← Джавами‘

Джавами‘ · id 151152

ينابيع المنبر مجموعة خطب ومقالات المجموعة الأولى

صغير بن محمد الصغير

Полный текст (494 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وفي دراسة منشورة بإحدى الجامعات الغربية، درس الباحثون فيها معدلات الوفاة والظروف الصحيّة المزمنة بين المشاركات في دراسة (مبادرة الصحة للنساء) والتي تتبعت أكثر من مائة ألف امرأة تترواح أعمارهن بين ٥٠ عام وأكثر، منذ عام ١٩٩٤ م وكانت النساء اللاتي يتسمن بالتفاؤل أقل احتمالاً بواقع ١٤% للوفاة لأي سبب مقارنةً بالمتشائمات .. وأقل احتمالا بنسبة ٣٠% للوفاة من أمراض القلب، بعد ثماني سنوات من المتابعة في هذه الدراسة ... وكانت المتفائلات كذلك أقل احتمالاً للإصابة بارتفاع ضغط الدم والبول السكري، أو الإقبال على تدخين السجائر (١). وما أجمل المسلم المتفائلُ حينما يتّوج تفاؤله بالتوكل على الله تعالى، وها هي الآيات تؤكد هذا المعنى ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٢)، وهل تعلم أنّ آيات التوكل، وأنه سبحانه هو الوكيل، وهو نعم الوكيل سبحانه، قد بلغت حوالي اثنتين وخمسين آية (٣)، منها قوله تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (٤) ومنها قوله ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ (٥)، ومنها قوله ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ

стр. 72

عَلَى اللهِ﴾ (١)، والتوكل هو: صدق الاعتماد على الله في استجلاب المصالح، ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة، وكِلَةُ الأمور كلها إليه، وتحقيق الإيمان بأنه لا يعطي ولا يمنع ولا يضر ولا ينفع سواه (٢). ولقد نص العلماء ﵏ على أن للتوكل مواطن، وهو مطلوب في كل شؤون الحياة، ومن ضمن تلك المواطن في القرآن الكريم ما يلي: إذا طلبتم النصر والفرج فتوكلوا عليه .. ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٣). إذا أعرضت عن أعدائك فليكن رفيقك التوكل .. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ (٤). إذا أعرض عنك الخلق فاعتمد على التوكل على الله .. ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (٥).

стр. 73

إذا تُلي عليك القرآن أو تلوته وأردت الانتفاع به في خضم الحياة وزيادة إيمانك فاستند إلى التوكل ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (١). إذا طلبت الصلح والإصلاح بين قومٍ، لا تتوصل إلى ذلك إلا بالتوكل .. ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢). إذا وصلت قوافل القضاء فاستقبلها بالتوكل .. ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٣). إذا نصبت الأعداء حبالات المكر فادخل أنت في أرض التوكل .. ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنظِرُونِ﴾ (٤). إذا عرفت أن مرجع الكل إلى الله، وتقدير الكُلّ فيها لله فوّطن نفسك على فرش التوكل .. ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (٥).

стр. 74

إذا علمت أن الله هو الواحد على الحقيقة، وهو المالك لهذا الكون فلا يكن اتكالك إلا عليه ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ (١). إذا كانت الهداية والسعادة من الله فاستقبلها بالشكر والتوكل ﴿وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (٢). إذا داهمك الخوف، وخشيت بأس أعداء الله والشيطان والغدّار، فلا تلجأ إلاّ إلى باب الله وعليه توكل ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٣). إذا أردت أن يكون وكيلك الله في كل حال فتمسك بالتوكل في كل حال .. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ (٤). إذا أردت يكون الفردوس الأعلى منزلك فانزل في مقام التوكل .. ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٥).

стр. 75

إن شئت أن تنال محبة الله فانزل أولاً في مقام التوكل .. ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (١). إذا أردت أن يكفيك الله كل شيء، وتحصل على كل شيء من خالق السماء والأرض، ومالك الملك فعليك بالتوكل .. ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٢) (٣) أي كافيه. حقاً ما أحوج الأمة اليوم إلى هذه المعاني، وترسيخها في النفوس، فلنبدأ بأنفسنا وأسرنا ومجتمعاتنا. أقول قولي هذا وأستغفر الله .. الخطبة الثانية: الحمد لله .. أَيُّهَا الأخوة: لقد استعاذ النبي ﷺ من الهم والحزن، فالحزن على الأمور الماضية التي لا يمكن ردها ولا استدراكها، والهم الذي يحدث بسبب الخوف من المستقبل، فيكون العبد ابن يومه، يجمع جِدَّه واجتهاده في إصلاح يومه ووقته الحاضر، فإن جمع القلب على ذلك يُوجب تكميل الأعمال، ويتسلى به العبد عن

стр. 76

الهم والحزن، والنبي ﷺ إذا دعا بدعاء أو أرشد أمته إلى دعاء، فهو يحث مع الاستعانة بالله، والطمع في فضله على الجد والاجتهاد في التحقق لحصول ما يدعو بحصوله، والتخلي عما كان يدعو لدفعه؛ لأن الدعاء مقارنٌ للعمل، فالعبد يجتهد فيما ينفعه في الدين والدنيا، ويسأل ربه نجاح مقصده، ويستعينه على ذلك (١)، كما قال ﷺ : « .. احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» (٢). عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣). * * *

стр. 77

أنين مسجد (١) إنَّ الحمد لله .. وكأني به يتحدث عن عهد مضى حينما كان جيرانه يتزاحمون عند أبوابه، ويتسابقون على صفوفه الأول، يتسابقون الفضل في رعايته وتطهيره وتنظيفه، يضج من داخله كخلايا النحل نشاطاً وحيوية فهذا يقرأ، وهنا حلقة، وذاك درسُ علم، مصابيحه لاتنطفئ، يَسعدُ بتفريغ الهموم وانشراح الصدور فيه، والخلوة بين جناباته. إنه المسجد بيتٌ من بيوت الله تعالى في أرضه التي جعلها خالصة له وحده، فقال سبحانه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا * وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ (١)، وهي أحب الأماكن إلى الله تعالى، وإلى رسوله ﷺ ، وإلى المؤمنين الصالحين، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَحَبُّ الْبِلادِ إِلَى اللهِ مَسَاجِدهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلادِ إِلَى اللهِ أَسْوَاقهَا» أخرجه مسلم (٢)، بل إن

стр. 78

المسجدَ بيتُ كلِّ مؤمنٍ وتقي، فقد رُوي عن أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النبي ﷺ يقول: «المسجد بيت كل تقي» (١). يئِّن المسجد ويشتكي عندما تُهمل عمارته الحسيّة والمعنوية: فالحسيّة البنيان وحاجاته المتعلقة فيه، والمعنوية نشاطاته ودروسه وارتياده: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ (٢). قال الشيخ السعدي: "ثم ذكر من هم عمار مساجد الله فقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ (٣)، الواجبة والمستحبة، بالقيام بالظاهر منها والباطن ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ (٤) لأهلها ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ (٥) أي قصر خشيته على ربه، فكف عما حرم الله، ولم يقصر بحقوق الله الواجبة، فوصفهم بالإيمان النافع، وبالقيام بالأعمال الصالحة التي أُمُّها الصلاة والزكاة، وبخشية الله التي هي أصل كل خير، فهؤلاء عُمَّار المساجد على الحقيقة، وأهلها الذين هم أهلها، ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ (٦)، و ﴿عسى﴾ من الله واجبة، وأمّا من

стр. 79

لم يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، ولا عنده خشية لله، فهذا ليس من عمار مساجد الله، ولا من أهلها الذين هم أهلها، وإن زعم ذلك وادعاه (١). يئِّن المسجد ويشتكي عندما يشتعل من حوله بالبيع والشراء والركض على الدنيا وقت إقامة الصلاة فيه، والله تعالى يقول: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٢). عن ابن مسعود أنه رأى قوماً من أهل السوق حيث نودي بالصلاة، تركوا بياعاتهم، ونهضوا إلى الصلاة، فقال عبد الله: هؤلاء من الذين ذكر الله في كتابه ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٣)، بل لم تكن الأسواق تفتح في المدينة في عهده ﷺ بعد الأذان تعظيماً لهذه الشعيرة، كما روي عن ابن عباس ﵁ وغيره: كانوا رجالاً يبتغون من فضل الله يشترون ويبيعون فإذا سمعوا النداء بالصلاة ألقوا ما بأيديهم وقاموا إلى المساجد فصلوا (٤).

стр. 80

وكان هديه ﵊ تنبيه الناس في الطريق وإقامتهم إلى الصلاة، كما روي عن مسلم بن أبي بكرة عن أبيه قال: «خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، فَكَانَ لَا يَمُرُّ بِرَجُلٍ إِلَّا نَادَاهُ بِالصَّلَاةِ، أَوْ حَرَّكَهُ بِرِجْلِهِ» رواه أبو داود (١). وكان عمل الصحابة ﵃ عدم البيع وقت الصلاة، بل الانصراف من السوق وتركه والذهاب إلى المساجد، فروى أحمد عن زيد بن خالد الجهني قال: «كنا نصلى مع النبي ﷺ المغرب ثم ننصرف إلى السوق» (٢). يعني أنهم قطعوا الضرب في الأسواق عصراً بدخول وقت المغرب ثم انصرفوا إلى سوقهم مرة أخرى. وهكذا درج المسلمون على هذا الأمر حتى ظهرت نوابتُ متفيقهةٌ تقلل من أهمية الصلاة في المساجد، وتطالب بعدم إغلاقها وقت الصلاة. يئِّن المسجد ويشتكي عندما يقصّر أهل الحي بارتياده والمكث فيه، ويعظم أنينه بتخلفهم عن صلاة الجماعة وهم جيرانه: والله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَاءِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ (٣).

стр. 81

يا الله يصلون جماعة! ! أمرٌ وهم في حال الخوف فكيف بمن جدار بيته قريب من جدار المسجد وهو آمنٌ مطمئن ثم لا يحضر الجماعة؟ ! قال ابن المنذر: "ففي أمر الله بإقامة الجماعة في حال الخوف: دليل على أن ذلك في حال الأمن أوجب" (١). ثم لنُصغِ إلى هذا الحديث الصحيح الذي تُذَّكرنا به جدران المسجد، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ، فَيُحْطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاةِ، فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ، أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا، أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ، لَشَهِدَ العِشَاءَ» رواه البخاري (٢)، والعرْق: العظم، مرماتين: ما بين ظلفي الشاة من اللحم، والظّلف: الظفر. وفي حديث آخر عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ أَثْقَلَ صَلَاةٍ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ، وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ، فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ» رواه مسلم (٣).

стр. 82

قال ابن المنذر: "وفي اهتمامه بأن يحرق على قوم تخلفوا عن الصلاة بيوتهم: أبين البيان على وجوب فرض الجماعة، إذ غير جائز أن يحرِّق الرسول ﷺ مَن تخلف عن ندب، وعما ليس بفرض" (١). أنّ المسجد وبكى فإلى الله المشتكى، أقول قولي هذا وأستغفر الله. الخطبة الثانية: الحمد لله: يئِّن المسجد ويشتكي عندما يهجر الذكر وقراءة القران فيه، ويستبدل بكلام دنيوي صرف كبيع وشراء، بل ويعظم أنينه عندما يكون الكلام فيه محرماً كغيبة ونميمة. فقد روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي المَسْجِدِ، فَقُولُوا: لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ فِيهِ ضَالَّةً، فَقُولُوا: لَا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكَ» (٢). وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «نَهَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَنْ تُنْشَدَ فِيهِ الْأَشْعَارُ» رواه الترمذي، وأبو داود وغيرهما (٣).

стр. 83

يئِّن المسجد ويشتكي عندما يعبث صبيان أو سفهاء بمحتوياته أو يكتب على جدرانه ومرافقه كلاماً لايليق، والله تعالى يقول: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (١)، ولو كان بيتٌ لأحدهم لما تجرأ على رمي ورقة بيضاء! يئِّن المسجد ويشتكي عندما يُهمل بناؤه وتترك عمارته حسيّاً ومعنوياً ويستصغر شأنها، والنبي ﷺ يقول: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ, كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ، أَوْ أَصْغَرَ، بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» رواه ابن ماجة وابن خزيمة وصححه الألباني (٢). أنّ المسجدُ وبكى فإلى الله المشتكى! ليست هذه حقوقه سوى طرفٍ منها .. فكن عبدالله من عُمّار المساجد وروادها والمحافظين عليها فإنها أطهر البقاع عسى الله أن يظلك في ظل عرشه يوم لاظل إلا ظله، فإنّ منهم رجلٌ قلبه معلقٌ بالمساجد. عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣). * * *

стр. 84

أنين مسجد (٢) من أخطاء بعض المصلين: إنَّ الحمد لله .. أيها الأخوة: ثمة ربط عجيب في نصوص السنة النبوية بين حسن المرء صلاته، وتأثير ذلك على من حوله، بل وتأثير ذلك على قبولها عند الله تعالى، ففي يومٍ من الأيام صلى رسول الله ﷺ صلاة بأصحابه، فَقَرَأَ فِيهَا سُورَةَ الرُّومِ، فَلَبَسَ بَعْضُهَا، قَالَ: «إِنَّمَا لَبَسَ عَلَيْنَا الشَّيْطَانُ، الْقِرَاءَةَ مِنْ أَجْلِ أَقْوَامٍ يَأْتُونَ الصَّلَاةَ بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَإِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَأَحْسِنُوا الْوُضُوءَ»؛ رواه الإمام أحمد (١). وفي حديث آخر عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِيُّ ﷺ فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا فَأَدْرَكَنَا - وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصَّلاةُ - وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا. رواه البخاري (٢).

стр. 85

ورواه مسلم بلفظ آخر فيه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: رَجَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَاءٍ بِالطَّرِيقِ تَعَجَّلَ قَوْمٌ عِنْدَ الْعَصْرِ، فَتَوَضَّئُوا وَهُمْ عِجَالٌ، فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ» (١). وفي حديث آخر عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الْمَسْجِدَ , فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى, ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ, فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ» فَرَجَعَ فَصَلَّى كَمَا صَلَّى, ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ, فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ» ثَلاثاً، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لا أُحْسِنُ غَيْرَهُ, فَعَلِّمْنِي, فَقَالَ: «إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ معك مِنْ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعاً، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِماً، ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِداً, ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِساً، وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاتِكَ كُلِّهَا»؛ متفق عليه (٢). إذاً - أيها الأخوة - المسألة ليست يسيرة؟ وكيف تكون كذلك وهي متعلقة بالركن الثاني من أركان الإسلام؟ ، بل إنّ قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾؛ بهذا اللفظ ورد في القران الكريم حوالي خمس عشرة مرة، ومعنى إقامة الصلاة: إقامةُ حدودها وفروضها وأركانها وواجباتها على أكمل وجه، وإلا لما ورد مثل هذا التأكيد على

стр. 86

إقامتها، بل إن إبراهيم ﵇ جعل ذلك من دعائه، فقال ﵇: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ (١)؛ أي: محافظاً عليها مقيماً لحدودها (٢). أَيُّهَا الأخوة: فإذا كان الأمر كذلك فما بال بعض المصلين هداه الله لا يأبه بذلك وتتكرر أخطاؤه.! فمثلاً: هناك من يتهاون في القيام في صلاة الفريضة، مع القدرة عليه، ويصلي على كرسي، والقيام ركن من أركان الصلاة في الفريضة، لا يسقط إلا لعذر، لقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٣)، ولحديث عِمْرَان بْنِ حُصَيْنٍ ﵁، قَالَ: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الصَّلاةِ، فَقَالَ: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» رواه البخاري (٤). ومنهم من يتساهل في قراءة الفاتحة وهي ركن من أركان الصلاة، ففي الصحيحين وغيرهما عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (٥). ومنهم من لا يحرك شفتيه، ولا يسمع نفسه بقراءة الذكر داخل الصلاة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "يجب أن يحرك لسانه بالذكر الواجب في الصلاة من

стр. 87

القراءة ونحوها مع القدرة، ومن قال إنها تصح بدونه يستتاب، ويستحب ذلك في الذكر المستحب" (١). ومنهم من لا يوافق تأمينه تأمين الإمام فيرفع صوته بآمين قبل انتهاء الإمام من الفاتحة ويشوش على غيره، ومنهم العكس لا يرفع صوته بها، والسنة كما روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (٢)، فَقُولُوا: آمِينَ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (٣). وروى أبو داود عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا قَرَأَ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قَالَ: «آمِينَ»، وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ (٤). ومنهم من يرفع قدميه أثناء السجود أو أنفه ولا يسجد على الأعضاء السبعة، والسجود على الأعضاء السبعة ركن، لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ عَلَى الجَبْهَةِ، -وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ- وَاليَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ القَدَمَيْنِ وَلا نَكْفِتَ الثِّيَابَ وَالشَّعَرَ» متفق عليه (٥).

стр. 88

وفي الصحيحين عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الكَلْبِ» (١). ومنهم مَن يفترش رجليه معاً، ومنهم من يطويهما معاً جهة اليمين أو الشمال، ومنهم من ينصبهما معا ويجلس على عقبيه في كل جلوس ... والسنة أن ينصب المصلي رجله اليمنى فيجعلها ممدودة وأصابعها على الأرض متجهة نحو القبلة، ويفترش رجله اليسرى فيجلس عليها، فقد قالت عائشة ﵂ في وَصْف صلاة النبي ﷺ : «وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ، وَيَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ» أخرجه مسلم (٢). ويجوز للمصلي في الجلوس الأخير أن يَنصِبَ اليمنى ويقدّم اليسرى فيجعلها تحت فخذِ اليمنى، ويجلس على مقعدته على الأرض مباشرة، لِما رواه البخاري في صحيحه عن أبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيّ ﵁ في وصفه لصلاة النبي ﷺ ، وفيه: «فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ اليُسْرَى، وَنَصَبَ اليُمْنَى، وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ اليُسْرَى، وَنَصَبَ الأُخْرَى وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ» (٣). وقد ثبت عن النبي ﷺ الأمر بمخالفة سائر الحيوانات في هيئات الصلاة؛ فنهى عن بروك كبروك البعير، وعن التفات كالتفات الثعلب، وعن افتراش كافتراش السبع، وإقعاء كإقعاء الكلب، ونقر كنقر الغراب، ورفع الأيدي كأذناب خيل شمس.

стр. 89

ومنهم من يكثر التحرك والالتفات ورفع بصره نحو السماء، وكل هذا منهي عنه، كما في صحيح البخاري عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الالْتِفَاتِ فِي الصَّلاةِ؟ فَقَالَ: «هُوَ اخْتِلاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلاةِ العَبْدِ» (١)، وعند مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ لَا تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ» (٢)، وفيه أيضاً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ رَفْعِهِمْ أَبْصَارَهُمْ عِنْدَ الدُّعَاءِ فِي الصَّلاةِ إِلَى السَّمَاءِ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ» (٣). وبعضهم من العجلة يسابق الإمام وقد تبطل صلاته بذلك، وقد قال ﷺ : «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، فَإِذَا رَكَعَ، فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ» متفق عليه (٤). ومن احترام المسجد أن لا تؤذي المصلين بالروائح الكريهة كالبصل والثوم والعرق والدخان، ففي صحيح مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ

стр. 90

قَالَ: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ الثُّومِ - وَقَالَ مَرَّةً: مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ - فَلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» (١). أقول قولي هذا وأستغفر الله. الخطبة الثانية: الحمد لله .. أَيُّهَا الأخوة: من أعظم الأخطاء وأقبحها تساهل جار المسجد في الصلاة مع الجماعة، والله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَاءِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ (٢). يا الله يصلون جماعة! ! أمرٌ وهم في حال الخوف، فكيف بمن جدار بيته قريب من جدار المسجد وهو آمنٌ مطمئن ثم لا يحضر الجماعة؟ ! قال ابن المنذر: "ففي أمر الله بإقامة الجماعة في حال الخوف: دليل على أن ذلك في حال الأمن أوجب" (٣). ثم لنُصغِ إلى هذا الحديث الصحيح الذي تُذَّكرنا به جدران المسجد، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ،

стр. 91

فَيُحْطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاةِ، فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ، أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا، أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ، لَشَهِدَ العِشَاءَ» رواه البخاري (١). وفي حديث آخر عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ أَثْقَلَ صَلَاةٍ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ، وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ، فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ» رواه مسلم (٢). قال ابن المنذر: "وفي اهتمامه بأن يحرق على قوم تخلفوا عن الصلاة بيوتهم: أبين البيان على وجوب فرض الجماعة، إذ غير جائز أن يحرِّق الرسول ﷺ مَن تخلف عن ندب، وعما ليس بفرض. اهـ (٣). أصلح الله أحوال المسلمين * * *

стр. 92

من أحكام الزكاة إنَّ الحمد لله .. أَيُّهَا الأخوة: مضى الثلث والثلث كثير .. أينَ المقصرُ هل من منادٍ له بالركب يلحق؟ ! .. السعداء قطعوا أشواطاً في العبادة من صلاةٍ وصيام وصدقةٍ وقرآنٍ وذكر ودعاء .. سباقٌ ومسارعة ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١)، ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٢). أَيُّهَا الأخوة: الزكاة قرينة الصلاة والصوم، فرضيتها ثابتة في القران والسنة، وأجمع المسلمون على ذلك، قرنت بالصلاة في غير ما آية من كتاب الله، بل هِيَ قَرِينَةُ الصَّلَاةِ فِي أَكْثَرِ الْآيَاتِ، وَقَاتَلَ الصِّدِّيقُ ﵁ مَانِعِيهَا، وَقَالَ قَوْلَتَهُ الشَّهِيرَةَ:

стр. 93

«وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). فمن جحد وجوب الزكاة، فقد كفر بإجماع أهل العلم لأنه أنكر معلوماً من الدين بالضرورة، وأمّا من منعها بخلاً وتهاوناً مع اعتقاد وجوبها، فهو على خطرٍ عظيم لأنّه فرّط بركن من أركان الإسلام، وهو تحت مشيئة الله إن شاء غفر له، وإن شاء عذّبه، قال الله تعالى محذراً أولئك المفرطين بأداء زكاة أموالهم: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ﴾ (٢)، وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (٣). قال ﵊: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ» رواه مسلم (٤). نعوذ بالله من ذلك .. ما قيمة هذه الأموال التي تكنز عند ذلك العذاب؟ !

стр. 94

أَيُّهَا الأخوة: لقد جاءت النصوص عامة مطلقة، في وجوب الزكاة في الذهب والفضة. ففي الذهب إذا بلغ عشرين ديناراً أي: خمسة وثمانين جراماً تقريباً، وفي الفضة، إذا بلغت مائتي درهم، أي خمس مائة وخمسة وتسعين جراماً هذا هو نصاب الذهب والفضة، وما يعادلها من الأوراق النقدية بما هو الأحظ للفقير على الصحيح، فما كان أقل منه فلا زكاة فيه، وما كان منه فأكثر، ففيه ربع العشر، أي اثنان ونصف في المائة. وبهذا صدر قرار المجمع الفقهي بمكة المكرمة، وعليه فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية (١). وأما حلي المرأة، من الذهب والفضة إذا كانت تكنزه ففيه الزكاة قولاً واحداً لعموم الآية، وأما إذا كانت تلبسه أو تُعيره، فقد اختلف العلماء -رحمهم الله تعالى-، قديماً وحديثاً .. وفتوى كبار علماء عصرنا ﵏؛ كالشيخ ابن باز وابن عثيمين ﵏ يرون وجوب الزكاة فيه (٢)، لحديث عَمْرو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَبِنْتٌ لَهَا، فِي يَدِ ابْنَتِهَا مَسَكَتَانِ غَلِيظَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: «أَتُؤَدِّينَ زَكَاةَ هَذَا؟ » قَالَتْ: لَا، قَالَ: «أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ بِهِمَا

стр. 95

يَوْمَ الْقِيَامَةِ سِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ»، قَالَ: فَخَلَعَتْهُمَا فَأَلْقَتْهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: هُمَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ (١). ومما تجب فيه الزكاة أيضاً عروض التجارة، وهي ما أعده الإنسان للبيع، والاتجار به، من حيوان وعقار وأثاث ومتاع وغير ذلك، فإذا حال عليها الحول، فتُقَوَّم كم تساوي، ثم يُخرج ربع عشر قيمته. وأما العقارات التي أعدها الإنسان له، ولا يريد بيعها، وإنما يريد أن يسكنها، فهذه ليس فيها زكاة، ولا زكاة فيما أعده الإنسان لبيته من الأواني والفرش ونحوها .. وأما بالنسبة للعقارات المعدة للإيجار فإن الزكاة في ربع العشر من قيمة الإيجار إذا حال عليها الحول، وليس من قيمة العقار نفسه، وإذا كان هناك أراضٍ عند أحد فإن كان يريدها للسكنى وينوي أن يبنيها ثم يسكنها فهذه لا زكاة عليها وإن بقيت لعدة سنوات. وإذا كان يبيع ويشتري بها فحكمها حكم عروض التجارة، تُقَّوم كل سنة ثم يزكى ربع العشر من قيمتها. وأما بالنسبة للديون التي عند الناس، فلا يجب عليك إخراج زكاتها على الصحيح حتى تقبضها، فإذا قبضتها فإن كان الدين على مليء باذل، وجب أن تخرج

стр. 96

عنه زكاة كل السنوات الماضية، وإن كان على فقير لم يجب أن تخرج إلا عن سنة واحدة فقط على الصحيح، وإن أخرجت زكاة الدين قبل قبضه فلا بأس (١). وأمّا زكاة سندات البنوك فلا تجب الزكاة في الفوائد الربوية، ولكن تجب الزكاة في أصل السند فقط. وهذه السندات عبارة عن ديون على بنوك أو شركات أو دول، وهي في حكم المليء الباذل ولو كانت مؤجلة، فيجب إخراج الزكاة عن أصول السندات كلما حال الحول. وأمّا زكاة الصناديق الاستثمارية فمالك المال: تجب عليه الزكاة أصلاً وربحاً، فيُزكي أمواله زكاة عروض التجارة، فينظر إذا حال الحول إلى قيمة أسهمه السوقية كم تساوي، ثم يخرج ربع العشر، وإذا حصل على شيء من الأرباح فإنه يخرج ربع عشرها (٢). وتجب الزكاة على أيضاً أصحاب الأسهم، إذا لم تخرجها إدارة الشركة نيابة عنهم. وإذا لم تخرج الشركة الزكاة، فإن عرف المالك للأسهم نصيبه من الزكاة أخرجه، وإن لم يعرف فحسب تقويم أهل الخبرة (٣) أقول قولي هذا وأستغفر الله.

стр. 97

_________ = "أولاً: تجب زكاة الأسهم على أصحابها، وتخرجها إدارة الشركة نيابة عنهم إذا نص في نظامها الأساسي على ذلك، أو صدر به قرار من الجمعية العمومية، أو كان قانون الدولة يلزم الشركات بإخراج الزكاة، أو حصل تفويض من صاحب الأسهم لإخراج إدارة الشركة زكاة أسهمه. ثانياً: تخرج إدارة الشركة زكاة الأسهم كما يخرج الشخص الطبيعي زكاة أمواله، بمعنى أن تعتبر جميع أموال المساهمين بمثابة أموال شخص واحد، وتفرض عليها الزكاة بهذا الاعتبار من حيث نوع المال الذي تجب فيه الزكاة، ومن حيث النصاب، ومن حيث المقدار الذي يؤخذ، وغير ذلك مما يراعي في زكاة الشخص الطبيعي، وذلك أخذاً بمبدأ الخلطة عند من عمّمه من الفقهاء في جميع الأموال ويطرح نصيب الأسهم التي لا تجب فيها الزكاة، ومنها أسهم الخزانة العامة، وأسهم الوقف الخيري، وأسهم الجهات الخيرية، وكذلك أسهم غير المسلمين. ثالثاً: إذا لم تزك الشركة أموالها لأي سبب من الأسباب، فالواجب على المساهمين زكاة أسهمهم، فإذا استطاع المساهم أن يعرف من حسابات الشركة ما يخص أسهمه من الزكاة لو زكت الشركة أموالها على النحو المشار إليه زكى أسهمه على هذا الاعتبار، لأنه الأصل في كيفية زكاة الأسهم. وإن لم يستطيع المساهم معرفة ذلك: فإن كان ساهم في الشركة بقصد الاستفادة من ربح الأسهم السنوية، وليس بقصد التجارة فإنه يزكيها زكاة المستغلات، وتمشياً مع ما قرره مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثانية بالنسبة لزكاة العقارات والأراضي المأجورة غير الزراعية، فإن صاحب هذه الأسهم لا زكاة عليه في أصل السهم وإنما تجب الزكاة في الربح وهي ربع العشر بعد دوران الحول من يوم قبض الربح مع اعتبار توافر شروط الزكاة وانتفاء الموانع. وإن كان المساهم قد اقتنى الأسهم قصد التجارة، زكاها زكاة عروض التجارة، فإذا جاء حول زكاته وهي في ملكه، زكى قيمتها السوقية، وإذا لم يكن لها سوق زكى قيمتها بتقويم أهل الخبرة فيخرج ربع العشر ٢، ٥% من تلك القيمة ومن الربح إذا كان للأسهم ربح. رابعاً: إذا باع المساهم أسهمه في أثناء الحول ضم ثمنها إلى ماله وزكاه معه عندما يجئ حول زكاته، أمّا المشتري فيزكي الأسهم التي اشتراها على النحو السابق ١ هـ. وعليه: - ١ - فالمستثمر يزكي أسهمه بحسبما يقابلها من موجودات زكوية في الشركة (إن لم تزك الشركة). =

стр. 98

الخطبة الثانية: الحمد لله أما بعد: أَيُّهَا الأخوة: اعْتَادَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنْ يَجْعَلُوا شَهْرَ رَمَضَانَ مَوْعِدًا لِإِخْرَاجِ زَكَوَاتِهِمْ، وَبَذْلِ صَدَقَاتِهِمْ، وَكَثْرَةِ إِحْسَانِهِمْ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُوضَعَ الْإِحْسَانُ فِي مَحَلِّهِ، وَأَنْ تُصْرَفَ الزَّكَاةُ لِأَهْلِهَا الْمُسْتَحِقِّينَ لَهَا الَّذِينَ عَيَّنَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ، كما قال الله تعالى في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١)، وقد أَوْصَى النَّبِيُّ ﷺ بِالمتعففين حِينَ قَالَ: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَكِنِ الْمِسْكِينُ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلَا يُفْطَنُ بِهِ، فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ» رَوَاهُ

стр. 99

الشَّيْخَانِ (١)، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «إِنَّمَا الْمِسْكِينُ الْمُتَعَفِّفُ»، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (٢) (٣). فَلْنَحْرِصْ - عِبَادَ اللَّهِ - عَلَى وَضْعِ الْإِحْسَانِ فِي مَوْضِعِهِ، وَدَفْعِ الزَّكَاةِ لِمُسْتَحِقِّهَا؛ لِتَبْرَأَ الذِّمَّةُ بِهَا، وَتُحَقِّقَ مَقْصِدَهَا، وَتُغْنِيَ الْفُقَرَاءَ الْمُتَعَفِّفِينَ، فَيُبَارَكَ فِيهَا لِدَافِعِهَا وَلِآخِذِهَا الْمُسْتَحِقِّ لَهَا، وَتَكُونَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا وَشَرَعَهَا ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٤) (٥). أيها الأخ المبارك: إذا أعطيت زكاتك شخصاً يغلب على ظنك أنه مستحق، فتبين لك فيما بعد أنه غير مستحق، أجزأت عنك، والإثم عليه، حيث أخذ ما لا يستحق. ويجوز، أن تدفع الزكاة إلى أقاربك الذين لا تُنفق عليهم، إذا كانوا من أحد الأصناف الثمانية، كما يجوز أن تدفعها لشخص محتاج للزواج، إذا لم يكن عنده ما يتزوج به. ولا يجوز كذلك صرف الزكاة في بناء المساجد والمدارس، وإصلاح الطرق ونحوها.

стр. 100

ولا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول، فلو تلف المال قبل تمام الحول أو نقص النصاب فلا زكاة فيه (١). ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم * * *

стр. 101

من معين رمضان الحمد لله الوليِّ الحميدِ .. الغَنِيِّ الكَرِيمِ .. يُنْعِمُ على عبادِه بالخيرات، وَيَفْتَحُ لهم أَبْوَابَ البَرَكَاتِ، وَيُعِينُهُمْ على فِعْلِ الحَسَنَاتِ .. وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ .. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ القائل: «أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ» أخرجه النسائي، وصححه الألباني (١). صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢).

стр. 102

الدنيا كالفلاةِ في الأرضِ يسير العطشانُ فيها، فإذا أبصرَ ماءً معيناً توَّقفّ عندَه وارتوى وأروى، هكذا هي المواسمُ الفاضلةٌ في سيرنا في هذه الحياة. ها هي دورةُ الفلكِ استدارت، وها نحنُ نُبصر ونعيشُ مع رمضانَ من جديد .. فما أجملَ استقبالَه بصفاءِ النفوس، والمحافظة عَلَى الفَرَائِضِ، وإتباعها بِالنَّوَافِلِ، وملازمة المَسَاجِدَ، وإدمان القراءة في المَصَاحِف، وإطعام الطَّعَامَ، وَسقيا العَطْشَان، وَبذل الإِحْسَان والبِرِّ، وَاحْتَسِاب الأَجْر، ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١). من معين رمضان: التقوى .. يقول ابن عاشور عن سبب خِتام آية الصيام الأولى بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾: بيانٌ لحكمة الصيام وما لأجله شرع، فهو في قوَّة المفعول لأجله، والتقوى الشرعيَّة هي اتِّقاء المعاصي، وإنما كان الصيام مُوجِبًا لاتِّقاء المعاصي، لأنَّه يعدل القوى الطبيعيَّة التي هي داعية تلك المعاصي، ليَرتَقِي المسلم به عن حضيض الانغماس في المادَّة إلى أوْج العالم الرُّوحاني، فهو وسيلةٌ للارتِياض بالصفات الملكيَّة، والانتِفاض من غبار الكدرات الحيوانيَّة. وقد قال أبو هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : «الصيام جُنَّة» (٢). أي: وقاية تُتَّقى به الآفات والمخاطر (٣).

стр. 103

فهل من استهان بالمحرمات كالغيبة والنميمة حققّ التقوى ونهل من معين رمضان .. ؟ ! كيف وقد قال ﷺ : كما جاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» رواه البخاري (١). يا الله .. «رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ» رواه أحمد (٢). قال جابر بن عبد الله الأنصاري: "إذا صمتَ فليصم سمعُك وبصرُك ولسانُك عن الكذب، والمأثم، ودع أذى الخادم، وليكن عليك وقارٌ وسكينةٌ يومَ صومك، ولا تجعل يوم فطرك ويوم صومك سواء". وعن حفصة بنت سيرين، وكانت عالمة من التابعين قالت: "الصيام جُنَّة، ما لم يخرقها صاحبها، وخرقها الغيبة. وعن ميمون بن مهران: "إن أهون الصوم ترك الطعام والشراب" (٣). وهل حققّ التقوى ونَهل من مَعينِ رمضانَ من تساهل في النظرِ إلى المحرمات؟ ! أَيُّهَا الأخوة: مَعْصِيَةُ النَّظَرِ إِلَى المُحَرَّمَاتِ تُحِيطُ بِنَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَبُيُوتُنَا مَلِيئَةٌ بِهَا، وَهِيَ فِي غُرَفِنَا، وَفِي جُيُوبِنَا لا تُفَارِقُنَا أَبَدًا، فَهَلْ نُعْلِنُ انْتِصَارَنَا عَلَى النَّظَرِ

стр. 104

إِلَى المُحَرَّمَاتِ، وَنُوجِدُ الوَسَائِلَ الحَافِظَةَ لِأَبْصَارِنَا، لِتَصِحَّ قُلُوبُنَا، وَتَسْتَقِيمَ أَحْوَالُنَا، وَنَجِدَ لَذَّةً فِي عِبَادَتِنَا، وَحَلاوَةً فِي مُنَاجَاةِ رَبِّنَا؟ ! إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَمَرَنَا بِغَضِّ الأَبْصَارِ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ، ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (١)، وَفِي آيَةٍ أُخْرَى ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ (٢)، وَإِنَّ الاسْتِهَانَةَ بِالنَّظَرِ إِلَى امْرَأَةٍ سَافِرَةٍ فِي نَشْرَةٍ إِخْبَارِيَّةٍ، أَوْ مَقْطَعٍ فُكَاهِيٍّ، فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِلْأَمْرِ الرَّبَّانِيِّ بِغَضِّ الأَبْصَارِ، فَكَيْفَ بِمَا هُوَ شَرٌّ مِنْ ذَلِكَ فِي أَغَانٍ مُصَوَّرَةٍ خَلِيعَةٍ، وَأَفْلامٍ وَمُسَلْسَلاتٍ رَقِيعَةٍ؟ ! وَفِي رَمَضَانَ يَنْشَطُ أَهْلُ الشَّرِّ وَالحَرَامِ لِيُوقِعُوا النَّاسَ فِي مَعَاصِي النَّظَرِ، لِيَصِلَ أَثَرُهَا لِلْقُلُوبِ فَتَقْسُو، فَيَتَثَاقَلُ أَصْحَابُهَا عَنِ الطَّاعَات (٣). يَقُولُ أَبُو الحُسَيْنِ الوَرَّاقُ: "مَنْ غَضَّ بَصَرَهُ عَنْ مُحَرَّمٍ أَوْرَثَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ حِكْمَةً عَلَى لِسَانِهِ يَهْدِي بِهَا سَامِعُوهُ وَمَنْ غَضَّ بَصَرَهُ عَنْ شُبْهَةٍ نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ بِنُورٍ يَهْتَدِي بِهِ إِلَى طَرِيقِ مَرْضَاتِهِ. عَلَّقَ عَلَى ذَلِكَ الإِمَامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فَقَالَ: "وَهَذَا لِأَنَّ الجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ العَمَلِ، فَإِذَا كَانَ النَّظَرُ إِلَى مَحْبُوبٍ فَتَرَكَهُ للهِ عَوَّضَهُ اللهُ مَا هُوَ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْهُ، وَإِذَا كَانَ النَّظَرُ بِنُورِ العَيْنِ مَكْرُوهًا أَوْ إِلَى مَكْرُوهٍ فَتَرَكَهُ للهِ أَعْطَاهُ اللهُ نُورًا فِي قَلْبِهِ وَبَصَرًا يُبْصِرُ بِهِ الحَقَّ" (٤).

стр. 105

ومن معين رمضان: تربيةُ النفس على الإيمانِ، والاحتسابِ، والإخلاصِ: إذ قال النبي ﷺ كما في الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (١)، قال الإمام النووي: معنى إيماناً: تصديقاً بأنه حق مقتصد فضيلته، ومعنى احتساباً، أنه يريد الله تعالى لا يقصد رؤية الناس، ولا غير ذلك مما يخالف الإخلاص. (٢). ومن معين رمضان: الارتباطُ بالله وكثرةُ الذكرِ والدعاءِ وقراءةِ القران .. ولا أدَلَّ من ذلك أن اللهَ تعالى ذكر في آياتِ الصيام قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (٣)، فالجُملة معطوفةٌ على الجملِ السابقة المتعاطفةِ أي ﴿لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا .. وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، ثم التَفَت إلى خطاب النبي ﷺ وحدَه لأنه في مقام تبليغ فقال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾، أي العبادُ الذين كان الحديثُ معهم، ومقتضى الظاهر أن يقال ولعلكم تشكرون، وتدعون فأستجيب لكم إلاّ أنه عدل عنه ليحصل في خلال ذلك تعظيمُ شأن النبي ﷺ بأنه يسأله المسلمون عن أمر الله تعالى، والإشارةُ إلى جواب من عسى أن يكونوا سألوا النبي ﷺ عن كيفية الدعاء هل يكون جهراً أو سراً؟

стр. 106

وليكون نظم الآية مؤذناً بأن الله تعالى بعدَ أن أمرَهم بما يجب له عليهم أكرمهم فقال: وإذا سألوا عن حقهم عليَّ فإني قريب منهم أجيب دعوتهم (١). وأمّا القران في رمضان فذاك شأنٌ لعباد اختارهم الله تعالى ليرفعهم بهذا القران العظيم .. بعض الصالحين ﵏ يختمُ كل ثلاث في رمضان، وبعضهم كل يومين، بل نُقل عن الشافعي ستون ختمة في رمضان واحدة في الليل وواحدة في النهار، وقيل كان الإمام ابن عساكر يحاول اللحاق بالشافعي -رحمهما الله- فاعتكف بالمنارة البيضاء فلم يستطع أن يختم إلا تسعاً خمسين ختمة! ! القران يسير على من يسرّه الله عليه، من المعاصرين من أصحاب الهمم العالية من يختم حدراً في حوالي ست ساعات في الأوقات الفاضلة. وورود النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث (ليال) المقصود به المداومة على ذلك، فأما في الأوقات والأزمان الفاضلة فيستحب الإكثار وهذا قول أحمد وإسحاق (٢). فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادك .. أقول قولي هذا وأستغفر الله. الخطبة الثانية: الحمد لله ..

стр. 107

ومن معين رمضان: التربيةُ على سخاءِ النفسِ بالإحسانِ والصدقاتِ وتفطيرِ الصوّام .. كان النبيُّ ﷺ أجودَ الناس، وأجودُ ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، وكان جبريلُ ﵇ يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة (١). يقول ابن القيم: كان رسولُ الله ﷺ أعظمَ الناس صدقة بما ملكت يده، وكان لا يستكثر شيئاً أعطاه ولا يستقله، وكان عطاؤه عطاء من لا يخشى الفقر، وكان سروره وفرحه بما يعطيه أعظمَ من سرور الآخذ بما يأخذه، وكان أجود الناس بالخير، يمينه كالريح المرسلة، وكان إذا عرض له محتاج آثره على نفسه تارة بطعامه وتارة بلباسه، وكان يُنوّعُ في أصنافِ عطائه فتارة بالهبة، وتارة بالصدقة، وتارة بالهدية، وتارة بشراء الشيء ثم يعطي البائع الثمن والسلعة جميعاً، وكان يأمر بالصدقة ويحض عليها ويدعو إليها بفعله وقوله، فإذا رآه البخيل والشحيح دعاه حاله إلى البذل والعطاء .. إلى أن قال: إذا فهمت ما تقدَّم من أخلاقه فينبغي على الأمةِ التأسيَّ والاقتداءَّ به في السخاءِ والكرمِ والجود، والإكثارُ من ذلك في شهر رمضان لحاجة الناس فيه إلى البر والإحسان، ولشرف الزمان ومضاعفة أجر العامل فيه (٢). اللهم اجعلنا من المتبعين المتأسين بسنة رسولك ﷺ . * * *

стр. 108

رمضان وبدر والعشر إنَّ الحمد لله .. أما بعد: فيا عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله . أَيُّهَا الأخوة: ها هو شهر رمضان قد انتصف، بل وزاد. فهل فينا من قهر نفسه وانتصف؟ وهل فينا من قام فيه بما عرف؟ وهل تشوقت أنفسنا لنيل الشرف؟ ! ما أَسرعَ مُرُورَ اللَّيَالي وَمُضِيَّ الأَيَّامِ! وَمَا أَعجَلَ انقِضَاءَ الأَوقَاتِ وَذَهَابَ السَّاعَاتِ! بِالأَمسِ القَرِيبِ دَخَلَ شَهرُ رَمَضَانَ المُبَارَكُ، وَكَانَ المُسلِمُونَ في شَوقٍ عَظِيمٍ لِبُلُوغِهِ، وَكَانَت نُفُوسُهُم في لَهفَةٍ شَدِيدَةٍ لإِدرَاكِهِ، ثُمَّ هَا هُوَ اليَومَ قَد مَضَى نِصفه عَلَى عَجَلٍ (١).

стр. 109

«اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ» (١). ولربما منا من يكون هذا الشهر آخرَ رمضانَ يعيشه، فيكون ممّن أُعتق فيه من النار إذا أتى بأسباب توجب له الرحمة والمغفرة والعتق من النار، من الصيام والقيام، وقراءة القرآن والذكر، ومساعدة الفقراء والمحتاجين وإطعامهم، والصدقة والاستغفار، وغير ذلك من الأعمال الصالحة. وقد روى الترمذي وغيره بسند صحيح «إن وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ» (٢). أَيُّهَا الأخوة: في مثل الليلة القادمة ليلة السابع عشر من رمضان في السنة الثانية للهجرة، كان يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، يوم أعز الله فيه جنده، ونصر فيه عبده، يوم قال فيه ﷺ : «لَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» (٣)، خرج ﷺ مع ثلاثمائة وبضعة رجلاً من المهاجرين والأنصار، من أفضل الخلق يومئذ، خرجوا بعد ما أعلن رسول الله ﷺ في المسلمين قائلاً: هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله يُنفِلكُمُوها.

стр. 110

ولم يعزم على أحد بالخروج، بل ترك الأمر للرغبة المطلقة، لما أنه لم يكن يتوقع عند هذا الانتداب أنه سيصطدم بجيش مكة- بدل العير- هذا الاصطدام العنيف في بدر، ولذلك تخلف كثير من الصحابة ﵃ في المدينة، وهم يحسبون أن مضي رسول الله ﷺ في هذا الوجه لن يعدو ما ألفوه في السرايا الماضية، ولذلك لم يُنكر على أحد تخلفه في هذه الغزوة (١). قسم ﷺ جيشه إلى كتيبتين: ١ - كتيبة المهاجرين، وأعطى علمها علي بن أبي طالب. ٢ - كتيبة الأنصار، وأعطى علمها سعد بن معاذ. ثم سار رسول الله ﷺ في هذا الجيش غير المتأهب، فخرج من نقب المدينة، حتى بلغ بئر الروحاء، ولما ارتحل منها، ترك طريق مكة بيسار، وانحرف ذات اليمين على النازية (يريد بدراً)، فسلك في ناحية منها، حتى قرب من الصفراء، وهنالك بعث بعض من يرقب عير قريش. وفي المقابل فقد بلغ أبا سفيان خروجُ المسلمين لملاقاة القافلة، فبعث رجلاً اسمه ضَمْضَم الغفاري إلى مكة يستصرخ قريشًا أن ينفروا لحماية تجارتهم، فنهضوا مسرعين، وخرجوا من ديارهم كما قال الله تعالى: ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢).
следующие страницы →