي الله برحمته من يشاء".
وخرج الحاكم (١)، من حديث سلمان الفارسي، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: يوضع الصراط مثل حد الموسى، فتقول الملائكة: من ينجو عَلَى هذا؟
فيقول: "من شئت من خلقي فيَقُولُونَ: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك".
وقال: صحيح. قلت: المعروف أنّه موقوف عَلَى سلمان الفارسي، من قوله.
وخرج الحاكم (٢) أيضاً، من حديث أبي رزين العقيلي، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "فتسلكون جسرًا من النار، يطأ أحدكم الجمرة، فيقول: حس حس، فيقول ربك: ادنه".
وخرج البيهقي، من حديث زياد النميري، عن أنس، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "الصراط كحد الشفرة أو كحد السيف، وإن الملائكة ينجون المؤمنين والمؤمنات، وإن جبريل لآخذ بحجزتي، وإني لأقول: "يا رب سلم سلم، فالزالون والزالات يومئذ كثير".
وخرج أيضاً (٣)، من حديث سعيد بن زربي، عن يزيد الرقاشي، عن أنس، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "عَلَى جهنم جسر مجسور، أدق من الشعر وأحد من السيف، أعلاه نحو الجنة دحض مزلة، بجنبتيه كلاليب وحسك النار، يحبس الله بها من يشاء من عباده، الزالون والزالات يومئذ كثيرٌ، والملائكة بجانبيه قيام ينادون: اللهم سلم سلم، فمن جاء بحق يوم القيامة جاز، ويعطون النور يومئذ عَلَى قدر إيمانهم وعمالهم، فمنهم من يمضي عليه كلمح البرق، ومنهم من يمضي
стр. 250
عليه كمر الريح، ومنهم من يمضي عليه كمر الفرس السابقة، ومنهم من يشتد عليه شدًّا، ومنهم من يهرول، ومنهم من يعطى نوره إِلَى موضع قدميه، ومنهم من يحبو حبوًا، وتأخذ النار منهم بذنوب أصابوها، فعند ذلك يقول المؤمنون: "بسم الله حس حس ويلتوي، وهي تحرق من شاء الله منهم عَلَى قدر ذنوبهم". ثم قَالَ البيهقى في زياد النميري ويزيد الرقاشي وسعيد بن زربي: ليسوا بأقوياء.
وخرج أيضاً (١) من حديث "عبيد بن عمير"، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "الصراط عَلَى جهنم مثل حرف السيف، بجنبتيه الكلاليب والحسك، فيركبه الناس، فيختطفون، والذي نفسي بيده، إنه ليؤخذ بالكلوب الواحد أكثر من ربيعة ومضر". وهذا مرسل.
وخرّجه من وجه آخر موقوفًا عَلَى عبيد بن عمير مختصرًا.
وخرج أيضاً (٢) بإسناده، عن ابن مسعود ﵁، قَالَ: "الصراط عَلَى جهنم مثل حد السيف".
وخرج الترمذي (٣)، بإسناد فيه ضعف، عن المغيرة بن شعبة، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "شعار المؤمنين عَلَى الصراط رب سلم سلم".
ويروى نحوه من حديث أنس مرفوعًا بإسناد لا يصح.
وروى منصور بن عمار، عن ابن لهيعة، عن أبي قبيل، عن عبد الله بن عمرو، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "شعار أمتي إذا حملوا عَلَى الصراط: لا إله إلاَّ أنت" (٤). وهذا فيه نكارة، والله أعلم.
стр. 251
وفي صحيح مسلم (١) "عن مسروق، عن عائشة ﵂، أنها سألت النبيّ ﷺ : "أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ قَالَ: عَلَى الصراط".
وفيه أيضاً (٢) عن ثوبان، أن حبرًا من اليهود، سأل النبيّ ﷺ : أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟
قَالَ: "هم في الظلمة دون الجسر.
قَالَ: فمن أول الناس إجازة؟ فَقَالَ: فقراء المهاجرين" وذكر الحديث. ويمكن الجمع بين الحديثين، بأن الظلمة دون الجسر حكمها حكم الجسر، وفيها تقسيم الأنوار للجواز عَلَى الجسر، فقد يقع تبدل الأرض والسموات وطي السماء، من حين وقوع الناس في الظلمة، ويمتد ذلك إِلَى حال المرور عَلَى الصراط، والله أعلم.
واعلم أن الناس منقسمون إِلَى مؤمن يعبد الله وحده لا شريك به شيئًا، ومشرك يعبد مع الله غيره، فأما المشركون فإنهم لا يمرون عَلَى الصراط إِنَّمَا يقمعون في النار قبل وضع الصراط، ويدل عَلَى ذلك ما في الصحيحين" (٣) عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فذكر الحديث إِلَى أن قَالَ: ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيزه".
وفيهما أيضاً (٤)، عن أبي سعيد الخدري، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "إذا كان يوم القيامة، أذن مؤذن: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله
стр. 252
من الأصنام والأنصاب إلاَّ يتساقطون فى النار، حتى إذا لم يبق إلاَّ من كان يعبد الله من بر وفاجر، وغُبَّرِ أهل الكتاب، فيدعى اليهود، فيقال: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله.
قَالَ لهم: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فماذا تبغون؟
قالوا: عطشنا يا ربنا فاسقنا، فيشار إليهم ألا تردون؟
فيحشرون إِلَى النار، كأنها سراب، يحطم بعضها بعضًا، فيتساقطون في النار، ثم يدعى النصارى، فيقال لهم: ما كنتم من تعبدون؟
قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال لهم: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد. فيقال لهم: ماذا تبغون؟
فيَقُولُونَ: عطشنا يا ربنا فاسقنا. قَالَ: فيشار إليهم ألا تردون؟
فيحشرون إِلَى جهنم، كأنها سراب، يحطم بعضها بعضًا، فيتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلاَّ من كان يعبد الله تعالى من بر وفاجر، أتاهم رب العالمين".
فذكر الحديث إِلَى أن قَالَ: "فيكشف عن ساق، فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلاَّ أذن الله له بالسجود، ولا يبقى إلاَّ من كان يسجد اتقاء ورياء، إلاَّ جعل الله ظهره طبقًا واحدًا، كما أراد أن يسجد، خر عَلَى قفاه، ثم يرفعون رءوسهم، وقد تحول من صورته التي رأوه فيها أول مرة، فيقول: "أنا ربكم. فيَقُولُونَ: أنت ربنا. ثم يضرب الجسر عَلَى جهنم". وذكر الحديث.
وعند البخاري (١) في رواية "ثم يؤتى بجهنم، تعرض كأنها السراب، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ " وذكر الباقي بمعناه.
فهذا الحديث صريح في أن كل من أظهر عبادة شيء سوى الله، كالمسيح وعزير من أهل الكتاب، فإنه يلحق بالمشركين في الوقوع في النار قبل نصب الصراط، إلاَّ أن عباد الأصنام والشمس والقمر وغير ذلك من المشركين تتبع كل فرقة منهم ما كانت تعبد في الدُّنْيَا، فترد النار مع معبودها أولاً، وقد دلّ القرآن
стр. 253
عَلَى هذا المعنى، في قوله تعالى في شأن فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨].
وأما من عبد المسيح والعزير من أهل الكتاب، فإنهم يتخلفون مع أهل الملل المنتسبين إِلَى الأنبياء، ثم يردون النار بعد ذلك.
وقد ورد في حديث آخر: "أن من كان يعبد المسيح، يمثل له شيطان المسيح فيتبعونه، وكذلك من كان يعبد العزير".
وفي حديث الصور أنّه. "يمثل لهم ملك عَلَى صورة المسيح، وملك عَلَى صورة العزير، ولا يبقى بعد ذلك إلاَّ من كان لا يعبد غير الله وحده في الظاهر، سواء كان صادقًا ومنافقًا من هذه الأمة وغيرها، ثم يتميز المنافقون عَلَى المؤمنين بامتناعهم من السجود، وكذلك يمتازون عنهم بالنور الَّذِي يقسم للمؤمنين".
وقد اختلف السَّلف، هل يقسم للمنافق نور مع المؤمنين ثم يطفأ، أو لا يقسم له نور بالكلية، عَلَى قولين:
فَقَالَ أحدهما: إنه لا يقسم له نور بالكلية.
قَالَ صفوان بن عمرو: حدثني سليم بن عامر، سمع أبا أمامة يقول: يغشى الناس ظلمة شديدة -يعني يوم القيامة- ثم يقسم النور، فيعطى المؤمن نورًا، ويترك الكافر والمنافق، فلا يعطيان شيئًا، وهو المثل الَّذِي ضربه الله في كتابه قَالَ تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] فلا يستضيء الكافر والمنافق بنور المؤمن، كما لا يستضيء الأعمى ببصر البصير، و ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد: ١٣]. قَالَ: وهي خدعة الله التي خدع بها المنافقين، قَالَ : ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ فيرجعون إِلَى المواضع التي قسم فيها النور، فلا يجدون شيئًا، فينصرفون إليهم ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ إِلَى قوله: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾
стр. 254
[الحديد: ١٣ - ١٥] قَالَ سليم: فما يزال المنافق مغترًّا، حتى يقسم النور، ويميز الله بين سبيل المؤمن والمنافق. خرّجه ابن أبي حاتم (١).
وخرج أيضاً من رواية مقاتل بن حيان والضحاك، عن ابن عباس (٢)، ما يدل عَلَى مثل هذا القول أيضاً، ولكنه منقطع.
والقول الثاني: أنّه يقسم للمنافقين النور مع المؤمنين كما كانوا مع المؤمنين في الدُّنْيَا، ثم يطفأ نور المنافقين إذ بلغ السور. قاله مجاهد.
وروى عتبة بن يقظان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قَالَ: ليس أحد من أهل التوحيد إلاَّ يعطى نورًا يوم القيامة، فأما المنافقين فيطفأ نوره، فالمؤمن يشفق مما يرى من إطفاء نور المنافق فهم: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ [التحريم: ٨].
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد نحوه. وكذا روى جويبر عن الضحاك.
وسنذكره في الباب الآتي إن شاء الله، من حديث جابر، عن النبيّ ﷺ ، ما يدل عَلَى صحة هذا القول.
وقال آدم بن أبي إياس: "أنبأنا المبارك بن فضالة، عن الحسن"، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "يدفع يوم القيامة إِلَى كل مؤمن نور، وإلى كل منافق نور، فيمشون معه، فبينا نحن عَلَى الصراط إذ غشينا ظلمة، فيطفأ نور المنافق، ويضيء نور المؤمن، فعند ذلك ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ [التحريم: ٨] حين طفئ نور المنافقين" (٣).
وقد سبق صفة مشي المنافق عَلَى الصراط في حديث عائشة، وإن كان في إسناده ضعف.
وروى بشر بن شغاف، عن عبد الله بن سلام، قَالَ: "يوضع الجسر عَلَى
стр. 255
جهنم، ثم ينادي مناد: أين أحمد وأمته؟
فيقوم، فتتبعه أمته برها وفاجرها، قَالَ: فيأخذون الجسر فيطمس الله أبصار أعدائه، فيتهافتون فيها من شمال ويمين وينجو النبيّ ﷺ والصالحون معه، ثم ينادي مناد: أين عيسى وأمته؟
فيقوم، ويتبعه أمته برها وفاجرها، فيأخذون الجسر، فيطمس الله أبصار أعدائه، فيتهافتون فيها من شمال ويمين، وينجو النبيّ ﷺ والصالحون معه، ويتبعهم الأنبياء والأمم، حتى يكون آخرهم نوح، رحم الله نوح". خرّجه ابن خزيمة وغيره (١).
وقد تبين بما ذكرنا في هذا الباب، من حديث ابن مسعود وأنس وغيرهما أن اقتسام المؤمنين الأنوار، عَلَى حسب إيمانهم وأعمالهم الصالحة، وكذلك مشيهم عَلَى الصراط في السرعة والإبطاء. وهذا أيضاً مذكور في حديث حذيفة وأبي هريرة وغيرهما.
وروى أبو الزعراء، عن ابن مسعود، قَالَ: يأمر الله بالصراط، فيضرب عَلَى جهنم، فيمر الناس عَلَى قدر أعمالهم زمرًا زمرًا، أوائلهم كلمح البرق، ثم كمر الريح، ثم كمر الطير، ثم كمر البهائم، حتى يمر الرجل سعيًا، وحتى يمر الرجل مشيًا، وحتى يجيء آخرهم يتلبط عَلَى بطنه، فيقول: يا رب لم أبطأت بي؟ فيقول: "إني لم أبطئ بك، إِنَّمَا أبطأ بك عملك" (٢).
وذلك لأنّ الإيمان والعمل الصالح في الدُّنْيَا هو الصراط المستقيم في الدُّنْيَا [الَّذِي أمر الله العباد بسلوكه والاستقامة عليه، وأمرهم بسؤال الهداية إِلَيْهِ، فمن استقام سيره عَلَى هذا المستقيم في الدُّنْيَا] (*) ظاهرًا وباطنًا، استقام مشيه عَلَى ذلك الصراط المنصوب عَلَى متن جهنم، و [من] (*) لم يستقم سيره عَلَى هذا الصراط المستقيم في الدُّنْيَا بل انحرف عنه إما إِلَى فتنة الشبهات أو إِلَى فتنة
стр. 256
الشهوات، كان اختطاف الكلاليب له عَلَى متن جهنم بحسب اختطاف الشبهات أو الشهوات له عن هذا الصراط المستقيم، كما في حديث أبي هريرة: "إنها تخطف الناس بأعمالهم" (١).
وروى الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن عبد الله، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] قَالَ: من وراء الصراط ثلاثة جسور، جسر عليه الأمانة، وجسر عليه الرحم، وجسر عليه الرب ﵎.
وقال أيفع بن عَبْدٍ الكلاعي: لجهنم سبع قناطر، والصراط عليها، وذكر أنّه يحبس الخلق عند القنطرة الأولى، فيسألون عن الصلاة، فيهلك من يهلك وينجو من ينجو ويحبسون عند القنطرة الثانية، فيسألون الأمانة، هل أدوها أم أضاعوها فيهلك من يهلك، وينجو من ينجو، ثم يحبسون عند الثالثة، فيسألون عن الرحم.
وقد ذكرنا فيما تقدم غير حديث في حبس الولاة عَلَى جسر جهنم، وتزلزل الجسر بهم.
وخرج أبو داود (٢) من حديث معاذ بن أنس الجهني، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "من رمى مسلمًا بشيء يريد به تشيينه، حبسه الله عَلَى جسر جهنم حتى يخرج مما قَالَ".
وقد رُوي بلفظ آخر وهو "من قَالَ في مؤمن ما لا يعلم، حبسه الله عَلَى جسر جهنم، حتى يخرج مما قَالَ" (٣).
وروى ابن أبي الدُّنْيَا بإسناده، عن أبي سليمان الداراني، قَالَ: وصفت لأختي عبدة قنطرة من قناطر جهنم، فأقامت يومًا وليلة في صيحة واحدة ما
стр. 257
تسكت، ثم انقطع عنها بعد، فكلما ذكرت لها صاحت.
قِيلَ لَهُ: من أي شيء كان صياحها؟
قَالَ: مثلت في نفسها عَلَى القنطرة وهي تكفأ بها.
وكان أبو سليمان يقول: إذا سمعت الرجل يقول لآخر: بيني وبينك الصراط فإنه لا يعرف الصراط فإنه لا يعرف الصراط ولا يدري ما هو، لو عرف الصراط أَحَبّ أن لا يتعلَّق بأحد ولا يتعلَّق به أحد.
وكان أبو مسلم الخولاني يقول لامرأته: يا أم مسلم، شدي رحلك، فليس عَلَى جسر جهنم معبر.
وروى ابن أبي الدُّنْيَا، من طريق معاوية بن صالح، عن أبي اليمان، وإن رجلاً كان شابًّا أسود الرأس واللحية، فنام ليلة، فرأى في منامه، كان الناس حشروا، وإذا بنهر من لهب نار، وإذا جسر يجوز الناس عليه، يدعون بأسمائهم، فإذا دعي الرجل أجاب، فناج وهالك، قَالَ: فدعي باسمي، فدخلت في الجسر، فإذا حده كحد السيف، يمور بي يمينًا وشمالاً، قَالَ: فأصبح الرجل أبيض اللحية والرأس مما رأى.
وسمع أسود بن سالم رجلاً ينشد هذين البيتين:
أمامي موقوف قدام ربي ... فيسألني وينكشف الغطاء
وحسبي أن أمر عَلَى صراط ... كحد السيف أسفله لظاء
فغشي عليه.
ورُوي عن بشر بن الحارث، قَالَ: قَالَ لي فضيل بن عياض: يا بشر، مسيرة الصراط مسيرة خمسة عشر ألف فرسخ، فانظر كيف نكون عَلَى الصراط.
وقال محمد بن السماك سمعت رجلاً من زهاد أهل البصرة يقول: الصراط ثلاثة آلاف سنة، [ألف سنة] (*) يصعدون [فيه] (*)، وألف سنة يستوي بهم،
стр. 258
وألف سنة يهبطون منه.
وروى فيض بن إسحاق، عن الفضيل، قَالَ: الصراط [أربعون] (*) ألف فرسخ.
وروى ابن أبي الدُّنْيَا، في "كتاب الأولياء"، من حديث جعفر بن سليمان، قَالَ: سمعت مالك بن دينار يسأل علي بن زيد -وهو يبكي- فَقَالَ: يا أبا الحسن، كم بلغك أن ولي الله يحبس عَلَى الصراط؟
قَالَ: كقدر رجل في صلاة مكتوبة، أتم ركوعها وسجودها.
قَالَ فهل بلغك أن الصراط يتسع لأولياء الله؟
قَالَ: نعم.
ومن حديث رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد ابن أبي هلال، قَالَ: [بلغنا] (*) أن الصراط يكون عَلَى بعض الناس أدق من الشعر، وعلى بعض الناس مثل الوادي الواسع.
وقال سهل التستري، من دق عليه الصراط في الدُّنْيَا عرض عليه في الآخرة، ومن عرض عليه الصراط في الدُّنْيَا دق عليه في الآخرة.
ومعنى هذا، أن من ضيق عَلَى نفسه في الدُّنْيَا، باتباع الأمر واجتناب النهي، وهو حقيقة الاستقامة عَلَى الصراط المستقيم [في الدُّنْيَا] (*)، كان جزاؤه أن يتسع له الصراط في الآخرة، ومن وسع عَلَى نفسه في الدُّنْيَا، باتباع الشهوات المحرمة، والشبهات المضلة، حتى خرج عن الصراط المستقيم، ضاق عليه الصراط في الآخرة بحسب ذلك، والله أعلم.
رأى بعض السَّلف رجلاً يضحك، فَقَالَ له: ما أضحكك؟
ليس تقر عينك أبدًا أو تخلف جهنم وراءك.
стр. 259
وقال أحمد بن أبي الحواري: حدثنا يونس الحذاء، عن أبي حمزة البيساني، عن معاذ بن جبل يرفعه، قَالَ: "إن المؤمن لا تسكن روعته، ولا يأمن أضرابه، حتى يخلف جسر جهنم خلف ظهره". خرّجه ابن أبي حاتم، وقال: أبو حمزة مجهول، ويونس الحذاء، قَالَ: وأبو حمزة عن معاذ مرسل، والله أعلم.
***
стр. 260
الباب السابع والعشرون - في ذكر ورود النار نجانا الله منها بفضله ورحمته
قَالَ الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧١ - ٧٢].
روى إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قَالَ: بكى عبد الله بن رواحة، فبكت امرأته، فَقَالَ لها: ما يبكيك؟
قالت: رأيتك تبكي فبكيت، قَالَ: إني ذكرت هذه الآية ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ وقد علمت أني داخلها، فلا أدري، أناج منها أم لا؟ (١).
وروى ابن المبارك (٢)، عن عباد المنقري، عن بكر المزني، قَالَ: لما نزلت هذه الآية ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] ذهب ابن روحة إِلَى بيته فبكى، فجاءت المرأة فبكت، وجاءتِ الخادمُ فبكتْ، وجاء أهل البيت فجعلوا يبكون، فلما انقطعت عبرته قَالَ: يا أهلاه، ما يبكيكم؟
قالوا: لا ندري، ولكنا رأيناك بكيت فبكينا، قَالَ: آية نزلت عَلَى رسول الله ﷺ ، ينبئني فيها ربي أني وارد النار، ولم ينبئني أني صادر عنها [فذلك الَّذِي أبكاني] (٣).
وقال موسى بن عقبة، في "مغازيه": زعموا أن ابن رواحة بكى حين أراد الخروج إِلَى مؤتة، فبكى أهله حين رأوه يبكي، فَقَالَ: والله ما بكيت [جزعًا] من الموت ولا صبابة لكم، ولكني بكيت [جزعًا] (*) من قول الله :
стр. 261
﴿وِإن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فأيقنت أني واردها، ولا أدري أنجو منها أم لا؟ (١).
وقال حفص بن حميد، عن شمر بن عطية: كان عمر بن الخطاب، ﵁، إذا قرأ هذه الآية يبكي، ويقول: رب، ممن تنجي؟ أو ممن تذر فيها جثيًّا؟!.
وروى أبو إسحاق عن أبي ميسرة أنّه كان إذا أوى إِلَى فراشه، قَالَ: يا ليت أمي لم تلدني، فقالت له امرأته: يا أبا ميسرة، إن الله قد أحسن إليك هداك للإسلام، فَقَالَ: أجل، إن الله يبين لنا أنا واردو النار، ولم يبين لنا أنا صادرون منها.
وروينا من طريق سفيان بن حسين، عن الحسن، قَالَ: كان أصحاب رسول الله ﷺ ، إذا التقوا يقول الرجل منهم لصاحبه: هل أتاك أنك وارد النار، فيقول: نعم، فيقول: هل أتاك أنك خارج منها؟ فيقول: لا، فيقول: ففيم الضحك إذًا؟
وقال ابن عيينة عن رجل، عن الحسن: قَالَ رجل لأخيه، يا أخي، هل أتاك أنك وارد النار؟ قَالَ: نعم، قَالَ: هل أتاك أنك خارج منها؟ قَالَ، لا، قَالَ: ففيم الضحك إذًا؟ قَالَ: فما رؤي ضاحكًا حتى مات.
وقال الإمام أحمد: حدثثا هاشم بن القاسم، حدثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن في قوله : ﴿وِإن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ١٧] قَالَ: قَالَ رجل لأخيه: قد جاءك عن الله أنك وارد في جهنم؟ قَالَ: نعم، قَالَ: فأيقنت بالورود؟ قَالَ: نعم، قَالَ: فأيقنت وصدقت بذلك؟ قَالَ: نعم، وكيف لا أصدق وقد قَالَ الله : ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كانَ عَلَى رَبِّكَ حَتما مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١] قَالَ: فأيقنت أنك صادر عنها؟ قَالَ: والله ما أدري لأصدر عنها أم لا؟ قَالَ: ففيم التثاقل ففيم الضحك؟ ففيم اللعب؟
قَالَ أحمد: وحدثنا خلف بن الوليد، أنبأنا المبارك، قَالَ: سمعت الحسن
стр. 262
يقول: لا والله، إن أصبح فيها مؤمن إلاَّ حزينًا، وكيف لا يحزن المؤمن، وقد جاءه عن الله، أنّه وارد جهنم، ولم يأته أنّه صادر عنها؟
قَالَ أحمد: وأنبأنا حسين بن محمد، حدثنا ابن عياش، عن عبد الله بن دينار، وإن لقمان، قَالَ لابنه: يا بني، كيف يأمن النار من هو واردها؟
وقد اختلف الصحابة ومن بعدهم في تفسير الورود، فقالت طائفة: الورود هو المرور عَلَى الصراط، وهذا قول ابن مسعود وجابر والحسن وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم والكلبي وغيرهم.
وروى إسرائيل عن السدي، قَالَ: سألت مرة الهمداني، عن قول الله : ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ فحدثني عن ابن مسعود أنّه حدثهم، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "يرد الناس النار، ثم يصدرون [منها] (*) بأعمالهم، فأولهم كلمح البرق، ثم كالريح، ثم كحضر الفرس، ثم كالراكب في رحله، ثم كسير الرجل، ثم كمشيه" خرّجه الترمذي (١) وقال: حديث حسن.
وخرج الإمام أحمد (٢) أوله، وخرّجه الحاكم (٣) وقال: صحيح، ورواه شعبة، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله موقوفًا، ولم يرفعه شعبة، مع أنّه أقر بأن السدي حدثه به مرفوعًا. قَالَ الدارقطني: يحتمل أن يكون مرفوعًا.
قلت: ورواه أسباط، عن مرة الهمداني، عن عبد الله موقوفًا أيضاً، فَقَالَ: يرد الناس الصراط جميعًا، وورودهم قيامهم حول النار، ثم يصدرون عن الصراط بأعمالهم، فمنهم من يمر كالبرق فذكر الحديث بطوله، وفي آخره: حتى إن آخرهم مرَّا، رجل نوره عَلَى إبهامي قدميه، يتكفأ به الصراط
стр. 263
والصراط دحض مزلة، عليه حسك كحسك القتاد، حافتاه ملائكة معهم كلاليب من نار، يختطفون بها الناس وذكر بقية الحديث، خرّجه ابن أبي حاتم (١).
ورواه الحكم بن ظهير عن السدي، عن مرة، عن عبد الله، فرفع آخر الحديث، ولفظ حديثه قَالَ عبد الله: الورود ليس بالدخول فيها، ولكنه حضورها والوقوف عليها، مثل الدابة ترد الماء ولا تدخله، ثم قَالَ عبد الله: قَالَ رسول الله ﷺ : "يضع الله الصراط عَلَى جهنم، فيجوز العباد عليه وذكر الحديث بطوله، وفي آخره: ولو قيل لأهل النار: إنكم ماكثون في النار عدد كل حصاة في الدُّنْيَا سنة لرجوا، وقالوا: لا بد أنا مخرجون، ولو قيل لأهل الجنة: إنكم ماكثون في الجنة عدد كل حصاة في الدُّنْيَا سنة حزنوا، وقالوا: لا بد أنا مخرجون، ولكن الله جعل لهم الأبد، ولم يجعل لهم الأمد. والحكم بن ظهير ضعيف.
ولعل هذا الكلام في آخر الحديث موقوف عَلَى ابن مسعود، فإنه روى عنه موقوفًا، من وجه آخر بإسناد جيد.
قَالَ أبو الحسن بن البراء العبدي في كتاب "الروضة" له: حدثنا أحمد بن خالد هو الخلال، حدثنا عثمان بن عمر، أنبأنا إسرائيل، عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله، قَالَ: لو أن أهل جهنم وعدوا يومًا من أبد أو عدد أيام الدُّنْيَا لفرحوا بذلك اليوم، لأنّ كل ما هو آت قريب.
وقد رُوي أول الحديث من طريق أبي إسحاق موقوفًا أيضاً لكن بمخالفة في الإسناد.
فروى عمرو بن طلحة القناد عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾: قَالَ: الصراط عَلَى جهنم مثل حد السيف، فتمر الطائفة الأولى كالبرق، والثانية كالريح، والثالثة كأجود الخيل، والرابعة كأجود الإبل والبهائم، ثم يمرون والملائكة يَقُولُونَ: رب سلم سلم.
стр. 264
خرّجه الحاكم (١) وقال: صحيح عَلَى شرط الشيخين.
وكذا خرّجه آدم بن أبي إياس في "تفسيره" عن إسرائيل.
وخرج مسلم في صحيحه (٢) من حديث روح بن عبادة، أنبأنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنّه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن الورود، فَقَالَ: نحن (يوم القيامة عن كذا وكذا، انظر أي ذلك فوق الناس) (*)، قَالَ فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد الأول فالأول، ثم يأتينا ربنا بعد ذلك، فيقول: من تنتظرون؟ فنقول: ننتظر ربنا، فيقول: أنا ربكم، فيَقُولُونَ: حتى ننظر إليك، فيتجلى لهم يضحك، قَالَ: فينطلق بهم ويتبعونه، ويعطي كل إنسان منهم منافق أو مؤمن نورًا، ثم يتبعونه وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك تأخذ من شاء الله، ثم يطفأ نور المنافقين، ثم ينجو المؤمنون، فينجو أول زمرة وجوههم كالقمر، وذكر بقية الحديث. كذا خرّجه مسلم عن عبيد الله بن سعيد -وهو الأشج- وإسحاق بن منصور، وكلاهما عن روح به.
وخرّجه الإمام أحمد (٣)، عن روح به، وزاد فيه بعد قوله: فيتجلى لهم
стр. 265
يضحك قَالَ: سمعت النبيّ ﷺ ، قال "فينطلق بهم فيتبعونه"، وساق الحديث، فجعله من هذا الموضع مرفوعًا، وما قبله موقوفًا.
وقد روى محمد بن شرحبيل الصنعاني عن ابن جريح هذا الحديث، فرفع أوله أيضًا وهو ذكر التجلي والضحك.
ورواه عبد الرزاق، عن رباح بن زيد، عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبيّ ﷺ في ذكر التجلي. ورُوي عنه الحديث كله أيضاً بهذا الإسناد.
وهذا يدل عَلَى أن أول الحديث لم يكن عند ابن جريج عن أبي الزبير مرفوعًا، وإنما كان عنده كله مرفوعًا، [عن زياد بن سعد، عن أبي الزبير.
وكذلك رواه أبو قرة، عن مالك، عن زياد بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "إذا كان يوم القيامة جمعت الأمم" فذكره كله مرفوعًا (*)] (١).
وكذا رواه ابن لهيعة، عن أبي الزبير، قَالَ سمعت جابرًا يسأل عن الورود، فَقَالَ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "نحن يوم القيامة عَلَى كوم" (٢) وذكر الحديث كله مرفوعًا، وفي حديثه زيادة بعد قوله: "ويعطى كل إنسان منهم منافق
стр. 266
أو مؤمن نورًا أو يغشاه ظلمة".
وقوله في هذه الرواية: "نحن يوم القيامة عَلَى كوم" هذه الرواية الصحيحة.
وأما ما ورد في رواية روح، عن ابن جريج، عن كذا وكذا، فإن أصله تصحيف من الراوي للفظة "كوم" فكتب عليه كذا وكذا، لإشكال فهمه عليه، ثم كتب انظر، أي ذلك يأمر الناظر فيه بالتروي والفكر في صحة لفظه، فأدخل ذلك كله في الرواية قديمًا، ولم يقع ذلك من نسخ "صحيح مسلم" كما يظنه بعضهم فإن الحديث في مسند الإمام أحمد (١) وكتاب "السنة" لابنه عبد الله (٢) كذلك.
وخرّجه الطبراني في كتاب "السنة"، من طريق أبي عاصم، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنّه سمع جابرًا يسأل عن الورود، فَقَالَ: نحن يوم القيامة عَلَى كوم فوق الناس، فتدعى الأمم بأوثانها وذكر الحديث إِلَى قوله: فيتجلى لهم يضحك قَالَ: فسمعت رسول الله ﷺ يقول: "حتى يبدو كذا وكذا، فينطلق بهم ويتبعونه" وذكر الحديث بتمامه. وفي سياقه أيضًا "وتغشى المنافقين ظلمة"، فظهر بهذه الرواية أن الشك والتصحيف إِنَّمَا جاء من جهة روح ابن عبادة ولعله وقع في كتابه كذلك، فحدث به كما في كتابه، والله أعلم.
لكن قد رواه محمد بن يحيى المازني عن ابن جريج، كما رواه عنه روح. خرّجه من طريقه الخلال.
ومما يستدل به عَلَى أن الورود ليس هو الدخول ما خرّجه مسلم (٣)، من حديث أبي الزبير، عن جابر، قَالَ: أخبرتني أم مبشر، أنها سمعت النبيّ ﷺ يقول عند حفصة: "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها" قالت: بلى يا رسول الله، فانتهرها، فقالت حفصة: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ
стр. 267
وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] فَقَالَ النبيّ ﷺ : قد قَالَ الله : ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢].
ورواه الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن أم مبشر بنحوه (١). وفي بعض روايات الأعمش: فَقَالَ رسول الله ﷺ : "يردونها، ثم يصدرون عنها بالأعمال".
وقالت طائفة: الورود هو الدخول، وهذا هو المعروف عن ابن عباس (٢): رُوي عنه من غير وجه، وكان يستدل لذلك بقوله تعالى في فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود: ٩٨].
وبقوله: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦].
وكذلك قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء: ٩٩].
وقد سبق عن عبد الله بن رواحة نحو هذا، إلاَّ أن الروايات عنه منقطعة.
وروى مسلم الأعور عن مجاهد "وإن منكم إلاَّ واردها" قَالَ: داخلها.
وسئل كعب عن الورود المذكور فى الآية، فَقَالَ: تمسك النار عن الناس، كأنها متن إهالة، حتى تسوى عليها أقدام الخلق كلهم برهم وفاجرهم، ثم يقول لها الرب : خذي أصحابك ودعي أصحابي، فتخسف بكل ولي لها، وينجي الله المؤمنين ندية ثيابهم. قَالَ كعب: ألم تر إِلَى القدر الكثيرة الودك إذا بردت استوت بيضاء كالشحم؟
فإذا أوقدن النار تحتها انخسف الودك في القدر من هاهنا وهاهنا (٣).
стр. 268
وفي رواية عنه قَالَ: فهي أعرف بهم من الوالد بولده.
وقال ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان: إذا دخل أهل الجنة الجنة، قالوا: ألم يعدنا ربنا أنا نرد النار؟
قالوا: بلى، ولكن مررتم عليها وهي خامدة.
وفي رواية عنه قَالَ: إذا جاز المؤمنون الصراط نادى بعضهم بعضًا: ألم يعدنا ربنا أن نمر عَلَى جسر جهنم؟.
قَالَ: فيقول: بلى ولكن مررتم عليها وهي خامدة.
وقال مسكين: سمعت أشعث الحداني يقول: بلغني أن أهل الإيمان إذا مروا بصراط جهنم، قَالَ: تقول لهم جهنم: جوزوا عني، قد بردتم وهجي، ذروني وأهلي. ولكن هذا والذي قبله قد يدلان عَلَى أن الورود هو المرور عَلَى الصراط كالقول الأول.
وروى كثير بن زياد البرساني، عن أبي سمية، قَالَ: اختلفنا في الورود، فَقَالَ بعضنا: لا يدخلها مؤمن. وقال بعضهم: يدخلونها جميعًا، وينجي الله الذين اتقوا، فلقيت جابر بن عبد الله، فقلت له: إنا اختلفنا في الورود، فَقَالَ [بعضنا] (١) يردونها جميعًا. وقال سليم بن مرة: يدخلونها، وقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يبقى بر ولا فاجر إلاَّ دخلها، فتكون عَلَى المؤمنين بردًا وسلامًا كما كانت عَلَى إبراهيم، حتى إن للنار ضجيجًا من بردهم، ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيًّا خرّجه الإمام أحمد (٢)، وأبو سمية لا ندري من هو.
وفي الصحيحين (٣)، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ:
стр. 269
"لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد، فتمسه النار، إلاَّ تحلة القسم".
وقد فسر عبد الرزاق وغيره تحلة القسم بالورورد لقوله: ﴿وِإن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾. وظاهر هذا يقتضي أن الورود هو مس النار.
وفي رواية: "فيلج النار إلاَّ تحلة القسم" (١) فجعله مستثنى من ولوجها.
وروى عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن بشير الأنصاري، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "من مات له ثلاثة أولاد، لم يبلغوا الحنث، لم يرد النار إلاَّ عابر سبيل" (٢).
وخرج الإمام أحمد (٣)، من حديث ابن لهيعة ورشدين بن سعد، كلاهما عن زبان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "من حرس وراء المسلمين في سبيل الله متطوعًا، لا يأخذه سلطان، لم يرد النار إلاَّ تحلة القسم"، فإن الله يقول: ﴿وِإن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ إسناده ضعيف.
وخرج الطبراني (٤)، من حديث الواقدي، حدثنا شعيب بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، حدثنا أبي، عن أبيه، عن جده، عن أبيه أبي بكر الصديق، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "إِنَّمَا حر جهنم عَلَى أمتي كحر الحمام". الواقدي متروك.
وروى منصور بن عمار، عن بشير بن طلحة، عن خالد بن دريك، عن يعلى بن منية، عن النبيّ ﷺ : "تقول جهنم للمؤمن: جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي" (٥) غريب وفيه نكارة.
стр. 270
وقد فسر بعضهم الورود بالحمى في الدُّنْيَا، روى مجاهد وعثمان بن الأسود، وفيه حديث مرفوع: الحمى حظ المؤمن من النار. وإسناده ضعيف.
وقالت طائفة: الورود: ليس عامًا، وإنما هو خاص بالمحضرين حوله جهنم، المذكورين في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ إِلَى قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٦٨: ٧١]: كأنه يقال لهؤلاء الموصوفين: وإن منكم إلاَّ واردها.
رُوي هذا التأويل عن زيد بن أسلم، وهو بعيد جدًّا.
وعن عكرمة، أنّه كان يقرأ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ ويقول: الضمير يعود إِلَى الظلمة، كذلك كنا نقرؤها.
ورُوي هذا القول، من ابن عباس من وجه منقطع. والصحيح عنه ما سبق.
стр. 271
فصل إذا وقف العبد بين يدي الله تستقبله النار
وقد أخبر النبيّ ﷺ : أن العبد إذا وقف بين يدي ربه للحساب، فإنه تستقبله النار تلقاء وجهه، وأخبر أن الصدقة تقي صاحبها من النار.
ففي الصحيحين (١) عن عدي بن حاتم، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "ما منكم من أحد إلاَّ سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه، فلا يرى إلاَّ ما قدم، وينظر أشأم منه، فلا يرى إلاَّ ما قدم، وينظر بين يديه، فلا يرى إلاَّ النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة".
وفي "صحيح مسلم" (٢) عنه، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "من استطاع منكم، أن يستتر من النار، ولو بشق تمرة، فليفعل".
وفي "صحيح البخاري" (٣) عنه، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "ليقفن أحدكم، بين يدي الله ، ليس بينه وبينه حجاب، ولا ترجمان يترجم له، ثم ليقولن له: ألم أوتك مالاً؟ فليقولن: بلى، ثم ليقولن: ألم أرسل إليك رسولاً؟ فيقولن: "بلى، فينظر عن يمينه، فلا يرى إلاَّ النار، ثم ينظر عَلَى شماله، فلا يرى إلاَّ النار، فليتقين أحدكم النار، ولو بشق تمرة، فإن لم يجد، فبكلمة طيبة".
وفي حديث عبد الرحمن بن سمرة، عن النبيّ ﷺ ، أنّه خرج يومًا، فقال: "رأيت الليلة عجبًا، فذكر حديثًا طويلاً وفيه: ورأيت رجلاً من أمتي، يتقي وهج النار وشررها بيديه من وجهه، فجاءته صدقته، فصارت سترًا عَلَى رأسه، وظلاًّ عَلَى وجهه" (٤).
стр. 272
الباب الثامن والعشرون في ذكر حال الموحدين في النار وخروجهم منها برحمة أرحم الراحمين وشفاعة الشافعين
قد تقدم في الأحاديث الصحيحة، أن الموحدين يمرون عَلَى الصراط فينجو منهم من ينج، ويقع منهم من يقع في النار، فَإِذَا دخل أهل الجنة الجنّة، فقدوا من وقع من إخوانهم الموحدين في النار، فيسألون الله إخراجهم منها.
روى زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النبيّ ﷺ ، في حديث طويل سبق منه ذكر المرور عَلَى الصراط، ثم قَالَ: "حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالَّذِي نفسي بيده، ما من أحد منكم، بأشد مناشدة لله، في استيفاء الحق من المؤمنين يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يَقُولُونَ: ربنا كانوا يصومون ويصلون معنا ويحجون، فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم عَلَى النار، فيُخرجون خلقا كثيرًا، قد أخذت النار إِلَى أنصاف ساقيه وإلى ركبتيه، فيَقُولُونَ: ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به، فيقول لهم: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرًا، ثم يَقُولُونَ: ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا به أحدًا، فيقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يَقُولُونَ: ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدًا، فيقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يَقُولُونَ: ربنا لم نذر فيها خيرًا.
وكان أبو سعيد يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث، فاقرءوا إن شئتم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠].
فيقول الله : "شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم
стр. 273
يبق إلاَّ أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج بها قومًا لم يعملوا خيرًا قط، قد عادوا حممًا، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة، يقال له نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل"، وذكر بقية الحديث. خرجاه في الصحيحين (١)، ولفظه لمسلم.
والمراد بقوله: "لم يعملوا خيرًا قط" من أعمال الجوارح، وإن كان أصل التوحيد معهم، ولهذا جاء في حديث الَّذِي أمر أهله أن يحرقوه بعد موته بالنار، إنه لم يعمل خيرًا قط غير التوحيد. خرجه الإمام أحمد، من حديث أبي هريرة مرفوعًا (٢)، ومن حديث ابن مسعود موقوفًا (٣).
ويشهد لهذا ما في حديث أنس، عن النبي ﷺ ، في حديث الشفاعة، قَالَ: فأقول: "يا رب، ائذن لي فيمن يقول لا إله إلاَّ الله، فيقول: "وعزتي وجلالي، وكبريائي وعظمتي، لأخرجن من النار من قَالَ: لا إله إلاَّ الله". خرجاه في الصحيحين (٤).
وعند مسلم: (٥) "فيقول: ليس ذلك لك، أو ليس ذلك إليك".
وهذا يدل عَلَى أن الذين يخرجهم الله برحمته، من غير شفاعة مخلوق، هم أهل كلمة التوحيد، الذين لم يعملوا معها خيرًا قط بجوارحهم، والله أعلم.
وروى أبو الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ ، قَالَ: "يوضع الصراط بين ظهراني جهنم، عليه حسك كحسك السعدان، ثم يستجيز الناس، فناج مسلم، ومجروح به ناج، ومحتبس منكوس فيها، فَإِذَا فرغ الله من القضاء بين العباد، وتفقد المؤمنون رجالاً في الدُّنْيَا، كانوا يصلون بصلاتهم، ويزكون بزكاتهم، ويصومون بصيامهم، ويحجون بحجهم، ويغزون بغزوهم، فيَقُولُونَ: أي ربنا، عباد
стр. 274
من عبادك، كانوا معنا في الدُّنْيَا، يصلون بصلاتنا، ويزكون زكاتنا، ويصومون صيامنا، ويحجون حجنا، ويغزون غزونا لا نراهم"؟
قَالَ الله : اذهبوا إِلَى النار، [فمن وجدتموه فيها، فأخرجوه، قَالَ: فيجدونهم، وقد أخذتهم النار] (*) عَلَى قدر أعمالهم، فمنهم من أخذته إِلَى قدميه، منهم من أخذته إِلَى ركبتيه، ومنهم من [أخذته] (**) إِلَى أزرته، ومنهم من أخذته إِلَى ثدييه، ومنهم من أخذته إِلَى عنقه، ولم تغش الوجوه، قَالَ: فيستخرجونهم، ثم يطرحون في ماء الحياة. قيل: يا نبي الله، وما ماء الحياة؟ قَالَ: غسل أهل الجنة قَالَ: فينبتون فيها، كما تنبت الزرعة في غثاء السيل، ثم تشفع الأنبياء، في كل من كان يشهد أن لا إله إلاَّ الله مخلصًا، فيستخرجونهم منها، ثم يتحنن الله برحمته، عَلَى من فيها، فما يترك فيها عبدًا، في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، إلاَّ أخرجه منها". خرّجه الحاكم (١)، وقال: صحيح الإسناد.
وخرجاه في الصحيحين (٢)، من حديث مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقول الله : أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة -أو حبة من خردل- من إيمان، فيخرجون منها، قد اسودوا، فيلقون في نهر الحياة أو الحياء شك مالك فينبتون، كما تنبت الحبة في جانب السيل، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية؟ ". ولفظه للبخاري.
وعند مسلم: "فيخرجون منها حممًا قد امتحشوا".
وفي الصحيحين (٣) أيضاً، عن الزهري، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة،
стр. 275
عن النبي ﷺ ، قَالَ: "يجمع الله الناس يوم القيامة، فذكر الحديث بطوله، وفيه ذكر جواز الناس عَلَى الصراط، ثم قَالَ: حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد، وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل الكبائر من النار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئًا، ممن دخل النار، [يعرفونهم] (*) بأثر السجود، تأكل النار من ابن آدم إلاَّ أثر السجود، حرم الله عَلَى النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار، قد امتحشوا، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون منه، كما تنبت الحبة في حميل السيل" وذكر بقية الحديث.
وخرج مسلم (١)، من حديث يزيد الفقير، عن جابر، قَالَ: قَالَ: رسول الله ﷺ : "إن قومًا يخرجون من النار، يحترقون فيها، إلاَّ دارات وجوههم، حتى يدخلوا الجنة".
وخرج أيضاً (٢)، من حديث أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "أما أهل النار، الذين هم أهلها، فلا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم -أو قال بخطاياهم- فأماتهم الله إماتة، حتى إذا كانوا فحمًا، أذن في الشفاعة، فجيء بهم ضبابير ضبابير، فبثوا عَلَى أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة: أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة في حميل السيل". وظاهر الحديث، يدل عَلَى أن هؤلاء يموتون حقيقة، وتفارق أرواحهم أجسادهم.
ويدل عَلَى ذلك، ما خرّجه البزار (٣)، من حديث عبد الله بن رجاء، حدثنا سعيد بن مسلمة، أنبأنا موسى بن جبير، عن أبي أمامة بن سهل، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قَالَ: "إن أدنى أهل الجنة حظًّا -أو نصيبًا- قوم يخرجهم الله من النار، فيرتاح لهم الرب تعالى، إنهم كانوا لا يشركون بالله شيئًا، فينبذون بالعراء، فينبتون كما ينبت البقل، حتى إذا دخلت الأرواح أجسادهم، قالوا: ربنا، كما
стр. 276
أخرجتنا من النار، ورجعت الأرواح إِلَى أجسادنا، فاصرف وجوهنا في النار، فتصرف وجوههم عن النار".
وروى مسكين أبو فاطمة، حدثني اليمان بن يزيد، عن محمد بن حمير، عن محمد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن النبيّ ﷺ : "إن أصحاب الكبائر، من موحدي الأمم كلها، إذا ماتوا عَلَى كبائرهم، غير نادمين ولا تائبين، من دخل النار منهم، في الباب الأول من جهنم، لا تزرق أعينهم، ولا تسود وجوههم، ولا يقرنون بالشياطين، ولا يغلون بالسلاسل، ولا يجرعون الحميم، ولا يلبسون القطران في النار، حرم الله أجسادهم عَلَى الخلود من أجل التوحيد، وصورهم عَلَى النار من أجل السجود، منهم من تأخذه النار إِلَى قدميه، ومنهم من تأخذه النار إِلَى حجزته، ومنهم من تأخذه النار إِلَى عنقه، عَلَى قدر ذنوبهم وأعمالهم، ومنهم من يمكث فيها شهرًا، ثم يخرج: ومنهم من يمكث فيها سنة، ثم يخرج منها، وأطولهم فيها مكثًا، بقدر الدُّنْيَا منذ يوم خلقت إِلَى أن تفنى، فَإِذَا أراد الله أن يخرجوا منها، قالت اليهود والنصارى ومن في النار من أهل الأديان والأوثان لمن في النار من أهل التوحيد: آمنتم بالله وكتبه ورسله، فنحن وأنتم اليوم في النار سواء، فيغضب الله لهم غضبًا لم يغضبه لشيء مما مضى، فيخرجهم إِلَى عين في الجنة، وهو قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢]: خرّجه ابن أبي حاتم وغيره. وخرّجه الإسماعيلي مطولاً.
وقال الدارقطني في كتاب "المختلق" هو حديث منكر، واليمان مجهول، ومسكين ضعيف، ومحمد بن حمير لا أعرفه إلاَّ في هذا الحديث. انتهى.
وقد سبق حديث أنس، في الَّذِي ينادي في النار ألف سنة: يا حنان يا منان ثم يخرج منها.
وروينا من طريق محمد بن معاوية، حدثنا حازم، عن الحسن، قَالَ: أهل التوحيد في النار لا يقيدون، فتقول الخزنة بعضهم لبعض: ما بال هؤلاء يقيدون وهؤلاء لا يقيدون؟! فناداهم مناد: إن هؤلاء كانوا يمشون في ظلام الليل إِلَى المساجد.
وقال مروان بن معاوية، عن مالك بن أبي الحسن، عن الحسن، قَالَ: يخرج رجل من النار بعد ألف عام، قَالَ الحسن: ليتني ذلك الرجل.
стр. 277
فصل حسن الظن بالله تعالى
قَالَ أحمد بن أبي الحواري: دخلت عَلَى أبي سليمان وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك؟ قَالَ: لئن طالبني بذنوبي لأطالبنه بعفوه، ولئن طالبني ببخلي لأطالبنه بجوده، ولئن أدخلني النار لأخبرن أهل النار أني كنت أحبه.
وروى ابن أبي الدُّنْيَا في كتاب حسن الظن بالله" (١) بإسناده، عن علي بن بكار، أنّه سئل عن حسن الظن بالله، قَالَ: أن لا يجمعنك والفجار دار واحدة.
وعن سليمان بن الحكم بن عوانة، وإن رجلاً دعا بعرفات، فَقَالَ: لا تعذبنا بالنار بعد أن أسكنت توحيدك قلوبنا.
قَالَ: ثم بكى، وقال: ما إخالك تفعل بعفوك، ثم بكى، وقال: ولئن فعلت: فبذنوبنا.
لا تجمعن بيننا وبين أقوام ظلماء، عاديناهم فيك (٢).
وعن حكيم بن جابر، قَالَ: قَالَ إبراهيم ﵇: اللهم لا تشرك من كان يشرك بك بمن كان لا يشرك بك.
قَالَ ابن أبي الدُّنْيَا (٣): وحدثني أبو حفص الصيرفي، وإن عمر بن [ذر] (*)، ﵁، كان إذا تلا: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾
стр. 278
[النحل: ٣٨] قَالَ: "ونحن نقسم بالله جهد أيماننا، ليبعثن الله من يموت، أتراك تجمع بين القسمين في دار واحدة"؟!
ثم بكى أبو حفص بكاء شديدًا.
وروى أبو نعيم بإسناده، عن عون بن عبد الله، قَالَ: "ما كان الله لينقذنا من شر، ثم يعيدنا فيه: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣] وما كان الله ليجمع أهل قسمين في النار: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨]، ونحن نقسم بالله جهد أيماننا ليبعثن الله من يموت.
وقال محمد بن إسحاق السراج: أنبأنا حماد بن المؤمل الكلبي، حدثني بعض أصحابنا، عن ابن السماك، قَالَ: لما طلبني هارون الرشيد قَالَ: تكلم وادع، فدعوت بدعاء فأعجبه، وقلت في دعائي: اللهم إنك قلت: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨] اللهم إنا نقسم بالله جهد أيماننا لتبعثن من يموت، أفتراك يا رب، تجمع بين أهل القسمين في مكان واحد؟
وهارون يبكي.
***
стр. 279
الباب التاسع والعشرون في ذكر أكثر أهل النار
أهل النار الذين هم أهلها عَلَى الحقيقة، هم الذين يخلدون فيها، ولهم أعدت، كما قَالَ تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [القرآن: ٢٤].
وقد ذكرنا فيما تقدم، حديث أبي سعيد، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "أما أهل النار الذين هم أهلها، فلا يموتون فيها، ولا يحيون".
وهؤلاء أهلها الخالدون فيها، هم أكثر ممن يدخلها من عصاة الموحدين، الذين يخرجون منها بعد أن يهذبوا وينقوا.
ويدل عَلَى ذلك ما روى أبو سعيد الخدري، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "يقول الله يوم القيامة: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فَيُنَادَى بصوت، إن الله يأمرك أن تخرج بعث النار، قَالَ: يا رب، وما بعث النار؟ قَالَ: "من كل ألف، أراه قَالَ: تسعمائة وتسعة وتسعين، فحينئذ تضع الحامل، ويشيب الوليد: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢].
فشق ذلك عَلَى الناس، حتى تغيرت وجوههم، فقول النبيّ ﷺ : من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين، ومنكم واحد، ثم أنتم في الناس، كالشعرة السوداء [في جنب الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء] (*) في جنب الثور الأسود إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة. فكبرنا، ثم قَالَ: ثلث أهل الجنة، فكبرنا، فَقَالَ: "شطر أهل الجنة، فكبرنا"، خرجاه في الصحيحين (١) ولفظه للبخاري.
روى هلال بن خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ هذا المعنى
стр. 280
وفي حديثه: "إِنَّمَا أنتم جزء من ألف جزء" خرّجه الإمام أحمد (١) والحاكم (٢) وصححه.
وخرج الإمام أحمد (٣) والترمذي (٤) من حديث الحسن، عن عمران بن حصين، عن النبيّ ﷺ هذا المعنى أيضًا، وفي حديثه قَالَ النبيّ ﷺ : "قاربوا وسددوا، فإنها لم تكن نبوة قط، إلاَّ كان بين يديها جاهلية، فيؤخذ العدد من الجاهلية، فإن تمت إلا كملت من المنافقين، وما مثلكم والأمم إلاَّ كمثل الرقمة في ذراع الدابة، أو كالشامة في [جلد] (٥) البعير".
وفي رواية قَالَ: "اعملوا وأبشروا، فوالذي نفس محمد بيده، إنكم لمع خليقتين، ما كانتا في شيء إلاَّ كثرتاه، يأجوج ومأجوج، ومن هلك من بني آدم وبني إبليس" (٦).
وخرج ابن أبي حاتم، من حديث أنس، عن النبيّ ﷺ نحوه وفي حديثه: "ومن هلك من كفرة الجن والإنس" (٧).
فهذه الأحاديث وما في معناها، تدل عَلَى أن أكثر بني آدم من أهل النار، وتدل أيضاً عَلَى أن أتباع الرسل قليل بالنسبة إِلَى غيرهم، وغير أتباع الرسل كلهم
стр. 281
في النار، إلاَّ من لم تبلغه الدعوة، أو لم يتمكن من فهمها، عَلَى ما جاء فيهم من الاختلاف، والمنتسبون إِلَى اتباع الرسل، كثير منهم من تمسك بدين منسوخ، وكتاب مبدل، وهم أيضاً من أهل النار، كما قَالَ تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧].
وأما المنتسبون إِلَى الكتاب المحكم، والشريعة المؤيدة، والدين الحق، فكثير منهم من أهل النار أيضاً، وهم المنافقون الذين هم في الدرك الأسفل من النار، وأما المنتسبون إِلَيْه ظاهرًا وباطنًا، فكثير منهم فتن بالشبهات، وهم أهل البدع والضلال.
وقد وردت الأحاديث بأن هذه الأمة ستفترق عَلَى بضع وسبعين فرقة، كلها في النار إلاَّ فرقة واحدة، وكثير منهم أيضًا فق بالشهوات المحرمة المتوعد عليها بالنار -وإن لم يقتض ذلك الخلود فيها- فلم ينج من الوعيد بالنار، ويستحق الوعد المطلق بالجنة من هذه الأمة، إلاَّ فرقة واحدة، وهي من كان عَلَى ما كان عليه النبيّ ﷺ وأصحابه ظاهرًا وباطنًا، وسلم من فتنة الشهوات والشبهات، وهؤلاء قليل جدًّا، لا سيما في الأزمان المتأخرة والقرآن يدل عَلَى أن أكثر الناس هم أهل النار، وهم الذين اتبعوا الشيطان، كما قَالَ تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٢٠].
وقال تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥].
فأما عصاة الموحدين، فأكثر من يدخل النار منهم النساء، كما في الصحيحين (١)، عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ ، أنّه قَالَ في خطبة الكسوف: "رأيت النار، ورأيت أكثر أهلها النساء، بكفرهن، قيل: أيكفرون بالله؟! قَالَ: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إِلَى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئًا، قالت: "ما رأيت منك خيرًا قط".
стр. 282
وفي صحيح مسلم (١) "عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: اطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء".
وخرج البخاري (٢)، من حديث عمران بن حصين، عن النبيّ ﷺ مثله.
وخرجا في الصحيحين (٣)، من حديث أبي سعيد الخدري، عن النبيّ ﷺ ، أنّه قَالَ: "يا معشر النساء، تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار"، فقلن: "ولم ذاك يا رسول الله"؟ قَالَ: "تكثرن [اللعن] (*) وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين، أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن".
وخرج مسلم، من حديث جابر (٤) وابن عمر (٥) وأبي هريرة (٦)، عن النبيّ ﷺ بنحوه.
وخرجا في الصحيحين (٧)، من حديث أسامة بن زيد ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "قمت عَلَى باب الجنة، فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجد محبوسون، غير أن أهل النار قد أمر بهم إِلَى النار، وقمت عَلَى باب النار، فَإِذَا عامة من دخلها النساء".
وخرج الإمام أحمد (٨)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "اطلعت في الجنة، فرأيت [أكثر] (**) أهلها الفقراء، واطلعت في
стр. 283
النار فرأيت [أكثر] (*) أهلها الأغنياء والنساء".
وفي صحيح مسلم (١)، عن عمران بن حصين، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "إن أقل ساكني الجنة النساء".
وقد أشكل عَلَى بعض الناس الجمع بين هذا الحديث، وبين حديث أبي هريرة عن النبيّ ﷺ ، أنّه قَالَ في أهل الجنة: "لكل واحد منهم زوجتان".
وفي صحيح مسلم (٢)، عن أيوب، عن ابن سيرين، قَالَ: إما تفاخروا، وإما تذاكروا، الرجال في الجنة أكثر أم النساء؟ فَقَالَ أبو هريرة: ألم يقل أبو القاسم، ﷺ : "إن أول زمرة تدخل الجنة، عَلَى صورة القمر ليلة البدر، والتي تليها عَلَى أضوء كوكب دري في السماء، لكل واحد منهم زوجتان اثنتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة أعزب".
فرام بعضهم الجمع بين الحديثين، بأن قلة النساء في الجنة، إِنَّمَا هو قبل خروج عصاة الموحدين من النار، فَإِذَا خرجوا منها كان النساء حينئذ أكثر، والصحيح أن أبا هريرة أراد أن جنس النساء في الجنة أكثر من جنس الرجال، لأنّ كل رجل منهم له زوجتان، ولم يرد أن النساء من ولد آدم أكثر من الرجال.
ويدل عَلَى هذا، أنّه ورد في بعض روايات حديث أبي هريرة هذا الصحيحة: "لكل واحد منهم زوجتان من الحور العين". كذلك رواه يونس، عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ خرّجه من طريقه الإمام أحمد (٣).
وكذا رواه هشام، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، خرج حديثه البيهقي (٤).
стр. 284
وخرج هذه اللفظة البخاري (١) في صحيحه، من حديث عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ .
ويشهد لذلك، وإن في بعض ألفاظ روايات حديث أبي هريرة هذا، المخرجة في الصحيح أيضاً (٢): "وأزواجهم الحور العين" بدل قوله: "لكل واحد منهم زوجتان"، فهاتان الزوجتان من الحور العين، لا بد لكل رجل دخل الجنة منهم، وأما الزيادة عَلَى ذلك، فتكون بحسب الدرجات والأعمال، ولم يثبت في حصر الزيادة عَلَى الزوجتين شيء.
ويدل أيضاً عَلَى ما ذكرناه، ما خرّجه مسلم في صحيحه (٣)، من حديث أبي سعيد، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "أدنى أهل الجنة منزلة، رجل صرف الله وجهه عن النار قبل الجنة، فذكر الحديث، وفي آخره قَالَ: ثم يدخل بيته، فيدخل عليه زوجتان من الحور العين .. " وذكر الحديث.
وكذلك ورد في الشهيد، إذا استشهد أنه "يبتدره زوجتان من الحور العين"، فدل هذا عَلَى أن لكل رجل من أهل الجنة زوجتين من الحور العين (٤)، ولو كان أدنى أهل الجنة منزلة، والله أعلم.
وروى عبد الله بن الإمام أحمد بإسناده، عن أبي صالح، قَالَ: بلغنا أن أكثر ذنوب أهل النار في النساء، كأنه يشير في الزنا ومتعلقاته.
وروى ابن أبي الدُّنْيَا، بإسناد منقطع، عن ابن مسعود، قَالَ: "ذنبان لا يغفران، فذكر أحدهما، رجل زين له سوء عمله فرآه حسنًا، فإن هذه التي يهلك فيها من يهلك من هذه الأمة". يشير إِلَى الشبهات المضلة، والله أعلم.
...
стр. 285
الباب الثلاثون في ذكر صفات أهل النار وأصنافهم وأقسامهم
قد سبق قول ابن مسعود، أنّه لا يترك في النار سوى أربعة، وليس فيهم خير، وأخذه من قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٤ - ٤٦].
وفي الصحيحين (١)، عن "حارثة بن وهب، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم عَلَى الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار؟: كل عتل جواظ مستكبر".
والعتل قَالَ مجاهد وعكرمة: هو القوي.
وقال أبو رزين: هو الصحيح.
وقاله عطاء بن يسار: عن وهب الذماري، قَالَ: تبكي السماء والأرض من رجل ألم الله خلقه، وأرحب جوفه، وأعطاه معظمًا من الدُّنْيَا، ثم يكون ظلومًا غشومًا للناس، وذلك العتل الزنيم.
قَالَ إبراهيم النخعي: العتل: الفاجر، والزنيم: اللئيم في أخلاق الناس.
وروى شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، وإن رسول الله ﷺ ، قَالَ: "لا يدخل الجنة جواظ ولا جعظري ولا العتل الزنيم. فَقَالَ رجل من المسلمين: ما الجواظ الجعظري والعتل الزنيم"؟
فَقَالَ رسول الله ﷺ : الجواظ: الَّذِي جمع ومنع، وأما الجعظري: فالفظ