← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 151147

التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (297 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. قال شيخنا، الشيخ الإمام العالم العلامة، شيخ الإسلام، أوحد الأعلام، بركة الأنام؛ حافظ مصر والشام، أبو الفرج عبد الرحمن زين الدين ابن رجب البغدادي الحنبلي، فسح الله في مدته: الحمد لله العزيز المجيد، ذي البطش الشديد، المبدئ المعيد، الفعال لما يريد، المنتقم ممن عصاه بالنار بعد الإِنذار بها والوعيد، المكرم لمن خافه واتقاه بدار لهم فيها من كل خير مزيد، فسبحان من قسم خلقه قسمين وجعلهم فريقين ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]. أحمده وهو أهل الحمد والثناء والتمجيد، وأشكره، ونعمه بالشكر تدوم وتزيد. وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، ولا كفو ولا عدل ولا ضد ولا نديد، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إِلَى التوحيد، الساعي بالنصح إِلَى القريب والبعيد، المحذر للعاصين من نار تلظى بدوام الوقيد، المبشر للمؤمنين بدار لا ينفذ نعيمها ولا يبيد. صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة لا تزال على كر الجديدين في تجديد، وسلم تسليمًا. أما بعد، فإن الله خلق الخلق ليعرفوه ويعبدوه ويخشوه ويخافوه، ونصب لهم الأدلة الدالة عَلَى عظمته وكبريائه ليهابوه ويخافوه خوف الإجلال، ووصف لهم شدة عذابه ودار عقابه التي أعدها لمن عصاه ليتقوه بصالح الأعمال، ولهذا (أكثر) (*) في كتابه ذكر النار وما أعده فيها لأعدائه من العذاب والنكال، وما احتوت عليه من الزقوم والضريع والحميم والسلاسل والأغلال، إِلَى غير ذلك مما فيها من العظائم والأهوال، ودعا عباده بذلك إِلَى خشيته

стр. 3

وتقواه، والمسارعة إِلَى امتثال ما يأمر به ويحبه ويرضاه، واجتناب ما ينهى عنه ويكرهه ويأباه، فمن تأمل الكتاب الكريم وأدار فكره فيه وجد من ذلك العجب العجاب، وكذلك السنة الصحيحة التي هي مفسرة ومبينة لمعاني الكتاب، وكذلك سيرة السَّلف الصالح أهل العِلْم والإيمان من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، من تأملها علم أحوال القوم وما كانوا عليه من الخوف والخشية والإخبات، وأن ذلك هو الذي رقاهم إِلَى تلك الأحوال الشريفة والمقامات السنيات، من شدة الاجتهاد في الطاعات والانكفاف عن دقائق الأعمال والمكروهات فضلاً عن المحرمات، ولهذا قال بعض السَّلف: خوف الله تعالى حجب قلوب الخائفين عن زهرة الدُّنْيَا وعوارض الشبهات. وقد ضمن الله سبحانه الجنة لمن خافه من أهل الإِيمان، فَقَالَ تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]. قال: مجاهد: في هذه الآية الله قائم عَلَى كل نفس بما كسبت، فمن أراد أن يعمل شيئًا فخاف مقام ربه عليه فله جنتان. وعنه أنَّه قال: هو الرجل يذنب فيذكر مقام الله فيدعه. وعنه قال: هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر الله فيتركها. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: وعد الله المؤمنين الذين خافوا مقامه وأدوا فرائضه الجنة (١). وعن الحسن، قال قالت الجنة: يا رب لمن خلقتني، قال: لمن يعبدني وهو يخافني. وقال يزيد بن عبد الله بن الشخير: كنا نحدث أن صاحب النار الَّذِي لا تمنعه مخافة الله من شيء خفي له. وعن وهب بن منبه، قال: ما عبد الله بمثل الخوف. وقال أبو سليمان الداراني: أصل كل خير في الدُّنْيَا والآخرة الخوف من الله ، وكل قلب ليس فيه خوف الله فهو قلب خرب.

стр. 4

وقال وهيب بن الورد: بلغنا أنَّه ضرب لخوف الله مثل في الجسد، قيل: إِنَّمَا مثل خوف الله كمثل الرجل يكون في منزله فلا يزال عامرًا ما دام فيه ربه، فإذا فارق المنزل ربه وسكنه غيره خرب المنزل، وكذلك خوف الله تعالى إذا كان في الجسد لم يزل (معمورًا) (*) ما دام فيه خوف الله، فإذا فارق خوف الله الجسد خرب، حتى إن المار يمر في المجلس من الناس فيَقُولُونَ: بئس العبد فلان، فيقول بعضهم لبعض: ما رأيتم منه، فيَقُولُونَ: ما رأينا منه شيئًا إلا أنا نبغضه، وذلك أن خوف الله تعالى فارق جسده، وإذا مر بهم الرجل فيه خوف الله، قالوا: نعم والله الرجل، فيَقُولُونَ: أي شيء رأيتم منه: فيَقُولُونَ: ما رأينا منه شيئًا غير أنا نحبه، وذلك أن خوف الله سكن قلبه. وقال الفضيل بن عياض: الخوف أفضل من الرجاء ما كان الرجل صحيحًا، فإذا نزل الموت فالرجاء أفضل. وسئل ابن المبارك عن رجلين أحدهما خائف والآخر قتل في سبيل الله ، قال: أحَبهما إِلَيَّ أخوفهما. وقد استخرت الله تعالى في جمع كتاب أذكر فيه صفة النار، وما أعد الله فيها لأعدائه من الخزي والنكال والبوار، ليكون بمشيئة الله قامعًا للنفوس عن غَيِّها وفسادها، وباعثًا إِلَى المسارعة إِلَى فلاحها وإرشادها فإن النفوس ولا سيما في هذه الأزمان قد غلب عليها الكسل والتواني، واسترسلت في شهواتها وأهوائها وتمنت علي الله الأماني، والشهوات لا يذهبها من القلوب إلا أحد أمرين، إما خوف مزعج محرق، أو شوق مبهج مقلق، وسميته "كتاب التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار" وقسمته ثلاثين بابًا، والله المسؤول أن يجيرنا من النار، وأن يجعل بيننا وبينها حجابًا بمنه وكرمه. الباب الأول: في ذكر الإنذار بالنار والتحذير منها. الباب الثاني: في الخوف من النار وأحوال الخائفين. الباب الثالث: في ذكر تخويف جميع أصناف الخلق بالنار وخوفهم منها.

стр. 5

الباب الرابع: في أن البكاء من خشية النار ينجي منها، وأن التعوذ بالله من النار يوجب الإِعاذة منها. الباب الخامس: في ذكر مكان جهنم. الباب السادس: في ذكر طبقاتها وأدراكها وصفتها. الباب السابع: في ذكر قعرها وعمقها. الباب الثامن: في ذكر أبوابها وسرادقها. الباب التاسع: في ذكر ظلماتها وشدة سوادها. الباب العاشر: في ذكر شدة حرها وزمهريرها. الباب الحادي عشر: في ذكر سجر جهنم وتسعرها. الباب الثاني عشر: في ذكر تغيظها وزفيرها. الباب الثالث عشر: في ذكر دخانها وشررها ولهبها. الباب الرابع عشر: في ذكر أوديتها وجبالها وآبارها وعيونها وأنهارها. الباب الخامس عشر: في ذكر سلاسلها وأغلالها وأنكالها. الباب السادس عشر: في ذكر حجارتها. الباب السابع عشر: في ذكر حياتها وعقاربها. الباب الثامن عشر: في ذكر طعام أهل النار وشرابهم فيها. الباب التاسع عشر: في ذكر كسوة أهل النار ولباسهم. الباب العشرون: في ذكر عظم خلق أهل النار فيها وقبح صورهم وهيآتهم. الباب الحادي والعشرون: في ذكر أنواع عذاب أهل النار، وتفاوتهم في العذاب بحسب أعمالهم. الباب الثاني والعشرون: في ذكر بكائهم، وزفيرهم وشهيقهم، وصراخهم، وعويلهم الَّذِي لا يستجاب لهم. الباب الثالث والعشرون: في ذكر نداء أهل النار أهل الجنة، وأهل الجنة أهل النار، وكلام بعضهم بعضًا.

стр. 6

الباب الرابع والعشرون: في ذكر خزنة جهنم وزبانيتها. الباب الخامس والعشرون: في ذكر مجيء النار يوم القيامة وخروج عنق منها يتكلم. الباب السادس والعشرون: في ضرب الصراط عَلَى متن جهنم ومرور الموحدين عليه. الباب السابع والعشرون: في ذكر ورود النار. الباب الثامن والعشرون: في ذكر حال الموحدين في النار وخروجهم منها برحمة أرحم الراحمين وشفاعة الشافعين. الباب التاسع والعشرون: في ذكر أكثر أهل النار. الباب الثلاثون: في ذكر صفات أهل النار وأصنافهم وأقسامهم. ***

стр. 7

الباب الأول في ذكر الإنذار بالنار والتحذير منها قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]. وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]. وقال تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]. وقال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦]. وقال تعالى: ﴿وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١) كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر: ٣١ - ٣٧]. قال الحسن في قوله تعالى: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ قال: والله ما أنذر العباد بشيء قط أدهى منها، خرجه ابن أبي حاتم. وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ يعني النار، وروى سماك بن حرب، قال: سمعت النعمان بن بشير يخطب، يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أنذرتكم النار أنذرتكم النار

стр. 8

حتى لو أن رجلاً كان بالسوق لسمعه من مقامي هذا، حتى وقعت خميصة (١) كانت عَلَى عاتقة عند رجليه". خرجه الإمام أحمد (٢). وفي رواية له أيضاً (٣) عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله عليه وسلم: "أندرتكم النار، أنذرتكم النار حتى لو كان رجل في أقصى السوق لسمعه، وسمع أهل السوق صوته وهو عَلَى المنبر". وفي رواية له (٤) عن سماك قال: سمعت النعمان يخطب وعليه خميصة، فَقَالَ: لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أنذرتكم النار، أنذرتكم النار فلو أن رجلاً بموضع كذا وكذا سمع صوته". وعن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ : "اتقوا النار" قال: وأشاح، ثم قال: "اتقوا النار"، ثم أعرض وأشاح ثلاثًا، حتى ظننا أنَّه ينظر إليها، ثم قال: "اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة"، خرجاه في الصحيحين (٥). وخرج البيهقي (٦) بإسناد فيه جهالة عن أنس عن النبي ﷺ : "يا معشر المسلمين ارغبوا فيما رغبكم الله فيه، واحذروا وخافوا ما خوفكم الله به من عذابه وعقابه، ومن جهنم، فإنها لو كانت قطرة من الجنة معكم في دنياكم التي أنتم فيها حَلَّتها لكم، ولو كانت قطرة من النار معكم في دنياكم التي أنتم فيها خَبَثْهَا عليكم".

стр. 9

وفي الصحيحين (١) عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّمَا مثلي ومثل أمتي، كمثل رجل استوقد نارًا، فجعلت الدواب والفراش يقعن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تقتحمون فيها". وفي رواية لمسلم (٢): «مَثَلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهَا جَعَلَ الْفَرَاش وَهَذِهِ الدَّوَابّ الَّتِي يَقَعْنَ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، وَجَعَلَ يَحْجِزُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمنَ فِيهَا قَالَ: فَذَلِكُمْ مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ، أَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنْ النَّارِ، هَلُمَّ عَنْ النَّارِ، فَتَغْلِبُونِي وَتَقْتَحِمُونَ فِيهَا». وفي رواية للإمام أحمد (٣): "مثلي ومثلكم -أيتها الأمة- كمثل رجل أوقد نارًا بليل، فأقبلت إليها هذه الفراش والذباب التي تغشى النار، فجعل يذبها ويغلبنه إلا تقحمًا في النار، وأنا آخذ بحجزكم أدعوكم إلى الجنة وتغلبوني إلا تقحمًا في النار". وخرج الإمام أحمد (٤) أيضًا من حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الله لم يحرم حرامه إلا وقد علم أنَّه سيطلعها منكم مطلع، ألا وإني آخذ بحجزكم [أن تهاتفوا في النار، كتهافت الفراش والذباب". وخرج البزار (٥) والطبراني (٦) من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "أنا آخذ بحجزكم] (*) فاتقوا النار، اتقوا النار، اتقوا الحدود، فإذا

стр. 10

مت تركتكم، وأنا فرطكم عَلَى الحوض، فمن ورد فقد أفلح؟ فيؤتي بأقوام ويؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: رب أمتي! فيقول: إنهم لم يزالوا بعدك يرتدون عَلَى أعقابهم". وفي رواية للبزار (١) قال: "وأنا آخذ بحجُزِكُم أقولُ: إيَّاكُم وجهنم، إيَّاكُم والحدودَ، إيَّاكُم وجهنم، إيَّاكُم والحدودَ، إيَّاكُم وجهنمَ، إيَّاكم والحدودَ"، وذكر بقية الحديث. وفي "صحيح مسلم" (٢) عن أبي هريرة قالَ: لما نزلتْ هذه الآية: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، دعا رسولُ اللَّه ﷺ قريشًا فاجتمَعُوا، فعمَّ وخصَّ، فقال: "يا بني كعبِ بنِ لؤيٍّ أنقذوا أنفسكم من النارِ، يا بني مُرَةَ بنِ كعبٍ، أنقذُوا أنفسَكُم من النارِ، يا بني عبدَ شمسٍ أنقذُوا أنفسَكم من النارِ، يا بني عبدِ مناف، أنقذُوا أنفسكم من النارِ، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النارِ، يا فاطمةُ بنتُ محمد، أنقدي نفسك من النارِ، فإنِّي لا أملك لكم من اللَّه شيئا". وخرَّج الطبرانيُّ (٣) وغيرُه من طريقِ يعلى بن الأشدقِ عن كليبِ بنِ حزنٍ، قالَ: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "اطلبُوا الجنةَ جهدَكُم واهربُوا من النارِ جهدكم، فإن الجنة لا ينامُ طالبها، وإنَّ النارَ لا ينامُ هاربها، وإن الآخرةَ اليوم محفوفة بالمكارِهِ، وإن الدنيا محفوفة باللذاتِ والشهواتِ، فلا تلهينَّكُم عن الآخرةِ".

стр. 11

ويُروى هذا الحديثُ أيضًا عن يعلى بن الأشدقِ عن عبدِ اللَّهِ بن جرادٍ عن النبيِّ ﷺ . وأحاديثُ يعلى بنِ الأشدقِ باطلة منكرةٌ. وخرَّج الترمذيُّ (١) من حديثِ يحيى بن [عبدِ] (*) اللَّه عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ قالَ: "ما رأيتُ مثلَ النارِ نامَ هاربُها، ولا مثلَ الجنةِ نامَ طالبُها" ويحيى هذا ضعفُوه. وخرَّجه ابنُ مردويه من وجهٍ آخرَ أجودَ من هذا إلى أبي هريرة. وخرَّج الطبرانيُّ (٢) نحوَه بإسنادٍ فيه نظر عن أنس عن النبيِّ ﷺ . وخرَّجه ابنُ عديٍّ (٣) بإسنادٍ ضعيفٍ عن عمرَ ﵁ عن النبيِّ ﷺ . وقالَ يوسفُ بنُ عطيةَ عن المعلى بنِ زيادٍ: كانَ هرمُ بنُ حيانَ يخرجُ في بعضِ الليالي وينادِي بأعلَى صوتِهِ: عجبتُ من الجنةِ كيفَ نامَ طالبُها، وعجبتُ منَ النارِ

стр. 12

كيف نامَ هاربُها، ثم يقول: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧، ٩٨] (١). وقال أبو الجوزاءِ: لو وليتُ من أمرِ الناس شيئًا اتخذتُ منارًا على الطريقِ وأقمتُ عليها رجالاً ينادون في الناس: النارَ النارَ. خرَّجه الإمامُ أحمدُ في كتابِ "الزهدِ". وخرَّج ابنُه عبدُ اللَّه في هذا الكتابِ أيضًا بإسنادِهِ عن مالكِ بنِ دينارٍ، قالَ: لو وجدتُ أعوانًا لفرقتهم ينادون في منارِ الدنيا كلها: يا أيها الناس النارَ النارَ. وفي رواية أخرى عنه قالَ: لو وجدتُ أعوانًا لناديت في منارِ البصرة بالليل: النارَ النارَ. ...

стр. 13

الباب الثاني في ذكر الخوف من النار وأحوال الخائفين قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩٢]. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٥، ١٦]. وقال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ إِلَى قوله: ﴿اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣ - ٦٦]. وقال تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ [المعارج: ٢٧، ٢٨]. وقال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤) وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٤، ١٥]. وقال تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٥ - ٢٧].

стр. 14

قال إبراهيم التيمي: ينبغي لمن لم يحزن أن يخاف أن يكون من أهل النار، لأنّ أهل الجنة قالوا: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤]. وينبغي لمن لم يشفق أن يخاف أن لا يكون من أهل الجنة لأنهم قالوا: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦]. وقد كان النبي ﷺ كثيرًا يستعيذ من النار ويأمر بذلك في الصلاة وغيرها، والأحاديث في ذلك كثيرة. وقال أنس: كان أكثر دعاء النبي ﷺ : "رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" أخرجه البخاري (١). وفي كتاب النسائي (٢) عن أبي هريرة ﵁، أنَّه سمع النبي ﷺ يقول: "اللهم إني أعوذ بك من حر جهنم". وفي سنن أبي داود (٣) وابن ماجه (٤) عن جابر أن النبي ﷺ قال لرجل: "كيف تقول في الصلاة؟ قال: أتشهد، ثم أقول: اللهم إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار، أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، فقال النبي ﷺ : "حولها ندندن". وخرّجه البزار (٥) ولفظه "وهل أدندن أنا ومعاذ إلا لندخل الجنة ونعاذ من النار".

стр. 15

وفي مسند الإمام أحمد (١) بإسناد منقطع عن سليم الأنصاري: أن النبي ﷺ قال له: "يَا سُلَيْمُ مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: إِنِّي أَسْأَلُ اللهَ الْجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِهِ مِنَ النَّارِ، وَاللهِ مَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ وَلَا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ اللهِ ﷺ : "وَهَلْ تَصِيرُ دَنْدَنَتِي وَدَنْدَنَةُ (٢) مُعَاذٍ إِلَّا أَنْ نَسْأَلَ اللهَ الْجَنَّةَ وَنَعُوذَ بِهِ مِنَ النَّارِ؟! ". وروينا من حديث سويد بن سعيد، حدثنا حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "إِنَّمَا يدخل الجنة من يرجوها، ويجنب النار من يخافها، وإنَّما يرحم الله من يرحم". وخرّجه أبو نعيم (٣)، وعنده: "إِنَّمَا يرحم الله من عباده الرحماء" وقال: غريب من حديث زيد مرفوعًا متصلاً، تفرد به حفص، ورواه ابن عجلان عن زيد مرسلاً، انتهى، والمرسل أشبه. وقال عمر: لو نادى مناد من السماء: أيها الناس إنكم داخلون الجنة كلكم إلا رجلاً واحدًا لخفت أن أكون أنا هو. خرجه أبو نعيم (٤). وخرج الإمام أحمد (٥) من طريق عبد الله الرومي قال: بلغني أن عثمان، ﵁ قال: لو أني بين الجنة والنار -ولا أدري إِلَى أيتهما يؤمر بي- لاخترت أن أكون رمادًا قبل أن أعلم إِلَى أيتهما أصير. ...

стр. 16

فصل [الخوف من عذاب جهنم لا يخرج عنه أحد] والخوف من عذاب جهنم لا يخرج عنه أحد من الخلق، وقد توعد الله سبحانه خاصة خلقه عَلَى المعصية، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ٣٩]. وقال في حق الملائكة المكرمين: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩]. وثبت من حديث عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في حديث الشفاعة، قال: "فَيَأْتُونَ آدَمَ" فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا، لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ أمرني بأمر فعصيته، فأخاف أن يطرحني في النار، انطلقوا إلى غيري، نفسي نفسي". وذكر في نوح إبراهيم وموسى وعيسى مثل ذلك، كلهم يقول: إني أخاف أن يطرحني في النار. خرجه ابن أبي الدُّنْيَا (١) عن أبي خيثمة، عن جرير، عن عمارة به. وخرّجه مسلم في "صحيحه" (٢) عن أبي خيثمة إلا أنَّه لم يذكر لفظه بتمامه.

стр. 17

وخرّجه البخاري (١) من وجه آخر بغير هذا اللفظ. ولم يزل الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون يخافون النار ويخوفون منها. فأما ما يذكر عن بعض العارفين من عدم خشية النار فالصحيح منه له وجه، سنذكره إن شاء الله تعالى. قال ابن المبارك: أخبرني عمر بن عبد الرحمن بن هرمز، سمعت وهب بن منبه يقول: قال حكيم من الحكماء: إني لأستحيي من الله أن أعبده رجاء ثواب الجنة فأكون كالأجير السوء، إن أعطي عمل، وإن لم يعط لم يعمل، وإني لأستحي من الله أن أعبده مخافة النار، أي قط، فأكون كالعبد السوء، إن رهب عمل لأن لم يرهب لم يعمل، لأنه يستخرج حبه مني ما لا يستخرجه مني غيره. خرجه أبو نعيم بهذا اللفظ. وفي تفسير لهذا الكلام من بعض رواته، وهو أنَّه ذم العبادة عَلَى وجه الرجاء وحده أو عَلَى وجه الخوف وحده، وهذا حسن. وكاد بعض السَّلف يقول: من عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبد الله بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالخوف والرجاء والمحبة فهو موحد مؤمن، وسبب هذا أنَّه يجب عَلَى المؤمن أن يعبد الله بهذه الوجوه الثلاثة: المحبة والخوف والرجاء، ولا بد له من جميعها، ومن أخل ببعضها فقد أخل ببعض واجبات الإيمان. وكلام هذا الحكيم يدل عَلَى أن الحب ينبغي أن يكون أغلب من الخوف والرجاء. وقد قال الفضيل بن عياش ﵀: المحبة أفضل من الخوف، ثم استشهد بكلام هذا الحكيم الَّذِي حكاه عنه وهب. وكذا قال يحيى بن معاذ قال: حسبك من الخوف ما يمنع من الذنوب، ولا

стр. 18

حَسْبَ من الحب أبدًا. فأما الخوف والرجاء، فأكثر السلف عَلَى أنهما يستويان، لا يرجح أحدهما عَلَى الآخر، قاله مطرف والحسن والإمام أحمد وغيرهم. ومنهم من يرجح الخوف عَلَى الرجاء، وهو محكي عن الفضيل وأبي سليمان الداراني. ومن هذا قول حذيفة المرعشي: إن عبدًا يعمل عَلَى خوف لعبد سوء، وإن عبدًا يعمل عَلَى رجاء لعبد سوء، فكلاهما عندي سواء. ومراده إذا عمل على إفراد أحدهما عن الآخر. وقال وهيب بن الورد: لا تكونوا كالعامل، يقال له: تعمل كذا وكذا، فيقول: نعم إن أحسنتم لي من الأجر، ومراده: ذم من لا يلاحظ بالعمل إلا الأجر. وهؤلاء العارفون لهم ملحظان: أحدهما: أن الله تعالى يستحق لذاته أن يطاع ويحب، ويبتغى قربه والوسيلة إِلَيْهِ مع قطع النظر عن كونه يثيب عباده أو يعاقبهم، كما قال القائل: هب البعثَ لم تأتنا رسله ... وجَاحِمَةُ النار لم تُضْرِمِ أليس من الواجب المُسْتـ ... حِقِّ حياءُ العبادِ من المُنْعِمِ وقد أشار هذا إِلَى أن نعمه عَلَى عباده تستوجب منهم شكره عليها وحياءهم منه. وهذا هو الَّذِي أشار إِلَيْهِ النبي ﷺ لما قام حتى تورمت قدماه، فقِيلَ لَهُ: تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فَقَالَ: "أفلا أكون عبدًا شكورًا" (١).

стр. 19

والملحظ الثاني: أن أكمل الخوف والرجاء ما تعلق بذات الحق تعالى -كما تقدم-، دون ما تعلق بالمخلوقات في الجنة والنار، فأعلى الخوف خوف البعد والسخط والحجاب عنه سبحانه، كما قدم سبحانه ذكر هذا العقاب لأعدائه عَلَى صليهم النار في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ﴾ [المطففين: ١٥، ١٦]. وقال ذو النون: خوف النار عند خوف الفراق كقطرة في بحر لجي، كما أن أعلى الرجاء ما تعلق بذاته سبحانه من رضاه ورؤيته ومشاهدته وقربه، ولكن قد يغلط بعض الناس في هذا، فيظن أن هذا كله ليس بداخل في مسمى نعيم الجنة ولا في مسمى الجنة إذا أطلقت، ولا في مسمى النار ولا في مسمى عذاب النار إذا أطلقت، وليس كذلك. وبقي هاهنا أمر آخر، وهو أن يقال: ما أعده الله في جهنم من أنواع العذاب المتعلق بالأمور المخلوقة لا يخافها العارفون، كما أن ما أعده الله في الجنة من أنواع النعيم المتعلق بالأمور المخلوقة لا يحبه العارفون ولا يطلبونه. وهذا أيضاً غلط، والنصوص الدالة عَلَى خلافه كثيرة جداً ظاهرة. وهو أيضاً مناقض لما جبل الله عليه الخلق من محبة ما يلائمهم وكراهة ما ينافرهم، وإنَّما صدر مثل هذا الكلام ممن صدر منه في حال سكره واصطلامه واستغراقه وغيبة عقله، فظن أن العبد لا يبقى له إرادة أصلاً، فإذا رجع إِلَيْهِ عقله وفهمه علم أن الأمر عَلَى خلاف ذلك. ونحن نضرب لذلك مثلاً يتضح به هذا الأمر إن شاء الله تعالى. وهو أن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة واستدعاهم الرب سبحانه إِلَى زيارته ومشاهدته ومحاضرته يوم المزيد، فإنهم ينسون عند ذلك كل نعيم عاينوه في الجنة قبل ذلك، ولا يلتفتون إِلَى شيء مما هم فيه من نعيم الجنة حتى يحتجب عنهم سبحانه، ويحتقرون كل نعيم في الجنة حين ينظرون إِلَى وجهه ﷻ ، كما جاء ذلك في أحاديث يوم المزيد. فلو أنهم ذكروا حينئذٍ شيئًا من نعيم الجنة لأعرضوا عنه،

стр. 20

ولأخبروا أنهم لا يريدونه في تلك الحال، وكذلك لو خوفوا عذابًا ونحوه لم يلتفتوا إِلَيْهِ، وربما لم يستشعروا ألمه في تلك الحال، وإنَّما يحذرون حينئذٍ من الحجاب عما هم فيه والبعد عنه، فإذا رجعوا إِلَى منازلهم، رجعوا إِلَى ما كانوا عليه من التنعم بأنواع النعيم المخلوق لهم، بل يزداد نعيمهم بذلك مع شدة شوقهم إِلَى يوم المزيد ثانيًا. فهكذا أحوال العارفين الصادقين في الدُّنْيَا إذا تجلى عَلَى قلوبهم أنوار الإحسان واستولى عليها المثل الأعلى، فإن هذا من شواهد ما يحصل لهم في الجنة يوم المزيد، فهم لا يلتفتون في تلك الحال إِلَى غير ما هم فيه من الأنس بالله والتنعم بقربه وذكره ومحبته، حتى ينسوا ذكر نعيم الجنة، ويصغر عندهم بالنسبة إِلَى ما هم فيه، ولا يخافون حينئذ أيضاً غير حجبهم عن الله وبعدهم عنه وانقطاع مواد الأنس به، فإذا رجعوا إِلَى عقولهم، وسكنت عنهم سلطنة هذا الحال وقهره، وجدوا نفوسهم وإرادتهم باقية، فيشتاقون حينئذٍ إِلَى الجنة ويخافون من النار، مع ملاحظتهم لأعلى ما يشتاق إِلَيْهِ من الجنة ويخشى منه من النار. وأيضًا، فالعارفون قد يلاحظون من النار أنها ناشئة عن صفة انتقام الله وبطشه وغضبه، والأثر يدل عَلَى المؤثر، فجهنم دليل عَلَى غضب الله وشدة بأسه وبطشه وقوة سلطنة سطوته وانتقامه من أعدائه، فالخوف منها في الحقيقية خوف من الله وإجلال له وإعظام وخشية لصفاته المخوفة، مع أنَّه سبحانه يخوف بها عباده، ويحب منهم أن يخافوه بخوفها، وأن يخشوه بخشية الوقوع فيها، وأن يحذروه بالحذر منها، فالخائف من النار خائف من الله، متبع لما فيه محبته ورضاه والله أعلم. ***

стр. 21

فصل [في القدر الواجب من الخوف] والقدر الواجب من الخوف، ما حمل عَلَى أداء الفرائض واجتناب المحارم، فإن زاد عَلَى ذلك بحيث صار باعثًا للنفوس عَلَى التشمير في نوافل الطاعات والانكفاف عن دقائق المكروهات، والتبسط (*) في فضول المباحات، كان ذلك فضلاً محمودًا، فإن تزايد عَلَى ذلك بأن أورث مرضًا أو موتًا أو همًّا لازمًا بحيث يقطع عن السعي في اكتساب الفضائل المطلوبة المحبوبة لله ، لم يكن ذلك محمودًا، ولهذا كان السَّلف يخافون عَلَى عطاء السلمي من شدة خوفه الَّذِي أنساه القرآن، وصيره صاحب فراش، وهذا لأنّ خوف العقاب ليس مقصودًا لذاته، إِنَّمَا هو سوط يساق به المتواني عن الطاعة إليها، ومن هنا كانت النار من جملة نعم الله عَلَى عباده الذين خافوه واتقوه، ولهذا المعنى عدها سبحانه من جملة آلائه عَلَى الثقلين في سورة الرحمن. وقال سفيان بن عيينة: خلقت النار رحمة يخوف بها عباده لينتهوا. أخرجه أبو نعيم. والمقصود الأصلي هو طاعة الله وفعل مراضيه ومحبوباته وترك مناهيه ومكروهاته. ولا ننكر أن خشية الله وهيبته وعظمته في الصدور وإجلاله مقصود أيضاً، ولكن القدر النافع من ذلك ما كان عونًا عَلَى التقرب إِلَى الله بفعل ما يحبه وترك ما يكرهه، ومتى صار الخوف مانعًا من ذلك وقاطعًا عنه فقد انعكس المقصود منه. ولكن إذا حصل ذلك عن غلبة، كان صاحبه معذورًا، وقد كان من السَّلف من

стр. 22

حصل له من خوف النار أحوال شتى، لغلبة حال شهادة قلوبهم للنار، فمنهم من كان يلازمه القلق والبكاء، وربما اضطرب أو غشي عليه إذا سمع ذكر النار. وقد رُوي عن النبي ﷺ في ذلك شيء، إلا أن إسناده ضعيف، فروى حمزة الزيات عن حمران بن أعين، قال: سمع رسول الله ﷺ قارئًا يقرأ ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ [المزمل: ١٢، ١٣]. فصعق رسول الله صلّى الله عليه واه وسلم. وفي رواية فبكى حتى غشي عليه ﷺ . هذا مرسل وحمران ضعيف (*). ورواه بعضهم عن حمران عن أبي حرب بن أبي الأسود مرسلاً أيضًا. وقيل: إنه رُوي عن حمران عن ابن عمر ولا يصح. وعن عبد العزيز بن أبي رواد قال: لما أنزل الله عَلَى نبيه ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ [التحريم: ٦]، تلاها رسول الله ﷺ ذات يوم عَلَى أصحابه، فخر فتى مغشيًّا عليه، فوضع النبي ﷺ يده عَلَى فؤاده فَإِذَا هو يتحرك، فَقَالَ: رسول الله ﷺ : "يا فتى قل: لا إله إلا الله" فقالها فبشره بالجنة، فَقَالَ أصحابه: يا رسول الله ﷺ أمن بيننا؟ فَقَالَ: أو ما سمعتم قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤]. وقد رُوي عن ابن أبي رواد عن عكرمة عن ابن عباس، وخرّجه من هذا الوجه الحاكم (١) وصححه. ولعل المرسل أشبه. وقال الجوزجاني في "كتاب النواحين": حدثنا صاحب لنا عن جعفر بن سليمان عن لقمان الحنفي، قال: أتى رسول الله ﷺ عَلَى شاب ينادي في جوف الليل: واغوثاه من النار، فلما أصبح قال: "يا شاب لقد أبكيت

стр. 23

البارحة أعين ملأ من الملائكة كثيرًا". وقال سليمان بن سحيم: أخبرني من رأى ابن عمر يصلي وهو يترجح ويتمايل ويتأوه، حتى لو رآه غيرنا ممن يجهله لقال: لقد أصيب الرجل، وذلك لذكر النار إذا مر بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ﴾ [الفرقان: ١٣]. ونحو ذلك أخرجه أبو عبيد. وفي "كتاب الزهد" (١) للإمام أحمد، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: قلت ليزيد بن مرثد: مالي أرى عينك لا تجف؟ قال: وما مسألتك عنه؟ قلت: عسى الله أن ينفعني به، قال: يا أخي إن الله توعدني إن أنا عصيته أن يسجنني في النار، والله لو لم يتوعدني أن يسجنني إلا في الحمام لكنت حريًّا أن لا تجف لي عين، قلت له؛ فهكذا أنت في خلواتك؟ قال: وما مسألتك عنه؟ قلت: عسى الله أن ينفعني به، قال: والله إن ذلك ليعرض لي حين أسكن إِلَى أهلي، فيحول بيني وبين ما أريد، وأنه ليوضع لي الطعام بين يدي، فيعرض لي، فيحول بيني وبين كله، حتى تبكي امرأتي، ويبكي صبياننا، ما يدرون ما أبكانا، ولربما أضجر ذلك امرأتي فتقول: يا ويحها، ما خصت من طول الحزن معك في الحياة الدُّنْيَا ما يقر لي معك عين. وقال يزيد بن حوشب: ما رأيت أخوف من الحسن وعمر بن عبد العزيز كأن النار لم تخلق إلا لهما. وروى ضمرة عن حفص بن عمر، قال: بكى الحسن، فقيل ما يبكيك؟ قال: أخاف أن يطرحني في النار غدًا ولا يبالي. وعن الفرات بن سليمان، قال: كان الحسن يقول: إن المؤمنين قوم ذلت والله منهم الأسماع والأبصار والأبدان، حتى حسبهم الجاهل مرضى، وهم والله أصحاء القلوب، ألا تراه يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر:

стр. 24

٣٤]. والله لقد كابدوا في الدُّنْيَا حزنًا شديدًا، وجرى عليهم ما جرى عَلَى من كان قبلهم، والله ما أحزنهم ما أحزن الناس، ولكن أبكاهم الخوف من النار. وروى ابن المبارك عن معمر عن يحيى بن المختار عن الحسن نحوه. وروى ابن أبي الدُّنْيَا من حديث عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، قال سمعت عبد الله بن حنظلة يومًا، وهو عَلَى فراشه، وعُدْتُهُ مِنْ عِلَّته، فتلا رجل عنده هذه الآية: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] فبكى، حتى ظننت أن نفسه ستخرج، وقال: صاروا بين أطباق النار، ثم قام عَلَى رجليه، فَقَالَ قائل: يا أبا عبد الرحمن اقعد، قال: منع ذكر النار مني القعود، لا أدري لعلي أحدهم. ومن حديث عبد الرحمن بن مصعب، إن رجلاً كان يومًا عَلَى شط الفرات فسمع تاليًا يتلو: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧٤] فتمايل، فلما قال التالي: ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ (١) [الزخرف: ٧٥] سقط في الماء فمات. ومن حديث أبي بكر بن عياش، قال: صليت خلف فضيل بن عياض المغرب وإلى جانبي علي ابنه، فقرأ الفضيل ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ فلما بلغ ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ سقط علي مغشيًّا عليه، وبقي فضيل لا يقدر يجاوز الآية، ثم صلى بنا صلاة خائف، قال: ثم رابطت عليًّا فما أفاق إلا في نصف الليل. وروى أبو نعيم بإسناده عن الفضيل، قال: أشرفت ليلة عَلَى علي، وهو في صحن الدار، وهو يقول: النار، ومتى الخلاص من النار؟. وكان علي يومًا عند ابن عيينه، فحدث سفيان بحديث فيه ذكر النار، وفي يد علي قرطاس في شيء مربوط، فشهق شهقة، ووقع ورمى بالقرطاس، أو وقع من يده، فالتفت إِلَيْهِ سفيان، فَقَالَ: لو علمت أنك هاهنا ما حدثت به، فما أفاق إلا بعد ما شاء الله.

стр. 25

وقال علي بن خشرم: سمعت منصور بن عمار يقول: تكلمت يومًا في المسجد الحرام، فذكرت شيئًا من صفة النار، فرأيت فضيل بن عياش صاح حتى غشي عليه وطرح نفسه. وفي "الحلية" لأبي نعيم، أن علي بن فضيل صلّى خلف إمام قرأ في صلاته سورة الرحمن، فلما سلم، قيل لعلي: أما سمعت ما قرأ الإمام: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] فَقَالَ: شغلني عنها ما قبلها: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ (١) مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ [الرحمن: ٣٥]. وقال ابن أبي ذئب: حدثني من شهد عمر بن عبد العزيز -وهو أمير المدينة- وقرأ عنده رجل: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ (٢) [الفرقان: ١٣] فبكى عمر حتى غلبه البكاء وعلا نشيجه، فقام من مجلسه، ودخل بيته، وتفرق الناس. وقال أبو نوح الأنصاري: وقع حريق في بيت فيه علي بن الحسين وهو ساجد، فجعلوا ينادونه: يا ابن رسول الله ﷺ النار، فما رفع رأسه حتى أطفئت، فقِيلَ لَهُ: ما الَّذِي ألهاك عن النار؟ قال: النار الأخرى. قال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان يقول: ربما مثل لي رأسي بين جبلين من نار، وربما رأيتني أهوي فيها حتى أبلغ قرارها، فكيف يهنأ الدُّنْيَا من كانت هذه صفته؟ قال أحمد: وحدثني أبو عبد الرحمن الأسدي، قال: قلت لسعيد بن عبد العزيز: ما هذا البكاء الَّذِي يعرض لك في الصلاة؟ فَقَالَ: يا ابن أخي وما سؤالك عن ذلك؟ قلت: يا عم لعل الله أن ينفعني به، قال: ما قمت في صلاتي إلا مثلت لي جهنم. وقال سرار أبو عبد الله: عاتبت عطاء السلمي في كثرة بكائه، فَقَالَ: يا

стр. 26

سرار، كيف تعاتبني في شيء ليس هو إلي؟ إني إذا ذكرت أهل النار وما ينزل بهم من عذاب الله وعقابه، تمثلت لي نفسي بهم، فكيف لنفس تغل يداها إِلَى عنقها، وتسحب إِلَى النار، أن لا تبكي وتصيح؟ وكيف لنفس تعذب أن لا تبكي؟ قال العلاء بن زياد: كان إخوان مطرف عنده، فخاضوا في ذكر الجنة، فقال مطرف: لا أدري ما تقولون! حَالَ ذِكْرُ النارِ بيني وبين الجنة. وقال عبد الله بن أبي الهذيل: لقد شغلت النار من يعقل عن ذكر الجنة. وعوتب يزيذ الرقاشي عَلَى كثرة بكائه، وقِيلَ لَهُ: لو كانت النار خلقت لك ما زدت عَلَى هذا، فَقَالَ: وهل خلقت النار إلا لي ولأصحابي ولإخواننا من الجن؟ أما تقرأ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ [الرحمن: ٣١]. أما تقرأ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ [الرحمن: ٣٥]. فقرأ حتى بلغ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ (١) [الرحمن: ٤٤]. وجعل يجول في الدار ويصرخ ويبكي حتى غشي عليه. وقرئ عَلَى رابعة العدوية آية فيها ذكر النار، فصرخت، ثم سقطت، فمكثت ما شاء الله لم تفق. ودخل ابن وهب الحمام فسمع قارئًا يقرأ: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾ [غافر: ٤٧]، فسقط مغشيًّا عليه، فغسل عنه بالنورة وهو لا يعقل. ولما أهديت معاذة العدوية إِلَى زوجها، صلة بن أشيم، أدخله ابن أخيه الحمام، ثم أدخله بيتًا مطيبًا، فقام يصلي حتى أصبح، وفعلت معاذة كذلك، فلما أصبح عاتبه ابن أخيه عَلَى فعله، فَقَالَ له: إنك أدخلتني بالأمس بيتًا أذكرتني به النار، ثم أدخلتني بيتًا أذكرتني به الجنة، فما زالت فكرتي فيهما حتى أصبحت. قال العباس بن الوليد عن أبيه قال: كان الأوزاعي إذا ذكر النار، لم يقطع

стр. 27

ذكرها، ولم يقدر أحد يسأله عن شيء حتى يسكت، فأقول بيني وبين نفسي: ترى بقي أحد في المجلس لم يتقطع قلبه حسرات؟!. كانت آمنة بنت أبي المورع من العابدات الخائفات، وكانت إذا ذكرت النار تقول: أدخلوا النار، وأكلوا من النار وشربوا من النار، وعاشوا؟ ثم تبكي. وكانت كأنها حبة عَلَى مقلى وكانت إذا ذكرت النار بكت وأبكت. قال عبد الواحد بن زيد: لم أر مثل قوم رأيتهم، هجمنا مرة عَلَى نفر من العباد في سواحل البحر، فتفرقوا حين رأونا، فما كنت تسمع عامة الليل إلا الصراخ والتعوذ من النار، فلما أصبحنا تتبعنا آثارهم فلم نرهم. ***

стр. 28

فصل [من السَّلف من كان إذا رأى النار اضطرب وتغيرت حاله] (*) وكان من السَّلف من إذ رأى النار اضطرب وتغير حاله، وقد قال تعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: ٧٣] قال مجاهد وغيره: يعني أن نار الدُّنْيَا تذكر بنار الآخرة. و] (**) قال أبو حيان التيمي: سمعت منذ ثلاثين سنة أو أكثر من ثلاثين سنة أن عبد الله بن مسعود مر عَلَى الذين ينفخون عَلَى الكير فسقط، خرجه الإمام أحمد. وخرج ابن أبي الدُّنْيَا (١) من رواية سعد بن الأخرم، قال: كنت أمشي مع ابن مسعود فمر بالحدادين وقد أخرجوا حديدًا من النار، فقام ينظر إِلَيْهِ ويبكي. وعن عطاء الخراساني قال: كان أويس القرني يقف عَلَى موضع الحدادين فينظر إليهم كيف ينفخون الكير، ويسمع صوت النار، فيصرخ، ثم يسقط. وعن ابن أبي الذباب، أن طلحة وزبيدًا مرا بكير حداد، فوقفا ينظران إِلَيْهِ ويبكيان. قال الأعمش: أخبرني من رأى الربيع بن خثيم مر بالحدادين، فرأى الكير وما فيه، فخرَّ. وقال مطر الوراق: كان حممة وهرم بن حيان إذا أصبحا غديا فمرا بأكورة

стр. 29

الحدادين، فنظرا إِلَى الحديد كيف ينفخ عليه، فيقفان ويبكيان، ويستجيران من النار. وقال حماد بن سلمة عن ثابت: كان بشير بن كعب وقراء البصرة يأتون الحدادين، فينظرون إِلَى شهيق النار، فيتعوذون بالله من النار. وعن العلاء بن محمد قال دخلت عَلَى عطاء المسلمي فرأيته مغشيًّا عليه، فقلت لامرأته ما شأنه؟ قالت: سجرت جارية لنا التنور، فلما نظر إِلَيْهِ غشي عليه. وعن معاوية الكندي قال: مر عطاء السلمي عَلَى صبي معه شعلة نار، فأصابت النار الريح، فسمع ذلك منها، فغشي عليه. وقال الحسن: كان عمر، ربما توقد له النار، ثم يدني يده منها، ثم يقول: يا ابن الخطاب هل لك عَلَى هذا صبر؟!. وكان الأحنف بن قيس، يجيء إِلَى المصباح بالليل، فيضع أصبعه فيه، ثم يقول حَسٍّ حَسٍّ (١)، ثم يقول: يا حنيف، ما حملك عَلَى ما صنعت يوم كذا؟ ما حملك عَلَى ما صنعت يوم كذا؟. وقال البختري بن حارثة: دخلت عَلَى عابد، فإذا بين يديه نار قد أججها، وهو يعاتب نفسه، فلم يزل يعاتبها حتى مات. وكان كثير من الصالحين يذكر النار وأنواع عذابها برؤية ما يشبهه بها في الدُّنْيَا، أو يذكره بها، كرؤبة البحر وأمواجه، والرءوس المشوية، وبكاء الأطفال، وفي الحر والبرد، وعند الطعام والشراب، وغير ذلك، وسنذكر ما تيسر من ذلك مفرقًا في موضعه إن شاء الله تعالى. وقد سبق أن منهم من كان يذكر النار بدخول الحمام. وروى ليث عن طلحة، قال: انطلق رجل ذات يوم، فنزع ثيابه، وتمرغ في

стр. 30

الرمضاء وهو يقول لنفسه: ذوقي نار جهنم أشد حرًّا، جيفة بالليل، بطالة بالنهار، فبينما هو كذلك إذ أبصر النبي ﷺ في ظل شجرة، فأتاه، فَقَالَ: غلبتني نفسي، فَقَالَ له النبي ﷺ : "ألم يكن لك بد من الَّذِي صنعت؟ لقد فتحت لك أبواب السماء، ولقد باهى الله بك الملائكة" خرجه ابن أبي الدُّنْيَا (١). وهو مرسل، وخرج الطبراني نحوه من حديث بريدة موصولاً، وفي إسناده من لا يعرف حاله، والله أعلم. ...

стр. 31

فصل من الخائفين من منعه خوف جهنم من النوم ومن الخائفين من منعه خوف جهنم من النوم. قال أسد بن وداعة: كان شداد بن أوس، إذا أوى إِلَى فراشه، كأنه حبة عَلَى مقلى، فيقول: اللهم إن ذكر جهنم لا يدعني أنام، فيقوم إِلَى مصلاه. وقال أبو سليمان الداراني: كان طاووس يفترش فراشه، ثم يضطجع عليه، فيتقلى عليه كما تتقلى الحبة عَلَى المقلى، ثم يثب، فيدرجه، ويستقبل القبلة حتى الصباح، ويقول: طير ذكر جهنم نوم العابدين. وقال مالك بن دينار: قالت ابنة الربيع بن خثيم: يا أبت، مالك لا تنام والناس ينامون؟ فَقَالَ: إن النار لا تدع أباك ينام. وكان صفوان بن محرز إذا جنه الليل يخور كما يخور الثور، ويقول: منع خوف النار مني الرقاد. وكان عامر بن عبد الله يقول: ما رأيت مثل الجنة نام طالبها، وما رأيت مثل النار نام هاربها، فكان إذا جاء الليل قال: أذهب حر النار النوم، فما ينام حتى يصبح، وإذا جاء النهار قال: أذهب حر النار النوم، فما ينام حتى يمسي. ورُوي عنه أنَّه قِيلَ لَهُ: مالك لا تنام؟ قال: إن ذكر جهنم لا يدعني أنام. وقال الحر بن حصين الفزاري: رأيت شيخًا من بني فزارة أمر له خالد بن عبد الله بمائة ألف، فأبى أن يقبلها، وقال: أذهب ذكر جهنم حلاوة الدُّنْيَا من قلبي، قال: وكان يقوم إذا نام الناس، فيصيح النار النار النار. وكان رجل من الموالي، يقال له صهيب، وكان يسهر الليل ويبكي، فعوتب

стр. 32

عَلَى ذلك، وقالت له مولاته: أفسدت عَلَى نفسك، فَقَالَ: إن صهيبًا إذا ذكر الجنة طال شوقه، وإذا ذكر النار طال خوفه. وعن ابن مهدي قَالَ: ما كان سفيان الثوري ينام إلاَّ أول الليل، ثم ينتفض فزعًا مرعوبًا ينادي: النار النار، شغلني ذكر النار عن النوم والشهوات، ثم يتوضأ، ويقول عَلَى إثر وضوئه: اللهم إنك عالم بحاجتي غير معلم، وما أطلب إلاَّ فكاك رقبتي من النار. وفي هذا المعنى يقول عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: إذا ما الليل أظلم كَابَدُوهُ ... فيُسفرُ عنهم وهم ركوعُ أطارَ الخوف نومهُمُ فقاموا ... وأهل الأمن في الدُّنْيَا هُجُوعُ (١) وقال ابن المبارك أيضاً: وَمَا فَرْشُهُمْ إِلَّا أَيَامِنُ أُزْرِهِمْ ... وَمَا وُسْدُهُمْ إِلَّا مَلَاءٌ وَأَذْرُعُ وَمَا لَيْلُهُمْ فيهن إِلَّا تخوف ... وَمَا نَوْمُهُمْ إِلَّا عُشَاشٌ مُرَوِّعُ وَأَلْوَانُهُمْ صُفْرٌ كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ ... عَلَيْهَا جِسَاد عُلْيَ بِالْوَرْسِ (٢) مُشْبَعُ نَوَاحِلُ قَدْ أَزْرَى بِهَا الْجُهْدُ (٣) وَالسُّرَى (٤) ... إِلَى اللَّهِ فِي الظَّلْمَاءِ وَالنَّاسُ هُجَّعُ وَيَبكُونُ أحيانًا كأن عَجِيجَهُمْ (٥) ... إذا نَوَّمَ الناس الحَنِينُ المُرَجَّعُ وَمَجْلِسُ ذِكْرٍ فِيهِمْ قَدْ شَهِدْتُهُ ... وَأَعْيُنُهُمْ مِنْ رهبة اللَّهِ تَدْمَعُ وكان عباد بن زياد التيمي له إخوة متعبدون، فجاء الطاعون فاخترمهم، فَقَالَ

стр. 33

يرثاهم: فتية يُعْرَفُ التَّخَشُّعُ فيهم ... كلهم أحكمَ القرآن غُلامًا بأنين قد بَرَى جِلدهُ التهجد ... حتى عاد جلده مصفرًا وعظاما تتجافى عن الفراش من الخوف ... إذا الجاهلون باتوا نياما بأنين (١) وعَبْرَةٍ (٢) ونَحِيبٍ (٣) ... وَيَظَلُّون بالنهار صياما يقرءون القرآن لا ريب فيه ... ويبيتون سجدًا وقياما ...

стр. 34

فصل ومنهم من منعه خوف النار من الضحك قَالَ إسماعيل السدي: قَالَ الحجاج لسعيد بن جبير: بلغني أنك لم تضحك قط، قَالَ: كيف أضحك وجهنم قد سعرت، والأغلال قد نصبت، والزبانية قد أعدت؟!. وقال عثمان بن عبد الحميد: وقع في جيران غزوان، حريق، فذهب يطفئه، فوقع شرارة عَلَى أصبع من أصابعه، فَقَالَ: ألا أراني قد أوجعتني نار الدُّنْيَا، والله لا يراني ضاحكًا حتى أعرف أينجيني من نار جهنم أم لا؟. وقد كان جماعة من السَّلف عاهدوا الله أن لا يضحكوا أبدًا حتى يعلموا أين مصيرهم، إِلَى الجنة أم إِلَى النار، منهم حممة الدوسي، والربيع بن خراش، وأخوه ربعي، وأسلم العجلي، ووهيب بن الورد، وغيرهم. وروى يزيد الرقاشي عن أنس، قَالَ: لما أسري بالنبي ﷺ وجبريل معه، سمع رسول الله ﷺ هدة، فَقَالَ: يا جبريل ما هذه الهدة؟ قَالَ: حجر أرسله الله من شفير جهنم، فهو يهوي فيها منذ سبعين عامًا فبلغ قعرها الآن، قَالَ: فما ضحك رسول الله ﷺ بعد ذلك إلاَّ أن يبتسم تبسما. خرّجه ابن أبي الدُّنْيَا (١)، ويزيد الرقاشي شيخ صالح لا يحفظ الحديث. وخرج الطبراني (٢)، بإسناد ضعيف إِلَى أبي سعيد الخدري، عن النبيّ ﷺ

стр. 35

معناه، وفي حديثه قَالَ: فما رؤي رسول الله ﷺ يا ضاحكًا حتى قبض. وسيأتي حديث امتناع الملائكة من الضحك، منذ خلقت جهنم، فيما بعد إن شاء الله تعالى. وفي حديث أبي ذر الطويل عن النبيّ ﷺ قلت: يا رسول الله، ما كانت صحف موسى؟ قَالَ: "كانت عبرًا كلها، عجبت لمن أيقن بالموت وهو يفرح، وعجبت لمن أيقن بالنار وهو يضحك" وذكر الحديث بطوله، خرّجه ابن حبان في صحيحه (١) وغيره (٢). ...

стр. 36

فصل ومنهم من حديث له من خوفه من النار مرض، ومنهم من مات من ذلك وكان الحسن يقول في وصف الخائفين: قد براهم الخوف، فهم أمثال الفراخ (*) ينظر إليهم الناظر فيقول. مرضى وما بهم مرض، ويقول: قد خولطوا، وقد خالط القوم من ذكر الآخرة أمر عظيم!!. وسمع عمر بن الخطاب ﵁ رجلاً يتهجد في الليل ويقرأ سورة الطور، فلما بلغ إِلَى قوله تعالى: ﴿إن عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور: ٧، ٨] قَالَ عمر: قسم ورب الكعبة حق، ثم رجع إِلَى منزله، فمرض شهرًا يعوده الناس، لا يدرون ما مرضه (١). وكان جماعة من عباد البصرة مرضوا من الخوف، ولزموا منازلهم، كالعلاء ابن زياد، وعطاء السلمي، وكان عطاء قد صار صاحب فراش عدة سنين. وكانوا يرون أن بدو مرض عمر بن عبد العزيز الَّذِي مات فيه كان من الخوف. وروى الإمام أحمد (٢) عن حسين بن محمد، عن فضيل بن سليمان، عن محمد بن مطرف، قَالَ: حدثني ثقة، وإن شابًّا من الأنصار، دخل خوف النار قلبه، فجلس في البيت، فأتاه النبيّ ﷺ ، فقام إِلَيْه فاعتنقه، فشهق شهقة خرجت نفسه، فَقَالَ النبىي ﷺ : "جهزوا صاحبكم فَلَذَ (٣) خوفُ النار كبده".

стр. 37

ورواه ابن المبارك عن محمد بن مطرف به بنحوه. ورُوي من وجه آخر متصلاً، خرّجه ابن أبي الدُّنْيَا: حدثنا الحسن بن يحيى، حدثنا حازم بن جبلة بن أبي نضرة العبدي، عن أبي سنان، عن الحسن، عن حذيفة، قَالَ: كان شاب عَلَى عهد رسول الله ﷺ يبكي عند ذكر النار، حتى حبسه ذلك في البيت، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فأتاه النبي ﷺ ، فلما نظر إِلَيْهِ الشاب قام إِلَيْه فاعتنقه وخر ميتًا، قَالَ النبيّ ﷺ : "جهزوا صاحبكم فإن الفرق من النار فلذ كبده (١)، والذي نفسي بيده. لقد أعاذه الله منها، من رجا شيئًا طلبه، ومن خاف شيئًا هرب منه". والمرسل أصح وحازم بن جبلة، قَالَ ابن مخلد الدوري الحافظ: لا يكتب حديثه. وقال حفص بن عمرو الجعفي: اشتكى داود الطائي أيامًا، وكان سبب علته أنّه مر بآية فيها ذكر النار، فكررها مرارًا في ليلته، فأصبح مريضًا، فوجدوه قد مات ورأسه عَلَى لبنة. خرّجه أبو نعيم. وخرج أيضاً هو وابن أبي الدُّنْيَا، وغيرهما من [غير] (٢) وجه، قصة منصور بن عمار مع الَّذِي مر به بالكوفة ليلاً، وهو يناجي ربه، فتلا منصور هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦] قَالَ منصور: فسمعت دكدكة لم أسمع بعدها حسنًا ومضيت، فلما كان من الغد رجعت، فإذا جنارة قد أخرجت، وإذا عجوز فسألتها عن أمر الميت، ولم تكن عرفتني، فقالت: هذا رجل، لا جزاه الله إلاَّ جزاءه، مر بابني البارحة وهو قائم يصلّي، فتلا آية من كتاب الله، فتفطرت مرارته، فوقع ميتًا. وروى ابن أبي الدُّنْيَا عن محمد بن الحسين، حدثني بعض أصحابنا حدثني عبد الوهاب، قَالَ: بينا أنا جالس في الحدادين ببلخ، إذ مر رجل، فنظر إِلَى النار في الكور، فسقط، فقمنا ونظرنا، فإذا هو قد مات.

стр. 38

وبإسناده عن [البختري بن يزيد بن حارثة الأنصاري] (١)، أن رجلاً من العباد وقف عَلَى كور حداد، وقد كشف عنه، فجعل ينظر إِلَيْه ويبكي، قَالَ: ثم شهق شهقة فمات. قَالَ: وحُدِّثْتُ عن عبد الرحيم بن مطرف بن قدامة الرؤاسي، حدثني أبي، عن مولى لنا، قَالَ: لما مات منصور بن المعتمر صاحت أمه: واقتيل جهنماه! ما قتل ابني إلاَّ خوف جهنم (٢). ورُوي من غير وجه، أن علي بن فضيل مات من سماع قراءة هذه الآية: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧]. وقال يونس بن عبد الأعلى: قرأ عبد الله بن وهب كتاب "الأهوال" فمر في صفة النار فشهق فغشي عليه، فحمل إِلَى منزله، وعاش أيامًا، ثم مات ﵀. ...

стр. 39

فصل أحوال بعض الخائفين خرج مسلم في "صحيحه" (١) من حديث أنس عن رسول الله ﷺ أنّه قَالَ: "والذي نفسي بيده، لو رأيتم ما رأيت، لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيرًا قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قَالَ: رأيت الجنة والنار". وفي "الصحيحين" (٢) عن ابن عباس عن النبيّ ﷺ : قَالَ: "لما كسفت الشمس رأيت النار، فلم أر منظرًا كاليوم أفظع". وروى الأعمش عن مجاهد، عن ابن عباس مرفوعًا: "لو أبرزت النار للناس ما رآها أحد إلاَّ مات" ورُوي موقوفًا. وخرج أبو يعلى الموصلي في "مسنده" (٣) وغيره من حديث ابن عمر عن النبيّ ﷺ أنّه خطب فَقَالَ: "لا تنسوا العظيمتين: الجنة والنار، ثم بكى حتى جرى وبل دموعه جانبي لحيته ثم قَالَ: والذي نفسي بيده، لو تعلمون ما أعلم من أمر الآخرة، لمشيتم إِلَى الصعيد، ولحثيتم عَلَى رءوسكم التراب". وروى ابن أبي الدُّنْيَا بإسناده، عن مسعر، عن عبد الأعلى: ما جلس قوم مجلسًا، فلم يذكروا الجنة والنار، إلاَّ قالت الملائكة: أغفلوا العظيمتين؟!. وعن عامر بن يساف، عن يحيى بن أبي كثير، قَالَ: قطع قلوب الخائفين، طول الخلدين في الجنة أو النار. وعن ابن السماك، قَالَ: قطع قلوب العارفين بالله، ذكر الخلدين الجنة

стр. 40

والنار. وعن بكر المزني، وإن أبا موسى الأشعري ﵁ خطب الناس بالبصرة، فذكر في خطبته النار، فبكى حتى سقطت دموعه عَلَى المنبر، قَالَ: وبكى الناس يومئذ بكاء شديدًا. وعن إبراهيم بن محمد البصري قَالَ: نظر عمر بن عبد العزيز إِلَى رجل عنده متغير اللون، فَقَالَ له: ما الَّذِي أرى بك؟ قَالَ: أسقام وأمراض يا أمير المؤمنين إن شاء الله، فأعاد عليه عمر، فأعاد الرجل مثل ذلك ثلاثًا، ثم قَالَ: إذا أبيت إلاَّ أن أخبرك، فإني ذقت حلاوة الدُّنْيَا، فصغر في عيني زهرتها وملاعبها، واستوى عندي حجارتها وذهبها، ورأيت كان الناس يساقون إِلَى الجنة وأنا أساق إِلَى النار، فأسهرت لذلك ليلي، وأظمأت نهاري، وكل ذلك صغير حقير في جنب ثواب الله وجنب عقابه. وهذا الكلام يشبه حديث حارثة المشهور، وهو حديث رُوي من وجوه مرسلاً، ورُوي مسندًا متصلاً من رواية يوسف بن عطية الصفار، وفيه ضعف، عن ثابت عن أنس أن النبيّ ﷺ قَالَ لشاب من الأنصار: "كيف أصبحت يا حارثة؟ قَالَ: أصبحت مؤمنًا بالله حقًّا، قَالَ: انظر ما تقول، فإن لكل قول حقيقة قَالَ: يا رسول الله عزفت نفسي عن الدُّنْيَا، فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري، وكأني بعرش ربى بارزًا، وكأني أنظر إِلَى أهل الجنة يتزاورون فيها، وإلى أهل النار يتعاوون فيها، قَالَ: أبصرت فالزم، عبد نور الله الإيمان في قلبه" (١) والمرسل
следующие страницы →