حقيقية ليقوِّم إنسانيَّتَه، ولا هيكلَ مجتمعٍ قويًّا متماسكًا لا يملك حضارة حقيقية، فكلُّ ما نراه الآن هو طفرة علميَّة، مصحوبة بِخَلل اجتماعي، أخلاقي، إنساني، فهؤلاء الذين يدعون إلى التَّبعية يتجاهَلون أن ينقلوا الصُّورة الكاملة لما يريدون منَّا أن نَتَّبِع، ويتغاضون عن أدَقِّ التفاصيل في العَرْض والطَّرْح، كما يلتزمون بالكذب والتدليس على عَقْل السامع والقارئ، وبالتَّشويه والتزوير؛ إن العلم وَحْدَه لا يصنع حضارة؛ فالعلم بلا إطارٍ أخلاقي، أدَبِي، إنسانِيٍّ، وبلا كيان اجتماعي، وبلا مقدَّسات عقائدية، وبلا مقوِّمات للرُّوح
والنَّفس، هو عِلْم مهمَّش، لا يُمكن التحكُّم فيه، أو السيطرة عليه لرفاهية الإنسان، وإنَّما يستغلُّ ويستخدم لقتله وتعذيبه، فهذا العلم كان مِن الضَّعف الأخلاقيِّ والأدبيِّ والإنساني بِحَيث لم يكن له صوت يُذْكَر؛ ليمنع تَجْرِبة القنبلة الذرية على مدنٍ بأكملها ك "هيروشيما" و"ناجزاكي"، ولَم يَمنع من إنتاج الآلاف المؤلَّفة من الأسلحة النووية، الجرثوميَّة، والكيمائية، والبيولوجيَّة التي لا تَهْدف إلاَّ إلى الإبادة الشاملة، غير مُمَيِّزة أو مخيِّرة بين الطِّفل والمرأة، والشيخ والرضيع والعسكر، فلا تستثني منه صغيرًا فتتركه، أو شيخًا كبيرًا فترحمه (١).
إذاً فيا أخي المؤمن المسلم كلما دُعيت إلى تبعيّه، ازدد تمسكاً بدينك وقرآنك وسنة نبيك ﷺ ودعوةً إليها، فهذا أنجع طريق للمحافظة على هويتك المؤمنة الحقيقة، وتأمل كيف نهى النبي ﷺ عن التقليد في تعليق سيف على شجرة! ! فكيف بمن أشغل المسلمين بالتقليد للغرب في كل شيء أخلاقي وسلوكي! !
стр. 37
فاللهم إنّا نبرأ إليك مما يصنع هؤلاء .. أقول قولي هذا وأستغفر الله.
الخطبة الثانية:
الحمد لله:
أَيُّهَا الأخوة: بئس أولئك الذين يدعوننا إلى تقليد الغرب بسلوكياته وأخلاقه وترك أخلاقيتنا في شريعتنا، يقول الله جل وعلا: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ (١).
قال الشيخ السعدي: لما نهى الله المؤمنين عن توليهم، أخبر أن ممن يدعي الإيمان طائفةً تواليهم، فقال: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي: شك ونفاق، وضعف إيمان، يقولون: إن تولينا إياهم للحاجة، فإننا ﴿نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ أي: تكون الدائرة لليهود والنصارى، فإذا كانت الدائرة لهم، فإذا لنا معهم يد يكافئوننا عنها، وهذا سوء ظن منهم بالإسلام، قال الله تعالى راداً لظنهم السيئ-: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ الذي يعز الله به الإسلام على اليهود والنصارى، ويقهرهم المسلمون ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِندِهِ﴾ ييأس به المنافقون من ظفر الكافرين من اليهود وغيرهم ﴿فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا﴾ أي: أضمروا ﴿فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ على
стр. 38
ما كان منهم وضرهم بلا نفع حصل لهم، فحصل الفتح الذي نصر الله به الإسلام والمسلمين، وأذل به الكفر والكافرين، فندموا وحصل لهم من الغم ما الله به عليم (١)
فأبشروا عباد الله، وأملوا فالمستقبل للإسلام وأهله بإذن الله.
فاللهم احفظ بلادنا وبلاد المسلمين؛ من كل سوء ومكروه، اللهم صل وسلم على نبينا محمد.
* * *
стр. 39
المحبة: رأس الطائر ..
إنَّ الحمد لله ..
قال ابن القيم: "القلبُ في سيره إلى الله بمنزلة الطَّائر، فالمحبَّة رأسه، والخوف والرَّجاء جناحاه، فمتى سلِم الرَّأس والجناحان، فالطائر جيِّدُ الطيران، ومتى قطع الرأس، مات الطائر، ومتى فقد الجناحان، فهو عرضة لكل صائدٍ وكاسر" (١).
والكثير منّا - أَيُّهَا الأخوة - يعبد الله تعالى بعبادة الخوف والرجاء، ولكن قد يغفل أساساً مهماً؛ وهي عبادة المحبة لله تعالى، فلا يكمل إيمان، ولا يتم إلا بعبادة حب الله تعالى، فمحبَّةُ الله - سبحانه - شأنُها غيرُ الشأن، فإنه لا شيءَ أحبُّ إلى القلوبِ من خالقِها وفاطِرها، فهو إلهها ومعبُودُها ووليُّها ومولاها وربُّها ومُدبِّرُها ورازِقُها، ومُميتُها ومُحيِيها، فمحبَّتُه نعيمُ النفوس، وحياةُ الأرواح، وسُرورُ النفس، وقُوتُ القلوب، ونورُ العقول، وقُرَّةُ العيون، وعمارةُ الباطن (٢).
стр. 40
في الصحيح عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» (١).
قال يحيى بن مُعاذ: "عفوُه يستغرِقُ الذنوبَ، فكيف رِضوانُه؟ ورِضوانُه يستغرِقُ الآمال؛ فكيف حُبُّه؟ وحبُّه يُدهِشُ العقول؛ فكيف ودُّه؟ وودُّه يُنسِي ما دُونَه؛ فكيف لُطفُه؟ " (٢).
عبادةُ الرحمن غَايَةُ حُبِّهِ ... مع ذُلِّ عابده هما قُطْبَانِ
وعليهما فلك العبادة دائرٌ ... ما دار حتى قامت القطبانِ
ومداره بالأمر أمرِ رسول ... لا بالهوى، والنفسِ، والشيطانِ
هذه هي العبادة، وهي الألوهية. والإله: هو الذي تألهه القلوب .. محبةً، وخوفاً، وخضوعاً.
ويفسرون العبادة بأنها: غاية الحب مع غاية الذل، أن يكون محباً لله تعالى، ومتذللاً بين يديه، غاية الحب مع غاية الذل .. (٣).
أي والله ما أعظمَه من شرف أن تعبدَ الله بغاية حبّه سبحانه وغايةِ الذّل والخضوع والتسليم له، لكن كيف الوصول إلى ذلك؟ ! .. اسمع إلى ما يقوله جلّ وعلا: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٤).
стр. 41
ولنطرق أسماعنا لهذا الحديث العظيم أيضاً: في الصحيح عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» (١).
نعم يكمل الشعور بحلاوة الإيمان عندما يتأصل حب الله تعالى ثم حب رسوله ﷺ في نفسك وذلك لا يكون إلا بالاتباع والطاعة والتسليم والرضا بشريعة رب العالمين، وعدم الاعتراض عليها ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (٢)، ويكون أيضاً بعدم مساواة محبة المخلوقين لحب الله تعالى. قال جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ (٣).
ما أحسنَ اتصال هذه الآية بما قبلها، فإنه تعالى لما بيَّن وحدانيته وأدلتها القاطعة، وبراهينها الساطعةَ الموصلةَ إلى علم اليقين، المزيلةَ لكلِّ شكٍ، ذكر هنا أن ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ مع هذا البيان التام من يتخذ من المخلوقين أنداداً لله أي: نظراء ومثلاء، يساويهم في الله بالعبادة والمحبة، والتعظيم والطاعة، ومن كان بهذه الحالة -
стр. 42
بعد إقامة الحجة، وبيان التوحيد - عُلِمَ أنه معاند لله، مشاق له، أو معرض عن تدبر آياته والتفكر في مخلوقاته، فليس له أدنى عذر في ذلك، بل قد حقت عليه كلمة العذاب (١).
أَيُّهَا الأخوة: وثمة لفتةٌ مهمةٌ يجب أن تُذكر هنا: تؤّصل أنّ محبة الله تعالى ليست ادعاءً فقط، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (٢).
هذه الآية الكريمة أعظمُ دليل على وجوب محبة الله ورسوله ﷺ ، وعلى تقديمها على محبة كل شيء، وعلى الوعيد الشديد والمقت الأكيد، على من كان شيء من هذه المذكورات أحب إليه من الله ورسوله، وجهاد في سبيله.
وعلامة ذلك: أنه إذا عُرض عليه أمران، أحدهما يحبه الله ورسوله ﷺ ، وليس لنفسه فيها هوى، والآخر تحبه نفسه وتشتهيه، ولكنه يُفَوِّتُ عليه محبوبًا لله ورسوله ﷺ ، أو ينقصه، فإنه إن قدم ما تهواه نفسه على ما يحبه الله، دلَّ ذلك على أنه ظالم، تارك لما يجب عليه (٣).
стр. 43
أين من يؤثرون الفرش والنوم على الصلوات؟ وأين من يؤثرون اللهو والأصدقاء على طاعة الآباء والأمهات؟ وأين من يضيّعون المواسم العظيمة بما لا يرضي الله تعالى؟ ! ! من هذا الكلام ..
أَيُّهَا الأحبة: قد أحصيتُ الآيات التي صرَّحت بصفات من يحبهم الله جلّ وعلا، وبصفات من لا يحبهم سبحانه فوجدتُها حوالي خمسين آية .. فالله تعالى يحب المتقين والمحسنين والتوابين والمتطهرين والمطهرين والصابرين والمقسطين، والذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص، ولا يحب سبحانه المعتدين والفسادَ وأهلَه، ولا يحب الكافر الأثيم، والخوانَ الكفور، والمختالَ الفخور، ولا يحب الخائنين ولا الخوان الأثيم، ولا المجاهر بالسوء، ولا يحب المسرفين والمستكبرين، والفرحين المغترين بما يملكون ..
وبعد هذا كلِّه - أيهّا المحب - فإذا أحبّك الله تعالى فاعلم أن العاقبةَ لك والنصرَ التأييدَ حليفُك، ولو اجتمع عليك الكونُ كلُّه فلن يضروك بشيء فلا تقلق ..
فأبشروا - أَيُّهَا الأخوة - سيحفظ الله بلادنا وبلاد المسلمين بحبهم لله تعالى وطاعتهم، وامتثالهم له، وتطبيقهم لشرعه .. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ
стр. 44
حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (١)، فاللهم اجعلنا ممن عبدك حق عبادتك فأحببته ونصرته .. اللهم احفظ بلادنا وأهلها، والمسلمين ودورهم وأهليهم يا رب العالمين، أقول قولي هذا وأستغفر الله ...
الخطبة الثانية:
الحمد لله وبعد ..
فاتقوا الله عباد الله ..
أَيُّهَا الأخوة: فإننا بعد أيام بإذن الله مقبلون على موسم عظيم يزداد فيه المحبّون من إقبالهم على الله جل وعلا ..
إذَا هَبَّتْ رِياحكُ فاغتنمها ... فَعُقْبَى كُلّ خَافِقَةٍ سكونُ
وَلا تَغْفلْ عَنِ الإحسان فِيهَا ... فَلا تَدْرِي السُّكُونُ مَتَى يَكُونُ
المؤمن العاقل يُدرك أن ساعاته ولحظاته لا يُمكن أن تُعَّوض، وكلما نظّم المؤمن وقته وعبادته، واستعد لمواسم الخيرات كان إنتاجه أكبر، وقَرُبَ من الله تعالى أكثر، ورمضان من أغلى الأوقات ثمناً، نظمّ أخي وقتك ونوّع بين العبادات فلا يدري المؤمن بأيهما يرفع الله درجاته ويعلي منزلته، ذات مرة لما صلّى النبي ﷺ الصبح التفت على أصحابه فقال: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ صَائِمًا»؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَنَا. قَالَ: «فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ جَنَازَةً»؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَنَا. قَالَ: «فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مِسْكِينًا»؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَنَا. قَالَ: «فَمَنْ عَادَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ
стр. 45
مَرِيضًا»؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ» أخرجه مسلم (١).
وعند الطبراني في الكبير: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى اسْتَعْلَى بِهِ الضَّحِكُ، ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا جَمَعَهُنَّ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ إِلا مُؤْمِنٌ، وَإِلا دَخَلَ بِهِنَّ الْجَنَّةَ» (٢).
فلننظر - أَيُّهَا الأخوة - كيف وفقّ الله أبا بكر ﵁ للجمع بين عدّة عباداتٍ في زمن قصير جداً فبركة الاستعداد، وتنظيم الوقت للطاعة من أهم ما ينبغي للمؤمن الانتباه له، لاستغلال أوقات المواسم والطاعات ..
فاللهم بلغنا رمضان وبارك لنا فيه ...
* * *
стр. 46
فأنذرتكم ناراً تلظى ..
الحَمْدُ للهِ ..
كان حديثاً عن الجنّة في أسبوع مضى، والحديث عن الجنّة بحد ذاته نعمةٌ عظيمةٌ للمؤمنين ليعظُمَ عندهم الرَّجاء، كما أنَّ الحديثَ عن النارِ نعمةٌ أيضاً ليعظُمَ عندهم الخوف فيتقلبُ المؤمنُ الصادقُ بين الرجاء والخوف إذ قلبه دائماً معلقٌ بالآخرة: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ (١) .. يتنافسون في القرب من ربهم، ويبذلون ما يقدرون عليه من الأعمال الصالحة المقربة إلى الله تعالى، وإلى رحمته، ويخافون عذابه فيجتنبون كل ما يوصل إلى العذاب.
﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ أي: هو الذي ينبغي شدة الحذر منه والتوقي من أسبابه، وهذه الأمور الثلاثة الخوف والرجاء والمحبة التي وصف الله بها هؤلاء المقربين عنده هي الأصل والمادة في كل خير، فمن تمت له تمّت له أموره وإذا خلا القلب منها ترحلت عنه الخيرات وأحاطت به الشرور (٢).
لا مَوْتَ، فَيَزْدَادُ أَهْلُ الجَنَّةِ فَرَحًا إِلَى فَرَحِهِمْ، وَيَزْدَادُ أَهْلُ النَّارِ حُزْنًا إِلَى حُزْنِهِمْ» متفق عليه (١).
فلنستعد لما سنلاقيه من أهوال الموت والبرزخ والآخرة بما يرضي الله تعالى ويقربنا إليه خاصةً ونحن مقبلون على مواسم عظيمة، فالحصيف من عمِلَ وجدَّ واجتهدَ واستعَد، والمحروم من حرمه الله وطغى وصار من الأشقياء ..
فاللهم بلّغنا رمضان وبارك لنا فيه، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
* * *
стр. 53
في وصف الجنّة
التي أعدها الرحمن للمؤمنين
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١).
أيها الأخ المؤمن الصادق الموحد المحافظ على صلاتك، المزكي المعرض عن اللغو، الحافظ لفرجك ولسانك الأمين: هذه الجنات العظيمة التي ترثها، وأعدها الله لك ذِكْرُها فقط يبعث على الانشراح، فما بالك بداخلها وساكنها، جعلنا الله جميعاً من أهلها .. فتعال معي نُطّل على شيء من أوصافها، وجمالها وسحرها، وأوصاف أهلها في شيءِ من كلام الله، وكلام رسوله ﷺ .
وقال الله تعالى: ﴿مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً﴾ (١).
وقال الله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (٢).
وقال الله تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ (٣).
وقال الله تعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ (٤).
وقال الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٥).
стр. 56
عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قُلْنَا: يا رسولَ الله حدِّثنَا عن الجنةِ ما بناؤُهَا قال: «لَبِنَةٌ ذهبٍ ولبنةٌ فضةٍ، ومِلاطُها المسكُ، وحَصباؤها اللؤلؤُ والياقوتُ، وترابَها الزَعفرانُ، مَنْ يدخلُها ينعمُ ولا يبأسُ، ويخلُدُ ولا يموتُ، لا تَبْلَى ثيابه ولا يَفْنى شبابُه» رواه أحمد، والترمذي (١).
وعن عِتَبةَ بن غزوانَ ﵁ أنه خطَب فحمد الله وأثْنَى عليه، ثم قالَ: «أمَّا بعدُ فإن الدنيا قد آذَنَتْ بِصرْمِ ووَلَّتْ حذَّاءَ ولم يبْقَ منها إلا صُبابةٌ كصُبابةِ الإِناء يصطبُّها صاحبُها، وإنَّكُمْ منتقِلونَ منها إلى دارٍ لا زوالَ لها فانتقلوا بخير ما يَحْضُرَنكُمْ، ولَقَدْ ذُكِرَ لنا أنَّ مِصراعينِ منْ مصاريعِ الجنةِ بيْنَهما مسيرةُ أربعينَ سَنَةً، وليأتِينَّ عليه يومٌ وهو كَظِيظٌ مِنَ الزحامِ» رواه مسلم (٢).
روي عن أسامةَ بن زيدٍ ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: «ألا هَلْ من مُشَمِّرٌ إلى الجنةِ، فإنَّ الجنةَ لا خطر لها، هي وَرَبِّ الكعبةِ نورٌ يَتَلأْلأُ وريحانةٌ تَهْتزُّ وقصرٌ مشِيدٌ ونهرٌ مطَّردٌ وثَمَرةٌ نضِيْجَةٌ وزوجةٌ حسناءُ جميلةٌ وحُلَلٌ كثيرةٌ ومُقَامٌ في أبدٍ في دارٍ سليمةٍ وفاكهةٌ وخضرةٌ وحَبْرةٌ ونعمةٌ في مَحَلَّةٍ عاليةٍ بهيَّةٍ»، قالوا: يا رسولَ الله نحن المشمِّرون
стр. 57
لها. قال: «قولوا إنْ شاء الله». فقال القوم: إنْ شاء الله»، رواه ابن ماجةَ، وابنُ حبَّانَ في صحيحهِ (١).
وعن أبي سعيدٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إن أهْلَ الجنةِ يَتراءَوْنَ أهل الغرَفِ فوقَهم كما تَتَراءَوْنَ الكوكبَ الدُّرِّيَّ الغابرَ في الأفُق من المشرق أو المغرب لتفاضلِ ما بيْنَهم». قالوا: يا رسولَ الله تلك مَنازلُ الأنبياءِ لا يبلغُها غيرُهم قال: «بَلَى والَّذِي نَفْسِي بِيَدهِ رجالٌ آمنوا بالله وصدَّقُوا المرسلينَ» رواه البخاري (٢).
وعن أبي مالكٍ الأشعريِّ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إن في الجنةِ غُرَفاً يُرَى ظاهرُها من باطِنُها وباطنُها مِن ظاهرِها أعَدَّها الله لمَنْ أطْعَمَ الطعامَ وأفشى السلام، وصلَّى بالليلِ والناس نيامٌ» رواه ابن حبان (٣).
وعن أبي موسَى ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ للمؤمِن في الجنة لخيمةً من لؤلؤة واحدةٍ مجوفة طولها في السماء ستون ميلاً للمؤمن فيها أهلُون يطوفُ علِيهمْ فلا يَرَى بعضُهم بعضاً» رواه مسلم (٤).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إنَّ أوَّلَ زُمْرَةٍ تدخلُ الجَنةَ على صُورةِ القمر ليلةَ البدْرِ، ثم الذينَ يلونَهُمُ على أشَدِّ نجمِ في السماءِ
стр. 58
إضاءةً، ثم همْ بعَدَ ذلك منازلُ لا يتَغَوَّطُونَ، ولا يبولُونَ، ولا يمتخِطون، ولا يبصُقون، أمشاطُهُم الذهبُ، ومجامِرُهم الأُلوَّة -يعني: العود الذي يتبخر به-، ورشْحُهمُ المِسْكُ، أخلاقُهم على خَلْقِ رجلٍ واحدٍ على طولِ أبيْهم آدمَ ستُون ذِراعاً» رواه مسلم (١).
وعن أنس ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لقاب قوسِ أحدِكم أو موضعِ قدمٍ في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيهَا، ولَوْ أنَّ امرأةً من نساءِ الجنة اطلعتْ إلى الأرض لأضاءت ما بيْنَهُمَا ولملأت ما بينهما ريحاً ولنَصِيِفُها (يعني الخمارَ) خيرٌ من الدنيا وما فيها» رواه البخاري (٢).
وعن أنس بن مالك ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إنَّ في الجنة لسُوقاً يأتونَها كُلَّ جمعةٍ فتَهبُّ ريحُ الشَّمالِ فتحثو في وجوهِهِم وثيابِهم فيزدادُونَ حُسناً وجَمَالاً، فيرجعونَ إلى أهلِيْهمْ فيقولُونَ لهم: والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم بعدَنا حسناً وجمالاً» رواه مسلم (٣).
وعن أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «قال الله: أعْدَدْتُ لعبادي الصالحينَ مَا لا عَيْنٌ رأتْ ولا أذنٌ سمعتْ ولا خطرَ على قلب بَشَر. وأقْرَؤوا إن شئتُم ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤)» متفق عليه (٥).
стр. 59
وعن صُهَيب ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إذا دخلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ نادىَ منادٍ يا أهلَ الجنةِ إن لكم عندَ الله مَوْعِداً يريدُ أن يُنْجِزَكُمُوهُ، فيقولونَ: ما هُو ألَمْ يُثَقِّلْ موازينَنَا ويُبَيِّضْ وجوهَنا ويدخلْنا الجنةَ ويزحْزحْنا عن النار؟ قال: فيكشفُ لهم الحِجَاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحبَّ إليهمْ من النظرِ إليه ولا أقَرَّ لأعينِهم منهُ» رواه الإمام أحمد، وصححه الألباني (١).
وعن أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ _كما في البخاري _ أنَّ الله يقول لأهلِ الجنةِ: «أحِلُّ عليكم رضوانِي فلا أسخطُ عليكم بعدَه أبداً» (٢).
فاللهم إنّا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك ومن النار، أقول قولي هذا وأستغفر الله.
الخطبة الثانية:
الحمد لله:
تلك أوصاف يسيرة من بحر الجنة التي أعدّها الله للمؤمنين، والتي شغلتنا الدنيا وهمومها عن تذاكرها، والعمل لها إلا ما شاء الله، ألا وإنّ من الوسائل والطاعات التي توصل لها في هذا الشهر، كثرة الصيام فيه فقد روى مسلم عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: «كَانَ يَصُومُ
قَفَاهُ، وَعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ، فَيَكْذِبُ الكَذْبَةَ تَبْلُغُ الآفَاقَ، وَأَمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ العُرَاةُ الَّذِينَ فِي مِثْلِ بِنَاءِ التَّنُّورِ، فَإِنَّهُمُ الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي، وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يَسْبَحُ فِي النَّهَرِ وَيُلْقَمُ الحَجَرَ، فَإِنَّهُ آكِلُ الرِّبَا، وَأَمَّا الرَّجُلُ الكَرِيهُ المَرْآةِ، الَّذِي عِنْدَ النَّارِ يَحُشُّهَا وَيَسْعَى حَوْلَهَا، فَإِنَّهُ مَالِكٌ خَازِنُ جَهَنَّمَ، وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ ﷺ ، وَأَمَّا الوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الفِطْرَةِ " قَالَ: فَقَالَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَوْلادُ المُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَأَوْلادُ المُشْرِكِينَ، وَأَمَّا القَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنًا وَشَطْرٌ قَبِيحًا، فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا، تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُمْ».
نسأل الله أن يستعملنا بطاعته ويحفظنا بحفظه .. وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب.
الخطبة الثانية:
أَيُّهَا الأخوة: من المعلوم أنّ رؤيا الأنبياء حق، روي عن الشافعي ﵀ قوله يقول: "رؤيا الأنبياء وحي، قال: وقد روينا عن ابن عباس ﵄ أنه قال: رؤيا الأنبياء وحي وتلا: إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر (١).
وهذا أَيُّهَا الأخوة: يجعلنا نتأمل شدة عقوبة هذه الكبائر والتي منها:
أولاً: النوم عن الصلاة المكتوبة وذلك لمن اعتاد أو تساهل.
стр. 66
يا الله أيهنأ لهذا المتخلف عن الصلاة عيشٌ وهو يسمع هذا الحديث أن النائم عن الصلاة يُهوى عليه بصخره فيُشدخ رَأْسُهُ فَلا يَرْجِعُ إِلَيْهِ حَتَّى يَصِحَّ رَأْسُهُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ المَرَّةَ الأُولَى .. نسأل الله العافية وتأمل أخي في الحديث قال ينام، فكيف بمن يتساهل فيها وهو غير نائم! ! وانظر وتأمل التلازم بين ترك الصلاة وترك العمل بالقران! !
ثانياً: الكذب والإشاعات خصوصاً في زمننا هذا مع وسائل التواصل.
فالكذبة تبلغ الآفاق في ثواني ولحظات .. قبل أن ترسل أي رسالة تذكر ما رآه النبي ﷺ في الرجل الذي يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إِلَى قَفَاهُ، وَمَنْخِرُهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ، قال: فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ، فَيَكْذِبُ الكَذْبَةَ تَبْلُغُ الآفَاقَ .. حقاً إن لم يردع هذا المنظر أصحاب الكذب والافتراء والآخذين بالإشاعات فبالله ماذا سيردعهم!
ثالثاً: الزنا والمتساهلين للوصول إليه.
ياله من مشهد يقّف منه شعر الرأس تنورٌ ولَغَطٌ وَأَصْوَاتٌ وفِيهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، فَإِذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَوْا لايخرجون .. ابتعد عن كل ما يدعو إلى هذا الجرم من إطلاق البصر في المحرمات وسماع الغناء والغزل، والاختلاط، فوالله ما حرمها ربنا عبثا.
رابعاً: أكلة الربا.
الباحثون عن المال حتى ولو كان حرباً لله ولرسوله ... هذه المعصية ابتلينا بها في كثير من معاملاتنا البنكية .. يا من تساهلت بهذا المال السحت بأي حجة كانت
стр. 67
أفلا تخشى أن تكون ذلك الرجل فِي النَّهَرِ الأحمر شبيه الدم يفغر لصاحبه فاه فَيُلْقِمُهُ حَجَرًا فَيَنْطَلِقُ يَسْبَحُ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ كُلَّمَا رَجَعَ إِلَيْهِ فَغَرَ لَهُ فَاهُ فَأَلْقَمَهُ حَجَرًا ..
أَيُّهَا الأخوة: وإن لهذه الكبائر آيات وأحاديث كثيرة حذرت منها ولو لم يرد إلا هذا لكفى عافانا الله وإياكم.
ومن فوائد الحديث:
أن الأولاد الصغار في الجنة في رعاية إبراهيم ﵇ إلى يوم الدين.
ومن الفوائد: قرْب النبي ﷺ من صحابته، إذ كان يسألهم عن رؤآهم ويعبرها لهم، وسعة رحمة الله وفضله أنْ تجاوز عن أناس خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً (١).
عباد الله:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢).
* * *
стр. 68
كلماتٌ في طريق التفاؤل والتوكل
الحمد لله المستحق للحمد والثناء، له الخلق والأمر، يحكم ما يريد ويفعل ما يشاء أحمده سبحانه وأشكره وأتوب إليه وأستغفره، وأعوذ به من حال أهل الشقاء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله أفضل الرسل وخاتم الأنبياء صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه البررة الأتقياء، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
فأوصيكم أخوتي ونفسي بتقوى الله .. :
﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١).
أَيُّهَا الأخوة: في الله: من القواعد الشرعية التي لابد أن يقر بها المؤمن المتوكل المتفائلُ قوله تعالى: ﴿فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٢)، نعم قد
стр. 69
يكره الإنسان شيئاً ما، وتظلم حياته، وينغص عيشه لضجره من ذلك الشيء، سواء أكان ذلك الشيء هدفاً لم يتحقق أو أمراً وقع وهو لا يريد وقوعه.
والإسلام - أَيُّهَا الأحبة - .. يعلم المسلم هنا درساً مهماً؛ وهو أن يزرع بوارق الأمل في نفسه دائماً وأن لا يضيق ذرعاً، أو يحمل هماً لأمر كرهه وتبرم منه، فيجب أن تشيع في النفس روح التفاؤل، ثم تأمل أيها المبارك .. لم يقل الله تعالى في الآية خيراً فقط بل قد يكون من جرّاء ذلك المكروه خيراً كثيراً، فقد يكون الخير في ثنايا الشر، وإن لكل شدة فرجا، ولكل ضيق مخرجا، ولكل عسر يسرا.
أَيُّهَا الأحبة في الله: طالبٌ لم يوفق، أو تاجرٌ خسر، أو صحيحٌ مرض، لا يعني ذلك أبداً النظر إلى الحياة نظرةً سوداء، ولا يعني بتاتاً القلق والاضطراب والوساوس، وكأن الدنيا أغلقت أبوابها في وجوههم، وكأن الحياة أعلنت ساعة الصفر لرحيلهم، وكأن أبواب الأمل أوصدت، ودروب الرجاء أقفلت، ومصادر الرزق قطعت، لا، إن المسلم بعزيمته، وتوكله على الله، وتفاؤلِه يتغلب على الصعاب، ويصارع الأحداث، فإذا أقفل باب فالأبواب متعددة، وإذا تعذر مجال فالمجالات متنوعة، والفرج قريب ورُبَّ محنٍ بين طياتها منحٌ كثيرة ..
الفأل هو كما عبّر عنه النبي ﷺ لما سأل مَا الفَأْلُ؟ قَالَ: «الكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ» (١).
стр. 70
وفي حديث أنس ﵁ .. وفيه "ويعجبني الفأل: الكلمة الحسنة والكلمة الطيبة" (١).
إذاً هو انشراح قلب الإنسان وإحسانه الظن، وتوقع الخير بما يسمعه من الكلم الصالح، أو الحسن أو الطيَّب" (٢).
وهو ضد الطَّيرة التي هي التشاؤم ... ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (٣)، ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (٤)، يا الله بل حتى مع ظلام الدنيا بالمصائب نجد الانقلاب في حال التفاؤل، والتوكل على الله إلى صباح ونور عظيم ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (٥)، وبعبارة أخرى يؤكد الله في القرآن الكريم كن متفائلاً دائماً .. ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (٦).
стр. 71
وفي دراسة منشورة بإحدى الجامعات الغربية، درس الباحثون فيها معدلات الوفاة والظروف الصحيّة المزمنة بين المشاركات في دراسة (مبادرة الصحة للنساء) والتي تتبعت أكثر من مائة ألف امرأة تترواح أعمارهن بين ٥٠ عام وأكثر، منذ عام ١٩٩٤ م وكانت النساء اللاتي يتسمن بالتفاؤل أقل احتمالاً بواقع ١٤% للوفاة لأي سبب مقارنةً بالمتشائمات .. وأقل احتمالا بنسبة ٣٠% للوفاة من أمراض القلب، بعد ثماني سنوات من المتابعة في هذه الدراسة ... وكانت المتفائلات كذلك أقل احتمالاً للإصابة بارتفاع ضغط الدم والبول السكري، أو الإقبال على تدخين السجائر (١).
وما أجمل المسلم المتفائلُ حينما يتّوج تفاؤله بالتوكل على الله تعالى، وها هي الآيات تؤكد هذا المعنى ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٢)، وهل تعلم أنّ آيات التوكل، وأنه سبحانه هو الوكيل، وهو نعم الوكيل سبحانه، قد بلغت حوالي اثنتين وخمسين آية (٣)، منها قوله تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (٤) ومنها قوله ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ (٥)، ومنها قوله ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ
стр. 72
عَلَى اللهِ﴾ (١)، والتوكل هو: صدق الاعتماد على الله في استجلاب المصالح، ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة، وكِلَةُ الأمور كلها إليه، وتحقيق الإيمان بأنه لا يعطي ولا يمنع ولا يضر ولا ينفع سواه (٢).
ولقد نص العلماء ﵏ على أن للتوكل مواطن، وهو مطلوب في كل شؤون الحياة، ومن ضمن تلك المواطن في القرآن الكريم ما يلي:
إذا طلبتم النصر والفرج فتوكلوا عليه .. ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٣).
إذا أعرضت عن أعدائك فليكن رفيقك التوكل .. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ (٤).
إذا أعرض عنك الخلق فاعتمد على التوكل على الله .. ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (٥).
стр. 73
إذا تُلي عليك القرآن أو تلوته وأردت الانتفاع به في خضم الحياة وزيادة إيمانك فاستند إلى التوكل ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (١).
إذا طلبت الصلح والإصلاح بين قومٍ، لا تتوصل إلى ذلك إلا بالتوكل .. ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢).
إذا وصلت قوافل القضاء فاستقبلها بالتوكل .. ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٣).
إذا نصبت الأعداء حبالات المكر فادخل أنت في أرض التوكل .. ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنظِرُونِ﴾ (٤).
إذا عرفت أن مرجع الكل إلى الله، وتقدير الكُلّ فيها لله فوّطن نفسك على فرش التوكل .. ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (٥).
стр. 74
إذا علمت أن الله هو الواحد على الحقيقة، وهو المالك لهذا الكون فلا يكن اتكالك إلا عليه ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ (١).
إذا كانت الهداية والسعادة من الله فاستقبلها بالشكر والتوكل ﴿وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (٢).
إذا داهمك الخوف، وخشيت بأس أعداء الله والشيطان والغدّار، فلا تلجأ إلاّ إلى باب الله وعليه توكل ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٣).
إذا أردت أن يكون وكيلك الله في كل حال فتمسك بالتوكل في كل حال .. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ (٤).
إذا أردت يكون الفردوس الأعلى منزلك فانزل في مقام التوكل .. ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٥).
стр. 75
إن شئت أن تنال محبة الله فانزل أولاً في مقام التوكل .. ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (١).
إذا أردت أن يكفيك الله كل شيء، وتحصل على كل شيء من خالق السماء والأرض، ومالك الملك فعليك بالتوكل .. ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٢)(٣) أي كافيه.
حقاً ما أحوج الأمة اليوم إلى هذه المعاني، وترسيخها في النفوس، فلنبدأ بأنفسنا وأسرنا ومجتمعاتنا.
أقول قولي هذا وأستغفر الله ..
الخطبة الثانية:
الحمد لله ..
أَيُّهَا الأخوة: لقد استعاذ النبي ﷺ من الهم والحزن، فالحزن على الأمور الماضية التي لا يمكن ردها ولا استدراكها، والهم الذي يحدث بسبب الخوف من المستقبل، فيكون العبد ابن يومه، يجمع جِدَّه واجتهاده في إصلاح يومه ووقته الحاضر، فإن جمع القلب على ذلك يُوجب تكميل الأعمال، ويتسلى به العبد عن