← Джавами‘

Джавами‘ · id 151152

ينابيع المنبر مجموعة خطب ومقالات المجموعة الأولى

صغير بن محمد الصغير

Полный текст (494 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ينابيع المنبر مجموعة خطب ومقالات المجموعة الأولى كتبها د. صغير بن محمد الصغير عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود

стр. 2

ينابيع المنبر مجموعة خطب ومقالات المجموعة الأولى كتبها د. صغير بن محمد الصغير عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود الطبعة الأولى ١٤٤٠ هـ / ٢٠١٩ م

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة إنَّ الْحَمْدَ لِلهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِىَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣). أَمَّا بَعْدُ:

стр. 4

فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﵌، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ، وَكُلَّ ضَلالَةٍ فِى النَّارِ. أخي القاريء الكريم: بين يديك حصيلةُ سنوات من الخطب والمقالات في مواضيع شتَّى .. ، حرصت على جمعها وتوثيقها، وتخريج الآيات والأحاديث فيها .. وُضِعَت في كتاب واحد ليسهل على الخطيب أو الداعية أو المعلم أو الكاتب، الإفادة منها. نسأل الله تعالى الإخلاص والبركة والتوفيق. كما أنني أشكر كل مَنْ تفضلَّ عليَّ بعد الله تعالى، سواءً أمدني بمعلومة، أو اقترح موضوعاً، أو استفدت من خُطَبه وكتاباته، وأخص الأخوة القائمين على موقع الألوكة على حرصهم على الخطب ونشرهم لها .. كما أشكر أ. الشربيني بن فايق على صفه وترتيب الكتاب .. والله أسأل أن يغفر لنا جميعاً ولوالدينا، ويبارك في نياتنا وأزواجنا وذرياتنا، وفيما نقول ونعمل .. إنه سميع مجيب. كتبه صغير بن محمد الصغير salsoger@googlemail.com

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أولاً: الخطب من دعوات إبراهيم ﵇ ووصيته لابنيه (١) إنَّ الحمد لله .. أَيُّهَا الأخوة: حديث اليوم عن طَرَفٍ من دعواتِ ووصية أُمّةٍ من الرجال، خاشعٍ مطيعٍ حنيف، موحدٍ إمامِ هداية بل هو إمامُ الحنفاء ووالدُ الأنبياء خليلُ الرحمن إبراهيمُ ﵇، ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١). آتاه الله في الدنيا حسنة، وأنعم عليه بنعم ظاهرة وباطنة، فقام بشكرها، فكان نتيجة هذه الخصال الفاضلة أن ﴿اجْتَبَاهُ﴾ ربه واختصه بخلته وجعله من صفوة خلقه، وخيار عباده المقربين.

стр. 6

﴿وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ في علمه وعمله فعلم بالحق وآثره على غيره. ﴿وَآَتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾ رزقاً واسعاً، وذرية صالحين، وأخلاقاً مرضيةً، ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ الذين لهم المنازل العالية والقرب العظيم من الله تعالى. ومن أعظم فضائله ﵇ أن الله أوحى لسيد الخلق وأكملهم أن يتبع ملة إبراهيم، ويقتدي به هو وأمته. فماذا كانت دعوات ووصية هذا النبي الإمام ﵇ لبنيه؟ جاءَ عند البخاريِّ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «أَوَّلَ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ المِنْطَقَ مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ، اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لِتُعَفِّيَ أَثَرَهَا عَلَى سَارَةَ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُرْضِعُهُ، حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ البَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ، فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى المَسْجِدِ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ، وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ، فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ، وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ، وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ، ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا، فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ، أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الوَادِي، الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلا شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا، وَجَعَلَ لا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: آللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ نَعَمْ، قَالَتْ: إِذَنْ لا يُضَيِّعُنَا، ثُمَّ رَجَعَتْ، فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لا يَرَوْنَهُ، اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ البَيْتَ، ثُمَّ دَعَا بِهَؤُلاءِ الكَلِمَاتِ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: رَبِّ ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ

стр. 7

يَشْكُرُونَ﴾ (١) " وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ المَاءِ، حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاءِ عَطِشَتْ وَعَطِشَ ابْنُهَا، وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى، أَوْ قَالَ يَتَلَبَّطُ، فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَوَجَدَتِ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الأَرْضِ يَلِيهَا، فَقَامَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الوَادِيَ تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَهَبَطَتْ مِنَ الصَّفَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا، ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الإِنْسَانِ المَجْهُودِ حَتَّى جَاوَزَتِ الوَادِيَ، ثُمَّ أَتَتِ المَرْوَةَ فَقَامَتْ عَلَيْهَا وَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فَذَلِكَ سَعْيُ النَّاسِ بَيْنَهُمَا» فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى المَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتًا، فَقَالَتْ صَهٍ - تُرِيدُ نَفْسَهَا -، ثُمَّ تَسَمَّعَتْ، فَسَمِعَتْ أَيْضًا، فَقَالَتْ: قَدْ أَسْمَعْتَ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غِوَاثٌ، فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ، أَوْ قَالَ بِجَنَاحِهِ، حَتَّى ظَهَرَ المَاءُ، فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ وَتَقُولُ بِيَدِهَا هَكَذَا، وَجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنَ المَاءِ فِي سِقَائِهَا وَهُوَ يَفُورُ بَعْدَ مَا تَغْرِفُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ - أَوْ قَالَ: لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ المَاءِ -، لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا». قَالَ: فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا، فَقَالَ لَهَا المَلَكُ: لا تَخَافُوا الضَّيْعَةَ، فَإِنَّ هَا هُنَا بَيْتَ اللَّهِ، يَبْنِي هَذَا الغُلامُ وَأَبُوهُ، وَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَهْلَهُ، وَكَانَ البَيْتُ مُرْتَفِعًا مِنَ الأَرْضِ كَالرَّابِيَةِ، تَأْتِيهِ السُّيُولُ، فَتَأْخُذُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، فَكَانَتْ كَذَلِكَ حَتَّى مَرَّتْ بِهِمْ

стр. 8

رُفْقَةٌ مِنْ جُرْهُمَ، أَوْ أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ جُرْهُمَ، مُقْبِلِينَ مِنْ طَرِيقِ كَدَاءٍ، فَنَزَلُوا فِي أَسْفَلِ مَكَّةَ فَرَأَوْا طَائِرًا عَائِفًا، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا الطَّائِرَ لَيَدُورُ عَلَى مَاءٍ، لَعَهْدُنَا بِهَذَا الوَادِي وَمَا فِيهِ مَاءٌ، فَأَرْسَلُوا جَرِيًّا أَوْ جَرِيَّيْنِ فَإِذَا هُمْ بِالْمَاءِ، فَرَجَعُوا فَأَخْبَرُوهُمْ بِالْمَاءِ فَأَقْبَلُوا، قَالَ: وَأُمُّ إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ المَاءِ، فَقَالُوا: أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، وَلَكِنْ لا حَقَّ لَكُمْ فِي المَاءِ، قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فَأَلْفَى ذَلِكَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُحِبُّ الإِنْسَ» فَنَزَلُوا وَأَرْسَلُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ فَنَزَلُوا مَعَهُمْ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِهَا أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْهُمْ، وَشَبَّ الغُلامُ وَتَعَلَّمَ العَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ، وَأَنْفَسَهُمْ وَأَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ، فَلَمَّا أَدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنْهُمْ، وَمَاتَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ، فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَمَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ، فَلَمْ يَجِدْ إِسْمَاعِيلَ، فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عَنْهُ فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا، ثُمَّ سَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ نَحْنُ بِشَرٍّ، نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ، فَشَكَتْ إِلَيْهِ، قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي ﵇، وَقُولِي لَهُ يُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ، فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ كَأَنَّهُ آنَسَ شَيْئًا، فَقَالَ: هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، جَاءَنَا شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا، فَسَأَلَنَا عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، وَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا، فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا فِي جَهْدٍ وَشِدَّةٍ، قَالَ: فَهَلْ أَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلامَ، وَيَقُولُ غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ، قَالَ: ذَاكِ أَبِي، وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ، الحَقِي بِأَهْلِكِ، فَطَلَّقَهَا، وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى، فَلَبِثَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدُ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَسَأَلَهَا عَنْهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا، قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ؟ وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ: نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ، وَأَثْنَتْ عَلَى اللَّهِ، فَقَالَ: مَا طَعَامُكُمْ؟ قَالَتِ اللَّحْمُ، قَالَ فَمَا شَرَابُكُمْ؟ قَالَتِ المَاءُ. قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ وَالمَاءِ.

стр. 9

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ، وَلَوْ كَانَ لَهُمْ دَعَا لَهُمْ فِيهِ». قَالَ: فَهُمَا لا يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إِلَّا لَمْ يُوَافِقَاهُ، قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي ﵇، وَمُرِيهِ يُثْبِتُ عَتَبَةَ بَابِهِ، فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ قَالَ: هَلْ أَتَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَتَانَا شَيْخٌ حَسَنُ الهَيْئَةِ، وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ، فَسَأَلَنِي عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا بِخَيْرٍ، قَالَ: فَأَوْصَاكِ بِشَيْءٍ، قَالَتْ: نَعَمْ، هُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ، وَيَأْمُرُكَ أَنْ تُثْبِتَ عَتَبَةَ بَابِكَ، قَالَ: ذَاكِ أَبِي وَأَنْتِ العَتَبَةُ، أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ، ثُمَّ لَبِثَ عَنْهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِسْمَاعِيلُ يَبْرِي نَبْلًا لَهُ تَحْتَ دَوْحَةٍ قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ، فَلَمَّا رَأَىهُ قَامَ إِلَيْهِ، فَصَنَعَا كَمَا يَصْنَعُ الوَالِدُ بِالوَلَدِ وَالوَلَدُ بِالوَالِدِ، ثُمَّ قَالَ يَا إِسْمَاعِيلُ، إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ، قَالَ: فَاصْنَعْ مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ، قَالَ: وَتُعِينُنِي؟ قَالَ: وَأُعِينُكَ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ هَا هُنَا بَيْتًا، وَأَشَارَ إِلَى أَكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَلَى مَا حَوْلَهَا، قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ، فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ يَأْتِي بِالحِجَارَةِ وَإِبْرَاهِيمُ يَبْنِي، حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ البِنَاءُ، جَاءَ بِهَذَا الحَجَرِ فَوَضَعَهُ لَهُ فَقَامَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَبْنِي وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الحِجَارَةَ، وَهُمَا يَقُولانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ (١)، قَالَ: فَجَعَلا يَبْنِيَانِ حَتَّى يَدُورَا حَوْلَ البَيْتِ وَهُمَا يَقُولانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ (٢) (٣).

стр. 10

ربَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وتب علينا إنّك أنت التواب الرحيم، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم من كل ذنب، فاستغفره إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية: الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه. وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فاتقوا الله يا عباد الله .. أَيُّهَا الأخوة: ثم يقول تعالى إخباراً عن تمامِ دعوةِ إبراهيم ﵇ لأهلِ الحَرَمْ: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١). ﴿رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ أي من ذرية إبراهيم. وقد وافقت هذه الدعوةُ المستجابةُ قدَرَ الله السابقَ في تعيينِ محمدٍ صلواتُ الله وسلامه عليه رسولاً في الأميين إليهم، إلى سائر الأعجمين، من الإنس والجن (٢)، وفي مسند الإمام أحمد عَنْ أَبَي أُمَامَةَ

стр. 11

-﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، مَا كَانَ أَوَّلُ بَدْءِ أَمْرِكَ؟ قَالَ: «دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وَبُشْرَى عِيسَى، وَرَأَتْ أُمِّي أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ مِنْهُ قُصُورُ الشَّامِ» (١). أَيُّهَا الأخوة: ومن يرغب ﴿عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ بعد ما عرف من فضله. ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ أي: جهلها وامتهنه، ورضي لها بالدون، وباعها بصفقة المغبون، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾ أي: اخترناه ووفقناه للأعمال، التي صار بها من المصطفين الأخيار. ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ الذين لهم أعلى الدرجات. ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فامتثل لطاعة ربِّه إخلاصاً وتوحيدًا، ومحبة، وإنابة فكان التوحيد لله نعتَه (٢). ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ قال بعض المفسرين: "يعني بكلمة الإخلاص لا إله إلا الله"، قال أبو عبيدة: "إن شئتَ رددتَ الكنايةَ إلى الملة، لأنّه ذكرَ ملةَ إبراهيم، وإن شئتَ رددتهَا إلى الوصية: أي وصى إبراهيمُ بنيه الثمانية". ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى﴾ اختار، ﴿لَكُمُ الدِّينَ﴾ دين الإسلام، ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ مؤمنون، وقيل: مخلصون، وقيل: مفوضون (٣).

стр. 12

قال البغوي: "والنهي في ظاهرِ الكلام وقعَ على الموت، وإنما نُهوا في الحقيقةِ عن ترك الإسلام، داوِمُوا على الإسلام حتى لا يصادِفَكُم الموتُ إلا وأنتم مسلمون، وعن الفضيل بن عياض أنه قال: ﴿إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي محسنون بربكم الظن" (١). لا إله إلا الله .. كلمةُ التوحيد لها فضائلُ عظيمة لا يمكن ها هنا استقصاؤها؛ فهي كلمةُ التقوى، وهي كلمةُ الإخلاص، وشهادةُ الحق، ودعوةُ الحق، وبراءةٌ من الشرك، ونجاةُ هذا الأمر، ولأجلها خُلق الخلق. ولأجلها أرسلتِ الرسلُ وأنزلت الكتبُ، ومن قالها ومات عليها كان من أهلِ دارِ الثواب، ومن ردَّها كان من أهلِ العقاب. ومن أجلها أُمرتِ الرسلُ بالجهاد، فمن قالها عُصِم مالُه ودمه، ومن أباها فماله ودمه (هَدَرٌ) وهي مفتاح دعوة الرسل، وبها كلَّم الله موسى كفاحًا، وهي مفتاحُ الجنة وثمنُها، وهي توجبُ المغفرة، وهي تجدِّدُ ما دُرِسَ من الإيمان في القلب، وهي التي لا يعدِلهُا شيء في الوزن، فلو وزنت بالسماوات والأرض رجحت بهن، بكُلِّ ذلكَ وردت أحاديثُ وآثار (٢). وشروطُ «لا إله إلا الله» سبعةٌ وهي: العلمُ بمعناها نفياً وإثباتاً المنافي للجهل،

стр. 13

واليقيُن المنافي للشك والريب، والإخلاصُ المنافي للشرك والرياء. والصدقُ المنافي للكذب، والمحبةُ المنافية للبغض والكره، والانقيادُ المنافي للترك، والقبولُ المنافي للرد (١). فلنحرص - أَيُّهَا الأخوة - على لا إله إلا الله قولاً وعملاً ولنرَّبِ عليها أنفُسَنا ومن نعول .. هذا شيءٌ من دعوات ووصية إبراهيم الخليل ﵇ فسبحان من جعلها كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ، جعلنا الله وإياكم من الموحدين المؤمنين المتقين. * * *

стр. 14

دعوات إبراهيم ﵇ ووصيتِه لبنيه (٢) ويليها عن فضل عشر ذي الحجة إنَّ الحمد لله .. أَيُّهَا الأخوة: كان الحديثُ في الجمعة الماضية عن طَرَفٍ من دعواتِ ووصية إمامِ الحنفاء ووالدِ الأنبياء خليلِ الرحمن إبراهيمَ ﷺ .. فعندما ودَّعَ أمَتَه وابنَه دَعَا بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ التي لا تقتصر عليهما فحسب، بل عمَّتِ المكانَ الطاهرَ والذريةَ الطيبةَ والمؤمنين جميعاً، وبَقِيَتْ بركاتُ إجابةِ اللهِ تعالى لهُ ما بَقِيَتْ الدنيا فسبحانَ من ألهمَه جوامع الدعاء. قَالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١). فهنا رَبطَ بين الأمن وتوحيدِ الله تعالى فهما متلازمان .. وهذه سُنَّة كونية وشرعيَّة. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ (٢) - يعني بشرك (٣) - ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٤).

стр. 15

قال ابن كثير: أي: "هؤلاء الذين أخلصوا العبادة لله وحده لا شريك له، ولم يشركوا به شيئًا هم الآمنون يوم القيامة، المهتدون في الدنيا والآخرة" (١). ولقد أكدَّ الخليل ﷺ هذه القضية المصيرية في سورة الشعراء، فقال مخاطباً أباه وقومَه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢). وهنا تأتي عقيدة الولاء والبراء: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ (٣)، نعم هو المنفرد سبحانه بنعمة الخلق, ونعمة الهداية للمصالح الدينية والدنيوية، (٤)، ﴿وَالَّذِي

стр. 16

هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ (١). فيجب أن يُفْرَد اللهُ بالعبادة والطاعة والخوف والرجاء, ويُتَعَلَّقَ به وحده سبحانه، وتُتْرَكَ هذه الأصنامُ وغيرُها من المخلوقاتِ المعظمّة, التي لا تخلق, ولا تهْدي, ولا تمُرض, ولا تَشفي, ولا تُطعم ولا تَسقي, ولا تُميت, ولا تُحيي, ولا تَنفعُ عابدِيها, بكشفِ الكروب, ولا مغفرةِ الذنوب (٢). فإذا رُمْتَ أيها المُبارك أمناً في الرزق وأمناً في النفس والمال والولد والبلد وراحة وطمأنينةً فعليك بـ"لا إله إلا الله" قولاً وعملاً. وفي دعواتِ الخليل ﷺ وقصته مع أمَتَهِ وابنه يتجلّى التوكلُ على الله ، في الصحيح: قالت هاجر ﵍: «يَا إِبْرَاهِيمُ، أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ، فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: آللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا قَالَ: نَعَمْ قَالَتْ إِذَنْ لَا يُضَيِّعُنَا، ثُمَّ رَجَعَتْ، فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ، ثُمَّ دَعَا بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ .. » وقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (٣) (٤)، وفي قوله: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ (٥) آية عجيبة!

стр. 17

كيف لمكةَ هذا البلدِ الصحراوي الحار أن يستقبل تلك الوفود كلَّ عام بعد دعوة هذا النبي الكريم دهوراً طويلة! ؟ ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ (١). ذكر ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (٢)، أي: ناد في الناس داعياً لهم إلى الحج إلى هذا البيت الذي أمرناك ببنائه، فذُكِرَ أنه قال: يا ربِّ، وكيف أبُلِّغ الناسَ وصوتي لا يُنفذِهم؟ فقيل: نادِ وعلينا البلاغ. "فقام على مقامه، وقيل: على الحجر، وقيل: على الصفا، وقيل: على أبي قبيس، وقال: يا أيها الناس، إنّ ربكم قد اتخذ بيتاً فحُجوه، فيقال: إنَّ الجبال تواضَعتْ حتى بلَغَ الصوتُ أرجاءَ الأرض، وأسَمع من في الأرحامِ والأصلاب، وأجابَه كُلُّ شيءٍ سَمِعه من حجرٍ ومَدَرٍ وشجرٍ، ومن كتبَ الله أنه يحُجُ إلى يوم القيامة: "لبيك اللهم لبيك ". هذا مضمون ما روي عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وغير واحد من السلف" والله أعلم (٣). ثم قال: "وهذه الآية كقوله تعالى إخباراً عن إبراهيمَ ﷺ ، حيث قال في دعائه: ﴿فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم﴾ فليس أحدٌ من أهل الإسلام إلا

стр. 18

وهو يحِّنُّ إلى رؤية الكعبة والطواف، فالناسُ يقصدونها من سائر الجهات والأقطار (١). ثمَّ قال الخليل ﷺ داعياً: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ (٢)، وفي هذه الجملة تعليم لأهله ﵇ وأتباعه بعموم علم الله تعالى حتى يراقبوه في جميع الأحوال، ويخلصوا النية إليه (٣). لقد أوتي إبراهيمُ ﷺ بفضل الله تعالى ثم دعواته الحكمة، ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً، فكان من دعواته ﷺ : ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِي﴾ (٤)، فاستجاب الله دعاءه, فوهب له من العلم والحكم , ما كان به من أفضل المرسلين , وألحقه بإخوانه المرسلين, وجعله محبوباً مقبولاً معظماً مثنًى عليه, في جميع الملل, في كل الأوقات (٥). فلله ما أجملَ الدعوات حينما يجملّها صاحبُها بتوحيدٍ وإخلاصٍ وتوكلٍ ويقينٍ وتذللٍ بين يدي الخالق، وولاءٍ وصدق وما أعظمَ أثرَها! ! ولا يُغْفِلُ عنها الحمدَ ولا الثناءَ على الله المُنْعم المُتَفضّل .. فالصالحون مجابوا الدعوة لا تفتُرُ ألسنَتُهم ولا قلوبُهم عن الشكر والحمد والثناء، قال الخليل ﷺ : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي

стр. 19

عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (١)، ثم دعا ﷺ لنفسه ولذريته، فقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ (٢)، ومن هنا يجب أن يعِيَ المسلم أهمية الصلاة إذ هي صلة العبدِ بربه كيف لا؟ ! وهي الركن الثاني من أركان الإسلام، ثم لنتأمل رَبْطَ الخليلِ ﷺ ذريتَه بها والإلحاح على الله بقبول الدعاء، وكأنَّه في هذه الآية يُشيرُ إلى أنّ المحافظ على الصلاة بإذن الحي القيوم مجابَ الدعوة، بل والمحافظة على الصلاة من أسباب حفظ الذرية كذلك. ومع الدعاء للذريّة فلا يجوز أن ننسَى حقَّ الوالدين، ولذا قال الخليل ﷺ في دعائه: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ (٣)، فاستجاب الله له في ذلك كلِّه إلا أن دعاءَه ﷺ لأبيه إنما كان عن موعدةٍ وعده إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه (٤)، ومنها قوله في سورة الشعراء: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ (٥)، وقيل المراد بوالديه: أراد آدم وحواء، وقد روي أنَّ العبدَ إذا قال: اللهم اغفر لي ولوالدي، وكان أبواه قد ماتا كافرين انصرفت المغفرة إلى آدم وحواء لأنهما والدا الخلق أجمع (٦)، وهذا بعيد لما سبق.

стр. 20

ومدارُ تلك الأدعية النبوية من الخليل ﷺ كي ينالَ فوزَه وذريتَه وأتباعَه يوم الدين، ولذا قال ﷺ داعياً وفي نفس الوقت معلماً: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (١)، ثمَّ تتكررُ القضية المهمّة وهي قضية التوحيد قضية لا إله إلا الله فالقلب السليمُ معناه: الذي سَلِمَ من الشركِ والشكِّ، ومحبةِ الشر والإصرارِ على البدعة والذنوبِ، ويلزمُ من سلامته مما ذُكِرَ اتصافُه بأضدادِها من الإخلاصِ والعلمِ واليقينِ ومحبة الخيرِ وتزيينِه في قلبِه، وأن تكون إرادتُه ومحبتُه تابعةً لمحبةِ الله وهواه تابعاً لما جاءَ عن الله تعالى (٢). ربَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وتب علينا إنّك أنت التواب الرحيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله. الخطبة الثانية: الحمد لله ... أَيُّهَا الأخوة: يتفضل الكريمُ علينا بين الفينةِ والأخرى بسحائبَ من رحمته وأوقات فاضلة، ومن هذه السحب والمزن الكريمة أيامُ عشرِ ذي الحجة إذ فضّل العملَ فيها على العملِ في غيرها، واختصها بأمهات الأعمال والعبادات، والله يخلق ما يشاء ويختار.

стр. 21

وفضّل الذكر فيها والإكثار منه بالذات، فقال سبحانه: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ (١). قال ابن عباس: «أيَّام العشر؛ يعني: عَشر ذي الحجَّة، مع يوم عرَفَة والعيد» (٢). وعن ابن عبَّاسٍ قال: قال رسولُ الله ﷺ : «ما من أيَّامٍ أعظمُ عند الله ولا أحبُّ إليه العملُ فيهنَّ من أيام العشر؛ فأكثروا فيهنَّ التَّسبيح والتَّكبير» (٣). ومن الذكر المستحب في هذه العشر التكبير: «وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ ﵄ يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا» (٤). كان سعيد بن جبير إذا دخلت أيام العشر اجتهد اجتهاداً شديداً، حتى ما يكاد يقدر عليه (٥). وكان مجاهد ومحمد بن سيرين -رحمهما الله- يصومان العشر، عشر ذي الحجة كلها (٦).

стр. 22

وأصل صيام العشر قد ورد عند أبي داود عن بعض أزواج النبي ﷺ قالت: «كان رسول الله ﷺ يصوم تسع ذي الحجة» (١). أَيُّهَا الأخوة: وإذا دخلت العشر «وأراد أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ» كما في حديث أمِّ سلمة ﵂ في صحيح مسلم (٢). فلنحرص - أحبتي - على استغلالِ كُلّ لحظةٍ من هذه العشر المباركة، فقد لا تعود علينا مرةً أخرى، والله المستعان. اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. * * *

стр. 23

بين عظمته ﷺ ومحبته ومولده ! الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولَهُ؛ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون﴾ (١). ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣). أَمَّا بَعْدُ:

стр. 24

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كَلَامُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَشَّرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. أَيُّهَا الأخوة: إنَّ مِنَ الظلم لمحمد ﷺ ، وإنَّ مِنَ الظلم للحقيقة، أن نقيسَه ﵊ بواحدٍ من هؤلاء الآلاف من العظماء الذين لمعت أسماؤهم من دياجي التاريخ، من يوم وُجد التاريخ، فإنَّ مِن العظماء من كان عظيم العقل، ولكنه فقير في العاطفة وفي البيان، ومنهم من كان بليغ القول وثَّاب الخيال، ولكنه عادي الفكر، ومنهم من برع في الإدارة أو القيادة، ولكن سيرته وأخلاقه كانت أخلاق السوقة الفجار. ومحمد ﷺ هو وحده الذي جمع العظمة من أطرافها، وما من أحد من هؤلاء إلا كانت له نواحٍ يحرص على سترها، وكتمان أمرها، ويخشى أن يطَّلع الناس على خبرها، نواحٍ تتصل بشهوته، أو ترتبط بأسرته، أو تَدُلُّ على ضعفه وشذوذه، ومحمد ﷺ هو وحده الذي كشف حياته للناس جميعًا، فكانت كتابًا مفتوحًا، ليس فيه صفحةٌ مُطبَقَة، ولا سطرٌ مطموس، يقرأُ فيه من شاء ما شاء. وهو وحده الذي أذن لأصحابه أن يذيعوا عنه كلَّ ما يكون منه ويبلغوه، فرووا كلَّ ما رأوا من أحواله في ساعات الصفاء، وفي ساعات الضعف البشري، وهي ساعات الغضب، والرغبة، والانفعال. وروى نساؤه كلَّ ما كان بينه وبينهنَّ، هاكم أمّ المؤمنين عائشة ﵂ تعلن في حياته وبإذنه أوضاعه في بيته، وأحواله مع أهله، لأنَّ فعله كلَّه دين وشريعة ... وكتب الحديث والسير والفقه ممتلئة بها.

стр. 25

لقد رووا عنه في كلِّ شيء حتى ما يكون في حالات الضرورة البشرية، فعرفنا كيف يأكل، وكيف يلبس، وكيف ينام، وكيف يقضي حاجته، وكيف يتنظف من آثارها. فأروني عظيماً آخر جَرُؤَ أن يغامر فيقول للناس: هاكم سيرتي كلها، وأفعالي جميعًا، فاطلعوا عليها، وارووها للصديق والعدو، وليجد من شاء مطعنًا عليها؟ أروني عظيماً آخر دُوِّنَت سيرته بهذا التفصيل، وعرفت وقائعها وخفاياها بعد ألف وأربعمائة سنة، مثل معرفتنا بسيرة نبينا! (١). إنهّا لسيرةٌ تدعو للفخر والاعتزاز والمحبة .. عن عبدالله بن هشام قال: كُنَّا مَعَ النبي ﷺ وَهْوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ كُلِّ شيء إِلاَّ مِنْ نَفْسِى. فَقَالَ النبي ﷺ : «لا وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ»، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: "فَإِنَّهُ الآنَ وَاللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ نَفْسِى"»، فَقَالَ النبي ﷺ : «الآنَ يَا عُمَرُ» أخرجه البخاري (٢). قال سهل: مَن لم يرَ ولايةَ الرسول عليه في جميع الأحوال، ويرى نفسه في ملكه ﷺ لا يذوق حلاوة سنته، لأن النبي ﷺ قال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ .. » (٣) الحديث (٤).

стр. 26

أَيُّهَا الأخوة: ومحبته ﷺ بأبي وأمي تكون بنصرته في حياته ونصرة سنته بعد موته ﷺ . قال الإمام النووي: "قال القاضي عِياض: ومن محبته ﷺ نصرة سُنته، والذَّب عن شريعته، وتمنِّي حضور حياته، فيبذل ماله ونفسه دونه" (١). وامتثال أمره واتباعه، إذ كيف تدّعي محبته وأنت لا تتبع أوامره وتنتهي عن نواهيه؟ ، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (٢). والحرص على تبليغ سنته والدعوة إليها، وكثرة الصلاة عليه ﵊، فعن أُبي بن كعب قال: كان رسول الله ﷺ إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ قَامَ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا اللَّهَ اذْكُرُوا اللَّهَ جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيهِ جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيهِ»، قَالَ أُبَيٌّ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي؟ فَقَالَ: «مَا شِئْتَ». قَالَ: قُلْتُ: الرُّبُعَ، قَالَ: «مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ»، قُلْتُ: النِّصْفَ، قَالَ: «مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ»، قَالَ: قُلْتُ: فَالثُّلُثَيْنِ، قَالَ: «مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ»، قُلْتُ:

стр. 27

أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا قَالَ: «إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ» رواه الترمذي وصححه الألباني (١). قال ابن كثير في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٢): هذه الآية الكريمة حاكمةٌ على كل من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأحواله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٣)، ولهذا قال: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه، وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض الحكماء العلماء: ليس الشأن أن تُحِب، إنما الشأن أن تُحَب، وقال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية، فقال: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٤). نعم - أَيُّهَا الأخوة - هذه هي حقيقة محبته ﷺ : طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ، وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَر، واجْتِنَابُ مَا نَهَى عَنْهُ وَزَجَر، وأَلا يُعْبَدَ اللهُ إِلا بِمَا شَرَعَ، وليست محبته باحتفالات وموالد بدعيّة ما أنزل الله بها من سلطان ..

стр. 28

وفي مثل هذه الأيام من كل عام تعرض الفضائيات المشاهد البدعية للاحتفال بمولد النبي ﷺ ، ومع خطورة ذلك وأثره على جهلة المسلمين المقلدين، فإن كثيرًا من مناصري هذه البدعة عبر الإعلام اخترعوا مسوغاتٍ لفعلها، وأضفَوْا عليها شيئًا من الشرعية، التي تخدع المتلقي الجاهل، وحجبوا الرأي الآخر في القضية، وهاجموا كل من ينكر هذه البدعة. إنهم أخفوا عن المشاهد أصل هذه البدعة، وتاريخها، وحقيقة مَن أحدثها في الإسلام، والظروف التاريخية التي أحدثت فيها، وما هو قصد مَن أحدثها مِن هذا الابتداع! ! إن أمة الإسلام مضت قرونها الثلاثة الأولى لم تعرف هذه البدعة، ولا احتُفل فيها بها، وهي القرون التي زكاها النبي ﷺ ، وأخبر أن الخلاف والبدع تكون بعدها، وهذا من علاماتِ نبوته، إذ وقع ذلك كما أخبر به ﵊ ففي القرن الرابع الهجري ظهر بنو عبيد، المتسمَّوْن زورًا بالفاطميين، انتسابًا إلى فاطمة بنت محمد ﵊ و ﵂ وأرضاها. ومن ثم خرجوا على الخلافة العباسية، وأقاموا الدولة الفاطمية في مصر والشام، ولم يرتضِ المسلمون في مصر والشام سيرتهم في الحكم، وطريقتهم في إدارة شؤون الناس، فخاف بنو عبيد من ثورة الناس عليهم، فحاولوا استمالة قلوبهم، وكسب عواطفهم بإحداث الاحتفالات البدعية، فاخترع حاكمهم آنذاك الملقب: المعز لدين الله العبيدي: مولد النبي ﷺ وموالد لفاطمة وعلي والحسن والحسين ولجماعة من سلالة آل البيت ﵃ وأرضاهم.

стр. 29

وتتابعت في دولتهم احتفالات أخرى اخترعوها، لم تكن من قبلُ في الإسلام، كالاحتفال بالهجرة، ورأس السنة الهجرية، وليلة الإسراء والمعراج، وغيرها كثير. وظلّت هذه الموالد عند بني عبيد في مصر وبعض الشام، إلى أن انتهت دولتهم، وورثها مَن كانوا بعدهم، ولا يعرفها بقية المسلمين في شتى البقاع، بل أنكروها ولم يقبلوها تكملة القرن الرابع، وطيلة القرن الخامس والسادس، إذ انتقلت عدوى هذه الاحتفالات في أوائل القرن السابع من مصر إلى أهل إربل في العراق، نقلها شيخ صوفي يدعى الملا عمر، وأقنع بها ملك إربل في العراق أبا سعيد كوكبري ثم انتشرت بعد ذلك في سائر بلدان المسلمين، بسبب الجهل والتقليد الأعمى، حتى وصلت إلى ما تشاهدونه في العصر الحاضر. إذًا كان الهدف الرئيس من إحداث الموالد هدفًا سياسيًّا لتثبيت حكم بني عبيد، ولم يكن لمحبة النبي ﷺ ولا لمحبة آل بيته فيه أي نصيب (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية فيهم: "وهؤلاء القوم -يقصد بني عبيد (الفاطميين) - تشهد عليهم الأمة وأئمتها أنهم كانوا ملحدين زنادقة، يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، وجمهور الأمة تطعن في نسبهم، ويذكرون أنهم من أولاد اليهود أو المجوس، وهم يدّعون علم الباطن، الذي مضمونه الكفر بالله وملائكته

стр. 30

وكتبه ورسله واليوم الآخر، وعندهم: لا جنة ولا نار ولا بعث ولا نشور ... ويستهينون باسم الله ورسوله، حتى يكتب أحدهم الله في أسفلِ نعله عمّا يقول الظالمون علوًا كبيرًا" (١) أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَأَىَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (٢). أقول قولي هذا وأستغفر الله. الخطبة الثانية: الحمد لله .. أَيُّهَا الأخوة: لفت نظري قول بعضهم: -عندما تبيّن له سنّة أو تنكر عليه بدعة أو معصية- هذا مما تعارف عليه الناس وعملوه، ولو كان منكرًا ما فعله الناس، ولا قاله فلان وعلان .. وهنا يفنّد لنا الإمام الشاطبي حجتهم بقوله: "ولما كانت البدع والمخالفات وتواطأ النَّاس عليْها، صار الجاهل يقول: ولو كان هذا منكرًا لما فعله النَّاس (٣) .. " ثمَّ قرر ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في "اقتضاء الصراط

стр. 31

المستقيم" بقوله: إنَّ مَن اعتقد أنَّ أكثر هذه العادات المخالفة للسُّنن مُجمع عليها بناءً على أنَّ الأمَّة أقرَّتْها ولم تنكرها، فهو مخطئ في هذا الاعتقاد، فإنَّه لم يزل ولا يزال في كلّ وقت مَن ينهى عن عامَّة العادات المحدثة المخالفة للسنَّة، ولا يجوز دعوى إجْماع عمل بلد أو بلادٍ من بلدان المسلمين، فكيْف بعمل طوائف منهم؟ ! ... (١). إلخ كلامه تعالى. قال الإمام مالك: "منِ ابتدع في الإسلام بدعةً يراها حسنة، فقد زعَم أنَّ محمَّدًا ﷺ خان الرسالة؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ (٢)، فما لم يكن يومئذٍ دينًا، فلا يكون اليوم دينًا" (٣). * * *

стр. 32

ذات الأنواط ! بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين. كم هم أولئك -للأسف- الذين يميلون لاسترضاء شهواتهم فحسب، وتستشرف ما عند الآخرين نفوسُهم، فيكون همّ الواحد منهم أن يكون مثل فلانٍ أو علان، ولو على حساب دينه أو أسرته أو مجتمعه! ! ويعظم ذلك حينما يريد أن يتشبه بالغرب أو الشرق في كل شيء حتى بطريقة أكله وشربه وشكله وسائر حياته، بل وصل الحال ببعضهم أن يستهتر بعرضه وشرفه أمام الملأ، ليظهرَ نفسه أنه متحضر أو متحرر! يا الله، لربما ضعيف العقل هذا جلب لنفسه ومن يعول شركياتٍ وبدعاً ومحرمات وقلة مروءة ورجولة بسبب عقدة النقص هذه! ولنرجع إلى الوراء قليلاً قبل ألف وأربع مائة وثلاثين سنة تقريباً، ولنسمع ما حدث به الإمام أحمد عن أبي واقد الليثي ﵁: «أنَّهُمْ خَرَجُوا عَنْ مَكَّةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى حُنَيْنٍ، قَالَ وَكَانَ لِلْكُفَّارِ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا وَيُعَلِّقُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُم، يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ، قَالَ: فَمَرَرْنَا بِسِدْرَةٍ خَضْرَاءَ عَظِيمَةٍ، قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ» فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قُلْتُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه، كَمَا

стр. 33

قَالَ قَوْمُ مُوسَى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةً قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ، إِنَّهَا لَسُنَنٌ لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ سُنَّةً سُنَّة» (١). وذات الأنواط كما قَالَ ابن الأثير فِي النِّهَايَةِ: هِيَ اِسْمُ شَجَرَةٍ بِعَيْنِهَا كَانَتْ لِلْمُشْرِكِين، يَنُوطُونَ بِهَا سِلَاحَهُمْ، أَيْ يُعَلِّقُونَهُ بِهَا، وَيَعْكُفُونَ حَوْلَهَا، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ مِثْلَهَا، فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ. شبَّه مقالتهم هذه بقول بني إسرائيل لما مروا على قوم عاكفين على أصنام لهم، طلبوا من موسى ﵇ أن يجعل لهم إلهاً يعكفون عليه كما لأولئك إله. لقد بيّن ﷺ أنهم سيتبعون طريقة من كان قبلهم من الأمم، وَالْمُرَادُ هُنَا طَرِيقَةُ أَهْلِ الأْهَوَاءِ وَالْبِدَعِ الَّتِي اِبْتَدَعُوهَا مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ بَعْدَ أَنْبِيَائِهِمْ مِنْ تَغْيِيرِ دِينِهِمْ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا، وَذِرَاعًا ذِرَاعًا، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ» قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى. قَالَ «فَمَنْ»؟ (٢). قال النووي: "وَفِي هَذَا مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَدْ وَقَعَ مَا أَخْبَرَ بِهِ ﷺ " (٣).

стр. 34

لقد نهانا الله تعالى عن اتباعِ سبيلِ الكافرين من اليهود والنصارى والمشركين وغيرِهم، وعن التشبُّهِ بهم، وعن تقليدِهم، وعن التبعيَّةِ لهم في مواضعَ كثيرةٍ من القرآن، فـ قال الله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (١)، وقال: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (٢)، وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ (٣)، وتقليدُ الكفارِ والتشبُّه بهم من أعظمِ صورِ الطاعةِ لهم. وأخرج الإمام أحمد، وأبو داود، عن ابن عمرَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (٤). وقد سلَّمنا اللهُ في بلداننا الإسلامية من التشبُّهِ بالكفارِ فترةً طويلةً من الزمنِ، إلى أن انفتحت علينا الدنيا، واختلطنا بالكفارِ، وانبهر بعضُنا بما عند الغرب من مظاهرِ الحضارةِ والتقدُّمِ، فبدت معالمُ التشبُّهِ والتبعيةِ لأممِ الكفرِ تظهرُ في حياةِ الناسِ وواقعِ المجتمع، فرأينا من رجالِنا ونسائِنا وصغارِنا وكبارِنا مَن جعل الغربَ وما فيه قدوةً له يتلقفُ عنهم أحدثَ الموضاتِ، وآخِرَ التقليعاتِ في اللباسِ والزِّيِّ والأكْلِ

стр. 35

والشُّرْبِ وتصْفيفِ الشعرِ وتسريحِه، بل وفي الفكرِ والرأيِ وشيء من الاعتقاد، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ونحن ما زلنا في أوائلِ هذا الدهليزِ المظلمِ، الذي مآلُه ضياع الديانة والمروءة، ولا شك أن هذا الأمرَ خطيرٌ، يجب المسارعةُ في تلافيه وتوعيةِ الأمةِ بخطورته (١). أَيُّهَا الأخوة: يَهْدف هؤلاء التبعيون للثقافة الغربية دومًا إلى إبْهارنا بِما حقَّق الغَرْب من إنجازات "تقنيَّة" و"علميَّة"، مُرْجِعين السبب إلى تخلِّي الغَرْب عن كهنوت الكنيسة القاصر، المعوِّق للمجتمع والحضارة، المناصر للإقطاع الاستعباديِّ الظَّالِم، واتِّخاذه سبيلَ اللاَّ دين ليتقدَّم ويتفوَّق، كما يستندون إلى تَمسُّكِنا بالمظاهر الدِّينية الرَّجعية على حد زعمهم، مركزين على أسوء ما عند الغرب والشرق لنقله للمجتمعات الإسلاميّة، متجاهلين أنَّ جحافلَهم تلك تدّمر البِنْية التحتيَّة للتقدُّم والعلم، وفعلهم هذا يُرسي مبادئ التبعيَّة الحضاريَّة في نفوس الأجيال، متناسين أنّ هذا الغرب ينام فقيرُه بلا طعام، هذا الغرب الذي لا يَمْلك معايير أخلاقيَّة للتقدُّم تحوَّلَت فيه الجريمة العشوائية والمنظَّمة إلى أرقام إحصائية مهولة، هذا الغرب الذي لم يتورَّع عن نَسْفِ وذَبْحِ المسلمين مع عملائه في الشرق وما يحصل في الشام مع طغاته خير مثال، هذا الغرب الذي استفتح تاريخه الحقيقيَّ بإبادة الهنود الحمر في أمريكا والزُّنوج في إفريقيا، هذا الغرب الذي لم يتكلَّم عندما كان يصطاد القبائل البدائيَّة في جنوب إفريقيا؛ باعتبارهم ليسوا بشرًا، هذا الغرب الذي لا يملك معايير أخلاقيَّة

стр. 36

حقيقية ليقوِّم إنسانيَّتَه، ولا هيكلَ مجتمعٍ قويًّا متماسكًا لا يملك حضارة حقيقية، فكلُّ ما نراه الآن هو طفرة علميَّة، مصحوبة بِخَلل اجتماعي، أخلاقي، إنساني، فهؤلاء الذين يدعون إلى التَّبعية يتجاهَلون أن ينقلوا الصُّورة الكاملة لما يريدون منَّا أن نَتَّبِع، ويتغاضون عن أدَقِّ التفاصيل في العَرْض والطَّرْح، كما يلتزمون بالكذب والتدليس على عَقْل السامع والقارئ، وبالتَّشويه والتزوير؛ إن العلم وَحْدَه لا يصنع حضارة؛ فالعلم بلا إطارٍ أخلاقي، أدَبِي، إنسانِيٍّ، وبلا كيان اجتماعي، وبلا مقدَّسات عقائدية، وبلا مقوِّمات للرُّوح والنَّفس، هو عِلْم مهمَّش، لا يُمكن التحكُّم فيه، أو السيطرة عليه لرفاهية الإنسان، وإنَّما يستغلُّ ويستخدم لقتله وتعذيبه، فهذا العلم كان مِن الضَّعف الأخلاقيِّ والأدبيِّ والإنساني بِحَيث لم يكن له صوت يُذْكَر؛ ليمنع تَجْرِبة القنبلة الذرية على مدنٍ بأكملها ك "هيروشيما" و"ناجزاكي"، ولَم يَمنع من إنتاج الآلاف المؤلَّفة من الأسلحة النووية، الجرثوميَّة، والكيمائية، والبيولوجيَّة التي لا تَهْدف إلاَّ إلى الإبادة الشاملة، غير مُمَيِّزة أو مخيِّرة بين الطِّفل والمرأة، والشيخ والرضيع والعسكر، فلا تستثني منه صغيرًا فتتركه، أو شيخًا كبيرًا فترحمه (١). إذاً فيا أخي المؤمن المسلم كلما دُعيت إلى تبعيّه، ازدد تمسكاً بدينك وقرآنك وسنة نبيك ﷺ ودعوةً إليها، فهذا أنجع طريق للمحافظة على هويتك المؤمنة الحقيقة، وتأمل كيف نهى النبي ﷺ عن التقليد في تعليق سيف على شجرة! ! فكيف بمن أشغل المسلمين بالتقليد للغرب في كل شيء أخلاقي وسلوكي! !

стр. 37

فاللهم إنّا نبرأ إليك مما يصنع هؤلاء .. أقول قولي هذا وأستغفر الله. الخطبة الثانية: الحمد لله: أَيُّهَا الأخوة: بئس أولئك الذين يدعوننا إلى تقليد الغرب بسلوكياته وأخلاقه وترك أخلاقيتنا في شريعتنا، يقول الله جل وعلا: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ (١). قال الشيخ السعدي: لما نهى الله المؤمنين عن توليهم، أخبر أن ممن يدعي الإيمان طائفةً تواليهم، فقال: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي: شك ونفاق، وضعف إيمان، يقولون: إن تولينا إياهم للحاجة، فإننا ﴿نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ أي: تكون الدائرة لليهود والنصارى، فإذا كانت الدائرة لهم، فإذا لنا معهم يد يكافئوننا عنها، وهذا سوء ظن منهم بالإسلام، قال الله تعالى راداً لظنهم السيئ-: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ الذي يعز الله به الإسلام على اليهود والنصارى، ويقهرهم المسلمون ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِندِهِ﴾ ييأس به المنافقون من ظفر الكافرين من اليهود وغيرهم ﴿فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا﴾ أي: أضمروا ﴿فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ على

стр. 38

ما كان منهم وضرهم بلا نفع حصل لهم، فحصل الفتح الذي نصر الله به الإسلام والمسلمين، وأذل به الكفر والكافرين، فندموا وحصل لهم من الغم ما الله به عليم (١) فأبشروا عباد الله، وأملوا فالمستقبل للإسلام وأهله بإذن الله. فاللهم احفظ بلادنا وبلاد المسلمين؛ من كل سوء ومكروه، اللهم صل وسلم على نبينا محمد. * * *

стр. 39

المحبة: رأس الطائر .. إنَّ الحمد لله .. قال ابن القيم: "القلبُ في سيره إلى الله بمنزلة الطَّائر، فالمحبَّة رأسه، والخوف والرَّجاء جناحاه، فمتى سلِم الرَّأس والجناحان، فالطائر جيِّدُ الطيران، ومتى قطع الرأس، مات الطائر، ومتى فقد الجناحان، فهو عرضة لكل صائدٍ وكاسر" (١). والكثير منّا - أَيُّهَا الأخوة - يعبد الله تعالى بعبادة الخوف والرجاء، ولكن قد يغفل أساساً مهماً؛ وهي عبادة المحبة لله تعالى، فلا يكمل إيمان، ولا يتم إلا بعبادة حب الله تعالى، فمحبَّةُ الله - سبحانه - شأنُها غيرُ الشأن، فإنه لا شيءَ أحبُّ إلى القلوبِ من خالقِها وفاطِرها، فهو إلهها ومعبُودُها ووليُّها ومولاها وربُّها ومُدبِّرُها ورازِقُها، ومُميتُها ومُحيِيها، فمحبَّتُه نعيمُ النفوس، وحياةُ الأرواح، وسُرورُ النفس، وقُوتُ القلوب، ونورُ العقول، وقُرَّةُ العيون، وعمارةُ الباطن (٢).

стр. 40

في الصحيح عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» (١). قال يحيى بن مُعاذ: "عفوُه يستغرِقُ الذنوبَ، فكيف رِضوانُه؟ ورِضوانُه يستغرِقُ الآمال؛ فكيف حُبُّه؟ وحبُّه يُدهِشُ العقول؛ فكيف ودُّه؟ وودُّه يُنسِي ما دُونَه؛ فكيف لُطفُه؟ " (٢). عبادةُ الرحمن غَايَةُ حُبِّهِ ... مع ذُلِّ عابده هما قُطْبَانِ وعليهما فلك العبادة دائرٌ ... ما دار حتى قامت القطبانِ ومداره بالأمر أمرِ رسول ... لا بالهوى، والنفسِ، والشيطانِ هذه هي العبادة، وهي الألوهية. والإله: هو الذي تألهه القلوب .. محبةً، وخوفاً، وخضوعاً. ويفسرون العبادة بأنها: غاية الحب مع غاية الذل، أن يكون محباً لله تعالى، ومتذللاً بين يديه، غاية الحب مع غاية الذل .. (٣). أي والله ما أعظمَه من شرف أن تعبدَ الله بغاية حبّه سبحانه وغايةِ الذّل والخضوع والتسليم له، لكن كيف الوصول إلى ذلك؟ ! .. اسمع إلى ما يقوله جلّ وعلا: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٤).
следующие страницы →