← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 151147

التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (297 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فصل ومنهم من حديث له من خوفه من النار مرض، ومنهم من مات من ذلك وكان الحسن يقول في وصف الخائفين: قد براهم الخوف، فهم أمثال الفراخ (*) ينظر إليهم الناظر فيقول. مرضى وما بهم مرض، ويقول: قد خولطوا، وقد خالط القوم من ذكر الآخرة أمر عظيم!!. وسمع عمر بن الخطاب ﵁ رجلاً يتهجد في الليل ويقرأ سورة الطور، فلما بلغ إِلَى قوله تعالى: ﴿إن عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور: ٧، ٨] قَالَ عمر: قسم ورب الكعبة حق، ثم رجع إِلَى منزله، فمرض شهرًا يعوده الناس، لا يدرون ما مرضه (١). وكان جماعة من عباد البصرة مرضوا من الخوف، ولزموا منازلهم، كالعلاء ابن زياد، وعطاء السلمي، وكان عطاء قد صار صاحب فراش عدة سنين. وكانوا يرون أن بدو مرض عمر بن عبد العزيز الَّذِي مات فيه كان من الخوف. وروى الإمام أحمد (٢) عن حسين بن محمد، عن فضيل بن سليمان، عن محمد بن مطرف، قَالَ: حدثني ثقة، وإن شابًّا من الأنصار، دخل خوف النار قلبه، فجلس في البيت، فأتاه النبيّ ﷺ ، فقام إِلَيْه فاعتنقه، فشهق شهقة خرجت نفسه، فَقَالَ النبىي ﷺ : "جهزوا صاحبكم فَلَذَ (٣) خوفُ النار كبده".

стр. 37

ورواه ابن المبارك عن محمد بن مطرف به بنحوه. ورُوي من وجه آخر متصلاً، خرّجه ابن أبي الدُّنْيَا: حدثنا الحسن بن يحيى، حدثنا حازم بن جبلة بن أبي نضرة العبدي، عن أبي سنان، عن الحسن، عن حذيفة، قَالَ: كان شاب عَلَى عهد رسول الله ﷺ يبكي عند ذكر النار، حتى حبسه ذلك في البيت، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فأتاه النبي ﷺ ، فلما نظر إِلَيْهِ الشاب قام إِلَيْه فاعتنقه وخر ميتًا، قَالَ النبيّ ﷺ : "جهزوا صاحبكم فإن الفرق من النار فلذ كبده (١)، والذي نفسي بيده. لقد أعاذه الله منها، من رجا شيئًا طلبه، ومن خاف شيئًا هرب منه". والمرسل أصح وحازم بن جبلة، قَالَ ابن مخلد الدوري الحافظ: لا يكتب حديثه. وقال حفص بن عمرو الجعفي: اشتكى داود الطائي أيامًا، وكان سبب علته أنّه مر بآية فيها ذكر النار، فكررها مرارًا في ليلته، فأصبح مريضًا، فوجدوه قد مات ورأسه عَلَى لبنة. خرّجه أبو نعيم. وخرج أيضاً هو وابن أبي الدُّنْيَا، وغيرهما من [غير] (٢) وجه، قصة منصور بن عمار مع الَّذِي مر به بالكوفة ليلاً، وهو يناجي ربه، فتلا منصور هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦] قَالَ منصور: فسمعت دكدكة لم أسمع بعدها حسنًا ومضيت، فلما كان من الغد رجعت، فإذا جنارة قد أخرجت، وإذا عجوز فسألتها عن أمر الميت، ولم تكن عرفتني، فقالت: هذا رجل، لا جزاه الله إلاَّ جزاءه، مر بابني البارحة وهو قائم يصلّي، فتلا آية من كتاب الله، فتفطرت مرارته، فوقع ميتًا. وروى ابن أبي الدُّنْيَا عن محمد بن الحسين، حدثني بعض أصحابنا حدثني عبد الوهاب، قَالَ: بينا أنا جالس في الحدادين ببلخ، إذ مر رجل، فنظر إِلَى النار في الكور، فسقط، فقمنا ونظرنا، فإذا هو قد مات.

стр. 38

وبإسناده عن [البختري بن يزيد بن حارثة الأنصاري] (١)، أن رجلاً من العباد وقف عَلَى كور حداد، وقد كشف عنه، فجعل ينظر إِلَيْه ويبكي، قَالَ: ثم شهق شهقة فمات. قَالَ: وحُدِّثْتُ عن عبد الرحيم بن مطرف بن قدامة الرؤاسي، حدثني أبي، عن مولى لنا، قَالَ: لما مات منصور بن المعتمر صاحت أمه: واقتيل جهنماه! ما قتل ابني إلاَّ خوف جهنم (٢). ورُوي من غير وجه، أن علي بن فضيل مات من سماع قراءة هذه الآية: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧]. وقال يونس بن عبد الأعلى: قرأ عبد الله بن وهب كتاب "الأهوال" فمر في صفة النار فشهق فغشي عليه، فحمل إِلَى منزله، وعاش أيامًا، ثم مات ﵀. ...

стр. 39

فصل أحوال بعض الخائفين خرج مسلم في "صحيحه" (١) من حديث أنس عن رسول الله ﷺ أنّه قَالَ: "والذي نفسي بيده، لو رأيتم ما رأيت، لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيرًا قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قَالَ: رأيت الجنة والنار". وفي "الصحيحين" (٢) عن ابن عباس عن النبيّ ﷺ : قَالَ: "لما كسفت الشمس رأيت النار، فلم أر منظرًا كاليوم أفظع". وروى الأعمش عن مجاهد، عن ابن عباس مرفوعًا: "لو أبرزت النار للناس ما رآها أحد إلاَّ مات" ورُوي موقوفًا. وخرج أبو يعلى الموصلي في "مسنده" (٣) وغيره من حديث ابن عمر عن النبيّ ﷺ أنّه خطب فَقَالَ: "لا تنسوا العظيمتين: الجنة والنار، ثم بكى حتى جرى وبل دموعه جانبي لحيته ثم قَالَ: والذي نفسي بيده، لو تعلمون ما أعلم من أمر الآخرة، لمشيتم إِلَى الصعيد، ولحثيتم عَلَى رءوسكم التراب". وروى ابن أبي الدُّنْيَا بإسناده، عن مسعر، عن عبد الأعلى: ما جلس قوم مجلسًا، فلم يذكروا الجنة والنار، إلاَّ قالت الملائكة: أغفلوا العظيمتين؟!. وعن عامر بن يساف، عن يحيى بن أبي كثير، قَالَ: قطع قلوب الخائفين، طول الخلدين في الجنة أو النار. وعن ابن السماك، قَالَ: قطع قلوب العارفين بالله، ذكر الخلدين الجنة

стр. 40

والنار. وعن بكر المزني، وإن أبا موسى الأشعري ﵁ خطب الناس بالبصرة، فذكر في خطبته النار، فبكى حتى سقطت دموعه عَلَى المنبر، قَالَ: وبكى الناس يومئذ بكاء شديدًا. وعن إبراهيم بن محمد البصري قَالَ: نظر عمر بن عبد العزيز إِلَى رجل عنده متغير اللون، فَقَالَ له: ما الَّذِي أرى بك؟ قَالَ: أسقام وأمراض يا أمير المؤمنين إن شاء الله، فأعاد عليه عمر، فأعاد الرجل مثل ذلك ثلاثًا، ثم قَالَ: إذا أبيت إلاَّ أن أخبرك، فإني ذقت حلاوة الدُّنْيَا، فصغر في عيني زهرتها وملاعبها، واستوى عندي حجارتها وذهبها، ورأيت كان الناس يساقون إِلَى الجنة وأنا أساق إِلَى النار، فأسهرت لذلك ليلي، وأظمأت نهاري، وكل ذلك صغير حقير في جنب ثواب الله وجنب عقابه. وهذا الكلام يشبه حديث حارثة المشهور، وهو حديث رُوي من وجوه مرسلاً، ورُوي مسندًا متصلاً من رواية يوسف بن عطية الصفار، وفيه ضعف، عن ثابت عن أنس أن النبيّ ﷺ قَالَ لشاب من الأنصار: "كيف أصبحت يا حارثة؟ قَالَ: أصبحت مؤمنًا بالله حقًّا، قَالَ: انظر ما تقول، فإن لكل قول حقيقة قَالَ: يا رسول الله عزفت نفسي عن الدُّنْيَا، فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري، وكأني بعرش ربى بارزًا، وكأني أنظر إِلَى أهل الجنة يتزاورون فيها، وإلى أهل النار يتعاوون فيها، قَالَ: أبصرت فالزم، عبد نور الله الإيمان في قلبه" (١) والمرسل

стр. 41

أصح. وقال أحمد بن أبي الحواري: حدثنا علي بن أبي الحر، قَالَ: أوحى الله إِلَى يحيى بن زكريا ﵇: يا يحيى، وعزتي، لو اطلعت إِلَى الفردوس اطلاعة، لذاب جسمك، ولزهقت نفسك اشتياقًا، ولو اطلعت إِلَى النار اطلاعة لبكيت بالصديد بعد الدموع، وللبست الحديد بعد المسوح. وذكر ابن أبي الدُّنْيَا بإسناده عن سفيان، قَالَ: كان عمر بن عبد العزيز ساكتًا وأصحابه يتحدثون، فقالوا: مالك لا تتكلم يا أمير المؤمنين، قَالَ: كنت مفكرًا في أهل الجنة كيف يتزاورون فيها، وفي أهل النار كيف يصطرخون فيها، ثم بكى. وعن مغيث الأسود أنّه كان يقول: زوروا القبور كل يوم بفكركم، وتوهموا جوامع الخير كل يوم بعقولكم، وشاهدوا الموقف كل يوم بقلوبكم، وانظروا إِلَى المنصرف بالفريقين إِلَى الجنة أو النار بهممكم، وأشعروا قلوبكم وأبدانكم ذكر النار ومقامعها وأطباقها. وعن صالح المري أنّه قَالَ: للبكاء (*) دواعي: الفكرة في الذنوب، فإن أجابت عَلَى ذلك القلوب وإلا نقلتها إِلَى الموقف وتلك الشدائد والأهوال، فإن أجابت إِلَى ذلك وإلا فأعرض عليها التقلب بين أطباق النيران، قَالَ: ثم صاح، وغشي عليه، وتصايح الناس من جوانب المسجد. وعن أبي سليمان الداراني، قَالَ: خرج مالك بن دينار إِلَى قاعة الدار وترك أصحابه في البيت، فأقام إِلَى الفجر قائمًا في وسط الدار، فَقَالَ لهم: إني كنت في وسط الدار خطر ببالي أهل النار، فلم يزالوا يعرضون علي بسلاسلهم وأغلالهم حتى الصباح. وكان سعيد الجرمي يقول في وصف الخائفين: إذا مروا بآية من ذكر النار، صرخوا منها فرقًا، كأن زفير النار في آذانهم، وكأن الآخرة، نصب أعينهم.

стр. 42

وقال الحسن: إن لله عبادًا كمن رأى أهل الجنة في الجنة مخلدين، وكمن رأى أهل النار في النار معذبين. وقال أيضاً: والله ما صدق عبد بالنار قط إلاَّ ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وإن المنافق لو كانت النار خلف ظهره، لم يصدق بها حتى يهجم عليها. وقال وهب بن منبه: كان عابد في بني إسرائيل قام في الشمس يصلّي حتى اسود وتغير لونه، فمر به إنسان، فَقَالَ: كأن هذا حرق بالنار، قَالَ: إن هذا من ذكرها، فكيف بمعاينتها؟ ". وقال ابن عيينة قَالَ إبراهيم التيمي: مثلت نفسي في الجنة، آكل من ثمارها، وأشرب من أنهارها، وأعانق أبكارها، ثم مثلت نفسي في النار، آكل من زقومها، وأشرب من صديدها، وأعالج سلاسلها وأغلالها. فقلت لنفسي: أي شيء تريدين؟ قالت: أريد أن أرد إِلَى الدُّنْيَا، فأعمل صالحًا. فقلت: فأنت في الأمنية فاعملي. ***

стр. 43

الباب الثالث في ذكر تخويف جميع أصناف الخلق بالنار وخوفهم منها النار خلقها الله تعالى لعصاة الإنس والجن، وبهما تمتلئ، قَالَ الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]. وقال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩]. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ﴾ [الأنعام: ١٢٨]. وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]. وقال تعالى حاكيًا عن الجن الذين استمعوا القرآن: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٤، ١٥]. وقال تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢) يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٦) فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ إلى قوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٣١ - ٤٠].

стр. 44

ولهذا رُوي أن النبيّ ﷺ ، قرأ هذه السورة عَلَى الجن (١)، وأبلغهم إياها، لما تضمنت ذكر خلقهم وموتهم وبعثهم وجزائهم. وأما سائر الخلق، فأشرفهم الملائكة، وهم متوعدون عَلَى المعصية بالنار، وهم خائفون منها، قَالَ الله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٩]. وقد استفاض عن جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وإن هاروت وماروت كانا ملكين، وأنهما خُيِّرا بعد الوقوع في المعصية، بين عذاب الدُّنْيَا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدُّنْيَا لعلمهما بانقطاعه. وقد رُوي في ذلك حديث مرفوع، من حديث ابن عمر، عن النبيّ ﷺ ، خرّجه الإمام أحمد (٢) وابن حبان في صحيحه (٣)، لكن قد قيل: إن الصحيح

стр. 45

أنه موقوف عَلَى كعب. وخرج الإمام أحمد (١)، من حديث أنس عن النبيّ ﷺ ، أنّه سأل جبريل ﵇، فَقَالَ: ما لي لا أرى ميكائيل ﵇ يضحك؟! قَالَ جبريل: ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار. وروى أيضاً في كتاب "الزهد" من حديث أبي عمران الجوني، قَالَ: بلغنا أن جبريل جاء إِلَى رسول الله ﷺ ، وجبريل ﵇ يبكي، فَقَالَ رسول الله ﷺ : "ما يبكيك يا جبريل؟ قَالَ: وما تبكي أنت يا محمد؟ ما جفت عيناي منذ

стр. 46

خلق الله جهنم مخافة أن أعصيه فيلقيني فيها" (١). وقد رُوي نحوه من وجه آخر مرسلاً أيضاً. وخرّجه الطبراني (٢) من حديث محمد بن أحمد بن أبي خيثمة، حدثنا محمد ابن علي [بن خلف العطار، حدثنا محمد بن علي بن عبد الله بن محمد بن عمر ابن علي] (*) حدثنا أبي، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر، وإن جبريل جاء إِلَى النبيّ ﷺ حزينًا لا يرفع رأسه، فَقَالَ له: مالي أراك يا جبريل حزينًا؟! قَالَ: إني رأيت نفخة من جهنم، فلم ترجع إلي روحي بعد. وقال: لم يرفعه عن زيد إلاَّ علي، تفرد به ابنه محمد بن علي بن خلف (٣)، وهذا يدل عَلَى أن غيره وقفه. وخرج الطبراني (٤) أيضاً، من طريق سلام الطويل، عن الأجلح الكندي، عن عدي بن عدي الكندي، عن عمر بن الخطاب ور قَالَ: "جاء جبريل إِلَى النبيّ ﷺ في غير حينه الَّذِي كان يأتيه فيه، فَقَالَ له: يا جبريل مالي أراك متغير اللون؟ قَالَ: ما جئتك حتى أمر الله بمنافخ النار. قَالَ: يا جبريل، صف النار، وانعت لي جهنم" فذكر الحديث، وسنذكره إن شاء الله تعالى مفرقًا في الكتاب في مواضع، ثم قَالَ: فَقَالَ رسول الله ﷺ : حسبي يا جبريل، لا ينصدع قلبي فأموت.

стр. 47

قَالَ: فنظر رسول الله ﷺ إِلَى جبريل وهو يبكي، فَقَالَ رسول الله ﷺ : تبكي يا جبريل، وأنت من الله بالمكان الَّذِي أنت فيه؟ فَقَالَ: وما لي لا أبكي، أنا أحق بالبكاء، لعلي أن أكون في علم الله، عَلَى غير الحال التي أنا عليها، وما أدري لعلي أبتلى بما ابتلي به إبليس، فقد كان من الملائكة، وما أدري لعلى أبتلى بما ابتلي به هاروت وماروت. قَالَ: فبكى رسول الله ﷺ ، وبكى جبريل ﵇، فما زالا يبكيان حتى نوديا: أن يا محمد ويا جبريل، إن الله قد أمنكما أن تعصياه، فارتفع جبريل، وخرج رسول الله ﷺ ، فمر بقوم من الأنصار يضحكون، فَقَالَ: تضحكون ووراءكم جهنم؟! فلو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيرًا، ولما أسغتم الطعام والشراب، ولخرجتم إِلَى الصعدات تجأرون إِلَى الله فنودي: "يا محمد، لا تقنط عبادي، إِنَّمَا بعثتك ميسرًا" (*) ولم أبعثك معسرًا. قَالَ رسول الله ﷺ : "سددوا وقاربوا". وسلام الطويل: ضعيف جدًّا. وروى ابن أبي الدُّنْيَا، من حديث أبي فضالة عن أشياخه، قَالَ: إن لله ملائكة، لم يضحك أحدهم منذ خلقت النار، مخافة أن يغضب الله عليهم فيعذبهم. وبإسناده عن بكر العابد، قَالَ: قلت لجليس لابن أبي ليلى -يكنى أبا الحسن-: أتضحك الملائكة؟. قَالَ: ما ضحك مَنْ دون العرش منذ خلقت جهنم. وعن محمد بن المنكدر قَالَ: لما خلقت النار طارت أفئدة الملائكة من أماكنها، فلما خلق ابن آدم عادت. وروى أبو نعيم بإسناده عن طاووس، قَالَ: لما خلقت النار طارت أفئدة

стр. 48

الملائكة، فلما خلق بنو آدم سكنت. فأما البهائم والوحش والطير، فقد رُوي ما يدل عَلَى خوفها أيضاً. قَالَ عامر بن يساف، عن يحيى بن أبي كثير، قَالَ: بلغنا أنّه إذا كان يوم نوح داود ﵇ يأتي الوحش من البراري، وتأتي السباع من الغياض، وتأتي الهوام من الجبال، وتأتي الطيور من الأوكار، وتجتمع الناس في ذلك اليوم، ويأتي داود ﵇ حتى يرقى المنبر، فيأخذ في الثناء عَلَى ربه، فيضجون بالبكاء والصراخ، ثم يأخذ بذكر الجنة والنار، فيموت طائفة من الناس وطائفة من السباع وطائفة من الوحوش وطائفة من الهوام وطائفة من الرهبان والعذارى المتعبدات، ثم يأخذ بذكر الموت وأحوال القيامة فيأخذ بالنياحة عَلَى نفسه، فيموت طائفة من هؤلاء، ومن كل صنف طائفة. خرّجه ابن أبي الدُّنْيَا. وأما غير الحيوان من الجمادات وغيرها، فقد أخبر الله عنها، أنها تخشاه، قَالَ الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤]. قَالَ ابن أبي نجيح: عن مجاهد: كل حجر يتفجر منه الماء فيتشقق عن ماء، تردى عن رأس جبل، فهو من خشية الله ، نزل بذلك القرآن. وخرج الجوزجاني وغيره من طريق مجاهد عن ابن عباس، قَالَ: إن الحجر ليقع إِلَى الأرض، ولو اجتمع عليه الفئام من الناس، ما استطاعوه، لأنه يهبط من خشية الله. قَالَ ابن أبي الدُّنْيَا (١): حدثني أحمد بن عاصم بن عنبسة العباداني، أنبأنا الفضل بن العباس -وكان من الأبدال، وكانت الدموع قد أثرت في وجهه، وكان يصوم الدهر، ويفطر كل ليلة عَلَى رغيف -قَالَ: مر عيسى ﵇ بجبل بين نهرين، نهر عن يمينه، ونهر عن يساره، ولا يدري من أين يجيء هذا الماء، [ولا

стр. 49

إِلَى] (*) أين يذهب؟ قَالَ: أما الَّذِي يجري عن يساري فمن دموع عيني اليسرى، قَالَ: مم ذاك؟ قَالَ: من خوف ربي أن يجعلني من وقود النار. قَالَ عيسى: فأنا أدعو الله أن يهبك لي. فدعا الله فوهبه له. قَالَ عيسى: قد وهبت لي. قَالَ: فجاء منه من الماء حتى احتمل عيسى فذهب به. فَقَالَ عيسى: اسكن بعزة الله، فقد استوهبتك من ربي فوهبك لي فما هذا؟ قَالَ: فأما البكاء الأول فبكاء الخوف، وأما البكاء الثاني فبكاء الشكر. قال عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: إن القمر ليبكي من خشية الله. قَالَ طاووس: إن القمر ليبكي من خشية الله ولا ذنب له، ولا يسأل عن ذنب ولا يجازى به. ...

стр. 50

فصل وهذه النار التي في الدُّنْيَا تخاف من نار جهنم: روى نفيع أبو داود عن أنس، عن النبيّ ﷺ قال: "ناركم هذه لجزء من سبعين جزءًا من نار جهنم، ولولا أنها أطفئت بالماء مرتين ما انتفعتم بها، وإنها لتدعو الله ألا يعيدها فيها". خرّجه ابن ماجه (١)، ونفيع فيه ضعف، وقد رُوي موقوفًا عَلَى أنس. وخرج الحاكم (٢)، من حديث جسر بن فرقد، عن الحسن، عن أنس، عن النبيّ ﷺ قَالَ: "ناركم هذه جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم، ولولا أنها غمست في البحر مرتين ما انتفعتم بها، وايم الله إن كانت لكافية، وإنها لتدعو الله وتستجير الله أن لا يعيدها في النار أبدًا" وقال: صحيح الإسناد، وفي ذلك نظر، فإن جسر بن فرقد ضعيف. وروى ابن أبي الدُّنْيَا بإسناد عن أبي رجاء، قَالَ: لما ألقي إبراهيم ﵇ في النار أوحى الله إليها (*): "لئن ضربتيه وآذيتيه لأردنك إِلَى النار الكبرى، فخرت مغشيًّا عليها ثلاثة أيام لا ينتفع الناس منها بشيء". وعن أبي عمران الجوني، قَالَ: بلغنا أن عبد الله بن عمرو سمع صوت النار

стр. 51

فَقَالَ: وأنا، فقِيلَ لَهُ: ما هذا؟ فَقَالَ: والذي نفسي بيده إنها تستجير من النار الكبرى أن تعاد إليها. وعن الأعمش عن مجاهد، قَالَ: ناركم هذه تعوذ بالله من عذاب جهنم. ***

стр. 52

الباب الرابع في أن البكاء من خشية النار ينجي منها وأن التعوذ بالله من النار يوجب الإعاذة منها قد تكاثرت الأحاديث في أن البكاء من خشية الله مقتضٍ للنجاة من النار، والبكاء من نار جهنم هو البكاء من خشية الله، لأنّه بكاء من خشية عقاب الله وسخطه والبعد عنه وعن رحمته وجواره ودار كرامته. وروى أبو هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ قَالَ: "لا يلج النار رجل بكى من خشية الله، حتى يعود اللبن في الضرع" أخرجه النسائي (١) والترمذي (٢) وقال: صحيح. وعن ابن عباس ﵄ قَالَ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "عينان لا تمسهما النار: عين بكت في جوف الليل من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله " خرّجه الترمذي (٣) وقال: حسن. وعن أبي ريحانة، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "حرمت النار عَلَى عين دمعت أو

стр. 53

بكت من خشية الله، وحرمت النار عَلَى عين سهرت في سبيل الله وذكر عينًا ثالثة. خرجه الإمام أحمد (١) وهذا لفظه، والنسائي (٢) والحاكم (٣) وقال: صحيح الإسناد. وخرّجه الجوزجاني ولفظه "حرمت النار عَلَى عين سهرت بكتاب الله، وحرمت النار عَلَى عين دمعت من خشية الله، وحرمت النار عَلَى عين غضت عن محارم الله أو فقئت في سبيل الله". وعن ابن مسعود ﵁، عن النبيّ ﷺ قَالَ: "ما من عبد مؤمن يخرج من عينيه دموع، وإن كان مثل رأس الذباب، من خشية الله، ثم تصيب شيئًا من حر وجهه، إلاَّ حرمه الله عَلَى النار" خرّجه ابن ماجه (٤)، وقد رُوي موقوفًا عَلَى من دون ابن مسعود. وفي الباب أحاديث أخر في المعنى مسندة ومرسلة، وفيه أيضاً عن معاذ بن جبل ﵁ وابن عباس من قولهما غير مرفوع. وخرج ابن أبي الدُّنْيَا (٥) من طريق نفيع أبي داود، عن زيد بن أرقم، أن رجلاً قَالَ: يا رسول الله، بما أتقي النار؟ قَالَ: "بدموع عينيك، فإن عينًا بكت من خشية الله لا تمسها النار أبدًا" ونفيع سبق أنّه ضعيف.

стр. 54

ومن طريق النضر بن سعيد، رفعه قَالَ: "ما اغرورقت عين عبد بمائها من خشية الله إلاَّ حرم جسدها عَلَى النار، فإن فاضت عَلَى خده لم يرهق وجهه فتر ولا ذلة، ولو أن عبدًا بكى في أمة من الأمم، لأنجي الله ببكاء ذلك العبد تلك الأمة من النار، وما من عمل إلاَّ وله وزن أو ثواب إلاَّ الدمعة، فإنها تطفئ بحورًا من النار" (١). وقد رُوي هذا المعنى أو بعضه موقوفًا من كلام الحسن وأبي عمران الجوني وخالد بن معدان وغيرهم. وعن زاذان أبي عمر قَالَ: بلغنا أن من بكى خوفًا من النار أعاذه الله منها، ومن بكى شوقًا إِلَى الجنة أسكنه الله إياها. وكان عبد الواحد بن زيد يقول: يا إخوتاه، ألا تبكون شوقًا إِلَى الله ؟ ألا إنه من بكى شوقًا إِلَى سيّده لم يحرمه النظر إِلَيْهِ، يا إخوتاه، ألا تبكون خوفًا من النار؟ ألا إنه من يبكي خوفًا من النار أعاذه الله منها. وعن فرقد السبخي، قَالَ: قرأت في بعض الكتب أن الباكي عَلَى الجنة لتشفع له الجنة إِلَى ربها، فتقول: يا رب، أدخله الجنة كما يبكي علي، وإن النار تستجير له من ربها، فتقول: يا رب، أجره من النار كما استجارك مني، وبكى خوفًا من دخولي. وفي حديث عبد الرحمن بن سمرة، عن النبيّ ﷺ ، أنّه قَالَ: "رأيت الليلة رؤيا" فذكر الحديث بطوله، وفيه قَالَ: رأيت رجلاً من أمتي عَلَى شفير جهنم، فجاءه وجله (٢) من الله، فاستنقذه من ذلك، ورأيت رجلاً من أمتي يهوي في النار،

стр. 55

فجاءته دموعه التي بكى من خشية الله ، فاستخرجته من النار (١). وروى الكديمي، حدثنا سهل بن حماد، حدثنا مبارك بن فضالة، حدثنا ثابت، عن أنس، قَالَ: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦]. وبين يديه رجل أسود، فهتف بالبكاء، فنزل جبريل ﵇، فَقَالَ: من هذا الباكي بين يديك؟ قَالَ: رجل من الحبشة وأثنى عليه معروفًا. قَالَ: إن الله يقول: وعزتي وجلالي، وارتفاعي فوق عرشي، لا تبكي عين عبد في الدُّنْيَا من خشيتي إلاَّ أكثرت ضحكه في الجنة (٢). ...

стр. 56

فصل [التعوذ من النار] قَالَ الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ إلى قوله: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩١ - ١٩٥]. وفي الصحيحين (١) عن أبي هريرة، ﵁، عن النبيّ ﷺ ، في ذكر الملائكة الذين يلتمسون مجالس الذكر، وفيه: إن الله يسألهم، وهو أعلم بهم، فيقول: فمما يتعوذون؟ فيقولون: من النار. فيقول: وهل رأوها؟ قالوا: لا والله ما رأوها. قَالَ: يقول: كيف لو رأوها؟ فيَقُولُونَ: لو رأوها كانوا أشد منها فرارًا وأشد منها مخافة. قَالَ: فيقول: إني أشهدكم أني قد غفرت لهم. وخرج الترمذي (٢) والنسائي (٣) وابن ماجه (٤)، من حديث أنس، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "ما من مسلم يسأل الله الجنة ثلاثاً إلاَّ قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة، ومن استجار بالله من النار ثلاثًا، إلاَّ قالت النار: اللهم أجره من النار".

стр. 57

وخرج البزار (١) وأبو يعلى الموصلي (٢)، من حديث أبي هريرة، رضي الله

стр. 58

عنه، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "ما استجار عبد من النار سبع مرات إلاَّ قالت النار: يا رب، إن عبدك فلانًا استجار مني فأجره، ولا سأل عبد الجنة سبع مرات إلاَّ قالت الجنة: يا رب، إن عبدك فلانًا سألني فأدخله الجنة". وروى صالح المري، عن أبان، عن أنس، عن النبيّ ﷺ : "يقول الله : انظروا في ديوان عبدي، فمن رأيتموه يسألني الجنة أعطيته، ومن استعاذ بي من النار أعذته" (١) إسناده ضعيف. وروى أبو صالح عبد الله بن صالح، حدثنا يحيى بن أيوب، عن عبد الله بن سليمان، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد -وأبي حجيرة الأكبر، عن أبي هريرة أو أحدهما حدثه عن النبيّ ﷺ قَالَ: "إذا كان يوم حار، فَإِذَا قَالَ الرجل: لا إله إلاَّ الله، ما أشد حر هذا اليوم! اللهم أجرني من حر جهنم. قَالَ الله لجهنم: إن عبدًا من عبادي استجارني من حرك، وأنا أشهدك أني قد أجرته. إذا كان يومًا شديد البرد، فإذا قَالَ العبد: لا إله إلاَّ الله، ما أشد برد هذا اليوم! اللهم أجرني من زمهرير جهنم. قَالَ الله لجهنم: إن عبدًا من عبادي استعاذني من زمهريرك، وأنا أشهدك أني قد أجرته" قالوا: وما زمهرير جهنم؟ قَالَ: "بيت يلقى فيه الكافر فيتميز من شدة بردها" (٢).

стр. 59

وقال أبو يحيى القتات، عن مجاهد: يؤمر بالعبد إِلَى النار يوم القيامة، فتنزوي، قَالَ: فيقول: ما شأنك؟ فتقول: إنه قد كان يستجير مني، فيقول: خلوا سبيله. وقال سفيان: عن مسعر، عن عبد الأعلى: الجنة والنار لقيتا السمع من ابن آدم، فإذا قَالَ الرجل: أعوذ بالله من النار. قالت النار: اللهم أعذه. فإذا قَالَ: أسأل الله الجنة. قالت الجنة: اللهم بلغه. وقال عثمان بن أبي العاتكة: قَالَ أبو مسلم الخولاني: ما عرضت لي دعوة إلاَّ ذكِرت جهنم، فصرفتها إِلَى الاستعاذة منها. وقال أبو سنان عيسى بن سنان، عن عطاء الخراساني، قَالَ: من استجار بالله من جهنم سبع مرات. قالت جهنم: لا حاجة لي بك. ...

стр. 60

الباب الخامس في ذكر مكان جهنم روى عطية عن ابن عباس، قَالَ: الجنة في السماء السابعة، فيجعلها الله حيث يشاء يوم القيامة، وجهنم في الأرض السابعة، أخرجه أبو نعيم (١). وخرج ابن منده، من حديث أبي يحيى القتات عن مجاهد، قَالَ: قلت لابن عباس: أين الجنة؟. قَالَ: فوق سبع سماوات. قلت: فأين النار؟. قَالَ: تحت سبعة أبحر مطبقة. وروى البيهقي، بإسناد فيه ضعف، عن أبي الزعراء، عن ابن مسعود، قَالَ: الجنة في السماء السابعة العليا، والنار في الأرض السابعة السفلى، ثم قرأ: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧]. وخرّجه ابن منده، وعنده: فإذا كان يوم القيامة جعلها الله حيث شاء. وقال محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن بشر بن شغاف، عن عبد الله ابن سلام، قَالَ: إن الجنة في السماء، وإن النار في الأرض. خرّجه ابن خزيمة وابن أبي الدُّنْيَا (٢). وروى ابن أبي الدنيا (٣) بإسناده عن قتادة، قَالَ: كانوا يَقُولُونَ: إن الجنة في السماوات السبع، وإن جهنم لفي الأرضين السبع.

стр. 61

وروى ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢] قَالَ: الجنة في السماء. وقد استدل بعضهم لهذا أن الله أخبر أن أهل النار يعرضون عَلَى النار بكرة وعشيًّا -يعني: في مدة البرزخ- وأخبر أنّه لا تفتح لهم أبواب السماء، فدل أن النار في الأرض. قَالَ تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧]. وفي حديث البراء بن عازب، عن النبيّ ﷺ ، في صفة قبض الأرواح، قَالَ في أرواح الكفار: "حتى ينتهوا بها إِلَى السماء الدُّنْيَا، فيستفتحون فلا يفتح له" ثم قرأ رسول الله ﷺ : " ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]. قَالَ: ثم يقول الله تعالى: "اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى قَالَ: فتطرح روحه طرحًا". خرّجه الإمام أحمد (١) وغيره (٢).

стр. 62

وعن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ ، في صفة قبض الروح، قَالَ في روح الكافر (*): "فتخرج كأنتن ريح جيفة، فينطلقون به إِلَى باب الأرض، فيَقُولُونَ (**): ما أنتن هذه الريح! كلما أتوا عَلَى أرض قالوا ذلك، حتى يأتوا بها أرواح الكفار" خرّجه ابن حبان (١) والحاكم (٢) وغيرهما (٣). وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: [أرواح الكفار] ( ... ) في الأرض السابعة (٤).

стр. 63

فصل [البحار تسجر يوم القيامة] روى الإمام أحمد (١)، بإسناد فيه نظر، عن يعلى بن أمية، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "البحر هو جهنم"، فقالوا ليعلى، قَالَ: ألا ترون أن الله يقول: ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩] ألا والذي نفس يعلى بيده، لا أدخلها أبدًا حتى أعرض عَلَى الله ، ولا يصيبني منها قطرة حتى ألقى الله . وهذا إن ثبت، فالمراد به أن البحار تفجر يوم القيامة، فتصير بحرًا واحدًا، ثم تسجر ويوقد عليها، فتصير نارًا، وتزاد في جهنم. وقد فسر غير واحد من السَّلف قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] بنحو هذا. روى المبارك بن فضالة، عن كثير بن أبي محمد، عن ابن عباس قَالَ: تسجر حتى تكون نارًا. وروى مجالد، عن شيخ من بجيلة، عن ابن عباس ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ قَالَ: تكور الشمس والقمر والنجوم في البحر، فيبعث الله عليها ريحًا دبورًا، فتنفخه حتى يرجع نارًا. خرّجه ابن أبي الدُّنْيَا وابن أبي حاتم (٢). وخرج ابن أبي الدُّنْيَا، وابن أبي حاتم أيضاً، من طريق مجالد، عن الشعبي، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٤٩] قَالَ: هو هذا البحر تنتثر الكواكب فيه، وتكور الشمس والقمر، فيكون هو جهنم.

стр. 64

وروى ابن جرير (١) بإسناده، عن سعيد بن المسيب، عن علي أنّه قَالَ لرجل من اليهود: أين جهنم؟ قَالَ: البحر، قَالَ علي: ما أراه إلاَّ صادقًا، قَالَ تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]، وقال: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦]. وروى آدم بن أبي إياس في "تفسيره" عن حماد بن سلمة عن داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيب، قَالَ: قَالَ علي ليهودي: أين جهنم؟ قَالَ: تحت البحر، قَالَ علي: صدق، ثم قرأ: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] وخرّجه في موضع آخر منه، وفيه ثم قَالَ ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]. وخرج ابن أبي حاتم بإسناده، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] قَالَ: قالت الجن للإنس: نأتيكم بالخبر، فانطلقوا إِلَى البحر، فإذا هو نار تأجج. وعن ابن لهيعة، عن أبي قبيل، قَالَ: إن البحر الأخضر هو جهنم. وروى أبو نعيم (٢) بإسناده، عن كعب في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] قَالَ: تبدل السماوات فتصير جنانًا، وتبدل الأرض فيصير مكان البحر النار. وقد سبق عن ابن عباس أنّه قَالَ: النار تحت سبعة أبحر مطبقة. ورُوي عن عبد الله بن عمرو، ﵄، أنّه قَالَ: لا يتوضأ بماء البحر؛ لأنّه طبق جهنم. وكذا قَالَ سعيد بن أبي الحسن البصري: البحر طبق جهنم. وفي سنن أبي داود (٣) عن عبد الله بن عمرو، ﵄، عن النبيّ

стр. 65

- ﷺ ، قَالَ: "لا تركب البحر إلاَّ حاجًّا أو معتمرًا أو غازيًا في سبيل الله، فإن تحت البحر نارًا وتحت النار بحرًا". وخرج ابن أبي حاتم بإسناده، عن معاوية بن سعيد، قَالَ: إن هذا البحر - يعني بحر الروم- وسط الأرض والأنهار كلها تصب فيه، والبحر الكبير يصب فيه، وأسفله آبار مطبقة بالنحاس، فإذا كان يوم القيامة أسجر. وذكر ابن أبي الدُّنْيَا عن العباس أبي يزيد البحراني، قَالَ: سمعت الوليد بن هشام وقلت له: عمن أخذت هذا؟. قَالَ: عن رجل من أهل الكتاب، أسلم فحسن إسلامه، قَالَ: لما التقم الحوت يونس ﵇ جال به في الأبحر السبعة، فلما كان آخر ذلك، انتهى به الحوت إِلَى قعر البحر، موضع يلي قعر جهنم، فسبح يونس في بطن الحوت، فسمع قارون تسبيحه وهو في النار، وذكر بقية الخبر. وروى قيس بن الربيع، عن عبيد المكتب، عن مجاهد، عن ابن عمر ﵄، عن النبيّ ﷺ : "إن جهنم محيطة بالدنيا، وإن الجنة من ورائه (*)، فلذلك كان الصراط عَلَى جهنم طريقًا إِلَى الجنة" غريب منكر. وقد رُوي عن بعضهم ما يدل عَلَى أن النار في السماء. ورُوي عن مجاهد قَالَ في قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢] قَالَ: الجنة والنار، وكذا قَالَ جوبير عن الضحاك. وروى عاصم، عن زر، عن حذيفة، وإن النبي ﷺ ، قَالَ: "أوتيت بالبراق، (فلم نزايل) (**) طرفه أنا وجبريل حتى أتيت بيت المقدس، وفتحت لنا أبواب السماء، ورأيت الجنة والنار" خرّجه الإمام (١) أحمد وغيره (٢)، وقال في رواية

стр. 66

المروذي: في حديث حذيفة، أن النبيّ ﷺ قَالَ: "رأيت ليلة أسري بي الجنة والنار في السماء، فقرأت هذه الآية: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]. فكأني لم أقرأها قط، وهو تصديق لما قاله حذيفة، نقله عنه الخلال في "كتاب السنة" وهذا اللفظ الَّذِي احتج به الإمام أحمد لم نقف عليه بعد في حديثه، وإنَّما رُوي عنه ما تقدّم. ورُوي عن حذيفة، أنّه قَالَ: والله ما زايل البراق حتى فتحت لهما أبواب السماء، ورأيا الجنة والنار ووعد الآخرة أجمع (١). ولم يرفع (*)، وهذا كله ليس بصريح في أنّه رأى النار في السماء كما لا يخفى. وأيضاً، فعلى تقدير صحة ذلك اللفظ، لا يدل عَلَى أن النار في السماء، وإنَّما يدل عَلَى أنّه رآها في السماء، والميت يرى في قبره الجنة والنار وليس الجنة في الأرض. وقد رأى النبيّ ﷺ ، في صلاة الكسوف، الجنة والنار وهو في الأرض (٢)، وكذلك في بعض طرق حديث الإسراء حديث أبي هريرة، أنّه مر عَلَى أرض الجنة والنار، في مسيره إِلَى بيت المقدس، ولم يدل شيء من ذلك عَلَى أن الجنة في والأرض، فحديث حذيفة إن ثبت فيه أنّه رأى الجنة والنار في السماء، فالسماء ظرف للرؤية لا للمرئي، والله أعلم. وفي حديث أبي هارون العبدي، وهو ضعيف جداً، عن أبي سعيد الخدري ﵁ في صفة الإسراء، أنّه ﷺ ، رأى الجنة والنار فوق السماوات، ولو صح لحمل عَلَى ما ذكرناه أيضًا. وقد روى القاضي أبو يعلى، بإسناد جيد، عن أبي بكر المروذي، أن الإمام أحمد فسر له آيات متعددة من القرآن، فكان مما فسره قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ

стр. 67

سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] قَالَ: أطباق النيران، ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] قَالَ: جهنم، وهذا يدل عَلَى أن النار في الأرض، ورواه الخلال عن المروذي، والله أعلم. وأما المروي عن مجاهد، فقد تأوله بعضهم عَلَى أن المراد أن أعمال الجنة والنار مقدرة في السماء من الخير والشر، وقد صرح بذلك مجاهد في رواية أخرى عنه. وقد ورد في بعض طرق حديث الإسراء، أنّه ﷺ رأى جهنم في طريقه إِلَى بيت المقدس. ورُوي عن عبادة بن الصامت ﵁ أنّه وقف عَلَى سور بيت المقدس الشرقي يبكي، وقال: من هاهنا أخبرنا رسول الله ﷺ أنّه رأى جهنم (١). ...

стр. 68

الباب السادس في ذكر طبقاتها وأدراكها وصفتها وقال الله : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]. وقد قرئ بسكون الراء وتحريكها، وهما لغتان. قَالَ الضحاك: الدرج إذا كان بعضها فوق بعض، والدرك إذا كان بعضها أسفل من بعض. وقال غيره: الجنة درجات، والنار دركات. وقد تسمى النار درجات أيضاً، كما قَالَ تعالى، بعد أن ذكر أهل الجنة وأهل النار: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢]. وقال تعالى: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٢، ١٦٣]. قَالَ عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: درجات الجنة تذهب علوًّا ودرجات النار تذهب سفولاً. وروى ابن أبي الدُّنْيَا، بإسناده عن عكرمه، في قوله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٤]. قَالَ: لها سبعة أطباق. وعن قتادة: ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ قال: هي والله منازل بأعمالهم. وعن يزيد بن أبي مالك الهمداني قَالَ: لجهنم سبعة نيران: تأتلق: ليس منها نار إلاَّ وهي تنظر إِلَى التي تحتها، مخافة أن تأكلها.

стр. 69

وعن ابن جريج في قوله: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ [الحجر: ٤٤] قَالَ: أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية وفيها أبو جهل. وروى سلام المدائني -هو ضعيف- عن الحسن، عن أبي سنان، عن الضحاك، قَالَ: للنار سبعة أبواب، وهي سبعة أدراك بعضها عَلَى بعض، فأعلاها فيه أهل التوحيد، يعذبون عَلَى قدر أعمالهم وأعمارهم في الدُّنْيَا ثم يخرجون منها، وفي الثانية اليهود، وفي الثالث النصارى، والرابع الصابئون، والخامس فيه المجوس، والسادس فيه مشركو العرب، والسابع المنافقون، وهو قوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]. وروى العلاء بن المسيب، عن أبيه، وخيثمة بن عبد الرحمن، قالا: قَالَ ابن مسعود: أي أهل النار أشد عذابًا، قالوا: اليهود والنصارى والمجوس، قَالَ: لا، ولكن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، في توابيت من نار، مطبقة عليهم، ليس لها أبواب (١). وروى عاصم (٢)، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]. قَالَ: الدرك الأسفل، بيوت لها أبواب تطبق عليهم، فيوقد من فوقهم ومن تحتهم، وقال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦]. وقال ابن المبارك، عن يحيى بن أيوب، عن [عبيد الله] (*) بن زحر، عن

стр. 70

أبي يسار قَالَ: الظلة من جهنم فيها سبعون زاوية، في كل زاوية صنف (*) من العذاب ليس في الأخرى. وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن كعب، قَالَ: اقتحام العقبة في كتاب الله، يعني قوله: ﴿فلا اقتحم العقبة﴾. سبعون درجة في النار (١). وعن ضمرة قَالَ: سمعت أبا رجاء قَالَ: بلغني أن العقبة التي ذكر الله في كتابه، مطلعها سبعة آلاف سنة، ومهبطها سبعة آلاف سنة. وعن عطية، عن ابن عمر ﵄، قَالَ في العقبة: جبل في جهنم، أفلا أجاوزه بعتق رقبة (٢)؟! وعن مقاتل بن حيان، قَالَ: هي عقبة في جهنم، قيل: بأي شيء تقطع؟ قَالَ: فك رقبة. وفي "الصحيحين" (٣) ولفظه للبخاري، عن ابن عمر قَالَ: رأيت في المنام أنّه جاءني ملكان، في يد كل واحد منهما مقمعة (٤) من حديد، ثم لقيني ملك في يده مقمعة من حديد، فَقَالَ: لن ترع، نعم الرجل أنت لو كنت تكثر الصلاة من الليل، فانطلقوا بي، حتى وقفوا بي عَلَى شفير (٥) جهنم، فإذا هي مطوية كطي البئر، لها قرون كقرون البئر، بين كل قرنين ملك بيده مقمعة من حديد، وإذا فيها رجال معلقون بالسلاسل رؤوسهم أسفلهم، عرفت فيهم رجالاً من قريش، فانصرفوا بي عن ذات اليمين، فقصصتها عَلَى حفصة، فقصتها حفصة عَلَى رسول الله ﷺ ، فَقَالَ: "إن عبد الله رجل صالح".

стр. 71

الباب السابع في ذكر قعرها وعمقها عن خالد بن عمير قَالَ: خطب عتبة بن غزوان فَقَالَ: إنه ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفير جهنم، فيهوي فيها سبعين عامًا، ما يدرك قعرها، والله لتملأن، أفعجبتم؟ خرّجه هكذا مسلم موقوفًا (١)، وخرّجه الإمام أحمد موقوفًا ومرفوعًا (٢)، والموقوف أصح. وخرج الترمذي (٣) من حديث الحسن، قَالَ: فإن عتبة بن غزوان خطبنا عَلَى منبرنا هذا -يعني منبر البصرة- عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "إن الصخرة العظيمة لتلقي من شفير جهنم، فتهوي فيها سبعن عامًا، ما تفضي إِلَى قعرها"، قَالَ: وكان عمر يقول: أكثروا ذكر النار، فإن حرها شديد، وإن قعرها بعيد، وإن مقامعها حديد، ثم قَالَ: لا يعرف للحسن سماع من عتبة بن غزوان. وخرج مسلم أيضاً (٤)، من حديث أبي هريرة، قَالَ: كنا عند النبيّ ﷺ يومًا، فسمعنا وجبة (٥) فَقَالَ النبيّ ﷺ : "أتدرون ما هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قَالَ: هذا حجر أرسل في جهنم منذ سبعين خريفًا، فالآن انتهى إِلَى قعرها". وخرج أيضاً (٦) من وجه آخر عن أبي هريرة قَالَ: والذي نفس أبي هريرة بيده، إن قعر جهنم لسبعون (*) خريفًا".

стр. 72

وخرج الحاكم (١)، من حديث أبي هريرة أيضاً، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "لو أخذ سبع خلفات (٢) بشحومهن، فألقين من شفير جهنم، ما انتهين إِلَى آخرها سبعين عامًا". وخرج البراز (٣) والطبراني (٤)، من حديث بريدة عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "إن الحجر ليزن سبع خلفات، يرمى به في جهنم، فيهوي سبعين خريفًا ما يبلغ قعرها". وأخرج ابن حبان في "صحيحه" (٥) من حديث أبي موسى الأشعري، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "لو أن حجرًا قذف به في جهنم لهوى سبعين خريفًا قبل أن يبلغ قعرها". وقد سبق من حديث أنس وأبي سعيد، معنى حديث أبي هريرة، في سماع الهدة. وقال ابن المبارك: أنبأنا يونس عن الزهري، قَالَ: بلغنا أن معاذ بن جبل، كان يحدث عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "والذي نفسي بيده إن ما بين شفة النار وقعرها، كصخرة زنة سبع خلفات بشحومهن ولحومهن وأولادهن، تهوي من شفة النار، قبل أن تبلغ قعرها، سبعبن خريفًا" (٦).

стр. 73

قَالَ ابن المبارك، أنبأنا هشيم أخبرني زكريا بن أبي مريم الخزاعي، قَالَ: سمعت أبا أمامة يقول: إن ما بين شفير جهنم، مسيرة سبعين خريفًا، من حجر يهوي، أو صخرة تهوي، عظمها كعشر عشروات عظام سمان فَقَالَ له رجل: هل تحت ذلك من شيء يا أبا أمامة؟ قَالَ: نعم، غي وآثام (١). وقد رُوي هذا مرفوعًا بإسناد فيه ضعف، من طريق لقمان بن عامر، عن أبي أمامة، عن النبيّ ﷺ ، وزاد فيه: قلت: وما غي وآثام؟ قَالَ: "بئران يسيل فيهما صديد أهل النار وهما اللذان ذكرهما الله تعالى في كتابه" ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] وفي الفرقان ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] والموقوف أصح (٢). وقد رُوي من وجه آخر: قَالَ حريز بن عثمان: حدثني عبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي، عن أبي أمامة، أنّه كان يقول: إن جهنم ما بين شفتيها إِلَى قعرها خمسون خريفًا للحجر المتردي، والحجر مثل سبع خلفات مملوآت شحمًا ولحمًا. خرّجه الجوزجاني.

стр. 74

وروى مجالد عن الشعبي، عن مسروق، عن عبد الله، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "ما من حاكم يحكم بين الناس (*)، إلاَّ يحبس يوم القيامة، وملك آخذ بقفاه، حتى يقفه عَلَى جهنم، ثم يرفع رأسه إِلَى الله ، فإن قَالَ له: ألقه، ألقاه في مهوى أربعين خريفًا" خرّجه الإمام أحمد (١). وروى عبيد الله بن الوليد الوصافي، حدثنا عبد الله بن [عبيد بن] (**) عمير، عن أبيه، قَالَ: قَالَ أبو ذر لعمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يجاء بالوالي يوم القيامة، فينبذ به عَلَى جسر جهنم، فيرتج به الجسر ارتجاجة، لا يبقى منه مفصل إلاَّ زال عن مكانه، فإن كان مطيعًا لله في عمله مضي به، وإن كان عاصيًا لله في عمله انخرق به الجسر، فهوى في جهنم مقدار خمسين عامًا". فَقَالَ له عمر: من يطلب العمل بعد هذا؟. قَالَ أبو ذر: من سلت لله أنفه، وألصق خذه بالتراب. فجاء أبو الدرداء، فَقَالَ له عمر: يا أبا الدرداء هل سمعت من النبيّ ﷺ حديثًا حدثني به أبو ذر؟. قَالَ: فأخبره أبو ذر، فَقَالَ: نعم ومع الخمسين خمسون عامًا، يهوي به إِلَى النار (٢). الوصافي لا يحفظ الحديث، وكان شيخًا صالحًا ﵀. وروى سويد بن عبد العزيز -وفيه ضعف شديد- عن سيار، عن أبي وائل،

стр. 75

أن أبا ذر قَالَ لعمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول، فذكر معناه، وفي حديثه: "وإن كان مسيئًا انخرق به الجسر، فهوى في قعرها سبعين خريفًا" (١). وفي موعظة الأوزاعي للمنصور قَالَ: أخبرني يزيد بن يزيد بن جابر، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري، وإن أبا ذر وسلمان قالا لعمر: سمعنا النبى ﷺ يقول، فذكراه بمعناه، وقال: "هوى به في النار سبعين خريفًا" (٢). وفي "الصحيحين" (٣) عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "إن العبد ليتكلم بالكلمة، ما يتبين فيها، يزل بها في النار، أبعد ما بين المشرق والمغرب". وخرج الإمام أحمد (٤) والترمذي (٥) وابن ماجه (٦)، من حديث أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة، لا يرى بها بأسًا، يهوي بها في النار سبعين خريفًا". وخرج البزار (٧) نحوه من حديث ابن مسعود، عن النبيّ ﷺ . وفي تفسير ابن جرير (٨)، من رواية العوفي، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] قَالَ: ذكر أن اليهود
следующие страницы →